بالعين المهملة، وفِي رواية ابن عساكر: "استغفروا" بغين معجمة وزيادة راء، وهي رواية الإسماعيلي في المستخرج.
قَوْلُهُ: (فإنه كَانَ يُحب العفو) فيه إشارة إلَى أن الجزاء يقع من جنس العمل.
قَوْلُهُ: (قُلْت: أبايعك) ترك أداة العطف إما لأنه بدل من أتيت أو استئناف.
قَوْلُهُ: (والنصح) بالخفض عطفًا عَلى الإسلام، ويَجوز نصبه عطفًا عَلى مقدر، أي: شَرطَ علي الإسلام والنصيحة، وفيه دليل عَلى كمال شفقة الرسول ﷺ .
قَوْلُهُ: (عَلى هذا) أي: عَلى ما ذكر.
قَوْلُهُ: (ورب هذا المسجد) يشعر بأن خطبته كانت في المسجد، ويَجوز أن تكون إشارة إلَى جهة المسجد الحرام، ويدل عليه رواية الطبراني بلفظ: "ورب الكعبة" (١)، وذكر ذَلِكَ للتنبيه عَلى شرف المقسم به ليكون أدعى للقبول.
قَوْلُهُ: (لناصح) أشار إلَى أنه وَفَّى بما بايع عليه الرسول، وأن كلامه خالص عن الغرض.
قَوْلُهُ: (ونزل) مشعر بأنه خطب عَلى المنبر؛ إذ المراد قعد؛ لأنه في مقابلة قَوْله: "قام فحمد الله".
* فائدة:
التقييد بالمسلم للأغلب، وإلا فالنصح للكافر معتبر بأن يدعى إلَى الإسلام، ويشار عليه بالصواب إِذا استشار. واختلف العلماء في البيع عَلى بيعه ونحو ذَلِكَ، فجزم أَحْمَد أن ذلكَ يَختص بالمسلمين واحتج بهذا الحديث.
* فائدة أخرى:
ختم البُخَاريّ كتاب الإيمان بباب النصيحة مشيرًا إلَى أنه عمل بمقتضاه في الإرشاد إلَى العمل بالحديث الصحيح دون السقيم، ثُمَّ ختمه بخطبة جرير المتضمنة لشرح حاله في تصنيفه.
стр. 422
فأومأ بقوله: "فإنما يأتيكم الآن" إلَى وجوب التمسك بالشرائع حَتَّى [١١٤/ أ] يأتي من يقيمها؛ إذ لا تزال طائفة منصورة: وهم فقهاء أصحاب الحديث.
وبقوله: "استعفوا لأميركم" إلَى طلب الدعاء له لعمله الفاضل.
ثُمَّ ختم بقوله: "استغفر ونزل" فأشعر بختم الباب، ثُمَّ عقبه بكتاب العلم، لما دل عليه حديث النصيحة أن معظمها يقع بالتعلم والتعليم.
* خاتمة:
اشتمل كتاب الإيمان ومقدمته من بدء الوحي من الأحاديب المرفوعة عَلى أحدٍ وثَمانين حديثًا بالمكرر، منها في بدء الوحي خمسة عشر، وفِي الإيمان ستة وستون، المكرر منها ثلاثة وثلاثون:
منها في المتابعات بصيغة المتابعة أو التعليق اثنان وعشرون، في بدء الوحي ثمانية، وفي الإيمان أربعة عشر.
ومن الموصول المكرر ثمانية.
ومن التعليق الَّذِي لَم يوصل في مكان آخر ثلاثة.
وبقية ذَلِكَ وهي ثمانية وأربعون حديثًا موصولة بغير تكرير.
وقد وافقه مُسْلِم عَلى تخريجها إلا سبعة وهي: الشعبي عن عبد الله بن عمرو في المسلم والمهاجر، والأعرج عن أبي هُرَيْرَةَ في حب الرسول، وابن أبي صعصعة عن أبي سعيد في الفرار من الفتن، وأنس عن عُبَادة في ليلة القدر، وسعيد عن أبي هُرَيْرَةَ في الدين يُسْر، والأحنف عن أبي بكرة في القاتل والمقتول، وهشام عن أبيه عن عائشة في أنا أعلمكم بالله.
وجَميع ما فيه من الموقوفات عَلى الصحابة والتابعين ثلاثة عشر أثرًا معلقة [غير] (١) أثر ابن الناطور فهو موصول، وكذا خطبة جرير الَّتِي ختم بها كتاب الإيمان، والله أعلم.
стр. 423
٣ - كتاب العلم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - باب: فَضْلِ الْعِلْمِ
وَقَوْلُ الله : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. وَقَوْلُهُ : ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.
قَوْلُهُ: (كتاب العلم، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، باب: فضل العلم).
هكذا في رواية الأصِيلي وكَريمة وغيرهما، وفِي رواية أبي ذر تقديم البسملة، وقد قدمنا توجيه ذَلِكَ في كتاب الإيمان، وليس في رواية المُسْتَمْلي لفظ: "باب"، ولا في رواية رفيقه لفظ: كتاب العلم.
* فائدة:
قَالَ القاضي أبو بكر ابن العربي: بدأ المصنف بالنظر في فضل العلم قبل النظر في حقيقته؛ وذلك لاعتقاده أنه في نهاية الوضوح فلا يحتاج إلَى تعريف، أو لأن [١١٤/ ب] النظر في حقائق الأشياء ليس من فن الكتاب، وكل من العذرين ظاهر؛ لأن البُخَاريّ لَم يضع كتابه لحدود الحقائق وتصورها؛ بل هو جارٍ عَلى أساليب العرب القديمة، فإنَّهم يبدءون بفضيلة المطلوب للتشويق إليه إِذَا كانت حقيقته مكشوفة معلومة.
قَوْلُهُ: (وقول الله ) ضبطناه في الأصول بالرفع عَلى الاستئناف.
قَوْلُهُ: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١].
فقيل في تفسيرها: يرفع الله المؤمن العالم عَلى المؤمن غير العالم، ورِفْعَة
стр. 424
الدرجات تدل عَلى الفضل؛ إذ المراد به: كثرة الثواب وبها ترتفع الدرجات.
وفِي صحيح مُسْلِم عن نافع بن عبد الحارث الخزاعي -وَكَانَ عامل عمر عَلى مكة- أنه لقيه بعُسْفَان فَقَالَ له: من استخلفت؟ فَقَالَ: استخلفت ابن أبزى مولى لنا، فَقَالَ عمر: استخلفت مولى؟ قَالَ: إنه قارئ لكتاب الله عالِمٌ بالفرائض، فَقَالَ عمر: أمَا إن نبيكم قد قَالَ: "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضعُ به آخرين" (١).
وعن زيد بن أسلم في قَوْله تعالَى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف: ٧٦]. قَالَ: بالعلم (٢).
قَوْلُهُ: (وقوله : ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١)﴾ [طه: ١١٤]). واضح الدلالة في فضل العلم؛ لأن الله لم يأمر نبيه بطلب الازدياد من شيء إلا من العلم، والمراد بالعلم: العلم الشرعي الَّذِي يُفيد معرفة ما يَجب عَلى المكلف من أمر دينه في عباداته ومعاملاته، ومدار ذَلِك عَلى التفسير والحديث والفقه.
وقد ضرب هذا الجامع الصحيح في كل من الأنواع الثلاثة بنصيب، فرضي الله عن مصنفه، وأعاننا عَلى ما تصدينا له من توضيحه بمنه وكرمه.
فإن قيل: لِمَ لَمْ يُورد المصنف في هذا الباب شيئًا من الحديث؟
فالجواب: أنه إما أن يكون اكتفى بالآيتين الكريمتين، وإما بَيَّض له ليلحق فيه ما يناسبه فلم يتيسر، وإما أورد فيه حديث ابن عمر الآتي بعد باب رفع العلم ويكون وضعه هناك من تصرف بعض الرواة، وفيه نظر عَلى ما سنبينه هناك إن شاء الله تعالَى.
стр. 425
٢ - باب: مَنْ سُئِلَ عِلْمًا وَهُوَ مُشْتَغِلٌ في حَدِيثِهِ فَأَتَمَّ الْحَدِيثَ ثُمَّ أَجَابَ السَّائِلَ
٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن سِنَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، ح وَحَدَّثَني إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، قَالَ: حَدَّثَني أَبِي قَالَ: حَدَّثَني هِلَالُ بْنُ عَليٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ في مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ يحَدِّثُهُ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ، فَكَرِهَ مَا قَالَ، وَقَالَ بَعْضُهمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ، حَتَى إِذَا قَضَى حَدِيثه قَالَ: "أَيْنَ أُرَاهُ السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ؟ ". قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ الله، قَالَ: "فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ". قَالَ: كيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: "إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إَلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ".
قَوْلُهُ: (باب: من سئل علمًا [١١٥/أ] وهو مشتغل) محصله التنبيه عَلى آداب العالم والمتعلم.
أما العالم: فلما تضمنه من ترك زجر السائل، بل أدبه بالإعراض عنه أولًا حَتَّى استوفى ما كَانَ فيه، ثُمَّ رجع إلَى جوابه فرفق به؛ لأنه من الأعراب وهم جفاة.
وفيه العناية بجواب سؤال السائل ولو لَم يكن السؤال متعينًا ولا الجواب.
وأما المتعلم: فلما تضمنه من تأديب السائل ألَّا يسأل العالم وهو مشتغل بغيره، لأن حق الأول مقدم.
ويؤخذ منه: أخذ الدروس عَلى السبق، وكذلك الفتاوى والحكومات ونحوها.
وفيه مراجعة العالم إذَا لَم يفهم ما يجيب به حَتَّى يتضح لقوله: "كيف إضاعتها"، وبوب عليه ابن حبان: "إباحة إعفاء المسئول عن الإجابة عَلى الفور" (١)، لكن سياق القصة يدل عَلى أن ذَلِكَ ليس عَلى الإطلاق.
стр. 426
قَوْلُهُ: (فُلَيْح) بصيغة التصغير: هو ابن سليمان أبو يحيى المدني، من طبقة مالك، وهو صدوق تَكَلَّم بعض الأئمة في حفظه، ولم يخرج البُخَاريّ من حديثه في الأحكام إلا ما توبع عليه، وأخرج له في المواعظ والآداب وما شاكلها طائفة من أفراده، وهذا منها، وإنما أورده عاليًا عن فُليح بواسطة مُحَمَّد بن سِنَان فقط، ثُمَّ أورده نازلًا بواسطة مُحَمَّد بن فُليح وإبراهيم بن المنذر عن مُحَمَّد (١)؛ لأنه أورده في كتاب الرقاق عن مُحَمَّد ابن سِنَان فقط (٢)، فأراد أن يفيد هُنَا طريقًا أخرى، ولأجل نزولها قرنها بالرواية الأخرى.
و(هلال بن علي) يقالُ له: هلال بن أبي ميمونة وهلال بن أبي هلال، فقد يُظن ثلاثة وهو واحد، وهو من صغار التابعين، وشيخه في هذا الحديث من أوساطهم.
قَوْلُهُ: (يحدث) هو خبر المبتدأ، وحُذف مفعوله الثاني لدلالة السياق عليه، والقوم: الرجال، وقد يدخل فيه النساء تبعًا.
قَوْلُهُ: (جاءه أعرابي) لَم أقف على تسميته.
قَوْلُهُ: (فمضى) أي: استمر (يحدثه)، كذا في رواية الْمُسْتَمْلِي والْحَمَوي بزيادة هاء، وليست في رواية الباقين، وإن ثبتت فالمعنى: يحدث القوم الحديث الَّذِي كَانَ فيه، وليس الضمير عائدًا عَلى الأعرابي.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ بعض القوم: نسمع ما قَالَ) [١١٥/ ب] إنَّما حصل لَهم التردد في ذلِكَ لما ظهر من عدم التفات النَّبِيّ ﷺ إلَى سؤاله وإصغائه نَحوه، ولكونه كَانَ يكره السؤال عن هذه المسألة بخصوصها، وقد تبين عدم انحصار ترك الجواب في الأمرين المذكورين، بل احتمل كما تقدم أن يكون أخر ليكمل الحديث الَّذِي هو فيه، أو أخَّر جوابه ليُوحَى إليه به.
قوْلُه: (قَالَ: أين أراه السائل؟ ) بالرفع عَلى الحكاية، و"أُرَاه" بالضم، أي: أظنه، والشك من مُحَمَّد بن فُلَيح، وَرَوَاهُ الحسن بن سُفيان وغيرما عن عُثْمَان بن أبي شَيْبَة،
стр. 427
عن يونس بن مُحَمَّد، عن فُلَيْح ولفظه: "أين السائل" (١). ولَم يشك.
قَوْلُهُ: (إِذَا وسِّد) أي: أُسْنِدَ، وأصله من الوِسَادة، وَكَانَ من شأن الأمير عندهم إِذَا جلس أن تثنى تَحته وسادة، فقوله: "وسِّد" أي: جعل له غير أهله وسادًا، فتكون: "إلَى" بِمعنى اللام، وأتى بها لتدل عَلى تضمن معنى أُسند، ولفظ مُحَمَّد بن سنان في الرقاق: "إِذَا أُسند"، وكذا رَوَاهُ يونس بن مُحَمَّد وغيره عن فُلَيح (٢).
ومناسبة هذا المتن لكتاب العلم: أن إسناد الأمر إلَى غير أهله إنما يكون عند غلبة الجهل ورفع العلم، ومقتضاه: أن العلم مادام قائمًا ففي الأمر فسحة، وسيأتي بقية الكلام عَلى هذا الحديث في الرقاق إن شاء الله.
стр. 428
٣ - باب: مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بالْعِلْمِ
٦٠ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، قَالَ تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِيُّ ﷺ في سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصَّلاةُ ونَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: "وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ". مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا.
قَوْلُهُ: (باب من رفع صوته بالعلم، حَدَّثَنَا أبو النعمان) زاد الكُشْمَيْهَنِي في رواية كَرِيمة عنه: "عَارِم بن الفضل"، وعارم لقب، واسمه: مُحَمَّد كما تقدم في المقدمة.
قَوْلُهُ: (ماهَك) بفتح الهاء، وحُكي كسرها، وهو غير منصرف عند الأكثر للعلمية والعجمة، وَرَوَاهُ الأصيلي مصروفًا فكأنه لحظ فيه الوصف.
واستدل المؤلف عَلى جواز رفع الصوت بالعلم بقوله: "فنادى بأعلى صوته"، وإنَّما يتم الاستدلال بذلك حيث تدعو الحاجة إليه لبعد أو كثرة جَمع أو غير ذَلِكَ.
واستدل به أيضًا عَلى مشروعية إعادة الحديث ليفهم كما سيأتي، وسيأتي الكلام عَلى مباحث المتن في كتاب الوضوء إن شاء الله تعالَى.
قَالَ ابن رشيد: في هذا التبويب رمز من المصنف إلَى أنه يريد أن يبلغ الغاية في تدوين هذا الكتاب بأن يستفرغ وسعه في حسن [١١٦/ أ] ترتيبه، وكذلك فعل رَحِمَهُ الله تعَالَى.
стр. 429
٤ - باب: قَوْلِ الْمُحَدِّثِ: حَدَّثَنَا، وأَخْبَرَنَا، وَأَنْبَأَنَا
وَقَالَ لنَا الْحُمَيْدِيُّ: كانَ عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنهَ حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا، وَأنْبَأَنَا، وَسَمِعْتُ وَاحِدًا. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ. وَقَالَ شَقِيق، عَنْ عَبْدِ الله سَمِعْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ كَلِمَةً. وَقَالَ حُذَيْفَةُ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِي ﷺ فيمَا يَرْوِي عَنْ رَبهِ . وَقَالَ أَنَسٌ: عَنِ النَّبِي ﷺ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبهِ . وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِي ﷺ يَرْوِيهِ عَنْ رَبكُمْ .
قَوْلُهُ: (باب: قول المحدث: حَدَّثَنَا وأَخْبَرَنَا وَأَنبَأَنَا) قَالَ ابن رُشَيد: أشار بِهذه الترجمة إلَى أنه بنى كتابه عَلى المسندات المرويات عن النَّبِيِّ ﷺ .
قُلْت: ومراده: هل هذه الألفاظ بمعنى واحد أم لا؟ وإيراده قول ابن عُيَيْنَة دون غيره دال عَلى أنه مُختاره.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الحميدي) في رواية كَريمة والأصيلي: "وَقَالَ لنا الحميدي"، وكذا ذكر أبو نُعيم في "المستخرج"، فهو متصل، وسقط من رواية كَريمة.
قوْلُهُ: (وَأَنْبَأَنَا) وفِي رواية الأصيلي قوْلُهُ: "وأنا"، وثبت الجميع في رواية أبي ذر.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابن مسعود) هذا التعليق طرف من الحديث المشهور في خلق الجنين، وقد وصله المؤلف في كتاب القدر (١)، ويأتي الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالَى.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ شقيق) هو أبو وائل.
(عن عبد الله) هو ابن مسعود، وسيأتي موصولًا أيضًا حيث ذكره المصنف في كتاب الجنائز (٢)، . . . . .
стр. 430
ويأتي أيضًا حديث حذيفة في كتاب الرقاق (١).
ومراده من هذه التعاليق: أن الصحابي قَالَ تارة: حَدَّثَنَا، وتارة: سمعتُ، فدل عَلى أنهم لَم يفرقوا بين الصيغ.
وأما أحاديث ابن عباس، وأنس، وأبي هُرَيْرَةَ في رواية النَّبِيّ ﷺ عن ربه فقد وصلها في كتاب التوحيد (٢)، وأراد بذكرها هنا: التنبيه عَلى العنعنة، وأن حكمها الوصل عند ثبوت اللقي، وأشار عَلى ما ذكره ابن رُشَيْد إلَى أن رواية النَّبِيّ ﷺ إنَّما هِيَ عن ربه سواء أصرح الصحابي بذلك أم لا، ويدل عليه حديث ابن عباس المذكور فإنه لَم يقل فيه في بعض المواضع: "عن ربه" (٣).
* تنبيه:
أبو العالية المذكور هُنَا هو الرياحي بالياء الأخيرة، واسمه: رُفَيْع -بضم الراء-، ومن زعم أنه البَرَاء بالراء المثقلة فقد وَهِمَ، فإن الحديث المذكور معروف برواية الرِّيَاحي دونه.
فإن قيل: فمن أين تظهر مناسبة حديث ابن عمر للترجمة، ومحصل الترجمة التسوية بين صيغ الأداء الصريحة وليس ذلكَ بظاهر في الحديث المذكور؟ [١١٦/ ب]
فالجواب: أن ذَلِكَ يُستفاد من اختلاف ألفاظ الحديث المذكور، ويظهر ذلكَ إِذا جمعت طرقه، فإن لفظ رواية عبد الله بن دينار المذكورة في الباب: "فحدثوني ما هِيَ؟ "،
стр. 431
وفِي رواية نافع عند المؤلف في التفسير (١): "أَخبروني"، وفِي روايته عند الإسماعيلي: "أنبئوني"، وفِي رواية مالك عند المصنف في باب الحياء في العلم: "حدثوني ما هِيَ؟ "، وَقَالَ فيها: "فقالوا: أخْبرنَا بها" (٢).
فدل ذَلِكَ عَلى أن التحديث والإخبار والإنباء عندهم سواء، وهذا لا خلاف فيه عند أهل العلم بالنسبة إلَى اللغة، ومن أصرح الأدلة فيه قَوْله تعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤)﴾ [الزلزلة: ٤]. وقوله تعالَى: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر: ١٤].
* وأما بالنسبة إلَى الاصطلاح ففيه الخلاف:
فمنهم: من استمر عَلى أصل اللغة، وهذا رأي الزهري، ومالك، وابن عُيَيْنَة، ويَحْيَى القَطَان، وأكثر الحجازيين والكوفيين، وعليه استمر عمل المغاربة، ورجحه ابن الحاجب في مُختصره، ونُقل عن الحاكم أنه مذهب الأئمة الأربعة.
ومنهم: من رأى إطلاق ذَلِكَ حيث يقرأ الشيخ من لفظه، وتقييده حيث يُقرأ عليه، وهو مذهب إسحاق بن رَاهَوَيْه، والنسائي، وابن حِبَّان، وابن مَنْدَه، وغيرهم.
ومنهم: من رأى التفرقة بين الصيغ بحسب افتراق التحمل، فيخصون التحديث بما يلفظ به الشيخ، والإخبار بما يُقرأ عليه، وهذا مذهب ابن جُرَيْج، والأوزاعي، والشافعي، وابن وهب، وجمهور أهل المشرق.
ثُمَّ أحدث أتباعهم تفصيلًا آخر، فمن سمع وحده من لفظ الشيخ أفرد فَقَالَ: حَدَّثَنِي، ومن سمع مع غيره جمع، ومن قرأ بنفسه عَلى الشيخ أفرد فَقَالَ: أخْبَرَنِي، ومن سمع بقراءة غيره جمع، وكذا خصصوا الإنباء بالإجازة الَّتِي يشافه بِها الشيخ من يُجيزه.
وكل هذا مُستحسن وليس بواجب عندهم، وإنما أرادوا التمييز بين أحوال التحمل، وظن بعضهم أن ذلِكَ عَلى سبيل الوجوب فتكلفوا في الاحتجاج له وعليه بما لا طائل تَحته.
стр. 432
نعم؛ يَحتاج المتأخرون إلى مراعاة الاصطلاح المذكور لئلا يَختلط المسموع بالمجاز، وبعد تقرير الاصطلاح لا يحمل ما يرد من ألفاظ [١١٧/أ] المتأخرين عَلى محمل واحد بِخلاف المتقدمين.
стр. 433
٦١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُط وَرَقُهَا، وَإِنّهَا مِثْلُ الْمُسْلِمِ، فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ؟ ". فَوَقَعَ النَّاسُ في شَجَرِ الْبَوَادِي. قَالَ عَبْدُ الله: وَوَقَعَ في نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ. ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "هِيَ النَّخْلَةُ".
قَوْلُهُ: (إن من الشجر شَجرة) زاد في رواية مُجاهد عند المصنف في باب الفهم في العلم قَالَ: "صحبت ابن عمر إلَى المدينة، فَقَالَ: كنا عند النَّبِيّ ﷺ فأتي بجُمَّار (١) فَقالَ: إن من الشجر" (٢). وله عنه في البيوع: "كنت عند النَّبِيّ ﷺ وهو يأكل جُمَّارًا" (٣).
قَوْلُهُ: (لا يسقط ورقها وإنها مثل المسلم) كذا في رواية أبي ذر بكسر ميم "مِثْل" وإسكان المثلثة، وفِي رواية الأصِيلي وكَرِيمة بفتحهما، وهُما بِمعنى.
قَالَ الجَوْهري: مِثْله ومَثَله كلمة تسوية كما يقال: شِبْهه وشَبَهه بِمعنى. قَالَ: والمَثَل بالتحريك أيضًا: ما يضرب من الأمثال. انتهى.
ووجه الشبه بين النخلة والمسلم من جهة عدم سقوط الورق ما رَوَاهُ الحارث بن أبي أسامة في هذا الحديث من وجه آخر عن ابن عمر ولفظه: "قَالَ: كنا عند رسول الله ﷺ ذات يوم فَقَالَ: "إن مثل المؤمن كمثل شجرة لا تسقط لَها أنملة أتدرون ما هِيَ؟ " قالوا: لا، قَالَ: "هِيَ النخلة لا تسقط لَها أنملة ولا يسقط له دعوة" (٤).
ووقع عند المصنف في الأطعمة من طريق الأعمش قَالَ: حَدَّثَنِي مُجاهد، عن ابن عمر قَالَ: "بينا نَحن عند النَّبيّ ﷺ إذ أتي بِجُمَّار فَقَالَ: إن من الشجرة لما بركته كبركة المسلم" (٥)، وهذا أعم من الَّذِي قبله.
وبركة النخلة موجودة في جَميع أجزائها، مستمرة في جَميع أحوالِها، فمن حين
стр. 434
تطلع إلَى أن تيبس تؤكل أنواعًا، ثُمَّ بعد ذَلِكَ ينتفع بجميع أجزائها، حَتَّى النوى في علف الدواب، والليف في الحبال، وغير ذلِكَ مما لا يخفى، وكذلك بركة المسلم عامة في جميع الأحوال، ونفعه مستمر له ولغيره.
ووقع عند المصنف في التفسير من طريق نافع، عن ابن عمر قَالَ: "كنا عند رسول الله ﷺ فَقَالَ: "أخبروني بشجرة كالرجل المسلم لا يتحات ورقها ولا ولا ولا؟ " (١).
كذا ذكر النفي ثلاث مرات عَلى طريق الاكتفاء، فقيل في تفسيره: ولا ينقطع ثَمرها، ولا يعدم فيؤها، ولا يبطل نفعها.
ووقع في رواية مُسْلِم (٢) ذكر النفي مرة واحدة، فظن إبراهيم بن سفيان الراوي عنه أنه [١١٧/ ب] متعلق بما بعده وهو قَوْلُهُ: "تؤتي أكلها"، فاستشكله وَقَالَ: لعل "لا" زائدة، ولعله: "وتؤتي أكلها". وليس كما ظن بل معمول النفي محذوف عَلى سبيل الاكتفاء كما بيناه، وقوله: "تؤتي" ابتداء كلام عَلى سبيل التفسير.
ووقع عند الإسماعيلي بتقديم: "تؤتي أكلها كل حين" عَلى قَوْله: "لا يتحات ورقها" فسلم من الإشكال.
قَوْلُهُ: (فوقع الناس) أي: ذهبت أفكارهم في أشجار البادية، فجعل كل منهم يفسرها بنوعٍ من الأنواع، وذَهلوا عن النخلة.
قَوْلُهُ: (قَالَ عبد الله) هو ابن عمر الراوي.
قَوْلُهُ: (ووقع في نفسي) بيَّن أبو عوانة في صحيحه من طريق مُجاهد، عن ابن عمر وجه ذَلِكَ، فَقَالَ: "فظننت أنها النخلة من أجل الجُمَّار الَّذِي أتي به".
وفيه إشارة إلَى أن الْمُلْغَزَ له ينبغي أن يتفطن لقرائن الأحوال الواقعة عند السؤال، وأن المُلْغِز ينبغي له ألَّا يبالغ في التعمية بحيث لا يجعل للآخر بابًا يدخل منه، بل كلما قربه كَانَ أوقع في نفس سامعه.
стр. 435
قَوْلُهُ: (فاستحييت) زاد في رواية مُجاهد: (فأردت أن أقول: هِيَ النخلة، فإذا أنا أصغر القوم"، وله في الأطعمة: (فإذا أنا عاشر عشرة وأنا أحدثهم"، وفِي رواية نافع: "ورأيتُ أبا بكر وعمر لا يتكلمان، فكرهت أن أتكلم، فلما قمنا قُلْت لعمر: يا أبتاه"، وفي رواية مالك، عن عبد الله بن دينار عند المؤلف في باب الحياء في العلم قَالَ عبد الله: "فحدثت أبي بما وقع في نفسي، فَقَالَ: لأن تكون قلتها أحب إليَّ من أن يكون لي كذا وكذا"، زاد ابن حبان في صحيحه: "أحسبه قَالَ: حمر النعم" (١).
* وفِي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم:
* امتحان العالم أذهان الطلبة بما يخفى، مع بيانه لهم إن لَم يفهموه، وأما ما رَوَاهُ أبو داود من حديث معاوية، عن النبِي ﷺ أنه نَهى عن الأُغْلُوطات، قَالَ الأوزاعي -أحد رواته-: "هِيَ صعاب المسائل" (٢). فإن ذَلِكَ مَحمول عَلى ما لا نفع فيه، أو ما خرج عَلى سبيل تعنت السؤال أو تعجيزه.
* وفيه التحريض عَلى الفهم في العلم، وقد بوَّب عليه المؤلف [١١٨/ أ]: بـ"باب: الفهم في العلم".
* وفيه استحباب الحياء ما لَم يؤد إلَى تفويت مصلحة، وإلى هذا تمنى عمر أن يكون ابنه لَم يسكت، وقد بوب عليه المؤلف في العلم (٣) وفي الأدب (٤).
* وفِيه دليل على بركة النخلة وما تثمره، وقد بوب عليه المصنف أيضًا (٥).
* وفيه دليل على أن بيع الجُمَّار جائز؛ لأن كل ما جاز أكله جاز بيعه، ولهذا بوب عليه المؤلف في البيوع (٦)، وتعقبه ابن بطال لكونه من المجمع عليه.
стр. 436
وأجيب بأن ذَلِكَ لا يمنع من التنبيه عليه؛ لأنه أورده عقب حديث النهي عن بيع الثمار حَتَى يبدو صلاحها (١)، فكأنه يقول: لعل متخيلًا يتخيل أن هذا من ذاك وليس كذلك.
* وفيه دليل عَلى جواز تَجْمير النخل، وقد بوَّب عليه في الأطعمة (٢) لئلا يظن أن ذَلِكَ من باب إضاعة المال، وأورده في تفسير قَوْله تعالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ [إبراهيم: ٢٤] (٣). إشارة منه إلَى أن المراد بالشجرة: النخلة.
وقد ورد صريحا فيما رَوَاهُ البزار من طريق موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، قالَ قرأ رسول الله ﷺ فذكر هذه الآية، فَقَالَ: "أتدرونَ ما هِيَ؟ " قَالَ ابن عمر: لَم يخف عليَّ أنها النخلة، فمنعني أن أتكلم مكان سِني، فَقَالَ رسول الله ﷺ : "هِيَ النخلة" (٤).
ويُجْمَع بين هذا وبين ما تقدم أنه ﷺ أُتِي بالجُمَّار فشرع في أكله تاليًا للآية قائلًا: " إن من الشجر شجرة" إلَى آخره، ووقع عند ابن حبان من رواية عبد العزيز بن مُسْلِم، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قالَ: "مَن يُخبرني عن الشجرة مثلها مثل المؤمن: أصلها ثابت وفرعها في السماء" (٥). فذكر الحديث، وهو يؤيد رواية البزار.
قَالَ القرطبي: موقع التشبيه بينهما من جهة أن أصل دين المسلم ثابت، وأن ما يصدر عنه من العلوم والخير قوت للأرواح مستطاب، وأنه لا يزال مستورًا بدينه، وأنه يُنتفع بكل ما صدر عنه حيًّا ومَيِّتًا. انتهى
وَقَالَ غيره: والمراد بكون فرع المؤمن في السماء: رفع عمله وقبوله.
روى البزار [١١٨/ ب] أيضًا من طريق سُفْيَان بن حسين، عن أبي بِشر، عن
стр. 437
مُجاهد، عن ابن عمر قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "مثل المؤمن مثل النخلة ما أتاك منها نفعك" (١). هكذا أورده مُختصرا وإسناده صحيح، وقد أفصح بالمقصود بأوجز عبارة.
وأما من زعم أن موقع التشبيه بين المسلم والنخلة من جهة كون النخلة إِذَا قطع رأسها ماتت، أو أنها لا تحمل حَتى تلقح، أو لأنها تموت إذا غرقت؛ أو لأن لطلعها رائحة مني الآدمي، أو لأنها تعشق، أو لأنها تشرب من أعلاها، فكلها أوجه ضعيفة؛ لأن جَميع ذَلِكَ من المشابهة مشترك في الآدميين لا يختص بالمسلم.
وأضعف من ذلِكَ قول من زعم أن ذَلِكَ لكونها خُلقت من فضلة طينة آدم، فإن الحديث في ذلِكَ لَم يثبت (٢).
* وفيه ضرب الأمثال والأشباه لزيادة الأفهام، وتصوير المعاني لترسخ في الذهن، ولتجديد الفكر في النظر في حكم الحادثة.
* وفيه إشارة إلَى أن تشبيه الشيء بالشيء لا يلزم أن يكون نظيره من جَميع وجوهه، فإن المؤمن لا يماثله شيء من الجمادات ولا يعادله.
* وفيه توقير الكبير، وتقديم الصغير أباه في القول، وأنه لا يبادره بما فهمه وإن ظن أنه الصواب.
* وفيه أن العالم الكبير قد يَخفى عليه بعض ما يدركه من هو دونه، لأن العلم مواهب والله يؤتي فضله من يشاء.
واستدل به مالك عَلى أن الخواطر الَّتِي تقع في القلب من مَحبة الثناء عَلى أعمال الخير لا يُقدح فيها إِذا كَانَ أصلها لله وذلك مستفاد من تمني عمر المذكور، ووجه تمني عمر ما طُبع الإنسان عليه من مَحبة الخير لنفسه ولولده، ولتظهر فضيلة الولد في الفهم من صغره وليزداد من النَّبِيِّ ﷺ حظوة، ولعله كَانَ يرجو أن يدعو له إذ ذاك بالزيادة في الفهم.
стр. 438
* وفيه الإشارة إلَى حقارة الدُّنْيَا في عين عمر؛ لأنه قابل فهم ابنه لمسألة واحدة بحمر النعم مع عظم مقدارها وغلاء ثمنها.
* فائدة:
قَالَ البزار في مسنده: لَم يرو هذا الحديث عن النَّبِيّ ﷺ بِهذا السياق إلا ابن عمر [١١٩/ أ] وحده، ولَمَّا ذكره التَرمِذيّ قَالَ: "وفِي الباب عن أبي هُرَيْرَةَ" (١) وأشار بذلك إلَى حديث مُختصر لأبي هُرَيْرَةَ أورده عبد بن حُميد من حديث أنس، "أن النَّبِيّ ﷺ قرأ: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤]. قَالَ: "هِيَ النخلة" (٢).
تفرد برفعه حَمَّاد بن سلمة، وقد تقدم أن في رواية مُجاهد عن ابن عمر أنه كَانَ عاشر عشرة (٣).
فاستفدنا من مَجموع ما ذكرناه أن منهم أبا بكر، وعمر، وابن عمر، وأبا هُرَيْرَةَ، وأنس بن مالك، إن كانا سمعا ما روياه من هذا الحديث في ذَلِكَ المجلس.
стр. 439
٥ - بابُ: طَرْحِ الإمَام الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ
٦٢ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَ مِنَ الشَجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ، حَدِّثُونِي مَا هِيَ؟ ". قَالَ: فَوَقَعَ النَّاسُ في شَجَرِ الْبَوَادِي. قَالَ عَبْدُ الله: فَوَقَعَ في نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "هِيَ النَّخْلَةُ".
قَوْلُهُ: (باب طرح الإمام المسألة) أورد فيه حديث ابن عمر المذكور بلفظ قريب من لفظ الَّذِي قبله، وراويه عن عبد الله بن دينار سليمان: هو ابن بلال المدني الفقيه المشهور، ولَم أجده من روايته إلا عند البُخَاريّ نفسه، وقد وجدته من رواية خالد بن مَخلد الراوي عن سليمان المذكور أخرجه أبو عوانة في صحيحه، لكنه قَالَ: "عن مالك" بدل سليمان بن بلال، فإن كَانَ مَحفوظًا فلخالد فيه شيخان، وقد وقع التصريح بسماع عبد الله بن دينار له من عبد الله بن عمر عند مُسْلِم وغيره (١).
"اللَّهُمَّ نَعَمْ". قَالَ: أنشُدُكَ بالله، آللهُ أَمَرَكَ أَنْ تَصُومَ هَذَا الشَهْرَ مِنَ السَّنَةِ؟ قَالَ: "اللهُمَّ نَعَمْ". قَالَ: أنشُدُكَ بالله، آَللهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنيَائِنَا فتقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اللَّهُمَّ نَعَمْ". فَقَالَ الرَجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَأَنَا رَسُوُل مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمي، وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَني سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ.
رَوَاهُ مُوسَى، وَعَلِيٌّ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ سُلَيْمانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا.
قَوْلُهُ: (باب القراءة والعرض عَلى المحدث) إنّما غاير بينهما بالعطف لما بينهما من العموم والخصوص؛ لأن الطالب إِذَا قرأ كَانَ أعم من العرض وغيره، ولا يقع العرض إلا بالقراءة؛ لأن العرض: عبارة عما يعارض به الطالب أصل شيخه معه أو مع غيره بحضرته، فهو أخص من القراءة.
وتوسع فيه بعضهم فأطلقه عَلى ما إِذَا أحضر الأصل لشيخه فنظر فيه وعرف صحته وأذن له أن يرويه عنه من غير أن يحدثه به أو يقرأه الطالب عليه، والحق أن هذا يُسمى عرض المناولة بالتقييد لا الإطلاق.
وقد كَانَ بعض السلف لا يعتدون إلا بما سمعوه من ألفاظ المشايخ دون ما يقرأ عليهم، ولهذا بوب البُخَاريّ عَلى جوازه، وأورد فيه قول الحسن: "لا بأس بالقراءة عَلى العالم"، ثُمَّ أسنده إليه بعد أن علقه، وكذا ذكر عن سُفْيَان الثوري ومالك موصولًا أنَّهما سويا بين السماع من العالم [١١٩/ ب] والقراءة عليه.
وقوله: (جائزًا) وقع في رواية أبي ذر: "جائزة"، أي: القراءة؛ لأن السماع لا نزاع فيه.
قَوْلُهُ: (واحتج بعضهم) المحتج بذلك هو الحميدي شيخ البُخَاريّ، قاله في كتاب النوادر له (١)، وليس في المتن الَّذِي ساقه البُخَاريّ بعدُ من حديث أنس في قصة
стр. 442
ضمام: "أن ضمامًا أخبر قومه بذلك"، وإنَّما وقع ذَلِكَ من طريق أخرى ذكرها أحْمَد وغيره من طريق ابن إسحاق، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بن الوليد بن نُوَيْفع، عن كُريب، عن ابن عباس قَالَ: "بعث بنو سعد بن بكرٍ ضمام بنَ ثعلبة" فذكر الحديث بطوله، وفِي آخره: "أن ضمامًا قَالَ لقومه عندما رجع إليهم: إن الله قد بعث رسولًا وأنزل عليه كتابا، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به ونَهاكم عنه. قَالَ: فوالله ما أمسى من ذَلِكَ اليوم وفِي حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلمًا" (١).
فمعنى قول البُخَاريّ: "فأجازوه"، أي: قبلوه منه ولَم يقصد الإجازة المصطلحة بين أهل الحديث.
قَوْلُهُ: (واحتج مالك بالصك) قَالَ الجوهري: الصك يعنِي -بالفتح-: الكتاب، فارسي معرب، والجمع: صِكَاك وصُكُوك، والمراد هُنَا: المكتوب الَّذِي يُكتب فيه إقرار المقر؛ لأنه إِذَا قرئ عليه فَقَالَ: نعم، ساغت الشهادة عليه به وإن لَم يتلفظ هو بما فيه، فكذلك إِذَا قرئ عَلى العالِم فأقر به صح أن يروى عنه.
وأما قياس مالك قراءة الحديث عَلى قراءة القرآن فرواه الخطيب في الكفاية من طريق ابن وهب قَالَ: "سمعتُ مالكًا وسئل عن الكتب الَّتِي تعرض عليه أيقول الرجل: حَدَّثنِي؟ قَالَ: نعم، كذلك القرآن أليس الرجل يقرأ عَلى الرجل فيقول: أقرأني فلان" (٢).
وروى الحاكم في علوم الحديث من طريق مطرف قَالَ: "صحبت مالكًا سبع عشرة سنة فما رأيته قرأ الموطأ عَلى أحد بل يقرءون عليه، قَالَ: وسمعته يأبى أشد الإباء عَلى من يقول لا يجزئه إلا السماع من لفظ الشيخ، ويقول: كيف لا يجزئك هذا في الحديث ويجزئك في القرآن والقرآن أعظم؟ ! " (٣).
стр. 443
قُلْت: وقد [١٢٠/ أ] انقرض الخلاف في كون القراءة عَلى الشيخ لا تُجزئ، وإنما كَانَ يقوله بعض المتشددين من أهل العراق، فروى الخطيب، عن إبراهيم بن سعد قَالَ: "لا تدعون تنطعكم يا أهل العراق، العرض مثل السماع" (١).
وبالغ بعضُ المدنيين وغيرهم في مُخالفتهم فقالوا: إن القراءة عَلى الشيخ أرفع من السماع من لفظه، ونقله الدارقطني في غرائب مالك عنه (٢)، ونقله الخطيب بأسانيد صحيحة عن شعبة، وابن أبي ذئب، ويَحيى القطان (٣).
واعتلوا بأن الشيخ لو سَهَا لَم يتهيأ للطالب الرد عليه، وعن أبي عبيد قَالَ: "القراءة عليَّ أثبت وأفهم لي من أن أتولى القراءة أنا" (٤)، والمعروف عن مالك كما نقله المصنف عنه وعن سُفْيَان -وهو الثوري- أنهما سواء.
والْمَشهور الَّذِي عليه الجمهور: أن السماع من لفظ الشيخ أرفع رتبة من القراءة عليه ما لَم يعرض عارض يصير القراءة عليه أولَى، ومن ثَمّ كَانَ السماع من لفظه في الإملاء أرفع الدرجات، لما يلزم منه من تحرز الشيخ والطالب، والله أعلم.
قَوْلُهُ: (عن الْحَسن قَالَ: لا بأس بالقراءة عَلى العالِم) هذا الأثر رَوَاهُ الخطيب أتم سياقًا مِمّا هُنَا، فأخرج من طريق أَحْمَد بن حنبل عن مُحَمَّد بن الحسن الواسطي، عن عوف الأعرابي، أن رجلًا سأل الحسن فَقَالَ: "يا أبا سعيد، منزلي بعيد، والاختلاف يشق علي، فإن لَم تكن ترى بالقراءة بأسًا قرأت عليك؟ قَالَ: ما أبالي قرأت عليك أو قرأت
стр. 444
علي، قَالَ: فأقول: حَدَّثنِي الحسن؟ قَالَ: نعم، قل: حَدَّثَنِي الحسن" (١).
قَوْلُهُ: (الليث عن سعيد) في رواية الإسماعيلي من طريق يونس بن مُحَمَّد، عن الليث، حَدَّثَنِي سعيد، وكذا لابن منده (٢) من طريق ابن وهب، عن الليث.
وفِي هذا دليل عَلى أن رواية النّسَائي (٣) من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن الليث قَالَ: حَدَّثَني مُحَمَّد بن عجلان وغيره، عن سعيد؛ موهومة معدودة من المزيد في متصل الأسانيد، أو تحمل عَلى أن الليث سمعه عن سعيد بواسطة ثم لقيه فحدثه به.
وفيه اختلاف آخر أخرجه النّسَائي (٤) والبغوي من طريق الحارث بن عمير، عن عبيد [١٢٠/ ب] الله بن عمر، وذكره ابن منده (٥) من طريق الضحاك بن عُثْمَان كلاهُمَا عن سعيد، عن أبي هُرَيْرَةَ، ولَم يقدح هذا الاختلاف فيه عند البُخَاريّ؛ لأن الليث أثبتهم في سعيد المقبري مع احتمال أن يكون لسعيد فيه شيخان.
وأما مُسْلِم فلم يخرجه من هذا الوجه بل أخرجه من طريق سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس (٦)، وقد أشار إليها المصنف عقب هذه الطريق.
قَوْلُهُ: (أبي نَمر) هو بفتح النون وكسر الميم، ذكره ابن سعد في الصحابة، وأخرج له ابن السكن حديثًا، وأغفله ابن الأثير تبعًا لأصوله.
قَوْلُهُ: (في المسجد) أي: مسجد رسول الله ﷺ .
قَوْلُهُ: (ورسول الله ﷺ متكئ) فيه جواز اتكاء الإمام بين أتباعه، وفيه ما كَانَ رسول الله ﷺ عليه من ترك التكبر لقوله: "بين ظهرانيهم"، وهي بفتح النون أي: بينهم،
стр. 445
وزيد لفظ الظهر ليدل عَلى [أن] (١) ظهرًا منهم قُدَّامَه وظهرًا وراءه، فهو مَحفوف بهم من جانبيه، والألف والنون فيه للتأكيد، قاله صاحب الفائق.
قَوْلُهُ: (دخل) زاد الأصيلي قبلها: "إذ".
قَوْلُهُ: (ثُمَّ عقله) بتخفيف القاف، أي: شد عَلى ساق الجمل بعد أن ثنى ركبته حبلًا.
قَوْلُهُ: (في المسجد) استنبط منه ابن بطال وغيره طهارة أبوال الإبل وأرواثها؛ إذ لا يؤمن ذلكَ منه كونه في المسجد ولَم ينكره النَّبِي ﷺ .
ودلالته غير واضحة، وإنما فيه مجرد احتمال، ويدفعه رواية أبي نُعيم: "أقبل عَلى بعير له حَتَّى أتى المسجد فأناخه ثُمَّ عقله فدخل المسجد"، فهذا السياق يدل عَلى أنه ما دخل به المسجد.
وأصرح منه رواية ابن عباس عند أَحْمَد والحاكم، ولفظها: "فأناخ بعيره عَلى باب المسجد فعقله ثُمَّ دخل" (٢)، فعلى هذا ففي رواية أنس مَجاز الحذف، والتقدير: فأناخه في ساحة المسجد أو نَحو ذلِكَ.
قَوْلُهُ: (الأبيض) أي: المشرب بحُمرة كما في رواية الحارث بن عمير: "الأمغر" أي: بالغين المعجمة، قَالَ حمزة بن الحارث: هو الأبيض المشرب [١٢١/ أ] بِحمرة، ويؤيده ما يأتي في صفته ﷺ أنه لَم يكن أبيض ولا آدم، أي: لَم يكن أبيض صرفًا.
قَوْلُهُ: (قد أجبتك) أي: أسمعتك؛ إذ المراد: إنشاء الإجابة، أو نزل تقريره للصحابة في الإعلام عنه منْزلة [النطق، وهذا لائق بمراد المصنف، وقد قيل: إنَّما لَم يقل له: نعم؛ لأنه لَم يُخاطبه بما يليق بِمنْزلته] (٣) من التعظيم، [لاسيما مع قَوْله تعالَى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣].] (٤).
والعذر عنه إن قلنا إنه قدم مسلما أنه لَم يبلغه النهي، وكانت فيه بقية من جفاء
стр. 446
الأعراب، وقد ظهرت بعد ذَلِكَ في قَوْله: "فمشدد عليك في المسألة"، وفِي قَوْله في رواية ثابت: "وزعم رسولك أنك تزعم"، ولهذا وقع في أول رواية ثابت، عن أنس: "كنا نهينا في القرآن أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع"، زاد أبو عوانة في صحيحه: "وكانوا أجرأ عَلى ذَلِكَ منا".
يعنِي: أن الصحابة واقفون عند النهي، وأولئك يعذرون بالجهل، وتمنوه عاقلًا ليكون عارفًا بما يسأل عنه، وظهر عقل ضمام في تقديمه الاعتذار بين يدي مسألته لظنه أنه لا يصل إلَى مقصوده إلا بتلك المخاطبة.
وفِي رواية ثابت من الزيادة: أنه سأله من رفع السماء وبسط الأرض وغير ذَلِكَ من الموضوعات، ثُمَّ أقسم عليه به أن يصدقه عما يسأل عنه، وكرر القسم في كل مسألة تأكيدًا وتقريرًا للأمر، ثم صرح بالتصديق، وكل ذَلِكَ دليل عَلى حسن تصرفه وتمكن عقله، ولهذا قالَ عمر في رواية أبي هُرَيْرَةَ: "ما رأيتُ أحدا أحسن مسألة ولا أوجز من ضمام" (١).
قَوْلُهُ: (ابن عبد المطلب) -بفتح النون- عَلى النداء، وفِي رواية الكشميهني: "يا ابن" بإثبات حرف النداء.
قَوْلُهُ: (فلا تَجد) أي: لا تغضب، ومادة وجد متحدة الماضي والمضارع مختلفة المصادر بحسب اختلاف المعاني، فيقال في الغضب: مُوجِدَة، وفِي المطلوب: وُجُودًا، وفِي الضالة: وُجْدَانًا، وفِي الحب: وَجْدًا بالفتح، وفِي المال: وُجْدًا بالضم، وفِي الغنى: جِدَة -بكسر الجيم وتَخفيف الدال المفتوحة- عَلى الأشهر في جَميع ذَلِكَ، وقالوا [١٢١/ ب] أيضًا في المكتوب: وجادة، وهي مولدة.
قَوْلُهُ: (أنشدك) بفتح الهمزة وضم المعجمة، وأصله من النشيد: وهو رفع الصوت، والمعنى: سألتك رافعا نشيدتي، قاله البغوي في "شرح السنة"، وَقَالَ الجوهري: أنشدتك بالله، أي: سألتُكَ بالله. كأنك ذكرته فنشد، أي: تذكر.
стр. 447
قَوْلُهُ: (آلله) بالمد في المواضع كلها.
قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ نعم) الجواب حصل بنعم، وإنَّما ذكر "الَّلهُمَّ" تبركًا بها، وكأنه استشهد بالله في ذلكَ تأكيدًا لصدقه.
قَوْلُهُ: (أن تصلي) بتاء المخاطب فيه وفيما بعده، ووقع عند الأصيلي بالنون فيها، قَالَ القاضي عياض: وهو أوجه، ويؤيده رواية ثابت بلفظ: "إن علينا خَمس صلوات يومنا وليلتنا"، وساق البقية كذلك، وتوجيه الأول أن كل ما وجب عليه [وجب] (١) عَلى أمته حَتَى يقوم دليل للاختصاص، ووقع في رواية الكشميهني والسرخسي: "الصلاة الخمس" بالإفراد عَلى إرادة الجنس.
قَوْلُهُ: (أن تأخذ هذه الصدقة). قَالَ ابن التين: فيه دليل عَلى أن المرء لا يفرق صدقته بنفسه.
قُلْت: وفيه نظر.
وقوله: (عَلى فقرائنا) خرج مَخرج الأغلب؛ لأنهم معظم أهل الصدقة.
قَوْلُهُ: (آمنت بِما جئت به) يحتمل أن يكون إخبارًا، وهو اختيار البُخَاريّ، ورجحه القاضي عياض، وأنه حضر بعد إسلامه مستثبتا من الرسول ﷺ ما أخبر به رسوله إليهم؛ لأنه قَالَ في حديث ثابت، عن أنس عند مُسْلِم وغيره: "فإن رسولك زعم" (٢). وَقَالَ في رواية كُرَيب، عن ابن عباس عند الطبراني: "أتتنا كتبك وأتتنا رسلك" (٣).
واستنبط منه الحاكم أصل طلب علو الإسناد؛ لأنه سمع ذلِكَ من الرسول وآمن وصدق ولكنه أراد أن يسمع ذَلِكَ من النَّبِيّ ﷺ مشافهة.
ويحتمل أن يكون قَوْلُهُ: "آمنت" إنشاء، ورجحه القرطبي؛ لقوله: "زعم"، قَالَ:
стр. 448
والزعمُ: القول الَّذِي لا يوثق به، قاله ابن السِّكِّيت وغيره.
قُلْت: وفيه نظر؛ لأن الزعم يُطلق [١٢٢/ أ] عَلى القول المحقق أيضًا، كما نقله أبو عمر الزاهد في شرح فصيح شيخه ثعلب، وأكثر سيبويه من قوله: زعم الخليل في مقام الاحتجاج، وقد أشرنا إلى ذَلِكَ في حديث أبي سُفْيَان في بدء الوحي.
وأمَّا تبويب أبي داود عليه: "باب: المشرك يدخل المسجد" فليس مصيرًا منه إلى أن ضمامًا قدم مشركا، بل وجهه أنّهم تركوا شخصًا قادمًا يدخل المسجد من غير استفصال.
ومِمّا يؤيد أن قَوْلَه: "آمنت" إخبار أنه لَم يسأل عن دليل التوحيد، بل عن عموم الرسالة، وعن شرائع الإسلام، ولو كَانَ إنشاء لكان طلب معجزة توجب له التصديق، قاله الكرماني.
وعكسه القرطبي فاستدل به عَلى صحة إيمان المقلد للرسول ولو [لَم] (١) تظهر له معجزة، وكذا أشار إليه ابن الصلاح، والله أعلم.
* تنبيه:
لَم يذكر الحج في رواية شَرِيك هذه، وقد ذكره مُسْلِم وغيره في رواية ثابت، وهو في حديث أبي هُرَيْرَةَ، وابن عباس أيضًا.
وأغرب ابن التين فَقَالَ: إنما لَم يذكره لأنه لَم يكن فُرِض، وكأن الحامل له عَلى ذَلِكَ ما جزم به الواقدي وَمُحَمَّد بن حبيب أن قدوم ضمام كَانَ سنة خَمسٍ، فيكون قَبْل فَرْض الحج، لكنه غلط من أوجه:
أحدها: أن في رواية مُسْلِم أن قدومه كَانَ بعد نزول النهي في القرآن عن سؤال الرسول، وآية النهي في المائدة، ونزولها متأخر جدًّا.
ثانيها: أن إرسال الرسل إلَى الدعاء إلَى الإسلام إنما كَانَ ابتداؤه بعد الْحُدَيبية، ومعظمه بعد فتح مكة.
стр. 449
ثالثها: أن في القصة أن قومه أوفدوه، وإنَّما كَانَ معظم الوفود بعد فتح مكة.
رابعها: في حديث ابن عباس: أن قومه أطاعوه ودخلوا في الإسلام بعد رجوعه إليهم، ولَم يدخل بنو سعد وهو ابن بكر بن هَوَازن في الإسلام إلا بعد وقعة حُنَيْن، وكانت في شوال سنة ثَمانٍ كما سيأتي مشروحًا في مكانه إن شاء الله تعالى.
فالصواب: أن قدوم ضمام كَانَ في سنة تسع، وبه [١٢٢/ ب] جزم ابن إسْحَاق، وأبو عبيدة وغيرهما.
وغفل البدر الزركشي فَقَالَ: إنما لَم يذكر الحج؛ لأنه كَانَ معلومًا عندهم في شريعة إبراهيم. انتهى، وكأنه لَم يراجع صحيح مُسْلِم فضلًا عن غيره.
قوْلُهُ: (وأنا رسول من ورائي) مَنْ: موصولة، ورسول: مضاف إليها، ويَجوز تنوينه وكسر "من"، لكن لم تأت به الرواية. ووقع في رواية كُرَيْب، عن ابن عباس، عند الطبراني: "جاء رجل من بني سعد بن بكر إلَى رسول الله ﷺ وَكَانَ مسترضعًا فيهم، فَقَالَ: أنا وافد قومي ورسولهم" (١).
وعند أَحْمَد والحاكم: "بعثت بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة وافدًا إلَى رسول الله ﷺ فقدم علينا" (٢) فذكر الحديث.
فقول ابن عباس: "فقدم علينا" يدل عَلى تأخير وفادته أيضًا؛ لأن ابن عباس إنَّما قدم المدينة بعد الفتح، وزاد مُسْلِم في آخر الحديث: "قَالَ: والَّذِي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص، فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ : "لئن صدق ليدخلن الْجَنَّة" (٣). وكذا وقعت هذه الزيادة في حديث ابن عباس، وهي الحاملة لمن سمى المبهم في حديث طلحة: ضمام ابن ثعلبة، كابن عبد البر وغيره، وقد قدمنا هناك أن القرطبي مال إلَى أنه غيره.
стр. 450
* وفِي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم:
* العمل بخبر الواحد، ولا يقدح فيه مجيء ضمام مستثبتًا، لأنه قصد اللقاء والمشافهة كما تقدم عن الحاكم، وقد رجع ضمام إلى قومه وحده فصدقوه وآمنوا كما وقع في حديث ابن عباس.
* وفيه نسبة الشخص إلَى جده إِذَا كَانَ أشهر من أبيه، ومنه قَوْلُهُ ﷺ يوم حُنَيْن: "أنا ابن عبد المطلب" (١).
* وفيه الاستحلاف عَلى الأمر المحقق لزيادة التأكيد.
* وفيه رواية الأقران؛ لأن سعيدًا وشريكًا تابعيان من درجة واحدة وهُمَا مدنيان.
قوْلُهُ: (رَوَاهُ موسى) هو ابن إسماعيل أبو سلمة التَّبُوذَكي شيخ البُخَاريّ، وحديثه موصول عند أبي عوانة في صحيحه، وعند ابن منده في الإيمان (٢)، وإنَّما [١٢٣/ أ] علقه البُخَاريّ؛ لأنه لَم يَحتج بشيخه سليمان بن المغيرة.
قَوْلُهُ: (وعلي بن عبد الحميد) هو المَعْنِي -بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر النون بعدها ياء النسب- وحديثه موصول عند الترمِذيّ (٣)، أخرجه عن البُخَاريّ عنه وليس له في البُخَاريّ سوى هذا الموضع المعلق.
قَوْلُهُ: (بهذا) أي: بهذا المعنى، وإلا فاللفظ كما بينا مختلف، وسقطت هذه اللفظة من رواية أبي الوقت وابن عساكر، والله أعلم.
стр. 451
٧ - بَابُ: مَا يُذْكَرُ في الْمُنَاوَلَةِ وَكِتَابِ أَهْلِ الْعِلْمِ بالْعِلْمِ إِلى الْبُلْدَانِ
وَقَالَ أَنَسٌ: نَسَخَ عُثمَانُ الْمَصَاحِفَ، فَبَعَثَ بِهَا إِلَى الآفَاقِ.
وَرَأَى عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَمَالِكَ ذَلِكَ جَائزًا.
وَاحْتَج بَعْضُ أهْلِ الْحِجَازِ في الْمُنَاوَلَةِ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ كَتَبَ لأمِيرِ السَّرِيَّةِ كِتَابًا وَقَالَ: "لَا تَقْرَأْهُ حَتى تَبْلغُ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا". فَلَمَّا بَلَغَ ذلكَ الْمَكَانَ قَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ، وَأخْبَرَهُمْ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ .
قَوْلُهُ: (باب ما يذكر في المناولة) لما فرغ من تقرير السماع والعرض أردفه ببقية وجوه التحمل المعتبرة عند الجمهور.
فمنها: المناولة، وصورتها: أن يعطي الشيخ الطالب الكتاب فيقول له: هذا سماعي من فلان، أو هذا تصنيفي فاروه عني.
وقد قدمنا صورة عرض المناولة، وهي إحضار الطالب الكتاب، وقد سوغ الجمهور الرواية بِها، وردها من رد عرض القراءة من باب الأوْلَى.
قَوْلُهُ: (إلَى البلدان) أي: إلَى أهل البلدان، وكتاب: مصدر، وهو متعلق "إلَى"، وذَكَر البلدان عَلى سبيل المثال، وإلا فالحكم عام في القرى وغيرها.
والمكاتبة من أقسام التحمل، وهي: أن يكتب الشيخ حديثه بخطه، أو يأذن لمن يثق به بكتبه، ويرسله بعد تحريره إلَى الطالب، ويأذن له في روايته عنه.
وقد سوى المصنف بينها وبين المناولة، ورجح قوم المناولة عليها لحصول المشافهة فيها بالإذن دون المكاتبة، وقد جَوَّزَ جماعة من القدماء إطلاق الإخبار فيهما، والأولى ما عليه المحققون من اشتراط بيان ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (نسخ عُثْمَان المصاحف) هو طرف من حديث طويل يأتي الكلام عليه في
стр. 452
فضائل القرآن (١) إن شاء الله تعالَى، ودلالته عَلى تسويغ الرواية بالمكاتبة واضح، فإن عُثْمَان أمرهم بالاعتماد عَلى ما في تلك المصاحف ومُخالفة ما عداها.
والمستفاد من بعثه المصاحف إنَّما هو ثبوت إسناد صورة المكتوب فيها إلَى عُثْمَان لا أصل ثبوت القرآن فإنه متواتر [١٢٣/ ب] عندهم.
قَوْلُهُ: (ورأى عبد الله بن عمر) كذا في جَميع نسخ الجامع "عُمَر" بضم العين، وكنت أظنه العُمَري المدني، وخرجت الأثر عنه بذلك في "تغليق التعليق"، وكذا جزم به الكرماني.
ثُمَّ ظهر لي من قرينة تقديمه في الذكر عَلى يحيى بن سعيد أنه غير العُمَري؛ لأن يحيى أكبر منه ستًا وقدرًا، فتتبعت فلم أجده عن عبد الله بن عُمَر بن الخطاب صريحًا، لكن وجدت في كتاب الوصية لأبي القاسم ابن منده من طريق البُخَاريّ بسند له صحيح إلَى أبي عبد الرحمن الحُبلي -بضم المهملة والموحدة- أنه أتى عبد الله بكتاب فيه أحاديث فَقالَ: "انظر في هذا الكتاب فما عرفت منه اتركه وما لَم تعرفه امحه" فذكر الخبر، وهو أصل في عرض المناولة.
وعبد الله يحتمل أن يكون هو ابن عمر بن الخطاب، فإن الحُبُلي سمع منه، ويحتمل أن يكون ابن عمرو بن العاص فإن الحُبُلي مشهور بالرواية عنه.
وأما الأثر بذلك عن يحيى بن سعيد، ومالك فأخرجه الحاكم في "علوم الحديث" من طريق إسماعيل بن أبي أويس قَالَ: سمعتُ خالي مالك بن أنس يقول: قَالَ لِي يَحْيَى ابن سعيد الأنصاري لما أراد الخروج إلَى العراق: "التقط لِي مائة حديث من حديث ابن شهاب حَتَى أرويها عنك، قَالَ مالك: فكتبتها ثُمَّ بعثتها إليه" (٢).
стр. 453
وروى الرَّامَهرمُزي من طريق ابن أبي أوَيْس -أيضًا-، عن مالك في وجوه التحمل قَالَ: "قراءتك عَلى العالم، ثُمَّ قراءته وأنت تسمع، ثُمَّ أن يدفع إليك كتابه فيقول: ارو هَذَا عني" (١).
قَوْلُهُ: (واحتج بعض أهل الْحِجَاز) هدا المحتج هو الحميدي، ذكر ذَلِكَ في كتاب "النوادر" له.
قَوْلُهُ: (في المناولة) أي: في صحة المناولة، والحديث الَّذِي أشار إليه لَم يورده موصولًا في هذا الكتاب، وهو صحيح قد وجدته من طريقين:
إحداهما: مرسلة ذكرها ابن إسحاق في المغازي، عن يزيد بن رُومان، وأبو اليَمَان في نسخته عن شُعيب، عن الزهري كلاهما عن عروة بن الزبير (٢).
والأخرى: موصولة أخرجها الطبراني (٣) من [١٢٤/ أ] حديث جُندب البَجَلي بإسناد حسن، ثم وجدت له شاهدا من حديث ابن عباس عند الطبري في التفسير (٤)، فبمجموع هذه الطرق يكون صحيحًا.
وأمير السَّرِيَّة اسمه عبد الله بن جَحْش الأسدي أخو زينب أم المؤمنين، وَكَانَ تأميره في السنة الثانية قبل وقعة بدر.
والسَّرِيَّة -بفتح المهملة وكسر الراء وتشديد الياء التحتانية-: القطعة من الجيش، وكانوا اثني عشر رجلًا من المهاجرين.
стр. 454
قَوْلُهُ: (حَتَى تبلغ مكان كذا وكذا) هكذا في حديث جُندب عَلَى الإبهام، وفي رواية عُروة أنه قَالَ له: "إذَا سرت يومين فافتح الكتاب"، قَالَ: ففتحه هناك فإذا فيه: "أن امض حَتَّى تنزل نخلة فتأتينا من أخبار قريش، ولا تَسْتَكْرِهَن أحدًا". قَالَ في حديث جُنْدب: "فرجع رجلان ومضى الباقون، فلقوا عَمرو بن الْحَضْرَمي ومعه عِيرٌ، أي: تجارة لقريش، فقتلوه فكان أول مقتول من الكفار في الإسلام، وذلك في أول يوم من رجب، وغنموا ما كَانَ معهم، فكانت أول غنيمة في الإسلام، فعاب عليهم المشركون بذلك، فأنزل الله تعالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] الآية.
ووجه الدلالة من هذا الحديث ظاهرة، فإنه ناوله الكتاب وأمره أن يقرأه عَلى أصحابه ليعملوا بما فيه، ففيه المناولة ومعنى المكاتبة.
وتعقبه بعضهم: [بأن] (١) الحجة إنَّما وجبت به لعدم توهم التبديل والتغيير فيه لعدالة الصحابة بخلاف من بعدهم، حكاه البيهقي.
وأقول: شرط قيام الحجة بالمكاتبة: أن يكون الكتاب مَختومًا وحامله مؤتمنًا، والمَكْتُوب إليه يعرف خط الشيخ، إلَى غير ذَلِكَ من الشروط الدافعة لتوهم التغيير، والله أعلم.
стр. 455
٦٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الله، قَالَ: حَدَّثَني إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَ عَبْدَ الله بْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ بَعَثَ بكِتَابهِ رَجُلًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ الْبَحرَيْنِ، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى، فَلَمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ. فَحَسِبْتُ أَن ابْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُمَزَّقُوا كُل مُمَزَّقٍ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إسماعيل بن عبد الله) هو ابن أبي أُوَيْس، وصالح هو ابن كَيْسَان.
قَوْلُهُ: (بعث بكتابه رجلًا) هو عبد الله بن حُذَافة السهمي كما سَمَّاه المؤلف في هذا الحديث في المغازي (١) [١٢٤/ ب].
وكِسْرَى هو أَبْروِيز بن هُرمز بن أَنُوشُرْوَان، ووَهِمَ من قَالَ: هو أَنُوشُروَان.
وعظيم البحرين: هو المنذر بن سَاوَى بالمهملة وفتح الواو الممالة، وسيأتي الكلام عَلى هذا الحديث في المغازي إن شاء الله تعالَى.
قَوْلُهُ: (فحسبت) القائل هو ابن شهاب راوي الحديث، فقصة الكتاب عنده موصولة، وقصة الدعاء مرسلة.
ووجه دلالته عَلى المكاتبة ظاهر، ويُمكن أن يستدل به عَلى المناولة من حيث إن النَّبِيَّ ﷺ ناول الكتاب لرسوله، وأمره أن يخبر عظيم البحرين بأن هذا كتاب رسول الله ﷺ ، وإن لم يكن سمع ما فيه ولا قرأه.
стр. 456
٦٥ - حَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ كتَابًا -أَوْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ- فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا. فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضةٍ نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُول اللهِ، كَأَنّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ في يَدِه. فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ: مَنْ قَالَ: نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ: أَنَسٌ.
قَوْلُهُ (عبد الله) هو: ابن المبارك.
قَوْلُهُ: (كتب أو أراد أن يكتب) شك من الراوي، ونسبة الكتابة إلَى النَّبِيّ ﷺ مَجازية، أي: كتب الكتاب بأمره.
قوْلُهُ: (لا يقرءون كتابًا إلا مَختومًا) يعرف من هذا فائدة إيراده هذا الحديث في هذا الباب؛ لينبه عَلى أن شرط العمل بالمكاتبة أن يكون الكتاب مختومًا؛ ليحصل الأمن من توهم تغييره، لكن قد يستغنى عن ختمه إذَا كَانَ الحامل عدلًا مؤتمنًا.
قَوْلُهُ: (فقلت) القائل: هو شُعبة، وسيأتي باقي الكلام عَلى هذا الحديث في الجهاد وفِي اللباس (١) إن شاء الله تعالى.
* فائدة:
لَم يذكر المصنف من أقسام التحمل الإجازة المجردة عن المناولة أو الكتابة، ولا الوجادة، ولا الوصية، ولا الإعلام المجردات عن الإجازة؛ وكأنه لا يرى بشيء منها.
وقد ادعى ابن منده أن كل ما يقول البُخَاريّ فيه: "قَالَ لي" فهو إجازة.
وهي دعوى مردودة؛ بدليل أني استقرأتُ كثيرًا من المواضع التِي يقول فيها في "الجامع": "قَالَ لي" فوجدته في غير الجامع يقول فيها: "حَدثَنَا"، وَالبُخَاريّ لا يستجيز في الإجازة إطلاق التحديث، فدل عَلى أنها عنده من المسموع، لكن سبب استعماله لهذه الصيغة ليفرق بين ما يبلغ شرطه وما لا يبلغ، والله أعلم.
стр. 457
٨ - بَابُ: مَنْ قَعَدَ حَيْثُ يَنْتَهِي بهِ الْمَجْلِسُ وَمَنْ رَأَى فُرْجَةً في الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا
٦٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَني مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ أبا مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثيِّ، أَنّ رَسُولَ الله ﷺ بَيْنَمَا هو جَالِسٌ في الْمَسْجدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ، إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ الله ﷺ ، فَأما أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً في الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدبر ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ الله ﷺ قَالَ: "أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النفرِ الثَّلَاثَةِ: أَمَّا أَحَدُهُمْ فآوى إِلَى اللهِ، فآوَاهُ اللهُ، وَأَمَّا الآَخَرُ فَاسْتَحْيَا، فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ، فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ".
قَوْلُهُ: (باب: من قعد حيث ينتهي به المجلس) ومناسبة هذا الكتاب للعلم من جهة أن المراد بالحلقة حلقة العلم، فيدخل [١٢٥/ أ] في أدب الطالب من عدة أوجه كما سنبينه.
قَوْلُهُ: (مولى عقيل) بفتح العين، وقيل لأبي مُرَّة ذَلِكَ للزومه إيَّاه، وإنَّما هو مولى أخته أم هانئ بنت أبي طالب.
قَوْلُهُ: (عن أبي واقد) صرح بالتحديث في رواية النَّسَائي (١) من طريق يحيى بن أبي كثير، عن إسحاق، فَقَالَ: عن أبي مُرَّة أن أبا واقد حدثه.
وقد قدمنا أن اسم أبي واقد: الحارث بن مالك، وقيل: ابن عون، وقيل: عوف بن الحارث، وليس له في البُخَاريّ غير هذا الحديث. ورجال إسناده مدنيون، وهو في الموطأ (٢)، ولَم يروه عن أبي واقد إلا أبو مُرَّة، ولا عنه إلا إسحاق، وأبو مُرَّة والراوي عنه
стр. 458
تابعيان، وله شاهد من حديث أنس أخرجه البزار والحاكم (١).
قَوْلُهُ: (ثلاثة نفر) النَّفَر -بالتحريك-: للرجال من ثلاثة إلَى عشرة، والمعنى: ثلاثة هم نفر، والنفر: اسم جمع، ولهذا وقع مميزا للجمع، كقوله تعالى: ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ [النمل: ٤٨].
قَوْلُهُ: (فأقبل اثنان) بعد قَوْله: "أقبل ثلاثة" هُما إقبالان، كأنَّهم أقبلوا أولًا من الطريق فدخلوا المسجد مارين كما في حديث أنس: "فإذا ثلاثة نفر يمرون"، فلما رأوا مجلس النَّبِيّ ﷺ أقبل إليه اثنان منهم، واستمر الثالث ذاهبًا.
قَوْلُهُ: (فوقفا) زاد أكثر رواة الموطأ: "فلما وقفا سَلَّمَا"، وكذا عند الترمذي (٢)، والنسائي، ولَم يذكر المصنف هنا ولا في الصلاة (٣): "السلام"، وكذا لَم يقع في رواية مُسْلِم (٤).
ويستفاد منه: أن الداخل يبدأ بالسلام، وأن القائم يسلم عَلى القاعد، وإنَّما لَم يذكر رد السلام عليهما اكتفاء لشهرته، أو يستفاد منه أن المستغرق في العبادة يسقط عنه الرد.
ولَم يذكر أنهما صليا تحية المسجد إما لكون ذَلِكَ كَانَ قبل أن تُشرع، أو كانا عَلى غير وضوء، أو وقع فلم ينقل للاهتمام بغير ذَلِكَ من القصة، أو كَانَ في غير وقت تنفل، قاله القاضي عياض بناء عَلى مذهبه أنها لا تصلى في الأوقات المكروهة.
стр. 459
قَوْلُهُ: (فوقفا عَلى رسول الله ﷺ ) أي: عَلى مجلس رسول الله ﷺ [١٢٥/ ب] أو عَلى بمعنى عند.
قَوْلُهُ: (فرجة) -بالضم والفتح معًا- هِيَ: الخلل بين الشيئين.
و(الْحَلْقة) بإسكان اللام: كل شيء مستدير خالي الوسط، والجمع: حَلَق بفتحتين، وحكي فتح اللام في الواحد وهو نادر، وفيه استحباب التحليق في مجالس الذكر والعلم، وفيه أن من سبق إلَى موضع منها كَانَ أحق به.
قَوْلُهُ: (وأما الآخر) بفتح الخاء المعجمة، وفيه رد عَلى من زعم أنه يختص بالأخير لإطلاقه هنا عَلى الثاني.
قَوْلُهُ: (فآوى إلَى الله فَآواه الله) قَالَ القرطبي: الرواية الصحيحة بقصر الأول ومد الثاني، وهو المشهور في اللغة، وفي القرآن: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف: ١٠]. بالقصر، ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠]. بالمد، وحكي في اللغة القصر والمد معًا فيهما.
ومعنى "آوى إلَى الله": لَجأ إلَى الله أو عَلى الحذف، أي: انضم إلَى مجلس رسول الله ﷺ .
ومعنى "فآواه الله"؛ أي: جازاه بنظير فعله بأن ضمه إلَى رحمته ورضوانه.
* وفيه استحباب الأدب في مَجالس العلم، وفضل سد خلل الحلقة، كما ورد الترغيب في سد خلل الصفوف في الصلاة، وجواز التخطي لسد الخلل ما لَم يؤذ؛ فإن خشي استحب الجلوس حيث ينتهي كما فعل الثاني.
* وفيه الثناء عَلى من زاحم في طلب الخير.
قَوْله: (فاستحيا) أي: تَرَك المزاحمة كما فعل رفيقه حياء من النَّبِيِّ ﷺ وممن حضر. قاله القاضي عياض.
وقد بَيَّن أنس في روايته سبب استحياء هذا الثاني، فلفظه عند الحاكم: "ومضى الثاني قليلًا ثُمَّ جاء فجلس" (١)، فالمعنى: أنه استحيا من الذهاب عن المجلس كما فعل رفيقه الثالث.
стр. 460
قَوْلُهُ: (فاستحيا الله منه) أي: رحمه ولَم يعاقبه.
قَوْلُهُ: (فأعرض الله عنه) أي: سخط عليه، وهو مَحمولٌ عَلى من ذهب معرضًا لا لعذر، هذا إن كَانَ مسلمًا.
ويحتمل أن يكون منافقا واطلع النبِيّ ﷺ عَلى أمره، كما يحتمل أن يكون قَوْلُهُ ﷺ : "فأعرض الله" إخبارًا أو دعاء.
ووقع في حديث أنس: "فاستغنى، فاستغنى الله عنه"، وهذا يرشح [١٢٦/ أ] كونه خبرًا، وإطلاق الإعراض وغيره في حق الله عَلى سبيل المقابلة والمشاكلة فيحمل كل لفظ منها عَلى ما [يليق] (١) بجلاله ، وفائدة إطلاق ذلِكَ: بيان الشيء بطريق واضح.
* وفيه جواز الإخبار عن أهل المعاصي وأحوالهم للزجر عنها، وأن ذَلِكَ لا يُعد من الغيبة.
* وفِي الحديث: فضل ملازمة حلق العلم والذكر، وجلوس العالم والمُذَكِّر في المسجد.
وفيه الثناء عَلى المستحيين، والجلوس حيث ينتهي به المجلس.
ولَم أقف في شيء من طرق هذا الحديث عَلى تسمية واحد من الثلاثة المذكورين، والله أعلم.