← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132963

النكت على صحيح البخاري

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (606 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

٧٣ - فوائد الإحتفال في أحوال الرجال المذكورة في البخاري زيادة على تهذيب الكمال. ٧٤ - الفوائد الجمة فيمن يجدد الدين لهذه الأمة. ٧٥ - قذى العين من نظم غريب البين. ٧٦ - القصارى في الحديث. ٧٧ - القصد الأحمد فيمن كنيته أبو الفضل، واسمه أحمد. ٧٨ - القول المسدد في الذب عن مسند أحمد. ٧٩ - الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف. ٨٠ - كشف الستر عن حكم الصلاة بعد الوتر. ٨١ - لذة العيش بجمع طرق حديث "الأئمة من قريش". ٨٢ - لسان الميزان في اختصار ميزان الإعتدال أيضًا. ٨٣ - المجمع المؤسس للمعجم المفهرس؛ في أسامي شيوخه. ٨٤ - المرجة الغيثية عن الترجمة الليثية. ٨٥ - مزيد النفع بمعرفة ما رجح فيه الوقف على الرفع. ٨٦ - المطالب العالية في زوائد المسانيد الثمانية. ٨٧ - المقترب في بيان المضطرب في الحديث. ٨٨ - الممتع في منسك المتمتع. ٨٩ - المنحة فيما علق الشافعي القول به على الصحة. ٩٠ - النبأ الأنبه في بناء الكعبة. ٩١ - نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار للنووي. ٩٢ - نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر في أصول الحديث. ٩٣ - نزهة الألباب في الألقاب. ٩٤ - نزهة القلوب في معرفة المبدل من المقلوب.

стр. 37

٩٥ - نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر له. ٩٦ - هداية الرواة إلَى تخريج أحاديث المصابيح والمشكاة؛ لخصه من لباب الصدور. ٩٧ - هدي الساري لمقدمة فتح الباري في شرح صحيح البخاري له (١). وزاد ابن العماد الحنبلي: ٩٨ - تجريد التفسير من صحيح البخاري. ٩٩ - تهذيب الكمال للحافظ المزي. ١٠٠ - طبقات الحفاظ. ١٠١ - التمييز في تخريج أحاديث الوجيز. ١٠٢ - النهج بترتيب الدرج. ١٠٣ - الأفنان في رواية القرآن (٢). ١٠٤ - البيان الفصل بما رجح فيه الإرسال على الوصل. ١٠٥ - تقويم الإسناد بمدرج الإسناد. ١٠٦ - الإستدراك على الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء. ١٠٧ - تخريج أحاديث مختصر ابن الحاجب. ١٠٨ - تحفة الظراف بأوهام الأطراف. ١٠٩ - الأنوار بخصائص المختار. ١١٠ - بلوغ المرام بأدلة الأحكام. ١١١ - شرح مناسك المنهاج للنووي. ١١٢ - تصحيح الروضة. ١١٣ - شرح الأربعين النووية. ١١٤ - ترجمة النووي. وغير ذلك من المؤلفات الماتعة، ﵀ رحمة واسعة.

стр. 38

* وفاته: توفي ليلة السبت المسفر صباحها، في الثامن والعشرين مِن ذي الحجة سنة اثنين وخمسين وثمانمائة، وكان عمره إذ ذاك تسعًا وسبعين سنة وأربعة أشهر وعشرة أيام، ودُفن بالرملية، وصلى عليه خلق كثير، ﵀ رحمة واسعة.

стр. 39

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ترجمة بدر الدين الزركشي ﵀ - بدر الدين أبو عبد الله محمد بن بهادر بن عبد الله المصري، التركي الأصل، الزركشي، الشافعي الإمام العلامة المصنف المحرر، ولد سنة خمسٍ وأربعين وسبعمائة. أخذ عن الشيخين جمال الدين الإسنوي، وسراج الدين البلقيني ولازمه، ولما ولي قضاء الشام استعار منه نسخته من الروضة مجلدًا بعد مجلدٍ فعلقها على الهوامش من الفوائد، فهو أول من جمع حواشي الروضة للبلقيني، وذلك في سنة تسع وستين وسبعمائة. كان رحل إلى دمشق فأخذ عن ابن كثير في الحديث، وقرأ عليه مختصره ومدحه ببيتين، ثم توجه إلى حلب فأخذ عن الشيخ شهاب الدين الأذرعي، وتخرج على مغلطاي في الحديث. كان فقيهًا أصوليًّا أديبًا فاضلًا في جميع ذلك، ودرس وأفتى، وولي مشيخة خانقاه كريم الدين بالقرافة الصغرى. قال الشيخ شمس الدين البرماوي: كان منقطعًا إلى الاشتغال، لا يشتغل عنه بشيء، وله أقارب يكفونه أمر دنياه.

стр. 40

وكان لا يتردد إلى أحد إلا إلى سوق الكتب، وإذا حضره لا يشتري شيئًا، وإنما يطالع في حانوت الكتبي طول نهاره، ومعه ظهور أوراق يعلق فيها ما يعجبه، ثم يرجع فينقله إلَى تصانيفه. * من تصانيفه: ١ - تكملة شرح المنهاج للإسنوي، واعتمد فيه على النكت لابن النقيب، وأخذه من كلام الأذرعي والبلقيني، وفيه فوائد وأبحاث تتعلق بكلام المنهاج حسنة، لكنه يهم في النقل والبحث كثيرًا، ثم أكمله لنفسه. ٢ - خادم الشرح الكبير والروضة، وهو كتاب كبير، فيه فوائد جليلة. ٣ - شرع في شرح البخاري فتركه مسودة، ولخص منه التنقيح في مجلد. ٤ - البحر في الأصول، في ثلاثة أجزاء، جمع فيه جمعًا كثيرًا لم يسبق إليه. ٥ - شرح جمع الجوامع للسبكي في مجلدين. ٦ - لقطة العجلان وبلة الظمآن. ٧ - شرح علوم الحديث لابن الصلاح. ٨ - شرح الأربعين للنووي. ٩ - خرَّج أحاديث الرافعي ومشى فيه على جمع ابن الملقن، لكنه سلك طريق الزيلعي في سوق الأحاديث بأسانيد خرجها فطال الكتاب بذلك. ١٠ - مصنف في الأدب سماه ربيع الغزلان. ١١ - شرح التنبيه. ١٢ - البرهان في علوم القرآن. ١٣ - القواعد في الفقه. ١٤ - أحكام المساجد. ١٥ - تفسير القرآن، وصل إلى سورة مريم. ١٦ - سلاسل الذهب في الأصول.

стр. 41

وله غير ذلك، وكان خطه ضعيفًا جدًّا، قلَّ من يحسن استخراجه. توفي بمصر في ثالث رجب، ودُفن بالقرافة الصغرى بالقرب من تربة بكتمر الساقي سنة أربعٍ وتسعين وسبعمائة (١).

стр. 42

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ترجمة السخاوي ﵀ - الشيخ العلامة الرحالة الحافظ أبو عبد الله شمس الدين محمد بن عبد الرحمن ابن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد السخاوي الأصل، القاهري، الشافعي، نزيل الحرمين الشريفين. كانت ولادته في ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة، وحفظ القرآن العظيم وهو صغير وجوَّده وصلى به في شهر رمضان، ثم حفظ عمدة الأحكام، والمنهاج، وألفية ابن مالك، والنخبة، وألفية العراقي، وشرح النخبة، وغالب الشاطبية، ومقدمة الشاوي في العروض. وكلما أنهى حفظه لكتاب عرضه على شيوخ عصره، وبرع في الفقه، والعربية، والقراءات، والحديث، والتاريخ وغيرها، وشارك في الفرائض والحساب والميقات وأصول الفقه والتفسير وغيرها. وأمَّا مقروآته ومسموعاته فكثيرة جدًّا لا تكاد تنحصر، وأخذ عن جماعة لا يحصون، حتى بلغت عدة من أخذ عنهم زيادة على أربعمائة نفس، وأذن له غير واحد بالإفتاء والتدريس والإملاء. وسمع الكثير من الحديث على شيخه إمام الأئمة الشهاب ابن حجر، وأقبل

стр. 43

عليه بكليته إقبالًا يزيد على الوصف، حتى حمل عنه علمًا جمًّا، واختص به كثيرًا، بحيث كان من أكثر الآخذين عنه، وحمل عنه ما لم يشاركه فيه غيره، وأخذ عنه أكثر تصانيفه، وأعانه على ذلك قرب منزله منه، وكان لا يفوته مما يقرأ عليه إلا النادر. وقرأ عليه الاصطلاح بتمامه، وسمع عليه جُلَّ كتبه، كعلوم الحديث إلا اليسير من أوائله وأكثرَ تصانيفه في الرجال وغيرها، كالتقريب، وثلاثة أرباع أصله، واللسان بتمامه، ومشتبه النسبة، وتخريج الزاهر، وتلخيص مسند الفردوس، والمقدمة، وأماليه الحلبية، والدمشقية، وغالب فتح الباري، وتخريج المصابيح، وابن الحاجب الأصل، وتغليق التعليق، ومقدمة الإصابة، وجملة يطول تعدادها، وفي بعضه ما سمعه أكثر من مرة، ولم يفارقه إلَى أن مات. وأذن له في الإقراء والإفادة والتصنيف، وتدرب به في معرفة العالي والنازل، والكشف عن التراجم والمتون وسائر الاصطلاح وغير ذلك. وجاب البلاد وجال، وجَدَّ في الرحلة، وارتحل إلى حلب ودمشق وبيت المقدس والخليل ونابلس والرملة وحماه وبعلبك وحمص، بحيث إن الذي سمع عنهم يكونون قريبَ مائةِ نفرٍ، بل زاد عدد من أخذ عنه من الأعلى والدون والمساوي على ألف ومائتين، والأماكن التي تحمل فيها من البلاد والقرى على الثمانين. واجتمع له من المرويات بالسماع والقراءة ما يفوق الوصف، وهي تتنوع أنواعًا تنيف على العشر، حسبما ذكره مستوفى في ترجمته من تاريخه، وأعلى ما عنده من المروي ما بينه وبين الرسول ﷺ بالأسانيد المتماسكة فيه عشرة أنفس وأكثر منه، وأصح ما بين شيوخه وبين النبي ﷺ فيه العدد المذكور. واتصلت له الكتب الستة، وكذا حديث كل من الشافعي وأحمد والدارمي بثمانية وسائط، وفي بعض الكتب الستة كأبي داود من طريق آخر، وأبواب في النسائي ما هو سبعة، واتصل له حديث مالك وأبي حنيفة بتسعة.

стр. 44

وحج بعد وفاة شيخه ابن حجر مع والديه، ولقي جماعة من العلماء فأخذ عنهم: كأبي الفتح الأعز، والبرهان الزمزمي، والتقي ابن فهد، وأبي السعادات ابن ظهيرة، وخلائق. ثم زار المدينة الشريفة، ورجع إلَى القاهرة ملازمًا للسماع والقراءة والتخريج والاستفادة من الشيوخ والأقران من غير فتور عن ذلك. ولم يزل يجتهد في السماع ويرحل إلى الأقطار حتى وصل إلَى ما وصل إليه، وخصه بعض شيوخه على عقد مجلس الإملاء فامتثل إشارته، فأملى حتى أكمل تسعة وخمسين مجلسًا. ثم توجه إلَى الحج في سنة سبعين فحج وجاور، وحدث هناك بأشياء من تصانيفه وغيرها، وأقرأ ألفية الحديث تقسيمًا وغالب شرحها لناظمها، والنخبة وشرحها، وأملى مجالس بالمسجد الحرام. ولما رجع إلَى القاهرة شرع في إملاء تكملة تخريج شيخه للأذكار، ثم أملى تخريج الأربعين النووية وغيرها بحيث بلغت مجالس الإملاء ستمائة مجلس فأكثر. وكذا حج في سنة خمسٍ وثمانين وجاور سنة ستٍّ، ثم سَنة سبعٍ وأقام منها ثلاثة أشهر بالمدينة النبوية، ثم في سنة اثنتين وتسعين وجاور سنة ثلاث، ثم سنة أربعٍ، ثم في سنة ستٍّ وتسعين وجاور إلى أثناء سنة ثمانٍ، فتوجه إلى المدينة النبوية فأقام بها شهرًا وصام رمضان بها، ثم عاد في شوالها إلى مكة، ومكث بها ما شاء الله، ثم رجع إلَى المدينة وجاور بها إلى أن مات. وحمل الناس من أهلهما والقادمين عليهما عنه الكثير جدًّا رواية ودراية، وحصلوا من تصانيفه مع ملازمة الناس في منزله للقراءة دراية ورواية في تصانيفه وغيرها، بحيث ختم عليه ما يفوق الوصف من ذلك، وأخذ عنه من الخلائق ما لا يحصى كثرة، وشرع في التصنيف والتخريج قبيل الخمسين، وهلم جرًّا، وتصانيفه إليها النهاية في الشهادة له لمزيد علوه وفخره.

стр. 45

* ومن تصانيفه: ١ - فتح المغيث بشرح ألفية الحديث. وهو مع اختصاره في مجلد ضخم، وسبك المتن فيه على وجه بديع لا يعلم في هذا الفن أجمع منه ولا أكثر تحقيقًا لمن تدبره. ٢ - المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة. وهو كتاب جليل لم يسبق إلَى مثله، مفيد في بابه جدًّا. ٣ - القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع. وهو في غاية الحُسْن. ٤ - الضوء اللامع لأهل القرن التاسع. ٥ - عمدة المحتج في حكم الشطرنج. ٦ - المنهل العذب الرَّوِيّ في ترجمة قُطْبِ الأولياءِ النَّوَوَيِّ. ٧ - الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر. ٨ - التاريخ المحيط. وهو في نحو ثلاثمائة ورقة على حروف المعجم، لا يعلم من سبقه إليه. ٩ - تلخيص تاريخ اليمن. ١٠ - الفوائد الجلية في الأسماء النبوية. ١١ - الفخر العلوي في المولد النبوي. ١٢ - ارتقاء الغرف بحب أقرباء الرسول وذوي الشرف. ١٣ - الإيناس بمناقب العباس ﵁. ١٤ - رجحان الكفَّة في بيانِ أهل الصُّفَّةِ. ١٥ - الأصل الأصيل في تحريم النقل من التوراة والإنجيل. ١٦ - القول المتين في تحسين الظن بالمخلوقين. ١٧ - الإعلان بالتوبيخ على من ذم التاريخ، وهو نفيس جدًّا.

стр. 46

١٨ - تحرير الميزان. ١٩ - عمدة القارئ والسامع في ختم الصحيح الجامع. ٢٠ - غُنْية المحتاج في ختم صحيح مسلم بن الحجاج. وغير ذلك. وانتهى إليه علم الجرح والتعديل، حتى قيل: لم يكن بعد الذهبي أحد سلك مسلكه. وقرض أشياء من تصانيفه غير واحد من أئمة المذهب، كالحافظ ابن حجر، والجلال المحلي، والشرف المناوي، والتقي الحصني، والعيني، والكافياجي، وتناقلها الناس إلى كثير من البلدان والقرى، وكتب الأكابر بعضها بخطوطهم، حتى قال بعضهم: إن لم تكن التصانيف هكذا وإلا فلا فائدة. وكان شيخه شيخ الإسلام ابن حجر يحبه ويثني عليه، وينوِّه بذكره، ويعترف بعلو فخره، ويرجحه على سائر جماعته المنسوبين إلَى الحديث وصناعته، وكان من دعواته له قوله: والله المسئول أن يعينه على الوصول إلَى الحصول حتى يتعجب السابق من اللاحق. ومما وصفه به بعض الحفاظ بعد كلام تقدم: "وهو -والله- بقية من رأيت من المشايخ، وأنا وجميع طلبة الحديث بالبلاد الشامية والبلاد المصرية وسائر بلاد الإسلام عيال عليه، ولا أعلم في الوجود له نظيرًا". وقال غيره: "هو الآن من الأفراد في علم الحديث الذي اشتهر فيه فضله، وليس بعد شيخ الإسلام ابن حجر فيه مثله". وقال غيره: "واسطة عقدها من العقد، الإجماع على أنه أمسى كالجوهر الفرد، وأصبح في وجه الدهر كالغُرة، حتى صارت الغرر مع جواهره كالذَّرَّة، بل جواد، جوده شهد له جريانه بالسبق في ميدان الفرسان، وحكم له بأنه هو الفرع الذي فاق أصله، البديع بالمعاني فلا حاجة للبيان، أضاء هذا الشمس فاختفت منه كواكب

стр. 47

الدراري، كيف لا وقد جاده الفيض بفتح الباري، نخبة العصر والدهر، وعين القلادة في طبقة الجود، لأنه عين السخاء وزيادة، فبدايته إليها النهاية، ومنهاجه أوضح طريق إلى الغاية، وهو الخادم للسنة الشريفة، والحاوي لمحاسن الاصطلاح والنكت المنيفة، فبهجته زهت بروضها، وروضته زهت ببهجتها". وقال آخر: "هو الذي انعقد على تفرده بالحديث النبوي الإجماع، وإنه في كثرة إطلاعه وتحقيقه لفتوته بلغ ما لا يستطاع، ودونت تصانيفه واشتهرت، وثبتت سيادته في هذا الفن النفيس وتقررت، ولم يخالف أحد من العقلاء في جلالته ووفور ثقته وديانته وأمانته، بل صرحوا بأجمعهم بأنه هو المرجوع إليه في التعديل والتجريح، والتحسين والتصحيح، بعد شيخه شيخ مشايخ الإسلام ابن حجر، حامل راية العلوم والأثر". وقال آخر: "لقد أجاد النقل من كلامي الله ورسوله الكريم القديم والحديث، وسارت يفضله الركبان، وبالغت في السير الحثيث". ومدحه آخر بهذه الأبيات وهي: يا سيدًا أضحى فريد زمانه ... ودليلُ مَا قَدْ قُلْتُه الإِجماعُ عندي حديثٌ مُسْنَدٌ ومُسَلْسَل ... نُرْويه بالإِتْقانِ لا الوضاعُ مَا في الزمانِ سواكَ يَلقى عَالِمًا ... صَحَّتْ بِذاكَ إِجَازة وسَمَاعُ الْخَيْرُ فيك تَواتَرَتْ أَخْبَارُه ... وَهْوَ الصَّحِيْحُ وَليس فيه نِزَاعُ يَا مَنْ إذا مَا قَدْ أَتَاه مُمَرِّض ... يَشكو زَوَالَ الضُّرِّ وَالأَوْجَاعُ ورُئي بَعْد موته على هيئة حسنة، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: حاسبني وغفر لي، وحشرني مع العلماء. وترجمته في تاريخه ثلاثة كراريس على القطع الكامل. قال الشيخ جار الله بن فهد المكي ﵀ عقب تلك الترجمة: إن شيخنا صاحب

стр. 48

الترجمة حقيق بما ذكره لنفسه من الأوصاف الحسنة، والله العظيمِ لم أَرَ في الحفاظ المتأخرين مثله، ويعلم ذلك كل من اطلع على مؤلفاته أو شاهده, وهو عارف فقيه منصف في تراجمه، ورحم الله جدي حيث قال في ترجمته: "إنه انفرد بفنه فطار اسمه في الآفاق، وكثرت مصنفاته فيه وفي غيره، طار صيته شرقًا وغربًا، شامًا ويمنًا، ولا أعلم الآن من يعرف علوم الحديث مثله، ولا أكثر تصنيفًا ولا أحسن، ولذلك أخذها عنه علماء الآفاق من المشايخ والطلبة والرفاق، وله اليد الطولى في المعرفة بالعلل، وأسماء الرجال، وأحوال الرواة، والجرح والتعديل، وإليه يشار في ذلك، ولهذا قال بعض العلماء: لم يأت بعد الحافظ الذهبي أحد سلك هذه المسالك، ولقد مات فن الحديث من بعده، وأسف الناس على فقده، ولم يخلف بعده مثله" انتهى. وولي تدريس الحديث في مواضع متعددة، وعُرض عليه قضاء مصر فلم يقبله رحمه الله تعالَى. وكان بينه وبين البرهان البقاعي والجلال السيوطي ما بين الأقران. * وفاته: توفي بالمدينة الشريفة حال مجاورته الأخيرة بها، وعمره إحدى وسبعون سنة، وصُلِّي عليه بعد صلاة الصبح يوم الاثنين بالروضة الشريفة، ووقف بنعشه تجاه الحجرة الشريفة، ودُفن بالبقيع بجوار مشهد الإمام مالك، وكانت جنازته حافلة، سنة اثنتين وتسعمائة، ولم يخلفه بعد مثله في مجموع فنونه (١).

стр. 49

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصف النسخة المخطوطة لكتاب النكت قد اعتمدنا بفضل الله في إخراج هذا الكتاب على نسخة وحيدة، حيث لا يوجد غيرها كما تفيد ذلك الفهارس الخاصة بجمع فهارس المخطوطات مثل: فهرس مؤسسة آل البيت (مآب). وقد أوضحت تلك الفهارس أنه لا يوجد لهذا الكتاب سوى نسخة واحدة موجودة في المكتبة الأزهرية تحت رقم [نمرة خصوصية (٢٩٥)، نمرة عمومية (٢٢٢٨) حديث]، فقمنا بتصوير هذه النسخة، وأثناء عملنا وقفنا على نسخة للكتاب موجودة في دار الكتب المصرية، وبعد رؤيتها وفحصها وجدناها مصورة عن النسخة الأزهرية، وليست نسخة أخرى من الكتاب. ومما يؤكد عدم وجود نسخة أخرى للكتاب ما دُوِّن على طرتها حيث كُتب التالي: "هذه النكت عزيزة الوجود، ولم يوجد غير هذه النسخة، وتشرفت باطلاع الجلال السيوطي عليها. . . .". والنسخة من أولها إلى آخرها كاملة، سوى موضع واحد، حيث وجدنا ورقة قد سقطت من الأصل، وهي بين الورقة (١٤١/ ب)، و (١٤٢/ أ). وهذه الورقة ساقطة من أصل المخطوطة الأزهرية، وكذلك من مصورتها في دار الكتب المصرية، فقمنا باستدراكها من الشرح الكبير "فتح الباري"، ووضعها كما هي دون اختصار.

стр. 50

وعدد أوراق هذه النسخة ثلاث وستون ومائة ورقة (١٦٣) ورقة، تبدأ بمقدمة لابن حجر حول منهجه في العمل والاختصار، ثم قام بافتتاح الكتاب بأبحاث نفيسة جدًّا في منهج البخاري في تصنيف كتابه الصحيح، وفي شرطه فيه، وفي مناسبة تراجم أبوابه، وغيرها من المباحث النفيسة. ثم قام بعمل عدة مقدمات للصحيح تشمل أسماء الرواة وأنسابهم، وهي بمثابة اختصار لمقدمة "فتح الباري" المعروفة بـ"هدي الساري". ثم قام باختصار "فتح الباري" من أول كتاب "بدء الوحي إلى قبيل نهاية كتاب العلم" وهو ما يعادل عشرين ومائة حديثًا، (١٢٠) حديثًا. والنسخة جيدة الخط وواضحة جدًّا؛ غير أنها قد وقع فيها تصحيف وتحريف غير قليل، ويظهر من طبيعة تلك الأخطاء أن الناسخ عليه رحمة الله كان ينقل دون استيعاب لمعاني ما يكتب، بل يرسم الحروف التي أمامه دون النظر إلى معانيها في كثير منها، مما أدى إلى تغيير معاني بعض الجمل والعبارات. ولكن تجدر الإشارة إلى أن النسخة في أولها جيدة جدًّا، وليس فيها من تلك الأخطاء شيء, ولكن تظهر هذه الأخطاء بعد الورقة الخامسة والثلاثين تقريبًا، عندما بدأ في شرحه لحديث هرقل. ولكن هذه الأخطاء لا تقدح -في نظرنا- في تلك النسخة المعتمدة؛ لأمور: أولها: أن هذا الكتاب هو عبارة عن اختصار لكتاب كبير هو موجود بين أظهرنا، وليس بمفقود، حيث يمكن الرجوع إلى الأصل الكبير "فتح الباري" لاستدراك أي خطأ موجود أو استبيان الكلمات الغير واضحة. ثانيها: أن هذا الكتاب ليس أصلًا من الأصول الحديثية القديمة مثل صحيحي البخاري ومسلم أو السنن والمسانيد وغيرها من الكتب القديمة، بل هو شرح قيِّم لأحد هذه الأصول، وهو كتاب متأخر زمنيا، فلا نظن أنه تسري عليه بالضرورة الدقة في التعامل مع النص المحقق كما يجب أن تكون مع الأصول القديمة، بل يكون فيها بعض التساهل نوعًا ما.

стр. 51

ونظن أن السبب في ذلك واضح؛ فإن الأول هو عبارة عن أحاديث رسول الله ﷺ وآثار الصحابة والتابعين، وهي التي يبنى عليها الأحكام الشرعية العقدية والتكليفية وغيرها. أمَّا الثاني فهو كلام لإمام جليل، ولكن لا ينهض كلامه ليوازي نصوص القرون الأولى. ثالثها: أن كثيرًا من كلام ابن حجر ﵀ هو منقول عن الأئمة الشُرَّاح السابقين له، مثل الخطابي، والنووي، والقاضي عياض وغيرهم كثير، فمعرفة الصواب في الكلمة سهلة جدًّا، سواء حصلت عليها من الشرح الكبير "فتح الباري" أو حصلت عليها في مظانها في الشروح التي نقل عنها ابن حجر ﵀. أضف إلى ذلك أن ابن حجر ﵀ كثيرًا ما يتعرض لشرح كثير من الكلمات شرحا لغويًّا، ومعرفة الصواب فيها من الخطأ سهلة وميسورة، وذلك بالرجوع إلى كلام أهل اللغة والعربية. رابعها: أن معرفة صحة الكلمة في الغالب تدرك بمجرد النظر دون الرجوع إلى الشرح الكبير "فتح الباري"؛ لأنه كما قلنا قبل: إنه يرسم الكلام المكتوب أمامه، فعند رؤيتها تكتشف الخطأ؛ لأن سياق الكلام لا ينضبط، فبقليل من التأمل تُدرك الصواب، فما بالك إن كان معك الأصل الذي قام الاختصار عليه، فإنه باليسر الشديد تدرك المقصود من الكلمة. خامسها: أن معظم هذه الأخطاء هي من النوع السهل، حيث تتمثل في عدم دقة النقط فقط، والقليل جدًّا منها ما يكون سببه التحريف للكلمة. فلكل ما سبق من أسباب وجدنا أنه من الأفضل الإعراض عن ذكر تلك الأخطاء في الحاشية، حتي لا نثقل الحاشية بالتعليقات، محاولة منا لإخراج الكتاب في صورة لائقة به. غير أنه لو كان هناك كلمة قد تكون خطأ احتمالًا، وهي مخالفة لما في "فتح

стр. 52

الباري" ولكن لها وجه ولو بعيد فإننا نثبتها، ونذكر ما يقابلها في "الفتح"، بل لعل كثيرًا منها يحتمل الصواب أكثر من الخطأ، ويكون ما في الفتح هو المحتمل للخطأ أكثر من الصواب، ولكن لا نستطيع الجزم بذلك؛ لأنه ليس تحت أيدينا نسخة خطية من "فتح الباري". أما عن اسم الكتاب، فهو كما ثبت علي طرته كالتالي: "النكت على صحيح البخاري" تأليف حافظ العصر أبي الفضل ابن حجر لخصه من شرحه الكبير المسمى فتح الباري أمَّا عن صحة نسبة الكتاب إلى ابن حجر ﵀: فقد ذكر الإمام السيوطي في "نظم العقيان في أعيان الأعيان" أن لابن حجر العسقلاني مختصر لشرحه الكبير "فتح الباري"، وقد اطلع عليه حيث قال: "ومن تصانيفه "فتح الباري شرح البخاري"، ومقدمته تُسمى "هدي الساري"، وشرح آخر أكبر منه، وآخر ملخص منه لم يتما، وقد رأيتُ من هذا الملخص ثلاث مجلدات من أوله". انتهى بل قد وجدنا مكتوبًا علي طرة الكتاب ما يلي: "هذه النكت عزيزة الوجود، ولم يوجد غير هذه النسخة، وتشرفت باطلاع الجلال السيوطي عليها، وفهرسها بخطه الشريف، نفعنا الله به". وقد كُتب علي طرة الكتاب هذه الفهرسة، حيث قال: "فيه: المقدمة وشروطها، كتاب بدء الوحي خمسة أحاديث، كتاب الإيمان خمسون حديثًا، كتاب العلم تسعة (١) وسبعون حديثًا". فلعل هذا هو المقصودُ من فهرسة الحافظ جلال الدين السيوطي. وكُتب أيضًا علي طرة الكتاب: "فيه المقدمة، ومن أول البخاري إلى آخر باب حفظ العلم".

стр. 53

ثم كُتب تحتها: "بقي من كتاب العلم أحد عشر بابًا ويكون بعده كتاب الوضوء". وقد كتب تحت عنوان الكتاب وقف لذلك الكتاب، ونصه: "وقف هذا الكتاب الصدر الأجل المحترم سيدي محمد بن الشيخ حسن الشهير بنسبه الكريم بالكريمي على طلبة العلم بالأزهر، وجعل مقره تحت يد أخيه العلامة الشيخ أحمد الجوهري (١) بالخزانة الكائنة بالمقصورة، ثم من بعده يكون تحت يد من كان إمامًا راتبًا بالأزهر، وقفًا صحيحًا شرعيًا لا يُغيّر ولا يُبدل". وقد أثبت ذلك الوقف أيضًا في بعض الصفحات، ونصها: "وقف لله تعالى بالأزهر". وأماكن تلك الوقوف في الصفحات التي تحمل هذه الأرقام: (١١/ أ)، (٢٢/ أ)، (٣٢/ أ)، (٤٣/ أ)، (٥١/ أ)، (٦٣/ أ)، (٧١/ أ)، (٨٢ / أ)، (٩٢/ أ)، (١٠٢/ أ)، (١١٢/ أ)، (١٢٣/ أ)، (١٣١ / أ)، (١٥٢/ أ). ويظهر من الأرقام السابقة أنه يكتب نص الوقف كل عشر ورقات تقريبًا، وهذا يؤكد سقوط الورقة التي بين (١٤١/ ب) و (١٤٢ / أ) كما سبق أن أشرنا إلى ذلك، وسقوط هذه الورقة هو سقوطٌ حَديثٌ وليس قديمًا وهذا الترقيم هو ترقيم حديث، حيث إن العاملين في المكتبة الأزهرية قد قاموا بترقيم هذه النسخة أمامنا قبل التصوير، فتبين لنا بذلك أننا أول من قام بتصوير هذه النسخة، ولذلك قمنا باستدراك السقط من "فتح الباري"، ثم قمنا بتعديل الأرقام فيما بعد ذلك السقط، حيث أصبحت الورقة رقم (١٤٢/ أ) تحمل رقم (١٤٣/ أ) , وما بعدها تم تعديله إلى آخر الكتاب. هذا؛ ويوجد علي طرة الكتاب أيضا بجوار عنوان الكتاب وبجوار الوقف المذكور أربعة تملكات، تبين لنا منها اثنان، والآخران لم نستطع تبينهما:

стр. 54

الأول: نصه: "ملك محمد بن قافص (١) بن صادق الحنفي غفر الله له". والثاني: نصه: "ثم ملكه الفقير أحمد بن العجمي (٢) سنة (١٠٦٩) ". ويوجد على حواشي الكتاب بعض التعليقات القليلة، وكذلك بعض التنبيهات لمن يقرأ الكتاب، مثل قوله: "قف على كذا". وجميع تلك التعليقات تظهر بوضوح في أول الكتاب، ثم تختفي بعد تجاوز ربع الكتاب الأول. وكذلك توجد بعض الإشارات إلى نسخة أخرى، مثل حرف: "ن" أو "نخ"، وقد أثبتنا كل ذلك في تعليقنا على الكتاب. هذا؛ ولم يتبين لنا تاريخ نسخ هذه المخطوطة، ولا اسم ناسخها، ولكن يتضح من تاريخ وفاة ابن حجر ﵀ وتاريخ وفاة السيوطي الذي قام بفهرسة الكتاب واطلع عليه، أن هذه النسخة نسخت في أواخر القرن التاسع أو أوائل القرن العاشر؛ لأن هذا الكتاب من أواخر ما ألف ابن حجر ﵀، وتاريخ وفاته هو سنة اثنين وخمسين وثمانمائة، وتاريخ وفاة السيوطي ﵀ هو سنة أحد عشر وتسعمائة. هذا؛ والله أعلى وأعلم.

стр. 55

وصف النسخة المخطوطة لكتاب تجريد تعليقات الحافظ ابن حجر على التنقيح للزركشي قد اعتمدنا في إخراج هذا الكتاب على نسخة واحدة لم نَجد غيرها بعد بحث وتمحيص. وأصل هذه الرسالة ضِمْنَ مَجْموعٍ مَوْجُود في المكتبة الأزهرية تحت رقم [خصوصية ١٠٩، عمومية ٢١١٦]. وموقع هذه الرسالة هي الحادية عشرة من اثنتي عشرة رسالة يضمها ذلك المجموع. وعدد أوراق هذه الرسالة أربع عشرة ورقة، وذلك من الورقة (١٥٥/ أ) إلى (١٦٩/ أ). والنسخة جيدة واضحة، وخطها نسخ عادي. وهي من القطع الصغير، وعدد سطورها ثلاثة وعشرون سطرًا تقريبًا. واسم الرسالة كما هو مثبت على طرتها: "تجريد ما كتبه شيخنا شيخ الإسلام ابن حجر ﵀ على نسخته من تنقيح الشيخ بدر الدين الزركشي" وباقي الكلام على الطرة هو كالتالي: "وهي نسخة مر عليها مصنفه، وألحق فيها بخطه كثيرًا، وكانت ملكًا لولد المؤلف، ثم انتقلت للشيخ نور الدين علي

стр. 56

الرشيدي (١)، ثم لشيخنا المُحَشِّي (٢) في شهور سنة إحدى عشرة وثمانمائة، وكان فراغ تصنيف "التنقيح" في ثامن ذي القعدة سنة ثمان وثمانين وسبعمائة، وقال في خطبته: "إنه شرح الصحيح في كتاب سَمَّاه الفصيح في شرح الجامع الصحيح" لم يكمل". وقد علق في الحاشية على تلك الفقرة الأخيرة بقوله: "قال شيخنا السخاوي: "وقفت على المجلد الأول منه". وفي نهاية الكتاب نَجد بيان الذي قام بالتجريد لهذه التعليقات، وهذا نصها: "آخر الحواشي التي كتبها شيخنا ابن حجر على نسخته من تنقيح الزركشي، جردها تلميذه محمد بن السخاوي ختم له بخير ولوالديه والمسلمين، وصلى الله على سيدنا محمد وسلم تسليمًا كثيرًا". وواضح من ذلك أن الذي قام بتجريد تلك التعليقات هو الإمام محمد بن عبد الرحمن السخاوي تلميذ ابن حجر العسقلاني -رحمهما الله-. ويتضح أيضًا من تلك الفقرة أنها نسخت في حياة السخاوي ﵀، ولكن هذا يُخالف ما ذكر في نهاية الكتاب حيث ذكر الناسخ أنه نسخها سنة ست وتسعمائة أي بعد وفاة الإمام السخاوي بأربع سنين. وهذا مما يرجح أن النسخة التي معنا هي فرع عن النسخة التي كتبت في حياة السخاوي ﵀. ومما يؤكد ذلك أن الناسخ كتب بعد الفقرة السابقة ما يلي: "نقله إلى هنا في أوقات آخرها في يوم السبت ثالث عشري شعبان سنة ست وتسعمائة بمنزله من مكة المشرفة عبد العزيز بن عمر بن محمد بن فهد الهاشمي المكي الشافعي (٣)، لطف الله بهم آمين، والحمد لله، وصلى الله علي سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا، وحسبنا الله ونعم الوكيل".

стр. 57

هذا؛ وقد كُتب على طرة الكتاب أيضًا وصيةٌ بوقف هذا الكتاب ولفظها: "وقف هذا الكتاب الصدر الأجل المحترم، سيدي محمد بن الشيخ حسن، الشهير نسبه الكريم بالكريمي، وجعل مقره تحت يد أخيه العلامة الشيخ أحمد الجوهري (١) بالخزانة الكائنة بالمقصورة، ومن بعده يكون تحت يد من كان إمامًا راتبًا بالأزهر، فمن بدله بعد ما سمعه فإنَّما إثمه علي الذين يبدلونه". هذا؛ وقد أشار حاجي خليفة في "كشف الظنون" إلي هذه التعليقات حيث ذكر شرح الزركشي المسمى بالتنقيح ثم قال: "وعليه نكت للحافظ ابن حجر المذكور، وهي تعليقات بالقول ولم تكمل". وتجدر الإشارة إلى عدة أمور: الأولى: أن السخاوي قد نقل تعليقات ابن حجر من نسختين له وليس من نسخة واحدة، ويظهر ذلك في تنصيصه علي أنه ينقل من نسخة ثانية بقوله: "وقال شيخنا في النسخة الثانية كذا"، وراجع ذلك في الورقة رقم (١٥٧/أ)، و (١٦٩/ أ) وغير ذانك الموضعين. الأمر الثاني: أنه في بعض المواضع يقول: قال المحشي، أو قال شيخنا المحشي ونحو ذلك فاللفظ الأخير لا إشكال فيه أنه الحافظ ابن حجر. أمَّا التعبير الأول فإنه يحتمل أن يكون ابن حجر أو غيره، حيث وجدنا في الورقة (١٦٥/ ب) ما نصه: "كتب كاتب ما نصه. . . ."، فدل على أن هناك محشي يكتب على حاشية النسخة غير ابن حجر، فنقله السخاوي من باب الفائدة مع التنبيه عليه وذكر في الورقة (١٦٠/ ب): "وكتب المؤلف: صوابه الصبيان، فكتب المحشي "والولدان"، والمحشي هنا ليس هو ابن حجر.

стр. 58

الأمر الثالث: أن عزو السخاوي لأبواب الصحيح فيه بعض إشكال حيث يعزو إلى باب ويذكر تعليق ابن حجر على الحديث ولكنه ليس تحت ذلك الباب بعينه، بل بعده بعدة أبواب، والسبب في ذلك أن الزركشي ﵀ كان يذكر عدة أبواب تحت باب واحد كبير أو مشهور، ويسرد تحته عِدَّةَ أَحَاديثَ تاليةً لهذا الباب قد تكون تحت باب آخر بعده, فيسوقها جميعًا كأنها تحت باب واحد. وقد بينا ذلك كله في حواشي ذلك الكتاب. الأمر الأخير: أنه قد وقع في عدة مواضع التنصيص من ابن حجر ﵀ بالعزو إلى كتابه "فتح الباري" أو مقدمته "هدي الساري"، أو إلى "تغليق التعليق" مما يدل على أن هذه الكتب كلها قد فرغ من تأليفها قبل أن يطلع على هذا الشرح للزركشي، أو قبل أن يعلق عليه تلك التعليقات. وراجع ذلك مثلًا عند الورقة (١٥٨/ أ)، (١٥٩/ أ)، (١٦٤/ أ)، (١٦٦/ أ). هذا؛ والله أعلى وأعلم.

стр. 59

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ربنا آتنا من لدنك رحمة وهَيِّئ لَنا من أمرنا رشدًا، الحمد لله الَّذِي شرح صدور أهل الإيمان بالهدى، ونكَّت في قلوب أولي الطُّغيان فلا تَعِي الحِكْمَة أبدًا، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلهًا أحدًا صمدًا، وأشهدُ أن مُحمدًا عبده ورسوله ما أكرمه عبدًا سيدًا، وأَزْكَاهُ أصلًا ومَحتِدًا، وأطهره مضجعًا ومولدًا، صلى الله عليه وَعَلى آله وصحبه غُيوث النَّدَى ولُيُوث العِدا، صلاة وسلامًا دائمين منا من اليوم إلَى أن يُبعث الناس غَدًا. أمَّا بعد: فهذه نُكت مفيدة مُوضِحة للجامع الصحيح لأبي عبد الله مُحَمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري، عَلَم المحدثين، ورأس الحفاظ المتقنين، اقتضبتها من كلام الأئمة الذين اعتنوا به في قديم الزمان وحديثه، مع ما ضممته إليها من التنبيهات الَّتِي أظن أنهم أغفلوها، أو ذكروها ولم أطلع عَلى ذَلِكَ في مظانِّه. وقد كنت شرعتُ في شرح كبير، استفتحته بمقدمة تحوي غالب مقاصد الشرح، فلما أتقنتها (١) وحَرَّرتها، وكتبت من الشرح مواضع هَذبتها ومواضع سَوَّدْتها، رأيتُ الهمم قصيرة، والبواعث عَلى تحصيل المطولات يسيرة (٢). وسألني بعضُ الإخوان عن النُّكت الَّتِي وضعها العلامة بدر الدين الزَّرْكَشي عَلى الكتاب المذكور هل تغني الطالب عن مراجعة غيره أم لا؟ فتأملتها فوجدتها في غاية الحسن والتقريب، والاختصار المفيد العجيب؛ إلا أنها ليست عَلى مِنْوال واحد في ذَلِكَ، بل ربما أطال فيما لا طائل فيه، وربما أهمل ما تَحَيَّر الأفكار في توجيهه، فلا يوجد له في كلامه توجيه.

стр. 60

فأحيانًا يتعرض لبيان بعض من أُهمل تمييزه أو أُبهم اسمه، ويترك بجنبه من هو أولَى بالتنبيه عليه لعُسْرِ مأخذه، وكذا يتعرض أوقاتًا لوصل بعض المعلقات، أو التوفيق بين الترجمة وحديث الباب، ويترك أهمها وأنفعها وأكثرها فائدة، إلَى غير ذَلِكَ مما اشتملت عليه مقاصد الجامع؛ إذ هو جامعٌ كاسمه بحر زخّار، مُفْصِحٌ بسعة اطلاع مصنفه ووُفُورِ علمه، فَحَداني ذَلِكَ عَلى جمع هذه الُّنكت، شاملة لِمُهمات ذَلكَ عَلى طريق وسطى أرجو نفعها، كافلة بما اطلعت عليه [٣/ أ] من ذَلِكَ؛ إذ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. * وقبل الشروع في ذلك أقدم فصلين: أحدهما: في الإشارة إلَى شرط المصنف في هذا التصنيف، وفيه الإشارة إلَى مُنَاسبة ترتيب أبواب كتابه. وثانيهما: في سِياق جُمَل من ترجمته، تشتمل عَلى حاله من بدايته إلَى نهايته، وفيها وصف الأئمة له بما لا مزيد عليه، ثم تلوت ذَلكَ بضَوَابِطَ يُرجَع إليها: ويُعَوَّلُ عند الاختلاف عليها، تُغني عن التكرار، عملا بشرط الاختصار، يسر الله تعالَى ذَلِكَ بمنِّه.

стр. 61

الفصل الأول في بيان شرطه فيه اعْلَم -علَّمني الله وإيَّاك- أن البُخَاري لم يُوجد عنه تصريح بشرط معين، وإنما يُوجد ذَلِكَ من معنى تَسْمِيتهِ للكتاب، وبالاستقراء من تصرفه. فأمَّا أولًا: فإنه سَمَّاه الجامع الصحيح المُسْنَد المُخْتَصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيّامهِ. فعرفنا بقوله: (الْجَامع) أنه لم يختص بصنف دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكام والفضائل، والأخبار المحضة عن الأمور الماضية والأمور الآتية، وغير ذَلِكَ من الآداب والرَّقائق. وبقوله: (الصحيح) أنه ليس فيه شيء ضعيف عنده، وإن كَانَ فيه مواضع قد انتقدها غيره، وحَصَل الإعتناء بالجواب عن ذَلِكَ في مُقدِّمة الشرح الكبير, ويُصَرح بذلك قوله: "ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ" (١). وبقوله: (الْمُسْنَد) أن مقصوده الأصلي: تخريج الأحاديث الَّتِي اتصل إسْنَادها ببعض الصحابة عن النبي ﷺ ، سواء كانت من قول النبي ﷺ أو فعله أو تقريره، وأن ما وقع ما (٢) في الكتاب مما يُخالف ذَلِكَ؛ إنما وقع فيه تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا، فهذا ما عُرف من كلامه.

стр. 62

وأما ما عُرفَ بالاستقراء من تَصَرُّفه، فيحتاج أولًا إلَى التعريف بالصحيح عنده وعند غَيره: وهو أن يكون الإسناد متصلًا، وأن يكون كُل مِنْ رواته عدلًا، وأن يكون موصوفًا بالضبط، فإن قَصَّرَ احتاج إلَى ما يَجْبر ذَلِكَ التَّقصير، ويكون الحديث مع ذَلِكَ قد خلا من أن يكون مَعْلولًا -أي: فيه عِلَّة خفية قادحة-، أو أن يكون شَاذًا -أي: خالف [٣/ ب] رَاويه من هو أكثر عددًا منه أو أشد ضبطًا مُخَالفة تَستلزم التَّنَافي ويُتَعَذر معها الجمع الَّذِي لا يكون مُتَعَسِّفًا. والاتصال عندهم: أن يعبر كل من الرواة في روايته عن شيخه بصيغة صريحَة في السماع منه: كسمعت، وَحَدَّثنِي، وَأَخْبَرَني، أو ظاهرة في ذَلِكَ: كعن، أو أن فلانًا قَالَ. وهذا الثاني في غير المُدلَّس الثقة، أما المُدَلَّس الثقة فلا يقبل منه إلا المرتبة الأولى, إلا أن يُعثر منه عَلى ارتكاب مجاز في الصيغ الصريحة فيُحترز منه حينئذٍ، والأصل عدم ذَلِكَ؛ ولهذا أطلق كثير من الأئمة قبول رواية المُدَلِّس الثقة إذا صَرَّح. ثم إن هذا الثاني شىرط حَمْلِه عَلى السماع عند البُخَاري أن يكون الراوي قد ثَبَتَ له لقاء من حَدَّثَ عنه ولو مرة واحدة، فإذا ثبت ذَلِكَ عنه حُملت عنده عنعنتُه عَلى السماع، وسبب ذَلِكَ أن تقول: إذا لم يثبت لقاؤه له، وإنما عرفنا أنه عاصره فقط، احتمل أن تكون روايته عنه على طريق الإرسال؛ لما عرف من عادة كثير ممن لم يوصف بتدليس أنه يُرْسِل، وإذا لم يترجح أحد الاحتمالين عَلى الآخر لم يحسن الحمل عَلى أحدهما. فإن قِيل: فَلِمَ لَمْ يَطْرُد ذَلِكَ في جَميع عنعنته؟ فالجواب: أن ذَلِكَ يُخالف فَرْض المسألة؛ لأنها مَفْروضة في غير المُدَلَّس، ولو كَانَ بعد أن ثبت لقاؤه لشيخه قد حدَّث عنه بالعنعنة بما لم يَسْمعه لكان بذلك مُدَلِّسًا، والفَرْض أنه غير مُدلس، فكان الاتصال ظاهرًا في ذَلكَ، وعُرف من هذا أن شرط البُخَاريّ في الاتصال أتْقَنُ (١) من شرط غيره مِمَّن اكتفى بالمُعَاصرة.

стр. 63

وكذا عرفنا بالاستقراء من تصرفه في الرجال الذين يُخرج عنهم أنه ينتقي أكثرهم صُحبة لشيخه وأعرفهم بحديثه، وإن أخْرَج من حديث مَن لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخَرِّجُ في المتَابَعات، أو حيث يقوم له قَرينة بأن ذَلِكَ مِمَّا ضبطه هذا الراوي. فبمجموع ذَلِكَ: وَصَف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنَّفة في الحديث، ولم يُنقل عن أحد أنه خالف في ذَلِكَ، إلا ما حَكى ابن مَنْده أنه سمع أبا علي النَّيْسَابُوري يقول: "ما تحت أَدِيمِ السَّمَاءِ أصحُ من [٤ / أ] كتاب مُسْلِم" (١). وهذا وإن كَانَ مستلزمًا لعدم أفضلية صحيح البُخَاريّ عَلى صحيح مُسْلِم، لكن لا يلزم منه أن صحيح مُسْلِم أصح من صحيح البُخَاريّ عند أبي علي؛ لاحتمال أنه يَرَى المُسَاواة بينهما، وَعَلىَ تقدير أن يثْبُت عن أبي علي أنه صَرَّح بذلك فهو محجوج بإجماع مَنْ قبله ومَن بعده عَلى خلافه. وأمّا ما حُكي عن المغاربة من أنهم يفضلون صحيح مُسْلِم عَلى صحيح البُخَاريّ، فذلك راجع إلَى أمر آخر، وهو أنه يجمع المتون في موضع واحد ولا يفرقها في الأبواب، ويسوقها تامة ولا يُقَطِّعها في التراجم، ويحافظ عَلى الإتيان بألفاظها, ولا يروي بالمعنى، ويفردها ولا يخلط معها شيئًا من أقوال الصحابة ومن بعدهم في الغالب، وهذا جميعه وإن كَانَ يستدعي أفضليته من جهة فإنه يستدعي أفضلية البُخَاريّ من جهة أنه امتاز عن الوقوف عند مطلق الجمع، واختص بنفع الطالب بما استَنْبَط من فقهه في تراجمه بما يَشُوق النظرَ ويَرُوق السمعَ، وبقي ما يتعلق بأفضلية الأصحية له مُسَلَّمًا من المخالف والموافق، ناطقًا بذلك أو مقررًا له علماء المغارب والمشارق، ذَلِكَ فضلُ الله يُؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. فهذا فيما يتعلق بشرطه في الصحة، وأمَّا ما يتعلق بمَوْضوعه: فعُرف بالإسْتِقراء من طريقته، وبما تقدم في المفاضلة، أن مسلمًا يجمعُ المتون في موضع واحد، وَالبُخَاريّ يُفرِّقها في الأبواب اللائقة بِها، لكن ربما كَانَ ذلِكَ الحديث ظاهرًا في ذَلِكَ

стр. 64

الباب وربما كَانَ خَفِيًّا، والخفي ربما حصلَ تناوله بالاقتضاء أو باللزوم، أو بالتمسك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أن في بعض طُرق ذَلكَ الحديِث ما يُعطي المقصودَ وإن خلا عنه لفظ المتن المُسَاق هناك، تنبيهًا عَلى ذَلكَ المشار إليه بذلك، وأنه صَالِح لأن يُحْتجَّ به وإن كَانَ لا يرْتَفع (١) إلَى درجة شرطه. واحتاجَ إلى هذا وأمثاله أن يُكرر الأحاديث؛ لأن كثيرًا من المتون يَشْتمل عَلى عدة أحكام، فيحتاج أن يذكر في كل باب يليق ذِكْرُ ذَلكَ الحكم فيه ذَلِكَ الحديث بعينه، فإن سَاقه بتمامه إسنادًا ومتنًا طَالَ التكرير [٤/ ب]، وخرج عن وَضع الاختصار، وإن أَهْمله فلا يليق به، فَتَصَرَّف فيه بوجوه من التَّصَرُّف وهو أن ينظر في الإسناد إلَى غاية مَن يَدور عليه الحديث مِن الرواة؛ أي: يَنْفرد بروايته، فيُخرجه في باب عن راوٍ يرويه عن ذَلكَ المُنفرد، وفِي باب آخر عن رَاوٍ آخر عن ذَلك المُنْفَرد وهلُمَّ جَرًّا. فإن كثرت الأحكام عن عدد الرواة عَدَل عن سِيَاقة تامِّ الإسناد إلَى اختصاره مُعَلَّقًا، وهذه إحدى الحِكَم في تعليقه ما وَصَله في موضع آخر، وإن ضاق مخرجه كأن يكون فردًا مُطلقًا تصرف حينئذٍ في المتن، فيسوقه تارة تامًّا، وتارة مُقتصرًا عَلى بعضه، بحسب نشاطه، وبحسب ما يحتاج إليه في ذَلِكَ الباب. فعُلم من هذا أنه لا يكرر إلا لفائدة، ففي التحقيق لا تكرار فيه؛ إذ حقيقة التكرار أن يُعيد بلا فائدة، ولم أره خالف هذا إلا في مواضع نادرة. ثم إنه في حال تصنيفه كأنه بسط التراجم والأحاديث، فجعل لكل ترجمة حديثًا يلائمها، وبقيت عليه تراجم لم يجد في الحالة الراهنة ما يلائمها فأخلاها عن الحديث، وبقيت عليه أحاديث لم يتضح له ما يرتضيه في الترجمة عنها فجعل لَها أبوابًا بلا تراجم، فيوجد فيه أحيانًا باب مترجم وليس فيه سوى آية أو كلام لبعض الصحابة أو من بعدهم، وأحيانًا باب غير مترجم وقد ساق فيه حديثا أو أكثر، والنكتة في ذَلِكَ ما أشرت إليه.

стр. 65

وممَّن نبه عَلى ذَلِكَ: الحافظ أبو ذَرٍّ الهَرَويّ، عن الحافظ أبي إسْحَاق الْمُسْتَمْلِي راوي الصحيح، عن الفَربرِي صاحب البُخَاريّ، وأشار إلَى أن بعض من نقل الكتاب بعد موت مصنفه ربما ضم بابًا مترجمًا إلَى حديث غير مترجم، وأخلى البياض الَّذِي بينهما، فيصير بعض الناس يظن أن هذا الحديث يتعلق بالترجمة الَّتِي قبله، فَيَتمَحّل لَها وجوهًا من التحامل (١) المتكلفة، ولا تعلق لَها به ألبتة، عَلى ما أرشدنا إليه كلام المُستملي. عَلى أن البُخَاريّ في هذا القدر دقيق النظر جدًّا، كثير العناية بالاقتصار عَلى الأخفى مع الإعراض عن الأجلى عَلى ما سيمر (٢) إن شاء الله تعالَى [٥/ أ] في أماكنه. فهذا ما يتعلق بشرطه وشرط وضعه، وأمَّا مُناسبة ترتيب أبْوَابه عَلى ما هِيَ عليه الآن؛ فقد وقفتُ في ذَلِكَ عَلى مُجَلَّدة لشيخنا شيخ الإسلام سراج الدين البُلقِيني، لخصتُ مقاصدها هنا، مع ما ضممت إليها مما تُشَاكلها: فأقول: بدأ المصنف بقوله: "كيف كَانَ بدْءُ الوحي"؛ لأن بالوحي قامت الشرائع، وجاءت الرسالة، ومنه عُرف الإيمان والعلم. وكان أوله إلَى النبي ﷺ بما يقتضي الإيمان من ذكر الربوبية، والأمر بالقراءة، والأمر بالإنذار، فعقَّبه بكتاب الإيمان. وكان الإيمان أشرف العلوم؛ فقال: كتابُ العلم. والعلم سابق العمل، وأفضل العمل البدني: الصلاة، ومن مُقَدِّمَاتها: الطَّهارة؛ فقال: كتابُ الطهارة، فذكرها بأنواعها. ثم الصلاة بأنواعها، ثم مِنَ الأعمال ما يكون بَدَنِيًّا مَحْضًا وهو الصلاة، أو مَاليًّا مَحْضًا وهو الزكاة، أو جامعًا بينهما؛ فقال: كتابُ الزكاة، ثم قَالَ: كتابُ الحجِّ مُرَتبًا للبسيط قبل المُركب.

стр. 66

وكان من العبادات ما هو تَرْكٌ مَحْضٌ وهو الصوم فذكره؛ لأنه بقية الأركان الخمسة المذكورة في حديث ابن عمر (١)، وتَرْجَم عن الحج بكتاب المناسِك ليَعُمِّ الحجَّ والعمرة، وكان مُسْتَحَبًّا لكل مَن حج أن يجتاز بالمدينة الشريفة، فذكر ما يتعلق بذلك. وهذه التراجم فيها معاملة العبد مع الخالق، فعقّبها بمعاملة العبد مع الخلق؛ فقال: كتاب البيوع، فذكر تراجم بيوع الأعيان، ثم بيع دين عَلى وجه مخصوص وهو السَّلَم. وكان البيع قد يقع قَهْريًا؛ فذكر الشُّفْعَة. ولما كَانَ البيع قد يقع فيه غَبْنٌ من أحد الجانبين إما في ابتداء العقد أو في المجلس، وفيها ما يقع عَلى دَيْنَيْن لا يَجب فيهما قَبْضٌ في المجلس ولا تَعيين أحدهما؛ فذكر الحِوَالة. وكان في الحوالة انتقال الدَّين من ذِمَّة إلَى ذِمَّة فأردفها بما يقتضي ضم ذمَّة إلَى ذمة، أو ضم شيء تحفظ به العُلْقَة وهو الكفالة والضَّمان، ثم الوكَالة الَّتِي هِيَ حِفظ المال. ولما كانت الوكالة فيها تَوَكُّل عَلى آدمي ذكر بعدها ما فيه تَوَكُّل عَلى الله وهو الحَرْثُ والمُزَارعة، وذكر فيها متعلقات [٥/ ب] الأرض من الموَات والغَرْس والشِّرْب. وكان يقع في كثير من ذَلِكَ إرفاق فَعَقَّبه بما فيه فضل ورفق وهو القَرْض. ثم ذكر معاملة الأرقاء ليعم جميع المعاملات. ولَمَّا كانت المعاملات لابد أن تقع فيها منازعات عَقّبها بما يلائمها, فذكر الإشْخَاص والْمُلازمَة والإلْتِقَاط. ولما كَانَ الإلتِقَاط وضع اليد بالأمانة عَقّبه بوضع اليد تعديّا، فذكر المظالم والغَصْب، وما فيه غصب ظاهر وهو حق شرعي وهو وضع الخُشُب في جدار الجار ونحو ذَلكَ.

стр. 67

ولما اشتمل بعضه عَلى حقوق مشتركة وذكر فيها النُّهْبَى، ثم ذكر الاشتراك الخاص وهي الشركة. ولما كانت هذه المعاملات تتعلق بمصالح الخلق ذكر بعدها ما يتعلق بمصلحة المعاملة؛ وهو الرَّهنُ. وكان الرَّهْن يحتاج إلَى فك رقبة؛ فَعَقَّبه بذكر العتق وتوابعه وآخره المكاتب (١). ولما كانت المكاتبة تستدعي هبة لقوله تعالَي: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣]. عقبها بالهبة وذكر معها العُمْرَى والرُّقْبَى. ولما كانت الهبة: نقل ملك الرقبة بلا عوض أردفها بنقل في المنفعة بلا عوض؛ وهو العَارية والمنيحَة. ولما كَانَ جميع ما تقدم يحتاج إلَى استشهاد قَالَ: كتاب الشهادات. ولما كانت البينات قد يقع فيها تعارض ترجم القُرْعَة في المُشْكِلَات. ولما كَانَ التعارض قد يقع فيه الصلح عَقب بكتابَ الصُّلح. ولما كَانَ الصلح قد يقع فيه شرط عقّب بالشروط. ولما كانت الشروط قد تقع في الحياة وبعد الوفاة عَقَّبَ بكتاب الوصية والوَقْف. فلما انتهى ما يتعلق بالمعاملة مع الخالق في العبادات ثم ما يتعلق بالمعاملة مع الخلق، أردفها بمعاملة جامعة لمعاملة الخالق وفيها نوع اكتساب وهو الجهاد. ولما كَانَ القادمون من الجهاد قد يكون معهم الغنيمة قَالَ: كتاب الخُمُس. وكان ما يؤخذ من الكفار يكون تارة بالحرب وتارة بالمصالحة فقال: كتاب الجِزْيَة، وذكر توابعها من المُوَادَعَة والْعَهْد. ولما كَانَ الجهاد يشتمل عَلى إزهاق الأنفس أراد أن يبين أن هذه المخلوقات محدثات، وأن مآلها إلَى الفناء، وأنه لا خلود لأحد، فترجم بدء الخَلْق، وذكر فيه الجنة والنار [٦/ أ] اللتين مآل الخلق إليهما.

стр. 68

وناسبَ ذكر إبليس وجنوده عَقِب صفة النار؛ لأنهم من أهلها. ثم ذكر الجن؛ لأنهم قبل خلق آدم. ثم ذكر خلق آدم ومن بعده من الأنبياء، وذكر فيهم ذا القرنين ولقمان ومريم. لأنهم عنده أنبياء، ثم ذكر أخبار بني إسرائيل. ولما كَانَ ذكر الأنبياء يشتمل عَلى فضائلهم عقب ذلك بمناقبِ هذه الأمة، وبدأ بقريش رهط النبي ﷺ . وذكر أَسْلَم وغِفَار؛ لأنهم أول من أسلم من القبائل، وذكر إسلام أبي ذر؛ لأنه غِفَاري. ثم ذكر شمائل النبي ﷺ وعلامات نبوته، ثم فضائل أصحابه، ثم سيرته ومَغازيه عَلى ترتيب ما ثبت عنده. وما قبض ﷺ إلا وشريعته كاملة، وكتابه قد كمل نزوله، فعقَّبه بكتاب التفسير. ثم ذكر فضائل القرآن. ولما كَانَ ما يتعلق بالكتاب والسُّنة من التعلم والتفقه وتقرير الأحكام يحصل به حفظ الدين في الأقطار، وبذلك تحصل الحياة المعتبرة عقبه بما تحصل به الحياة الحِسِّيَّة (١) الَّتِي يقوم منها جيل بعد جيل يحفظون ذَلِكَ، فقال: كتاب النكاح. وذكر بعده الرَّضَاع لما فيه من متعلقات التحريم، ثم ذكر باقي متعلقات النكاح. ولما كانَ النكاح اجتماعًا قد تَعْقُبه الفُرْقة قَالَ: كتاب الطلاق. ولما كَانَ الفراق قد يكون مؤقتًا وقد يكون مؤبدًّا ذكر الإيلاء، ثم الظِّهَار، ثم اللِّعَان. ثم كَانَ المؤقت يستلزم وقتًا فذكر العِدَد. وإذا انتهى الوقت قد تحصل المراجعة فقال: الرَّجْعَة. ولما كَانَ العقد قد يقع صحيحًا وقد يقع فاسدًا عَقَّبَ بمهر البَغِي والنكاح الفاسد.

стр. 69

ولما كَانَ النكاح يتعلق بالزوج والزوجة منه أحكام ذكر حكمًا يتعلق بالزوج تعلقًا مستمرًّا وهو النَّفَقَة. ولما كانت النَّفَقَة من المأكولات عَقَّبها بالأطعمة. ثم كَانَ من الأطعمة ما هو خاص فعقبها بالعَقِيْقَة. ولما كَانَ فيها ذبح قَالَ: كتابُ الذبائح. ولما كَانَ من المذبوح ما يُصاد قَالَ: الصيد. ولما كَانَ الذبح يتكرر أو يتوقت قَالَ: الأضاحي. ولما كانت المأكولاتُ تستدعي المشروبات قَالَ: الأَشْرِبة. ولما كانت المأكولات والمشروبات [٦/ ب] قد تضر البدن قَالَ: الطب، وذكر فيه تعلقات المَرَض وثواب المرض. ولما كَانَ الآكل والشاربُ يحتاج بدنه إلَى التستر قَالَ: اللباس، وذكر فيه الزِّينة وأحكامها، والطيب وأنواعه. ولما كَانَ كثير منها يتعلق بآدابِ النَّفْس، عقبها بكتاب الأدب. وكان من جملة الأدب بر الوالدين والإحسان إلَى الأقارب قَالَ: البر والصِّلة. ولما كَانَ من جملة الإحسان ألا يدخل بغير إذن فقال: السلام والاستئذان. ولما كَانَ الاستئذان يستفتح الأبواب السفلية أردفه بما يستفتح الأبواب العلوية وهو الدعاء. ولما كَانَ الدعاء قد يكون سَبَبَ المغفرة عَقَّبَهُ بالاستغفار. ولما كَانَت المغفرة تهدم الذنوب عَقَّبها بالتوبة والذكر. ولما كَانَ الذكرُ والدعاء سببًا للاتعاظ ذكر الرقائق. ولما كَانَ ما يُدْعَى به قد يوافق القَدَر أو لا عَقب ذَلِكَ بكتاب القَدَر. ولما كَانَ القَدَر قد يُحَالُ عليه الأشياء المنذورة عقبه بالنذرِ. ولما كَانَ النذر فيه كفارة أضافَ إليه الأَيْمَان؛ لأن فيها الكفارة، ثم ذكر الكفارة.

стр. 70

ولما تمت أحوال الأحياء في الدُّنْيَا عَقبه بذكر أحوالهم بعد الموت فقال: الفرائض. ولما تم ذلِكَ بغير جناية عَقَّبه بالحدود. ولما كَانَ المرتد لا يكفر إذا كَانَ مكرهًا ذكر الإكراه. ولما كَانَ المُكْرَه قد يُضْمر في نفسه حيلة رافعة ذكر الحيل، وما يحلُّ منها وما يحرم. ولما كَانَ فيها ما يخفى أردفها بتعبير الرؤيا. ولما كَانَ فيها لبعض الناس فتنة، كما قَالَ تعالي: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]. عَقَّبها بالفتن. ولما كانت الفتن يرجع فيها إلَى الأئمة عقبها بالأحكام وأحوال الأمراء والقضاة. ولما كَانَ ذَلِكَ قد يُتَمَنَّى عَقبَه بالتَّمَنِّي. ولما كَانَ مدار الأحكام عَلى أخبار الآحاد ذكره في باب. ولما كانت كلها تحتاج إلَى الكتاب والسُّنة عَقَّبها بالاعتصام بهما. ولما كَانَ أصل العِصْمة هو توحيد الله عَقَّبه بكتاب التوحيد. ولما كَانَ آخر الأمور الَّتِي يظهر بِها المفلح من الخاسر ثقل الموازين أو خفتها جعل آخر تراجم أبوابه باب: قول الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ الآية [الأنبياء: ٤٧]. وأن أعمال بني آدم توزن. فبدأ ببدء الوحي؛ إذ به ظهرت حكمة بدء الخلق؛ لقوله تعالَى: ﴿وَمَا [٧ / أ] خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]. وختم بآخر الأحوال الموجبة للاستقرار. وافتتح بحديث: "الأعمال بالنيات" (١)، وختم بكون الأعمال توزن، وأشار بذلك إلَى أنه إنما يَثْقل منها ما كانَ خالصًا، وأورد فيه حديث "كلمتان خفيفتان عَلى اللسان،

стр. 71

حبيبتان إلَى الرحْمَن، ثقيلتان في الميزان" (١). فقوله: "كلمتان خفيفتان عَلى اللسان"، فيه ترغيب للتخفيف، وقوله: "حبيبتان"، فيه حث عَلى ذكرهما لمحبة الرحمن، وقوله: "ثقيلتان في الميزان"، فيه إظهار ثوابهما، وهاتان الكلمتان معناهما جاء في ختام دعاء أهل الجنة، وذلك في قوله تعالَي: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [يونس: ١٠].

стр. 72

الفصل الثاني في ترجمة المصنف * ذكر نسبه ومولده: هو مُحَمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبَه بن الأحنف الجُعْفِي مولاهم البُخَاريّ، وبَرْدزْبَه في نسبه قيده ابن ماكولا (١) -بفتح الباء الموحدة، وسكون الراء، ثم دال مهملة مكسورة ثم زاي ساكنة، ثم باء موحدة، ثم هاء- وهو فارسي، ومعناه بالعربية: الزُّرَّاع بلغة أهل بخارى، وقيل فيه غير ذَلِكَ، وكان بَرْدِزْبَه المذكور مجوسيًّا، وكان في بخارى والٍ يُقالُ له: اليماني الجُعْفِي، فأسلم المغيرة بن بَرْدِزْبَه عَلى يديه، فمن ثمَّ قيل للبخاري: الجُعْفِي. فأما إبراهيم بن المغيرة فلم نقف عَلى شيء من أحواله، والظاهر أنه لم ينظر في العلم. وأما إسماعيل بن إبراهيم فذكر له ابنه ترجمة في تاريخه (٢) وقَالَ: إنه سمع من مالك وحماد بن زيد، وابن المبارك، وقَالَ ابن حبان في الطبقة الرابعة من الثقات: إسماعيل بن إبراهيم والد البُخَاريّ يروي عن حماد بن زيد، ومالك يروي عنه العراقيون (٣). وَوُلدَ مُحَمَّد بن إسماعيل -ويُكْنَى أبا عبد الله- يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة ببخارى، قَالَ المستنير بن عتيق: أخرج لي ذَلِكَ مُحَمَّد بن إسماعيل بخط أبيه، وروى أبو حسان مهيب بن سليم عن البُخَاريّ نحوه.

стр. 73

* ذكر منشئه وطلبه الحديث [ ٧ / ب]: روى غُنْجَار في تاريخه من وجهين أن مُحَمَّد بن إسماعيل ذَهَبَت عيناه في صغره, فرأت والدته إبراهيم الخليل في النوم، فقال لَها: يا هذه، قد رد الله عَلى ابنك بصره لكثرة دعائك، قالَ: فأصبح وقد رد الله عليه بصره، ورواها أبو القاسم اللالكائي في كتاب "كرامات الأولياء" له من طريق غُنْجَار (١). وقالَ الفَربري: سمعت مُحَمَّد بن أبي حاتم وراق البُخَاريّ يقول: سمعت البُخَاريّ يقول: أُلْهِمْتُ حفظ الحديث وأنا في الكُتَّاب، قُلْتُ: وكم أتى عليك إذ ذاك؟ فقال: عشر سنين أو أقل، ثم خرجت من الكُتَّاب بعد العشر فجعلت أختلف إلَى الداخلي وغيره، فقال يومًا فيما كَانَ يقرأ للناس: سفيان، عن أبي الزبير، عن إبراهيم، فقلت: إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم، فانتهرني، فقلت: ارجع إلَى الأصل إن كَانَ عندك، فدخل فنظر فيه ثم رجع، فقال لي: كيف هو يا غلام؟ قُلْتُ: هو الزبير وهو ابن عدي، عن إبراهيم، فأخذ القلم وأصلح كتابه وقَالَ: صدقت (٢). قَالَ: فلما طعنت في ست عشرة سنة حفظتُ كتب ابن المبارك ووكيع، وعرفت كلام هؤلاء لمعنى أهل الرأي، ثم خرجت مع أمي وأخي أَحْمَد إلَى مكة، فلما حججنا رجع أخي وتخلفت بِها في طلب العلم (٣). قُلْتُ: فكان حجه عَلى هذا سنة عشرٍ ومائتين. قَالَ: فلما طعنت في ثماني عشرة صنفت كتاب: "قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم"، ثم صنفت: "التاريخ" في المدينة عند قبر النبي ﷺ ، وكنت أكتبه في الليالي المقمرة، قَالَ: وقل اسم في "التاريخ" إلا وله عندي قصة إلا أني كرهت أن يطول الكتاب (٤). وَقَالَ وراق البُخَاري: سمعته يقول: دخلتُ بَلْخ، فسألوني أن أملي عليهم لكل

стр. 74

من لقيت حديثا عنه، فأمليتُ ألف حديث لألف شيخ ممن كتبتُ عنهم، ثم قَالَ: كتبت عن ألفٍ وثمانين نفسًا ليس فيهم إلا صاحب حديث (١). وَقَالَ أيضًا: لم أكتب إلا عمن قَالَ: "الإيمان قول وعمل" (٢). وَقَالَ جعفر بن مُحَمَّد القطان: سمعته يقول: ما عندي حديث إلا وأذكر إسناده (٣). وَقَالَ سهل بن السري: قَالَ البُخَاريّ: رحلت إلَى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلَى البصرة أربع مرات، قَالَ: وأقمتُ بالحجاز ستة أعوام [٨/ أ]، ولا أحصي كم دخلت الكوفة وبغداد (٤). وَقَالَ العباس الدوري: ما رأيتُ أحسن طلبا للحديث من مُحَمَّد بن إسماعيل. وَقَالَ أبو الفضل ابن طاهر: عزم مُحَمَّد بن إسماعيل عَلى الرحلة إلَى اليمن لأجل عبد الرزاق، وكان ذَلِكَ سنة عشرٍ ومائتين، وعبد الرزاق حي، فلقيه يحيى بن جعفر فسأله عنه، فقال له: مات عبد الرزاق، فسمع البُخَاريّ حديث عبد الرزاق من يحيى بن جعفر، ثم بان بَعْدُ أن عبد الرزاق ما كَانَ مات، فحمل الأمر عَلى أن يحيي بن جعفر اعتمد في إخباره بموته عَلى حكاية شائعة لم تثبت، ولم يقدح ذَلِكَ فيه عند البُخَاريّ، بل كَانَ يثني عليه. وَقَالَ حاشد بن إسماعيل: كَانَ البُخَاريّ يختلفُ معنا إلي مشايخ البصرة وهو غُلام، فلا يكتب حَتَّي أتى عَلى ذَلِكَ أيام، فَلُمْناه بعد ستة عشر يومًا، فقال: قد أكثرتم عليَّ، فاعرضوا عليَّ ما كتبتم، فأخرجناهُ فزاد عَلى خمسة عشر ألف حديث، فقرأها كلها عن ظهر قلب حَتَّى جعلنا نحكم (٥) كتبنا من خطه (٦).

стр. 75

وَقَالَ مُحَمَّد بن الأزهر (١) السجستاني: كنتُ في مجلس سليمان بن حرب وَالبُخَاريّ معنا يسمع ولا يكتب، فقيل لبعضهم: ما له لا يكتب؟ فقال: يرجع إلَى بخارى فيكتب من حفظه. وَقَالَ أبو بكر بن أبي عتاب الأعين: كتبنا عن مُحَمَّد بن إسماعيل عَلى باب مُحَمَّد بن يوسف الفريابي وهو أمرد. قُلْتُ: كَانَ موت الفِريابي سنة اثنتي عشرة ومائتين، وللبخاري إذ ذاك ثماني عشرة سنة. وَقَالَ وراق البُخَاريّ عنه: كنت في مجلس الفريابي فقال: حَدَّثَنَا سفيان، عن أبي عروة، عن أبي الخطاب، عن أنس، فذكر حديثا قَالَ: فلم يعرف أحد في المجلس أبا عروة ولا أبا الخطاب، فقلت لهم: أبو عروة هو معمر، وأبو الخطاب هو قتادة، قَالَ: وكان الثوري فَعُولًا لذلك يكني المشهورين. * ذِكْرُ مَراتب مَشَايخه الذين أخذ عنهم: * قد تقدَّم التنبيه عَلى كثرتهم وينحصرون في خَمْس طبقات: الطبقة الأولى: - من حدثه عن التابعين، فمنهم مَكِّيُّ بن إبراهيم البلْخِي، حَدَّثه عن يزيد بن أبي عُبيد مولى سلمة بن الأكوع. - وَمُحَمَّد بن عبد الله الأنصاري حَدَّثه عن حُميد الطَّويل. - وعلي بن عَيَّاش، وعصام بن خالد حَدَّثَاه عن حَريز بن عُثمان [٨ / ب]. - وعبد الله بن موسي حدثه عن إسماعيل بن أبي خالد، وهشام بن عروة وغيرهما. - وخَلَّاد بن يحيى حدثه عن عيسى بن طَهْمَان. - وأبو نُعَيْم الفضل بن دُكين حدثه عن الأعمش.
следующие страницы →