← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132963

النكت على صحيح البخاري

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (606 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

٦٥ - حَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ كتَابًا -أَوْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ- فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا. فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضةٍ نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُول اللهِ، كَأَنّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ في يَدِه. فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ: مَنْ قَالَ: نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ: أَنَسٌ. قَوْلُهُ (عبد الله) هو: ابن المبارك. قَوْلُهُ: (كتب أو أراد أن يكتب) شك من الراوي، ونسبة الكتابة إلَى النَّبِيّ ﷺ مَجازية، أي: كتب الكتاب بأمره. قوْلُهُ: (لا يقرءون كتابًا إلا مَختومًا) يعرف من هذا فائدة إيراده هذا الحديث في هذا الباب؛ لينبه عَلى أن شرط العمل بالمكاتبة أن يكون الكتاب مختومًا؛ ليحصل الأمن من توهم تغييره، لكن قد يستغنى عن ختمه إذَا كَانَ الحامل عدلًا مؤتمنًا. قَوْلُهُ: (فقلت) القائل: هو شُعبة، وسيأتي باقي الكلام عَلى هذا الحديث في الجهاد وفِي اللباس (١) إن شاء الله تعالى. * فائدة: لَم يذكر المصنف من أقسام التحمل الإجازة المجردة عن المناولة أو الكتابة، ولا الوجادة، ولا الوصية، ولا الإعلام المجردات عن الإجازة؛ وكأنه لا يرى بشيء منها. وقد ادعى ابن منده أن كل ما يقول البُخَاريّ فيه: "قَالَ لي" فهو إجازة. وهي دعوى مردودة؛ بدليل أني استقرأتُ كثيرًا من المواضع التِي يقول فيها في "الجامع": "قَالَ لي" فوجدته في غير الجامع يقول فيها: "حَدثَنَا"، وَالبُخَاريّ لا يستجيز في الإجازة إطلاق التحديث، فدل عَلى أنها عنده من المسموع، لكن سبب استعماله لهذه الصيغة ليفرق بين ما يبلغ شرطه وما لا يبلغ، والله أعلم.

стр. 457

٨ - بَابُ: مَنْ قَعَدَ حَيْثُ يَنْتَهِي بهِ الْمَجْلِسُ وَمَنْ رَأَى فُرْجَةً في الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا ٦٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَني مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ أبا مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثيِّ، أَنّ رَسُولَ الله ﷺ بَيْنَمَا هو جَالِسٌ في الْمَسْجدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ، إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ الله ﷺ ، فَأما أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً في الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدبر ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ الله ﷺ قَالَ: "أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النفرِ الثَّلَاثَةِ: أَمَّا أَحَدُهُمْ فآوى إِلَى اللهِ، فآوَاهُ اللهُ، وَأَمَّا الآَخَرُ فَاسْتَحْيَا، فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ، فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ". قَوْلُهُ: (باب: من قعد حيث ينتهي به المجلس) ومناسبة هذا الكتاب للعلم من جهة أن المراد بالحلقة حلقة العلم، فيدخل [١٢٥/ أ] في أدب الطالب من عدة أوجه كما سنبينه. قَوْلُهُ: (مولى عقيل) بفتح العين، وقيل لأبي مُرَّة ذَلِكَ للزومه إيَّاه، وإنَّما هو مولى أخته أم هانئ بنت أبي طالب. قَوْلُهُ: (عن أبي واقد) صرح بالتحديث في رواية النَّسَائي (١) من طريق يحيى بن أبي كثير، عن إسحاق، فَقَالَ: عن أبي مُرَّة أن أبا واقد حدثه. وقد قدمنا أن اسم أبي واقد: الحارث بن مالك، وقيل: ابن عون، وقيل: عوف بن الحارث، وليس له في البُخَاريّ غير هذا الحديث. ورجال إسناده مدنيون، وهو في الموطأ (٢)، ولَم يروه عن أبي واقد إلا أبو مُرَّة، ولا عنه إلا إسحاق، وأبو مُرَّة والراوي عنه

стр. 458

تابعيان، وله شاهد من حديث أنس أخرجه البزار والحاكم (١). قَوْلُهُ: (ثلاثة نفر) النَّفَر -بالتحريك-: للرجال من ثلاثة إلَى عشرة، والمعنى: ثلاثة هم نفر، والنفر: اسم جمع، ولهذا وقع مميزا للجمع، كقوله تعالى: ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ [النمل: ٤٨]. قَوْلُهُ: (فأقبل اثنان) بعد قَوْله: "أقبل ثلاثة" هُما إقبالان، كأنَّهم أقبلوا أولًا من الطريق فدخلوا المسجد مارين كما في حديث أنس: "فإذا ثلاثة نفر يمرون"، فلما رأوا مجلس النَّبِيّ ﷺ أقبل إليه اثنان منهم، واستمر الثالث ذاهبًا. قَوْلُهُ: (فوقفا) زاد أكثر رواة الموطأ: "فلما وقفا سَلَّمَا"، وكذا عند الترمذي (٢)، والنسائي، ولَم يذكر المصنف هنا ولا في الصلاة (٣): "السلام"، وكذا لَم يقع في رواية مُسْلِم (٤). ويستفاد منه: أن الداخل يبدأ بالسلام، وأن القائم يسلم عَلى القاعد، وإنَّما لَم يذكر رد السلام عليهما اكتفاء لشهرته، أو يستفاد منه أن المستغرق في العبادة يسقط عنه الرد. ولَم يذكر أنهما صليا تحية المسجد إما لكون ذَلِكَ كَانَ قبل أن تُشرع، أو كانا عَلى غير وضوء، أو وقع فلم ينقل للاهتمام بغير ذَلِكَ من القصة، أو كَانَ في غير وقت تنفل، قاله القاضي عياض بناء عَلى مذهبه أنها لا تصلى في الأوقات المكروهة.

стр. 459

قَوْلُهُ: (فوقفا عَلى رسول الله ﷺ ) أي: عَلى مجلس رسول الله ﷺ [١٢٥/ ب] أو عَلى بمعنى عند. قَوْلُهُ: (فرجة) -بالضم والفتح معًا- هِيَ: الخلل بين الشيئين. و(الْحَلْقة) بإسكان اللام: كل شيء مستدير خالي الوسط، والجمع: حَلَق بفتحتين، وحكي فتح اللام في الواحد وهو نادر، وفيه استحباب التحليق في مجالس الذكر والعلم، وفيه أن من سبق إلَى موضع منها كَانَ أحق به. قَوْلُهُ: (وأما الآخر) بفتح الخاء المعجمة، وفيه رد عَلى من زعم أنه يختص بالأخير لإطلاقه هنا عَلى الثاني. قَوْلُهُ: (فآوى إلَى الله فَآواه الله) قَالَ القرطبي: الرواية الصحيحة بقصر الأول ومد الثاني، وهو المشهور في اللغة، وفي القرآن: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف: ١٠]. بالقصر، ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠]. بالمد، وحكي في اللغة القصر والمد معًا فيهما. ومعنى "آوى إلَى الله": لَجأ إلَى الله أو عَلى الحذف، أي: انضم إلَى مجلس رسول الله ﷺ . ومعنى "فآواه الله"؛ أي: جازاه بنظير فعله بأن ضمه إلَى رحمته ورضوانه. * وفيه استحباب الأدب في مَجالس العلم، وفضل سد خلل الحلقة، كما ورد الترغيب في سد خلل الصفوف في الصلاة، وجواز التخطي لسد الخلل ما لَم يؤذ؛ فإن خشي استحب الجلوس حيث ينتهي كما فعل الثاني. * وفيه الثناء عَلى من زاحم في طلب الخير. قَوْله: (فاستحيا) أي: تَرَك المزاحمة كما فعل رفيقه حياء من النَّبِيِّ ﷺ وممن حضر. قاله القاضي عياض. وقد بَيَّن أنس في روايته سبب استحياء هذا الثاني، فلفظه عند الحاكم: "ومضى الثاني قليلًا ثُمَّ جاء فجلس" (١)، فالمعنى: أنه استحيا من الذهاب عن المجلس كما فعل رفيقه الثالث.

стр. 460

قَوْلُهُ: (فاستحيا الله منه) أي: رحمه ولَم يعاقبه. قَوْلُهُ: (فأعرض الله عنه) أي: سخط عليه، وهو مَحمولٌ عَلى من ذهب معرضًا لا لعذر، هذا إن كَانَ مسلمًا. ويحتمل أن يكون منافقا واطلع النبِيّ ﷺ عَلى أمره، كما يحتمل أن يكون قَوْلُهُ ﷺ : "فأعرض الله" إخبارًا أو دعاء. ووقع في حديث أنس: "فاستغنى، فاستغنى الله عنه"، وهذا يرشح [١٢٦/ أ] كونه خبرًا، وإطلاق الإعراض وغيره في حق الله عَلى سبيل المقابلة والمشاكلة فيحمل كل لفظ منها عَلى ما [يليق] (١) بجلاله ، وفائدة إطلاق ذلِكَ: بيان الشيء بطريق واضح. * وفيه جواز الإخبار عن أهل المعاصي وأحوالهم للزجر عنها، وأن ذَلِكَ لا يُعد من الغيبة. * وفِي الحديث: فضل ملازمة حلق العلم والذكر، وجلوس العالم والمُذَكِّر في المسجد. وفيه الثناء عَلى المستحيين، والجلوس حيث ينتهي به المجلس. ولَم أقف في شيء من طرق هذا الحديث عَلى تسمية واحد من الثلاثة المذكورين، والله أعلم.

стр. 461

٩ - باب: قَوْلِ النَّبيِّ ﷺ : "رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ " ٦٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثنَا بِشْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرينَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، ذَكَرَ النَّبِيَّ ﷺ قَعَدَ عَلَى بَعِيره، وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ -أَوْ بِزِمَامِهِ- قَالَ: "أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ ". فَسَكَتْنَا حَتَّى ظنَنَّا أنهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ. قَالَ: "أَليْسَ يَوْمَ النَّحْرِ". قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: "فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ ". فَسَكَتْنَا حَتَى ظنَنَا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَير اسْمِهِ. فَقَالَ: "أَليْسَ بِذِي الْحِجَّةِ؟ ". قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: "فَإِنّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنكُمْ حَرَامٌ كحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في شَهْرِكُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا، لِيُبَلِّغِ الشَاهِدُ الْغَائِبَ، فَإِن الشَاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هو أَوْعَى له مِنْهُ". قَوْلُهُ: (باب قول النَّبِيّ: "رب مبلغ أوعى من سامع") هذا الحديث المعلق أورد المصنف في الباب معناه، وأما لفظه فهو موصول عنده في باب الخُطبة بمنى من كتاب الحج (١)، أورد فيه هذا الحديث من طريق قُرَّة بن خالد، عن مُحَمَّد بن سيرين قَالَ: أَخْبَرَني عبد الرحمن بن أبي بَكْرَةَ ورجل أفضل في نفسي من عبد الرحمن: حُمَيد بن عبد الرحمن كلاهُمَا عن أبي بَكْرة قَالَ: خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر قَالَ: "أتدرون أي يوم هذا؟ "، وفي آخره هذا اللفظ. وغفل [القطب] (٢) الحلبي ومن تبعه من الشراح في عزوهم له إلَى تَخريج التّرمِذيّ (٣) من حديث ابن مسعود فأبعدوا النجعة، وأوهموا عدم تَخريج المصنف له، والله المستعان.

стр. 462

و"رُبَّ" للتقليل، وقد ترد للتكثير، و"مبلغ" بفتح اللام، و"أوعى" نعت له، والَّذِي يتعلق به "رُبَّ" مَحذوف، وتقديره: يوجد أو يكون، ويَجوز عَلى مذهب الكوفيين في أن "رُبَّ" اسم؛ أن تكون هِيَ: مبتدأ، و"أوعى" الخبر، والمراد: رُبَّ مبلغ عني أوعى؛ أي: أفهم لما أقول من سامع مني. قَوْلُهُ: (بشر) هو ابن الفضل، ورجال الإسناد كلهم بصريون. قَوْلُهُ: (ذكر النَّبِيّ ﷺ ) بنصب "النَّبِيّ" عَلى المفعولية، وفِي "ذَكَرَ" ضمير يعود عَلى الراوي، يعنِي: أن أبا بكرة كَانَ يحدثهم فذكر النبِي ﷺ فَقَالَ: "قعد عَلى بعيره"، وفي رواية النّسَائي (١) ما يشعر بذلك، ولفظه عن أبي بكرة: "قَالَ: وذكر النَّبِيّ ﷺ " [١٢٦/ ب]، فالواو: إما حالية وإما عاطفة، والمعطوف عليه مَحذوف. وقد وقع في رواية ابن عساكر عن أبي بكرة: "أن النَّبِيّ ﷺ قَعد" ولا إشكال فيه. قَوْلُهُ: (وأمسك إنسان بِخطامه أو بزمامه) الشك من الراوي، والخطام والزمام بِمعنى؛ وهو الخيط الَّذِي تشد فيه الحلقة الَّتِي تسمى بالبُرَة بضم الموحدة وتَخفيف الراء المفتوحة في أنف البعير. وهذا المُمْسِك سمَّاه بعض الشراح بلالًا، واستند إلَى ما رَوَاهُ النَّسَائي من طريق أم الحصين قالت: "حججت فرأيت بلالًا يقود بخطام راحلة النَّبِيّ ﷺ " (٢). انتهى وقد وقع في السنن من حديث عمرو بن خارجة قَالَ: "كنت آخذا بزمام ناقة النَّبِيّ ﷺ " (٣) فذكر بعض الخطبة، فهو أولى أن يفسر به المبهم من بلال. لكن الصواب أنه هنا أبو بكرة، وقد ثبت ذلكَ في رواية الإسماعيلي من طريق ابن المبارك، عن ابن عون ولفظه: "خطب رسول الله ﷺ عَلى راحلته يوم النحر وأمسكت إما

стр. 463

قَالَ: بخطامها، وإما قَالَ: بزمامها" (١)، واستفدنا من هذا أن الشك ممن دون أبي بكرة [لا] (٢) منه. وفائدة إمساك الخطام: صون البعير عن الاضطراب حتى لا يشوش عَلى راكبه. قَوْلُهُ: (أي يوم هذا؟ ) سقط من رواية المُسْتَمْلي والحموي السؤال عن الشهر والجواب الَّذِي قبله، فصار هكذا: "أي يوم هذا؟ " فسكتنا حَتَّى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه، قَالَ: "أليس بذي الحجة؟ "، وكذا في رواية الأصيلي، وتوجيهه ظاهر، وهو من إطلاق الكل عَلى البعض، ولكن الثابت في الروايات عند مُسْلِم وغيره (٣) ما ثبت عند الكُشْمَيْهني وكَريمة. وكذا وقع في مُسْلِم وغيره (٤) السؤال عن البلد، وكذا كله في رواية ابن عون، وثبت السؤال عن الثلاثة عند المصنف في الأضاحي (٥) من رواية أيوب، وفِي الحج (٦) من رواية قُرَّة كلاهما عن ابن سيرين. قَالَ القرطبي: سؤاله ﷺ عن الثلاثة وسكوته بعد كل سؤال منها كَانَ لاستحضار فهومهم، وليقبلوا عليه بكليتهم، ويستشعروا عظمة ما يخبرهم عنه، ولذلك قَالَ بعد هذا: "فإن دماءكم" إلَى آخره [١٢٧/ أ] مبالغة في بيان تَحريم هذه الأشياء. انتهى

стр. 464

ومناط التشبيه في قَوْله: "كحرمة يومكم" وما بعده ظهوره عند السامعين؛ لأن تَحريم البلد والشهر واليوم كَانَ ثابتا في نفوسهم مقررًا عندهم بخلاف الأنفس والأموال والأعراض، فكانوا في الجاهلية يستبيحونها، فطرأ الشرع عليهم بأن تَحريم دم المسلم وماله وعرضه أعظم من تَحريم البلد والشهر واليوم، فلا يرد كون المشبه به أخفض رتبة من المشبه؛ لأن الخطاب إنما وقع بالنسبة لما اعتاده المخاطبون قبل تقرير الشرع. ووقع في الروايات الَّتِي أشرنا إليها عند المصنف وغيره أنهم أجابوه عن كل سؤال بقولهم: "الله ورسوله أعلم"، وذلك من حسن أدبهم، لأنَّهم علموا أنه لا يخفى عليه ما يعرفونه من الجواب، وأنه ليس مراده مطلق الإخبار بما يعرفونه، ولهذا قَالَ في رواية الباب: "حَتَى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه"، ففيه إشارة إلَى تفويض الأمور الكلية إلَى الشارع، ويستفاد منه الحجة ليثبت الحقائق الشرعية. قَوْلُهُ: (فإن دماءكم إلَى آخره) هو عَلى حذف مضاف، أي: سفك دمائكم وأخذ أموالكم وثلب أعراضكم، والعِرض -بكسر العين-: موضع المدح والذم من الإنسان، سواء كَانَ في نفسه أو سلفه. قَوْلُة: (ليبلغ الشاهد) أي: الحاضر في المجلس [قَوْلُهُ: "الغائب"] (١) أي: الغائب عنه، والمراد: إما تبليغ القول المذكور، أو تبليغ جَميع الأحكام. وقوله: (منه) صلة لأفعل التفضيل، وجاز الفصلُ بينهما لأن في الظرف سعة، وليس الفاصل أيضًا أجنبيًّا. * فائدة: وقع في حديث الباب: "فسكتنا" بعد السؤال، وعند المصنف في الحج من حديث ابن عباس، أن رسول الله ﷺ خطبَ الناس يوم النحر فَقَالَ: "أي يوم هذا؟ " قالوا: يوم حرام (٢)،

стр. 465

وظاهرهما التعارض، والجمع بينهما: أن الطائفة الَّذِينَ كَانَ فيهم ابن عباس أجابوا، والطائفة الَّذِينَ كَانَ فيهم أبو بكرة لَم يُجيبوا، بل قالوا: "الله ورسوله أعلم" كما أشرنا إليه. أو تكون رواية ابن عباس بالمعنى؛ لأن في حديث أبي بكرة عند المصنف في الحج (١)، وفي الفتن (٢) [١٢٧/ ب] أنه لما قَالَ: "أليس يوم النحر؟ " قالوا: بلى، فقولهم: "بلى" بمعنى قولهم: "يوم حرام" بالاستلزام، وغايته: أن أبا بكرة نقل السياق واختصره ابن عباس، وَكَانَ ذَلِكَ بسبب قرب أبي بكرة منه لكونه كَانَ آخذًا بخطام الناقة. وَقَالَ بعضهم: يحتمل تعدد الخطبة، فإن أراد أنه كررها في يوم النحر فيحتاج لدليل، فإن في حديث ابن عمر عند المصنف في الحج (٣) أن ذَلِكَ كَانَ يوم النحر يين الجمرات في حجته. وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم: * الحث عَلى تبليغ العلم، وجواز التحمل قبل كمال الأهلية، وأن الفهم ليس شرطًا في الأداء، وأنه قد يأتي في الآخر من يكون أفهم ممن تقدمه لكن بقلة. * واستنبط ابن المنير من كون تعليق المتأخر أرجح نظرًا من المتقدم أن تفسير الراوي أرجح من تفسير غيره. * وفيه جواز القعود عَلى ظهور الدواب وهي واقفة إِذَا احتيج إلَى ذَلِكَ، وحمل النهي الوارد في ذَلِكَ عَلى ما إِذَا كَانَ لغير ضرورة. وفيه الخطبة عَلى موضع عالٍ ليكون أبلغ في إسماعه الناس ورؤيتهم إيَّاه.

стр. 466

١٠ - بَابُ: الْعِلْمُ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ لِقَوْلِ اللهِ تَعالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] فَبَدَأ بِالْعِلْمِ، وَأَنَ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأنْبِيَاءِ -وَرَّثُوا الْعِلْمَ- مَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بحَظ وَافِر، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقًا إلَى الْجنَّةِ. وَقَالَ -جَلَّ ذِكْرُهُ-: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. وَقَالَ: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ [العنكبوت: ٤٣]. ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾ [الملك: ١٠]. وَقَالَ: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ"، وَإنَّمَا الْعِلْمُ بِالتعَلُّم. وَقَالَ أَبو ذَرٍّ: لَوْ وَضَعْتُمُ الصَّمْصَامَةَ عَلَى هَذه -وَأَشَارَ إِلَى قَفَاهُ- ثُمَّ ظَنَنْتُ أَنَي أُنْفِذُ كَلِمَةٌ سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيّ ﷺ قَبْلَ أَن تُجِيزُوا عَلَي لأَنْفَذْتُهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩]. حُكَمَاءَ فُقَهَاءَ. وَيُقَالُ: الرَّبَّانِيُّ: الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ الْعِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ. قَوْلُهُ: (باب العلم قبل القول والعمل) قَالَ ابن المنير: أراد أن العلم شرط في صحة القول والعمل، فلا يعتبران إلا به، فهو متقدم عليهما؛ لأنه مصحح للنية المصححة للعمل، فنبه المصنف عَلى ذَلِكَ حَتَّى لا يسبق إلَى الذهن من قولهم: "إن العلم لا ينفع إلا بالعمل" تهوين أمر العلم والتساهل في طلبه. قَوْلُهُ: (فبدأ بالعلم) أي: حيث قَالَ: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾، والخطاب وإن كَانَ للنبي ﷺ فهو متناول لأمته. واستدل سُفْيَان بن عيينة بهذه الآية عَلى فضل العلم. وينتزع منها دليل ما يقوله المتكلمون من وجوب المعرفة، لكن النزاع كما قدمناه إنَّما هو في إيجاب تعلُّم الأدلة عَلى القوانين المذكورة في كتب الكلام. قَوْلُهُ: (وأن العلماء) بفتح أن، ويَجوز كسرها، ومن هُنَا إلَى قَوْله: "وافر" طرف من حديث أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن حبان، والحاكم مصححًا من حديث أبي

стр. 467

الدرداء (١)، وحسنه حَمزة الكناني [١٢٨/ أ] وضعفه غيرهم بالاضطراب في سنده لكن له شواهد يتقوى بِها، ولَم يفصح بكونه حديثًا لكن إيراده له في الترجمة يشعر بأن له أصلًا، وشاهده في القرآن قَوْلُهُ تعالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢]. ومناسبته للترجمة من جهة أن الوارث قائم مقام المورث فله حكمه فيما قام مقامه فيه. قَوْلُهُ: (ورَّثوا) بتشديد الراء المفتوحة، أي: الأنبياء، ويروى بتخفيفها مع الكسر، أي: العلماء، ويؤيد الأول ما عند الترمِذي وغيره فيه: "وإن الأنبياء لَم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنَما وَرَّثُوا العلم". قَوْلُهُ: (بِحظ) أي: نصيب. (وافر) أي: كامل. قَوْلُهُ: (ومن سلك طريقًا) هو من جملة الحديث المذكور، وقد أخرج هذه الجملة أيضًا مُسْلِم من حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هُرَيْرَةَ في حديث غير هذا، وأخرجه الترمِذيّ وَقَالَ: حسن، قَالَ: "ولَم نقل له صحيح لأنه يقال: إن الأعمش دلس فيه، فَقَالَ: حُدِّثتُ عن أبي صالح" (٢). قُلْت: لكن في رواية مُسْلِم (٣)، عن أبي أسامة، عن الأعمش حَدَّثنَا أبو صالح، فانتفت تهمة تدليسه. قَوْلُهُ: (طريقًا) نكرها، ونكر علمًا ليتناول أنواع الطرق الموصلة إلَى تحصيل العلوم الدينية، وليندرج فيه القليل والكثير.

стр. 468

قَوْلُهُ: (سهل الله له طريقًا) أي: في الآخرة، أو في الدُّنْيَا بأن يوفقه للأعمال الصالحة الموصلة إلَى الجنة، أو فيه إشارة بتسهيل العلم عَلى طالبه؛ لأن طلبه من الطرق الموصلة إلَى الجنة. قَوْلُهُ: (وَقَالَ) أي: الله ، وهو معطوف عَلى قَوْله: "لقول الله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى﴾ [فاطر: ٢٨] ". أي: يَخاف من الله مَنْ عَلِمَ قدرته وسلطانه، وهم العلماء، قاله ابن عباس (١). قوْلُهُ: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا﴾ [العنكبوت: ٤٣]. أي: الأمثال المضروبة. قوْلُهُ: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ﴾ [الملك: ١٠]. أي: سَمْع مَنْ يَعِي ويفهم، ﴿أَوْ نَعْقِلُ﴾ عَقْل مَنْ يُميز، وهذه أوصاف أهل العلم، فالمعنى: لو كنا من أهل العلم لعلمنا ما يَجب علينا فعَمِلنا به فنجونا. قَوْلُهُ: (وَقَالَ النَّبِيّ ﷺ : "من يُرد الله به خيرًا يفقهه") كذا في رواية الأكثر، وفِي رواية المُسْتَمْلِي: "يُفَهِّمْهُ" -بالهاء المشددة المكسورة بعدها ميم-، وقد وصله المؤلف [١٢٨/ ب] باللفظ الأول بعد هذا ببابين كما سيأتي، وأمَّا اللفظ الثاني فأخرجه ابن أبي عاصم في كتاب العلم من طريق ابن عمر، عن عمر مرفوعًا وإسناده حسن. والفقه: هو الفهم، قَالَ الله تعالَى: ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)﴾ [النساء: ٧٨]. أي: لا يفهمون، والمراد: الفهم في الأحكام الشرعية. قَوْلُهُ: (وإنَّما العلم بالتعلم) هو حديث مرفوع أيضًا، أورده ابن أبي عاصم، والطبراني من حديث معاوية أيضا بلفظ: "يا أيها الناس، تعلموا إنَّما العلمُ بالتَّعَلُّم، والفقه بالتَّفَقُّه، ومن يُرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" (٢)، إسناده حسن؛ لأن فيه مبهمًا اعتضد بِمجيئه من وجه آخر.

стр. 469

وروى البزار نَحوه من حديث ابن مسعود موقوفًا (١)، وَرَوَاهُ أبو نُعيم الأصبهاني مرفوعًا (٢)، وفي الباب عن أبي الدرداء وغيره (٣)، فلا يغتر بقول من جعله من كلام البُخَاريّ. والمعنى ليس العلم المعتبر إلا المأخوذ من الأنبياء وورثتهم عَلى سبيل التعلم. قَوْلُهُ: (وَقَالَ أبو ذر إلَى آخره) هذا التعليق رويناه موصولًا في مسند الدارمي وغيره من طريق الأوزاعي: حَدَّثنِي أبو كثير -يعنِي: مالك بن مرثد-، عن أبيه قَالَ: "أتيت أبا ذر وهو جالس عند الجمرة الوسطى وقد اجتمع عليه الناس يستفتونه، فأتاه رجل فوقف عليه ثُمَّ قالَ: ألم تُنْه عن الفتيا؟ ! فرفع رأسه إليه فَقَالَ: أرقيب أنت علي؟ ! لو وضعتم" (٤)، فذكر مثله، ورويناه في الحلية (٥) من هذا الوجه، وبين أن الَّذِي خاطبه رجل من قريش، وأن الذي نَهاه عن الفتيا عُثْمَان ﵁. وَكَانَ سبب ذلكَ: أنه كَانَ بالشام فاختلف مع معاوية في تأويل قَوْله تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤]. قَالَ معاوية: "نزلت في أهل الكتاب خاصة"، فَقَالَ أبو ذر: "نزلت فيهم وفينا"، فكتب معاوية إلَى عُثْمَان، فأرسل إلَى أبي ذر، فحصلت منازعة أدت إلَى انتقال أبي ذر عن المدينة فسكن الرَّبذة -بفتح الراء والموحدة والذال المعجمة- إلَى أن مات، رَوَاهُ النّسَائي (٦).

стр. 470

وفيه دليل عَلى [أن] (١) أبا ذر كَانَ لا يرى بطاعة الإمام إِذا نهاه عن الفتيا؛ لأنه كَانَ يرى أن ذَلِكَ [١٢٩/ أ] واجب عليه؛ لأمر النَّبِي ﷺ بالتبليغ عنه كما تقدم، ولعله أيضًا سمع الوعيد في حق من كتم علمًا يعلمه، وسيأتي لعلي مع عُثْمَان نَحوه. و(الصَّمْصَامة) بالمهملتين الأولَى مفتوحة: هو السيف الصارم الَّذِي لا ينثني، وقيل: الذِي له حدٌّ واحد. قَوْلُهُ: (هذه) إشارة إلَى القفا، وهو يذكر ويؤنث. و(أُنْفِذ) بضم الهمزة وكسر الفاء والذال المعجمة، أي: أمضي. و(تُجِيزوا) بضم المثناة وكسر الجيم وبعد الياء زاي، أي: تكملوا قتلي، ونكر "كلمة" لتشمل القليل والكثير، والمراد: أنه يبلغ ما تحمله في كل حال، ولا ينتهي عن ذَلِكَ ولو أشرف عَلى القتل. و"لو" في كلامه لمجرد الشرط من غير أن يلاحظ الامتناع، والمراد: أن الإنفاذ حاصل عَلى تقدير وضع الصمصامة، [و] (٢) عَلى تقدير عدم حصوله أولى، فهو مثل قَوْله "لو لَم يخف الله لَم يعصه". وفيه الحث عَلى تعليم العلم، واحتمال المشقة فيه، والصبر عَلى الأداء طلبًا للثواب. قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابن عباس) هذا التعليق وصله ابن أبي عاصم أيضًا بإسناد حسن، والخطيب بإسناد آخر حسن (٣). وقد فسر ابن عباس "الرباني" بأنه الحكيم الفقيه، ووافقه ابن مسعود فيما رَوَاهُ إبراهيم الحربي في غريبه عنه بإسناد صحيح. وَقَالَ الأصمعي والإسماعيلي: الرباني نسبة إلَى الرب، أي: الذِي يقصد ما أمره

стр. 471

الرب بقصده من العلم والعمل، وَقَالَ ثعلب: [قيل] (١) للعلماء ربانيون؛ لأنَّهم يُربُّون العلم، أي: يقومون به، وزيدت الألف والنون للمبالغة. والحاصل: أنه اختلف في هذه النسبة هل هِيَ نسبة إلَى الرب أو إلَى التربية؟ والتربية عَلى هذا للعلم، وَعَلى ما حكاه البُخَاريّ لمتعلميه. والمراد بصغار العلم: ما وضع من مسائله، وبكباره: ما دق منها، وقيل: يعلمهم جزئياته قبل كلياته، أو فروعه قبل أصوله، أو مقدماته قبل مقاصده. وَقَالَ ابن الأعرابي: لا يقال للعالم رباني حَتَّى يكون عالمًا مُعَلَّمًا عاملًا. * فائدة: اقتصر المصنف في هذا الباب عَلى ما أورده من غير أن يورد حديثا موصولًا عَلى شرطه، فإما أن يكون بَيض له ليورد فيه ما يثبت عَلى شرطه، أو يكون [١٢٩/ ب] تعمد ذَلِكَ اكتفاء بما ذكر، والله أعلم.

стр. 472

١١ - باب: مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُهُمْ بالْمَوْعِظَةِ وَالْعِلْمِ كَيْ لَا يَنْفِرُوا ٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ في الأَيَّامِ، كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا. قَوْلُهُ: (باب ما كانَ النَّبِيّ ﷺ يتخولُهم) هو بالخاء المعجمة، أي: يتعهدهم، و (الموعظة) النصح والتذكير، وعطف العلم عليها من باب عطف العام عَلى الخاص؛ لأن العلم يشمل الموعظة وغيرها، وإنَّما عطفه؛ لأنها منصوصة في الحديث، وذَكر العلم استنباطًا. قَوْلُهُ: (كي لا ينفروا) استعمل في الترجمة معنى الحديثين اللذين ساقهما، وتضمن ذَلِكَ تفسير السآمة بالنفور وهُمَا متقاربان، ومناسبته ظاهرة لما قبله من جهة ما حكاه أخيرًا من تفسير الرباني، كمناسبة الذِي قبله من تشديد أبي ذر في أمر التبليغ لما قبله من الأمر بالتبليغ، وغالب أبواب هذا الكتاب لمن أمعن النظر فيها والتأمل لا يخلو عن ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (سُفْيَان) هو الثوري، وقد رَوَاهُ أَحْمَد في مسنده (١) عن ابن عُيَينة، لكن مُحَمَّد ابن يوسف الفِرْيابي وإن كَانَ يروي عن السفيانين كأنه حين يُطلق يريد به الثوري، كما أن البُخَاريّ حيث يطلق مُحَمد بن يوسف لا يريد به إلا الفِرْيابي، وإن كَانَ يروي عن مُحَمَّد البِيكَنْدي أيضا، وقد وهم من زعم أنه هنا البِيكَنْدي. قَوْلُهُ: (عن أبي وائل) في رواية أَحْمَد المذكورة سمعت شَقِيقًا، وهو أبو وائل، وأفاد هذا التصريح رفع ما يتوهم في رواية مُسْلِم (٢) الَّتِي أخرجها من طريق علي بن مُسْهر، عن الأعمش: وَحَدَّثَنِي عمرو بن مُرّة، عن شقيق، عن عبد الله مثله.

стр. 473

فقد يوهم هذا أن الأعمش دلسه أولًا عن شقيق ثُمَّ سمى الواسطة بينهما، وليس كذلك، بل سمعه من أبي وائل بلا واسطة وسمعه عنه بواسطة، وأراد بذكر الرواية الثانية وإن كافت نازلة تأكيده، أو لينبه عَلى عنايته بالرواية من حيث إنه سمعه نازلًا [فلم] (١) يقنع بذلك حَتَّى سمعه عاليًا. وكذا صرَّح الأعمش بالتحديث عند المصنف في الدعوات (٢) من رواية حفص بن غِيَاث عنه قَالَ: حَدَّثنِي شقيق وزاد في أوله: (أنَّهم كانوا ينتظرون عبد الله بن مسعود ليخرج إليهم فيذكرهم، وأنه لما خرج قَالَ: أما إني [١٣٠/ أ] أخْبَر بمكانكم، ولكنه يمنعني من الخروج إليكم" فذكر الحديث. قَوْلُهُ: (كَانَ يتخولنا) بالخاء المعجمة وتشديد الواو، قَالَ الخطابي: الخائل بالمعجمة: هو القائم المتعهد للمال، يقال: خال المال تخوله تَخولًا: إذَا تعهده وأصلحه. والمعنى: كَانَ يراعي الأوقات في تذكيرنا، ولا يفعل ذَلِكَ كل يوم لئلا نَمَلَّ، والتخون -بالنون أيضًا- يقال: تخون الشيء: إذَا تعهده وحفظه، أي: اجتنب الخيانة فيه، كما قيل في تحنث وتأثم ونظائرهما. وقد قيل: إن أبا عمرو بن العلاء سمع الأعمش يحدث هذا الحديث فَقَالَ: "يتخولنا" باللام، فرده عليه بالنون فلم يرجع لأجل الرواية، وكلا اللفظين جائز. وحكى أبو عُبَيد الهروي في الغريبين عن أبي عمرو الشيْبَاني أنه كَانَ يقول: الصواب "يتحولنا" بالحاء المهملة، أي: يتطلب أحوالنا الَّتِي ننشط فيها للموعظة. قُلْت: والصواب من حيث الرواية الأول، فقد رَوَاهُ منصور، عن أبي وائل كرواية الأعمش، وهو في الباب الآتي، وَإِذَا ثبتت الرواية وصح المعنى بطل الاعتراض. قَوْلُهُ: (علينا) أي السَّآمة الطارئة علينا، أو ضمن السَّآمة معنى المشقة.

стр. 474

٦٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَني أَبُو التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: "يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا". قَوْلُهُ: (أبو التَّيَّاح) تقدم أنه بفتح المثناة الفوقانية وتشديد التحتانية. قوْلُهُ: (ولا تعسروا) الفائدة فيه التصريح باللازم تأكيدًا، وَقَالَ النووي: لو اقتصر عَلى يسروا لصدق عَلى من يَسَّر مَرَّة وعَسَّر كثيرًا فَقَالَ: "ولا تعسِّروا" لنفي التعسير في جميع الأحوال. قَوْلُهُ: (وبشروا) بعد قَوْله: "يسِّروا" فيه الجناس الخَطي، ووقع عند المصنف في الأدب (١)، عن آدم عن شُعْبة بدلها: "وسكِّنوا" وهي الَّتِي تقابل "ولا تنفِّروا"؛ لأن السكون ضد النفور، كما أن ضد البِشَارة النِّذَارة بالتنفير. والمراد: تأليف من قرب إسلامه وترك التشديد عليه في الابتداء، وكذلك الزجر عن المعاصي ينبغي أن يكون بتلطف ليُقبل، وكذا تعليم العلم ينبغي أن يكون بالتدريج؛ لأن الشيء إذَا كانَ في ابتدائه سهلًا حُبِّب إلَى من يدخل فيه، وتلقاه بانبساط، وكانت عاقبته غالبًا الازدياد بخلاف ضده.

стр. 475

١٢ - باب: مَنْ جَعَلَ لأَهْلِ الْعِلْمِ يَوْمًا مَعْلُومًا ٧٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ الله يُذَكِّرُ النَّاسَ في كُل خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لَوَدِدْتُ أنكَ ذَكَّرْتَنَا كُل يَوْمٍ. قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُني مِنْ ذَلِكَ أَني أَكرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنّي أَتخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بِهَا، مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا. قَوْلُهُ: (باب [١٣٠/ ب] من جعل لأهل العلم يومًا معلومًا) في رواية كريمة: "أيامًا معلومة"، وللكُشْمَيهَني: "معلومات"، وكأنه أخذ هذا من صنيع ابن مسعود في تذكيره كل خميس، أو من استنباط عبد الله ذَلِكَ من الحديث الَّذي أورده. قَوْلُهُ: (جرير) هو ابن عبد الحميد. و(منصور) هو ابن المُعْتَمر. قَوْلُهُ: (كَانَ عبد الله) هو ابن مسعود، وكنيته أبو عبد الرحمن. قَوْلُهُ: (فَقَالَ له رجل) هذا المبهم يشبه أن يكون هو يزيد بن معاوية النخعي، وفِي سياق المصنف في أواخر الدعوات (١) ما يرشد إليه. قَوْلُهُ: (لوددت) اللام جواب قسم (٢) محذوف، أي: والله لوددت، وفاعل "يمنعني": "أنّي أكره" بفتح همزة "أَنّي". و(أُمِلَّكم) بضم الهمزة، أي: أُضْجِرَكم، و"إنّي" الثانِيَةُ بكسر الهمزة. وقد تقدم شرح المتن قريبًا، والإسناد كله كوفيون، وحديث أنس الَّذِي قبله بصريون.

стр. 476

١٣ - باب: مَنْ يُرِدِ اللهُ بهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ ٧١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ خَطِيبًا يَقُوُل: سَمِعْتُ النَّبِي ﷺ يَقُولُ: "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِم وَاللهُ يُعْطِي، وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ". قَوْلُهُ: (باب من يُرد اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفقهه في الدين) ليس في أكثر الروايات في الترجمة قَوْلُهُ: "في الدين"، وثبتت [عند] (١) الكُشْمَيهنِي. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سعيد بن عُفَيْر) هو سعيد بن كثير بن عُفَير، نُسب إلَى جده، وهو بالمهملة مصغرًا. قَوْلُهُ: (عن ابن شهاب، قَالَ حُميد) في الاعتصام للمؤلف (٢) من هذا الوجه: "أَخْبَرَني حُميد"، ولمسلم (٣): "حَدَّثَنِي حُميد بن عبد الرحمن بن عوف"، زاد تسمية جده. قَوْلُهُ: (سمعت معاوية) هو ابن أبي سُفْيَان. قَوْلُهُ: (خطيبًا) هو حال من المفعول، وفِي رواية مُسْلِم والاعتصام: "سمعت معاوية بن أبي سُفيان وهو يخطب". وهذا الحديث مشتمل عَلى ثلاثة أحكام: أحدها: فضل التفقه في الدين. وثانيها: أن المعطي في الحقيقة هو الله. وثالثها: أن بعض هذه الأمة يبقى عَلى الحق أبدًا.

стр. 477

فالأول لائق بأبواب العلم، والثاني لائق بقسم الصدقات؛ ولهذا أورده مُسْلِم في الزكاة والمؤلف في الخُمُس (١)، والثالث لائق بذكر أشراط الساعة، وقد أورده المؤلف في الاعتصام لالتفاته إلَى مسألة عدم خلو الزمان عن مُجتهد. وقد تتعلق الأحاديث الثلاثة بأبواب العلم، بل بترجمة هذا الباب خاصة من جهة [١٣١/ أ] إثبات الخير لمن تفقه في دين الله، وأن ذَلِكَ لا يكون بالإكثار فقط، بل لمن يفتح الله عليه به، وأن من يفتح الله عليه بذلك لا يزال جنسه موجودًا حَتى يأتي أمر الله. وقد جزم البُخَاريّ بأن المراد بهم أهل العلم بالآثار، وَقَالَ أَحْمَد بن حنبل: إن لَم يكونوا أهل الحديث فلا أدري مَن هُم؟ ! قَالَ القاضي عياض: أراد أَحْمَد أهل السُّنَّة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث، وَقَالَ النووي: يحتمل أن تكون هذه الطائفة فرقة من أنواع المؤمنين ممن يقيم أمر الله من: مُجاهد، وفقيه، ومُحدث، وزاهد، وآمر بالمعروف، وغير ذَلِكَ من أنواع الخير، ولا يلزم اجتماعهم في مكان واحد، بل يَجوز أن يكونوا مفرَّقين. قَوْلُهُ: (يُفَقِّهه) أي: يفهمه كما تقدم، وهي ساكنة الهاء؛ لأنها جواب الشرط، يقال: فَقُه بالضم: إذَا صار الفقه له سَجِية، وفَقَه بالفتح: إِذَا سبق غيره إلَى الفهم، وفَقِه بالكسر: إِذَا فهم. ومفهوم الحديث: أن من لَم يتفقه في الدين، أي: يتعلم قواعد الإسلام وما يتصل بِها من الفروع؛ فقد حُرِم الخير، وفي ذَلِكَ بيان ظاهر لفضل العلماء عَلى سائر الناس، ولفضل التفقه في الدين عَلى سائر العلوم، وسيأتي بقية الكلام عَلى الحديثين الآخرين في موضعهما إن شاء الله.

стр. 478

١٤ - باب: الْفَهْمِ في الْعِلْمِ ٧٢ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ: عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ إِلَى الْمَدِينةِ فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا، قَالَ: كُنا عِنْدَ النَّبِيُّ ﷺ فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ فَقَالَ: "إِنَّ مِنَ الشَجَرِ شَجَرَةً مَثَلُهَا كمَثَلِ الْمُسْلِمِ". فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ هِيَ النَّخْلَةُ، فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ فَسَكَت، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "هِيَ النَّخْلَةُ". قَوْلُهُ: (باب الفهم في العلم) أي: فضل الفهم. (في العلم) أي: في العلوم. قوْلُهُ: (حَدَّثَنَا علي) في رواية أبي ذر: ابن عبد الله، وهو المعروف بابن المديني. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُفْيَان قَالَ: قَالَ لي ابن أبي نَجِيح) في مسند الحميدي (١)، عن سُفْيَان: "حَدَّثَنِي ابن أبي نَجيح". قوْلُهُ: (صحبتُ ابن عمر إلَى المدينة) فيه ما كَانَ بعض الصحابة عليه من توقي الحديث عن النَّبِيّ ﷺ إلا عند الحاجة؛ خشية الزيادة والنقصان، وهذه كانت طريقة ابن عُمر ووالده عُمر وجماعة، وإنَّما كثرت أحاديث ابن عُمر مع ذَلِكَ لكثرة من كَانَ يسأله ويستفتيه، وقد تقدم الكلام عَلى متن حديث الباب في أوائل كتاب العلم، والله أعلم.

стр. 479

١٥ - باب: الاغْتِبَاط في الْعِلْمِ وَالْحِكمَةِ وَقَالَ عُمَرُ: تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا ٧٣ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، -عَلَى غَيْرِ مَا حَدَّثَنَاهُ الزُّهْرِيُّ- قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الله ابْنَ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِي ﷺ : "لَا حَسَدَ إِلَّا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَىَ هَلَكَتِهِ في الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الْحِكْمَةَ، فَهْوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا". قَوْلُهُ: (باب الاغتباط) هو بالغين المعجمة. قَوْلُهُ: (في العلم والحكمة) [١٣١ /ب] فيه نظير ما ذكرنا في قَوْله: "بالموعظة والعلم"، لكن هذا عكس ذاك، أو هو من العطف التفسيري إن قلنا: إنهما مترادفان. قَوْلُهُ: (وَقَالَ عمر: تفقهوا قبل أن تُسَوَّدوا) هو بضم المثناة وفتح المهملة وتشديد الواو، أي تُجعلوا سادة. زاد الكُشْمَيهني في روايته: "قَالَ أبو عبد الله -أي: البُخَاريّ-: وبعد أن تُسَوَّدوا" إلَى قَوْله: "سِنِّهم". أما أثر عمر فأخرجه ابن أبي شيبة وغيره (١) من طريق مُحَمَّد بن سيرين، عن الأحنف بن قيس قَالَ: قَالَ عُمَر. . . فذكره، وإسناده صحيح. وإنَّما عقبه البُخَاريّ بقوله: "وبعد أن تسودوا" ليبين أن لا مفهوم له، خشية أن يفهم أحد من ذَلِكَ أن السيادة مانعة من التفقه، وإنما أراد عمر أنها قد تكون سببا للمنع؛ لأن الرئيس قد يمنعه الكِبْر والاحتشام أن يَجلس مَجلس المتعلمين.

стр. 480

ولهذا قَالَ مالك: من عَيْب القضاء أن القاضي إِذَا عُزل لا يرجع إلَى مجلسه الذِي كَانَ يتعلم فيه. وَقَالَ الشافعي: إِذَا تصدر الحَدَث فاته علم كثير. والمراد بالسيادة في أثر عمر أعم من التزويج، ولا وجه لمن خصصه بذلك؛ لأنها قد تكون به وبغيره من الأشياء الشاغلة لأصحابها عن الاشتغال بالعلم. وَقَالَ ابن المنير: مطابقة قول عمر للترجمة أنه جعل السيادة من ثمرات العلم، وأوصى الطالب باغتنام الزيادة قبل بلوغ درجة السيادة، وذلك يحقق استحقاق العلم بأن يغبط بها صاحبها. لكن الحديث دلَّ عَلى أن الغِبْطَة لا تكون إلا بأحد الأمرين: العلم أو الجود، ولا يكون الجود مَحمودًا إلا إِذَا كَانَ بعلم، فكأنه يقول: تعلموا العلم قبل حصول الرياسة لتُغبَطوا إِذَا غُبِطتم بحق، ويقول أيضًا: إن تعجلتم الرياسة الَّتِي من عادتها أن تمنع صاحبها من طلب العلم فاتركوا تلك العادة وتعلموا العلم لتحصل لكم الغِبطة الحقيقية. ومعنى الغِبْطَة: تمني المرء أن يكون له نظير ما للآخر من غير أن تزول عنه، وهو المراد بالحسد الَّذِي أطلق في الخبر كما سنبينه. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنا إسماعيل بن أبي خالد عَلى غير ما حدثناه الزهري) يعني: أن الزهري حدث سُفيان [١٣٢/ أ] بهذا الحديث بلفظ غير اللفظ الَّذِي حدثه به إسماعيل عن سالم، ورواها مُسْلِم (١)، عن زهير بن حرب وغيره عن سُفيان بن عُيَيْنَة قَالَ: حَدَّثَنَا الزهري، عن سالم، عن أبيه. . . . ساقه مُسْلِم تامًّا واختصره البُخَاريّ. وأخرجه البُخَاريّ أيضًا تامًا في فضائل القرآن (٢) من طريق شُعَيب، عن الزهري: حَدَّثَنِي سالم بن عبد الله بن عُمَر. . . فذكره، وسنذكر ما تخالفت فيه الروايتان بعدُ إن شاء الله تعالَى.

стр. 481

قَوْلُهُ: (لا حسد). الحسدُ: تمني زوال النعمة عن المُنْعَم عليه، وخصه بعضهم بأن يتمنى ذلكَ لنفسه، والحق أنه أعم، وسببه أن الطباع مَجبولة عَلى حب الترفع عَلى الجنس، فإذا رأى لغيره ما ليس له أحب أن يزول ذَلِكَ عنه له ليرتفع عليه، أو مطلقًا ليساويه، وصاحبه مذموم إِذَا عمل بمقتضى ذَلِكَ من تصميم أو قول أو فعل، وينبغي لمن خطر له ذَلِكَ أن يكرهه كما يكره ما وضع في طبعه من حب المنهيات. واستثنوا من ذَلِكَ ما إِذا كانت النعمة لكافر أو فاسق يستعين بها عَلى معاصي الله تعالَى فهذا حكم الحسد بحسب حقيقته. وأمَّا الحسد المذكور في الحديث فهو: الغِبْطَة، وأطلق الحسد عليها مَجازا، وهي أن يتمنى أن يكون له مثل ما لغيره من غير أن يزول عنه، والحرص عَلى هذا يُسَمى منافسة، فإن كَانَ في الطاعة فهو مَحمود، ومنه: ﴿فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦)﴾ [المطففين: ٢٦]. وإن كَانَ في المعصية فهو مَذموم، ومنه: "ولا تنافسوا" (١)، وإن كَانَ في الجائزات فهو مباح؛ فكأنه قَالَ في الحديث: لا غِبْطَة أعظم أو أفضل من الغِبْطة في هذين الأمرين. ووجه الحصر: أن الطاعات إما بدنية أو مالية أو كائنة عنهما، وقد أشار إلَى البدنية بإتيان الحكمة والقضاء بها وتعليمها، ولفظ حديث ابن عمر: "رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار"، والمراد بالقيام به: العمل به مطلقًا أعم من تلاوته داخل الصلاة أو خارجها، ومن تعليمه الحكم، والفتوى بمقتضاه، فلا تخالف بين لفظي الحديثين. قَوْلُهُ: (إلا في اثنتين) كذا في معظم الروايات اثنتين بتاء التأنيث، أي: لا حسد مَحمود في شيء إلا في خصلتين.

стр. 482

وَعَلى هذا فقوله رجل بالرفع، والتقدير: خصلة رجل [١٣٢/ ب]، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وللمصنف في الاعتصام: "إلا في اثنين" (١)، وَعَلى هذا فقوله: "رجل" بالخفض عَلى البدلية، أي: خصلة رجلين، ويَجوز النصب بإضمار: "أعني"، وهي رواية ابن ماجه (٢). قَوْلُهُ: (مالًا) نكرة ليشمل القليل والكثير. قَوْلُهُ: (فَسُلِّط) كذا لأبي ذر، وللباقين: "فسلطه"، وعبر بالتسلط لدلالته عَلى قهر النفس المجبولة عَلى الشُّحِّ. قَوْلُهُ: (هلكته) بفتح اللام والكاف، أي: إهلاكه، وعبر بذلك ليدل عَلى أنه لا يُبْقِي منه شيئًا، وكمله بقوله: "في الحق" أي: في الطاعات؛ ليزيل عنه إبهام الإسراف المذموم. قَوْلُهُ: (الحكمة) اللام للعهد؛ لأن المراد بِها القرآن عَلى ما أشرنا إليه قبل. * فائدة: زاد أبو هُرَيْرَةَ في هذا الحديث ما يدل عَلى أن المراد بالحسد المذكور هُنا بالغِبْطة كما شرحناه، ولفظه: "فَقَالَ رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل"، أورده المصنف في فضائل القرآن (٣). وعند الترمِذيّ من حديث أبي كَبْشة الأنْمَاري -بفتح الهمزة وإسكان النون- أنه سمع رسول الله ﷺ يقول، فذكر حديثا طويلًا فيه استواء العامل في المال بالحق

стр. 483

والمتمني في الأجر، ولفظه: "وعبد رزقه الله علمًا ولَم يرزقه مالًا فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالًا لعملت مثل ما يعمل فلان، فأجرهما سواء" (١)، وذكر في ضدهما أنهما في الوزر سواء، وَقَالَ فيه: حسن صحيح، والله أعلم. وإطلاق كونهما سواء يَرُدُّ عَلى الخَطَّابي في جزمه بأن الحديث يدل عَلى أن الغني إِذَا قام بشروط المال كَانَ أفضل من الفقير. نعم؛ يكون أفضل بالنسبة إلَى من أعرض ولَم يتمن، لكن الأفضلية المستفادة منه هِيَ بالنسبة إلَى هذه الخصلة فقط لا مطلقًا. وسيكون لنا عودة إلَى البحث في هذه المسألة في حديث: "الطاعم الشاكر كالصائم الصابر" حيث ذكره المؤلف في كتاب الأطعمة (٢) إن شاء الله تعالَى.

стр. 484

١٦ - باب: مَا ذُكِرَ في ذَهَابِ مُوسَى ﷺ في الْبَحْرِ إِلَى الْخَضِرِ وَقَوْله تَعالى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ الآية ٧٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْر الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَهُ أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ تَمَارَى هو وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ في صَاحِبِ مُوسَى، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هو خَضِرٌ. فَمَرَّ بِهِما أُبَيُّ بْنُ كَعْب، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي تَمَاريتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا في صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأل مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يقُوُل: "بَيْنَمَا مُوسَى في مَلإٍ مِنْ بَني إِسْرَائِيلَ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا. فَأَوْحَى اللهُ إِلَى مُوسَى بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَل مُوسَى السَّبِيلَ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ اللهُ لَهُ الْحُوتَ آيَة، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، وَكانَ يَتَّبعُ أثَرَ الْحُوتِ في الْبَحْرِ، فَقَالَ لمُوسَى فَتَاهُ: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنَي نَسِيتُ الْحُوتَ، وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلأَ الشَيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ. قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي، فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا، فَوَجَدَا خَضِرًا. فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا الَّذِي قَصَّ اللهُ في كتَابِهِ". قَوْلُهُ: (باب ما ذكر في ذهاب موسى إلَى الخَضِر). هذا الباب معقود للترغيب في احتمال المشقة [١٣٣/ أ] في طلب العلم؛ لأن ما يغتبط به يحتمل المشقة فيه؛ ولأن موسى ﵊ لَم يمنعه بلوغه من السيادة المحل الأعلى من طلب العدم وركوب البر والبحر لأجله، فظهر بهذا مناسبة هذا لما قبله. فظاهر التبويب: أن موسى ركب البحر لَمَّا توجه في طلب الخَضِر، وفيه نظر؛ لأن الَّذِي ثبت عند المصنف وغيره أنه خرج في البر، وإنَّما ركب البحر في السفينة هو

стр. 485

والخَضِر بعد أن التقيا، فيحمل قَوْلُهُ: "إلَى الخضر" عَلى أن فيه حذفًا، أي: إلَى مقصد الخَضِر؛ لأن موسى لَم يركب البحر لحاجة نفسه، وإنَّما ركبه تبعًا للخضر. ويمكن أن يقال: مقصود الذهاب إنّما حصل بتمام القصة، ومن تمامها: أنه ركب وجه البحر، فأطلق عَلى جميعها ذهابًا مَجازًا: إما من إطلاق الكل عَلى البعض، أو من تسمية السبب باسم ما تسبب عنه. وحمله ابن المنير عَلى أن "إلَى" بمعنى: مع، وَقَالَ ابن رشيد: يحتمل أن يكون ثبت عند البُخَاريّ أن موسى توجه في البحر لما طلب الخضر. قُلْت: لعله قوي عنده أحد الاحتمالين في قَوْله: "فكان يتبع أثر الحوت في البحر"، فالظرف يحتمل أن يكون لموسى ويحتمل أن يكون للحوت، ويؤيد الأول ما جاء عن [أبي] (١) العالية وغيره، فروى عَبْد بن حُميد، عن أبي العالية "أن موسى التقى بالخضر في جزيرة من جزائر البحر". انتهى والتوصل إلَى جزيرة في البحر لا يقع إلا بسلوك البحر غالبًا، وعنده أيضًا من طريق الربيع بن أنس قَالَ: "إنجاب الماء عن مسلك الحوت فصار طاقة مفتوحة، فدخلها موسى عَلى أثر الحوت حَتَّى انتهى إلَى الخضر"، فهذا يوضح أنه ركب البحر إليه، وهذان الأثران الموقوفان رجالهما ثقات. قَوْلُهُ: (الآية) هو بالنصب، بتقدير: "فذكر"، لا عَلى المفعولية، وقد ذكر الأصيلي في روايته باقي الآية، وهي قَوْلُهُ: ﴿مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦)﴾ [الكهف: ٦٦]. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا) وللأصيلي: "حَدَّثَنِي" بالإفراد. قَوْلُهُ: (غرير) تقدم في المقدمة أنه بالغين المعجمة مصغرًا، وَمُحَمَّد وشيخه وأبوه إبراهيم بن سعد زُهْرِيُّون، وكذا ابن شِهاب شيخ صالح، وهو ابن كَيْسَان. قَوْلُهُ: (حدثه) للكُشْمَيهنِي: "حدث" بغير هاء، وهو مَحمولٌ عَلى السماع؛ لأن صالِحًا [١٣٣ / ب] غير مدلس.

стр. 486

قَوْلُهُ: (تَمارى) أي: تَجادل. قَوْلُهُ: (والحُرّ) هو بضم الحاء وتشديد الراء المهملتين، وهو صحابي ذكره ابن السكن وغيره، وله ذكر عند المصنف أيضًا في قصة له مع عُمر قَالَ فيها: "وَكَانَ الحُرُّ من النفر الَّذِينَ يدنيهم عمر" (١)، يعنِي: لفضلهم. قَوْلُهُ: (قَالَ ابن عباس: هو خضر) لَم يذكر ما قَالَ الحر بن قيس، ولا وقفت عَلى ذلِكَ في شيء من طرق هذا الحديث. وخَضِر: -بفتح أوله وكسر ثانيه- أو بكسر أوله وإسكان ثانيه، ثبتت بهما الرواية، وبإثبات الألف واللام فيه وبِحذفهما. وهذا التماري الَّذِي وقع بين ابن عباس والحُرِّ غير التماري الَّذِي وقع بين سعيد ابن جُبَير ونَوْف البكالي، فإن هذا في صاحب موسى هل هو الخَضِر أو غيره؟ وذلك موسى هل هو موسى بن عمران الَّذِي أُنزلت عليه التوراة، أو موسى بن مِيشَا -بكسر الميم وسكون التحتانية بعدها معجمة-؟ وسياق سعيد بن جبير للحديث عن ابن عباس أتم من سياق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة هذا بشيء كثير، وسيأتي ذكر ذَلِكَ مفصلًا في كتاب التفسير (٢) إن شاء الله. ويقال: إن اسم الخَضِر بَلْيَا -بموحدة ولام ساكنة ثُمَّ تحتانية-، وسيأتي في أحاديث الأنبياء النقل عن سبب تلقيبه بالخَضِر، ويأتي نقل الخلاف في نسبه وهل هو رسول أو نبي فقط، أو مَلَك -بفتح اللام- أو وَلِي فقط؟ وهل هو باقٍ أو مات؟ قَوْلُهُ: (فدعاه) أي: ناداه وذكر ابن التين أن فيه حذفًا، والتقدير: فقام إليه فسأله؛ لأن المعروف عن ابن عباس التأدب مع من يأخذ عنه، وأخباره في ذَلِكَ شهيرة.

стр. 487

قَوْلُهُ: (إذ جاءه رجل) لَم أقف عَلى تسميته. قَوْلُهُ: (بلى عبدنا) أي: هو أعلم، وللكُشْمَيْهَني: "بل" بإسكان اللام، والتقدير: فأوحى الله إليه: "لا تطلق النفي، بل قل خَضِر"، وإنّما قَالَ: "عبدنا" وإن كَانَ السياق يقتضي أن يقول: "عبد الله"؛ لكونه أورده عَلى طريق الحكاية عن الله ، والإضافة فيه للتعظيم. قَوْلُهُ: (ما كنا نبغي) أي: نطلب؛ لأن فقد الحوت جُعِل آيةً، أي: علامة عَلى الموضع الَّذِي فيه الخَضِر. وفِي الحديث جواز التجادل في العلم إِذَا كَانَ بغير تعنت، والرجوع إلَى أهل العلم عند التنازع، والعمل بخبر الواحد الصدوق، وركوب البحر في طلب العلم، بل في طلب الاستكثار منه، ومشروعية حمل الزاد في السفر، ولزوم التواضع في كل حال، ولهذا حرص موسى عَلى الالتقاء بالخَضِر ﵉ وطَلَب التعلم منه تعليمًا لقومه أن يتأدبوا بأدبه، وتنبيهًا لمن زكى نفسه أن يسلك مسلك التواضع.

стр. 488

١٧ - باب: قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ " ٧٥ - حَدَّثنَا أَبُو مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ضَمَّنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ: "اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ". قَوْلُهُ: (باب قول النَّبِيّ ﷺ : اللهم عَلِّمْه الكتاب) استعمل لفظ الحديث ترجمة؛ تمسكًا بأن ذَلِكَ لا يختص جوازه بابن عباس. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أبو معمر) هو عبد الله بن عَمرو بن أبي الحجاج المعروف بالمُقْعَد البصري. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا خالد) هو ابن مِهْرَان الحَذَّاء. قَوْلُهُ: (ضمني رسول الله ﷺ ) زاد المصنف في فضل ابن عباس: "إِذ ذاك غلامًا مميزًا" (١). فيستفاد منه جواز احتضان الصبي القريب عَلى سبيل الشفقة. قَوْلُهُ: (عَلِّمْهُ الكتاب) بَيّن المصنف في كتاب الطهارة من طريق عبد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس سبب هنا الدعاء، ولفظه: "دخل النَّبِيّ ﷺ الخلاء فوضعت له وَضُوءًا" (٢)، زاد مُسْلِم: "فلما خرج"، ثُمَّ اتفقا: "قَالَ: من وضع هذا؟ فأخبر"، ولِمسلم: "قالوا: ابن عباس" (٣). ولأحمد، وابن حبان (٤) من طريق سعيد بن جُبير عنه أن ميمونة هِيَ الَّتِي أخبرته بذلك، وأن ذَلِكَ كَانَ في بيتها ليلًا، ولعل ذَلِكَ كَانَ في الليلة الَّتِي بات ابن عباس فيها عندها ليرى صلاة رسول الله ﷺ ، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالَى.

стр. 489

والمراد بالكتاب: القرآن؛ لأن العرف الشرعي عليه، والمراد بالتعليم: ما هو أعم من حفظه وتفهُّمه. ووقع في رواية مسدد: "الحِكْمَة" (١) بدل: "الكتاب"، وذكر الإسماعيلي أن ذلك هو الثابت في الطرق كلها عن خالد الحَذَّاء. كذا قَالَ، وفيه نظر؛ لأن المصنف أخرجه أيضًا من حديث وُهَيب عن خالد بلفظ: "الكتاب" (٢) أيضًا، فيحمل عَلى أن المراد بالحكمة أيضًا: القرآن، فيكون بعضهم رَوَاهُ بالمعنى. وللنسائي، والترمذي من طريق عطاء، عن ابن عباس قَالَ: "دعا لي رسول الله ﷺ أن أوتى الحكمة مرتين" (٣)، فيحتمل تعدد الواقعة. فيكون المراد بالكتاب: القرآن، وبالحكمة: السنة، ويؤيده: أن في رواية عبيد الله بن أبي يزيد الَّتِي قدمناها عند الشيخين: "اللَّهُمَّ فَقِّهه في الدينِ"، لكن لَم يقع عند مُسْلِم: "في الدين وعلمه التأويل"، قَالَ الحميدي: هذه الزيادة [ليست] (٤) في الصحيحين. قُلْت: وهو كما قَالَ. نعم؛ هِيَ في رواية سعيد بن جُبير الَّتِي قدمناها عند أحْمَد وابن حبان، ورواها ابن سعد من وجه آخر عن عِكْرمة مرسلًا (٥).

стр. 490

ووقع في بعض نسخ ابن ماجه من طريق عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحَذَّاء في حديث الباب بلفظ: "اللَّهُمَّ علَّمه الحكمة وتأويل الكتاب" (١)، وهذه الزيادة مستغربة من هذا الوجه، فقد رَوَاهُ التّرمِذيّ، والإسماعيلي وغيرهما من طريق عبد الوهاب بدونها (٢). وقد وجدتها عند ابن سعد من وجه آخر عن طاوس، عن ابن عباس قَالَ: "دعاني رسول الله ﷺ فمسح عَلى ناصيتي، وَقَالَ: اللَّهُمَّ علِّمه الحكمة وتأويل الكتاب" (٣). وقد رَوَاهُ أَحْمَد، عن هشيم، عن خالد في حديث الباب بلفظ: "مسح عَلى رأسي" (٤). وهذه الدعوة مما تحقق إجابة النَّبِيّ ﷺ لما عُلِم من حال ابن عباس في معرفة التفسير والفقه في الدين -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ-.

стр. 491

١٨ - باب: مَتَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ ٧٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلَامَ، وَرَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، فَدَخَلْتُ في الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيَّ. قَوْلُهُ: (باب متى يصح سماع الصغير) زاد الكُشْمَيهني: "الصبي الصغير"، ومقصود الباب: الاستدلال عَلى أن البلوغ ليس شرطًا في التحمُّل، وَقَالَ الكِرْماني: إن معنى الصحة هُنا: جواز قبول مسموعه. قُلْت: وهذا تفسير لثمرة الصحة لا لنفس الصحة. وأشار المصنف بهذا إلَى اختلاف وقع بين أَحْمَد بن حنبل، ويَحيى بن معين رَوَاهُ الخطيب في "الكِفَاية" عن عبد الله بن أَحْمَد وغيره، أن يحيى قَالَ: "أقلُّ سن التحمل خَمس عشرة سنةً؛ لكون ابن عمر رُدَّ يوم أُحد إذ لَم يبلغها، فبلغ ذَلِكَ أَحْمَد فَقَالَ: بل إِذَا عقل ما يسمع؛ وإنما قصة ابن عمر في القتال" (١)، ثمَّ أورد الخطيب أشياء مما حفظها جمع من الصحابة ومن بعدهم في الصغر وحدثوا بِها بعد ذَلِكَ وقُبلت عنهم وهذا هو المعتمد. وما قاله ابن معين إن أراد به تحديد ابتداء الطلب بنفسه فمُوَجَّه، وإن أراد به رد حديث من سمع اتفاقًا أو اعتُني به فسمع وهو صغير فلا، وقد نقل ابن عبد البر الاتفاق عَلى قبول هذا، وفيه دليل [١٣٥ / أ] عَلى أن مراد ابن معين الأول. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إسماعيل) هو ابن أبي أُوَيْس، وقد ثبت ذَلِكَ في رواية كَرِيمة.

стр. 492

قَوْلُهُ (عَلى حِمار) هو اسم جنس، يشمل الذكر والأنثى، كما يطلق عَلى بعير، وقد شذ "حمارة" في الأنثى حكاه في الصحاح، و"أتان" بفتح الهمزة، وشذ كسرها كما حكاه الصغاني هِيَ: الأنثى من الحمير، وربما قالوا للأنثى: أتانة حكاه يونس وأنكره غيره، فجاء في الرواية عَلى اللغة الفصحاء. وحمارٍ أتانٍ بالتنوين فيهما عَلى النعت أو البدل، وروي بالإضافة. وذكر ابن الأثير أن فائدة التنصيص عَلى كونها أنثى للاستدلال بطريق الأولى عَلى أن الأنثى من بني آدم لا تقطع الصلاة لأنهن أشرف. وهو قياس صحيح من حيث النظر؛ إلا أن الخبر الصحيح لا يدفع بمثله، كما سيأتي البحث فيه في الصلاة إن شاء الله. قَوْلُهُ: (ناهزت) أي: قاربت، والمراد بالاحتلام: البلوغ الشرعي. قَوْلُهُ: (إلَى غير جدار) أي: إلَى غير سترة، قاله الشافعي، وسياق الكلام يدل عَلى ذَلِكَ؛ لأن ابن عباس أورده في معرض الاستدلال عَلى أن المرور بين يدي المصلي لا يقطع صلاته، ويؤيده رواية البزار بلفظ: "وَالنَّبِيّ ﷺ يُصلي المكتوبة ليس شيء يستره" (١). قَوْلُهُ: (بين يدي بعض الصف) هو مجاز عن الأمام -بفتح الهمزة- لأن الصف ليس له يد، وبعض الصف يحتمل أن يراد به صف من الصفوف أو بعض من أحد الصفوف، قاله الكِرْمَاني. قَوْلُهُ: (تَرْتَعُ) بمثناتين مفتوحتين وضم العين، أي: تأكل ما تشاء، وقيل: تسرع في المشي، وجاء أيضًا بكسر العين بوزن تفتعل من الرعي، وأصله: ترتعي، لكن حذفت الياء تَخفيفًا، والأول أصوب، ويدل عليه رواية المصنف في الحج: "نزلت عنها فرتعت" (٢). قَوْلُهُ: (فلم ينكر ذَلِكَ عليّ) قيل: فيه جواز تقديم المصلحة الراجحة عَلى المفسدة

стр. 493

الخفيفة؛ لأن المرور مفسدة خفيفة، والدخول في الصلاة مصلحة راجحة، واستدل ابن عباس عَلى الجواز بعدم الإنكار لانتفاء الموانع إذ ذاك، ولا يقال: منع من الإنكار اشتغالهم بالصلاة؛ لأنه نفى الإنكار مطلقًا، فتناول ما بعد الصلاة، وأيضًا [١٣٥ / ب] فكان الإنكار يمكن بالإشارة. وفيه ما ترجم له أن التحمل لا يشترط فيه كمال الأهلية، وإنَّما يشترط عند الأداء، ويلتحق بالصبي في ذَلِكَ العبد والفاسق والكافر، وقامت حكاية ابن عباس لفعل النَّبِيّ ﷺ وتقريره مقام حكاية قَوْله؛ إذ لا فرق بين الأمور الثلاثة في شرائط الأداء. فإن قيل: التقييد بالصبا والصغر في الترجمة لا يطابق حديث ابن عباس. أجاب الكِرْمَاني: بأن المراد بالصغير غير البالغ، وذكر الصبا معه من باب التغليب، والله أعلم. وسيأتي باقي مباحث هذا الحديث في كتاب الصلاة إن شاء الله تعالَى.

стр. 494

٧٧ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، قَالَ: عَقَلْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَجَّةً مَجَّهَا في وَجْهِي وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ مِنْ دَلْوٍ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن يوسف) هو البِيكَنْدِي كما جزم به البيهقي وغيره، وأما الفِريابي فليست له رواية عن أبي مُسْهِر، وَكَانَ أبو مُسْهِر شيخ الشاميين في زمانه، وقد لقيه البُخَاريّ وسمع منه شيئًا يسيرًا وحدث عنه هنا بواسطة. وذكر ابن المرابط فيما نقل ابن رُشَيد عنه أن أبا مُسْهِر تفرد برواية هذا الحديث. وليس كما قَالَ ابن المرابط، فإن النّسَائي رَوَاهُ في السنن الكبرى (١) عن مُحَمَّد بن المُصَفَّى، عن مُحَمَّد بن حرب، وأخرجه البيهقي في المدخل من رواية ابن جَوْصَاء -وهو بفتح الجيم والصاد المهملة- عن سلمة بن الخليل، وأبىِ التَّقِيّ (٢) -وهو بفتح المثناة وكسر القاف- كلاهما عن مُحَمَّد بن حرب، فهؤلاء ثلاثة غير أبي مسهر رووه عن مُحَمَّد بن حرب فكأنه المتفرد به عن الزبيدي. وهذا الإسناد إلى الزهري شاميون، وقد دخلها هو وشيخه محمود بن الربيع بن سُرَاقة بن عمرو الأنصاري الخزرجي، وحديثه هذا طرف من حديثه عن عِتْبَان بن مالك الآتي في الصلاة (٣) من رواية صالح بن كَيْسَان وغيره عن الزهري، وفي الرقاق (٤) من طريق مَعْمَر، عن الزُّهري: أَخْبَرَني محمود.

стр. 495

قَوْلُهُ: (عَقَلت) هو بفتح القاف، أي: حفظت. قَوْلُهُ: (مَجة) بفتح الميم وتشديد الجيم، والمج: هو إرسال الماء من الفم، وقيل: لايسمى مجًّا إلا إن كَانَ عَلى بعد. وفعلها النَّبِيّ ﷺ مع محمود إما مداعبة معه أو ليبارك عليه بِها كما كَانَ ذَلِكَ من شأنه مع أولاد الصحابة. قَوْلُهُ: (وأنا ابن خمس سنين) لَم أر التقييد بالسن عند تحمله في شيء من طرقه لا في الصحيحين ولا في غيرهما من الجوامع والمسانيد إلا في طريق الزبيدي [١٣٦ / أ] [هذه، و] (١) الزبيدي من كبار الحفاظ المتقنين عن الزُّهري، حَتَّى قَالَ الوليد بن مُسْلِم: كَانَ الأوزاعي يفضله عَلى جَميع من سمع من الزُّهري، وَقَالَ أبو داود: ليس في حديثه خطأ. ووقع عند الطبراني والخطيب في "الكفاية" من طريق عبد الرحمن بن نَمِر -وهو بفتح النون وكسر الميم- عن الزُّهري قَالَ: "حَدَّثَنِي محمود بن الربيع وتوفي النَّبِيّ ﷺ وهو ابن خَمس سنين" (٢). فأفادت هذه الرواية أن الواقعة الَّتِي ضبطها كانت في آخر سنة من حياة النَّبِيّ ﷺ ، وقد ذكر ابن حبان (٣) وغيره أنه مات سنة تسعٍ وتسعين وهو ابن أربعٍ وتسعين سنة، وهو مطابق لهذه الرواية. وذكر القاضي عياض في "الإلماع" وغيره أن في بعض الروايات أنه كَانَ ابن أربع، ولَم أقف عَلى هذا صريحًا في شيء من الروايات بعد التتبع التام إلا إن كَانَ ذَلِكَ مأخوذًا من قول صاحب الاستيعاب (٤) أنه عَقَل المَجَّة وهو ابن أربع سنين أو خَمس، وكأن الحامل له عَلى هذا التردد قول الواقدي: إنه كَانَ ابن ثلاثٍ وتسعين لَمَّا مات، والأول أولى بالاعتماد لصحة إسناده، عَلى أن قول الواقدي يمكن حمله -إن صح- عَلى أنه ألغى الكسر وجبره غيره، والله أعلم.
следующие страницы →