١٨ - باب: مَتَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ
٧٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلَامَ، وَرَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، فَدَخَلْتُ في الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيَّ.
قَوْلُهُ: (باب متى يصح سماع الصغير) زاد الكُشْمَيهني: "الصبي الصغير"، ومقصود الباب: الاستدلال عَلى أن البلوغ ليس شرطًا في التحمُّل، وَقَالَ الكِرْماني: إن معنى الصحة هُنا: جواز قبول مسموعه.
قُلْت: وهذا تفسير لثمرة الصحة لا لنفس الصحة.
وأشار المصنف بهذا إلَى اختلاف وقع بين أَحْمَد بن حنبل، ويَحيى بن معين رَوَاهُ الخطيب في "الكِفَاية" عن عبد الله بن أَحْمَد وغيره، أن يحيى قَالَ: "أقلُّ سن التحمل خَمس عشرة سنةً؛ لكون ابن عمر رُدَّ يوم أُحد إذ لَم يبلغها، فبلغ ذَلِكَ أَحْمَد فَقَالَ: بل إِذَا عقل ما يسمع؛ وإنما قصة ابن عمر في القتال" (١)، ثمَّ أورد الخطيب أشياء مما حفظها جمع من الصحابة ومن بعدهم في الصغر وحدثوا بِها بعد ذَلِكَ وقُبلت عنهم وهذا هو المعتمد.
وما قاله ابن معين إن أراد به تحديد ابتداء الطلب بنفسه فمُوَجَّه، وإن أراد به رد حديث من سمع اتفاقًا أو اعتُني به فسمع وهو صغير فلا، وقد نقل ابن عبد البر الاتفاق عَلى قبول هذا، وفيه دليل [١٣٥ / أ] عَلى أن مراد ابن معين الأول.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إسماعيل) هو ابن أبي أُوَيْس، وقد ثبت ذَلِكَ في رواية كَرِيمة.
стр. 492
قَوْلُهُ (عَلى حِمار) هو اسم جنس، يشمل الذكر والأنثى، كما يطلق عَلى بعير، وقد شذ "حمارة" في الأنثى حكاه في الصحاح، و"أتان" بفتح الهمزة، وشذ كسرها كما حكاه الصغاني هِيَ: الأنثى من الحمير، وربما قالوا للأنثى: أتانة حكاه يونس وأنكره غيره، فجاء في الرواية عَلى اللغة الفصحاء.
وحمارٍ أتانٍ بالتنوين فيهما عَلى النعت أو البدل، وروي بالإضافة.
وذكر ابن الأثير أن فائدة التنصيص عَلى كونها أنثى للاستدلال بطريق الأولى عَلى أن الأنثى من بني آدم لا تقطع الصلاة لأنهن أشرف. وهو قياس صحيح من حيث النظر؛ إلا أن الخبر الصحيح لا يدفع بمثله، كما سيأتي البحث فيه في الصلاة إن شاء الله.
قَوْلُهُ: (ناهزت) أي: قاربت، والمراد بالاحتلام: البلوغ الشرعي.
قَوْلُهُ: (إلَى غير جدار) أي: إلَى غير سترة، قاله الشافعي، وسياق الكلام يدل عَلى ذَلِكَ؛ لأن ابن عباس أورده في معرض الاستدلال عَلى أن المرور بين يدي المصلي لا يقطع صلاته، ويؤيده رواية البزار بلفظ: "وَالنَّبِيّ ﷺ يُصلي المكتوبة ليس شيء يستره" (١).
قَوْلُهُ: (بين يدي بعض الصف) هو مجاز عن الأمام -بفتح الهمزة- لأن الصف ليس له يد، وبعض الصف يحتمل أن يراد به صف من الصفوف أو بعض من أحد الصفوف، قاله الكِرْمَاني.
قَوْلُهُ: (تَرْتَعُ) بمثناتين مفتوحتين وضم العين، أي: تأكل ما تشاء، وقيل: تسرع في المشي، وجاء أيضًا بكسر العين بوزن تفتعل من الرعي، وأصله: ترتعي، لكن حذفت الياء تَخفيفًا، والأول أصوب، ويدل عليه رواية المصنف في الحج: "نزلت عنها فرتعت" (٢).
قَوْلُهُ: (فلم ينكر ذَلِكَ عليّ) قيل: فيه جواز تقديم المصلحة الراجحة عَلى المفسدة
стр. 493
الخفيفة؛ لأن المرور مفسدة خفيفة، والدخول في الصلاة مصلحة راجحة، واستدل ابن عباس عَلى الجواز بعدم الإنكار لانتفاء الموانع إذ ذاك، ولا يقال: منع من الإنكار اشتغالهم بالصلاة؛ لأنه نفى الإنكار مطلقًا، فتناول ما بعد الصلاة، وأيضًا [١٣٥ / ب] فكان الإنكار يمكن بالإشارة.
وفيه ما ترجم له أن التحمل لا يشترط فيه كمال الأهلية، وإنَّما يشترط عند الأداء، ويلتحق بالصبي في ذَلِكَ العبد والفاسق والكافر، وقامت حكاية ابن عباس لفعل النَّبِيّ ﷺ وتقريره مقام حكاية قَوْله؛ إذ لا فرق بين الأمور الثلاثة في شرائط الأداء.
فإن قيل: التقييد بالصبا والصغر في الترجمة لا يطابق حديث ابن عباس.
أجاب الكِرْمَاني: بأن المراد بالصغير غير البالغ، وذكر الصبا معه من باب التغليب، والله أعلم. وسيأتي باقي مباحث هذا الحديث في كتاب الصلاة إن شاء الله تعالَى.
стр. 494
٧٧ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، قَالَ: عَقَلْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَجَّةً مَجَّهَا في وَجْهِي وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ مِنْ دَلْوٍ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن يوسف) هو البِيكَنْدِي كما جزم به البيهقي وغيره، وأما الفِريابي فليست له رواية عن أبي مُسْهِر، وَكَانَ أبو مُسْهِر شيخ الشاميين في زمانه، وقد لقيه البُخَاريّ وسمع منه شيئًا يسيرًا وحدث عنه هنا بواسطة.
وذكر ابن المرابط فيما نقل ابن رُشَيد عنه أن أبا مُسْهِر تفرد برواية هذا الحديث.
وليس كما قَالَ ابن المرابط، فإن النّسَائي رَوَاهُ في السنن الكبرى (١) عن مُحَمَّد بن المُصَفَّى، عن مُحَمَّد بن حرب، وأخرجه البيهقي في المدخل من رواية ابن جَوْصَاء -وهو بفتح الجيم والصاد المهملة- عن سلمة بن الخليل، وأبىِ التَّقِيّ (٢) -وهو بفتح المثناة وكسر القاف- كلاهما عن مُحَمَّد بن حرب، فهؤلاء ثلاثة غير أبي مسهر رووه عن مُحَمَّد بن حرب فكأنه المتفرد به عن الزبيدي.
وهذا الإسناد إلى الزهري شاميون، وقد دخلها هو وشيخه محمود بن الربيع بن سُرَاقة بن عمرو الأنصاري الخزرجي، وحديثه هذا طرف من حديثه عن عِتْبَان بن مالك الآتي في الصلاة (٣) من رواية صالح بن كَيْسَان وغيره عن الزهري، وفي الرقاق (٤) من طريق مَعْمَر، عن الزُّهري: أَخْبَرَني محمود.
стр. 495
قَوْلُهُ: (عَقَلت) هو بفتح القاف، أي: حفظت.
قَوْلُهُ: (مَجة) بفتح الميم وتشديد الجيم، والمج: هو إرسال الماء من الفم، وقيل: لايسمى مجًّا إلا إن كَانَ عَلى بعد.
وفعلها النَّبِيّ ﷺ مع محمود إما مداعبة معه أو ليبارك عليه بِها كما كَانَ ذَلِكَ من شأنه مع أولاد الصحابة.
قَوْلُهُ: (وأنا ابن خمس سنين) لَم أر التقييد بالسن عند تحمله في شيء من طرقه لا في الصحيحين ولا في غيرهما من الجوامع والمسانيد إلا في طريق الزبيدي [١٣٦ / أ] [هذه، و] (١) الزبيدي من كبار الحفاظ المتقنين عن الزُّهري، حَتَّى قَالَ الوليد بن مُسْلِم: كَانَ الأوزاعي يفضله عَلى جَميع من سمع من الزُّهري، وَقَالَ أبو داود: ليس في حديثه خطأ.
ووقع عند الطبراني والخطيب في "الكفاية" من طريق عبد الرحمن بن نَمِر -وهو بفتح النون وكسر الميم- عن الزُّهري قَالَ: "حَدَّثَنِي محمود بن الربيع وتوفي النَّبِيّ ﷺ وهو ابن خَمس سنين" (٢). فأفادت هذه الرواية أن الواقعة الَّتِي ضبطها كانت في آخر سنة من حياة النَّبِيّ ﷺ ، وقد ذكر ابن حبان (٣) وغيره أنه مات سنة تسعٍ وتسعين وهو ابن أربعٍ وتسعين سنة، وهو مطابق لهذه الرواية.
وذكر القاضي عياض في "الإلماع" وغيره أن في بعض الروايات أنه كَانَ ابن أربع، ولَم أقف عَلى هذا صريحًا في شيء من الروايات بعد التتبع التام إلا إن كَانَ ذَلِكَ مأخوذًا من قول صاحب الاستيعاب (٤) أنه عَقَل المَجَّة وهو ابن أربع سنين أو خَمس، وكأن الحامل له عَلى هذا التردد قول الواقدي: إنه كَانَ ابن ثلاثٍ وتسعين لَمَّا مات، والأول أولى بالاعتماد لصحة إسناده، عَلى أن قول الواقدي يمكن حمله -إن صح- عَلى أنه ألغى الكسر وجبره غيره، والله أعلم.
стр. 496
وَإِذَا تحرر هذا فقد اعترض المهلب عَلى البُخَاريّ لكونه لَم يذكر هنا حديث ابن الزبير في رؤيته والده يوم بني قُريظة (١) ومراجعته له في ذَلِكَ، ففيه السماع منه وَكَانَ سنه إذ ذاك ثلاث سنين أو أربعٍ، فهو أصغر من محمود، وليس في قصة محمود ضبطه لسماع شيء، فكان ذكر حديث ابن الزبير أولى لهذين المعنيين.
وأجاب ابن المنير: بأن البُخَاري إنّما أراد نقل السنن النبوية لا الأحوال الوجودية، ومحمود نقل سُنة مقصودة كون النَّبِيّ ﷺ مَجَّ مَجَّة في وجهه، بل في مجرد رؤيته إياه فائدة شرعية يثبت بِها كونه صحابيًّا، وأما قصة ابن الزبير فليس فيها نقل سُنة من السنن النبوية حَتَّى تدخل في هذا الباب، ثُمَّ أنشد:
* وَصَاحِبُ الْبَيْتِ أَدْرَى بالَّذِي هو فِيْهِ *
. . . انتهى.
وهو جواب مسدد، وتكملته ما قدمناه قبل: أن المقصود بلفظ السماع في الترجمة هو أو ما يتنزل منزلته [١٣٦ / ب] من نقل الفعل أو التقدير.
وغفل البدر الزركشي فَقَالَ: يحتاج المُهَلب إلَى ثبوت أن قصة ابن الزبير صحيحة عَلى شرط البُخَاريّ، انتهى (٢).
وَالبُخَاريَّ قد أخرج قصة ابن الزبير المذكورة في مناقب الزبير في الصحيح، فالإيراد مُوَجَّه، وقد حصل جوابه.
قَوْلُهُ: (من دلو) زاد النَّسَائي: "معلق" (٣)، ولابن حبان: "معلقة" (٤)، والدلو يذكر
стр. 497
ويؤنث، وللمصنف في الرقاق من رواية مَعْمَر: "من دلو كانت في دارهم" (١)، وله في الطهارة والصلاة وغيرهما: "من بئر" (٢)، بدل: "دلو"، ويجمع بينهما بأن الماء أخذ بالدلو من البئر وتناوله النَّبِيّ ﷺ من الدلو.
وفِي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم: جواز إحضار الصبيان مجالس الحديث، وزيارة الإمام أصحابه في دورهم ومداعبته صبيانهم، واستدل به بعضهم عَلى تسميع من يكون ابن خمسٍ ومن كَانَ دونها يكتب له "حضر"، وليس في الحديث ولا في تبويب البُخَاريّ ما يدل عليه، بل الَّذِي ينبغي في ذَلِكَ اعتبار الفهم، فَمَن فَهِم الخطاب سُمّعَ وإن كَانَ دون ابن خمسٍ وإلا فلا، وَقَالَ ابن رُشيد: الظاهر أنهم أرادوا بتحديد الخمس أنها مظنة لذلك لا أن بلوغها شرط لابد من تحققه، والله أعلم.
стр. 498
١٩ - باب: الْخُرُوجِ في طَلَبِ الْعِلْمِ، وَرَحَلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ إلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ في حَدِيثٍ وَاحِدٍ
٧٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ خَالِدُ بْنُ خَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: قَالَ الأَوْزَاعِيُّ: أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ تَمَارَى هو وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الفَزَارِيُّ في صَاحِبِ مُوسَى، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا في صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ الله ﷺ يذْكُرُ شَأْنَهُ؟ فَقَالَ أُبَيٌّ: نَعَمْ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ يَقُولُ: "بَيْنَمَا مُوسَى في مَلَإٍ مِنْ بَني إِسْرَائِيلَ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَتَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: "لَا". فَأَوْحَى الله إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، فَجَعَلَ اللهُ لَهُ الْحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ، فَإِنّكَ سَتَلْقَاهُ، فَكَانَ مُوسَى ﷺ يَتَّبعُ أَثَرَ الْحُوتِ في الْبَحْرِ. فَقَالَ فَتَى مُوسَى لِمُوسَى: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ، وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ. قَالَ مُوسَى: ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي. فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا مَا قَصَّ اللهُ في كِتَابِهِ".
قوْلُهُ: (باب الخروج) أي: السفر في طلب العلم.
قَوْلُهُ: (ورحل جابر بن عبد الله) هو الأنصاري الصحابي المشهور، وعبد الله بن أنيس [بضم] (١) الهمزة مصغرًا هو الجهيني حليف الأنصار.
قَوْلُهُ: (في حديث واحد) هو حديث أخرجه المصنف في الأدب المفرد (٢)،
стр. 499
وَأَحْمَد، وأبو يعلى في مسنديهما (١) من طريق عبد الله بن مُحَمَّد بن عَقيل، أنه سمع جابر ابن عبد الله يقول: "بلغني عن رجل حديث سمعه من رسول الله ﷺ فاشتريت بعيرًا، ثُمَّ شددت رحلي فسرتُ إليه شهرًا حَتَّى قدمتُ الشام، فإذا عبد الله بن أُنَيْس فقلت للبواب: قل له: جابر عَلى الباب، فَقَالَ: ابن عبد الله؟ قُلْت: نعم، فخرج فاعتنقني، فقلت: حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله ﷺ ، فخشيت أن أموت قبل أن أسمعه، فَقَالَ: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "يَحشر الله الناس يوم القيامة عراة. . . .". فذكر الحديث.
وله طريق أخرى أخرجها الطبراني [١٣٧ / أ] في مسند الشاميين، وتَمَّام في فوائده (٢) من طريق الحجاج بن دينار، عن مُحَمَّد [بن] (٣) المنكدر، عن جابر قَالَ: "كَانَ يبلغني عن النَّبِي ﷺ حديث في القصاص، وَكَانَ صاحب الحديث بمصر، فاشتريتُ بعيرًا، فسرتُ حَتَّى دخلتُ مصر، فقصدتُ إلَى باب الرجل. . . فذكر نحوه، وإسناده صالح.
وله طريق ثالثة أخرجها الخطيب (٤) من طريق أبي الجارود العَنْسي -وهو بالنون الساكنة- عن جابر قَالَ: "بلغني حديث في القِصَاص. ." فذكر الحديث نحوه، وفي إسناده ضعف.
وادعى بعض المتأخرين أن هذا ينقض قاعدة مشهورة: أن البُخَاريّ حيث يعلق بصيغة الجزم يكون صحيحًا، وحيث يعلق بصيغة التمريض يكون فيه علة؛ لأنه علقه بالجزم هنا ثُمَّ أخرج طرفًا من متنه في كتاب التوحيد (٥) بصيغة التمريض، فَقَالَ: "ويُذكر عن جابر، عن عبد الله بن أُنَيْس قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يقول: "يحشر الله العباد فيناديهم بصوت. ." الحديث.
стр. 500
وهذه الدعوى مردودة، والقاعدة -بحمد الله- غير منتقضة، ونظر البُخَاريّ أدق من [أن] (١) يعترض عليه بمثل هذا، فإنه حيث ذكر الارتحال فقط جزم به؛ لأن الإسناد حسن وقد اعتضد، وحيث ذكر طرفًا من المتن لَم يجزم به؛ لأن لفظ الصوت مما يتوقف في إطلاق نسبته إلَى الرب، ويحتاج إلَى تأويل، فلا يكفي فيه مجيء الحديث من طريق مختلف فيها ولو اعتضدت، ومن هُنَا يظهر شفوف علمه، ودقة نظره، وحسن تصرفه -رَحِمَهُ الله تَعَالَى- (٢).
стр. 501
ووهم ابن بطّال فزعم أن الحديث الَّذِي رحل فيه جابر إلَى عبد الله بن أُنَيْس هو
стр. 502
حديث الستر على المسلم، وهو انتقال من حديث إلَى حديث (١)، فإن الراحل في حديث الستر هو أبو أيوب الأنصاري رحل فيه إلَى عقبة بن عامر الجُهَني (٢).
وقد وقع ذَلِكَ لغير هؤلاء، فروى أبو داود من طريق عبد الله بن بُريدة أن رجلًا من الصحابة رحل إلَى فضالة بن عُبيد وهو بمصر في حديث (٣)، وروى الخطيب عن عُبَيد الله بن عَدي قَالَ: "بلغني حديث عند علي خفت إن مات ألَّا أجده عند غيره، فرحلت حَتَّى قدمت عليه العراق" (٤)، وتتبع ذَلِكَ يكثر.
وفيه دليل عَلى طلب علو الإسناد، وفيه ما كَانَ عليه الصحابة من الحرص عَلى تحصيل السنن.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا خالد بن خَلِيٍّ) هو بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام الخفيفة بعدها ياء تحتانية مشددة كما تقدم في المقدمة، وإنَّما أعدته لأنه وقع عند الزركشي مضبوطًا بلام مشددة وهو سبق قلم أو خطأ من الناسخ (٥).
قَوْلُهُ: (قَالَ الأوزاعي) في رواية الأصيلي: "حَدَّثَنَا الأوزاعي".
قَوْلُهُ: (أنه تمارى هو والحُرّ) سقطت "هو" من رواية ابن عساكر، فعطف عَلى المرفوع المتصل بجر تأكيد ولا فصل، وهو جائز عند البعض، وقد تقدمت مباحث هذا الحديث قبلُ ببابين، وليس بين الروايتين اختلاف إلا فيما لا يغير المعنى وهو قليل.
стр. 503
٢٠ - باب: فَضْلِ مَنْ عَلِمَ وَعَلَّمَ
٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا إِخَاذَاتٌ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ في دِينِ الله وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى الله الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: قَالَ إِسْحَاقُ: وَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَيَّلَتِ الْماءَ. قَاعٌ يَعْلُوهُ الْماءُ، وَالصَّفْصَفُ الْمُسْتَوِي مِنَ الأَرْضِ.
قَوْلُهُ: (باب فضل من عَلِم وعَلّم) الأُولَى بكسر اللام الخفيفة، أي: صار عالِمًا، والثانية: بفتحها وتشديدها.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن العلاء) هو أبو كُريب، مشهور بكنيته أكثر من اسمه، وكذا شيخه أبو أسامة.
و"بُريد" بضم الموحدة.
و"أبو بُردة" جده: وهو ابن أبي موسى الأشعري.
وَقَالَ في السياق: "عن أبي موسى"، ولَم يقل: "عن أبيه" تفننّا، والإسناد كله كوفيون.
قَوْلُهُ: (مثل) بفتح المثلثة، والمراد به: الصفة العجيبة لا القول السائر.
قَوْلُهُ: (الهدى) أي: الدلالة الموصلة إلَى المطلوب، والعلم المراد به معرفة الأدلة الشرعية.
стр. 504
قَوْلُهُ: (نقية) كذا عند البُخَاريّ في جَميع الروايات الَّتِي رأيناها بالنون من النقاء، وهي صفة لِمحذوف، ولكن وقع عند الخَطَّابي والْحُميدي، وفِي حاشية أصل أبي ذر "ثَغِبَة" بمثلثة مفتوحة وغين معجمة مكسورة بعدها موحدة خفيفة مفتوحة، قَالَ الخَطَّابي: هِيَ مستنقع الماء في الجبال والصخور.
قَالَ القاضي عياض: هذا غلط في الرواية وإحالة للمعنى؛ لأن هذا وصف الطائفة الأُولَى [الَّتِي] (١) تنبت، وما ذكره يصلح وصفًا للثانية الَّتِي تمسك الماء، قَالَ: وما ضبطناه في البُخَاريّ من جَميع الطرق إلا: "نقية" بفتح النون وكسر القاف وتشديد الياء التحتانية، وهو مثل قَوْله في مُسْلِم: "طائفة طيبة" (٢).
قُلْت: وهو في جَميع ما وقفت عليه من المسانيد والمستخرجات كما عند مُسْلِم.
قَوْلُهُ: (قبلت) بفتح القاف وكسر الموحدة من القبول، كذا في معظم الروايات، ووقع عند الأصيلي: "قيلت" بالتحتانية المشددة [١٣٨ / أ] وهو تصحيف كما سنذكره بعد.
قَوْلُهُ: (الكلأ) بالهمز بلا مد.
قَوْلُهُ: (والعشب) هو من ذكر الخاص بعد العام؛ لأن الكلأ يُطلق عَلى النبت الرطب واليابس معًا، والعشب للرطب فقط.
قَوْلُهُ: (إخاذات) كذا في رواية أبي ذر -بكسر الهمزة والخاء والذال المعجمتين، وآخره مثناة من فوق قبلها ألف-، جمع إخاذة: وهي الأرض الَّتِي تمسك الماء.
وفِي رواية غير أبي ذر وكذا في مُسْلِم وغيره: "أجادب" بالجيم والدال المهملة بعدها موحدة، جمع جَدَب بفتح الدال المهملة عَلى غير قياس: وهي الأرض الصلبة الَّتِي لا ينضبُ منها الماء.
стр. 505
وضبطه المازِري بالذال المعجمة ووَهَّمه القاضي.
ورواها الإسماعيلي عن أبي يعلى، عن أبي كُريب: "أحارب" بحاء وراء مهملتين، قَالَ الإسماعيلي: لَم يضبطه أبو يعلى، وَقَالَ الخطابي: ليست هذه الرواية بشيء.
قَالَ بعضهم: "أجارد" بجيم وراء ثُمَّ دال مهملة، جمع جرداء: وهي البارزة الَّتِي لا تنبت، قَالَ الخَطَّابي: هو صحيح المعنى إن ساعدته الرواية. وأغرب صاحب المطالع فجعل الجميع روايات، وليس في الصحيحين إلا روايتين فقط.
قوْلُهُ: (فنفع الله بِها) أي: بالإخاذات، وللأصيلي: "به"، أي: بالماء.
قَوْلُهُ: (وزرعوا) كذا له بزيادة زاي من الزرع، ووافقه أبو يعلى (١)، ويعقوب بن الأخرم وغيرهما (٢)، عن أبي كُريب، ولِمسلم والنسائي (٣) وغيرهما عن أبي كُريب: "ورعوا" بغير زاي من الرعي.
قَالَ النووي: كلاهُمَا صحيح، ورجح القاضي رواية مُسْلِم بلا مرجح؛ لأن رواية: "زرعوا" تدل عَلى مباشرة الزرع ليطابق في التمثيل مباشرة طلب العلم، وإن كانت رواية: "رعوا" مطابقة لقوله: "أنبتت"، لكن المراد أنها قابلة للإنبات.
وقيل: إنه روي "ووعوا" بواوين، ولا أصل لذلك.
وَقَالَ القاضي: قَوْلُهُ: "ورعوا" راجع للأولى؛ لأن الثّانِيَة لم يحصل منها نبات، انتهى.
ويُمكن أن يرجع إلى الثَّانِيَة أيضًا بمعنى أن الماء الَّذِي استقر بِها سُقِيت منه أرض أخرى فأنبتت.
قَوْلُهُ: (وأصاب) أي: الماء، وللأصيلي وكريمة: "أصابت"، أي: طائفة أخرى، ووقع كذلك صريحًا عند النَّسَائي، والمراد بالطائفة: القطعة.
стр. 506
قَوْلُهُ: (قيعان) [١٣٨ / ب] بكسر القاف، جمع قاع، وهو: الأرض المستوية الملساء الَّتِي لا تنبت.
قَوْلُهُ: (فقه) بضم القاف، أي: صار فقيهًا، وَقَالَ ابن التين: رويناه بكسرها، والضم أشبه.
قَالَ القرطبي وغيره: ضرب النَّبِيَّ ﷺ لما جاء به من الدين مثلًا بالغيث العام الَّذِي يأتي الناس في حال حاجتهم إليه، وكذا كَانَ حال الناس قبل مبعثه، فكما أن الغيث يُحيي البلد الميت فكذا علوم الدين تُحيي القلب الميت، ثُمَّ شبه السامعين له بالأرض المختلفة الَّتِي ينزل بِها الغيث.
فمنهم: العالم العامل المعلم، فهو بمنزلة الأرض الطيبة شربت فانتفعت في نفسها وأنبتت فنفعت غيرها.
ومنهم: الجامع للعلم استغرق لزمانه فيه غير أنه لَم يعمل بنوافله، أو لَم يتفقه فيما جمع لكنه أَدَّاه لغيره، فهو بمنزلة الأرض الَّتِي يستقر فيها الماء فينتفع الناس به، وهو المشار إليه بقوله: "نضر الله امرأً سمع مقالتي فأداها كما سمعها" (١).
ومنهم: من يسمع العلم فلا يحفظه ولا يعمل به ولا ينقله لغيره، فهو بمنزلة الأرض الملساء الَّتِي لا تقبل الماء وتفسده عَلى غيرها.
وإنَّما جمع في المثل بين الطائفتين الأوليين المحمودتين لاشتراكهما في الانتفاع بهما، وأفرد الطائفة الثالثة المذمومة لعدم النفع بِها، والله أعلم.
* ثُمَّ ظهر لي أن في كل مثل طائفتين:
فالأول: قد أوضحناه.
والثاني: الأُولَى منه: من دخل في الدين ولَم يسمع العلم، أو سمعه فلم يعمل به ولَم يُعَلِّمه، ومثلها من الأرض السباخ، وأشير إليها بقوله ﷺ : "من لَم يرفع بذلك رأسًا"، أي: أعرض عنه، فلم ينتفع به ولا نفع.
стр. 507
والثانية منه: من لَم يدخل في الدين أصلًا، بل بلغه فكفر به، ومثالها من الأرض الصماء الملساء المستوية الَّتِي يمر عليها الماء فلا تنتفع به، وأشير [إليها] (١) بقوله ﷺ : "ولَم يقبل هدى الله الَّذِي جئتُ به".
وَقَالَ الطيبي: بقي من أقسام الناس قسمان:
أحدهما: الَّذِي انتفع بالعلم في نفسه ولَم يعلِّمه غيره.
والثاني: من لَم ينتفع به في نفسه وعلَّمه غيره.
قُلْت: والأول داخل في الأول؛ لأن النفع حصل في الجملة وإن تفاوتت مراتبه، وكذلك ما تنبته الأرض، فمنه: ما [١٣٩ / أ] ينتفع الناس به، ومنه ما يصير هشيمًا.
وأما الثاني: فإن كَانَ عَمِل الفرائضَ وأَهْمَل النوافلَ فقد دخل في الثاني كما قررناه، وإن كَانَ تَرَك الفرائضَ أيضًا فهذا فاسق لا يَجوز الأخذ عنه، ولعله يدخل في عموم: "من لَم يرفع بذلك رأسًا"، والله أعلم.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ إسحاق: وَكَانَ منها طائفة قيّلت) أي: بتشديد الياء التحتانية، أي: أن إسحاق -وهو ابن رَاهويه- حيث روى هذا الحديث عن أبي أسامة خالف في هذا الحرف.
قَالَ الأصيلي: هو تصحيف من إسحاق، وَقَالَ غيره: بل هو صواب ومعناه: شربت، والقيل: شرب نصف النهار، يقال: قيلت الإبل، أي: شربت في القائلة.
وتعقبه القرطبي بأن المقصود لا يختص بشرب القائلة، وأجيب بأن يكون هذا أصله لا يمنع استعماله عَلى الإطلاق تَجوزًا.
وَقَالَ ابن دُرَيد: يقيل الماء في المكان المنخفض إِذَا اجتمع فيه.
وتعقبه القرطبي أيضًا بأنه يفسد التمثيل؛ لأن اجتماع الماء إنما هو مثال الطائفة الثَّانِيَة، والكلام هنا إنما هو في الأُولَى الَّتِي شربت وأنبتت، قَالَ: والأظهر أنه تصحيف.
стр. 508
قَوْلُهُ: (قاع يعلوه الماء والصفصف المستوي من الأرض) هذا ثابت عند المستملي، وأراد به: أن قيعان المذكورة في الحديث جَمع قاع، وأنه الأرض الَّتِي يعلوها الماء ولا يستقر فيها، وإنَّما ذكر الصفصف معه جريًا عَلى عادته في الاعتناء بتفسير ما يقع في الحديث من الألفاظ الواقعة في القرآن وقد يستطرد، ووقع في بعض النسخ: "المصطف" بدل: "الصفصف"، وهو تصحيف.
стр. 509
٢١ - باب: رَفْعِ الْعِلْمِ وَظُهُورِ الْجَهْلِ، وَقَالَ رَبِيعَةُ: لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يُضَيِّعَ نَفْسَهُ
٨٠ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَثْبُتَ الْجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا".
قَوْلُهُ: (باب رفع العلم) مقصود الباب: الحث عَلى تعلُّم العلم، فإنه لا يُرفع إلا بقبض العلماء كما سيأتي صريحًا، ومادام من يتعلم العلم موجودًا لا يحصل الرفع، وقد تبين في حديث الباب أن رفعه من علامات الساعة.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ربيعة) هو ابن أبي عبد الرحمن الفقيه المدني المعروف بربيعة الرأي بإسكان الهمزة، قيل له ذَلِكَ لكثرة اشتغاله بالإجتهاد، ومراد ربيعة: أن من كَانَ فيه فهم وقابلية للعلم لا ينبغي له أن يهمل نفسه فيترك الاشتغال لئلا يؤدي ذَلِكَ إلَى رفع العلم، أو مراده: الحث عَلى نشر العلم في أهله [١٣٩ / ب] لئلا يموت العالم قبل ذَلِكَ فيؤدي إلَى رفع العلم، أو مراده: أن يُشْهِر العالم نفسه ويتصدى للأخذ عنه لئلا يضيع علمه.
وقيل: مراده تعظيم العلم وتوقيره، فلا يهين نفسه بأن يجعله غرضًا للدنيا.
وهذا معنى حسن، لكن اللائق بتبويب المصنف ما تقدم.
وقد وصل أثر ربيعة المذكور الخطيب في الجامع (١)، والبيهقي في المدخل من طريق عبد العزيز الأُوَيْسي عن مالك عن ربيعة.
قَوْلُهُ: (عبد الوارث) هو ابن سعيد، عن أبي التَّياح بمثناة مفتوحة فوقانية بعدها تحتانية ثقيلة وآخره حاء مهملة كما تقدم.
стр. 510
قَوْلُهُ: (عن أنس) زاد الأصيلي وأبو ذر: "ابن مالك"، وللنسائي: "حَدَّثَنَا أنس" (١)، ورجال هذا الإسناد كلهم بصريون، وكذا الَّذِي بعده.
قَوْلُهُ: (أشراط الساعة) أي: علاماتها كما تقدم في الإيمان.
قَوْلُهُ: (أن يرفع العلم) هو في محل نصب؛ لأنه اسم أن، وسقطت "أن" من رواية النّسَائي (٢)، حيث أخرجه عن عمران شيخ البُخَاريّ، فعلى روايته يكون مرفوع المحل، والمراد برفعه: موت حملته كما تقدم.
قَوْلُهُ: (ويثبت) هو بفتح أوله وسكون المثلثة وضم الموحدة وفتح المثناة، وفِي رواية لمسلم: "ويُبَث" (٣) بضم أوله وفتح الموحدة بعدها مثلثة، أي: ينتشر، وغفل الكرماني فعزاها للبخاري، وإنّما حكاها النووي في الشرح لمسلم.
قَالَ الكرماني في رواية: "وينبت" بالنون بدل المثلثة من النبات.
قُلْت: وليست هذه في شيء من الصحيحين (٤).
قوْلُهُ: (وتُشْرب الخمر) هو بضم المثناة أوله وفتح الموحدة عَلى العطف، والمراد: كثرة ذَلِكَ واشتهاره، وعند المصنف في النكاح من طريق هشام، عن قتادة: "ويكثر شرب الخمر" (٥)، أو العلامة مَجموع ما ذُكر.
قَوْلُهُ: (ويظهر الزنا) أي: يفشو، كما في رواية لمسلم.
стр. 511
٨١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: لأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لَا يُحَدِّثُكُمْ أَحَدٌ بَعْدِي، سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُوُل: "مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَقِلَّ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا، وَتَكْثُرَ النِّسَاءُ وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَة الْقَيِّمُ الْوَاحِدُ".
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَحيى) هو ابن سعيد القَطَّان.
قَوْلُهُ: (عن أنس) زاد الأصيلي: "ابن مالك".
قَوْلُهُ: (لأحدثنكم) بفتح اللام، وهو جواب قسم لمحذوف؛ أي: والله لأحدثنكم، وصرح به أبو عوانة من طريق هشام عن قتادة، ولمسلم من رواية غُنْدر عن شُعبة: "ألا أحدثكم"، ويحتمل أن يكون قَالَ لهم أولًا: ألا أحدثكم [١٤٠ / أ] فقالوا: نعم، فَقَالَ: لأحدثنكم.
قَوْلُهُ: (لا يُحدثكم أحد بعدي) كذا له، ولمسلم (١) بحذف المفعول، ولابن ماجه (٢) من رواية غُنْدر عن شُعبة: "لا يحدثكم به أحد بعدي"، وللمصنف (٣) من طريق هشام: "لا يحدثكم به غيري"، ولأبي عوانة من هذا الوجه: "لا يحدثكم أحد سمعه من رسول الله ﷺ بعدي".
وعرف أنس أنه لَم يبق أحد سمعه من رسول الله ﷺ غيره؛ ولأنه كَانَ آخر من مات بالبصرة من الصحابة، فلعل الخطاب بذلك كَانَ لأهل البصرة، أو كَانَ عامًّا، وَكَانَ تحديثه بذلك في آخر عمره؛ لأنه لَم يبق بعده من الصحابة من ثبت سماعه من النَّبِيّ ﷺ إلا النادر ممن لَم يكن هذا المتن في مرويه.
стр. 512
وَقَالَ ابن بَطال: يحتمل أنه قَالَ ذَلِكَ لما رأى من التغير ونقص العلم، يعني: فاقتضى ذَلِكَ عنده لفساد الحال لا يحدثهم أحد بالحق، قُلْت: والأول أولَى.
قَوْلُهُ: (سمعت) هو بيان، أو بدل لقوله: "لأحدثنكم".
قَوْلُهُ: (أن يقل العلم) هو بكسر القاف من القلة، وفِي رواية مُسْلِم (١)، عن غُنْدر وغيره عن شُعبة: "أن يرفع العلم"، وكذا في رواية سعيد عند ابن أبي شيبة (٢)، وهَمَّام عند المصنف في الحدود (٣)، وهشام عنده في النكاح (٤)، كلهم عن قتادة، وهو موافق لرواية أبي التَّيَّاح.
وللمصنف أيضًا في الأشربة (٥) من طريق هشام: "أن يقل"، فيحتمل أن يكون المراد بقلته أول العلامة، وبرفعه آخرها، أو أطلقت القلة وأريد بِها العدم، كما يطلق العدم ويراد به القلة، وهذا أليق لاتحاد المخرج.
قَوْلُهُ: (وتكثر النساء) قيل: سببه أن الفتن تكثر فيكثر القتل في الرجال؛ لأنهم أهل الحرب دون النساء، وَقَالَ أبو عبد الملك: هو إشارة إلَى كثرة الفتوح فتكثر السبايا فيتخذ الرجل الواحد عدة موطوءات.
قُلْت: وفيه نظر؛ لأنه صرح بالعلة في حديث أبي موسى الآتي في الزكاة عند المصنف فَقَالَ: "من قلة الرجال وكثرة النساء" (٦).
والظاهر: أنها علامة محضة لا لسبب آخر، بل يُقَدِّر الله في آخر الزمان أن يقل من
стр. 513
يولد من الذكور ويكثر من يولد من الإناث، وكون كثرة النساء من العلامات مناسب لظهور الجهل ورفع العلم.
وقوله: (لخمسين) يحتمل أن يراد به حقيقة هذا العدد، أو يكون مَجازًا عن الكثرة، ويؤيده أن في حديث أبي موسى: "وترى الرجل الواحد تتبعه أربعون امرأة" (١).
قَوْلهُ: (القيم) أي: من يقوم بأمرهن، واللام للعهد إشعارًا بما هو معهود من كون الرجال قوامين عَلى النساء.
وكأن هذه الأمور الخمسة خُصت بالذكر لكونها مشعرة باختلال الأمور الَّتِي يحصل بحفظها صلاح المعاش والمعاد: وهي: الدين؛ لأن رفع العلم يخل به، والعقل؛ لأن شرب الخمر يخل به، والنسب؛ لأن الزنا يخل به، والنفس والمال؛ لأن كثرة الفتن تخل بِهما.
قَالَ الكرماني: وإنَّما كَانَ اختلال هذه الأمور مؤذنًا بخراب العالم؛ لأن الخلق لا يُتركون هَملًا، ولا نبي بعد نبينا، فيتعين ذَلِكَ.
وَقَالَ القرطبي: في هذا الحديث عَلَمٌ من أعلام النبوة؛ إذ أخبر عن أمور ستقع فوقعت خصوصًا في هذه الأزمان، والله المستعان.
стр. 514
٢٢ - باب: فَضْلِ الْعِلْمِ
٨٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ حَتَّى إِنِّي لأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ في أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ". قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ الله، قَالَ: "الْعِلْمَ".
قَوْلُهُ: (باب فضل العلم) الفضل هنا بمعنى الزيادة، أي: ما فضل عنه، والفضل الَّذِي تقدم في أول كتاب العلم بمعنى الفضيلة، فلا تظن أنه كرره.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سعيد بن عفير) هو سعيد بن كثير بن عُفير المصري، نسب إلَى جده كما تقدم، وعُفير بضم المهملة بعدها فاء كما تقدم أيضًا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الليث) هو ابن سعد.
(عن عُقيل) وللأصيلي وكريمة: "حَدَّثَنِي الليث حَدَّثَنِي عقيل".
قَوْلُهُ: (عن حَمزة) وللمصنف في التعبير: "أَخْبَرَنِي حَمزة" (١).
قَوْلُهُ: (بينا) أصله "بين" فأشبعت الفتحة.
قَوْلُهُ: (أُتيت) بضم الهمزة.
قَوْلُهُ: (فشربت) أي من ذَلِكَ اللبن.
قَوْلُهُ: (لأَرى) -بفتح الهمزة- من الرؤية أو من العلم، واللام جواب قسم محذوف.
و(الري) بكسر الراء في الرواية، وحكى الجَوهري الفتح، وَقَالَ غيره: بالكسر الفعل، وبالفتح المصدر.
قَوْلُهُ: (يَخرج) أي: الري، وأطلق رؤيته إياه عَلى سبيل الاستعارة.
стр. 515
قَوْلُهُ: (في أظفاري) في رواية ابن عساكر: "من أظفاري" وهو أبلغ، وفِي التعبير: "من أطرافي" وهو بمعناه.
قَوْلُهُ: (قَالَ: العلم) هو بالنصب وبالرفع معًا في الرواية، وتوجيههما ظاهر.
وتفسير اللبن بالعلم لاشتراكهما في كثرة النفع بهما، وسيأتي بقية الكلام عليه في مناقب عمر، وفِي كتاب التعبير إن شاء الله تعالَى.
قَالَ ابن المنير: وجه الفضيلة للعلم في الحديث من جهة أنه عبر عن العلم بأنه فضلة النَّبِيّ ﷺ ونصيب مما آتاه الله، وناهيك بذلك. انتهى. وهذا قاله بناء عَلى أن المراد بالفضل الفضيلة، وغفل عن النكتة المتقدمة.
стр. 516
٢٣ - باب: الْفُتْيَا وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الدَّابَّةِ وَغَيْرِهَا
٨٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ الله، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ وَقَفَ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ. فَقَالَ: "اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ". فَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ. قَالَ: "ارْمِ وَلَا حَرَجَ". فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شَيء قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: افْعَلْ وَلَا حَرَجَ.
قَوْلُهُ: (باب الفتيا) هو بضم الفاء، وإن قُلْت: الفتوى؛ فتحتها.
قَوْلُهُ: (وهو) أي: المفتي، ومراده أن العالم يجيب سؤال الطالب ولو كَانَ راكبًا.
قَوْلُهُ: (عَلى الدابة) المراد بِها في اللغة: كل ما مشى عَلى الأرض، وفِي العرف: ما يُركب، وهو المراد بالترجمة، وبعض أهل العرف خصها بالحمار.
فإن قيل: ليس في سياق الحديث ذكر الركوب.
فالجواب: أنه أحال به عَلى الطريق الأخرى الَّتِي أوردها في الحج، فقَالَ: "كَانَ عَلى ناقته" (١).
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إسماعيل) هو ابن أبي أُوَيْس.
قَوْلُهُ: (حجة الوداع) هو بفتح الحاء، ويَجوز كسرها.
قَوْلُهُ: (للناس يسألونه) هو إما حال من فاعل وقف، أو من الناس، أو استئناف بيانًا لسبب الوقوف.
قَوْلُهُ: (فجاءه رجل) لَم أعرف اسم هذا السائل ولا الَّذِي بعده في قَوْلِهِ: (فجاء آخر)، والظاهر أن الصحابي لَم يسم أحدًا لكثرة من سأل إذ ذاك، وسيأتي بسط ذَلِكَ في الحج.
قَوْلُهُ: (ولا حرج) أي: لا شيء عليك مطلقًا من الإثم، لا في الترتيب ولا في ترك
стр. 517
الفِدْية، هذا ظاهره.
وَقَالَ بعض الفقهاء: المراد نفي الإثم فقط، وفيه نظر؛ لأن في بعض الروايات الصحيحة: "ولَم يأمر بكفارة"، وسيأتي مباحث ذَلِكَ في كتاب الحج إن شاء الله تعالَى، ورجال هذا الإسناد كلهم مدنيون.
стр. 518
٢٤ - باب: مَنْ أَجَابَ الْفُتْيَا بإِشَارَةِ الْيَدِ وَالرَّأْسِ
٨٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ في حَجَّتِهِ فَقَالَ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ فَقَالَ: وَلَا حَرَجَ. فَقَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ. فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ: وَلَا حَرَجَ.
قَوْلُهُ: (باب من أجابَ الفتيا بإشارة اليد والرأس) الإشارة باليد مستفادة من الحديثين المذكورين في الباب أولًا، وهُمَا مرفوعان. وبالرأس مستفادة من حديث أسماء فقط، وهو من فعل عائشة فيكون موقوفًا، لكن له حكم المرفوع؛ لأنها كانت تصلي خلف النَّبِيّ ﷺ ، وَكَانَ في الصلاة يرى من خلفه، فيدخل في التقرير.
قوْلُهُ: (وهيب) بالتصغير [١٤١ / ب] هو ابن خالد.
و(أيوب) هو السَّخْتياني.
و(عكرمة) هو مولى ابن عباس، والإسناد كله بصريون.
قَوْلُهُ: (سئل) هو بضم أوله.
(فَقَالَ) أي: السائل. (ذبحت قبل أن أرمي)، أي: فهل عليَّ شيء؟
قَوْلُهُ: (فأومأ بيده فَقَالَ: لا حرج) أي: عليك.
وَقَوْلُهُ: (فَقَالَ) يحتمل أن يكون بيانًا لقوله: "أومأ"، ويكون من إطلاق القول عَلى الفعل، كما في الحديث الَّذِي بعده: "فَقَالَ هكذا بيده"، ويحتمل أن يكون حالًا، والتقدير: فأومأ بيده قائلًا: لا حرج، فجمع بين الإشارة والنطق، والأول اللائق بترجمة المصنف.
قوْلُهُ: (وَقَالَ حلقت) يحتمل أن السائل هو الأول، ويحتمل أن يكون غيره ويكون التقدير: فَقَالَ سائل: كذا، وَقَالَ آخر: كذا، وهو الأظهر ليوافق الرواية الَّتِي قبلها حيث
стр. 519
قَالَ: "فجاء آخر".
قَوْلُهُ: (فأومأ بيده ولا حرج) كذا ثبتت الواو في قَوْلِهِ: "ولا حرج"، وليست عند أبي ذر في الجواب الأول.
قَالَ الكرماني: لأن الأول كَانَ في ابتداء الحكم، والثاني عطف عَلى المذكور أولًا، انتهى.
وقد ثبتت الواو في الأول أيضًا في رواية الأَصيلي وغيره.
стр. 520
٨٥ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ، عَنْ سَالِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يُقْبَضُ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرُ الْجَهْلُ وَالْفِتَنُ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ". قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، وَمَا الْهَرْجُ؟ فَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ، فَحَرَّفَهَا، كَأَنَّهُ يُرِيدُ الْقَتْلَ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا المكي) هو اسم وليس بنسب، وهو من كبار شيوخ البُخَاريّ كما سنذكره في "باب: إثم من كذب" (١).
قَوْلُهُ: (أنا حنظلة) هو ابن أبي سُفيان بن عبد الرحمن الجُمحي المدني.
قوْلُهُ: (عن سالِم) هو ابن عبد الله بن عُمر بن الخطاب، وفِي رواية الإسماعيلي من طريق إسحاق بن سُليمان الرازي عن حَنْظلة قَالَ: "سمعت سالِمًا"، وزاد فيه: "لا أدري كم رأيت أبا هريرة قائمًا في السوق يقول: يُقبض العلم" (٢). فذكره موقوفًا، لكن ظهر في آخره أنه مرفوع (٣).
قَوْلُهُ: (يُقبض العلم) يفسر المراد بقوله قبل هذا: "يُرفع العلم" (٤)، والقبضُ يفسره حديث عبد الله بن عمرو الآتي بعدُ: أنه يقع بموت العلماء (٥).
قَوْلُهُ: (ويظهر الجهل) هو من لازم ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (والفتن) في رواية الأصيلي وغيره: "وتظهر الفتن".
قوْلُهُ: (الْهَرج) هو بفتح الهاء وسكون الراء بعدها جيم.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ هكذا بيده) هو من إطلاق القول عَلى الفعل.
قَوْلُهُ: (فحرفها) [١٤٢ / أ] (٦) الفاء فيه تفسيرية، كأن الراوي بيَّن أن الإيماء كَانَ محرفًا.
стр. 521
قَوْلُهُ: (كأنه يريد القتل) كأن ذَلِكَ فُهم من تَحريف اليد وحركتها كالضارب، لكن هذه الزيادة لَم أرها في معظم الروايات، وكأنها من تفسير الراوي عن حنظلة، فإن أبا عوانة رَوَاهُ عن عباس الدُّوري، عن أبي عاصم، عن حنظلة، وَقَالَ في آخره: "وأرانا أبو عاصم كأنه يضرب عُنق الإنسان".
وَقَالَ الكرماني: الهرج هو الفتنة، فإرادة القتل من لفظه عَلى طريق التجوز، إذ هو لازم معنى الهرج، قَالَ: إلا أن يثبت ورود الهرج بمعنى القتل لغة.
قُلْت: وهي غفلة عما في البُخَاريّ في كتاب الفتن (١)، والهرج: القتل بلسان الحبشة، وسيأتي بقية مباحث هذا الحديث هناك إن شاء الله تعالَى.
стр. 522
٨٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ، قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ وَهِيَ تُصَلِّي فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ الله. قُلْتُ: آيَةٌ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا، أَيْ نَعَمْ، فَقُمْتُ حَتَّى عَلانِي الْغَشْيُ، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي الْمَاءَ، فَحَمِدَ الله النَّبِيُّ ﷺ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلَّا رَأَيْتُهُ في مَقَامِي حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ في قُبُورِكُمْ، مِثْلَ -أَوْ قَرِيبًا لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ- مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، يُقَالُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ -أَوِ الْمُوْقِنُ لَا أَدْرِي بِأيِّهِمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ- فَيَقُولُ: هو مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا، هو مُحَمَّدٌ. ثَلَاثًا، فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحًا، قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا بِهِ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ -أَوِ الْمُرْتَابُ لَا أَدْرِي أَيّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ- فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ".
قَوْلُهُ: (هشام) هو ابن عروة بن الزبير.
(عن فاطمة) هِيَ بنت المنذر بن الزبير، وهي زوجة هشام وبنت عمه.
قَوْلُهُ: (عن أسماء) هِيَ بنت أبي بكر الصديق زوج الزبير بن العوام، وهي جدة هشام وفاطمة جميعًا.
قَوْلُهُ (فقلت: ما شأن الناس) أي: لما رأيت من اضطرابهم.
قوْلُهُ: (فأشارت) أي: عائشة.
(إلَى السماء) أي: انكسفت الشمس.
قَوْلُهُ: (فإذا الناس قيام) كأنها التفتت من حجرة عائشة إلَى من في المسجد فوجدتهم قيامًا في صلاة الكسوف، ففيه إطلاق الناس عَلى البعض.
قَوْلُهُ: (فقالت: سبحان الله) أي: أشارت قائلة: سبحان الله.
قَوْلُهُ: (قُلْت آية) هو بالرفع خبر مبتدأ مَحذوف، أي: هذه آية، أي: علامة، ويَجوز
стр. 523
حذف هَمزة الاستفهام وإثباتها.
قَوْلُهُ: (فقمت) أي: في الصلاة.
قَوْلُهُ: (حَتَّى علاني) كذا للأكثر بالعين المهملة وتَخفيف اللام، وفِي رواية كَريمة: "تجلاني" بمثناة وجيم ولام مشددة، وجلال الشيء ما غطي به.
و(الغَشْي) بفتح الغين وإسكان الشين المعجمتين وتَخفيف الياء، وبكسر الشين وتشديد الياء أيضًا: هو طرف من الإغماء، والمراد به هنا الحالة القريبة منه، فأطلقته مَجازًا، ولِهذا قالت: "فجعلت أصب عَلى رأسي الماء"، أي: في تلك الحال ليذهب.
ووهم من قَالَ بأن صبها كَانَ بعد الإفاقة، وسيأتي تقرير ذلِكَ في كتاب الطهارة، ويأتي الكلام عَلى هذا الحديث أيضًا في صلاة الكسوف إن شاء الله تعالَى.
قَوْلُهُ: (أُريته) هو بضم الهمزة.
قَوْلُهُ: (حَتَّى الْجَنَّة والنَّار) رويناه بالحركات الثلاث فيهما.
قَوْلُهُ: (مثلَ أو قريبًا) كذا هو بترك التنوين في الأول وإثباته في الثاني، قَالَ ابن مالك: توجيهه أن أصله: مثل فتنة الدجال أو قريبًا من فتنة الدجال، فحذف ما أضيف إلى مثل وترك عَلى هيئته قبل الحذف، وجاز الحذف لدلالة ما بعده عليه، وهذا كقول الشاعر:
* بين ذراعي وجبهة الأسد *
تقديره: بين ذراعي الأسد وجبهة الأسد.
وقال الآخر:
أمام وخلف المرء من لطف ربه ... كوالئ تزوي عنه ما هو يحذر
وفِي رواية بترك التنوين في الثاني أيضًا، وتوجيهه أنه مضاف إلى فتنة أيضًا، وإظهار حرف الجر بين المضاف والمضاف إليه جائز عند قوم.
وقَوْلُهُ: (لا أدري أي ذَلِكَ قالت أسماء) جملة معترضة بَيَّن بِها الراوي أن الشك منه هل قالت له أسماء مثل أو قالت قريبًا، وستأتي مباحث هذا المتن في كتاب الجنائز إن شاء الله تعالَى.
стр. 524
* تنبيه:
وقع في نسخة الصغاني هنا: قَالَ ابن عباس: مرقدنا: مَخرجنا، وفِي ثبوت ذَلِكَ نظر؛ لأنه لَم يقع في الحديث لذلك ذكر وإن كَانَ قد يظهر له مناسبة، وقد ذكر ذَلِكَ في موضعه من سورة يس.
قَوْلُهُ: (وتعطوا) كذا وقع، وهو منصوب بتقدير "أن"، وساغ التقدير؛ لأن المعطوف عليه اسم، قاله الكرماني.
قُلْت: قد رَوَاة أَحْمَد عن غُندر فَقَالَ: "وأن تعطوا" (١). فكأن حذفها من شيخ البُخَاريّ.
قَوْلُهُ: (قَالَ شعبة: وربما قَالَ: النقير) أي: بالنون المفتوحة وتَخفيف القاف المكسورة.
(وربما قَالَ: المقير) أي: بالميم المضمومة وفتح القاف وتشديد الياء المفتوحة، وليس المراد أنه كَانَ يتردد في هاتين اللفظتين ليثبت إحداهُما دون الأخرى؛ لأنه يلزم من ذكر المقير التكرار لسبق ذكر المزفت لأنه بمعناه، بل المراد أنه كانَ جازمًا بذكر الثلاثة الأول شاكًّا في الرابع وهو النقير، فكان تارة يذكره وتارة لا يذكره، وَكَانَ أيضًا شاكًّا في التلفظ بالثالث فكان تارة يقول المزفت وتارة (٢) [١٤٣ / أ] يقول: المُقَيَّر. هذا توجيهه فلا يلتفت إلَى ما عداه.
وقد تقدمت مباحث هذا الحديث في أواخر كتاب الإيمان (٣)، وأخرجه المصنف هناك عاليًا عن علي بن الجَعْد، عن شُعْبة، ولم يتردد إلا في المُزَفَّت والمُقَيَّر فقط، وجزم بالنَّقِير، وهو يؤيد ما قُلْت، والله أعلم.
قَوْلُهُ: (وأَخبروه) هو بفتح الهمزة وكسر الباء، وللكُشْمَيهني: "وأخبروا" بحذف الضمير.
стр. 527
٢٦ - باب: الرِّحْلَةِ في الْمَسْأَلَةِ النَّازِلَةِ
٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الله بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً لأَبِي إِهَابِ بْنِ عَزِيزٍ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي تَزَوَّجَ بِهَا. فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي وَلَا أَخْبَرْتِنِي. فَرَكِبَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ بِالْمدِينهِ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟ ". فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ، وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ.
قَوْلُهُ: (باب الرحلة) هو بكسر الراء من الارتحال، وفِي روايتنا أيضًا بفتح الراء، أي: الواحدة، وأما بضمها فالمراد به الجهة، وقد يُطلق عَلى من يُرتحل إليه، وفِي رواية كَريمة: "وتعليم أهله" بعد قَوْله: "في المسألة النازلة"، والصواب حذفها؛ لأنها تأتي في باب آخر (١).
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا عبد الله) هو ابن المبارك.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي عبد الله بن أبي مُليكة) هو عبد الله بن عُبيد الله بن أبي مُلَيْكَة.
قَوْلُهُ: (عن عُقْبة بن الْحَارث) سيأتي تصريحه بالسماع من عقبة في كتاب النكاح (٢) خلافًا لمن أنكره، وسيأتي الخلاف في كنية عُقبة في قصة خُبَيْب بن عَدِي (٣).
قَوْلُهُ: (أنه تزوج ابنة) اسمها غَنِيَّة بفتح المعجمة وكسر النون بعدها تَحتانية مشددة، وكنيتها أم يحيى كما يأتي في الشهادات (٤)، وهجم الكرماني فَقَالَ: لا يُعرف اسمها.
стр. 528
و (أبو إِهَاب) -بكسر الهمزة- لا أعرف اسمه وهو مذكور في الصحابة.
و(عزيز) بفتح العين المهملة وكسر الزاي وآخره زاي أيضًا كما تقدم في المقدمة، ومن قَالَ بضم أوله فقد حَرَّف.
قَوْلُهُ: (فأتته امرأة) لَم أقف عَلى اسمها.
قَوْلُهُ: (ولا أخبرتني) بكسر المثناة، أي: قبل ذَلِكَ، كأنه اتهمها.
قَوْلُهُ: (فركب) أي من مكة لأنها كانت دار إقامته، والفرق بين هذه الترجمة وترجمة: "باب: الخروج في طلب العلم" أن هذا أخص وذاك أعم، وسيأتي مباحث هذا الحديث في كتاب الشهادات إن شاء الله تعالَى.
قَوْلُهُ: (ونكحت زوجًا غيره) اسم هذا الزوج [ظُرَيب] (١) بضم المعجمة المشالة وفتح الراء وآخره موحدة مصغرًا.
стр. 529
٢٧ - باب: التَّنَاوُبِ في الْعِلْمِ
٨٩ - حَدَّثنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. ح: قَالَ: أَبُو عَبْدِ الله، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ في بَني أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، وَهِي مِنْ عَوَالِي الْمدِينَةِ، وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ يَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الْوَحْي وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَنَزَلَ صَاحِبِي الأَنْصَارِيُّ يَوْمَ نَوْبَتِهِ، فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا. فَقَالَ: أَثَمَّ هو؟ فَفَزِعْتُ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ. قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَإِذَا هِيَ تَبْكِي، فَقُلْتُ: طَلَّقَكُنَّ رَسُولُ الله ﷺ قَالَتْ: لَا أَدْرِي. ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ . فَقُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ: أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قَالَ: "لَا". فَقُلْتُ: الله أَكْبَرُ.
قَوْلُهُ: (باب التناوب) هو بالنون وضم الواو من النَّوبة بفتح النون.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابن وهب) هذا [١٤٣ / ب] التعليق وصله ابن حبان في صحيحه (١)، عن ابن قُتيبة، عن [حَرملة] (٢) عنه بسنده، وليس في روايته قول عمر: "كنت أنا وجار لي من الأنصار نتناوب النزول" (٣)، وهو مقصود هذا الباب، وإنَّما وقع ذَلِكَ في رواية شُعيب وحده عن الزُّهري، نص عَلى ذَلِكَ الذُّهلي والدَّارقُطني والحاكم وغيرهم (٤).
стр. 530
وقد ساق المصنف الحديث في كتاب النكاح (١) عن أبي اليمان وحده أتم مِمّا هنا بكثير، وإنّما ذكر هنا رواية يونس بن يزيد ليوضح أن الحديث ليس كله من أفراد شُعيب.
قَوْلُهُ: (عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور) هو مكي نَوْفَلي، وقد اشترك معه في اسمه واسم أبيه، وفي الرواية عن ابن عباس، وفِي رواية الزُّهري عنهما عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود المدني الهُذَلي، لكن روايته عن ابن عباس كثيرة في الصحيحين، وليس لابن أبي ثور عن ابن عباس غير هذا الحديث الواحد.
قَوْلُهُ: (وجار لي) هذا الجار هو عِتْبان بن مالك، أفاده القَسْطلاني، لكن لَم يذكر دليله (٢).
قَوْلُهُ: (في بني أمية) أي: في ناحية بني أُمية، سُميت البقعة باسم من نزلها.
قَوْلُهُ: (أَثَمَّ هو) بفتح المثلثة.