← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132963

النكت على صحيح البخاري

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (606 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

قَوْلُهُ: (وتعطوا) كذا وقع، وهو منصوب بتقدير "أن"، وساغ التقدير؛ لأن المعطوف عليه اسم، قاله الكرماني. قُلْت: قد رَوَاة أَحْمَد عن غُندر فَقَالَ: "وأن تعطوا" (١). فكأن حذفها من شيخ البُخَاريّ. قَوْلُهُ: (قَالَ شعبة: وربما قَالَ: النقير) أي: بالنون المفتوحة وتَخفيف القاف المكسورة. (وربما قَالَ: المقير) أي: بالميم المضمومة وفتح القاف وتشديد الياء المفتوحة، وليس المراد أنه كَانَ يتردد في هاتين اللفظتين ليثبت إحداهُما دون الأخرى؛ لأنه يلزم من ذكر المقير التكرار لسبق ذكر المزفت لأنه بمعناه، بل المراد أنه كانَ جازمًا بذكر الثلاثة الأول شاكًّا في الرابع وهو النقير، فكان تارة يذكره وتارة لا يذكره، وَكَانَ أيضًا شاكًّا في التلفظ بالثالث فكان تارة يقول المزفت وتارة (٢) [١٤٣ / أ] يقول: المُقَيَّر. هذا توجيهه فلا يلتفت إلَى ما عداه. وقد تقدمت مباحث هذا الحديث في أواخر كتاب الإيمان (٣)، وأخرجه المصنف هناك عاليًا عن علي بن الجَعْد، عن شُعْبة، ولم يتردد إلا في المُزَفَّت والمُقَيَّر فقط، وجزم بالنَّقِير، وهو يؤيد ما قُلْت، والله أعلم. قَوْلُهُ: (وأَخبروه) هو بفتح الهمزة وكسر الباء، وللكُشْمَيهني: "وأخبروا" بحذف الضمير.

стр. 527

٢٦ - باب: الرِّحْلَةِ في الْمَسْأَلَةِ النَّازِلَةِ ٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الله بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً لأَبِي إِهَابِ بْنِ عَزِيزٍ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي تَزَوَّجَ بِهَا. فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي وَلَا أَخْبَرْتِنِي. فَرَكِبَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ بِالْمدِينهِ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟ ". فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ، وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ. قَوْلُهُ: (باب الرحلة) هو بكسر الراء من الارتحال، وفِي روايتنا أيضًا بفتح الراء، أي: الواحدة، وأما بضمها فالمراد به الجهة، وقد يُطلق عَلى من يُرتحل إليه، وفِي رواية كَريمة: "وتعليم أهله" بعد قَوْله: "في المسألة النازلة"، والصواب حذفها؛ لأنها تأتي في باب آخر (١). قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا عبد الله) هو ابن المبارك. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي عبد الله بن أبي مُليكة) هو عبد الله بن عُبيد الله بن أبي مُلَيْكَة. قَوْلُهُ: (عن عُقْبة بن الْحَارث) سيأتي تصريحه بالسماع من عقبة في كتاب النكاح (٢) خلافًا لمن أنكره، وسيأتي الخلاف في كنية عُقبة في قصة خُبَيْب بن عَدِي (٣). قَوْلُهُ: (أنه تزوج ابنة) اسمها غَنِيَّة بفتح المعجمة وكسر النون بعدها تَحتانية مشددة، وكنيتها أم يحيى كما يأتي في الشهادات (٤)، وهجم الكرماني فَقَالَ: لا يُعرف اسمها.

стр. 528

و (أبو إِهَاب) -بكسر الهمزة- لا أعرف اسمه وهو مذكور في الصحابة. و(عزيز) بفتح العين المهملة وكسر الزاي وآخره زاي أيضًا كما تقدم في المقدمة، ومن قَالَ بضم أوله فقد حَرَّف. قَوْلُهُ: (فأتته امرأة) لَم أقف عَلى اسمها. قَوْلُهُ: (ولا أخبرتني) بكسر المثناة، أي: قبل ذَلِكَ، كأنه اتهمها. قَوْلُهُ: (فركب) أي من مكة لأنها كانت دار إقامته، والفرق بين هذه الترجمة وترجمة: "باب: الخروج في طلب العلم" أن هذا أخص وذاك أعم، وسيأتي مباحث هذا الحديث في كتاب الشهادات إن شاء الله تعالَى. قَوْلُهُ: (ونكحت زوجًا غيره) اسم هذا الزوج [ظُرَيب] (١) بضم المعجمة المشالة وفتح الراء وآخره موحدة مصغرًا.

стр. 529

٢٧ - باب: التَّنَاوُبِ في الْعِلْمِ ٨٩ - حَدَّثنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. ح: قَالَ: أَبُو عَبْدِ الله، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ في بَني أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، وَهِي مِنْ عَوَالِي الْمدِينَةِ، وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ يَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الْوَحْي وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَنَزَلَ صَاحِبِي الأَنْصَارِيُّ يَوْمَ نَوْبَتِهِ، فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا. فَقَالَ: أَثَمَّ هو؟ فَفَزِعْتُ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ. قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَإِذَا هِيَ تَبْكِي، فَقُلْتُ: طَلَّقَكُنَّ رَسُولُ الله ﷺ قَالَتْ: لَا أَدْرِي. ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ . فَقُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ: أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قَالَ: "لَا". فَقُلْتُ: الله أَكْبَرُ. قَوْلُهُ: (باب التناوب) هو بالنون وضم الواو من النَّوبة بفتح النون. قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابن وهب) هذا [١٤٣ / ب] التعليق وصله ابن حبان في صحيحه (١)، عن ابن قُتيبة، عن [حَرملة] (٢) عنه بسنده، وليس في روايته قول عمر: "كنت أنا وجار لي من الأنصار نتناوب النزول" (٣)، وهو مقصود هذا الباب، وإنَّما وقع ذَلِكَ في رواية شُعيب وحده عن الزُّهري، نص عَلى ذَلِكَ الذُّهلي والدَّارقُطني والحاكم وغيرهم (٤).

стр. 530

وقد ساق المصنف الحديث في كتاب النكاح (١) عن أبي اليمان وحده أتم مِمّا هنا بكثير، وإنّما ذكر هنا رواية يونس بن يزيد ليوضح أن الحديث ليس كله من أفراد شُعيب. قَوْلُهُ: (عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور) هو مكي نَوْفَلي، وقد اشترك معه في اسمه واسم أبيه، وفي الرواية عن ابن عباس، وفِي رواية الزُّهري عنهما عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود المدني الهُذَلي، لكن روايته عن ابن عباس كثيرة في الصحيحين، وليس لابن أبي ثور عن ابن عباس غير هذا الحديث الواحد. قَوْلُهُ: (وجار لي) هذا الجار هو عِتْبان بن مالك، أفاده القَسْطلاني، لكن لَم يذكر دليله (٢). قَوْلُهُ: (في بني أمية) أي: في ناحية بني أُمية، سُميت البقعة باسم من نزلها. قَوْلُهُ: (أَثَمَّ هو) بفتح المثلثة.

стр. 531

قَوْلُهُ: (دخلت عَلى حفصة) ظاهر سياقه يوهم أنه من كلام الأنصاري، وإنّما الداخل عَلى حفصة عُمر، وللكُشْمَيْهَنِي: "فدخلتُ عَلى حفصة"، أي: قَالَ عمر: فدخلت عَلى حفصة، وإنَّما جاء هذا من الاختصار، وإلا ففي أصل الحديث بعد قَوْله: "أَمْرٌ عَظِيمٌ": "طَلَّقَ رسول الله ﷺ نساءه، قُلْت: قد كنت أظن أن هذا كائن حَتَّى إِذَا صليت الصبح شددت عليَّ ثيابي، ثُمَّ نزلت فدخلت عَلى حفصة" (١)، يعني: أم المؤمنين بنته. * وفِي هذا الحديث الاعتماد عَلى خبر الواحد، والعمل بمراسيل الصحابة. * وفيه أن الطالب لا يغفل عن النظر في أمر معاشه ليستعين عَلى طلب العلم وغيره، مع أخذه بالحزم بالسؤال عمَّا يفوته يوم غَيْبته، لما عُلم من حال عمر أنه كَانَ يتعانى التجارة إذ ذاك كما سيأتي في البيوع. * وفيه أن شرط التواتر أن [يكون] (٢) مستند نقلته الأمر المحسوس لا الإشاعة الَّتِي لا يُدرى من بدأ بِها، وسيأتي بقية الكلام عليه في النكاح إن شاء الله تعالَى.

стр. 532

٢٨ - باب: الْغَضَبِ في الْمَوْعِظَةِ وَالتَّعْلِيمِ إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ ٩٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله، لَا أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلَاةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلَانٌ، فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ في مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْ يَوْمِئِذٍ فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مُنَفِّرُونَ، فَمَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الحاجَةِ". قَوْلْهُ في: باب الغضب في الموعظة: (ثنا مُحَمَّد بن كثير) هو العَبْدي [١٤٤ / أ]، ولَم يخرج للصَّغاني شيئًا. قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي سُفيان) هو الثَّوري. عن (ابن أبي خالد) هو إسماعيل. قَوْلُهُ: (قَالَ رجل) قيل: هو حزم بن أبي كعب. قَوْلُهُ: (لا أكاد أدرك الصلاة) قَالَ القاضي عِياض: ظاهره مشكل؛ لأن التطويل يقتضي الإدراك لا عدمه، قَالَ: فكأن الألف زيدت بعد لا، وكأن: "أدرك" كانت "أترك". قُلْت: هو توجيه حسن لو ساعدته الرواية. وَقَالَ أبو الزناد بن سراج: معناه أنه كَانَ به ضعف، فكان إِذَا طول به الإمام في القيام لا يبلغ الركوع إلا وقد ازداد ضعفه، فلا يكاد يتم معه الصلاة. قُلْت: وهو معنى حسن، لكن رَوَاهُ المصنف عن الفِرْيابي، عن سُفْيَان بهذا الإسناد بلفظ: "إني لأتاخر عن الصلاة" (١). فعلى هذا فمراده بقوله: "إني لا أكاد أدرك الصلاة" أي: لا أقوم إلى الصلاة في الجماعة، بل أتأخر عنها أحيانًا لأجل التطويل، وسيأتي تحرير هذا في موضعه في الصلاة، ويأتي الخلاف في اسم الشاكي والمشكو.

стр. 533

قَوْلُهُ: (أشد غضبًا) قيل: إنَّما غضب لتقدم نهيه عن ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (وذا الحاجة) كذا للأكثر، وفِي رواية القَابِسي: "وذو الحاجة"، وتوجيهه: أنه عطف عَلى موضع اسم إن قبل دخولها، أو هو استئناف.

стр. 534

٩١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ الْمَدِينِيُّ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَزِيدَ، مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ عَنْ زيدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ: "اعْرِفْ وِكَاءَهَا -أَوْ قَالَ: وِعَاءَهَا- وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ اسْتَمْتِعْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ". قَالَ: فَضَالَّةُ الإِبِلِ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ -أَوْ قَالَ: احْمَرَّ وَجْهُهُ- فَقَالَ: "وَمَا لَكَ وَلهَا مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَرْعَى الشَّجَرَ، فَذَرْهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا". قَالَ: فضَالَّةُ الْغَنَمِ قال: "لَكَ أوْ لأَخِيكَ أوْ لِلذِّئْبِ". قَوْلُهُ: (سأله رجل) هو عُمير والد مالك (١) كما سيأتي في اللُّقطة (٢). قَولُهُ: (وِكَاءَهَا) هو بكسر الواو: هو ما يربط به. و(العِفَاص) بكسر العين المهملة وبالفاء والصاد المهملة: هو الوعاء بكسر الواو. قَولُهُ: (فغضب) إما لأنه كَانَ ينهى عن ذَلِكَ عن التقاطها، وإما لأن السائل قَصَّر في فهمه، فقاس ما يتعين التقاطه عَلى ما لا يتعين. قَوْلُهُ: (سِقاؤها) هو بكسر أوله، والمراد بذلك: أجوافها؛ لأنها تشرب فتكتفي به أيامًا. قَوْلُهُ: (وحِذاؤها) بكسر المهملة ثُمَّ ذال معجمة، والمراد هُنا: خُفُّها، وسيأتي مباحث الحديث في كتاب البيوع إن شاء الله تعالَى.

стр. 535

٩٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عنْ أَشْيَاءَ كَرِهَهَا، فَلَمَّا أُكْثِرَ عَلَيْهِ غَضِبَ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: "سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ؟ ". قَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: "أَبُوكَ حُذَافَةُ". فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ الله؟ فَقَالَ: "أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ". فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ مَا في وَجْهِهِ قَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّا نَتُوبُ إِلَى الله . قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن العلاء) تقدم هذا الإسناد في "باب فضل من عَلِم وعَلَّم" (١). قَوْلُهُ: (سئل النَّبِيَّ ﷺ عن أشياء) كَانَ منها السؤال عن الساعة وما أشبه ذَلِكَ من المسائل، كما سيأتي في حديث ابن عباس في تفسير المائدة (٢). قَوْلُهُ: (قَالَ رجل) هو عبد الله بن حُذَافة -بضم [١٤٤ / ب] المهملة وبالذال المعجمة والفاء- القرشي السَّهْمي، كما سَمَّاه في حديث أنس الآتي. قَوْلُهُ: (فقام آخر) هو سعد بن سالم مولى شَيْبَة بن ربيعة، سَمّاه ابن عبد البر في "التمهيد" ترجمة سُهيل بن أبي صالح منه، وأغفله في "الاستيعاب"، ولَم يظفر به أحد من الشارحين، ولا مِمَّن صنف في المبهمات، ولا في أسماء الصحابة، وهو صحابي بلا مِرْية، لقوله: "فَقَالَ: مَنْ أَبِي يَا رسول الله؟ ". قَوْلُهُ: (فلما رأى عُمر) هو ابن الخطاب. (ما في وجهه) أي: من الغضب. (قَالَ: يا رسول الله، إنا نتوب إلَى الله) أي: ممَّا يوجب غضبك.

стр. 536

وفِي حديث أنس الآتي بعدُ: أن عُمر برك عَلى ركبتيه فَقَالَ: "رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ نبيًّا"، والجمعُ بينهما ظاهر بأنه قَالَ جميع ذَلِكَ، فنقل كل من الصحابيين ما حفظ، ودل عَلى اتحاد المجلس اشتراكهما في نقل قصة عبد الله بن حُذَافة. * تنبيه: قَصَر المصنف الغضب عَلى الموعظة والتعليم دون الحكم؛ لأن الحاكم مأمور ألَّا يقضي وهو غضبان، والفرق: أن الواعظ من شأنه أن يكون في صورة الغضبان؛ لأن مقامه يقتضي تكلف الانزعاج؛ لأنه في صورة المنذر، وكذا المعلِّم إِذَا أنكر عَلى من يتعلم منه سوء فهم ونَحوه؛ لأنه قد يكون أدعى للقبول منه. وليس ذَلِكَ لازمًا في حق كل أحد بل يختلف باختلاف أحوال المتعلمين، وأما الحاكم فهو بخلاف ذَلِكَ كما يأتي في بابه. فإن قيل: فقد قضى ﵊ في حال غضبه حيث قَالَ: "أبوك فلان". فالجواب: أن يقال: أولًا: ليس هذا من باب الحكم، وَعَلى تقديره فيقال: هذا من خصوصياته لمحل العصمة، فاستوى غضبه ورضاه ومجرد غضبه من الشيء دالٌ عَلى تَحريمه أو كراهته بخلاف غيره ﷺ .

стр. 537

٢٩ - باب: مَنْ بَرَكَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ عِنْدَ الإِمَامِ أَوِ الْمُحَدِّثِ ٩٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ خَرَجَ، فَقَامَ عَبْدُ الله بْنُ حُذَافَةَ فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ: "أَبُوكَ حُذَافَةُ". ثُمَّ أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: "سَلُونِي". فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ: رَضِينَا بِالله رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا، فَسَكَتَ. قَوْلُهُ: (باب من برك) هو بفتح الموحدة والراء المخففة، يقال: برك البعير إِذَا اسْتَنَاخ، واستعمل في الآدمي مَجازًا. قَوْلُهُ: (خرج فقام عبد الله بن حُذافة) فيه حذف يظهر من الرواية الأخرى [١٤٥ / أ]، والتقدير: خرج فسئل فأكثروا عليه فغضب فَقَالَ: سلوني، فقام عبد الله. قَوْلُهُ: (فَقَالَ: رضينا بالله ربًا) قَالَ ابن بطَّال فهم عُمر منه أن تلك الأسئلة قد تكون عَلى سبيل التَّعَنُّت أو الشك، فخشي أن تنْزل العقوبة بسبب ذَلكَ، فَقَالَ: رضينا بالله ربًّا. . . إلَى آخره، فرضي النَّبِيّ ﷺ بذلك فسكت.

стр. 538

٣٠ - باب: مَنْ أَعَادَ الْحَدِيْثَ ثَلَاثًا لِيُفْهَمَ فَقَالَ: "ألَا وَقَوْلُ الزُّورِ". فَمَا زَالَ يُكَرِّرهَا. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "هَلْ بَلَّغْتُ؟ " ثَلَاثًا. قَوْلُهُ: (باب: من أعاد الحديث ثلاثًا ليُفهَم) هو بضم الياء وفتح الهاء، وفِي روايتنا أيضًا بكسر الهاء، لكن في رواية الأصيلي وكريمة: "ليُفهَم عنه"، وهو بفتح الهاء لا غير. قَوْلُهُ: (فَقَالَ: ألا وقول الزور) كذا في رواية أبي ذر، وفِي رواية غيره: "فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ "، وهو طرف معلق من حديث أبي بكرة المذكور في الشهادات (١)، وفِي الديات (٢) الَّذِي أوله: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثًا" فذكر الحديث، ففيه معنى الترجمة لكونه قَالَ لهم ذلك ثلاثًا. قَوْلُهُ: (فما زال يكررها) أي: في مجلسه ذَلِكَ، والضمير يعود عَلى الكلمة الأخيرة وهي: "قول الزور"، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالَى في مكانه. قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابن عمر) وهو طرف أيضًا من حديث مذكور عند المصنف في كتاب الحدود أوله: "قَالَ رسول الله ﷺ في حجة الوداع: "أي شهر هذا؟ " (٣). فذكر الحديث وفيه هذا القدر المعلق. وقوله (ثلَاثًا) متعلق بـ"قال" لا بقوله: "بلَّغت".

стр. 539

٩٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ الله، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ المُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ الله، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا (١). قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عبدة) هو ابن عبد الله الصَّفَّار، ولَم يَخرج البُخَاريّ عن عَبْدة بن عبد الرحيم المَروزي، وهو من طبقة عَبْدة الصَّفَّار، وفِي رواية الأصيلي: "حَدَّثَنَا عَبْدَة الصَّفَّار". قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عبد الصمد) هو ابن عبد الوارث بن سعيد يكنى أبا سهل. و(المثنى) والد عبد الله هو بضم الميم وفتح المثلثة وتشديد النون المفتوحة وهو ابن عبد الله بن أنس بن مالك، وثمامة عمه، ورجال هذا الإسناد كلهم بصريون. قَوْلُهُ: (عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه كَانَ) أي: من عادة النَّبِيّ ﷺ [والمراد أن أنسًا مخبر عما عرفه من شأن النَّبِيِّ ﷺ ] (٢) وشاهده، "إن النَّبِي ﷺ أخبره بذلك. ويؤيد ذَلِكَ أن [١٤٥ / ب] المصنف أخرجه في كتاب الاستئذان (٣) عن إسحاق -وهو ابن منصور-، عن عبد الصمد بهذا الإسناد إلَى أنس فَقالَ: "إنَّ النَّبِيّ ﷺ كَانَ". قَوْلُهُ: (كَانَ إِذَا تكلم) قَالَ الكِرْمَاني: مثل هذا التركيب يشعر بالاستمرار عند الأصوليين. قَوْلُهُ: (بكلمة) أي: بجملة مفيدة. قَوْلُهُ: (أعادها ثلاثًا) قد بَيَّن المراد بذلك في نفس الحديث بقوله: "حَتَّى تفهم

стр. 540

عنه"، وللترمذي والحاكم في المستدرك: "حَتَّى تُعقل عنه" (١). ووهم الحاكم في استدراكه وفِي دعواه أن البُخَاريّ لَم يخرجه. وَقَالَ الترمِذيّ: حسن صحيح غريب، إنَّما نعرفه من حديث عبد الله بن المُثَنَّى. انتهى. وعبد الله بن المُثَنَّى ممَّن تفرد البُخَاريّ بإخراج حديثه دون مُسْلِم، وقد وثقه العِجْلي والترمذي، وَقَالَ أبو زُرعة وأبو حاتم: صالح، وَقَالَ ابن أبي خَيْثَمة عن ابن مَعِين: ليس بشيء، وَقَالَ النَّسائي: ليس بالقوي. قُلْت: لعله أراد في بعض حديثه، وقد تقرر أن البُخَاريّ حيث يُخَرِّج لبعض من فيه مقال لا يُخَرِّجُ شيئًا ممَّا أنكر عليه. وقول ابن معين: ليس بشيء، أراد به في حديث بعينه سئل عنه، وقد قواه في رواية إسحاق بن منصور عنه. وفِي الجملة فالرجل إِذَا ثبتت عدالته لَم يقبل فيه الجرح إلَّا إِذَا كَانَ مفسَّرًا بأمر قادح، وذلك غير موجود في عبد الله بن المثنى هذا، وقد قَالَ ابن حِبَّان لما ذكره في "الثقات": ربما أخطأ. والذِي أنكر عليه إنّما هو من روايته عن غير عمه ثُمامة، وَالبُخَاريّ إنَّما أخرج له عن عمه هذا الحديث وغيره، ولاشك أن الرجل أضبط لحديث آل بيته من غيره. وَقَالَ ابن المنير: نبه البُخَاريّ بهذه الترجمة عَلى الرد عَلى من كره إعادة الحديث، وأنكر عَلى الطالب الاستعادة وعَدَّه من البلادة، قَالَ: والحق أن هذا يَختلف باختلاف القرائح، فلا عيب عَلى المستفيد الَّذِي لا يحفظ من مرة إِذَا استعاد، ولا عذر للمفيد إِذَا لَم يُعد، بل الإعادة عليه آكد من الابتداء؛ لأن الشروع ملزم. وَقَالَ ابن التين: فيه أن الثلاث غاية ما يقع به الإعذار والبيان.

стр. 541

قَوْلُهُ: (وَإِذَا أتى عَلى قوم) أي: وَكَانَ إذَا [١٤٦ / أ] أتى. . . . قَوْلُهُ: (فسلم عليهم) هو من تتمة الشرط. وقوله: (سلم عليهم) هو الجواب. قَالَ الإسماعيلي: يشبه أن يكون ذلِكَ كَانَ إِذَا سَلَّم سلام الاستئذان عَلى ما رَوَاهُ أبو موسى وغيره. وأما أن يمر المار مُسْلِّمًا فالمعروف عدم التكرار. قُلْت: وقد فهم المصنف هذا بعينه، فأورد هذا الحديث مقرونًا بحديث أبي موسى في قصته مع عمر كما سيأتي في الاستئذان (١)، لكن يحتمل أن يكون ذَلِك كَانَ يقع أيضًا منه إِذَا خشي ألَّا يُسمع سلامه، وما ادعاه الكرماني من أن الصيغة المذكورة تُفيد الاستمرار ممَّا ينازع فيه. والله أعلم.

стр. 542

٩٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: تخَلَّفَ رَسُولُ الله ﷺ في سَفَرٍ سَافَرْنَاهُ فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقْنَا الصَّلاةَ صَلاةَ الْعَصْرِ وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: "وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ". مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. قَوْلُهُ: في حديث عبد الله بن عمرو: (فأدركنا) هو بفتح الكاف. وقَوْلُهُ: (أرهقنا) بسكون القاف، وللأصيلي: "أرهقتنا". وقَوْلُهُ: (صلاة العصر) هو بدل من الصلاة، إن رفعًا فرفع، وإن نصبًا فنصب. قَوْلُهُ: (مرتين أو ثلاثا) هو شك من الراوي، ويدل عَلى [أن] (١) الثلاث ليست شرطًا، بل المراد التفهيم، فإذا حصل بدونها أجزأ، وسيأتي الكلام عَلى المتن في الطهارة إن شاء الله تعالَى.

стр. 543

٣١ - باب: تَعلِيمِ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَأَهْلَهُ ٩٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا الْمُحَارِبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: قَالَ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَني أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ثَلَاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ، وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، وَالْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ إِذَا أَدَّى حَقَّ الله وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ "يَطَؤُهَا" فَأَدَّبَهَا، فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فتزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ". ثُمَّ قَالَ عَامِرٌ: أَعْطَيْنَاكَهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، قَدْ كَانَ يُرْكَبُ فِيمَا دُونَهَا إِلَى الْمَدِينَةِ. قَوْلُه: (باب تعليم الرجل أمته وأهله) مطابقة الحديث للترجمة في الأمة بالنص، وفِي الأهل بالقياس؛ إذ الاعتناء بالأهل الحرائر في تعليم فرائض الله وسنن رسوله آكد من الاعتناء بالإماء. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن سَلَام) كذا في روايتنا من طريق أبي ذر، وفِي رواية كَريمة: "حَدَّثَنَا مُحَمَّد هو ابن سَلَام"، وللأصيلي: "حَدَّثَنَا مُحَمَّد" حسب، واعتمده المِزِّي في الأطراف فَقَالَ: "رَوَاهُ البُخَاريّ عن مُحَمَّد، قيل: هو ابن سلام" (١). قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا) في رواية كَريمة: "حَدَّثَنَا". (الْمُحَاربي) وهو عبد الرحمن بن مُحَمَّد بن زياد، وليس له عند البُخَاريّ سوى هذا الحديث وحديث آخر في العيدين (٢). قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا صالح بن حَيّان) هو صالح بن صالح بن مُسْلم بن حَيَّان، نسب إلَى جد أبيه، وهو بفتح المهملة وتشديد الياء التحتانية، ولقبه حَيٌّ، وهو أشهر به من اسمه، وكذا من

стр. 544

يُنسب إليه، يقال للواحد منهم غالبًا: فلان ابن حَيٍّ، كصالح بن حَيٍّ هذا، وهو ثقة مشهور. وفِي طبقته راوٍ آخر كوفي أيضًا يقالُ له: صالح بن حَيَّان القرشي، لكنه ضعيف [١٤٦ / ب]. وقد وهم من زعم أن البُخَاريّ أخرج له، فإنه إنّما أخرج لصالح بن حَيٍّ، وهذا الحديث معروف بروايته عن الشَّعبي دون القرشي. وقد أخرجه البُخَاريّ من حديثه من طرق، منها في الجهاد من طريق ابن عُيينة قَالَ: حَدَّثَنَا صالح بن حَيٍّ: سمعتُ الشَّعبي (١). وأصرح من ذَلِكَ أنَّه أخرج الحديث المذكور في كتاب "الأدب المفرد" بالإسناد الَّذِي أخرجه هنا فَقَالَ: "صالح بن حَيٍّ" (٢). قَوْلُهُ: (قَالَ عامر) أي: قَالَ صالح: قَالَ عامر، وعادتهم حذف "قَالَ" إذَا تكررت خطَّا لا نطقًا. قَوْلُهُ: (عن أبيه) هو أبو موسى الأشعري كما صرَّح به في العتق وغيره (٣). قَوْلُهُ: (ثلاثة لهم أجران) ثلاثة: مبتدأ، والتقدير: ثلاثة رجال، أو رجال ثلاثة، و (لَهم أجران): خبره. قَوْلُهُ: (رجل) هو بدل تفصيل، أو بدل كل بالنظر إلَى المجموع. قَوْلُهُ: (من أهل الكتاب) لفظ الكتاب عام ومعناه خاص، أي: المُنَزَّل من عند الله والمراد به التوراة والإنجيل كما تظاهرت به نصوص الكتاب والسنة حيث يطلق أهل الكتاب. وقيل: المراد به هنا الإنجيل خاصة إن قلنا إن النصرانية ناسخة لليهودية، كذا قرره

стр. 545

جَماعة، ولا يحتاج إلَى اشتراط النسخ، لأن عيسى كَانَ قد أرسل إلَى بني إسرائيل بلا خلاف فمن أجابه منهم نسب إليه، ومن كذبه منهم واستمر عَلى يهوديته لَم يكن مؤمنًا بنبيه. نعم؛ من دخل في اليهودية من غير بني إسرائيل، أو لَم يكن بحضرة عيسى فلم يبلغه دعوته، يصدق عليه أنَّه يهودي مؤمن؛ إذ هو مؤمن بنبيه موسى ولَم يكذب نبيًّا آخر بعده، فمن أدرك بعثة مُحَمَّد ﷺ ممن كَانَ بهذه المثابة وآمن به لا يشكل أنَّه يدخل في الخبر المذكور، ومن هذا القبيل العرب الَّذِينَ كانوا باليمن وغيرها مِمَّن دخل منهم في اليهودية ولَم تبلغهم دعوة عيسى لكونه أرسل إلَى بني إسرائيل خاصة. نعم؛ الإشكال في اليهود الَّذِينَ كانوا بحضرة النَّبِيّ ﷺ ، وقد ثبت أن الآية الموافقة لهذا الحديث وهي قَوْلُهُ تعالَى: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَونَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤]. نزلت في طائفة آمنوا منهم: كعبد الله بن سلام وغيره، ففي الطبراني من حديث رِفَاعة القُرظي قَالَ: نزلت هذه الآيات فيَّ وفيمن آمن معي (١). وروى الطبراني بإسناد صحيح عن عدي بن رفاعة القُرظي قَالَ: خرج عشرة من أهل الكتاب -منهم أبي رفاعة- إلَى النَّبِيّ ﷺ فآمنوا به فأوذوا فنزلت: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾ [القصص: ٥٢]. الآيات (٢)، فهؤلاء من بني إسرائيل ولَم يؤمنوا بعيسى، بل استمروا عَلى اليهودية إلَى أن آمنوا بمحمدٍ ﷺ ، وقد ثبت أنهم يؤتون أجرهم مرتين. قَالَ الطيبي: فيحتمل إجراء الحديث عَلى عمومه؛ إذ لا يبعد أن يكون طرآن الإيمان بمحمد ﷺ سببًا لقبول تلك الأديان وإن كانت منسوخة. انتهى، وسأذكر ما يؤيده بعدُ.

стр. 546

ويُمكن أن يقال في حق هؤلاء الَّذِينَ كانوا بالمدينة: إنهم لَم يبلغهم دعوة عيسى لأنها لَم تنشر في أكثر البلاد، فاستمروا عَلى يهوديتهم مؤمنين بنبيهم موسى إلَى أن جاء الإسلام فآمنوا بمحمد ﷺ ، فبهذا يرتفع الإشكال إن شاء الله. * فوائد: الأُولَى: وقع في شرح ابن التين وغيره أن الآية المذكورة نزلت في كعب الأحبار وعبد الله بن سلام، وهو صواب في عبد الله خطأ في كعب؛ لأن كعبًا ليست له صحبة، ولَم يسلم إلَّا في عهد عمر بن الخطاب، والَّذِي في تفسير الطبري وغيره عن قتادة أنها نزلت في عبد الله بن سلام وسَلْمَان الفارسي (١)، وهذا مستقيم؛ لأن عبد الله كَانَ يهوديًّا فأسلم كما سيأتي في الهجرة، وسَلْمان كَانَ نصرانيًا فأسلم كما سيأتي في البيوع، وهُما صحابيان مشهوران. الثّانِيَة: قَالَ القرطبي: الكتابيُّ الَّذِي يُضاعف أجره هو الَّذِي كَانَ عَلى الحق في شرعه عقدًا وفعلًا إلَى أن آمن بنبينا ﷺ ، فيؤجر عَلى اتباع الحق الأول والثاني. انتهى. ويشكل عليه أن النَّبِيَّ ﷺ كتب إلَى هرقل: "أسلم يؤتك الله أجرك مرتين" (٢). وهرقل كَانَ ممن دخل في النصرانية بعد التبديل، وقد قدمت بحث شيخ الإسلام (٣) في هذا في حديث أبي سُفْيَان في بدء الوحي. الثّالِثَة: قَالَ أبو عبد الملك البوني وغيره: إن الحديث لا يتناول اليهود ألبتة، وليس بمستقيم، كما قررناه. وَقَالَ الداودي [١٤٧ / ب] ومن تبعه: إنه يحتمل أن يتناول [جَميع] (٤) الأمم فيما فعلوه من خير كما في حديث حكيم بن حِزَام الآتي: "أسلمت عَلى ما أسلفت من خير" (٥).

стр. 547

وهو متعقب؛ لأن الحديث مُقَيَّد بأهل الكتاب فلا يتناول غيرهم إلَّا بقياس الخير عَلى الإيمان، وأيضا فالنكتة في قَوله: "آمن بنبيه" الإشعار بعلِّية الأجر، أي أن سبب الأجرين الإيمان بالنبيين، والكفار ليسوا كذلك. ويُمكن أن يُقال: الفرق بين أهل الكتاب وغيرهم من الكفار أن أهل الكتاب يعرفون مُحَمَّدًا ﷺ كما قَالَ الله تعالَى: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. فمن آمن به واتبعه منهم كَانَ له فضل عَلى غيره، وكذا من كذبه منهم كَانَ وزره أشد من وزر غيره. وقد ورد مثل ذَلِكَ في حق نساء النَّبِيِّ ﷺ لكون الوحي كَانَ ينزل في بيوتهن، فإن قيل: فلم لَم يذكرن في هذا الحديث فيكون العدد أربعة؟ أجابَ شيخنا شيخ الإسلام (١): بأن قضيتهن خاصة بهن مقصورة عليهن، والثلاثة المذكورة في الحديث مستمرة إلَى يوم القيامة، وهذا مصير من شيخنا إلى أن قضية مؤمن أهل الكتاب مستمرة. وقد ادعى الكرماني اختصاص ذَلِكَ بمن آمن في عهد البعثة، وعلل ذَلِكَ بأن نبيهم بعد البعثة إنما هو مُحَمَّد ﷺ باعتبار عموم بعثته. انتهى وقضيته أن ذلِكَ أيضًا لا يتم لمن كَانَ في عهد النَّبِّي ﷺ ، فإن خصه بمن لَم تبلغه الدعوة فلا فرق في ذَلِكَ بين عَهْده وَبعْده، فما قاله شيخنا أظهر. والمراد بنسبتهم إلَى غير نبينا ﷺ إنّما هو باعتبار ما كانوا عليه قبل ذَلِكَ، وأما ما قَوَّى به الكرماني دعواه بكون السياق مُختلفًا، حيث قيل في مؤمن أهل الكتاب: "رجل" بالتنكير، و"العبد" بالتعريف، وحيث زيدت فيه "إِذَا" الدالة عَلى معنى الاستقبال فأشعر ذلِكَ بأن الأجرين لمؤمن أهل الكتاب لا تقع في الاستقبال بخلاف العبد. انتهى. وهو غير مستقيم؛ لأنه مشى فيه مع ظاهر اللفظ، وليس متفقًا عليه بين الرواة، بل هو عند المصنف وغيره مُختلف، فقد عَبَّر في ترجمة عيسى: "بإذا" (٢) في الثلاثة، وعَبَّر

стр. 548

في النِّكَاح بقوله: "أَيما [١٤٨ /أ] رجل" (١) في المواضع الثلاثة، وهي صريحة في التعميم، وأما الاختلاف بالتعريف والتنكير فلا أثر له هنا؛ لأن المعرف بلام الجنس مؤداه مؤدى النكرة، والله أعلم. الرَّابعَة: حكم المرأة الكتابية حكم الرجل كما هو مُطَّرد في جُلِّ الأحكام، حيث يدخلن مع الرجال بالتبعية إلَّا ما خصه الدليل، وسيأتي مباحث العبد في العتق، ومباحث الأمة في النِّكَاح. قَوله: (فله أجران) هو تكرير لطول الكلام للاهتمام به. قَوله: (ثُمَّ قَالَ عامر) أي: الشَّعبي. (أعطيناكها) ظاهره أنَّه خاطب بذلك صالِحًا الراوي عنه، ولهذا جزم الكِرْمَاني بقوله: "الخطاب لصالح"، وليس كذلك، بل إنّما خاطب بذلك رجلًا من أهل خراسان سأله عمن يعتق أَمَته ثمَّ يتزوجها، كما سيذكر ذَلِكَ في ترجمة عيسى ﵇ من هذا الكتاب إن شاء الله تعالَى. قَوله: (بغير شيء) أي: من الأمور الدنيوية، وإلا فالأجر الأخروي حاصل له. قَوله: (يُركب فيما دونها) أي: يُرحل لأجل ما هو أهون منها، كما عنده في الجهاد (٢)، والضمير عائد عَلى المسألة. قَوله: (إلَى المدينة) أي: النبوية، وَكَانَ ذَلِكَ في زمن النَّبِيّ ﷺ والخلفاء الراشدين، ثُمَّ تفرق الصحابة في البلاد بعد فتوح الأمصار وسكنوها، فاكتفى أهل كل بلد بعلمائه؛ إلَّا مَن طلب التوسع في العلم فرحل، وقد تقدم حديث جابر في ذلك (٣). ولِهذا عبر الشَّعبي -مع كونه من كبار التابعين- بقوله: "كَانَ"، واستدلال ابن بطال وغيره من المالكية به عَلى تَخصيص العلم بالمدينة فيه نظر لما قررناه، وإنّما قَالَ الشعبي ذلِكَ تَحريضًا للسامع ليكون أدعى لحفظه وأجلب لحرصه، والله المستعان.

стр. 549

٣٢ - باب: عِظَةِ الإِمَامِ النِّسَاءَ وَتَعلِيمِهِنَّ ٩٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَباسٍ، قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ -أَوْ قَالَ عَطَاءٌ: أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ خَرَجَ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَظَنَّ أنَّهُ لمْ يُسْمِع النَّسَاءَ فَوَعَظَهُن، وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تلْقِي الْقُرْطَ وَالْخَاتَمَ، وَبِلَالٌ يَأْخُذُ في طَرَفِ ثَوْبِهِ. وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ: عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَطَاءٍ، وَقَالَ: عَنِ ابْنِ عَباسٍ أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ . قَوله: (باب عظة الإمام النساء) نبه بهذه الترجمة عَلى أن ما سبق من الندب إلَى تعليم الأهل ليس مختصًا بأهلهن، بل ذَلِكَ مندوب للإمام الأعظم ومن ينوب عنه، واستفيد الوعظ بالتصريح من قَوله: (وأمرهن بالصدقة) كأنه أعلمهن أن في الصدقة تكفيرًا لِخطاياهن. قَوله: (عن أيوب) هو السَّخْتياني. و(عطاء) هو ابن أبي رباح [١٤٨ / ب]. قَوله: (أو قَالَ عطاء أشهد) فمعناه أن الراوي تردد هل لفظ أشهد من قول ابن عباس أو من قول عطاء، وقد رَوَاهُ بالشَّكِّ أيضًا حَمَّاد بن زيد، عن أيوب، أخرجه أبو نُعيم في المستخرج (١)، وأخرجه أَحْمَد بن حنبل عن غُندر، عن شُعبة جازمًا بلفظ: "أشهد" (٢) عن كل منهما، وإنّما عبر بلفظ الشهادة تأكيدًا لتحققه، ووثوقًا بوقوعه. قَوله: (ومعه بلال) كذا للكُشْميهني، وسقطت الواو للباقي. قَوله: (القُرْط) هو بضم القاف وإسكان الراء بعدها طاء مهملة، أي: الحلقة الَّتِي تكون في شحمة الأذن، وسيأتي مزيد في هذا المتن في العيدين إن شاء الله.

стр. 550

قَوله: (وَقَالَ إسماعيل) هو المعروف بابن عُلَيَّة، وأراد بهذا التعليق أنَّه جزم عن أيوب بأن لفظ: "أشهد" من كلام ابن عباس فقط، وكذا جزم به أبو داود الطيالسي في "مسنده" (١). وكذا قَالَ وُهيب، عن أيوب، ذكره الإسماعيلي عطًا عَلى "حَدَّثَنَا شُعبة"، فيكون المراد: حَدَّثَنَا سليمان بن حرب، عن إسماعيل، فلا يكون تعليقًا، انتهى. وهو مردود، فإن سليمان بن حرب لا رواية له عن إسماعيل أصلًا لا لهذا الحديث ولا لغيره. وقد أخرجه المصنف في كتاب الزكاة موصولًا عن مُؤَمَّل بن هشام، عن إسماعيل (٢) كما سيأتي، وقد قلنا غير مرة: إن الاحتمالات العقلية لا مدخل لَها في الأمور النقلية، ولو استرسل فيها مسترسل لقال: يحتمل أن يكون إسماعيل هنا آخر غير ابن عُلَيَّة، وأن أيوب آخر غير السَّخْتياني، وهكذا في أكثر الرواة، فيخرج بذلك إلَى ما ليس بمرضي. وفِي هذا الحديث جواز المعاطاة في الصدقة، وصدقة المرأة من مالها بغير إذن زوجها، وأن الصدقة تَمحو كثيرًا من الذنوب الَّتِي تدخل النار.

стр. 551

٣٣ - باب: الْحِرْصِ عَلَى الْحَدِيثِ ٩٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الله، قَالَ: حَدَّثَني سُلَيْمَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُوُل الله ﷺ : "لَقَدْ ظنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْألَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ". قَوْلُهُ: (باب الْحرص عَلى الحديث) المراد بالحديث في عرف الشرع: ما يُضاف إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وكأنه أريد به مقابلة القرآن لأنه قديم. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عبد العزيز) هو أبو القاسم الأويسي. و(سليمان) هو ابن بلال. و(عمرو بن أبي عمرو) هو مَوْلَى المطلب بن عبد الله بن حَنْطَب، واسم أبي عمرو مَيْسَرة [١٤٩ / أ]، والإسناد كله مدنيون. قَوْلُهُ: (أنَّه قَالَ: قيل يا رسول الله) كذا لأبي ذر وكَريمة، وسقطت: "قيل" للباقين، وهو الصواب، ولعلها كانت: "قُلْت" فتصحفت، فقد أخرجه المصنف في الرقاق (١) كذلك، وللإسماعيلي: "أنَّه سأل"، ولأبي نعيم: "أن أبا هُرَيْرَةَ قَالَ: يا رسول الله". قَوْلُهُ: (أول منك) وقع في روايتنا برفع اللام ونصبها، فالرفع عَلى الصفة لأحد أو البدل منه، والنصب عَلى أنَّه مفعول ثان لظننت، قاله القاضي عياض، وَقَالَ أبو البَقَاء: عَلى الحال، ولا يضر كونه نكرة؛ لأنها في سياق النفي كقولهم: ما كَانَ أحد مثلك. و"ما" في قَوْلُهُ: "لما" موصولة، و"من" بيانية أو تبعيضية.

стр. 552

وفيه فضل أبي هُرَيْرَةَ، وفضل الحرص عَلى تحصيل العلم. قَوْلُهُ: (من قَالَ لا إله إلَّا الله) احترازٌ من الشرك، والمراد مع قول مُحَمَّد رسول الله، لكن قد يُكتفى بالجزء الأول من كلمتي الشهادة؛ لأنه صار شعارًا لمجموعهما كما تقدم في الإيمان. قَوْلُهُ: (خالصًا) احتراز من المنافق، ومعنى أفعل في قَوْلِهُ: "أسعَدُ" الفعل، لا لأنها أفعل التفضيل، أي: سعيد الناس، كقوله تعالَى: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ [الفرقان: ٢٤]. ويحتمل أن يكون أفعل التفضيل عَلى بابها، وأن كل أحد يحصل له سعد بشفاعته، لكن المؤمن المخلص أكثر سعادة بها، فإنه ﷺ يشفع في الخلق لإراحتهم من هول الموقف، ويشفع في بعض الكفار بتخفيف العذاب كما صح في حق أبي طالب، ويشفع في بعض المؤمنين بالخروج من النار بعد أن دخلوها، وفِي بعضهم بعدم دخولها بعد أن يستوجبوا دخولها، وفي بعضهم بدخول الجنّة بغير حساب، وفِي بعضهم برفعة الدرجات فيها، فظهر الاشتراك في السعادة بالشفاعة، وأن أسعدهم بها المؤمن المخلص، والله أعلم. قَوْلُهُ: (من قلبه، أو نفسه) شك من الراوي، وللمصنف في الرقاق: "خالصًا من قبل نفسه"، وذُكِرَ ذَلِكَ عَلى سبيل التأكيد كما في قَوْله تعالَى: ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وفِي الحديث دليل عَلى اشتراط النطق بكلمتي الشهادة لتعبيره بالقول في قَوْله: "من قَالَ".

стр. 553

٣٤ - باب: كَيْفَ يُقْبَضُ الْعِلْمُ . وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ بْنِ حَزْمٍ: انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ الله ﷺ فَاكْتُبهُ، فَإِّني خِفْتُ دُرُوسَ الْعِلْمِ وَذَهَابَ الْعُلَمَاءِ، وَلَا تَقْبَلْ إِلَّا حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلْتُفْشُوا الْعِلْمَ، وَلِتَجْلِسُوا حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لَا يَعْلَمُ، فَإِنَّ الْعِلْمَ لَا يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا. حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ حدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْن مسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ دِينَارٍ بِذَلِكَ، يَعْنى حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى قَوْلِهِ: "ذَهَابَ الْعُلَمَاءِ". قَوْلُهُ: (باب: كيف يُقبض العلم؟ ) أي: كيفية قبض العلم. قَوْلُهُ: (إلَى أبي بكر بن حَزْم) [١٤٩ / ب] هو ابن مُحَمَّد بن عَمرو بن حَزْم الأنصاري، نسب إلَى جد أبيه، ولِجده عَمرو صُحبة، ولأبيه مُحَمَّد رؤية. وأبو بكر تابعي فقيه، استعمله عُمر بن عبد العزيز عَلى إمرة المدينة وقضائها؛ ولهذا كتب إليه، ولا يعرف له اسم سوى أبي بكر، فقيل: كنيته أبو عبد الملك واسمه أبو بكر، وقيل: اسمه كنيته. قَوْلُهُ: (انظر ما كَانَ) أي: اجمع الَّذِي تَجد، ووقع هنا للكُشْميهني: "عندك"، أي: في بلدك. قَوْلُهُ: (فاكتبه) يستفاد منه ابتداء تدوين الحديث النبوي، وكانوا قبل ذلِكَ يعتمدون عَلى الحفظ، فلما خاف عُمر بن عبد العزيز -وَكَانَ عَلى رأس المائة الأُولى- من ذهاب العلم بموت العلماء رأى أن في تدوينه ضبطًا له وإبقاء. وقد روى أبو نُعيم في تاريخ أصبهان هذه القصة بلفظ: كتب عُمر بن عبد العزيز إلَى الآفاق: انظروا حديث رسول الله ﷺ فاجمعوه (١). قَوْلُهُ: (ولا يُقبل) هو بضم الياء التحتانية وسكون اللام، وبسكونها وكسرها معًا في "وَلِيُفْشُوا"، "وَليَجْلِسُوا".

стр. 554

قَوْلُهُ: (حَتَى يُعلَّم) هو بضم أوله وتشديد اللام، وللكُشْمَيهني: "يَعْلَم" بفتح أوله وتَخفيف اللام. قَوْلُهُ: (يَهلِك) هو بفتح أوله وكسر اللام. قَوْلُهُ: (حدَّثنَا العلاء) لَم يقع وصل هذا التعليق عند الكُشْميهني ولا كَريمة ولا ابن عساكر. قَوْلُهُ: (إلَى قَوْلهِ ذهاب العلماء) محتمل لأن يكون ما بعده ليس من كلام عُمر، أو من كلامه ولَم يدخل في هذه الرواية، والأول أظهر، وبه صرَّح أبو نُعيم في المستخرج، ولَم أجده في مواضع كثيرة إلَّا كذلك. وَعَلى هذا فبقيته من كلام المصنف أورده تلو كلام عُمر، ثُمَّ بَيَّن بعد ذَلِكَ غاية ما انتهى إليه كلام عُمر بن عبد العزيز -رَحِمَهُ الله تعَالَى-.

стр. 555

١٠٠ - حدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَني مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ الله لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا، يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ، اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا". قَالَ الْفِرَبْرِيُّ: حَدَّثَنَا عَيَّاش، قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامٍ نَحْوَهُ. قَوْلُهُ: (حدَّثَني مالك) قَالَ الدَّارقطني: لَم يروه في "الموطأ" إلَّا معن بن عيسى، وَرَوَاهُ أصحاب مالك كابن وهب وغيره عن مالك خارج "الموطأ". وأفاد ابن عبد البر أن سليمان بن بُرْد رَوَاهُ أيضًا في"الموطأ"، والله أعلم. وقد اشتهر هذا الحديث من رواية هشام بن عروة، فوقع [١٥٠ / أ] لنا من رواية أكثر من سبعين نفسًا عنه من أهل الحرمين والعِرَاقَيْنِ (١) والشام وخُرَاسان ومصر وغيرها، ووافقه عَلى روايته عن أبيه عُروة: أبو الأسود المدني وحديثه في الصحيحين (٢)، والزهري وحديثه في النسائي (٣)، ويحيى بن أبي كَثير وحديثه في صحيح أبي عوانة، ووافق أباه عَلى روايته عن عبد الله بن عَمرو: عمر بن الحكم بن ثوبان وحديثه في مسلم (٤). قَوْلُهُ: (لا يقبض العلم انتزاعًا) أي: مَحْوًا من الصدور، وَكَانَ تحديث النَّبِيّ ﷺ بذلك في حجة الوداع كما رواه أَحْمَد والطبراني من حديث أبي أَمامة قَالَ: لما كَانَ في حجة الوداع قَالَ النَّبِيّ ﷺ : "خُذوا العلم قبل أن يُقبض أو يُرفع"، فَقَالَ أعرابي: كيف يُرفع؟ فقال: "ألا إن ذهاب العلم ذهاب حَملته". ثلاث مرات (٥).

стр. 556

قال ابن المنير: محو العلم من الصدور جائز في القدرة؛ إلَّا أن هذا الحديث دل علي عدم وقوعه. وقوله: (حتَّى إذا لم يبق عالم) هو بفتح الياء والقاف، وللأصيلي بضم الياء وكسر القاف، و"عالمًا" منصوب، أي: لم يبق الله عالمًا، وفي رواية مسلم: "حتَّى إذا لم يترك عالمًا". قوله: (رُءوسًا) قال النووي: ضبطناه بضم الهمزة والتنوين، جمع رأس. قُلْت: وفي رواية أبي ذر أيضًا بفتح الهمزة، وفي آخره هَمزة أخرى مفتوحة جَمع رئيس. قَوْلُهُ: (بغير علم) وفِي رواية أبي الأسود في الاعتصام عند المصنف: "فيفتون برأيهم"، ورواها مُسْلِم كالأولى. قوْلُهُ: (قَالَ الفِرَبْرِي) هذا من زيادات الراوي عن البُخَاريَّ في بعض الأسانيد، وهي قليلة. قَوْلُهُ: (نَحوه) أي: بمعنى حديث مالك، ولفظ رواية قتيبة هذه أخرجها مُسْلِم عنه. وفِي هذا الحديث الحث عَلى حفظ العلم، والتحذير من ترئيس الجهلة، وفيه أن الفتوى هِيَ الرئاسة الحقيقية، وذم من يقدم عليها بغير علم. واستدل به الجمهور عَلى القول بخلوِّ الزمان عن مُجتهد، ولله الأمر يفعل ما يشاء.

стр. 557

٣٥ - باب: هَلْ يَجْعَلُ لِلنِّسَاءِ يَوْمًا عَلَى حِدَةٍ في العِلْمِ ؟ ١٠٠ - (*) حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَني ابْنُ الأَصْبَهَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحِ، ذَكْوَانَ يُحدَّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ النِّسَاءُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ، فَاجْعَلْ لنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ. فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ، فَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُنَّ: "مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ ثَلَاثَةَ مِنْ وَلَدِهَا إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ". فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: وَاثْنينِ؟ فَقَالَ: "وَاثْنينِ". قَوْلُهُ: (باب هل يَجعل) أي: الإمام، وللأصيلي وكَريمة: "يُجعل" بضم أوله، وعندهما: "يوم" بالرفع لأجل ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (عَلى حدة) بكسر المهملة [١٥٠ / ب] وفتح الدال المهملة المخففة: أي ناحية وحدهن، والهاء عوض عن الواو المحذوفة، كما قالوا في: "عدة" من الوعد. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا آدم) هو ابن أبي إيَاس. قَوْلُهُ: (قَالَ النساء) كذا لأبي ذر، وللباقين: "قالت النساء"، وكلاهُما جائز. و(غلبنا) بفتح الموحدة و (الرجال) بالضم لأنه فاعله. قَوْلُهُ: (فاجعل لنا) أي: عيِّن لنا، وعبر عنه بالجعل؛ لأنه لازمه. و(من) ابتدائية متعلقة باجعل، والمراد: رد ذَلِكَ إلَى اختياره. قَوْلُهُ: (فوعظهن) التقدير: فوفى بوعده فلقيهن فوعظهن. قَوْلُهُ: (وأمرهن) أي: بالصدقة، أو حدف المأمور به لإرادة التعميم. قَوْلُهُ: (ما منكن امرأة) وللأصيلي: "من امرأة"، و (من) زائدة لفظًا. وقَوْلُهُ: (تقدم) صفة لامرأة. قَوْلُهُ: (إلا كَانَ لهَا) أي: التقديم. (حجابًا) وللأصيلي: "حجابٌ" بالرفع، وتعرب (كَانَ) تامة، أي: حصل لَها حجاب، وللمصنف

стр. 558

في الجنائز: "إلَّا كن لَها" (١)، أي: الأنفس التِي تقدم، وله في الاعتصام: "إِلَّا كانوا" (٢)، أي: الأولاد. قَوْلُهُ: (فقالت امرأة) هِيَ أم سُليم، وقيل غيرها كما سنوضحه في الجنائز. قَوْلُهُ (واثنين) ولكريمة: "واثنتين"، بزيادة تاء التأنيث، وهو منصوب بالعطف عَلى "ثلاثة"، ويسمى العطف التلقيني، وكأنها فهمت الحصر وطمعت في الفضل فسألت عن حكم الاثنين هل يلتحق بالثلاثة أو لا، وسيأتي في الجنائز الكلام في تقديم الواحد.

стр. 559

١٠١ - حَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، قَالَ: حدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قَالَ: حدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَاِنِيِّ، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَاِنِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَازِم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وقَالَ: "ثَلاثةً لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ". قَوْلُهُ: (حدَّثَني مُحَمَّد بن بشار) أفاد بهذا الإسناد فائدتين: إحداهُمَا: تسمية ابن الأَصْبَهاني المبهم في الرواية الأولَى. والثانية: زيادة طريق أبي هُرَيْرَةَ التِي زاد فيها التقييد بعدم بلوغ الحنث أي: الإثم، والمعنى أنهم ماتوا قبل أن يبلغوا؛ لأن الإثم إنما يكتب بعد البلوغ، وكأن السر فيه أنَّه لا يُنسب إليهم إذ ذاك عقوق فيكون الحزن عليهم أشد. وفِي الحديث ما كَانَ عليه نساء الصحابة من الحرص عَلى تعلم أمور الدين، وفيه جواز الوعد، وأن أطفال المسلمين في الجنّة، وأن من مات له ولدان حجباه من النار، ولا اختصاص لذلك بالنساء كما سيأتي التنصيص عليه في الجنائز. * تنبيه: حديث أبي هُرَيْرَةَ مرفوع، والواو في قَوْله: "وَقَالَ" للعطف عَلى [١٥١ / أ] محذوف تقديره مثله، أي: مثل حديث أبي سعيد، والواو في قَوله: "وعن عبد الرحمن" للعطف عَلى قَوْله أولًا: "عن عبد الرحمن"، والحاصل أن شُعبة يرويه عن عبد الرحمن بإسنادين، فهو موصول، ووهم من زَعم أنَّه مُعَلق.

стр. 560

٣٦ - باب: مَنْ سَمِعَ شَيْئًا، فَرَاجَعَهُ حَتَّى يَعْرِفَهُ ١٠٢ - حدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَني ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ لَا تَسْمَعُ شَيْئَا لَا تَعْرِفُهُ إِلَّا رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ حُوسِبَ عُذَّبَ". قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: أَوَ لَيْسَ يَقُوُل الله تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيْرًا (٨)﴾ [الإنشقاق: ٨]. قَالَتْ: فَقَالَ: "إِنَّمَا ذَلِكِ الْعَرْضُ، وَلَكِنْ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَهْلِكْ". قوْلُهُ: (باب من سمع شيئًا) زاد أبو ذر: "فلم يفهمه". قَوْلُهُ: (فراجعه) أي: راجع الَّذِي سمعه منه، وللأصيلي: "فراجع فيه". قَؤلُهُ: (أن عائشة) ظاهر أوله الإرسال؛ لأن ابن أبي مُلَيْكة تابعي لَم يُدرك مراجعة عائشة النَّبِيّ ﷺ ، لكن تبين وصله بعدُ في قَوْلُهُ: "قالت عائشة: فقلت". قَوْلُهُ: (كانت لا تسمع) أتى بالمضارع استحضارًا للصورة الماضية لقوة تحققها. قَوْلُهُ: (إنَّما ذَلِكِ) بكسر الكاف. (العرض) أي: عرض الناس عَلى الميزان. قَوْلُهُ: (نوقش) بالقاف والمعجمة من المناقشة، وأصلها الاستخراج، ومنه نَقْش الشوكة إذَا استخرجها، والمراد هُنَا: المبالغة في الاستيفاء، والمعنى: أن تَحرير الحساب يُفضي إلَى استحقاق العذاب، لأن حسنات العبد موقوفة عَلى القبول، وإن لَم تقع الرحمة المقتضية [للقبول] (١) لا يحصل النجاء. قَوْلُهُ في آخره: (يهلِكْ) بكسر اللام وإسكان الكاف.

стр. 561

وفِي الحديث ما كَانَ عند عائشة من الحرص عَلى تفهم معاني الحديث، وأن النَّبِيّ ﷺ لَم يكن يتضجر من المراجعة في العلم، وفيه جواز المناظرة، ومقابلة السنة بالكتاب، وتفاوت الناس في الحساب، وغير ذَلِكَ. وسيأتي باقيه في كتاب الرقاق، وكذا الكلام عَلى انتقاد الدَّارقطني لإسناده إن شاء الله تعالَى.

стр. 562

٣٧ - باب: لِيُبَلِّغِ الْعِلْمَ الشَّاهِدُ الْغَائبَ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبيِّ ﷺ - ١٠٤ - حدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَني اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَني سَعِيدٌ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ، أنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ وَهْوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ: ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ، حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ، حَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا الله، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحَلُّ لِامرِئٍ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ الله ﷺ فِيهَا فَقُولُوا: إِنَّ الله قَدْ أَذِنَ لِرَسُولهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ". فَقِيلَ لأَبِي شُرَيْحٍ: مَا قَالَ عَمْرٌو؟ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ، لَا تُعِيذُ عَاصِئا، وَلَا فَارًّا بِدَمِ، وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ. قَؤلُهُ: (ليبلغ العلم) هو بالنصب، و (الشاهدُ) بالرفع. و(الغائب) منصوب أيضًا؛ لأنه المفعول الأول، "والعلم" المفعول الثاني وإن قُدم في الذكر. قَوْلُهُ: (قاله ابن عباس) أي: رَوَاهُ، وليس هو في شيء من طرق حديث ابن عباس بهذه الصورة، وإنما هو في روايته، ورواية غيره بحذف "العلم"، وكأنه أراد بالمعنى، لأن المأمور بتبليغه هو العلم. قوْلُهُ: (عن أبي شُريح) هو الخُزَاعي الصحابي المشهور. و(عَمرو بن سعيد) هو ابن العاصي بن سعيد بن العاصي بن أمية القرشي [١٥١ / ب] الأموي، يعرف: بالأَشْدَق، وليست له صحبة، ولا كَانَ من التابعين بإحسان. قوْلُهُ: (وهو يبعث البعوث) أي: يرسل الجيوش إلَى مكة لقتال عبد الله بن الزُّبير؛

стр. 563

لكونه امتنع من مبايعة يزيد بن مُعاوية، واعتصم بالحرم، وَكَانَ عَمرو والي يزيد عَلى المدينة. قَوْلُهُ: (ائذن لي) فيه حُسن التلطف في الإنكار عَلى أمراء الجور ليكون أدعى لقبولهم. قَوْلُهُ: (أحدثك) بالجزم لأنه جواب الأمر. قَوْلُهُ: (قام) صفة للقول، والمقول هو: "حَمِدَ الله" إلَى آخره. قَوْلُهُ: (الغد) بالنصب؛ أي: أنَّه خطب في اليوم الثاني من فتح مكة. قَوْلُهُ: (سمعته أذناي. . . . إلَى آخره) أراد أنَّه بالغ في حفظه والتثبت فيه، وأنه لَم يأخذه بواسطة، وأتى بالتثنية تأكيدًا، والضمير في قَوْله: "تكلم به" عائد عَلى قَوْله: "قولًا". قوْلُهُ: (ولَم يُحرمها الناس) بالضم؛ أي: تَحريمها كَانَ بوحي من الله لا من اصطلاح الناس. قَوْلُهُ: (يسفك) بكسر الفاء وحُكي ضمها. (بِها) وللمُسْتَمْلِي: "فيها". قَوْلُهُ: (ولا يَعْضِدَ) بكسر الضاد المعجمة وفتح الدال، أي: يقطع بالمعْضَد: وهو آلة كالفأس. قَوْلُهُ: (وإنما أَذن لِي ساعة) أي: الله وروي بضم الهمزة، وفِي قَوْله: "لي" التفات؛ لأن نسق الكلام: وإنّما أذن له، أي: لرسوله. قَوْلُهُ: (ساعة) أي: مقدارًا من الزمان، والمراد به يوم الفتح، وفِي مسند أحْمَد من طريق عَمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جَدَّه أن ذَلِكَ كَانَ من طلوع الشمس إلَى العصر (١)، والمأذون له فيه القتال لا قطع الشجر. قَوْلُهُ: (ما قَالَ عمرو) أي: في جوابك. قَوْلُهُ: (لا تُعيذ) بضم المثناة أوله وآخره ذال معجمة، أي: مكة لا تعصم العاصي

стр. 564

عن إقامة الحد عليه. قَوْلُهُ: (ولا فارًّا) بالفاء والراء المشددة، أي: هاربًا عليه دم يعتصم بمكة كيلا يُقتص منه. قَوْلُهُ: (بخَرْبَةٍ) بفتح المعجمة وإسكان الراء ثُمَّ موحدة، يعني: السرقة، كذا ثبت تفسيرها في رواية المُسْتَمْلِي. قَالَ ابن بطال: الخربة بالضم: الفساد، وبالفتح: السرقة. وقد تشدَّق عَمرو في الجواب، وأتى بكلام ظاهره حق أراد به الباطل، فإن الصحابي أنكر عليه نصب الحرب عَلى مكة، فأجابه بأنها لا تمنع من [١٥٢ / أ] إقامة القصاص، وهو صحيح إلَّا أن ابن الزُّبير لَم يرتكب أمرًا يَجب عليه فيه شيء من ذَلِكَ. وسنذكر مباحث هذا الحديث في كتاب الحج، وما للعلماء من الاختلاف في القتال في الحرم إن شاء الله. وفِي الحديث [شرف] (١) مكة، وتقديم الحمد والثناء عَلى القول المقصود، وإثبات خصائص الرسول ﷺ ، واستواء المسلمين معه في الحكم إلَّا ما ثبت تخصيصه به، ووقوع النسخ، وفضل أبي شُريح لاتباعه أمر النبِيّ ﷺ بالتبليغ عنه، وغير ذَلِكَ.

стр. 565

١٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الْوَهَّاب، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّد، عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، ذُكِرَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "فَإِنَ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ -قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: وَأَعْرَاضَكُمْ- عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كحُرْمَةِ يَوْمكُمْ هَذَا في شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلَا لِيُبَلَّغِ الشَاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ". وَكَانَ مُحَمَّدٌ يَقُوُل: صَدَقَ رَسُوُل الله ﷺ كانَ ذَلِكَ "أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ" مَرَّتَيْنِ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا حَمَّاد) هو ابن زيد. قَوْلُهُ: (عن مُحَمَّد) هو ابن سيرين، عن ابن أبي بكرة، عن أبي بَكرة، كذا للمُسْتَمْلِي والكُشْمَيهني، وسقط: "عن ابن أبي بكرة" للباقين، فصار منقطعًا؛ لأن محمدًا لَم يسمع من أبي بكرة، وفِي رواية: "عن مُحَمَّد بن أبي بكرة" وهي خطأ، وكأن "عن" سقطت منها، وقد تقدم هذا الحديث في أوائل كتاب العلم (١) من طريق أخرى عن مُحَمَّد، عن عبد الرحمن بن أبي بَكرة، عن أبيه وهو الصواب. قوْلُهُ: (ذُكر النَّبِيِّ ﷺ ) فيه اختصار، وقد قدمنا توجيهه هناك، وكأنه حدث بحديث ذكر [فيه النَّبِيَّ ﷺ شيئًا من كلامه ومن جملته قَوْلُهُ: "فإن] (٢) دماءكم". إلَى آخره. قَوْلُهُ: (قَالَ مُحَمَّد) هو ابن سِيرين. قَوْلُهُ: (أحسبه) كأنه شك في قَوْله: "وأعراضكم" أقالها ابن أبي بكرة أم لا؟ وقد تقدم في أوائل العلم الجزم بِها، وهي منصوبة بالعطف. قَوْلُهُ: (ألا هل بلغت) هذا من قول النَّبِيّ ﷺ ، وهو تكملة الحديث، هذا هو المعتمد فلا يلتفت إلَى ما عداه. والعلم عند الله تعالَى.
следующие страницы →