← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132963

النكت على صحيح البخاري

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (606 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وفِي الحديث ما كَانَ عند عائشة من الحرص عَلى تفهم معاني الحديث، وأن النَّبِيّ ﷺ لَم يكن يتضجر من المراجعة في العلم، وفيه جواز المناظرة، ومقابلة السنة بالكتاب، وتفاوت الناس في الحساب، وغير ذَلِكَ. وسيأتي باقيه في كتاب الرقاق، وكذا الكلام عَلى انتقاد الدَّارقطني لإسناده إن شاء الله تعالَى.

стр. 562

٣٧ - باب: لِيُبَلِّغِ الْعِلْمَ الشَّاهِدُ الْغَائبَ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبيِّ ﷺ - ١٠٤ - حدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَني اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَني سَعِيدٌ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ، أنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ وَهْوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ: ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ، حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ، حَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا الله، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحَلُّ لِامرِئٍ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ الله ﷺ فِيهَا فَقُولُوا: إِنَّ الله قَدْ أَذِنَ لِرَسُولهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ". فَقِيلَ لأَبِي شُرَيْحٍ: مَا قَالَ عَمْرٌو؟ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ، لَا تُعِيذُ عَاصِئا، وَلَا فَارًّا بِدَمِ، وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ. قَؤلُهُ: (ليبلغ العلم) هو بالنصب، و (الشاهدُ) بالرفع. و(الغائب) منصوب أيضًا؛ لأنه المفعول الأول، "والعلم" المفعول الثاني وإن قُدم في الذكر. قَوْلُهُ: (قاله ابن عباس) أي: رَوَاهُ، وليس هو في شيء من طرق حديث ابن عباس بهذه الصورة، وإنما هو في روايته، ورواية غيره بحذف "العلم"، وكأنه أراد بالمعنى، لأن المأمور بتبليغه هو العلم. قوْلُهُ: (عن أبي شُريح) هو الخُزَاعي الصحابي المشهور. و(عَمرو بن سعيد) هو ابن العاصي بن سعيد بن العاصي بن أمية القرشي [١٥١ / ب] الأموي، يعرف: بالأَشْدَق، وليست له صحبة، ولا كَانَ من التابعين بإحسان. قوْلُهُ: (وهو يبعث البعوث) أي: يرسل الجيوش إلَى مكة لقتال عبد الله بن الزُّبير؛

стр. 563

لكونه امتنع من مبايعة يزيد بن مُعاوية، واعتصم بالحرم، وَكَانَ عَمرو والي يزيد عَلى المدينة. قَوْلُهُ: (ائذن لي) فيه حُسن التلطف في الإنكار عَلى أمراء الجور ليكون أدعى لقبولهم. قَوْلُهُ: (أحدثك) بالجزم لأنه جواب الأمر. قَوْلُهُ: (قام) صفة للقول، والمقول هو: "حَمِدَ الله" إلَى آخره. قَوْلُهُ: (الغد) بالنصب؛ أي: أنَّه خطب في اليوم الثاني من فتح مكة. قَوْلُهُ: (سمعته أذناي. . . . إلَى آخره) أراد أنَّه بالغ في حفظه والتثبت فيه، وأنه لَم يأخذه بواسطة، وأتى بالتثنية تأكيدًا، والضمير في قَوْله: "تكلم به" عائد عَلى قَوْله: "قولًا". قوْلُهُ: (ولَم يُحرمها الناس) بالضم؛ أي: تَحريمها كَانَ بوحي من الله لا من اصطلاح الناس. قَوْلُهُ: (يسفك) بكسر الفاء وحُكي ضمها. (بِها) وللمُسْتَمْلِي: "فيها". قَوْلُهُ: (ولا يَعْضِدَ) بكسر الضاد المعجمة وفتح الدال، أي: يقطع بالمعْضَد: وهو آلة كالفأس. قَوْلُهُ: (وإنما أَذن لِي ساعة) أي: الله وروي بضم الهمزة، وفِي قَوْله: "لي" التفات؛ لأن نسق الكلام: وإنّما أذن له، أي: لرسوله. قَوْلُهُ: (ساعة) أي: مقدارًا من الزمان، والمراد به يوم الفتح، وفِي مسند أحْمَد من طريق عَمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جَدَّه أن ذَلِكَ كَانَ من طلوع الشمس إلَى العصر (١)، والمأذون له فيه القتال لا قطع الشجر. قَوْلُهُ: (ما قَالَ عمرو) أي: في جوابك. قَوْلُهُ: (لا تُعيذ) بضم المثناة أوله وآخره ذال معجمة، أي: مكة لا تعصم العاصي

стр. 564

عن إقامة الحد عليه. قَوْلُهُ: (ولا فارًّا) بالفاء والراء المشددة، أي: هاربًا عليه دم يعتصم بمكة كيلا يُقتص منه. قَوْلُهُ: (بخَرْبَةٍ) بفتح المعجمة وإسكان الراء ثُمَّ موحدة، يعني: السرقة، كذا ثبت تفسيرها في رواية المُسْتَمْلِي. قَالَ ابن بطال: الخربة بالضم: الفساد، وبالفتح: السرقة. وقد تشدَّق عَمرو في الجواب، وأتى بكلام ظاهره حق أراد به الباطل، فإن الصحابي أنكر عليه نصب الحرب عَلى مكة، فأجابه بأنها لا تمنع من [١٥٢ / أ] إقامة القصاص، وهو صحيح إلَّا أن ابن الزُّبير لَم يرتكب أمرًا يَجب عليه فيه شيء من ذَلِكَ. وسنذكر مباحث هذا الحديث في كتاب الحج، وما للعلماء من الاختلاف في القتال في الحرم إن شاء الله. وفِي الحديث [شرف] (١) مكة، وتقديم الحمد والثناء عَلى القول المقصود، وإثبات خصائص الرسول ﷺ ، واستواء المسلمين معه في الحكم إلَّا ما ثبت تخصيصه به، ووقوع النسخ، وفضل أبي شُريح لاتباعه أمر النبِيّ ﷺ بالتبليغ عنه، وغير ذَلِكَ.

стр. 565

١٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الْوَهَّاب، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّد، عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، ذُكِرَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "فَإِنَ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ -قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: وَأَعْرَاضَكُمْ- عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كحُرْمَةِ يَوْمكُمْ هَذَا في شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلَا لِيُبَلَّغِ الشَاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ". وَكَانَ مُحَمَّدٌ يَقُوُل: صَدَقَ رَسُوُل الله ﷺ كانَ ذَلِكَ "أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ" مَرَّتَيْنِ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا حَمَّاد) هو ابن زيد. قَوْلُهُ: (عن مُحَمَّد) هو ابن سيرين، عن ابن أبي بكرة، عن أبي بَكرة، كذا للمُسْتَمْلِي والكُشْمَيهني، وسقط: "عن ابن أبي بكرة" للباقين، فصار منقطعًا؛ لأن محمدًا لَم يسمع من أبي بكرة، وفِي رواية: "عن مُحَمَّد بن أبي بكرة" وهي خطأ، وكأن "عن" سقطت منها، وقد تقدم هذا الحديث في أوائل كتاب العلم (١) من طريق أخرى عن مُحَمَّد، عن عبد الرحمن بن أبي بَكرة، عن أبيه وهو الصواب. قوْلُهُ: (ذُكر النَّبِيِّ ﷺ ) فيه اختصار، وقد قدمنا توجيهه هناك، وكأنه حدث بحديث ذكر [فيه النَّبِيَّ ﷺ شيئًا من كلامه ومن جملته قَوْلُهُ: "فإن] (٢) دماءكم". إلَى آخره. قَوْلُهُ: (قَالَ مُحَمَّد) هو ابن سِيرين. قَوْلُهُ: (أحسبه) كأنه شك في قَوْله: "وأعراضكم" أقالها ابن أبي بكرة أم لا؟ وقد تقدم في أوائل العلم الجزم بِها، وهي منصوبة بالعطف. قَوْلُهُ: (ألا هل بلغت) هذا من قول النَّبِيّ ﷺ ، وهو تكملة الحديث، هذا هو المعتمد فلا يلتفت إلَى ما عداه. والعلم عند الله تعالَى.

стр. 566

٣٨ - باب: إِثمِ مَنْ كَذَبَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ - ١٠٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْصُورٌ، قَالَ: سَمِعْتُ رِبْعِيَّ بْنَ حِرَاشٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تَكْذِبُوا عَلِيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلِيَّ فَلْيَلِجِ النَّارَ". قَوْلُهُ: (باب إثم من كذب عَلى النَّبِيّ ﷺ ) ليس في الأحاديث الَّتِي في الباب تصريح بالإثم، وإنما هو مستفاد من الوعيد بالنار عَلى ذَلِكَ لأنه لازمه. قَوْلُهُ: (منصور) هو ابن المُعْتَمر الكوفي، وهو تابعي صغير. و(رِبْعي) بكسر أوله وإسكان الموحدة، وأبوه حِرَاش بكسر المهملة وهو من كبار التابعين. قَوْلُهُ: (سمعت عليًّا) هو ابن أبي طالب ﵁. قَوْلُهُ: (لا تكذبوا عليَّ) هو عام في كل كاذب، مطلق في كل نوع من الكذب، ومعناه: لا تنسبوا الكذب إليَّ، ولا مفهوم لقوله: "عَلِيَّ" لأنه لا يتصور أن يكذب له، لنهيه عن مطلق الكذب. وقد اغتر قوم من الجهلة فوضعوا [١٥٢ / ب] أحاديث في الترغيب والترهيب، وقالوا: نَحن لم نكذب عليه، بل فعلنا ذَلِكَ لتأييد شريعته، وما دروا أن تقويله ﷺ ما لَم يقل يقتضي الكذب عَلى الله تعالَى؛ لأنه إثبات حكم من الأحكام الشرعية، سواء أكان في الإيجاب أو الندب، وكذا مقابلهما، وهذه المسألة مبسوطة في علوم الحديث، وفِي ما كتبته عليه من النكت نفع الله بذلك. قَوْلُهُ: (فليلج النار) جعل الأمر بالولوج مسببًا عن الكذب، لأن لازم الأمر الإلزام، والإلزام بولوج النار سببه الكذب عليه، أو هو بلفظ الأمر ومعناه الخبر، ويؤيده رواية مُسْلِم من طريق غُندر عن شُعبة بلفظ: "من يكذب عليَّ يلج النار" (١)، ولابن ماجه من طريق شريك عن مَنْصور: "فإن الكذب عليَّ يولج -أي: يدخل- النار" (٢).

стр. 567

١٠٧ - حدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، قَالَ: حدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَامِعٍ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْتُ لِلزُّبَيْر: إِنِّي لَا أَسْمَعُكَ تحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ كَمَا يُحَدِّثُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ. قَالَ: أَمَا إِنِّي لَم أُفَارِقْهُ وَلكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُوُل: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتبَؤَأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ". قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أبو الوليد) هو الطَّيالسي. و(جامع بن شداد) كوفي تابعي صغير. وفِي الإسناد لطيفتان: إحداهُما: أنَّه من رواية تابعي عن تابعي يرويه عن صحابي عن صحابي. ثانيهما: أنَّه من رواية الأبناء عن الآباء بخصوص رواية الأب عن الجد، وقد أُفردت بالتصنيف. قَوْلُهُ: (قُلْت للزُّبير) أي: ابن العَوَّام. قَوْلُهُ: (تحدث) حذف مفعولها ليشمل. قَوْلُهُ: (كما يتحدث فلان وفلان) سمى منهما في رواية ابن ماجه: "عبد الله بن مسعود" (١). قَوْلُهُ: (أَمَا) بالميم المخففة، وهي من حروف التنبيه. و(إني) بكسر الهمزة. و(لَم أفارقه) أي: لَم أفارق رسول الله ﷺ ، زاد الإسماعيلي: "منذ أسلمت"، والمراد: في الأغلب، وإلا فقد هاجر الزُّبير إلَى الحَبشة، وكذا لَم يكن مع النَّبِيّ ﷺ في حال هجرته إلَى المدينة، وإنما أورد هذا الكلام عَلى سبيل التوجيه للسؤال؛ لأن لازم الملازمة السماع، ولازمه عادة التحديث، لكن منعه من ذلك ما خشيه من معنى الحديث الَّذي ذكره، ولهذا أتى بقوله: "لكن".

стр. 568

قَوْلُهُ: (من كذب عليَّ) كذا رَوَاهُ البُخَاريَّ ليس فيه "متعمدًا"، وكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق غُندر عن شُعبة. وأخرجه ابن ماجه من طريقه وزاد فيه: "متعمدًا"، وكذا للإسماعيلي من طريق مُعاذ عن شُعبة، والاختلاف فيه عن شُعبة. وقد أخرجه الدَّارمي [١٥٣ / أ] من طريق أخرى عن عبد الله بن الزُّبير بلفظ: "من حدث عني كذبًا" (١)، ولم يذكر العمد. وفِي تمسك الزبير بهذا الحديث على ما ذهب إليه من اختيار قلة الحديث دليل للأصح في أن الكذب: هو إخبار بالشيء علي خلاف ما هو عليه، سواء أكان عمدًا أم خطأ، والمخطئ وإن كان غير مأثوم بالإجماع لكن الزبير خشي من الإكثار أن يقع في الخطأ وهو لا يشعر؛ لأنه وإن لم يأثم بالخطأ لكن قد يأثم بالإكثار إذ الإكثار مظنة الخطأ. والثقة إذا حدث بالخطأ فيُحمل عنه وهو لا يشعر أنَّه خطأ يُعمل به علي الدوام للوثوق بنقله، فيكون سببًا للعمل بما لم يقله الشارع، فمن خشي من الإكثار الوقوع في الخطأ لا يؤمن عليه الإثم إذا تعمد الإكثار، فمن ثَمَّ توقف الزبير وغيره من الصحابة عن الإكثار من التحديث، وأما من كثر منهم فمحمولٌ علي أنهم كانوا واثقين من أنفسهم بالتثبت، أو طالت أعمارهم فاحتيج إلَى ما عندهم فسئلوا فلم يمكنهم الكتمان ﵃. قَوْلُهُ: (فليتبوأ) أي: فليتخذ لنفسه منْزلًا، يقال: تبوأ الرجل المكان إذا اتخذه سكنًا، وهو أمر بمعنى الخبر أيضًا، أو بمعنى التهديد، أو بمعنى التهكم، أو دعاء على فاعل ذلك، أي: بوأه الله ذلك. وقال الكرماني: يحتمل أن يكون الأمر على حقيقته، والمعنى: مَن كذب فليأمر نفسه بالتبوء، ويلزم عليه. كذا قال وأولها أولاها. قال الطيبي: فيه إشارة إلَى معنى القصد في الذنب وجزاؤه، أي: كما أنَّه قصد في الكذب التعمد فليقصد في جزائه التبوء.

стр. 569

١٠٧ - حدَّثَنَا أبُو مَعْمَرٍ، قَالَ: حدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ أَنَسٌ: إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحدَّثُكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا فَلْيَتَبَوأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ". قَوْلُهُ: (حدَّثَنَا أبو معمر) هو البصري المُقْعد. و(عبد الوارث) هو ابن سعيد. و (عبد العزيز) هو ابن صُهيب والإسناد كله بصريون. قَوْلُهُ (حَديثًا) المراد به: جنس الحديث، ولهذا وصفه بالكثرة. قَوْلُهُ: (أن النبي ﷺ ) هو وما بعده في محل الرفع؛ لأنه فاعل يمنعني، وإنَّما خشي أنس ممَّا خشي منه الزُّبير، ولهذا صَرَّح بلفظ الإكثار، فكان التقليل منهم للاحتراز، ومع ذلك فأنس من المكثرين؛ لأنه تأخرت وفاته فاحتيج إليه كما قدمنا ولم يمكنه الكتمان.

стр. 570

١٠٨ - حدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ يَقُلْ عَليَّ مَا لَم أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ". قوْلُهُ: (حَدَّثَنَا المكي) هو اسم وليس بنسب كما تقدم، وهو من كبار [١٥٣ / ب] شيوخ البخاري، سمع من سبعة عشر نفسًا من التابعين، منهم: يزيد بن أبي عُبيد، وهو مولَى سَلَمة بن الأكْوَع صاحب النبي ﷺ ، وهذا الحديث أول ثلاثي وقع في البخاري، وليس فيه أعلى من الثلاثيات، وقد أفردت فبلغت أكثر من عشرين حديثًا. قَوْلُهُ: (من يقل) أصله: "يقول"، وإنَّما جزم بالشرط. قوْلُهُ: (ما لَم أقل) أي: شيئًا لم أقله، فحذف العائد وذكر القول؛ لأنه الأكثر، وحكم الفعل كذلك لاشتراكهما في علة الامتناع. وقد تمسك بظاهر هذا اللفظ من منع الرواية بالمعنى، وأجابَ المجيزون عنه بأن المراد النهي عن الإتيان بلفظ يوجب تغيير الحكم مع [أن] (١) الإتيان باللفظ لا شك في أولويته، والله أعلم.

стр. 571

١١٠ - حدَّثَني مُوسَى، قَالَ: حدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تَسَمَّوْا بِاسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي، وَمَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ في صُورَتِي، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتبوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ". قَوْلُهُ: (حدَّثَني موسى) هو ابن إسماعيل التَّبُوذَكي. قَوْلُهُ: (عن أبي حَصِين) هو بمهملتين مفتوح الأول. و(أبو صالح) هو ذكوان السَّمّان، وقد ذكر المؤلف هذا الحديث بتمامه في كتاب الأدب من هذا الوجه (١)، ويأتي الكلام عليه فيه إن شاء الله تعالَى. وقد اقتصر مسلم في روايته له على الجملة الأخيرة (٢) وهي مقصود الباب، وإنما ساقه المؤلف بتمامه ولم يختصره كعادته؛ لينبه علي أن الكذب على النبي ﷺ يستوي فيه اليقظة والمنام، والله أعلم. فإن قيل: الكذب معصية إلَّا ما استثنى في الاصطلاح وغيره، والمعاصي قد توعد عليها بالنار، فما الَّذي امتاز به الكاذب علي رسول الله ﷺ من الوعيد على من كذب على غيره؟ فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن الكذب عليه يَكْفُر متعمده عند بعض أهل العلم، وهو الشيخ أبو محمد الجويني، لكن ضعفه ابنه إمام الحرمين ومن بعده. ومال ابن المُنَير إلَى اختياره، ووجَّهه بأن الكاذب عليه في تحليل حرام مثلًا لا ينفك عن استحلال ذلك الحرام، أو الحمل على استحلاله، واستحلال ذلك الحرام كُفر، والحملُ على الكُفر كُفر. وفيما قاله نظر لا يخفى، والجمهور على أنَّه لا يكفر إلَّا إن اعتقد حلَّ ذلك.

стр. 572

الجواب الثاني: أن الكذب عليه كبيرة، والكذب على غيره صغيرة فافترقا، ولا يلزم من استواء الوعيد في حق من كذب عليه أو [١٥٤ / أ] كذب علي غيره أن يكون مَقَرُّهما واحدًا أو طول إقامتهما سواء، فقد دل قوله ﷺ : "فليتبوأ" علي طول الإقامة فيها، بل ظاهره أنَّه لا يخرج منها، لأنه لم يجعل له منْزلًا غيره؛ إلَّا أن الأدلة القطعية قامت على أن خلود التأبيد مختصٌّ بالكافرين. وقد فرَّق النبي ﷺ بين الكذب عليه وبين الكذب على غيره كما سيأتي في الجنائز في حديث المغيرة حيث يقول: "إن كذبًا عليَّ ليس ككذب على أحد" (١). وسنذكر مباحثه هناك إن شاء الله تعالى، ونذكر فيه الاختلاف في توبة من تعمَّد الكذب عليه هل تقبل أو لا؟ * تنبيه: رتب المصنف أحاديث الباب ترتيبًا حسنًا؛ لأنه بدأ بحديث عَلي وفيه مقصود الباب وثنى بحديث الزُّبير الدال على توقي الصحابة وتحرزهم من الكذب عليه، وثلث بحديث أنس الدال علي أن امتناعهم إنّما كان من الإكثار المفضي إلَى الخطإ، لا عن أصحاب التحديث؛ لأنهم مأمورون بالتبليغ، وختم بحديث أبي هريرة الَّذي فيه الإشارة إلَى استواء تحريم الكذب عليه سواء أكانت دعوى السماع فيه في اليقظة أم في المنام. وقد أخرج البخاري حديث: "من كذب علي" من حديث المُغيرة، وهو في الجنائز، ومن حديث عبد الله بن عَمرو بن العاص، وهو في أخبار بني إسرائيل (٢)، واتفق مسلم معه على تَخريج حديث علي وأنس وأبي هريرة والمغيرة (٣)، وأخرجه مسلم من حديث أبي سعيد (٤). وصح أيضًا في غير الصحيحين من حديث عُثمان بن عَفَّان (٥)، وابن مسعود (٦)،

стр. 573

وابن عُمَر (١)، وأبي قتادة (٢)، وجابر (٣)، وزيد بن أَرْقم (٤). وورد بأسانيد حسان من حديث طلحة بن عُبيد الله (٥)، وسعيد بن زيد (٦)، وأبي عُبيدة بن الجراح (٧)، ومُعاذ بن جبل (٨)، وعُقبة بن عامر (٩)، وعمران بن حُصين (١٠)، وسَلمان الفارسي (١١)، ومُعاوية بن أبي سُفْيان (١٢)، ورَافع بن خديج (١٣)، وطارق الأشجعي (١٤)، والسائب بن يزيد (١٥)، وخالد بن عُرْفُطَة (١٦)، وأبي أُمَامة (١٧)، وأبي قرْصَافة (١٨)، وأبي موسى الغَافِقي (١٩)، وعائشة (٢٠).

стр. 574

فهؤلاء ثلاثونَ نفسًا من الصحابة، وورد أيضًا عن نحو من خمسين غيرهم بأسانيد ضعيفة، وعن نحو من عشرين آخرين بأسانيد ساقطة. وقد اعتنى جماعة من الحفاظ بجمع طرقه: فأول من وقفت على كلامه في ذلك [١٥٤ / ب] إبراهيم الحربي وأبو بكر البَزَّار فقال كل منهما: إنه ورد من حديث أربعين من الصحابة. وجمع طرقه أبو محمد يحيى بن محمد بن صَاعِد فزاد قليلًا. وقال أبو بكر الصيرفي شارح رسالة الشافعي: رواه ستون نفسًا من الصحابة، وجمع طرقه الطبراني فزاد قليلًا. وقال أبو القاسم بن مندة: رواه أكثر من ثمانين نفسًا. وقد جمع طرقه ابن الجوزي في مقدمة كتاب "الموضوعات" فجاوز التسعين، وبذلك جزم ابن دِحْية. ثم جمعها الحافظان يوسف بن خليل وأبو علي البكري وهُما متعاصران فوقع لكل منهما ما ليس عند الآخر، وتحصل من مجموع ذلك كله رواية مائة من الصحابة، على ما فصلته من صحيح وحسن وضعيف وساقط، مع أن فيها ما هو في مطلق ذم الكذب عليه من غير تقييد بهذا الوعيد الخاص. ولأجل كثرة طرقه أطلق عليه جماعة أنَّه متواتر، ونازع بعض مشايخنا في ذلك، قال: لأن شرط المتواتر استواء طرفيه وما بينهما في الكثرة، وليست موجودة في كل طريق بمفردها. وأجيب: بأن المراد بإطلاق كونه متواترًا رواية المجموع عن المجموع من ابتدائه إلى انتهائه في كل عصر، وهذا كافٍ في إفادة العلم، وأيضًا فطريق أنس وحدها قد رواها عنه العدد الكثير وتواترت عنهم.

стр. 575

نعم؛ وحديث علي رواه عنه ستة من مشاهير التابعين وثقاتهم، وكذا حديث ابن مسعود، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، فلو قيل في كل منها أنَّه متواتر عن صحابيه لكان صحيحًا. فإن العدد المعين لا يشترط في المتواتر، بل ما أفاد العلم كفى، والصفات العلية في الرواية تقوم مقام العدد أو تَزيد عليه كما قررته في نُكَت علوم الحديث وفي شرح نُخْبَة الفِكَر، وبينت هناك الرد علي من ادَّعى أن مثال المتواتر لا يوجد إلَّا في هذا الحديث، وبينت أن أمثلته كثيرة، منها: حديث: "من بنى لله مسجدًا"، "والمسح على الخفين"، و"رفع اليدين"، و"الشفاعة"، و"الحوض"، و"رؤية الله في الآخرة"، و"الأئمة من قُريش"، وغير ذلك، والله المستعان.

стр. 576

٣٩ - باب: كِتَابَةِ الْعِلْمِ ١١١ - حدَّثنَا ابْنُ سَلَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا وَكيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُطَرَّفٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعَلي: هَلْ عِنْدَكُمْ كتَابٌ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا كتَابُ الله، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أوْ مَا في هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قَالَ: قُلْتُ: كما في هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: الْعَقْلُ، وَفِكَاكُ الأَسِير، وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ. قَوْلُهُ: (باب كتابة العلم) طريقة البخاري في الأحكام التي يقع فيها الاختلاف ألَّا يجزم فيها بشيء، بل يوردها على [١٥٥ /أ] الاحتمال، وهذه الترجمة من ذلك؛ لأن السلف اختلفوا في ذلك عملًا وتركًا، وإن كان الأمر استقر والإجماع انعقد على جواز كتابة العلم، بل على استحبابه، بل لا يبعد وجوبه على من خشي النسيان ممَّن يتعين عليه تبليغ العلم. قَوْلُهُ: (حدَّثَنا ابن سَلام) كذا للأَصيلي، واسمه محمد، وقد صَرَّح به أبو ذر وغيره. قوْلُهُ: (عن سفيان) هو الثَّوْري؛ لأن وكيعًا مشهور بالرواية عنه، وقال أبو مسعود الدمشقي في الأطراف: يقال إنه ابن عُيَيْنة. قلت: لو كان ابن عيينة لنسبه، لأن القاعدة في كل [من] (١) روى عن متفقي الاسم أن يُحمل من أُهمل نسبته على من يكون له به خصوصية من إكثار ونحوه كما قدمناه قبل هذا، وهكذا نقول هنا؛ لأن وكيعًا قليل الرواية عن ابن عيينة بخلاف الثوري. قَوْلُهُ: (عن مُطَرِّف) هو بفتح الطاء المهملة وكسر الراء، ابن طَريف بطاء مهملة أيضًا. قَوْلُهُ: (عن الشَّعْبي) وللمصنف في الديات: "سمعتُ الشَّعْبي" (٢).

стр. 577

قَوْلُهُ: (عن أبي جُحَيْفة) هو وهب السُّوائي، وقد صَرَّح بذلك الإسماعيلي في روايته، وللمصنف في الديات: سمعت أبا جُحَيْفة، والإسناد كله كوفيون إلَّا شيخ البخاري وقد دخل الكوفة، وهو من رواية صحابي عن صحابي. قَوْلُهُ: (قلت لعلي) هو ابن أبي طالب ﵁. قَوْلُهُ: (هل عندكم) الخطاب لعلي، والجمع إما لإرادته مع بقية أهل البيت أو للتعظيم. قَوْلُهُ: (كتاب) أي: مكتوب أخذتموه عن رسول الله ﷺ ممَّا أوحي إليه، ويدل على ذلك رواية المصنف في الجهاد: "هل عندكم شيء من الوحي إلَّا ما في كتاب الله؟ " (١). وله في الديات: "هل عندكم شيء ممَّا ليس في القرآن؟ " (٢). وفي مسند إسحاق بن راهويه عن جرير عن مطرف: "هل علمت شيئًا من الوحي؟ ". وإنما سأله أبو جُحَيفة عن ذلك لأن جماعة من الشيعة كانوا يزعمون أن عند أهل البيت -لاسيما عليًّا- أشياء من الوحي خصهم النبي ﷺ بها لم يطلع غيرهم عليها. وقد سأل عليًّا عن هذه المسألة أيضًا قيسُ بن عُبَاد وهو بضم المهملة وتخفيف الموحدة، والأشْتَر النَّخعي، وحديثهما في سنن النسائي (٣). قَوْلُهُ: (قال لا) زاد المصنف في الجهاد "لا والذي [١٥٥ / ب] فلق الحبة وبرأ النسمة" (٤). قَوْلُهُ: (إلَّا كتابُ الله) هو بالرفع.

стр. 578

وقال ابن المُنَيِّر: فيه دليل علي أنَّه كان عنده أشياء مكتوبة من الفقه المستنبط من كتاب الله، وهي المراد بقوله: "أو فهم أعطيه رجل"؛ لأنه ذكره بالرفع، فلو كان الاستثناء من غير الجنس لكان منصوبًا. كذا قال؛ والظاهر أن الاستثناء فيه منقطع، والمراد بذكر الفهم إثبات الزيادة على ما في الكتاب. وقد رواه المصنف في الديات بلفظ: "ما عندنا إلَّا ما في القرآن، إلَّا فهمًا يعطى رجل في الكتاب" فالاستثناء الأول مفرغ والثاني منقطع، معناه: لكن إن أعطى الله رجلًا فهمًا في كتابه فهو يقدر على الاستنباط فتحصل عنده الزيادة بذلك الاعتبار. وقد روى أحمد بإسناد حسن من طريق طارق بن شهاب، قال: شهدتُ عليًّا على المنبر وهو يقول: "والله ما عندنا كتاب نقرؤه إلَّا كتاب الله وهذه الصحيفة" (١). وهو يؤيد ما قلناه أنَّه لم يُرِد بالفهم شيئًا مكتوبًا. قَوْلُهُ: (الصحيفة) أي: الورقة المكتوبة، وللنسائي من طريق الأَشْتر: "فأخرج كتابًا من قِرَاب سيفه". قَوْلُهُ: (العقل) أي: الدية، وإنَّما سُميت به لأنهم كانوا يعطون فيها الإبل ويربطونها بفناء دار المقتول بالعِقَال: وهو الحبل، ووقع في رواية ابن ماجة بدل "العقل" "الديات" (٢)، والمراد أحكامها ومقاديرها وأصنافها. قَوْلُهُ: (وفِكَاك) هو بكسر الفاء وفتحها، وقال القَزَّاز (٣): -بالفتح أفصح-، والمعنى: أن فيها حكم تخليص الأسير من يد العدو والترغيب في ذلك. قَوْلُهُ: (ولا يُقتلُ) بضم اللام، وللكُشْمَيهني: "وألَّا يقتل"، بفتح اللام، وعطفت الجملة علي المفرد؛ لأن التقدير: فيها -أي: الصحيفة- حكم العَقْل وحكم تَحريم قتل

стр. 579

المسلم بالكافر، وسيأتي الكلام على مسألة قتل المسلم بالكافر في كتاب القصاص إن شاء الله تعالَى. ووقع للمصنف ومسلم من طريق يزيد التيمي عن علي قال: "ما عندنا شيء نقرؤه إلَّا كتاب الله وهذه الصحيفة فإذا فيها: المدينة حرم. . . ." الحديث (١). ولمسلم عن أبي الطُّفيل، عن عَليٍّ: "ما خَصَّنا رسول الله ﷺ بشيء لم يَعُمَّ به الناس كافة إلَّا ما في قِرَاب سيفي هذا". فأخرج صحيفة مكتوبة فيها: "لعن الله من ذَبَح لغير الله. . . ." (٢) الحديث. وللنسائي من طريق الأَشْتَر وغيره عن عليٍّ: "فإذا فيها: المؤمنون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم [١٥٦ / أ] أدناهم. . . ." الحديث (٣). ولأحمد من طريق طارق بن شهاب "فيها فرائض الصدقة" (٤). والجمع بين الأحاديث أن الصحيفة كانت واحدة، وكان جميع ذلك مكتوبًا فيها، فنقل كل من الرواة عنه ما حفظه، والله أعلم. وقد بَيَّن ذلك قتادة في روايته لهذا الحديث عن أبي حسان عن علي، وَبَيَّن أيضًا السبب في سؤالهم لعلي ﵁ عن ذلك، أخرجه أحمد والبيهقي في "الدلائل" من طريق أبي حَسَّان أن عليًّا: كان يأمر بالأمر فيقال: قد فعلناه، فيقول: صدق الله ورسوله، فقال له الأشْتَر: هذا الَّذي تقول أهو شيء عهده إليك رسول الله ﷺ خاصة دون الناس (٥)؟ فذكره بطوله.

стр. 580

١١٢ - حدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيىَ، عَنْ أَبي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ خُزَاعَةَ، قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَني لَيْثٍ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَكِبَ رَاحِلته، فَخَطَبَ فَقَالَ: "إِنَّ الله حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْقَتْلَ أَوِ الْفِيلَ -قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: كَذَا قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ، وَاجْعَلُوا عَلَى الشَكِّ الْفِيْلَ أَو الْقَتْلَ، وَغَيْرُهُ يَقُولُ: الْفِيْلَ- وَسُلِّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ الله ﷺ وَالْمُؤْمِنُونَ، أَلَا وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي، أَلَا وَإِنَّهَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، أَلَا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ، لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، فَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ الْقَتِيلِ". فَجَاءَ رَجُل مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ الله. فَقَالَ: "اكْتبوا لأَبِي فُلَانٍ". فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَّا الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ الله، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ في بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِلَّا الإذْخِرَ، إِلَّا الإِذْخِرَ". قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا شَيْبَان) هو ابن عبد الرحمن، يكنى أبا مُعَاوية، وهو بفتح الشين المعجمة بعدها ياء تحتانية ثم موحدة، وليس في البخاري بهذه الصورة غيره. قَوْلُهُ: (عن يَحيى) هو ابن أبي كثير. قَوْلُهُ: (عن أبي سَلَمة) في رواية المصنف في الديات: "ثَنَا أبو سلمة: ثَنا أبو هريرة" (١). قَوْلُهُ: (أن خُزَاعَة) أي: القبيلة المشهورة، والمراد واحد منهم، فَأُطلق عليه اسم القبيلة مجازًا، واسم هذا القاتل خِرَاش بن أُمَيَّة الخُزَاعي، والمقتول في الجاهلية منهم اسمه أَحْمَر، والمقتول في الإسلام من بني لَيْث لم يسم (٢).

стр. 581

قَوْلُهُ: (حَبَسَ) أي: منع عن مكة. (القتل) أي: بالقاف والمثناة من فوق. (أو الفيل) أي: بالفاء المكسورة بعدها ياء تحتانية. قوْلُهُ: (كذا قال أبو نُعيم) أراد البخاري أن الشك فيه من شيخه. قَوْلُهُ: (وغيره يقول: الفيل) أي: بالفاء ولا يشك، والمراد بالغير: مَن رواه عن شيبان رفيقًا لأبي نُعَيم: وهو عُبَيد الله بن موسى، ومن رواه عن يحيى رفيقًا لشيبان: وهو حَرْب بن شَدَّاد كما سيأتي بيانه عند المصنف في الديات (١). والمراد بحبس الفيل أهل الفيل، وأشار بذلك إلى القصة المشهورة للحَبَشة في غزوهم مكة ومعهم الفيل، فمنعها الله منهم، وسلط عليهم الطير الأبابيل مع كون أهل مكة إذ ذاك كانوا كفارًا، فَحُرْمَة أهلها بعد الإسلام آكد، لكن غزو النبي ﷺ إيَّاها مخصوص به على ظاهر هذا الحديث وغيره، وسيأتي الكلام علي المسألة في كتاب الحج مفصلًا إن شاء الله. قَوْلُهُ: (وسُلِّط) هو بضم أوله. و(رسول) مرفوع.

стр. 582

و (المؤمنون) معطوف عليه. قوْلُهُ: [١٥٦ / ب] (ولا تحل) للكشْمَيهني: "ولم تحل"، وللمصنف في اللُّقطة من طريق الأوزاعي عن يحيى: "ولن" (١)، وهي أليق بالمستقبل. قَوْلُهُ: (لا يُخْتَلَى) بالخاء المعجمة، أي لا يحصد، يقال خليته إذا قطعته، وذكر الشوك دال على منع قطع غيره من باب أولَى، وسيأتي ذكر الخلاف فيه في الحج إن شاء الله تعالَى. قوْلُهُ: (إلَّا لِمنشد) أي: معرف، وسيأتي الكلام علي هذه المسألة في كتاب اللقطة إن شاء الله تعالَى. قَوْلُهُ: (فمن قتل فهو بخير النظرين) كذا وقع هنا، وفيه حذف وقع بيانه في رواية المصنف في الديات عن أبي نُعيم بهذا الإسناد: "فمن قتل له قتيل". قوْلُهُ: (وإما أن يقاد) هو بالقاف، أي: يَقْتَص، ووقع في رواية لمسلم: "إمَّا أن يفادي" (٢)، بالفاء وزيادة ياء بعد الدال. والصواب أن الرواية على وجهين، من قالها بالقاف قال فيما قبلها: "إما أن يعقل" من العَقْل: وهو الدية، ومن قالها بالفاء قال فيما قبلها: "إما أن يقتل" بالقاف والمثناة، والحاصل تفسير "النظرين" بالقصاص أو الدية، وفي المسألة بحث يأتي في الديات إن شاء الله تعالَى. قَوْلُهُ: (فجاء رجل من أهل اليمن) هو أبو شَاهٍ بهاء منونة، وسيأتي في اللُّقطة مُسمى، والإشارة إلَى من حرَّفه، وهناك من الزيادة عن الوليد بن مسلم: "قلت للأوزاعي: ما قوله: "اكتبوا لي؟ " قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله ﷺ ". قلت: وبهذا تظهر مطابقة الحديث للترجمة.

стр. 583

قَوْلُهُ: (فقال رجل من قريش) هو العباس بن عبد المطلب كما يأتي في اللقطة، ووقع في رواية لابن أبي شيبة: "فقال رجل من قريش يُقال: له شاه" (١). وهو غلط. قَوْلُهُ: (إلَّا الإذخر) هو في روايتنا بالنصب، ويجوز رفعه على البدل مما قبله. قَوْلُهُ: (إلَّا الإذخر إلَّا الإذخر) كذا هو في روايتنا، والثانية على سبيل التأكيد.

стр. 584

١١٣ - حدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الله، قَالَ: حدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَخِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ. تَابَعَهُ مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عمرو) هو ابن دينار المكي. قَوْلُهُ: (عن أخيه) هو هَمَّام بن مُنَبه بتشديد الموحدة المكسورة، وكان أكبر منه سنًا، لكن تأخرت وفاته عن وهب، وفي الإسناد ثلاثة من التابعين من طبقة متقاربة أولهم عمرو. قَوْلُهُ: (فإنه كان يكتب ولا أكتب) فهذا استدلال من أبي هريرة على ما ذكره من أكثرية ما عند عبد الله بن عمرو -أي: ابن العاص- على ما عنده. ويُستفاد من ذلك أن أبا هريرة كان جازمًا بأنه ليس في الصحابة أكثر حديثا عن النبي ﷺ منه إلَّا [١٥٧ /أ] عبد الله، مع أن الموجود المروي عن عبد الله بن عمرو أقل من الموجود المروي عن أبي هريرة بأضعاف مضاعفة. فإن قلنا: الاستثناء منقطع فلا إشكال؛ إذ التقدير لكن الَّذي كان من عبد الله وهو الكتابة لم يكن مني، سواء لزم منه كونه أكثر حديثًا لما تقتضيه العادة أم لا. وإن قلنا: الاستثناء متصل فالسبب فيه من جهات: أحدها: أن عبد الله كان مشتغلًا بالعبادة أكثر من اشتغاله بالتعليم فقلَّت الرواية عنه. ثانيها: أنَّه كان أكثر مُقامه بعد فتوح الأمصار بمصر أو بالطائف، ولم تكن الرحلة إليهما ممن يطلب العلم كالرحلة إلَى المدينة، وكان أبو هريرة متصدِّيًا فيها للفتوى والتحديث إلَى أن مات، ويظهر هذا من كثرة من حمل عن أبي هريرة، فقد ذكر البخاري أنَّه روى عنه ثمانمائة نفس من التابعين، ولم يقع هذا لغيره.

стр. 585

ثالثها: ما اختص به أبو هريرة من دعوة النبي ﷺ بألَّا ينسى ما يحدثه به كما سنذكره قريبًا. رابعها: أن عبد الله كان قد ظفر في الشام بحِمْل جَمَل من كتب أهل الكتاب، فكان ينظر فيها ويحدث منها، فتجنب الأخذ عنه كثير من أئمة التابعين، والله أعلم. قَوْلُهُ: (تابعه مَعْمَر) أي: ابن راشد، يعني: تابع وهب بن مُنَبِّه في روايته لهذا الحديث عن هَمَّام، والمتابعة المذكورة أخرجها عبد الرزاق عن مَعْمَر (١)، وأخرجها أبو بكر بن علي المروزي في كتاب العلم له عن حجاج بن الشَّاعر عنه. وروى أحمد والبيهقي في "المدخل" من طريق عَمرو بن شُعيب، عن مُجاهد، والمغيرة بن حَكيم قالا: سَمعنا أبا هريرة يقول: "ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله ﷺ مني إلا ما كان من عبد الله بن عَمرو فإنه كان يكتب بيده ويعي بقلبه، وكنت أعي ولا أكتب، استأذن رسول الله ﷺ في الكتاب عنه فأذن له" (٢). إسناده حسن، ولا يلزم منه أن يكونا في الوعي سواء؛ لِمَا قدمناه من اختصاص أبي هريرة بالدعاء بعدم النسيان. ويُستفاد منه ومن حديث علي المتقدم ومن قصة أبي شَاهٍ أن النبي ﷺ أذن في كتابة الحديث عنه، وهو يُعارض حديث أبي سعيد الخُدري أن رسول الله ﷺ قال: "لا تكتبوا عني شيئًا غير القرآن". رواه مسلم (٣). والجمع بينهما أن النهي خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره، والإذن في [١٥٧/ ب] غير ذلك، أو أن النهي خاص بكتابة غير القرآن مع القرآن في شيء واحد والإذن في تفريقهما، أو النهي متقدم والإذن ناسخ له عند الأمن من الالتباس وهو أقربها مع أنه لا ينافيها.

стр. 586

وقيل: النهي خاص لمن خُشي منه الاتكال على الكتابة دون الحفظ، والإذن لمن أمن منه ذلك، ومنهم من أعلَّ حديث أبي سعيد، وقال: الصواب وقفه على أبي سعيد، قاله البخاري وغيره. قال العلماء: كره جماعة من الصحابة والتابعين كتابة الحديث، واستحبوا أن يؤخذ عنهم حفظًا كما أخذوا حفظًا، لكن لما قَصُرت الهمم وخَشي الأئمة ضياع العلم دَوَّنُوه. وأول من دون الحديث ابن شهاب الزُّهري على رأس المائة بأمر عُمر بن عبد العزيز، ثم كثر التدوين، ثم التصنيف، وحصل بذلك خير كثير. ولله الحمد.

стр. 587

١١٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ بالنَّبِيِّ ﷺ وَجَعُهُ قَالَ: "ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ". قَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَلَبَهُ الْوَجَعُ وَعِنْدَنَا كِتَابُ الله حَسْبُنَا، فَاخْتَلَفُوا، وَكَثُرَ اللَّغَطُ. قَالَ: "قُومُوا عَنِّي، وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ". فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ الله ﷺ وَبَيْنَ كِتَابِهِ. (أخبرني يونس) هو ابن يزيد. قَوْلُهُ: (عن عبيد الله بن عبد الله) أي ابن عُتبة بن مَسْعود. قَوْلُهُ: (لَمَّا اشتد) أي: قوي. قَوْلُهُ: (وجعه) أي: في مرض موته، وللمصنف في المغازي: "لما حضر" (١)، وللإسماعيلي: "لما حضرت النبي ﷺ الوفاة"، وللمصنف من حديث سعيد بن جُبير أن ذلك كان يوم الخميس (٢)، وهو قبل موته ﷺ بأربعة أيام. قَوْلُهُ: (بكتاب) أي: "بأدوات الكتاب، ففيه مجاز الحذف، وقد صَرَّح بذلك في رواية لمسلم قال: "ائتوني بالكتف والدواة" (٣). والمراد بالكتف: عظم الكتف؛ لأنهم كانوا يكتبون فيها. قَوْلُهُ: (أكتب) هو بإسْكَان الباء جواب الأمر، وَيجوز الرفع على الاستئناف، وفيه مَجاز أيضًا؛ أي: آمر بالكتابة، ويحتمل أن يكون على ظاهره، كما سيأتي البحث في المسألة في كتاب الصلح إن شاء الله تعالَى.

стр. 588

وفي مسند أحمد من حديث علي أنه المأمور بذلك، ولفظه: "أمرني النبي ﷺ أن آتيه بطبق -أي: كتف- يكتب ما لا تضل أمتُهُ من بعده" (١). قَؤلُهُ: (كتابًا) بعد قوله: "بكتاب" فيه الجناس التام بين الكلمتين وإن كانت إحداهُمَا بالحقيقة والأخرى بالمجاز. قَوْلُهُ: (لا تضلوا) هو نفي، وحذفت النون في الروايات التي اتصلت لنا؛ لأنه بدل من جواب الأمر، وتعدد جواب الأمر من غير حرف العطف جائز. قَوْلُهُ: (غلبه الوجع) أي: فيشق عليه إملاء الكتاب أو مباشرة الكتاب، وكأن عُمر فهم من ذلك أنه يقتضي التطويل. قال القُرْطبي وغيره: "ائتوني" أمر، وكان حق المأمور أن يبادر إلَى الامتثال [١٥٨/ أ] لكن ظهر لعُمر مع طائفة أنه ليس على الوجوب، وأنه من باب الإرشاد إلَى الأصلح، فكرهوا أن يكلفوه من ذلك ما يشق عليه في تلك الحالة، مع استحضارهم قوله تعالَى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]. وقوله تعالَى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]. ولهذا قال عمر: "حسبنا كتاب الله". وظهر لطائفة أخرى أن الأولى أن تكتب؛ لما فيه من امتثال أمره، وما يتضمنه من زيادة الإيضاح. ودل أمره لهم بالقيام على أن أمره الأول كان على الاختيار؛ ولِهذا عاش ﷺ بعد ذلك أيامًا ولم يعاود أمرهم بذلك، ولو كان واجبًا لم يتركه لاختلافهم؛ لأنه لم يترك التبليغ لمخالفة من خالف، وقد كان الصحابة يراجعونه في بعض الأمور ما لم يجزم بالأمر، فإذا عزم امتثلوا، وسيأتي بسط ذلك في كتاب الاعتصام إن شاء الله تعالَى، وقد عُدَّ هذا من موافقة عُمر ﵁. واخْتُلف في المراد بالكتاب، فقيل: كان أراد أن يكتب كتابًا ينص فيه على الأحكام ليرتفع الاختلاف، وقيل: أراد أن ينص على أسامي الخلفاء بعده حتى لا يقع بينهم الاختلاف، قاله سفيان بن عيينة، ويؤيده أنه ﷺ قال في أوائل مرضه وهو عند

стр. 589

عائشة: "ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابًا، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر". أخرجه مسلم وللمصنف معناه (١). ومع ذلك فلم يكتب، والأول أظهر لقول عُمر: "كتاب الله حسبنا" أي: كافينا، مع أنه يشمل الوجه الثاني لأنه بعض أفراده، والله أعلم. * فائدة: قال الخطابي: إنَما ذهب عُمر إلَى أنه لو نص بما يزيل الخلاف لبطلت فضيلة العلماء وعُدم الاجتهاد، وتعقبه ابن الجَوْزي بأنه لو نص على شيء أو أشياء لم يبطل الاجتهاد؛ لأن الحوادث لا يُمكن حصرها، قال: وإنما خاف عُمر أن يكون ما يكتبه في حالة غلبة المرض فيجد بذلك المنافقون سبيلًا إلَى الطعن في ذلك المكتوب، وسيأتي ما يؤيده في أواخر المغازي. قَوْلُهُ: (ولا ينبغي عندي التنازع) فيه إشعار بأن الأولى كان المبادرة إلَى امتثال الأمر، وإن كان ما اختاره عمر صوابًا؛ إذ لم يتدارك ذلك النبي ﷺ بعدُ كما قدمناه. قال القرطبي: واختلافهم في ذلك كاختلافهم في قوله لَهم: "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" (٢). فتخوف [١٥٨/ ب] ناس فوت الوقت فصلوا، وتمسك آخرون بظاهر الأمر فلم يصلوا، فما عنف أحدًا منهم من أجل الاجتهاد المسوغ والقصد الصالح، والله أعلم. قَوْلُهُ: (فخرج ابن عباس يقول) ظاهره أن ابن عباس كان معهم، وأنه في تلك الحالة خرج قائلًا هذه المقالة، وليس الأمر في الواقع على ما يقتضيه هذا الظاهر، بل

стр. 590

قول ابن عباس إنّما كان يقوله عندما يحدث بهذا الحديث، وفي رواية مَعْمَر عند المصنف في الاعتصام وغيره: قال عبيد الله: "فكان ابن عباس يقول" (١)، وكذا لأحمد من طريق جَرير بن حازم، عن يونس بن يزيد (٢). ووجه رواية حديث الباب أن ابن عباس لما حدث عُبيد الله بهذا الحديث خرج من المكان الذي كان به وهو يقول إلَى آخره، وإنّما يتعين حمله على غير ظاهره؛ لأن عُبيد الله تابعي من الطبقة الثانية لم يُدرك القصة في وقتها؛ لأنه ولد بعد النبي ﷺ بمدة طويلة، ثم سمعها من ابن عباس بعد ذلك بمدة أخرى، والله أعلم. قَوْلُهُ: (الرَّزِيئَة) هي بفتح الراء وكسر الزاي بعدها ياء ثم همزة، وقد تسهل الهمزة وتشدد الياء، ومعناها: المصيبة، وزاد في رواية معمر: "لاختلافهم ولغطهم" (٣)، أي: أن الاختلاف قد يكون سببًا في حرمان الخير، كما وقع في قصة الرجلين اللذين تخاصما فرفع تعيين ليلة القدر بسبب ذلك (٤). وفيه وقوع الاجتهاد بحضرة النبي ﷺ فيما لم يُنزل عليه فيه، وسنذكر بقية ما يتعلق به في أواخر السيرة النبوية من كتاب المغازي إن شاء الله تعالَى.

стр. 591

٤٠ - باب: الْعِلْمِ وَالْعِظَةِ باللَّيْلِ ١١٥ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ. وَعَمْرٍو، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتِ اسْتَيْقَظَ النَبِيُّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ: "سُبْحَانَ الله مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْفِتَنِ وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الْخَزَائِنِ، أَيْقِظُوا صَوَاحِبَ الْحُجَرِ، فَرُبَّ كَاسِيَةٍ في الدُّنْيَا عَارِيَةٍ في الآخِرَةِ". قَوْلُهُ: (باب العلم) أي: تَعليم العِلْم بالليل. و(العِظَة) تقدم أنها الوَعْظ، وأراد المصنف التنبيه على أن النهي عن الحديث بعد العِشَاء مَخصوص بما لا يكون في الخير. قَوْلُهُ: (صدقة) هو ابن الفَضْل المَروزي. قَوْلُهُ: (عن هند) هي بنت الحارث الفِرَاسية بكسر الفاء وبالسين المهملة، وفي رواية الكُشْميهني بدلها: "عن امرأة". قَوْلُهُ: (وعَمرو) كذا في روايتنا بالرفع، ويَجوز الكسر، والمعنى أن ابن عُيينة حدثهم عن مَعْمَر ثم قال: وعَمرو، وهو ابن دينار، فعلى رواية الكسر يكون معطوفًا على مَعْمَر، وعلى رواية الرفع [١٥٩/ أ] يكون استئنافًا، كان ابن عُيَيْنة حدث بصيغة الأدَاء وقد جرت عادته بذلك. وقد روى الحُمَيْدي (١) هذا الحديث في مسنده عن ابن عُيينة قال: حَدَّثنَا مَعْمَر، عَنْ الزُّهري قال: وَحَدَّثَنَا عَمرو، وَيحيى بن سعيد، عن الزُّهري، فَصَرَّح بالتحديث عن الثلاثة. قَوْلُهُ: (ويَحيى بن سعيد) هو الأنصاري، وأخطأ من قال: إنه القَطَّان؛ لأنه لم يَسْمع من الزُّهري ولا لَقيه، ووقع في غير رواية أبي ذر: "عن امرأة" بدل قوله: "عن هند" في الإسناد الثاني، والحاصل أن الزُّهري كان ربما أبْهَمها، وربما سَمَّاها.

стр. 592

قَوْلُهُ: (سبحان الله ماذا) "مَا" استفهامية مُتضمنة لمعنى التعجب والتعظيم، وعَبَّر عن الرحمة بالخزائن لقوله تعالَى: ﴿خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ١٠٠]. وعن العذاب بالفتن لأنها أسبابه، قال الكِرْمَاني: ويُحتمل أن تكون "ما" نكرة موصوفة. قَوْلُهُ: (أُنزل) بضم الهمزة، وللكُشْمَيهني: "أنزل الله"، والمراد بالإنزال: إعلام الملائكة بالأمر المَقْدور، أو أن النبي ﷺ أوحي إليه في نَوْمه ذلك بما سيقع بعده من الفتن، فعبر عنه بالإنزال. قَوْلُهُ: (فتح من الخزائن) قال الدَّاودي: الثاني هو الأول، والشيء قد يعطف على نفسه تأكيدًا؛ لأن ما يفتح من الخزائن يكون سببًا للفتنة. وكأنه فهم أن المراد بالخزائن خَزَائن فَارس والرُّوم وغيرهما مما فُتِح على الصحابة؛ لكن المُغَايرة بين الخَزَائن والفِتن أوضح؛ لأنهما غير متلازمين، وكم من نائل من تلك الخزائن سالمًا من الفتن. قَوْلُهُ: (صواحب الحُجَر) بضم الحاء وفتح الجيم، جمع حُجْرة: وهي منازل أزواج النبي ﷺ ، وإنّما خَصَّهُن بالإيقاظ؛ لأنهن الحاضرات حينئذ، أو من باب "ابدأ بنفسك ثم بمن تَعول". قَوْلُهُ: (فرب كَاسية) استدل به ابن مَالك على أن "رُبَّ" في الغالب للتكثير؛ لأن هذا الوصف للنساء وهن أكثر أهل النار. انتهى. وهذا يدل لورودها في التكثير لا لأكثريتها فيه. قَوْلُهُ: (عَارَية) بتخفيف الياء، وهي مجرورة في أكثر الروايات على النعت، وقال السُّهَيْلي: إنه الأحسن عند سيبويه؛ لأن "رُبَّ" عنده حرف جر يلزم صَدْرَ الكلام، قال: ويَجوز الرفع على إضمار مبتدأ، والجملة في موضع النعت، أي: هي عَارية، والفعل الذي تتعلق به "رُبَّ" مَحذوف. انتهى وأشار [١٥٩/ ب] ﷺ بذلك إلَى موجب استيقاظ أزواجه، أي: لا ينبغي لهن أن يتغافلن عن العبادة ويَعْتَمدن على كونهن أزواج النبي ﷺ .

стр. 593

وفي الحديث جواز قول "سُبْحَان الله" عند التعجب، ونَدْبية ذكر الله بعد الاستيقَاظ وإيْقَاظ الرجل أهله بالليل للعبادة لاسيما عند آية تَحْدُث. وسيأتي بقية الكلام على هذا الحديث في كتاب الفتن إن شاء الله تعالَى. وفي هذا الإسناد رواية الأَقْرَان في موضعين؛ أحدهما: ابن عُيَينة، عن مَعْمَر، والثاني: عَمرو، ويَحيى، عن الزهري. وفيه رواية ثلاثة من التابعين في نَسَقٍ، وهند قد قيل إنها صحابية فإن صَحَّ فهو من رواية تابعي عن مثله عن صحابية عن مثلها. و(أم سَلَمة) هي أم المؤمنين وكأن تلك الليلة كانت ليلتها.

стр. 594

٤١ - باب: السَّمَرِ بالْعِلْمِ ١١٦ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنى اللَّيْثُ، حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِم، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، أَنَ عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى لَنَا النَّبِيُّ ﷺ الْعِشَاءَ في آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ فَقَالَ: "أَرَأَيْتكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هو عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ". قَوْلُهُ: (باب السَّمَر) هو بفتح المُهملة والميم، وقيل: الصواب إسكان الميم لأنه اسم للفعل، ومعناه: الحديث بالليل قبل النَّوم، وبهذا يظهر الفرق بين هذه الترجمة والتي قبلها. قَوْلُهُ: (بالعلم) كذا في رواية أبي ذر بإضافة الباب إلَى السَّمر، وفي رواية غيره "باب السَّمَرُ في العِلْم" بتنوين باب. قَوْلُهُ: (حَدَّثَني الليث حَدَّثه عبد الرحمن) أي أنه حَدَّثه عبد الرحمن، وفي رواية غير أبي ذر: حَدَّثَنِي عبد الرحمن، والليث وعبد الرحمن قرينان. قَوْلُهُ: (عن سالِم) أي: ابن عبد الله بن عُمَر. قَوْلُهُ: (أبي حَثْمة) بفتح المهملة وسكون المثلثة، واسم أبي حَثْمَة عبد الله بن حُذَيْفَة العَدَوي، وأما أبو بكر الرَّاوي تابعيٌّ مشهور لَم يُسَم، وقد قيل: إن اسمه كنيته. قَوْلُهُ: (صَلَّى لَنا) أي: إمَامًا، وفي رواية: "بِنَا" بالموحدة. قَوْلُهُ: (العشاء) أي: صلاة العِشَاء. قَوْلُهُ: (في آخر حياته) جاء مُقيدًا من رواية جَابر أن ذلك كان قبل موته ﷺ بشهر (١).

стр. 595

قَوْلُهُ: (أَرَأَيْتكم) هو بفتح المثناة؛ لأنها ضمير المُخاطب، والكاف ضَميرٌ ثان لا محل لها من الإعراب، والهمزة الأولَى للاستفهام، والرُّؤية بمعنى العِلْم أو البَصَر، والمعنى أَعَلِمْتُم أو أَبْصَرْتُم لَيْلَتكم، وهي منصوبة على المفعولية، والجواب محذوف تقديره: "فَاضبِطُوها". وتَرِدُ أَرأَيْتكم للاستخبار كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ الآية [الأنعام: ٤٠]. قال الزَّمَخشري: المعنى أخبروني، ومتعلق الاستخبار محذوف تقديره: "مَن تدعون"، ثم [١٦٠/ أ] بَكُتَهُم فقال: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠]. انتهى وإنّما أَوْرَدتُ هذا؛ لأن بعضَ الناس نَقَل كلام الزَّمخشري من الآية إلَى هذا الحديث وفيه نظرٌ؛ لأن التَّقدير يصير: "أَخْبِروني لَيْلَتكم هذه فَاحْفَظُوها" وليس ذلك مُطابقا لسياق الآية. قَوْلُهُ: (فإن رأس) وللأَصِيلي: "فإن عَلَى رأس"، أي: عِنْد انْتِهَاء المائة. قَوْلُهُ: (منها) فيه دليل على أن "مِنْ" تكون لابتداء الغاية في الزَّمان. قَوْلُهُ: (لا يبقى مِمن هو على ظهر الأرض) أي: الآن موجودًا أحد إذ ذَاك، وقد ثبت هذا التقدير عند المُصَنِّف من رواية شُعَيْب، عن الزُّهري كما سيأتي في الصلاة (١).

стр. 596

١١٧ - حَدَّثنا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الحُكَمُ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بِتُّ في بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحارِثِ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا في لَيْلَتِهَا، فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الْعِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكعَاتٍ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ، ثُمَّ قَالَ: "نَامَ الْغُلَيِّمُ" -أَوْ كَلِمَة تُشْبِهُهَا- ثُمَّ قَامَ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارهِ، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى خَمْسَ رَكعَاتٍ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَامَ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ -أَوْ خَطِيطَهُ- ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الحَكَم) بفتحتين هو: ابن عُتَيْبة بالمثناة تصغير عُتْبَة، وهو تابعي صغير وكان أحد الفقهاء. قَوْلُهُ: (ثم جاء) أي: مِنَ المسجد. قَوْلُهُ: (نام الغُلَيِّم) بضم المعجمة، وهو من تصغير الشَّفَقَة، والمراد به ابن عَبَّاس، ويحتمل أن يكون ذلك إخبارًا منه ﷺ بنومه، أو استفهامًا بحذف الهمزة وهو الواقع، ووقع في بعض النسخ: "يا أم الغَلَيِّم" بالنداء، وهو تصحيف لم تثبت به رواية. قَوْلُهُ: (أو كلمة) بالشَّكِّ من الرَّاوي، والمُرَاد بالكلمة: الجُمْلة أو المُفرَدة، ففي رواية أخرى: "نَام الغُلام". قَوْلُهُ: (غَطيطه) بفتح الغين المعجمة: وهو صَوْت نَفَس النائم، والنَّخير أقوى منه. قَوْلُهُ: (أو خطيطه) بالخاء المعجمة، والشك فيه من الرَّاوي، وهو بمعنى الأول، قاله الدَّاودي، وقال ابن بَطَّال: لَم أجده بالخاء المعجمة عند أهل اللغة. وتَبعه القاضي عِيَاض فقال: هو هُنَا وَهمٌ. انتهى وقد نقل ابن الأثير عن أهل الغريب أنه دون الغطيط. قَوْلُهُ: (ثم صلى ركعتين) أي: ركعتي الفجر، وأغرب الكِرْمَاني فقال: إنّما فصل بينهما وبين الخمس ولم يقل: سبع ركعات، لأن الخَمْس اقتدى ابن عباس به فيها بخلاف الركعتين؛ أو لأن الخَمْس بسلام والركعتين بسلام آخر. انتهى

стр. 597

وكأنه ظن أن الركعتين من جملة صلاة الليل وهو محتمل، لكن حملها على سنة الفجر أَوْلَى ليحصل الختم بالوتر، وسيأتي تفصيل هذه المسألة في كتاب الصلاة إن شاء الله تعالَى. ومناسبة [١٦٠/ ب] حديث ابن عمر للترجمة ظاهرة لقوله فيه: "قام فقال" بعد قوْله: "صلى العشاء". وأما حديث ابن عباس فقال ابن المُنَيِّر ومن تبعه: يحتمل أن يُريد أن أصل السمر يثبت بهذه الكلمة وهي قوله: "نَام الغُليم"، ويحتمل أن يريد ارتقاب ابن عباس لأحوال النبي ﷺ ، ولا فرق بين التعلم من القول والتعلم من الفعل، فقد سمر ابن عباس ليلته في طلب العلم، زاد الكَرْمَاني: أو ما يفهم من جعله إيّاه على يمينه، كأنه قال له: قف على يميني، فقال: وقفت. وكل ما ذكروه معترض؛ لأن كل من يتكلم بكلمة واحدة لا يسمى سامرًا، وصنيع ابن عباس يُسمى سَهَرًا لا سَمَرًا، إذ السَّمر لا يكون إلا عن تحدث، قاله الإسماعيلي، وأبعدها الأخير؛ لأن ما يقع بعد الانتباه من النوم لا يُسمى سَمَرًا. وقال الكِرْمَاني تبعًا لغيره أيضًا: يحتمل أن يكون مراد البخاري أن الأقارب إذا اجتمعوا لابد أن يجري بينهم حديث للمؤانسة، وحديثه ﷺ كله علم وفوائد. قلت: والأولى من هذا كله أن مناسبة الترجمة مستفادة من لفظ آخر في هذا الحديث بعينه من طريق أخرى، وهذا يصنعه المصنف كثيرًا، يريد به تنبيه الناظر في كتابه على الاعتناء بتتبع طرق الحديث، والنظر في مواقع ألفاظ الرواة؛ لأن تفسير الحديث بالحديث أولى من الخوض فيه بالظن. وإنما أراد البخاري هنا ما وقع في بعض طرق هذا الحديث مما يدل صريحًا على حقيقة السَّمَر بعد العِشَاء، وهو ما أخرجه في التفسير وغيره من طريق كُريب عن ابن عباس قال: "بت في بيت ميمونة فتحدث رسول الله مع أهله ساعة ثم رقد. . . ." (١).

стр. 598

فصحت الترجمة بحمد الله تعالَى من غير حاجة إلَى تعسف ولا رجم بالظن، وسنذكر باقي مباحث هذا الحديث حيث ذكره المصنف مطولًا في كتاب الصلاة إن شاء الله تعالَى. ويدخل في هذا الباب حديث أنس "أن النبي ﷺ خطبهم بعد العشاء"، وقد ذكره المصنف في كتاب الصلاة (١). ولأنس حديث آخر في قصة أُسَيد بن حُضير وقد ذكره المصنف في المناقب (٢). وحديث عمر: "كان النبي ﷺ يسمر مع أبي بكر في الأمر من أمور المسلمين". أخرجه الترمذي، والنسائي (٣) ورجاله ثقات، وهو صريح في المقصود، إلا أن في إسناده اختلافًا على عَلْقَمة، فلذلك لم يصح على شرطه. وحديث عبد الله بن عَمرو [١٦١/ أ]: "كان نبي الله ﷺ يحدثنا عن بني إسرائيل حتى يصبح لا يقوم إلا إلَى عظيم صلاة". رواه أبو داود، وصححه ابن خزيمة (٤)، وهو من رواية أبي حسان، عن عبد الله وليس على شرط البخاري، والله أعلم.

стр. 599

٤٢ - باب: حِفْظِ الْعِلْمِ ١١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الله، قَالَ: حَدَّثَني مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَوْلَا آيَتَانِ في كِتَابِ الله مَا حَدَّثْتُ حَدِيثًا، ثُمَّ يَتْلُو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠] إِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وِإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الَانْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الْعَمَلُ في أَمْوَالِهِمْ، وَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَلْزَمُ رَسُولَ الله ﷺ لِشِبَعِ بَطْنِهِ وَيَحْضُرُ مَا لا يَحْضُرُونَ، وَيَحْفَظُ مَا لا يَحْفَظُونَ. قَوْلُهُ: (باب حفظ العلم) لم يذكر في الباب شيئًا عن غير أبي هريرة؛ وذلك لأنه كان أحفظ الصحابة للحديث، قال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في عصره، وقد كان ابن عمر يترحم عليه في جنازته ويقول: "كان يحفظ على المسلمين حديث النبي ﷺ ". رواه ابن سعد (١). وقد دل الحديث الثالث من الباب على أنه لم يحدث بجميع محفوظه، ومع ذلك فالموجود من حديثه أكثر من الموجود من حديث غيره من المكثرين. ولا يعارض هذا ما تقدم من تقديمه عبد الله بن عمرو على نفسه في كثرة الحديث؛ لأنا قدمنا الجواب عن ذلك؛ ولأن الحديث الثاني من الباب دل على أنه لم ينس شيئًا سمعه، ولم يثبت مثل ذلك لغيره. قَوْلُهُ: (حَدَّثنا عبد العزيز) هو الأوَيْسي المدني، والإسناد كله مدنيون. قَوْلُهُ: (أكثر أبو هريرة) أي: من الحديث عن رسول الله ﷺ ، كما صرَّح به المصنف في البيوع من طريق شُعيب عن الزُّهري (٢)، وله فيه وفي المزارعة من طريق

стр. 600

إبراهيم بن سعد عن الزُّهري هنا زيادة وهي: "ويقولون: ما للمهاجرين والأنصار لا يحدثون مثل أحاديثه" (١)، وبها تبين الحكمة في ذكره المهاجرين والأنصار، ووضعه المُظهر موضع المُضمر على طريق الحكاية حيث قال: "أكثر أبو هريرة" ولم يقل: "أكثرت". قَوْلُهُ: (ولولا آيتان) مقول: "قال"، لا مقول: "يقولون". وقَوْلُهُ: (ثم يتلو) مقول الأعرج، وذكره بلفظ المضارع استحضارًا لصورة التلاوة، ومعناه: لولا أن الله ذم الكاتمين للعلم ما حدِّث أصلًا، لكن لما كان الكتمان حرامًا وجب الإظهار، فلهذا حصلت الكثرة لكثرة ما عنده، ثم ذكر سبب الكثرة بقوله: "إن إخواننا"، وأراد بصيغة الجمع: نفسه وأمثاله، والمراد بالأخوة: أخوة الإسلام. قَوْلُهُ: (يشغلهم) بفتح أوله من الثلاثي، وحكي ضمه وهو شاذ. قَوْلُهُ: (الصَّفْق) بإسْكَان الفاء، هو ضرب اليد على اليد، وجرت به عادتهم عند عقد البيع. قَوْلُهُ: (في أموالِهم) أي: القيام على مصالح [١٦١/ ب] زرعهم، ولمسلم: "كان يشغلهم عمل أرضهم" (٢). ولابن سعد: "كان يشغلهم القيام على أرضيهم" (٣). قَوْلُهُ: (وإن أبا هريرة) فيه التفات؛ إذ كان نسق الكلام أن يقول: وإني. قَوْلُهُ: (لشبع) بلام التعليل للأكثر، وهو الثابت في غير البخاري أيضًا، وللأصيلي: "بشبع"، بموحدة أوله، وزاد المصنف في البيوع: "وكنت امْرأ مسكينًا من مساكين الصُّفَّة" (٤).
следующие страницы →