الثانية: إذا تأكدنا من صحة نسبة هذه الأقوال إلى قائلها فإن تمكنا من معرفة المتقدم من المتأخر من قوليه، فالمعتمد عنه حينئذ الأخير من قوليه.
انظر مثالا على ذلك في "تأريخ عباس الدوري عن ابن معين" (٤/ ٢٧٢).
الثالثة: فإن لم يتيسر لنا معرفة القول المتقدم من المتأخر من قوليه فنعمد حينئذ إلى الجمع بين قوليه ما أمكن، كما سبقت الإشارة إليه من كلام ابن الوزير ﵀ فقد يكون الجرح أو التعديل نسبيا، وهذا كثير بل قال الحافظ السخاوي ﵀: "وعلى هذا يحمل أكثر ما ورد من اختلاف كلام أئمة الجرح والتعديل ممن وثق رجلا في وقت وجرحه في آخر". "فتح المغيث" (٢/ ١٢٧ - ١٢٨).
وقد توسع الحافظ الباجي في كتابه "التعديل والتجريح" (١/ ٢٨٣ - ٢٨٨) في ذكر ذلك، وضرب الأمثلة له، فليراجعه من شاء مزيد الفائدة.
ومن أمثلة جمع الحافظ ابن حجر ﵀ بين قولي أحد الحفاظ التي ظاهرها التعارض ما يلي:
١) قوله في ترجمة عبد العزيز بن المختار البصري بعد أن نقل عن الدوري عن ابن معين أنه وثقه، ونقل عنه ابن أبي خيثمة أنه قال فيه: "ليس بشيء": "قلت: احتج به الجماعة، وذكر ابن القطان الفاسي أن مراد ابن معين بقوله في بعض الروايات: "ليس بشيء" يعني أن أحاديثه قليلة". "هدي الساري" (٤٢١).
٢) نقل في ترجمة عمرو بن يحيى المازني عن ابن معين أنه قال فيه: "صويلح، وليس بالقوي" ثم قال: "قد بين معاوية بن صالح عن يحيى بن معين سبب تضعيفه له فإنه قال: قال ابن معين: "ثقة إلا أنه اختلف عليه في حديثين". "هدي الساري" (٤٣٢).
стр. 107
٣) قوله في ترجمة موسى بن عقبة الأسدي: "وثقه الجمهور، وقال ابن معين: "كتاب موسى بن عقبة عن الزهري من أصح الكتب"، وقال مرة: "في روايته عن نافع شيء ليس هو فيه كمالك وعبيد الله بن عمر" قلت (الحافظ): فظهر أن تليين ابن معين له، إنما هو بالنسبة إلى رواية مالك وغيره لا فيما تفرد به، وقد اعتمده الأئمة كلهم، وقد وثقه مطلقا في رواية عباس الدوري، وغير واحد عنه، والله أعلم". "هدي الساري" (٤٤٦).
٤) قوله في ترجمة أبي بلج يحيى بن سليم بعد أن نقل توثيقه عن ابن معين في جماعة آخرين: "ونقل ابن الجوزي عن ابن معين أنه ضعفه، فإن ثبت ذلك فقد يكون سئل عنه وعن من هو فوقه فضعفه بالنسبة إليه، وهذه قاعدة جليلة فيمن اختلف النقل عن ابن معين فيه، نبه عليها أبو الوليد الباجي في كتابه "رجال البخاري" (١)، ويحتمل أن يكون ابن معين ضعفه من قبل رأيه فإنه منسوب إلى التشيع". "الماعون" (١١٧ - ١١٨).
٥) قوله في ترجمة عبد العزيز بن عبد الله الأويسي بعد أن نقل توثيقه عن بعض الحفاظ: "لكن وقع في "سؤالات أبي عبيد الآجري عن أبي داود" قال: عبد العزيز الأويسي ضعيف، فإن كان عنى هذا ففيه نظر؛ لأنه قد وثقه في موضع آخر، وروى عن هارون الحمال عنه، ولعله ضعف رواية معينة له وهم فيها، أو ضعف آخر اتفق معه في اسمه، وفي الجملة فهو جرح مردود". "هدي الساري" (٤٢٠).
٦) قوله في ترجمة محمد بن عبيد الطنافسي: "من شيوخ أحمد بن حنبل قال: "إنه كان
стр. 108
صدوقا، ولكن يعلى أخوه أثبت منه"، وقال في رواية أخرى: "كان يخطئ ويصيب" وهذا على ما يختار أحمد يكون ساقط الحديث (١) لكن وثقه في رواية الأثرم، وكذا وثقه ابن معين والعجلي والنسائي وابن، سعد وابن عمار، وزاد: "كان أبصر إخوته بالحديث وكان يعلى أحفظهم" قلت (الحافظ): احتج بمحمد الأئمة كلهم، ولعل ما أشار إليه أحمد كان في حديث واحد". "هدي الساري " (٤٤١).
٧) قوله في ترجمة عبيد الله بن أبي جعفر المصري: "وثقه أحمد في رواية عبد الله بن أحمد عنه وأبو حاتم والنسائي وابن سعد، وقال ابن يونس: "كان عالما عابدا" ونقل صاحب "الميزان" عن أحمد أنه قال: "ليس بالقوي" قلت (الحافظ): إن صح ذلك فلعله في شيء مخصوص، وقد احتج به الجماعة". "هدي الساري" (٤٢٣).
٨) قوله في ترجمة أسد بن عمرو البجلي بعد أن نقل عن ابن عمار أنه قال: "لا بأس به": "وقد جاء عن ابن عمار أيضا أنه قال: "أسد بن عمرو صاحب رأي، ضعيف الحديث" فيمكن الجمع بين كلاميه بأنه أراد بقوله: "لا بأس به" أنه لا يعتمد، وأنه تغير لما ضعف بصره، فضعف حفظه". "اللسان" (١/ ٥٨٩) ترجمة أسد بن عمرو البجلي.
٩) وقال في ترجمة عطاء بن السائب: "قال الحاكم: تغير بأخرة، وقال في "السؤالات": "تركوه" كذا قال، ولعله أراد بالترك ما يتعلق بحديثه في الإختلاط". "التهذيب" (٣/ ١٠٥).
стр. 109
فهذه أمثلة تبين موقف الحافظ ابن حجر ﵀ من صدور الجرح والتعديل اللذين ظاهرهما التعارض من إمام واحد.
ففي المثال الأول: أنه إذا وجد عن أحد الحفاظ قولان ظاهرهما التعارض، وكان لهذا الإمام اصطلاح خاص في أحد القولين لا ينافي قوله الآخر حمل عليه.
وفي المثال الثاني والثالث والسابع والتاسع: أنه إذا وجد عن أحد الحفاظ قولان ظاهرهما التعارض، وكانت هناك قرينة في أحد القولين تدل على أنه في شيء خاص؛ حمل عليه.
وفي المثال الرابع والخامس والسادس: أنه إذا لم يظهر لنا شيء من ذلك أننا نلتمس لقول الإمام المعارض لما عليه الحفاظ المحامل والمخارج التي تليق بمقام هذا الإمام إحسانا للظن به، والله أعلم.
الرابعة: إذا لم نستطع الجمع بين قولي الإمام اللذين ظاهرهما التعارض؛ نعمد إلى الترجيح بين تلاميذه الناقلين عنه، فيقدم رواية تلميذه الملازم له العارف بأقواله على غيره من أقرانه.
فيقدم عباس الدوري عن كل من روى عن ابن معين، ويقدم عبد الله بن أحمد بن حنبل عن كل من روى عن أبيه.
الخامسة: إذا تعذر معنا الترجيح بين تلاميذ هذا الإمام بأن كانوا في منزلة واحدة أو نحو ذلك فحينئذ نأخذ من قولي الإمام ما هو أقرب إلى أقوال الحفاظ الآخرين.
قال ابن أبي حاتم: "اختلفت الرواية عن يحيى بن معين في مبارك بن فضالة، والربيع بن صبيح، وأولاهما أن يكون مقبولا منهما محفوظا عن يحيى ما وافق أحمد وسائر
стр. 110
نظرائه". "الجرح والتعديل" (٨/ ٣٣٩).
السادسة: فإن تعذرت معنا الحالة الخامسة كأن لم يكن في ترجمة الراوي إلا قولي هذا الإمام المتعارضين، فإن كان جرحه المعارِض للتعديل مبهما جُمع بين قوليه وتُوُسِّط في حال الراوي، نص عليه شيخنا العلامة مقبل بن هادي الوادعي ﵀، كما في كتابي "الفتاوى الحديثية لعلامة الديار اليمانية" (٢/ ٥٢).
وإن كان جرحه المعارض لتعديله مفسرا فحينئذ نقدم جرحه المفسر على تعديله المبهم، نص عليه العلامة الألباني والعلامة الوادعي - رحمهما الله-.
قال الإمام الألباني ﵀: "التعامل مع قولي الإمام كما نتعامل مع اختلاف الأئمة فيما بينهم يعني أننا نقدم الجرح المفسر".
وقرره شيخنا العلامة مقبل بن هادي الوادعي ﵀ ثم قال: "إلا أَنْ يُعلم أن التوثيق بعد الجرح". "النكت الحسان على مقدمة لسان الميزان" المطبوع ضمن كتابي "الفتاوى الحديثية لعلامة الديار اليمانية" (٢/ ٥٢).
стр. 111
منهج الحافظ في الجمع بين أقوال الأئمة التي ظاهرها التعارض
تقدم معنا التنبيه أن علم الجرح والتعديل من مسائل الإجتهاد التي ربما اختلفت فيها أنظار الأئمة.
قال الإمام الترمذي ﵀: "وقد اختلف الأئمة من أهل العلم في تضعيف الرجال كما اختلفوا فيما سوى ذلك من العلم". "العلل الصغير" المطبوع مع "الجامع" (٥/ ٧٥٦).
وقال الإمام المنذري ﵀: "واختلاف هؤلاء - يعني أئمة الجرح والتعديل- كاختلاف الفقهاء، أصل ذلك يقتضيه الاجتهاد ... ". "أجوبة المنذري في الجرح والتعديل" (٨٣).
وقال الإمام الصنعاني ﵀: "قد يختلف كلام إمامين من أئمة الحديث في الراوي الواحد، وفي الحديث واحد، فيضعف هذا حديثا وهذا يصححه، ويرمي هذا رجلا من الرواة بالجرح وآخر يعدله، وذلك مما يشعر أن التصحيح ونحوه من مسائل الإجتهاد التي اختلفت فيها الآراء". "إرشاد النقاد" (١٣).
وتقدم معنا التنبيه من كلام الإمام ابن الوزير ﵀ أنه لا يصار إلى الترجيح إلا عند عدم إمكان الجمع وثبوت حقيقة التعارض.
وقال الإمام ابن عبد الهادي ﵀: "لا يطلب بيان السبب في التضعيف إلا إذا عارضه تعديل". "تنقيح التحقيق" (٢/ ٨٨٨).
وقال تاج الدين السبكي ﵀: "قولهم: "الجرح مقدم إنما يعنون به حالة تعارض الجرح"". "طبقات الشافعية" (٢/ ٢٠).
стр. 112
ولست الآن في صدد بيان مناهج الأئمة عند تعارض الجرح والتعديل الثابت صدورهما من إمامين ثقتين عدلين عارفين بأسباب الجرح والتعديل؛ فإن بيان ذلك وضرب الأمثلة له يطول، وإنما المراد هاهنا أن أضرب بعض الأمثلة العملية من صنيع الحافظ ابن حجر ﵀ عند تعارض الجرح والتعديل من أكثر من إمام.
فمن ذلك:
١) قوله في ترجمة هشام بن عروة بن الزبير الأسدي: "مجمع على تثبته إلا أنه في كبره تغير حفظه فتغير حديث من سمع منه في قدمته الثالثة إلى العراق، قال يعقوب بن شيبة: "هشام ثبت ثقة لم ينكر عليه شيء إلا بعد ما صار إلى العراق فإنه انبسط في الرواية عن أبيه فأنكره أهل بلده، والذي نراه أنه كان لا يحدث عن أبيه إلا بما سمع منه فكان تساهله أنه أرسل عن أبيه ما كان يسمعه من غير أبيه، قلت (الحافظ): هذا هو التدليس، وأما قول ابن خراش: "كان مالك لا يرضاه" فقد حكي عن مالك فيه شيء أشد من هذا، وهو محمول على ما قال يعقوب". "هدي الساري" (٤٤٨).
٢) ذكر الحافظ في ترجمة محمد بن عبد الله بن مسلم الزهري أن الذهلي ذكره في الطبقة الثانية من أصحاب الزهري، وقال: "إنه وجد له ثلاثة أحاديث لا أصل لها" ثم قال الحافظ: "الذهلي أعرف بحديث الزهري وقد بين ما أُنكِر عليه، فالظاهر أن تصعيف من ضعفه بسبب تلك الأحاديث التي أخطأ فيها". "هدي الساري" (٤٤٠).
٣) قال الحافظ في ترجمة زياد بن عبد الله البكائي: "صدوق في المغازي مختلف فيه في غيرها، قال ابن معين: "لا بأس به في المغازي، وأما غيرها فلا"، وقال أبو حاتم: "يكتب حديثه ولا يحتج به" وأطلق جماعة تضعيفه، وهو محمول على ما قال ابن معين". "موافقة
стр. 113
الخُبْر الخبر" (١/ ٢٦٩).
٤) قال الحافظ في ترجمة علي بن زيد بن جدعان: "كان من أهل مكة ثم سكن البصرة، وهو ضعيف عندهم من قبل حفظه، قال معاذ بن معاذ عن شعبة: "حدثنا علي بن زيد قبل أن يختلط" وعن يحيى بن معين قال: "لم يزل مخلطا" ويمكن الجمع بين القولين بأن يكون زاد في التخليط في آخر عمره، وعلى ظاهر قول شعبة، فسماع من أخذ عنه قديما قوي (١)، وحماد بن سلمة من هذا القبيل". "الأمالي المطلقة" (٨٠ - ٨١).
٥) وقال في ترجمة عباد بن صهيب البصري: "قال أبو داود: "إنه صدوق قدري" وقال أحمد: "ما كان بصاحب كذب" قلت (الحافظ): لو لم يرد فيه إلا هذا لمشي الحال، ولكن بقية ترجمته عند ابن حبان: "كان يروي المناكير عن المشاهير حتى يشهد المبتدئ في هذه الصنعة أنها موضوعة" ولا تنافي بين قوله وقول أحمد وأبي داود؛ لأنه يُجمع بأنه كان لا يتعمد بل يقع ذلك في روايته من غلطه وغفلته، ولذلك تركه البخاري والنسائي وأبو حاتم الرازي وغيرهم، وأطلق عليه ابن معين الكذب، وقال زكريا الساجي: "كانت كتبه ملأى بالكذب". "النتائج" (١/ ٢٥٧).
٦) وقال في ترجمة محمد بن مسلم بن عائذ المدني: "قال أبو حاتم الرازي: "إنه مجهول"، وما وجدت عنه راويا سوى سهيل بن أبي صالح وهو من أقرانه، نعم وثقه العجلي فأقوى رُتَب حديثه أن يكون حسنا". "النتائج" (١/ ٣٨٠).
٧) وقال في ترجمة عفان بن مسلم الصفار: "اتفقوا على توثيقه ... وذكره ابن عدي
стр. 114
في "الكامل" لقول سليمان بن حرب: "ما كان عفان يضبط عن شعبة" وقد قال أبو عمر الحوضي: "رأيت شعبة أقام عفان من مجلسه مرارا من كثرة ما يكرر عليه" قلت (الحافظ): فهذا يدل على تثبته في تحمله، وكأن قول سليمان: "إنه كان لا يضبط عن شعبة" بالنسبة إلى أقرانه الذين يحفظون بسرعة". "الهدي" (٤٢٥) بتصرف.
فتلخص لنا من خلال هذه الأمثلة ما يلي:
١) إذا وثق جماعة من الحفاظ راو من الرواة، وضعفه آخرون في شيء معين ثم وجد من حفاظ آخرين تضعيف هذا الراوي مطلقا فلا تعارض، بل يحمل تضعيف من أطلق فيه الضعف على الشيء المعين الذي ضعفه فيه من فصل في أمره، كما هي أمثلة ذلك واضحة في الأمثلة الأولى من هذا الفصل.
٢) إذا أطلق بعض الحفاظ ضعف راو معين، وقيد آخر ضعفه بما كان في آخر عمره، فيُحمل قول من قيد ضعف الراوي بآخر عمره على أن ضعف الراوي اشتد في آخر عمره، ولا يمنع ذلك أن يكون ضعيفا من قبل، ويدل على هذا المثال الرابع من هذا الفصل.
٣) إذا كذب بعض الحفاظ راو معين وأقام الدليل والبرهان على ذلك، ونفى عنه آخرون من الحفاظ الكذب، فلا تعارض بين القولين، بل يُحمل قول من نفى عنه الكذب: على أن هذا الراوي لا يتعمد الكذب، بل يقع ذلك منه من قبيل الغلط والغفلة، ويدل على هذا المثال الخامس من هذا الفصل.
٤) إذا تعارض تجهيل من متشدد، وتوثيق من إمام آخر في راو لم يرو عنه سوى واحد، فيجمع بينهما أن الراوي حسن الحديث، كما في المثال السادس.
стр. 115
مع أن هذا ليس ضابطا مطردا في تعارض التوثيق والتجهيل؛ لأن الأصل: أن التوثيق إذا كان من معتبر فهو مقبول مطلقا، ولو عارضه تجهيل؛ لأن من علم حجة على من لم يعلم، وكأن الحافظ لم يعتمد توثيق العجلي كاملا، كما في المثال السادس؛ لقوة من عارضه مع ما عرف به العجلي من شيء من التساهل، والله أعلم.
٥) إذا أطلق بعض الحفاظ توثيق راو من الرواة، وضعفه آخر في شيخ معين، وقد وُجِد ما يدل على تثبت هذا الراوي في هذا الشيخ الذي ضعف فيه، فيُحمل قول من ضعفه في هذا الشيخ أنه تضعيف بالنسبة إلى من هو أثبت منه في هذا الشيخ، ويدل على هذا المثال الأخير.
стр. 116
الموقف الصحيح من اختلاف قول الحافظ ابن حجر ﵀ في الراوي
سيمر بك اختلاف قول الحافظ ابن حجر ﵀ في كثير من الرواة بما يكون أحد القولين مباين في الظاهر للقول الآخر، كأن يقول في الراوي: "يعتبر به" أو ما شاكلها من العبارات، ثم يحكم عليه بالضعف الشديد في مواضع أخرى من كتبه، أو يحكم على الراوي أنه صدوق ثم يحكم عليه في مواضع أخرى بما يقتضي عدم الإحتجاج بحديثه، وربما بما يقتضي عدم صلاحية حديثه للإعتبار.
والموقف من اختلاف قول الحافظ في الراوي هو الموقف من اختلاف أحد الأئمة الآخرين في الراوي الذي سبق بيانه قبل فصلين.
فقد يكون له قولان في الراوي: أحدهما مطلق، والآخر مقيد، فيحمل قوله المطلق على قوله المقيد.
مثال ذلك: أن الحافظ ﵀ تكلم عن إسماعيل بن عياش في مواضع شتى من كتبه وذكر أن روايته عن غير الشاميين قوية كما في ترجمة إسماعيل من هذا الكتاب، بينما نجده في بعض المواضع من كتبه يحكم على إسماعيل بن عياش بالضعف مطلقا دون تقييد، كقوله في "التلخيص الحبير" (٣/ ٢٩٩): "ضعيف"، وقوله في "موافقة الخُبر الخبر" (١/ ٤٣٩): "فيه مقال" فيُحمل تضعيفه المطلق ها هنا لإسماعيل بن عياش على كلامه المقيد في كتبه الأخرى بروايته عن غير الشاميين، يدل على ذلك أن الحافظ نفسه صرح برد القول بتضعيف إسماعيل بن عياش مطلقا، فلما قال البيهقي في إسماعيل بن عياش: "ليس بحجة" رد عليه الحافظ بقوله: "فيه تساهل لا يخفى". "فتح الباري" (٩/ ٦٦٥).
وقد مر معنا أن الحافظ ممن يجمع بين الأقوال التي ظاهرها التعارض في الراوي بهذا
стр. 117
الجمع سواء كان التعارض من إمامين فأكثر أو من إمام واحد.
تنبيه مهم:
وهنا تنبيه مهم يسلم به الحافظ ابن حجر من ظن التناقض في شأن كثير من الرواة، ويُجمع به بين أقواله في الراوي.
والتنبيه هو: أنك ربما تجد الحافظ ابن حجر ﵀ كما هو شأن غيره من الحفاظ ربما حكم على الراوي الذي هو عنده متروك أو كذاب بقوله: "ضعيف".
ومعلوم أن الأصل في قول الحافظ في الراوي في غير "التقريب": "ضعيف" الجرح الخفيف الذي لا ينزل صاحبه عن درجة الإعتبار.
إلا أن الحافظ في شأن الرواة الذين صرح في مواضع أخرى بتركهم وضعفهم الشديد لم يُرِدْ بقوله: "ضعيف" المعنى الإصطلاحي لدى المحدثين، إنما أراد المعنى اللغوي فكلمة: "ضعيف"، وإن كانت في اصطلاح المحدثين أرفع من متروك، وينبغي التمييز بينها وبين المتروك، إلا أنها في اللغة تصدق على المتروك، بل وعلى الكذاب، فالكذاب ضعيف وزيادة، ولم يصل إلى هذه المنزلة إلا بعد بلوغه مرتبة الضعف.
فالحافظ حين يطلق في المتروك والكذاب: "ضعيف" لم يُرِد بها في هذه الحالة تحديد منزلة الراوي في اصطلاح المحدثين من حيث بيان هل ضعفه خفيف يصلح معه للإعتبار أم لا؟ إنما أراد بها أن الراوي المتروك والكذاب فيه ضعف لغة، ولا يلزم من ذلك أن يكون معنى "ضعيف" عند الحافظ في هذه الحالة صلاحية الراوي للإعتبار والإستشهاد.
ويدل على ذلك أمران:
стр. 118
أحدهما: أن الحافظ ابن حجر ﵀ معروف بإمامته في هذا الشأن وتوسطه واعتداله في نقد الرواة، فإذا قال في الراوي الذي هو متروك - عنده-: "ضعيف"؛ حملنا قوله في هذه الحالة على أنه أراد مطلق الضعف لا تحديد منزلة الراوي حسب اصطلاح المحدثين، وإلا لزمنا على ذلك رمي الحافظ بالتساهل حيث يقول في الراوي الذي حقه أن يقال فيه: "متروك" يقول فيه: "ضعيف"، وهذا ما الحافظ عنه بريء؛ إذ الحافظ نفسه قد حكم على هذا الراوي بالترك والضعف الشديد في مواضع أخرى من كتبه، وإلا لزمنا رمي الحافظ بالتناقض في شأن هؤلاء الرواة، والجمع بين كلام الحافظ ﵀ وحمله على المحامل الحسنة أولى من حمله على التناقض.
الثاني: أن الحافظ قد نقل الإجماع على ترك بعض الرواة وجرحهم الشديد، ثم تجده في مواضع أخرى من كتبه يحكم عليهم بقوله: "ضعيف".
فهل يستسيغ عاقل أن يقول: إن الحافظ ابن حجر ﵀ عنى بقوله في كل واحد من هؤلاء الرواة: "ضعيف" المعنى الإصطلاحي الذي لا ينزل صاحبه عن درجة الإستشهاد مع نقله الإجماع على تركهم؟ !
أم الأولى حمل تضعيف الحافظ لهؤلاء الرواة على المعنى اللغوي الذي يسلم به الحافظ من معرة الرمي بمخالفة إجماع المحدثين؟
لا شك أن هذا هو الأولى.
وهؤلاء عدة رواة حكم عليهم الحافظ بالضعف مع نقله الإجماع على تركهم وضعفهم الشديد في مواضع أخرى:
١) الحسن بن عمارة الكوفي، نقل الحافظ إطباقهم على تركه حيث قال في "هدي
стр. 119
الساري" (٣٩٧): "رماه شعبة بالكذب، وأطبقوا على تركه"، بينما قال فيه في "التلخيص الحبير" (٢/ ٥٩): "ضعيف".
٢، ٣) عبد الرحمن بن معاوية أبو الحويرث، ويحيى بن العلاء البجلي، نقل الحافظ في "النكت" (١/ ٤٤٠) اتفاق الأئمة على طرح حديثهما، بينما قال في ""موافقة الخُبْر الخبر"" (١/ ٣٧٣) في عبد الرحمن بن معاوية: "ضعيف"، وقال في "الإصابة" (٥/ ١٨٩) و"تخريج الكشاف" (٢/ ٣٥٣) في يحيى بن العلاء: "ضعيف".
٤) عبد الكريم بن أبي المخارق، قال الحافظ في "التلخيص" (١/ ٢٩٢): "مجُمع على تركه" بينما اكتفى بالحكم عليه بقوله: "ضعيف" في عشرة مواضع من كتبه كما في ترجمته من هذا الكتاب.
٥) عمرو بن الحصين العقيلي، قال فيه الحافظ: "متروك باتفاقهم، واتهمه بعضهم بالكذب، والله المستعان" "نتائج الأفكار" (٢/ ٤١١) بينما اكتفى في "المطالب العالية" (١/ ٤٢٦) بالحكم عليه بقوله: "ضعيف".
بقى معنا: إذا لم نستطع الجمع بين أقوال الحافظ المتعارضة في الراوي، فأي أقواله نقدم؟ وهل أقواله في بعض كتبه أولى بالتقديم من غيرها أم لا؟
هذا ما يجيبنا عنه محدث العصر الإمام الألباني، ومحدث الديار اليمنية الإمام الوادعي -رحمهما الله-.
سئل الإمام الألباني ﵀: إذا اختلف كلام الحافظ في "التقريب" وفي "الفتح" وفي "التلخيص" في الحكم على رجل بالتضعيف أو التوثيق، فهل يُرَجَّح كلامه في "التقريب"؛ لأنه في تخصصه وفي بابه، ومستحضر لكلام العلماء فيه؟ وكذلك
стр. 120
"الإصابة" في بابها، وكذلك "طبقات المدلسين" في بابها، أو هناك قرائن؟
فأجاب ﵀: "الذي أعتقده - والله أعلم- كقاعدة عامة: أنه إذا اختلف قول عالم في كتاب من كتاب آخر، فإنما يُعتمد الكتاب الذي تخصص في البحث في هذا الشخص الذي يترجمه، ذلك لأنه يكون قد توفر لمعرفة ما قيل في هذا المترجم، ثم اختيار ما هو الأقرب إلى الصواب مما اختلف فيه الناس.
أما في كتاب له آخر كما ذكرت آنفا "الفتح" أو "الإصابة" أو غير ذلك فهو في الغالب إنما يحكم من حافظته، وليس من تحقيقه الذي دونه في كتابه الخاص في الترجمة عن ذلك الرجل، فإذا اختلف قوله في راو ضعفه مثلا في "التقريب" وقواه في "الفتح" أو مثلا في "الإصابة" خالف ما في "طبقات المدلسين" ونحو ذلك فهو في "طبقات المدلسين أقوى.
فنحن نعتمد على قوله الذي نعلم أنه درسه دراسة علمية دقيقة فيما إذا خالف قولا أو آخر في كتاب آخر، لا نتصور أنه قد أجرى فيه دراسة خاصة طبعا، هذا كما نقول قاعدة، ولكن لا نستطيع أن نطردها بالمائة مائة، قد يكون مثلا من ذكره في "التقريب" مضعفا، أو في "طبقات المدلسين" مدلسا، قد يكون هو قوي الحديث، ليس يعني مخالفة لما جاء في كتابيه المذكورين "التقريب" و"الإصابة"، وإنما لأنه أيضا قام في نفسه بأن هذا الحديث الذي فيه تدليس أو فيه ذلك الضعيف، إنما وجد له في نفسه بعض الشواهد بسبب دراسته الفقهية للموضوع فأورده وقواه وسكت عليه كما هو أصله في كتابه
стр. 121
"الفتح" (١).
المقصود: إذا لم نجد نحن ما نستثني من هذه القاعدة، فالأصل أن نرجع إلى كتابه المتخصص في التجريح أو في التوثيق". "الدرر في مسائل المصطلح والأثر" (١١٥ - ١١٧).
وسئل شيخنا الإمام الوادعي ﵀: إذا اختلف قول ابن حجر بأن حكم عليه في "التقريب" بحكم، وحكم عليه في "هدي الساري" بحكم آخر، رجح بعضهم حكمه في "هدي الساري"؛ لأنه درس فيه من تُكُلِّم فيهم من رجال البخاري دراسة دقيقة، ورجح آخرون حكمه في "التقريب" بحجة: أنه ألفه بعد "هدي الساري"، فما الذي يترجح عندكم؟
فأجاب: "أما اختلاف الحافظ ابن حجر ﵀ فينبغي أن ينظر الباحث ماذا قال العلماء المتقدمون في ذلك الراوي، نعم إن الحافظ ابن حجر ﵀ في "المقدمة" متقن لهذا أكثر من "التقريب"، وأما "التقريب" فله أخطاء كثيرة فرب شخص يحكم عليه بالثقة وهو مجهول وآخر يحكم عليه بأنه مقبول، وهو ثقة ورُب آخر يحكم عليه بالضعف وهو ثقة، فعلى كل "التقريب" من اجتهادات الحافظ ابن حجر.
وأنت لم تضيق نفسك ما عندك إلا "مقدمة الفتح"؟ ! أبغيك ترجع إذا رأيت كلام الحافظ قد اضطرب ترجع إلى "تأريخ البخاري" و"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم و"الضعفاء" للعقيلي، و"الكامل" لابن عدي، وهكذا أيضا بقية كتب الجرح
стр. 122
والتعديل لتنظر ماذا قال العلماء، وتأخذ الماء من مقره ومن منبعه.
نعم هنا أمر أريد أن أنبه عليه، وهو: مسألة كثرة الرجال فبهم كثرة لا يعلم عددهم إلا الله ، فربما يشتبه الراوي براو آخر، وربما يكون الشخص مستعجلا في وقت ويكون في وقت آخر عنده أناة وسعة صدر يبحث المسألة فإذا بحثها في كتاب وأتقن البحث في ذلك الكتاب عضضت عليه بالنواجذ، ولا يضرك إذا خالف نفسه، فإذا أتقنوا في موضع لم يتيسر لهم الإتقان والبحث والتدقيق في موضع آخر، سواء أكان عن الحديث أم عن الرجل، أو هكذا في الأحاديث رب شخص يبحث الحديث ويظهر فيه علة وأنه ضعيف، ويأتي مرة أخرى ويغتر بظاهر السند فيحكم عليه بالصحة، يكون مستعجلا ما عنده وقت للإستيعاب، فبعد هذا - بارك الله فيكم- لو رأيت أي حافظ قد أتقن بحثا فعض عليه بالنواجذ، والله المستعان". "الفتاوى الحديثية لعلامة الديار اليمانية" (٢/ ٥٣ - ٥٤).
стр. 123
كلام الحافظ في منزلة جرح وتعديل بعض المتكلمين في الرواة
من المعلوم أن من أهم مباحث علم الحديث التي ينبغي لطالب العلم معرفتها - وبالأخص عند دراسة أحوال الرواة للتوصل إلى أعدل الأقوال فيهم- معرفة أحوال المتكلمين فيه من حيث الإمامة والأهلية للجرح والتعديل من عدمه، ومن حيث معرفة عباراتهم واصطلاحاتهم الخاصة منها والعامة وما إلى ذلك.
وقد بسط أهل العلم بيان ذلك في كتبهم، ومن أولئك الحفاظ الذين أتقنوا قواعد هذا الفن، وبينوا حال كثير من المتكلمين في الرواة بفهم ودراية: الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀ في مواضع متفرقة في كتبه هنا وهناك.
ولأهمية معرفة ذلك ولما يترتب على معرفة ذلك من المسائل المهمة، وتقريبا للفائدة ذكرته ها هنا في هذا الفصل، وبالله التوفيق.
علمًا أني لم أذكر في هذا الفصل إلا من كان كلام الحافظ ابن حجر ﵀ فيهم نصا، أما من كان معرفة منزلتهم عند الحافظ ابن حجر ﵀ عن طريق الإستقراء لصنيع الحافظ ابن حجر ﵀ فلم أذكر شيئا منه ها هنا لطوله، ومحله بإذن الله في كتابي "الحافظ ابن حجر ومنهجه في التقريب".
١) أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني: "فقد أطلق إمام الورعين أحمد بن حنبل على جماعة من المحدثين الكذب". "انتقاض الإعتراض" (٢/ ٢٨٢).
٢) محمد بن إسماعيل البخاري: "أحد أئمة الجرح والتعديل، وهو معدود من أعدلهم قولا، وأكثرهم تثبيتا فيه". "تغليق التعليق" (٢/ ١١).
"البخاري في كلامه على الرجال في غاية التحري والتوقي، ومن تأمل كلامه في
стр. 124
الجرح والتعديل علم ورعه وإنصافه". "تغليق التعليق" (٥/ ٣٩٧).
"إلى ما يتميز به عن غيره من إتقان معرفة التعديل والتجريح". "تغليق التعليق" (٢/ ٥).
٣) علي بن عبد الله بن المديني قال الحافظ في ترجمة حسان بن بلال المزني: "قوله - يعني ابن حزم-: "مجهول" قول مردود فقد روى عنه جماعة كما ترى، ووثقه ابن المديني وكفى به". "التهذيب" (١/ ٣٨٠).
٤) يحيى بن معين الغطفاني، قال الذهبي في إبراهيم بن عبد الملك القناد: "ضعفه زكريا الساجي بلا مستند" قال الحافظ: "كذا قال! وأي مستند أقوى من ابن معين". "التهذيب" (١/ ٧٥).
وقال الذهبي في أسود بن مسعود العنبري: "لا يدرى من هو" قال الحافظ: "وهو كلام لا يسوى سماعه؛ فقد عرفه ابن معين ووثقه، وحسبك". "التهذيب" (١/ ١٧٣).
٥) أحمد بن شعيب النسائي: "قدمه قوم من الحذاق لشدة تحريه وتثبته في نقد الرجال ومعرفة ذلك على مسلم بن الحجاج، وقدمه الدارقطني وغيره في ذلك على إمام الأئمة أبي بكر بن خزيمة صاحب "الصحيح"". "هدي الساري" (١١).
وقال في ترجمة علي بن الحسين الدرهمي: "وثقه أبو حاتم والنسائي مع تشددهما". "الخبر" (١/ ٥٢٢).
стр. 125
وقال في ترجمة أبي بلج: "يكفي في تقويته توثيق النسائي وأبي حاتم (١) مع تشددهما". "بذل الماعون" (١١٧).
وقال في ترجمة أحمد بن عيسى: "قد احتج به النسائي مع تعنته". "هدي الساري" (٣٨٧).
٦) محمد بن إدريس أبو حاتم الرازي، قال في ترجمة الحسن بن مدرك السدوسي: "وقد كتب عنه أبو زرعة وأبو حاتم، وهما ما هما في النقد". "هدي الساري" (٣٩٧).
وذكر أنه يتكلم بتعنت في عدة مواضع من "هدي الساري" منها: (٤٤١، ٤٦١، ٤٦٢، ٤٦٣) وراجع ما تقدم في ترجمة النسائي.
٧) عبيد الله بن عبد الكريم أبو زرعة الرازي، راجع ما تقدم في ترجمة أبي حاتم الرازي قبل هذا بقليل.
٨) سليمان بن الأشعث أبو داود السجستاني: "مثل أبي داود لا يُرد قوله بلا دليل". "التهذيب" (٣/ ٢٨٣).
٩) عبد الأعلى بن مسهر أبو مسهر الدمشقي: "كان أبو مسهر شيخ الشاميين في زمانه". "النكت على البخاري" (٢/ ١٣٤).
١٠) عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي دحيم: "أعرف بحديث الشاميين". "التلخيص الحبير" (١/ ٢١٧).
١١) أحمد بن هارون البرديجي: "مذهب البرديجي أن المنكر هو الفرد سواء تفرد به
стр. 126
ثقة أو غير ثقة، فلا يكون قوله: "منكر الحديث" جرحا بينا". "هدي الساري" (٤٥٥).
١٢) عبد الله بن عدي أبو أحمد الجرجاني، قال الحافظ في ترجمة أبي بلج يحيى بن سليم: "فهذا ابن عدي مع شدة تقصيه وتتبعه لما أخطأ الثقات فيه لم يذكر في أفراد أبي بلج حديث أبي موسى فهو مما أتقنه عنده". "بذل الماعون" (١١٨).
١٣) محمد بن حبان البستي أبو محمد: "معروف بالتساهل في باب النقد". "النكت" (٢/ ٧٢٦).
" ... وهذا الذي ذهب إليه ابن حبان من أن الرجل إذا انتفت جهالة عينه كان على العدالة إلى أن يتبين جرحه مذهب عجيب! ، والجمهور على خلافه ... ". "اللسان" (١/ ٢١).
وقال في ترجمة أبي سلمة الجهني: "ذكره ابن حبان في "الثقات" وأخرج حديثه في "صحيحه" والحق أنه مجهول الحال، وابن حبان يذكر أمثاله في "الثقات" ويحتج به في "الصحيح" إذا كان ما رواه ليس بمنكر". "اللسان" (٧/ ٦٧٢) باختصار.
وقال في ترجمة أيوب الأنصاري عن سعيد بن جبير: "ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: "روى عنه مهدي بن ميمون، لا أدري من هو ولا ابن من هو" وهذا القول من ابن حبان يؤيد ما ذهبنا إليه من أنه يذكر في "كتاب الثقات" كل مجهول روى عنه ثقة ولم يجرح، ولم يكن الحديث الذي يرويه منكرا، هذه قاعدته، وقد نبه على ذلك الحافظ صلاح الدين العلائي صاحب "القواعد" والحافظ شمس الدين ابن عبد الهادي صاحب "التنقيح" وغيرهما ﵏". "لسان الميزان" (١/ ٧٦٢ - ٧٦٣).
"تصحيح مثل هذا في غاية البعد لكن ابن حبان على عادته في توثيق من لم يرو عنه
стр. 127
إلا واحد إذا لم يكن فيما رواه ما ينكر". "التهذيب" (٤/ ٦٧).
١٤) عبد الرحمن بن أحمد بن يونس المصري، نص الحافظ على أنه أعلم الناس وأعرفهم بالمصريين في عدة مواضع من كتبه راجعها في ترجمته من هذا الكتاب.
١٥) محمد بن سعد البصري كاتب الواقدي: "مادته من الواقدي في الغالب، والواقدي ليس بمعتمد" "الهدي" (٤١٧).
"ابن سعد يقلد الواقدي، والواقدي على طريقة أهل المدينة في الإنحراف على أهل العراق، فاعلم ذلك ترشد إن شاء الله". "الهدي" (٤٤٣).
"تضعيف ابن سعد فيه نظر لاعتماده على الواقدي (١) ". "الهدي" (٤٤٧).
١٦) إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: "قلنا غير مرة: إن جرحه لا يقبل في أهل الكوفة لشدة انحرافه ونصبه". "الهدي" (٤٤٦).
"غال في النصب". "الهدي" (٤٠٦).
"مشهور بالنصب والإنحراف". "التهذيب" (٤/ ٨٣).
"فإن الحاذق إذا تأمل ثلب أبي إسحاق الجوزجاني لأهل الكوفة رأى العجب! وذلك لشدة انحرافه في النصب وشهرة أهلها بالتشيع، فتراه لا يتوقف في جرح من
стр. 128
ذكره منهم بلسان ذلق وعبارة طلقة، حتى إنه أخذ يلين مثل الأعمش وأبي نعيم وعبيد الله بن موسى وأساطين الحديث، وأركان الرواية، فهذا إذا عارضه مثله أو أكبر منه فوثق رجلا ضعفه قُبِل (١) ". "اللسان" (١/ ٢٣).
١٧) الحسين بن إبراهيم الجوزقاني، ذكر الحافظ وهما للجوزقاني ثم قال: "فلعل الجوزقاني دخل عليه إسناد في إسناد؛ لأنه كان قليل الخبرة بأحوال المتأخرين، وجل اعتماده في كتاب "الأباطيل" على المتقدمين إلى عهد ابن حبان، وأما من تأخر عنه فيعل الحديث بأن رواته مجاهيل، وقد يكون أكثرهم مشاهير". "لسان الميزان" (٢/ ٤٩٩).
١٨) أحمد بن علي السليماني: "حافظ متقن كان يدري ما يخرج من رأسه". "اللسان" (٥/ ٧٥٨) ترجمة محمد بن جرير بن يزيد الطبري.
١٩) محمد بن يوسف بن موسى بن مسدي أبو بكر الغرناطي: "كان في لسانه زهو قل أن ينجو منه أحد". "اللسان" (٦/ ٦٤٤).
٢٠) علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي، قال ابن حزم في أحمد بن علي بن حسنويه المقرئ: "لا يعرف"، قال الحافظ: "وهذه عادته فيمن لا يعرف". "اللسان" (١/ ٣٣٧) ترجمة أحمد بن علي.
وقال ابن حزم في أحمد بن علي بن مسلم بن الأبار: "مجهول" قال الحافظ: "هذه عادة ابن حزم إذا لم يعرف الراوي يُجَهِّلُه، ولو عبر بقوله: "لا أعرفه" لكان أنصف، ولكن
стр. 129
التوفيق عزيز". "اللسان" (١/ ٣٤٩) ترجمة أحمد بن علي بن مسلم.
وقال في ترجمة القاسم بن عيسى الطائي: "وأفرط أبو محمد بن حزم كعادته، فقال: "مجهول لا يدرى من هو"". "التهذيب" (٣/ ٤١٦).
٢١) علي بن محمد بن عبد الملك أبو الحسن بن القطان المغربي، قال الحافظ في ترجمة محمد بن نجيح السندي: "عده أبو الحسن بن القطان فيمن لا يعرف، وذلك قصور منه فلا تغتر به، وقد أكثر من وصف جماعة من المشهورين بذلك، وتبعه (١) إلى مثل ذلك أبو محمد بن حزم ولو قالا: "لا نعرفه" لكان أولى لهما". "التهذيب" (٣/ ٧١٧).
وقال بعد أن نقل عن ابن القطان أنه قال في أحمد بن عبيد الله بن الحسن العنبري: "مجهول" قال ﵀: "وابن القطان تبع ابن حزم في إطلاق التجهيل على من لا يطلعون على حاله، وهذا الرجل بصري شهير وهو ولد عبيد الله القاضي المشهور". "اللسان" (١/ ٣٢٨).
٢٢) محمد بن أحمد بن عثمان أبو عبد الله الذهبي: "من أهل الإستقراء التام في نقد الرجال". "النزهة" (١٩٠).
"ينبغي التثبت في الذين يضعفهم المؤلف - الذهبي- من قبله". "اللسان" (٥/ ٤٢) ترجمة علي بن صالح الأنماطي.
وراجع ترجمة الإمام الذهبي من هذا الكتاب.
стр. 130
٢٣) محمد بن الحسين أبو الفتح الأزدي، تكلم عليه الحافظ في عدة مواضع بما حاصله: أنه لا يعتمد على جرحه وتعديله لكونه في نفسه ضعيف غير مرضي. راجع أقوال الحافظ فيه في ترجمته من هذا الكتاب.
٢٤) عبد الباقي بن قانع أبو الحسين الحافظ، قال الحافظ في ترجمة الفضل بن عنبسة من "التقريب": "ثقة انفرد ابن قانع بتضعيفه، وليس ابن قانع بمقنع".
وقال في ترجمة مروان بن محمد الطاطري: "وقول ابن قانع غير مقنع". "التهذيب" (٤/ ٥٢).
وقال في ترجمة مبشر بن إسماعيل: "ضعفه ابن قانع وهو أضعف منه". "الهدي" (٤٦٣).
٢٥) هبة الله بن المبارك السقطي: "لا يوثق به". "اللسان" (٢/ ٥٧٦) ترجمة الحسين بن محمد الهاشمي. "متهم". "اللسان" (٥/ ٢٥٨) ترجمة عمر بن يوسف السلماسي.
٢٦) عبد الرحمن بن يوسف بن سعيد بن خراش: "ما هو بعمدة". "اللسان" (٥/ ٩٥) ترجمة علي بن عثمان اللاحقي.
"مذكور بالرفض والبدعة فلا يلتفت إليه". "الهدي" (٤٣١).
"من غلاة الشيعة بل نسب إلى الرفض فيُتأنى في جرحه لأهل الشام للعداوة البينة
تفسير الحافظ لبعض عبارات الجرح والتعديل وبيان مراتبها
مما ينبغي أن لا يجهله طالب علم الحديث معرفة معاني عبارات أئمة الجرح والتعديل، لما يترتب على ذلك من التوصل إلى معرفة درجة الراوي اللائقة به، وما يترتب على ذلك من الحكم على حديثه بالقبول أو الرد، فمعرفة ذلك متعلقة بصميم الدين.
وقد اهتم العلماء ببيان معاني عبارات الجرح والتعديل وبيان مراتبها، ومن هؤلاء الحفاظ النقاد الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀ في مواضع متفرقة من كتبه أحببت سوقها في هذا الموضع نشرا للعلم، وتقريبا للفائدة، وبالله التوفيق:
١) قول الخليلي: "متفق عليه" (١)، قال الخليلي في عباس الدوري: "متفق عليه"، قال الحافظ: "يعني: على عدالته وإلا فالشيخان لم يخرج له واحد منهما". "التهذيب" (٢/ ٢٩٤).
٢) "فلان ملي" قال الحافظ: ""ملي" بلام خفيفة في "مقدمة مسلم" عن طاووس: "إن كان صاحبك مليا فخذ عنه" يعني: ثقة". "تبصير المنتبه" (٤/ ١٣٨٩).
٣) "فلان من الطبقة العليا" قالها ابن شاهين في يزيد بن هارون الواسطي، قال الحافظ: "يعني من المعرفة". "اللسان" (١/ ٢٤٥) ترجمة أحمد بن حفص السعدي.
стр. 133
٤) "ما رأيت أحدًا أجدر أن يقول: "قال رسول الله ﷺ " ولا يُسأل عمن هو من فلان" قالها ابن عيينة في محمد بن المنكدر، قال الحافظ: "يعني لتحريه" (١). "التهذيب" (٣/ ٧٠١).
٥) قول عبد الله بن أحمد عن أبيه: "ذكره بخير" قال أبو حاتم في عباس بن الحسين القنطري: "مجهول"، قال الحافظ: "إن أراد العين؛ فقد روى عنه البخاري وموسى بن هارون الحمال والحسن بن علي المعمري وغيرهم، وإن أراد الحال فقد وثقه عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: "سألت أبي عنه فذكره بخير"". "الهدي" (٤١٣).
٦) "فلان أثبت من فلان" قال الحسيني في جهير بن يزيد العبدي: "لينه يحيى القطان، بقوله: "حوشب بن عقيل أثبت منه"" قال الحافظ: "وهذه الصيغة ليست صريحة في التليين بل احتمالها قوته أقوى". "تعجيل المنفعة" (١/ ٣٩٩).
٧) "ليس هو كأقوى ما يكون" قالها ابن المديني في إبراهيم بن يوسف السبيعي، قال الحافظ: "قلت: هذا تضعيف نسبي". "هدي الساري" (٥٥٤).
٨) "ليس بالقوي، ليس بذاك القوي" قال الحافظ في ترجمة سعد بن سليمان: "ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال أبو حاتم الرازي: "ليس بالقوي" ومثل هذا يصلح أن يعتبر به وأن يكتب حديثه في المتابعات". "بذل الماعون" (١١٢).
وقال النسائي في أحمد بن بشير المخزومي: "ليس بذلك القوي" قال الحافظ: "أما
стр. 134
تضعيف النسائي له فمشعر بأنه غير حافظ". "الهدي" (٢٨٥ - ٢٨٦).
٩) "فيه ضعف" قال الحافظ: "جرح لين". "اللسان" (١/ ١٢٢) ترجمة إبراهيم بن العلاء الغنوي.
١٠) "مستور" قال الحافظ في ترجمة أبي مسلم التغلبي: "فيكون له راويان ولم يُجرح فهو مستور". "الإيثار" (١٧٠).
وقال في ترجمة أبي عمر الصيني: "لا يعرف اسمه ولا حاله، وقد روى عنه جماعة فهو مستور". "النتائج" (١/ ٣٣٢).
١١) "ليس بمشهور" أورد النباتي في "ذيل الكامل" محمد بن أيوب بن ميسرة، قال الحافظ: "ولعل مستند النباتي قول أبي حاتم: "ليس بمشهور" وليس كذلك، بل مراد أبي حاتم أنه لم يشتهر في العلم اشتهار غيره من أقرانه مثل سعيد بن عبد العزيز وأنظاره". "تعجيل المنفعة" (٢/ ١٧٠ - ١٧١).
وقال: "وكأن مستنده قول أبي حاتم: "ليس بمشهور" لكن لم يُرِد أبو حاتم بذلك أنه مجهول، وإنما أراد أنه لم يشتهر في العلم اشتهار أقرانه كسعيد بن عبد العزيز (١) ". "اللسان" (٥/ ٧٣١).
١٢) "صالح، أو صالح الحديث": "من عادتهم إن أرادوا وصف الراوي
стр. 135
بالصلاحية في الحديث قيدوا ذلك فقالوا: "صالح الحديث" فإذا أطلقوا الصلاح فإنما يريدون به في الديانة والله أعلم". "النكت" (٢/ ٦٨٠).
وفي ترجمة عبد الملك بن الصباح المسمعي، قال فيه أبو حاتم الرازي: "صالح"، قال الحافظ: "هي من ألفاظ التوثيق في المرتبة الأخيرة عند ابن أبي حاتم، وهو قال: "إن من قيل فيه ذلك يكتب حديثه للإعتبار" وعلى هذا عبد الملك ليس من شرط الصحيح، لكن ... ". "الفتح" (١٢/ ١٦٧).
١٣) "لا أتهمه" قال الحافظ في ترجمة محمد بن عروة بن رويم اللخمي: "ذكره النباتي في "ذيل الكامل" ولم يذكر فيه شيئًا سوى قول أبي حاتم: "لا أتهمه" وهذا ليس بقادح". "اللسان" (٦/ ٣٤٦) ترجمة محمد بن عروة اللخمي.
١٤) "لا أفهمه" قالها أبو حاتم في محمد بن عروة اللخمي، قال الحافظ: "هي بمعنى: لا أعرفه". "اللسان" (٦/ ٣٤٦) ترجمة محمد بن عروة اللخمي.
١٥) "أرجو أنه لا بأس به" قال الذهبي في ترجمة حبيب بن أبي حبيب: "ساق له ابن عدي في "الكامل" وقال: "هو على قلة حديثه أرجو أنه لا بأس به"، قال الحافظ: "وقال البرقاني عن الدارقطني: "بصري لا يعتبر به" قلت: فلم ينفرد ابن عدي بتليينه". "اللسان" (٢/ ٣١١) ترجمة حبيب بن أبي حبيب.
ففهم الحافظ بن حجر من قول ابن عدي: "أرجو أنه لا بأس به" التليين حيث قال: "فلم ينفرد ابن عدي بتليينه".
١٦) "تركه فلان، ولم يرو عنه فلان" قال الحافظ في ترجمة الزبير بن الخريت البصري: "وحكى الباجي في "رجال البخاري" عن علي ابن المديني أنه قال: "تركه
стр. 136
شعبة" والذي رأيته عن علي أنه قال: "لم يرو عنه شعبة" وبين اللفظين فرقان". "الهدي" (٤٠٢).
١٧) "ممرور" قالها الإسماعيلي في أحمد بن حفص السعدي، قال الحافظ: "أشار إلى أنه أحيانا كان يغيب عقله، والمرور هو الذي يصيبه الخلط من المرة فيخلط". "اللسان" (١/ ٢٤٥) ترجمة: أحمد بن حفص السعدي.
١٨) "لا أعرفه" قال الحافظ في ترجمة يحيى بن المتوكل: "لكن قول يحيى بن معين "لا أعرفه" أراد به جهالة عدالته لا جهالة عينه (١)، فلا يعترض عليه بكونه روى عنه جماعة؛ فإن مجرد روايتهم عنه لا تستلزم معرفة حاله". "النكت" (٢/ ٦٧٧).
١٩) "كان شيخا صالحا، حدث بالمناكير عن المعروفين، وفي مقدار ما يروي أرجو أنه لا بأس به، وله عن الثقات والضعفاء، وإذا روى عن ثقة لا يتابع" قال الإمام الذهبي في ترجمة بكير بن جعفر الجرجاني: "منكر الحديث مشاه ابن عدي" قال الحافظ ابن حجر: "وعبارة ابن عدي تقتضي توثيق حاله؛ فإنه قال: "كان شيخا صالحا ... "". "اللسان" (٢/ ١٠٧ - ١٠٨).
٢٠) قول البخاري: "فيه نظر، وفي حديثه نظر" قال البخاري في أبي بلج يحيى بن سليم: "فيه نظر" قال الحافظ: "وهذه عبارته فيمن كان وسطا" (٢). "بذل الماعون" (١١٧).
стр. 137
وقال في ترجمة ثمامة بن وائل أبي ثفال: "روى عنه جماعة، وقال البخاري: "في حديثه نظر" وهذه عادته فيمن يضعفه". "التلخيص الحبير" (١/ ١٢٧).
٢١) "لولا سلامة فيه لتُرك حديثه" قالها أبو داود في محمد بن بشار، قال الحافظ: "يعني أنه كانت فيه سلامة فكان إذا سها أو غلط يحمل ذلك على أنه لم يتعمد". "الهدي" (٤٣٧).
٢٢) "كان ثقة فيما يروي عن المعروفين" قال الحافظ في ترجمة مروان بن معاوية: "ثقة مشهور تكلم فيه بعضهم؛ لكثرة روايته عن الضعفاء والمجهولين، فقال علي بن المديني: "كان ثقة فيما يروي عن المعروفين"". "الهدي" (٤٤٣).
٢٣) "لا بأس به إذا روى عنه ثقة" قال الحافظ في ترجمة أبي الزاهرية حدير بن كريب: "وقال أبو حاتم والدارقطني: "لا بأس به -زاد الدارقطني: إذا روى عنه ثقة" فاحترز بذلك عن رواية الضعفاء عنه؛ لأن غالب الرواة عنه كذلك". "كشف الستر" (٣٠ - ٣١).
٢٤) "يُعتبر حديثه إذا بين السماع في روايته" قال الحافظ في ترجمة عبد الله بن معاوية الأسدي البصري: "وقال ابن حبان لما ذكره في "الثقات": "ربما خالف يعتبر بحديثه إذا بين السماع في روايته" أشار إلى أنه ربما دلس عن الضعفاء فتكون النكارة من قبلهم، فتلتصق به". "تعجيل المنفعة" (١/ ٧٦٦ - ٧٦٧).
وقد وصف الحافظ عدة رواة بالتدليس في كتابه "تعريف أهل التقديس" مستدلا على ذلك بهذه العبارة وما شابهها.
стр. 138
٢٥) "كان رفاعا" قال الحافظ في كلام أبي حاتم الرازي وغيره في بعض الرجال: "كان رفاعا": "يعنون: أنه يرفع الحديث الموقوف". "تبصير المنتبه" (٢/ ٦٣٠).
٢٦) "كان خشبيا" قالها الجوزجاني في مالك بن إسماعيل النهدي، قال الحافظ: "يعني شيعيا". "الهدي" (٤٤٢).
٢٧) قول الذهبي في بعض الرواة: "لا أعرفه" قال الحافظ في ترجمة حريث بن ظهير الكوفي: "وقرأت بخط الذهبي: "لا يعرف" يعني: عدالته، وقد ذكره ابن حبان في "الثقات"". "التهذيب" (١/ ٣٧٤).
٢٨) قول أبي حاتم في بعض الرواة: "هو أحب إلي من فلان إذا ذكر الخبر" قال الحافظ: "يعني: إذا صرح بالسماع". "التهذيب" (٣/ ٤٣٠).
٢٩) قول بعض الرواة: "فرغت من حاجتي من فلان قبل كذا وكذا" قال عبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي البصري: "فرغت من حاجتي من سعيد - يعني ابن أبي عروبة - قبل الطاعون" قال الحافظ: "يعني: أنه سمع منه قبل الإختلاط". "التهذيب" (٢/ ٢٦٥).
٣٠) قول الجريري: "غيره أوثق منه" قال الجريري في أبي واقد عبد الله بن قتادة الحراني: "غيره أوثق منه"، قال الحافظ: "وهذه العبارة يقولها الجريري في الذي يكون شديد الضعف". "التهذيب" (٢/ ٤٥١).
٣١) قولهم في الراوي: "ليس بثقة" قال الحافظ في ترجمة شعبة بن دينار الهاشمي مولى ابن عباس: "لفظة: "ليس بثقة" في الإصطلاح يوجب الضعف الشديد". "التهذيب" (٢/ ١٧٠ - ١٧١).
стр. 139
٣٢) "هو على يدي عدل" قال أبو حاتم في محمد بن خالد بن عبد الله الطحان الواسطي: "هو على يدي عدل" قال الحافظ: "وقوله: "على يدي عدل" معناه: قرب من الهلاك، وهذا مثل للعرب، كان لبعض الملوك شرطي اسمه عدل، فإذا دُفِع إليه من جنى جناية جزموا بهلاكه غالبا، ذكره ابن قتيبة وغيره، وظن بعضهم (١) أنها من ألفاظ التوثيق فلم يصب". "التهذيب" (٣/ ٥٥٣).
٣٣) "منكر الحديث" من البخاري، قال الحافظ في جرير بن أيوب البجلي: "رواه، قال البخاري: "منكر الحديث" وهو جرح شديد منه". "المهرة" (١٦/ ٢/ ٦٧٠).
стр. 140
ألفاظ حكم عليها الحافظ ابن حجر أنها جرح مبهم
١) " ليس بالقوي" قال الحافظ في ترجمة عبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي بعد أن ذكر بعض من وثقه: "وقال محمد بن سعد: "لم يكن بالقوي" قلت: هذا جرح مردود غير مبين، فلعله بسبب القدر". "الهدي" (٤١٦).
وقال الفسوي في محمد بن حمير: "ليس بقوي" قال الحافظ: "وهو جرح غير مفسر في حق من وثقه يحيى بن معين، وأخرج له البخاري". "النتائج" (٢/ ٢٩٥).
٢) "يتكلمون فيه" قال الحافظ في ترجمة سعيد بن سليمان سعدويه بعد أن ذكر بعض الأقوال فيه: "وقال الدارقطني: "يتكلمون فيه" قلت: هذا تليين مبهم لا يقبل". "الهدي" (٤٠٥).
٣) "ليس بذاك" قال الحافظ في ترجمة يزيد بن أبي مريم الأنصاري: "وثقه الأئمة وابن معين ودحيم وأبو زرعة وأبو حاتم، قال الدارقطني: "ليس بذاك" قلت: وهذا جرح غير مفسر فهو مردود". "الهدي" (٤٥٣).
٤) "ما كان بأهل لأن يُحَدث عنه" قال الحافظ في ترجمة يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الهمداني: "احتج به الجماعة، إلا أن عمر بن شبة حكى عن أبي نعيم أنه قال: "ما كان بأهل لأن أحدث عنه" وهذا الجرح مردود، بل ليس هذا بجرح ظاهر، والله أعلم". "الهدي" (٤٥١).
٥) "غمزه فلان" نقل الحافظ في ترجمة المنهال بن عمرو عن الحاكم أن يحيى القطان غمز المنهال بن عمرو، ثم قال الحافظ: "وحكاية الحاكم عن القطان غير مفسرة". "الهدي" (٤٤٦).
стр. 141
٦) "متهم بسرقة الحديث" قال الحافظ: "من أصحاب شعبة، قال أبو حاتم: "صالح"، وذكره صاحب "الميزان" فنقل عن الخليلي أنه قال فيه: "وكان متهما بسرقة الحديث" وهذا جرح مبهم". "الهدي" (٤٢١).
٧) "منكر الحديث" من البرديجي، قال الحافظ: "مذهب البرديجي أن المنكر هو الفرد سواء تفرد به ثقة أو غير ثقة، فلا يكون قوله: "منكر الحديث" جرحًا بينا". "هدي الساري" (٤٥٥).
стр. 142
أمثلة للجرح المردود من كلام الحافظ بن حجر
لما كان الأصل في أعراض المسلمين الحرمة، وكانت الكثير من مسائل الجرح والتعديل مبنية على الإجتهاد الذي هو عرضة للخطإ والصواب؛ هيأ الله أهل الحديث لوضع قواعد لعلم الجرح والتعديل يُعرف من خلالها الجرح القادح من غيره، ويُنزل الناس بها منازلهم اللائقة بهم، وما ذاك إلا لأن الأمر دين، ولأن الأمر كما قال الحافظ ابن حجر ﵀: "لأن الأسباب الحاملة للأئمة على الجرح منها ما يقدح، ومنها ما لا يقدح". "الهدي" (٣٨٤).
وكما قال الإمام الطبري ﵀: "لو كان كل من ادعي عليه مذهب من المذاهب الرديئة ثبت عليه ما ادعي به وسقطت عدالته وبطلت شهادته؛ للزم ترك أكثر محدثي الأمصار؛ لأنه ما منهم إلا وقد نسبه قوم إلى ما يرغب به عنه". "الهدي" (٤٢٨).
وبسط هذا وضرب الأمثلة له يطول، وإنما الذي يهمنا ها هنا إيراد بعض أسباب الجرح التي حكم عليها الحافظ ابن حجر ﵀ بالرد مستخلصا ذلك من تراجم الرواة من هذا الكتاب المبارك، وبالله التوفيق.
فمن الجرح الذي رده الحافظ ابن حجر ﵀:
أولا: قولهم: "لم يرو عنه فلان" أو: "لم أسمع فلانا كتب عنه شيئا":
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في ترجمة أفلح بن سعيد الأنصاري: "ولم أر للمتقدمين فيه كلاما إلا أن العقيلي قال: "لم يرو عنه ابن مهدي" قلت: وليس هذا بجرح". "القول المسدد" (٧٧).
وقال في ترجمة عمارة بن غزية المدني معقبا على ذكر العقيلي له في "الضعفاء": "ولم
стр. 143
يقل العقيلي فيه شيئا سوى قول ابن عيينة: "جالسته كم من مرة فلم نحفظ عنه شيئا" فهذا تغفل من العقيلي إذ ظن هذه العبارة تليين، لا والله". "التهذيب" (٣/ ٢١٣).
وقال ﵀ في ترجمة زفر بن الهذيل: "ذكره أبو جعفر العقيلي وأبو الفتح الأزدي في "الضعفاء" من أجل قول أبي موسى محمد بن المثنى: "لم أسمع عبد الرحمن كتب عنه شيئا" وهذا لا يقتضي تضعيفا". "الإيثار" (٤٣ - ٤٤).
قلت: وإنما لم يكن ترك بعض الحفاظ الرواية عن بعض الرواة جرحا قادحا في الراوي؛ لأن أسباب الترك كثيرة، منها ما يقدح ومنها ما لا يقدح.
فقد ذكر العلامة المعلمي ﵀ أن ترك بعض الأئمة - أو الرواة- الرواية عن بعض المشايخ ليس منحصرا في اعتقادهم ضعفهم، بل قد يكون لغير ذلك". "التنكيل" (٢/ ١٦٦).
ونقل الحافظ العلائي على ذلك الإتفاق فقال: "وكون مالك لم يرو عن سعد بن سعيد لا يدل على ضعفه ولا تركه بالإتفاق إذا لم يصرح بذلك؛ لأنه يُحتمل أنه لم يتفق له لقاؤه أو غير ذلك من الاحتمالات". "رفع الإشكال عن صيام ست أيام من شوال" (٣٩ - ٤٠).
وقد بينت ذلك مع ضرب الأمثلة عليه في فصل خاص من كتابي "القول الأحمد بذكر من لا يروي إلا عن ثقة ومن يروي عن كل أحد".
ثانيا: إذا طُعن فيه من أجل مجيئه في سند حديث منكر توبع فيه من مثله أو ممن هو أحسن حالا منه أو كان في السند من هو أضعف منه؛ فلا يكون ذلك جرحا قادحا فيه.
قال الإمام الذهبي ﵀ في ترجمة عثمان بن أحمد بن السماك: "صدوق في نفسه، لكن
стр. 144
روايته لتلك البلايا! فالآفة من فوقه، أما هو فوثقه الدارقطني". ثم ساق الذهبي خبرا منكرا رواه ابن السماك ثم قال: "وهذا الإسناد ظلمات، وينبغي أن يُغمز ابن السماك؛ لروايته لهذه الفضائح". قال الحافظ ابن حجر ﵀: "ولا ينبغي أن يُغمز ابن السماك بهذا، ولو فتح المؤلف على نفسه ذكر من روى خبرا كذبا آفته من غيره؛ ما سلم معه سوى القليل من المتقدمين فضلا عن المتأخرين". "اللسان" (٤/ ٥٨٨ - ٥٨٩).
وساق ابن عدي ﵀ في ترجمة الحسن بن علي بن محمي خبرا ثم قال: "هذا حديث منكر، أحسب آفته ابن محمي". قال الحافظ ابن حجر ﵀: "قلت: هذا الحسبان فاسد لا ذنب فيه لابن محمي ولا لشيخه (١)، وإن كان فيه مقال؛ فقد أخرجه أبو يعلى في "مسنده" عن سويد بن سعيد، وأخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "زيادات المسند" عن محمد بن أبي بكر المقدمي عن هارون بن مسلم (٢) بهذا السند والمتن". "اللسان" (٢/ ٤٢٥).
وقال ﵀ في ترجمة الحسين بن الفضل البجلي: "ساق الحاكم له خمسة عشر حديثا ليس فيها حديث مما ينكر؛ لكون سنده نظيفا، حتى يُلزق الوهم بالحسين، بل لا بد فيه من راو ضعيف غيره، فلو كان كل من روى شيئا منكرا استحق أن يذكر في الضعفاء لما سلم من المحدثين أحد، لا سيما المكثر منهم، فكان الأولى أن لا يذكر هذا الرجل
стр. 145
لجلالته، والله أعلم". "اللسان" (٢/ ٥٦٨ - ٥٨٩).
قلت: وقد قال الخليلي ﵀ في ترجمة أبي عبد الله محمد بن أشرس: "معروف لكنه يروي عن الضعفاء، فما يقع في حديثه من المناكير؛ فمنهم لا منه". "الإرشاد" (٣/ ٣٢٧).
وقال الإمام الذهبي ﵀ في ترجمة مطرف بن معقل: "له حديث موضوع، والآفة من غيره؛ لأنه وثق". "المغني في الضعفاء" (٢/ ٣٠٥).
ففي كلام هذين الحافظين تأييد لما قرره الحافظ ابن حجر ﵀ من عدم تحميل الراوي عهدة الخبر المنكر وفي السند من هو أضعف أو أحق بذلك منه، والله أعلم.
ثالثا: إذا ثبتت عدالة الراوي ثم طعن فيه: أنه يلحق اسمه في الطباق، ويدعي سماع ما لم يسمع؛ فلا يعد ذلك جرحا قادحا فيه.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في ترجمة عبد الرحيم بن الحافظ أبي سعد السمعاني: "قال ابن النجار: "سماعاته بخط المعروفين صحيحة، وأما ما كان بخطه فلا يعتمد عليه؛ فإنه كان يلحق اسمه في طباق إلحاقا بينا، ويدعي سماع أشياء لم توجد" - قال الحافظ: - "وهذا الذي قاله ابن النجار فيه لا يقدح بعد ثبوت عدالته وصدقه، أما كونه ادعى سماع أشياء لم توجد؛ فهذا إنما يتم به القدح فيه لو وُجد الأصل الذي ادعى أنه سمع منه، ولم يوجد اسمه فيه، أما فقدان الأصول فلا ذنب للشيوخ فيه".
ثم نقل الحافظ عن ابن النجار ما يدل على سعة مسموع السمعاني، ثم قال: "ومن كان بهذه الكثرة؛ لا يُنكر عليه أن يلحق اسمه بعد تحقق سماعه، والله أعلم". "اللسان" (٤/ ٣٣٨).