٧ - موسى بن عبد الرحمن بن خلف بن موسى بن أبى تليد، الشاطبى، فقيه، حافظ محدث، مشهور، وكان مفتيا ببلده، روى عن ابن عبد البر كثيرًا من روايته، حدث عنه جماعة، ورحلوا إليه، كان مولده سنة أربع واربعين واربعمائة (٤٤٤)، وتوفى ﵀ في ربيع الآخر سنة سبع عشرة وخمسمائة (٥١٧)(١).
المبحث السابع: مكانته العلمية وأقوال العلماء فيه:
إن للحافظ ابن عبد البر منزلة علمية فذة بين العلماء، كيف لا تكون له مثل هذه المنزلة وقد لقب بحق "حافظ المغرب" وقد لقى العلماء الكبار والحفاظ المتقنين وجالسهم وأخذ عنهم كثيرًا من العلوم "كالسنن" و"الناسخ والمنسوخ" لأبى داود "ومسند الإِمام أحمد" و"أحاديث الزعفرانى" و"التفسير" لمحمد بن سنجر، و"مصنف قاسم بن أصبغ في السنن" و"المعارف" لابن قتيبة و"المشكل" و"شرح غريب الحديث" و"الموطأ" و"المدونة" لمالك بن أنس و"موطأ ابن وهب" و"موطأ ابن القاسم" و"أحاديث وكيع" و"مسند الحميدى" والتاريخ المعروف "بذيل المذيل" للطبرى، و"تصنيف عبد اللَّه بن الحكم" وغيرها كثير هذا بالإضافة إلى الاجازات والوجادات المختلفة (٢).
وان مؤلفات الحافظ ابن عبد البر الكثيرة المتنوعة المفيدة التى انتشرت في العالم، واشتهرت عنه وعظم النفع بها والأخذ عنها، وتسابقت الأيدى إليها لخدمتها ونشرها لأكبر دليل كذلك على ما للحافظ ابن عبد البر من المكانة العلمية الفذة المتميزة، وكما يقال "انظر إلى آثاره تغنيك عن أخباره" (٣).
стр. 37
وبعد فإليك أيضًا طائفة من أقوال العلماء في هذا الحافظ الجليل. قال الحافظ الحميدى: أبو عمر فقيه، مكثر، عالم بالقراءات وبالخلاف في الفقه، وبعلوم الحديث والرجال، قديم السماع، كثير الشيوخ، وألف مما جمع تأليف نافعة سارت عنه (١).
وقال أبو الوليد الباجى: لم يكن بالأندلس مثل أبى عمر بن عبد البر في الحديث وهو أحفظ أهل المغرب (٢).
وقال أبو على الغسانى: سمعت أبا عمر بن عبد البر يقول: لم يكن أحد ببلدنا مثل أبى محمد قاسم بن محمد وأبى عمر أحمد بن خالد الجبّاب، ثم قال أبو على الغسانى: وأنا أقول إن شاء اللَّه انّ أبا عمر لم يكن بدونهما, ولا متخلفا عنهما (٣).
وقال ابن بشكوال: إمام عصره وواحد دهره (٤).
وقال ابن بشكوال أيضًا: كان موفقا في التأليف، معانا عليه، ونفع اللَّه بتآليفه، وكان مع تقدمه في علم الأثر، وبصره بالفقه ومعانى الحديث، له بسطة كبيرة في علم النسب والخبر (٥).
وقال ابن خلكان: إمام عصره في الحديث والأثر وما يتعلق بهما (٦).
وقال الذهبى: الإِمام العلامة، حافظ المغرب، شيخ الإسلام ابن عبد البر (٧).
стр. 38
وقال أبو على الغسانى: دأب في طلب الحديث وافتن به وبرع براعة فاق بها من تقدمه من رجال الأندلس، وكان مع تقدمه في علم الأثر وبصره بالفقه، والمعانى له بسطة كبيرة في علم النسب والأخبار (١).
وقال الذهبى: كان إماما دينا ثقة، متقنا، علامة، متبحرا، صاحب سنة واتباع، . . . . بلغ رتبة الأئمة المجتهدين، ومن نظر في مصنفاته بان له منزلته من سعة العلم، وقوة الفهم، وسيلان الذهن (٢).
وقال الذهبى أيضًا: قال شيخنا أبو عبد اللَّه بن أبى الفتح: كان أبو عمر أعلم من بالأندلس في السنن والآثار, وأخلاق علماءِ الأمصار (٣).
وقال الذهبى: أدرك الكبار. وطال عمره. وعلا سنده، وتكاثر عليه الطلبة، وجمع وصنف، ووثق، وضعف، وسارت بتصانيفه الركبان وخضع لعلمه علماء الزمان (٤).
وقال الذهبى: ساد أهل الزمان بالحفظ والإِتقان (٥).
وقال الذهبى: انتهى إليه مع إمامته علو الإِسناد، وأعلى ما عنده "كتاب الزعفرانى" سمعه من ابن ضيفون، انا ابن الأعرابى عنه، و"سنن أبى داود"، سمعه من ابن عبد المؤمن، أنا ابن داسة، عن المؤلف (٦).
وقال الذهبى: كان دينا صينا، ثقة حجة، صاحب سنة واتّباع (٧).
стр. 39
وقال الذهبى أيضًا: الحافظ القرطبى، أحد الأعلام، وصاحب التصانيف وليس لأهل المغرب أحفظ منه، مع الثقة، والدين، والنزاهة والتبحر في الفقه، والعربية، والأخبار (١).
وقال ابن فرحون: شيخ علماء الأندلس، كبير محدثيها في وقته وأحفظ من كان فيها لسنة مأثورة (٢).
وقال ابن العماد الحنبلى: العلامة العلم الحافظ (٣).
وقال أبو على الغسانى: ألف أبو عمر في الموطأ كتبا مفيدة منها كتاب التمهيد وهو كتاب لم يتقدمه أحد إلى مثله وهو سبعون جزءا. . قال ابن حزم: لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله فكيف أحسن منه (٤).
وقال صاحب المغرب في حلى المغرب: الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد البر النّمرى إمام الأندلس في علم الشريعة ورواية الحديث، وفاضلها الذى حاز قصب السبق. . . انظر إلى آثاره تغنيك عن أخباره (٥).
وقال الفتح بن خاقان: أبو عمر يوسف بن عبد البر إمام الأندلس وعالمها الذى التاحت به معالمها، صحّح المتن والسند، وميز المرسل من المسند، وفرق بين الموصول والمنقطع، وكسا الملة منه نور ساطع، حصر الرواة، وأحصى الضعفاء منهم والثقاة، جد في تصحيح السقيم، وجدد منه ما كان كالكهف والرقيم، مع التنبيه والتوقيف، والإتقان والتثقيف، وشرح المقفل، واستدرك المغفل، له فنون هى
стр. 40
للشريعة رتاج، وفى مفرق الملة تاج، كان ثقة، والأنفس على تفضيله متفقة (١).
وقال محمد بن محمد بن مخلوف: الإِمام الحافظ النظار، شيخ علماء الأندلس، وكبير محدثيها الشهير الذكر في الأقطار، شهرته تغنى عن التعريف به (٢).
المبحث الثامن: مذهبه:
قال الحميدى: كان يميل في الفقه إلى أقوال الشافعى ﵀ (٣).
وقال الذهبى بعد أن ذكر قول الحميدى السابق: قلت: كان في أصول الديانة على مذهب السلف لم يدخل في علم الكلام، بل قفا آثار مشايخه ﵏ (٤).
وقال الذهبى أيضًا: كان إماما دينا ثقة متقنا، علّامة متبحرا، صاحب سنة واتباع وكان أولا أثريا ظاهريا فيما قيل، ثم تحول مالكيا مع ميل بيّن إلى فقه الشافعى في مسائل (٥).
وقال أبو عبد اللَّه بن أبى الفتح: كان أبو عمر في أول زمانه ظاهرى المذهب مدة طويلة، ثم رجع إلى القول بالقياس من غير تقليد أحد إلا أنه كان كثيرًا ما يميل إلى مذهب الشافعى. وقال الذهبى بعد أن ذكر هذا القول لأبى عبد اللَّه بن أبى عبد اللَّه بن أبى الفتح: المعروف أنه مالكى (٦).
стр. 41
وقال الكتانى: من تتبع كتب ابن عبد البر علم أنه أبعد الناس عن التقليد الأعمى والاسترسال فيه وتحقق أنه كان يختار مع اعتماده ورجوعه لأصول مالك ومذهبه ﵀ (١).
هذا مجمل أقوال العلماء في مذهب الحافظ ابن عبد البر رحمه اللَّه تعالى.
المبحث التاسع: مؤلفاته:
أما بالنسبة لمؤلفات الحافظ ابن عبد البر، فهى كثيرة، جليلة النفع عظيمة الفائدة مع تنوع موضوعاتها. كيف لا تكون كذلك؟ والحافظ ابن عبد البر قد أوتى بسطة وبراعة في علم الحديث ورجاله وعلم الفقه والخلافات فيه. وعلم النسب والأخبار، وعلم الأدب والأخلاق، وغير ذلك من العلوم الكثيرة بالإضافة إلى براعته في فن التأليف ومن أهم هذه المؤلفات ما يلى:
١ - الأجوبة الموعبة (٢).
٢ - اختصار أحمد بن سعيد (٣).
٣ - اختصار التمييز لمسلم (٤).
٤ - الاستذكار لمذاهب علماء الأمصار فيما تضمنه الموطأ من معانى الرأى والآثار (٥).
стр. 42
٥ - الاستغناء في معرفة المشهورين من حملة العلم بالكنى (١).
٦ - الاستيعاب في معرفة الأصحاب (٢).
٧ - الإشراف في الفرائض (٣).
٨ - أشعار أبى العتاهية (٤).
٩ - الاكتفاء في قراءة نافع وأبى عمرو بن العلاء (٥).
١٠ - الانباه عن قبائل الرواة (٦).
١١ - الانتقاء لمذاهب الثلاثة الأئمة الفقهاء - مالك، وأبى حنيفة والشافعى (٧).
١٢ - الإنصاف فيما في بسم اللَّه الرحمن الرحيم من الخلاف (٨).
١٣ - بهجة المجالس وأنس المجالس (٩).
١٤ - البيان في تلاوة القرآن (١٠).
стр. 43
١٥ - تجريد التمهيد لما في الموطأ من المعانى والأسانيد أو التقصى لحديث الموطأ.
وشيوخ الإِمام مالك (١).
١٦ - التمهيد لما في الموطأ من المعانى والمسانيد (٢).
١٧ - جامع بيان العلم وفضله وما ينبغى في روايته وحمله (٣).
١٨ - الدرر في اختصار المغازى والسير (٤).
١٩ - الشواهد في إثبات خبر الواحد (٥).
٢٠ - العقل والعقلاء وما جاء في أوصافهم (٦).
٢١ - الفهرسة (٧).
٢٢ - القصد والأمم في أنساب العرب والعجم (٨).
٢٣ - الكافى على مذهب مالك (٩).
стр. 44
٢٤ - المغازى (١).
٢٥ - نزهة المستمعين، وروضة الخائفين (٢).
المبحث العاشر: وفاته:
أكثر المصادر التى ذكرت ترجمة الحافظ ابن عبد البر -والتى ذكرتها في بداية ترجمته- ذكرت أنه توفى يوم الجمعة آخر يوم من ربيع الآخر سنة ثلاث وستين واربعمائة (٤٦٣) بمدينة شاطبة من شرق الأندلس. وهى السنة التى توفى فيها أبو بكر الخطيب حافظ المشرق.
وقال الحميد (٣)، وتبعة الضبى (٤): بأنه مات سنة ستين واربعمائة (٤٦٠) والقول الأول هو القول الراجح في وفاة الحافظ ابن عبد البر وبه قال المحدث الأديب الحافظ طاهر بن مفوّز أبو الحسن صاحب الحافظ ابن عبد البر وأحد تلاميذه المكثرين عنه، وهو الذى تولى الصلاة عليه (٥) وقال أبو داود المقرئ أحد تلاميذ الحافظ ابن عبد البر أيضًا: مات أبو عمر ليلة الجمعة سلخ ربيع الآخر سنة ثلاث وستين واربعمائة (٤٦٣) واستكمل خمسا وتسعين سنة وخمسة أيام. أهـ (٦).
стр. 45
الباب الثانى وصف المخطوط ويشتمل على المباحث التالية
١ - المبحث الأول: اسم الكتاب والتحقيق فيه .
٢ - المبحث الثانى: نسبة الكتاب إلى مؤلفه.
٣ - المبحث الثالث: نسخة الكتاب التى بين ايدينا وبيان كل ما يتعلق بها.
٤ - المبحث الرابع: منهج المصنف في الكتاب.
المبحث الأول: اسم الكتاب والتحقيق فيه:
ان هذا الكتاب الذى بين ايدينا يشتمل على ثلاثة كتب للحافظ ابن عبد البر بدأ الحافظ ابن عبد البر كل كتاب من هذه الكتب الثلاثة بخطبة قصيرة ذكر فيها اسم الكتاب وموضوعه فالكتاب الأول: "في من عرف من الصحابة بكنيته" والكتاب الثانى: "في أسماء المعروفين بالكنى من حملة العلم ممّن أشتهر بكنيته ولم يذكر في أكثر اسانيد الحديث باسمه من التابعين ومن بعدهم" والكتاب الثالث: "فيمن لم يوقف له على اسم ولا عرف بغير كنيته من التابعين ومن بعدهم من الخالفين".
ولم يكتب على هذه النسخة اسم لهذا الكتاب سوى ما ذكرت آنفا ولكن هذا الكتاب اشتهر بين العلماء والحفاظ، وذكره الكثيرون منهم في كتبهم ومصنفاتهم فمنهم من ذكره باسم كتاب "الكنى" ومنهم من ذكره باسم مطول فقال: "الاستغناء في من اشتهر من حملة العلم بالكنى"، ومنهم من ذكره بالاسمين المختصر والمطول، ومنهم من جعل الاستغناء كتابا رابعا زائدا على الكتب الثلاثة
стр. 46
الآنفة الذكر، ولتمام الفائدة سأذكر في هذا المبحث من ذكر هذا الكتاب من العلماء مع محاولة تحقيق اسم هذا الكتاب:
١ - ذكره ابن خير الاشبيلى فقال: "كتاب الاستغناء في أسماء المشهورين من حملة العلم بالكنى" تأليف أبى عمر بن عبد البر الحافظ ﵀، حدثنى به الشيخ أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن عتاب ﵀ عن أبى عمر بن عبد البر مؤلفه ﵀. وحدثنى به أبو بكر محمد بن أحمد بن طاهر ﵀ عن أبى على الغسانى قال: حدثنى به أبو عمر بن عبد البر أخذته منه مناولة" (١).
٢ - وذكره ابن الصلاح فقال بعد أن ذكر بعض كتب الكنى: ولابن عبد البر في أنواع منه كتب لطيفة رائقة (٢) ووصفه ابن الصلاح في موضع آخر أيضًا بأنه "تصنيف مليح" (٣).
٣ - وقال الحافظ البلقينى تعقيبًا على قول ابن الصلاح المتقدم وهو قوله "كتب لطيفة رائقة": فائدة ليس المراد باللطافة الصغر حتى يقال: "كتاب الاستغناء في معرفة الكنى" في مجلد كبير ضخم، وكأن الشيخ ابن الصلاح لم يره, لأنا نقول: هو داخل في جملة الكتب المذكورة. أهـ (٤)
٤ - وقال السخاوى: سمى ابن عبد البر تصنيفه "الاستغناء في معرفة الكنى" وهو مجلد ضخم، ولعله اندرج في قول ابن الصلاح: ولابن عبد البر أنواع منه كتب لطيفة رائقة (٥).
стр. 47
٥ - اختصر هذا الكتاب "الاستغناء. . " أبو عبد اللَّه محمد بن أبى الفتح بن أبى الفضل البعلى الحنبلى (ت: ٧٠٩). وسماه "الاستغناء في أسماء المعروفين بالكنى" وكان فراغه منه يوم الأربعاء لخمس بقين من شوال سنة ست وثمانين وستمائة (٦٨٦).
٦ - وذكره الذهبى في سير أعلام النبلاء (١) وكذا في تذكرة الحفاظ (٢) في ترجمة الحافظ ابن عبد البر باسم كتاب "الكنى".
٧ - وذكره الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب باسمه الكامل فقال: "الاستغناء في الكنى" لابن عبد البر. وقال غير مرة أيضًا "الكنى" لابن عبد البر، وعزا إليه كثيرًا وقد أشرت إلى هذا العزو، وذكرت النصوص التى اقتبسها الحافظ ابن حجر من هذا الكتاب في أماكنها في الرسالة وانظر أيضًا تحقيق الكنى التالية: ٤٢٤، ٤٢٧، ٤٨٦، ٦٦٥، ٦٩٥، ٧٧٣، ٩٤٧، ١٥٠٣، ٢١٨٣.
٨ - وذكره الحافظ العراقى أيضًا في جملة ما ذكر في المؤلفات في الكنى (٣).
٩ - وذكره السيوطى في ترجمة الحافظ ابن عبد البر باسم كتاب "الكنى" (٤).
١٠ - وذكره الفاسى في كتابه العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين باسم كتاب "الكنى" انظر تحقيق الكنى (٣٩، ٣٢٦، ٣٤٨).
١١ - وذكره الكتانى في الرسالة المستطرفة في معرض الكلام على الكنى ومن
стр. 48
ألف فيها فقال: ولابن عبد البر وهو المسمى "بالاستغناء في معرفة الكنى" في مجلد ضخم (١).
١٢ - وذكره الزركلى في ترجمة الحافظ ابن عبد البر فقال: ورأيت في خزانة الرباط (١٤٣) أوقاف ثلاث مخطوطات من تأليفة في مجلد قديم متقن أولها "في من عرف من الصحابة بكنيته" والثانى "المعروفين بالكنى من حملة العلم" والثالث "من لم يذكر له اسم سوى كنيته من رجال الحديث" وهذا الأخير ناقص قليلا من آخره -لعل النقص ورقة واحدة (٢).
١٣ - وذكر الأستاذ الدكتور أكرم ضياء العمرى للحافظ ابن عبد البر أربعة كتب في الكنى فقال: "كتاب الاستغناء في معرفة الكنى" وكتاب "من عرف من الصحابة بالكنية" وكتاب أسماء المعروفين بالكنية من التابعين ومن بعدهم" وكتاب "من لم يوقف له منهم على اسم ولا عرف بغير كنيته" (٣).
١٤ - وذكره الدكتور سعدى الهاشمى أيضًا كما ذكره الدكتور أكرم ضياء العمرى تماما (٤).
مما سبق يمكن القول بأن هذا الكتاب الذى بين ايدينا والمشتمل على ثلاثة كتب في الكنى للحافظ ابن عبد البر هو نفسه كتاب "الاستغناء في معرفة المشهورين من حملة العلم بالكنى" كما ذكره بعضهم بالاسم الكامل، وإن من ذكره باسم "الكنى" فقط إنما ذكره مختصرا وهذا يحصل كثيرا من غير نكير من أحد.
стр. 49
وأن "الاستغناء" هذا هو الاسم الأعم الشامل للكتب الثلاثة وليس كتابا رابعا زائدا عليها ويؤيد هذا ما يلى: -
أولا: ان في قول الحافظ ابن الصلاح المتقدم ذكره "ولابن عبد البر في أنواع منه كتب لطيفة رائقة" وما كان من تعليق الحافظ البلقينى والحافظ السخاوى على هذا القول مع ذكرهما بأن هذه الأنواع اللطيفة إنما تقع في مجلد كبير ضخم يقال له: "الاستغناء في معرفة الكنى" ما يدل على أن المراد بهذه الأنواع اللطيفة إنما هى هذه الكتب الثلاثة التى بين أيدينا والتى تقع في مجلد ضخم وهى تسمى بمجموعها "الاستغناء في معرفة الكنى". واللَّه أعلم.
ثانيا: أن وجود مختصر كتاب الاستغناء الذى ألفه أبو عبد اللَّه محمد بن أبى الفتح بن أبى الفضل البعلى الحنبلى، مع ذكره اسم الكتاب الأصل "الاستغناء في أسماء المعروفين بالكنى" مع وجود المادة المختصرة من الأصل كل هذا يجعلنا نجزم بأن الاستغناء إنما هو اسم لهذه الكتب الثلاثة الموجودة بين ايدينا للحافظ ابن عبد البر.
ثالثا: سبق القول أيضًا بأن الحافظ ابن حجر ذكر هذا الكتاب للحافظ ابن عبد البر وسماه مرة "الاستغناء في الكنى"، وحماه غير مرة "الكنى" ونسبه في كل ذلك للحافظ ابن عبد البر، واقتبس منه نصوصا كثيرة ذكرها بحرفيتها من الكتابين "الثانى والثالث".
كل هذا يثبت بأن هذا الكتاب الذى بين أيدينا إنما يسمى "الاستغناء في معرفة الكنى" وإن لم يكن هذا الاسم مكتوبا على هذه النسخة الموجودة بين أيدينا بصفة مباشرة. واللَّه أعلم.
стр. 50
المبحث الثانى: نسبة الكتاب إلى مؤلفه .
أن هذا الكتاب كتاب "الاستغناء في معرفة المشهورين من حملة العلم بالكنى" مشهور معروف بين العلماء، ذكره كثير منهم في مصنفاتهم، واقتبسوا منه وعزوا إليه في كتبهم ومؤلفاتهم، ونسبوه إلى مصنفه الحافظ ابن عبد البر. فنسبة هذا الكتاب ثابتة إلى مؤلفه، فقد نسبه جميع من ذكره إلى الحافظ ابن عبد البر كما سبق وأن عرفت في المبحث السابق.
ومما يؤكد نسبة هذا الكتاب إلى مؤلفه أيضا هو وجود كثير من مادة هذا الكتاب مبثوثة في الكتب المعتمدة فقد نقل الأئمة الحفاظ هذه المادة في كتبهم مع المحافظة على حرفية هذه المادة المنقولة ونسبتها إلى الحافظ ابن عبد البر.
وسأذكر هنا الكتب التى اقتبست من مادة هذا الكتاب مع إثبات أرقام الكنى التى نبهت في تحقيقها على هذه النصوص المقتبسة. وإليك هذه الكتب:
١ - مقدمة ابن الصلاح انظر الترجمة (٢١٨٢).
٢ - تهذيب الكمال انظر الترجمة (٢٠٧٥).
٣ - طبقات الشافعية للسبكى انظر الترجمة (٥٠٧) و (٦٢٧).
٤ - فتح البارى انظر الترجمة (٤٥٧).
٥ - اللسان لابن حجر انظر الترجمة (٦٩٠)، (١٠٤٦)، (١١٩٣).
٦ - التقريب لابن حجر انظر الترجمة (١٧٧٠).
٧ - التهذيب انظر الترجمة (٣٥٦)، ٣٧٦، ٤١٢، ٤٢٤، ٤٢٧، ٤٣٠، ٤٣٨، ٤٤٠، ٤٤٧، ٤٧٣، ٤٨٦، ٤٩١، ٥٠٧، ٥١٥، ٥٢٦، ٥٤١، ٥٥٢، ٥٥٩، ٥٦٣، ٥٩٣، ٥٩٦، ٥٩٧، ٦١٥، ٦٣٥، ٦٤١، ٦٤٩، ٦٦٥، ٦٩٤، ٦٩٥، ٧١٧، ٧٢٩، ٧٣٦، ٧٤٥، ٧٦٥، ٧٧٦، ٧٧٨، ٨١٠، ٨٤٩، ٨٥٥، ٨٦٥، ٨٦٨، ٨٧٤، ٩٢٧، ٩٤٧، ٩٥٥، ٩٨٠، ٩٩٧، ٩٩٩، ١٠٠٨، ١٠١٩، ١٠٥٩، ١٠٨٣، ١٠٩٦، ١١٠٣،
стр. 51
١١٢٩، ١١٣٤، ١١٤٣، ١١٦١، ١١٦٢، ١١٩١، ١١٩٤، ١٢٠٢، ١٢٠٨، ١٢٢٦، ١٢٣٨، ١٢٤١، ١٣٠٣، ١٤٢١، ١٤٧٥، ١٥٠٣، ١٥٤٠، ٢٠٢٦، ٢٠٤٦، ٢١٨٣، ٢٢٥٤، ٢٤٢٥، ٢٤٤٣.
٨ - الدر المنثور للسيوطى انظر الترحمة (٤٥٧).
المبحث الثالث: نسخة الكتاب التى بين أيدينا ووصفها .
أن هذه النسخة التى وقفت عليها لهذا الكتاب نسخة وحيدة فيما أعلم، وهى ناقصة من الآخر أى في آخر الكتاب الثالث، وهذا النقص ليس بكبير، ويقدر بورقة كما ذكر الزركلى في الإعلام. وقد تعرضت هذه النسخة لرطوبة أثرت مع طول الزمن في كثير من الأوراق بحيث شوهت بعض الأسطر فيها، وطمست كثيرا من كلماتها مما تسبب في صعوبة قراءة بعض التراجم وتمييزها، وسأوضح في هذا المبحث ما يلى:
أولا: عدد الأوراق والأسطر في هذه النسخة:
أما عدد الأوراق في هذه النسخة فهى ثلاث وأربعون ومائة ورقة (١٤٣) كل ورقة مكونة من لوحتين، وأما عدد الأسطر في كل لوحة فهو ثلاثة وعشرون سطرا (٢٣).
ثانيا: خطها وناسخها:
أما خطها فهو مغربى أندلسى جميل، وأما ناسخها فغير معروف وذلك أنه لم يكتب على هذه النسخة -اسم الناسخ ولا شئ يدل على ذلك.
ثالثا: تاريخ نسخها ومكانه:
لم أقف على تاريخ نسخ هذه النسخة ولا المكان الذى نسخت فيه على وجه التحديد، لكن ذكر لى من له معرفة بالخطوط أن خط هذه النسخة قديم وربما يرجع إلى القرن السادس الهجرى، اللَّه أعلم.
стр. 52
رابعا: الهوامش والمصطلحات والعلامات المستعملة في هذه النسخة:
لقد استعمل ناسخ هذه النسخة علامات وحركات في الأصل وفى الهامش، أحببت أن أشر إليها هنا بالإضافة إلى بعض الملاحظات الأخرى وذلك تماما للفائدة، وتتلخص هذه الأمور بما يلى:
١ - كثيرا ما يلحق الناسخ السقط في هامش الأصل أو في موضع قريب من مكان السقط ويكتب بعده "صح أصل" أو "أصل".
٢ - الألف المقصورة يكتبها ياء ويضع تحتها نقطتين.
٣ - يستعمل أحيانا الشكل بحركاته الثلاث، والسكون والتشديد ويكتب الشدة على صورة رقم (٨) أو رقم (٧) فإذا كانت الحركة التى على الحرف المشدد الفتحة أو الضمة كتب الشدة في أعلى الحرف، وإذا كانت حركة الحرف المشدد الكسرة كتب الشدة في أسفل الحرف.
٤ - لم يستعمل الكشط في هذه النسخة مطلقا، ولكنه يضع العبارة التى يخطى في نقلها أحيانا بين رأسى الصاد "صـ" التضبيب أو التمريض. ويكتفى بهذا ولا يشير إلى صواب الكلمة أو العبارة.
٥ - يستعمل فواصل بين التراجم "الكنى" دائرة بداخلها نقطة.
٦ - إذا صدف وأن كتب ترجمة في غير موضعها كأن قدم أواخر فإنه يكتب فوق الترجمة التى من حقها أن تقدم "يقدم" وفوق التى من حقها أن تؤخر "يؤخر".
٧ - الألف الممدودة يرسمها أحيانا ألفا أعلاها مدة مستعرضة وفى بعض الأحيان بدون مدة.
٨ - لا يكتب الألف في وسط بعض التراجم فمثلا الحارث وإسماعيل وصالح وهارون ومعاوية ومالك وخالد وسفيان يكتبهم هكذا الحرث، إسمعيل، صالح، هرون، معوية، ملك، خلد، سفين. . وهكذا.
٩ - أحيانا يجزئ الكلمة الواحدة إلى جزءين فيكتب بعضها في
стр. 53
نهاية السطر وبعضها في بداية السطر الذى يليه فمثلا كلمة "الأنصارى" يكتب "الأ" في سطر و"نصارى" في السطر الذى يليه. كلمة "لكنه" يكتبها هكذا "لاكنه" وكذا كلمة "لكنهم" يكتبها "لاكنهم".
١٠ - الهمزة التى على كرسى والتى في وسط الكلمة يكتبها ياء فمثلا "عائشة" و"أسمائهم" و"مائة" و"سئل" يكتبها هكذا "عايشة" و"أسمايهم" و"ماية" و"سيل" وهكذا.
١١ - لا يكتب لفظ " ﷺ " عنذ ذكر الرسول ﷺ فأنا أثبته بين معكوفتين، كما يكتفى أحيانا بكتابة "صلى اللَّه عليه" فقط وأنا اكتب لفظة "سلم" بين معكوفتين أيضا.
هذا ما أردت التنبيه عليه حول هذه النسخة ومما تجدر الإشارة إليه هنا هو أننى قد راعيت عند نسخ هذا المخطوط قواعد الكتابة في هذا العصر فكنت التزم في جميع ذلك بالمنهج الحديث في الكتابة دون الإشارة إلى ما كان في الأصل، إلا إذا اقتضت الضرورة إلى مثل هذا التنبيه. وأسأل اللَّه أن أكون قد وفقت في هذا العمل. وهو حسبى ونعم الوكيل.
خامسا: السماعات والتملكات المثبتة على هذه النسخة .
أن هذه النسخة التى بين أيدينا خالية من السماعات والتعليقات لكن كتب على الورقة الأولى منها بخط ردئ وقديم التملكات التالية:
١ - الحمد للَّه تملك سيدى محمد بن عبد اللَّه بن سليمان السطحى البعقيلى هذا الكتاب بالشراء بأربعة أواق ونصف الواحدة قبضناه منه بذى الحجة عام اثنتين وستين والف (١٠٦٢) مسعود بن أحمد بن منصور الكايدى.
٢ - الحمد للَّه تملك سيدى أحمد بن محمد بن عبد السميع هذا
стр. 54
الكتاب بالشراء منا. . قبضناه منه بالمحرم من عام ثلاث وستين وألف (١٠٦٣) محمد بن عبد اللَّه بن سليمان البعقيلى ثم السطحى لطف اللَّه به بمنه ولطفه آمين، ومعه في الشراء بما ذكر تاريخ القرطبى في العلماء والمحدثين.
٣ - الحمد للَّه. . تملكه سيدى على بن عبد الرحمن بن محمد بالشراء منا بالثمن المذكور أعلاه، قبضناه منه بعام سبع ومائة والف (١١٠٧) محمد بن عبد اللَّه بن سليمان البعقيلى السطحى لطف اللَّه به.
٤ - وكتب على الورقة الثانية "ملك للزاوية الناصرية".
المبحث الرابع: منهج المصنف في الكتاب:
ولعله من المناسب بعد أن ذكرت فيما سبق من مباحث في هذا الباب "وصف المخطوط" أن أعرض هنا لمنهج الحافظ ابن عبد البر في هذا الكتاب فأوضحه وذلك بإيراد ما تجمع لدى من معلومات وملاحظات حول هذا المنهج، وتتلخص هذه الملاحظات بما يلى:
أولا: أقسام الكتاب .
اشتمل هذا الكتاب على ثلاثة كتب كما سبق وأن عرفت الأول: ذكر فيه "من عرف من الصحابة بكنيته. . " والثانى: ذكر فيه "أسماء المعروفين بالكنى من حملة العلم ممن اشتهر بكنيته ولم يذكر في أكثر أسانيد الحديث باسمه من التابعين ومن بعدهم" والثالث: ذكر فيه "من لم يوقف له على اسم ولا عرف بغير كنيته من التابعين ومن بعدهم".
ثانيا: التبويب والترتيب في هذا الكتاب .
بدأ الحافظ ابن عبد البر كل كتاب من كتبه الثلاثة بخطبة قصيرة تبين
стр. 55
موضوع هذا الكتاب ومقصود مؤلفه من تأليفه، ثم رتب كل كتاب من هذه الكتب الثلاثة على الأبواب مبتدئًا هذه الأبواب بحرف الألف، ومنتهيا بحرف الياء. فيقول في كل كتاب مثلا باب حرف الألف، أو حرف الألف، أو ألف ثم يجعل تحت هذا الحرف أبوابا في الألف فيقول مثلا: باب أبى أدريس، باب أبى إبراهيم، باب أبى إسماعيل وهكذا إلى آخر ما في حرف الألف من الأبواب بحسب الأسماء المندرجة تحت كل باب من هذه الأبواب، ثم يذكر في آخر أبواب كل حرف من الحروف بابا في الأسماء المفردة أو الكنى الشتّى فيقول مثلا: باب كنى شتى أفراد في الألف، ثم يبدأ بحرف الباء، ثم التاء وهكذا إلى آخر الحروف وهكذا يفعل في كل كتاب من هذه الكتب الثلاثة.
أما عن طبيعة ترتيب هذه الأحرف، وبالتالى عن طبيعة ترتيب هذه الأبواب وما يندرج تحتها من تراجم "كنى" في كل كتاب من هذه الكتب، فقد سلك الحافظ ابن عبد البر الترتيب على أحرف الهجاء لكن على طريقة الترتيب عند المغاربة والأندلسيين وهو ترتيب فيه شئ من الغرابة بالنسبة للترتيب المعروف والمألوف عند المشارقة، وهذا الترتيب الذى سلكه الحافظ ابن عبد البر في هذا الكتاب هو كالتالى:
أ، ب، ت، ث، ج، ح، خ، د، ذ، ر، ز، ط، ظ، ك، ل، م، ن، ص، ض، ع، غ، ف، ق، س، ش، هـ، و، لا، ى.
ثالثا: طبيعة المادة، ومنهجه في ذكر التراجم "الكنى ".
ونظرا لاختلاف طبيعة مادة الكتاب الأول واختلاف طبيعة تراجمه عن الكتابين الآخرين فإننى سأذكر منهج الحافظ ابن عبد البر فيه مستقلا عن الكتابين الآخرين اللهم إلا في بعض القضايا المشتركة بين هذه الكتب الثلاثة كالأحاديث والآثار مثلا.
стр. 56
والكتاب الأول: اختصره الحافظ ابن عبد البر من كتابه "الاستيعاب في معرفة الصحابة" وذكر فيه من الصحابة رضى اللَّه عنهم أجمعين من عرف منهم بكنيته واشتهر بها ولم يوقف على اسمه على الاختلاف فيه، وكان كثيرا ما يحيل في هذا الكتاب على الاستيعاب، لأنه قصد من تأليفه له ذكر الكنى مع اختصار بعض الأخبار والوقائع في حياة الصحابى المذكور فيه، وقد ذكر الحافظ ابن عبد البر في هذا الكتاب أهم الوقائع في حياة صاحب الترجمة فيذكر له مثلا حديثا أو حديثين أو حادثة هامة في حياته كأن يذكر مثلا إسلامه، وهجرته، وغزواته واستشهاده أو وفاته، أو يذكر وفادته ولقاءه للنبى ﷺ أو ما اختصه به النبى ﷺ من عطاء أو دعاء أو تبريك أو زيارة أو إذا كان النبى ﷺ سماه أو كناه أو غير اسمه أو كنيته فإنه يذكر ذلك أيضًا.
ومِمَّا يجدر ذكره هنا هو أن الحافظ ابن عبد البر لم يقتصر في هذا الكتاب على ذكر من صحّت صحبته من الصحابة رضى اللَّه عنهم ولكنه ضمنه أيضا ذكر من لقى النبى ﷺ ولو لقية واحدة مؤمنا به أو رآه رؤية أو سمع منه لفظة فأداها عنه، ومن ولد على عهده بين أبوين مسلمين فدعا له، أو نظر إليه وبرك عليه، ونحو هذا، ومن كان مؤمنا به قد أدى الصدقة إليه ولم يفد عليه، مما تضمنه شرطه في الصحابة في كتابه الاستيعاب.
وأن المطلع على هذا الكتاب ليجد بعض التابعين الذين جزم الحافظ ابن عبد البر فيه بأنهم تابعيون، وذكرهم في الصحابة، ثم ذكرهم ثانية في التابعين في الكتابين الثانى والثالث، وقد نبهت على هذا في أماكنه في المواضع المختلفة أثناء التحقيق.
وأما بالنسبة للتراجم في الكتابين الثانى والثالث، فقد ذكر الحافظ ابن عبد البر في الأول منهما أسماء المعروفين بالكنى من حملة العلم ومبلغيه ورواته وناقليه ممن أشتهر بكنيته ولم يذكر في أكثر أسانيد الأحاديث باسمه ممن لم يصحب النبى ﷺ -
стр. 57
ولم يره ولا كان مسلما في حياته من التابعين ومن بعدهم، وذكر في الكتاب الثالث من لم يذكر له اسم سوى كنيته ممن روى الحديث وحمله وعد من نقلته من التابعين ومن بعدهم من الخالفين، وقد أشار الحافظ ابن عبد البر في خطبة الكتاب الثانى إلى مقصوده من تأليف هذا الكتاب فقال: ورأيت كل من ألف في رجال العلم كتابا ذكر فيه أبوابا على حسب ما حضره حفظه ولم أر فيه كتابا موعبًا لأن من قصد إلى ذكر الجرحة والعدالة لم يتضمن الأسماء والكنى، ومن اعتمد ذكر الكنى والأسماء ذكر كنى المشهورين بأسمائهم مع كنى المشهورين بكناهم وأتى بأسماء من وقف على اسمه منهم ومن لم يوقف على اسمه فخلط على الطالب واتعب الناظر المرتاد، ولم يسلم مع ذلك من التقصير لأنه عدد لا يحصى ولا له حد ولا انتهاء.
ويتبين من هذا أن الحافظ ابن عبد البر قصد في هذا الكتاب ذكر من أشتهر من العلماء بكنيته ثم لم يقتصر فيه على ذكر الأسماء والكنى ولكنه تناول أيضا ذكر الجرح والعدالة، وهذا ما يلاحظه كل مطلع على الكتابين الثانى والثالث، وأما عن طبيعة التراجم في هذين الكتابين فالملاحظ أن الحافظ ابن عبد البر قد يذكر بعض التراجم مطولة وخاصة في الكتاب الثانى فقد تستغرق الترجمة فيه لوحة كاملة أو نصف لوحة، وأحيانا أسطر وقد تستغرق سطرًا واحدًا وهذا قليل جدًا وذلك بحسب طبيعة الترجمة وما فيها من أقوال أو اختلافات، فهو يذكر الترجمة، ويذكر ما للعلماء في هذه الترجمة من أقوال فيما يتعلق بالجرح والعدالة، ويذكر أيضا أهم الحوادث البارزة في حياة صاحب هذه الترجمة وذلك لبيان منزلته، ومعرفة حاله، ثم هو يهتم كثيرًا بذكر الشيوخ والتلاميذ لصاحب هذه الترجمة فيذكر عددا من شيوخه وعددا من تلاميذه وبذلك تعرف طبقات الرواة وأزمانهم، وهو بالمقابل لا يهتم كثيرا بذكر زمن الوفاة اللهم إلا إذا كان صاحب الترجمة قد استشهد في معركة معينة أو بحادثة معينة.
стр. 58
هذا بالإضافة إلى أنه يذكر أحيانا حديثا أو أثرا لصاحب الترجمة "الكنية" لكن ذكره لهذه الأحاديث والآثار غالبا ما يسوده شئ من الغموض فهو يشير إلى الحديث أو الأثر اشارة خفيفة وذلك كأن يذكر الموضوع العام للحديث فيقول مثلا له حديث في الأشربة، وله حديث في الصيام، له حديث في التنزل، له حديث في أعلام النبوة، أو يذكر لفظة واحدة من ألفاظ الحديث، أو بعض الألفاظ، أو يقول مثلا حديثه عند فلان ويسمى أحد الرواة لهذا الحديث وهكذا. انظر على سبيل المثال الكنى التالية "٩٩٢، ١٧٠٥، ١٧٣٠، ١٧٤٠، ١٧٦٠، ١٧٦٧، ١٧٩٨، ١٨٠٦".
وقد استفاد الحافظ ابن عبد البر كثيرًا ممن سبقه في هذا الشأن في سرد التراجم وإيرادها لذلك نراه يعزو كثيرًا من هذه التراجم إلى البخارى، ومسلم، وابن معين، وأحمد، وابن أبى حاتم، والحاكم، وغيرهم.
أكثر من هذا أيضا فهو يأخذ عمن سبقه أحيانا ولا يعزو إليهم فأحيانا تكون الترجمة عنده كما هى عند ابن أبى حاتم مثلا أو عند الحاكم ولم يعزها إلى واحد منهما انظر على سبيل المثال الترجمة (١٧٦٦) ذكرها ابن أبى حاتم وقال فيها "روى عن. . " ثم ترك فراغًا ولم يسم أحدا من شيوخ صاحب هذه الترجمة، ثم ذكر من روى عنه من التلاميذ، وتبعه ابن عبد البر فذكر هذه الترجمة كما ذكرها ولم يعزها إليه، وقد تكرر مثل هذا من الحافظ ابن عبد البر وقد نبهت عليه في الأماكن المختلفة أثناء التحقيق. وانظر أيضا التراجم ١٣٣٤، ١٥٠٧، ١٥٢٤، ٢١٠٦، ٢٣١٢، ٢٥٠٩.
بيد أننا لا نستطيع القول بأن الحافظ ابن عبد البر وهو فارس في هذا الميدان، مصنف مشهور بشتى علوم الحديث وضروبه كان عالة على غيره في هذا المجال فهو وإن استفاد ممن سبقة إلا أن له شخصيته المستقلة وأسلوبه المميز، لذا نجده يزيد أحيانًا زيادة في التراجم "الكنى" ويضمن هذه الكنى فوائد جليلة وأحيانا
стр. 59
ينفرد بترجيحات وآراء نافعة مفيدة. وأحيانا يخالف أقوال من سبقه بما يترجح عنده من أدلة، وكان كثيرا ما يقول إذا أراد أن ينفرد برأى أو يرجح مسألة أو يذكر فائدة أو ريادة: "قال أبو عمر": وانظر على سبيل المثال الكنى التالية: ٧٧، ١٢٦، ١٣٠، ٣٥٤، ٣٩١، ٤٠٩، ٤٣٠، ٥٣٨، ٦٦٥، ٧٣٠، ٨٥٧، ٩٣٩، ٩٩٢، ١١٤٢، ١١٩٤، ١٢٢٩، ١٣٠٣، ١٨٦٣، ٢٠٢٦، ٢٢٥٧ وغيرها كثير مما ستلاحظه في هذا الكتاب.
هكذا كان منهج ابن عبد البر في هذين الكتابين الثانى والثالث في ذكر التراجم غير أن تراجم الكتاب الثالث مختصرة في أغلب الأحيان وخاصة من ناحية ذكر الشيوخ والتلاميذ، ولعل السبب في هذا هو أن أكثر أصحاب هذه التراجم مجاهيل وقد قال ابن عبد البر: كل من لم يرو عنه إلا رجل واحد لا يعرف إلا بذلك فهو مجهول عندهم لا تقوم به حجة أكثر هؤلاء الذين لا يعرفون إلا بكناهم كذلك. أهـ. واللَّه أعلم.
رابعا: منهجه في نقد الرجال والحكم على الأحاديث .
والحافظ ابن عبد البر لم يقتصر في هذا الكتاب على ذكر الكنى والأسماء كما سبق وأن عرفت، وإنما أهتم أيضا اهتمامًا كبيرًا بذكر الجرح والعدالة في الرجال وذكر الأحاديث والآثار وتعرض أيضا لدراسة بعض هذه الأحاديث والحكم عليها فهو يصحح ويضعف ويعدل ويجرح، وأصبحت أقواله في هذا الشأن معتمدة عند الحفاظ والنقاد، فتناقلها الكثيرون منهم في كتبهم واعتمدوها في حكمهم (١) وان هذه المسألة مع أهميتها لا تحتاج إلى كبير تدليل وتوضيح. وذلك لأن المطلع على أية
стр. 60
ورقة من ورقات هذا الكتاب ليرى ويعرف مدى اهتمام ابن عبد البر في هذا الجانب وبالتالى يدرك أيضا أسلوبه في هذا المجال، ومع هذا فإننى سأذكر هنا بعض النقاط حول منهج الحافظ ابن عبد البر في نقد الرجال والأحاديث وتتلخص هذه النقاط بما يلى:
١ - مما لا شك فيه أن الحافظ ابن عبد البر استفاد كثيرًا ممن سبقه في علم الجرح والتعديل فأصبح بذلك عنده حصيلة علمية كبيرة وملكة حسنة في هذا الشأن تمكنانه من التعديل والتجرج والتصحيح والتضعيف والنقد والتمحيص.
٢ - أنه من الملاحظ أيضا أن الحافظ ابن عبد البر يذكر أقوال العلماء في الرجال من تعديل أو تجريح فيذكر من عدل الرجل ومن جرحه وأحيانا يرجح بعض هذه الأقوال على بعض أو يوجهها، وهذا مثله كثير جدا في هذا الكتاب.
٣ - وأحيانا لا يذكر أقوال العلماء في الرجل وإنما يستقرئ أقوالهم فيه، ثم يستخلص من هذه الأقوال حكما مختصرا فيطلقه على الرجل بناء على أقوالهم فيه وحكمهم عليه كان يقول مثلا: أجمعوا على أنه ثقة أو هو عندهم ثقة، أو هو ثقة عند جميعهم، أو أجمعوا على ضعفه أو لا أعلمهم يختلفون في ضعفه، أو كلهم ضعفه، أو هو عندهم منكر الحديث ضعيف جدا، أو ليس هو عندهم بالقوى، أو هو عندهم متروك أو ليس بالمتين وما شابه ذلك، وهذا كثير جدًا أيضا في هذين الكتابين وانظر على سبيل المثال التراجم "٥٩٣، ٦١٥، ٦٣٥، ٦٤١، ٦٦٥، ٦٩٠، ٧٧٦، ١٢٤١، ١٣٠٣".
٤ - كان كثيرًا ما يذكر الحكم على بعض التراجم "الكنى" دونما ذكر لقول أحد من العلماء الأقدمين فكان يقول مثلا مجهول، ضعيف، ثقة، لا بأس به، وغير ذلك من ألفاظ، انظر على سبيل المثال التراجم (٢٠٢، ٢٥٠، ٣٨٧، ٤٦٣، ٤٧٢، ٤٨٧، ٥٣٦، ٥٩٠، ٦٠١، ٦٠٣، ٦٤٥، ٢٠٣١، ٢٠٤٦، ٢٠٥٥، ٢١٧٧، ٢٤٣٧، ٢٥٠٤).
стр. 61
٥ - ومنهجه في نقد الأحاديث شبيه أيضا بمنهجه في الرجال فهو يذكر أحيانا خلاصة أقوال العلماء في الأحاديث فيقول مثلا: قيل: حديثه مرسل، أو هو عندهم حديث مرسل، أو حديث متروك، أو هو عندهم حديث لم يتابع عليه منكر. انظر التراجم (٣١٤، ٤٣٨، ٤٤٦، ٥٥٦، ٢٣٩٢).
٦ - كثيرًا ما كان يذكر الحكم على الأحاديث ابتداء دون ذكر لقول أحد من المتقدمين فيقول مثلا: حديث متروك، حديث مرسل، حديث منقطع، حديث ليس بالقائم، حديث لا يعرف له أصل في الإسناد، حديث منكر، حديث ليس مما يعتمد عليه لضعفه، أو هذا إسناد مقلوب مضطرب، انظر التراجم (٩٩٢، ١٠٥٢، ١٨٠٠، ٢٠٢٧، ٢٠٣٣، ٢٠٤٦، ٢٠٥٤، ٢٠٥٦، ٢١٧٧).
هذا ما أردت أن أذكره حول منهج الحافظ ابن عبد البر في هذا الكتاب، وان المطلع على هذا الكتاب ليجد كثيرًا من الملاحظات الأخرى التى كنت قد نبهت عليها في الأماكن المختلفة أثناء التحقيق. واللَّه ولى التوفيق.
стр. 62
الباب الثالث النص المحقق (الكتاب) وعملى فيه
عملى في الكتاب:
لقد اعتمدت في تحقيق هذا الكتاب على هذه النسخة الوحيدة (النسخة المصورة عن مخطوطة الخزانة العامة بالرباط)، ولا يخفى على كل مشتغل بتحقيق التراث ونشره أو من له صلة بهذا التراث من قريب أو من بعيد مدى الصعوبة التى يعانيها الباحث في الاشتغال على نسخة وحيده، هذا بالإضافة إلى أن هذه النسخة مكتوبة بالخَط المَغْربى، والخط المغربى وإن كان جميلًا وواضحا في كثير من الأحيان إلا أنه يوجد فيه أحيانا بعض الكلمات التى يصعب على الباحث قراءتها وتحليلها.
والأهم من هذا كله بالنسبة لهذه النسخة هو طول العهد الذى بيننا وبين الزمن الذى كتبت فيه وما اعتراها خلال هذه المدة الطويلة من تعرض للرطوبة التى شوهت كثيرًا من صفحاتها وطمست كثيرًا من الألفاظ في هذه الصفحات، الأمر الذى جعل قراءة كثير من هذه الكلمات والألفاظ في هذه الصفحات شبه متعسر أو مستحيل أحيانا.
ومما زاد في الصعوبات التى واجهتنى أثناء العمل على هذه النسخة الوحيدة هو أننى وجدت بعد المضى في التحقيق أن هذه المصورة التى أعمل عليها ناقصة من وسطها بالإضافة إلى النقص الموجود في آخرها. وأن هذا النقص الذى في الوسط سبّب إنقطاعًا ظاهرًا في التراجم، فكل هذه الأمور مجتمعة وحبا في الحصول على نسخ أخرى لهذا الكتاب كل هذا دفعنى إلى التفكير بالسفر إلى المغرب وأسبانيا وذلك للبحث عن نسخ أخرى لهذا الكتاب والوقوف على المخطوط الأصلى لهذا الكتاب وقراءته، واستدراك النقص الحاصل في المصورة عنه. واستدراك بعض
стр. 63
الألفاظ التى يصعب قراءتها من المصورة، وقد وجدت من فضيلة الشرف على هذه الرسالة تشجيعا على فكرة السفر وذلك لأنه كان يعايش معى هذه المشكلات ويشاطرنى هذه الصعوبات.
وفعلا تم السفر وللَّه الحمد وقد قمت باستدراك السقط الذى في وسط المخطوط، وكان حصوله بسبب التصوير ويشتمل هذا السقط على حوالى ثلاثين ترجمة (كنية) من الترجمة (١٣٩٢) إلى الترجمة (١٤٢١) وقد قمت أيضا بقراءة مادة الكتاب عن المخطوط الأصلى وبهذا استطعت أن استدرك كثيرًا من الألفاظ التى كان من التعسر قراءتها عن الصورة.
وأما عملى في التحقيق والنهج الذى سرت عليه أثناء ذلك فيتلخص بما يلى:
أولا: قمت بترقيم التراجم "الكنى" ترقيمًا تسلسليًا: ونظرًا لعدم وضوح التراجم أحيانا واختلاطها في بعض الأحيان فإننى لم أستطع القيام بعملية الترقيم دفعة واحدة، وإنما كنت أقوم بترقيم بعض التراجم بعد قراءتها وتحقيقها، والتعرف على مادتها، وتحديد ابتدائها وانتهائها، ولذلك امتدت هذه العملية (عملية الترقيم) منذ شروعى في التحقيق حتى الفراغ من آخر ترجمة في الكتاب. وهذه العملية وإن كانت مجهدة وقد استنزفت منى جهدًا ووقتًا كبيرين لدرجة أننى قمت بتغيير الأرقام أكثر من ثلاث مرات إلا أنها دقيقة ومضبوطة. وبهذا الترقيم استطعت أن أحصر التراجم "الكنى" الموجودة في الكتاب، وقد جعلت هذه الأرقام كالأعلام لمادة هذا الكتاب فأحيل عليها، هذا بالإضافة إلى عمل كثير من الفهارس على هذه الأرقام.
ثانيًا: ضبط النص وتحقيقه:
وضبط النص وتحقيقه ليس بالعملية السهلة، بل هى من أدق العمليات وأصعبها ولما كانت النسخة التى عملت عليها نسخة وحيدة، ولما كان لابد من
стр. 64
تحقيق النصوص وضبطها وإخراجها سليمة فقد حاولت أن أعرض مادة هذا الكتاب على مثيلاتها في الكتب الأخرى، وهذا ما جعلنى أذكر مصادر كثيرة لكل ترجمة من "الكنى".
ومن أهم الكتب التى أعتمدت عليها كثيرًا في التحقيق الكتب التى كانت متقدمة في الزمن على هذا الكتاب والتى استفاد منها الحافظ ابن عبد البر في تأليفه لهذا الكتاب وعزا إليها. ومن أهم هذه الكتب كتب المغازى والسير كسيرة ابن إسحاق، وسيرة ابن هشام، ومغازى الواقدى، والطبقات الكبرى لابن سعد، وطبقات خليفة بن خياط، وأيضا كتب التاريخ والرجال المختلفة مثل كتاب الجرح والتعديل لابن أبى حاتم، وتاريخ ابن معين برواياته المختلفة، وكتاب العلل ومعرفة الرجال لأحمد، وغيرها كتب الكنى ككنى البخارى، كنى الدولابى، كنى الحاكم، وغيرها. ثم الكتب التى كانت متأخرة في الزمن على تأليف هذا الكتاب وقد اعتمد مؤلفوها هذا الكتاب واقتبسوا كثيرًا من نصوصه في كتبهم وبقيت هذه النصوص محفوظة مبثوثة بشكل حرفى فيها ومن أهم هذه الكتب كتاب - تهذيب الكمال، والتهذيب، ولسان الميزان وغيرها من الكتب الأخرى.
وقد كنت حريصا أثناء التحقيق على إثبات نصوص الكتاب الموجودة بشكل حرفى والمثبتة في الكتب المختلفة أو الإشارة إلى مواضعها في هذه الكتب، وقد أثبت أرقام هذه النصوص كما سبق وأن عرفت في المبحث الثانى من الباب الثانى.
وقد ساعد أيضا في تحقيق مادة هذا الكتاب وضبط نصوصه الرجوع إلى بعض الكتب الأصول المعتمدة في تخريج الحديث والتى تسوق الأسانيد والمتون، وإلى بعض كتب الرجال وخاصة عند البحث عن التراجم الهامشية والتى ترد في ثنايا هذا الكتاب عرضا، هذا بالإضافة إلى الرجوع إلى كتب الإنساب والبلدان والغريب وغيرها مما سيأتى ذكره.
стр. 65
وقد راعيت في تحقيق النصوص ما يلى:
١ - إبقاء الترتيب الأصلى للكتاب على ما هو عليه وهو الترتيب على طريقة المغاربة والأندلسيين للحروف الأبجدية كما سبق وأن عرفت واكتفيت بترتيب مادته ترتيبًا أبجديًا في الفهارس التى جعلتها في آخر هذا الكتاب، ثم إننى جعلت أرقام الأوراق لهذا الكتاب [في الهامش الأيسر من صفحات هذه الرسالة] وذلك ليسهل الوقوف على هذه المادة في المخطوط إذا دعت الحاجة إلى الرجوع إليه.
٢ - إبقاء النص كما هو في الأصل دونما تصرف إلا في حالات نادرة وذلك كأن يكون في النص تحريف أو تصحيف أو خطأ واضح ففى هذه الحالة أكتب ما هو صواب أو أقرب إلى الصواب مع وضعه بين معكوفتين () مع التنبيه على هذا في الهامش، وأما في الحالات التى لم يكن فيها الخطأ ظاهرًا وواضحًا وإنما له وجه يحتمل فإننى أنبه عليه في الهامش مع الإِشارة إلى رسمه في بقية المصادر أو بعضها.
٣ - وقد حاولت أيضا التعرف على المادة التى تعرضت للرطوبة وذلك بقراءتها من المخطوط الأصلى، ثم متابعة هذه المادة في المصادر الأخرى ومقارنتها، وحاولت أن أستكمل ما كان فيها من نقص أو عدم وضوح مع وضع ما أثبته منها بين معكوفتين () مع التنبيه على ذلك في الهامش.
٤ - في حالة وجود تكرار في بعض النصوص، فإننى لا أحذف هذا النص المكرر وإنما أضعه بين معكوفتين () وأشير في الهامش. فأقول: هكذا مكرر في الأصل.
ثالثًا: التراجم الهامشية ومعالجتها .
إن هذا الكتاب ملئ بالتراجم الهامشية والتى ترد في أثناء سياق "الكنى" فكثيرًا ما يذكر الحافظ ابن عبد البر عددًا من شيوخ صاحب "الكنية" وعددًا
стр. 66
من تلاميذه، كثيرًا ما ترد هذه التراجم مصحفة أو محرفة أو غامضة، فأحيانا يكتفى بذكر اسمه فقط، أو نسبته فقط أو كنيته فقط وأحيانا بنسبه إلى أبيه فيقول: "ابن فلان" أو إلى عمه فيقول: "عم فلان"، أو خاله فيقول: "خال فلان" أو إلى مولاه فيقول: "مولى فلان" وهكذا وقد حاولت أن أعرّف بهذه التراجم واترجم لأصحابها بأقصر عبارة، مكتفيا بالرجوع إلى التقريب، أو الجرح أو التاريخ الكبير، أو الميزان، أو اللسان أو غيرها من الكتب، وأحيانا اضطر للرجوع إلى عدة كتب للوقوف على الترجمة أو لتحقيق بعض ما يتعلق بها وقد لا أصل مع كل هذا إلى المعلومة المطلوبة وبهذا استطعت أن أترجم لأكبر عدد من هذه التراجم والوقوف على رسمها الصحيح وهذا بدوره ساعد في تحقيق نصوص هذا الكتاب أيضا.
رابعًا: تخريج الأحاديث والآثار
إن هذا الكتاب وإن كان كتابا في الرجال كما يبدو من اسمه وطبيعة موضوعه إلا أن للناظر فيه والمطلع على مادته يستغرب من كثرة الأحاديث والآثار التى أوردها مؤلفه في ثنايا التراجم "الكنى" فيه، فهو غالبا ما يذكر حديثًا أو حديثين في بعض التراجم، وأحيانا يذكر بعض الآثار في هذه التراجم يسوقها من طريق صاحب الترجمة أو من طريق أحد تلاميذه.
وإن كثرة الأحاديث والآثار في مثل هذا الكتاب ليس بالأمر المزعج ولا المتعب بل إنه مفيد في كثير من الأحيان وتكون الفائدة كبيرة إذا كان الحديث ومخرجه معروفين، ولكن أحاديث هذا الكتاب كانت الإشارة إليها في أغلب الأحيان غامضة جدًا كما سبق وأن عرفت في منهج المصنف في هذا الكتاب.
وقد حرصت كثيرًا على الوقوف على نصوص هذه الأحاديث ومعرفة أصولها وتخريجها والحكم عليها ما أمكن، وقد عانيت في سبيل تحقيق هذه الغاية كثيرًا
стр. 67
وتطلب مثل هذا العمل الذى هو ليس بالسهل منى جهدا ووقتا كبيرين، وكانت النتيجة وللَّه الحمد والمنة أن وقفت على كثير من هذه الأحاديث والآثار بالفاظها وأسانيدها أحيانا وقصت بتخريجها من كتب الأصول المعتمدة كالكتب الستة ولم اكتف بالكتب الستة في هذا العمل بل حاولت أن أخرجها أيضًا من كثير من الكتب الأخرى المعتمدة في التخرج مع محاولة ذكر أقوال العلماء في مثل هذه الأحاديث والآثار وحكمهم عليها من صحة أو حسن أو ضعف مع ذكر ما فيها من علل إن كانت معلولة وذلك بالرجوع إلى كتب العلل المختلفة.
وقد ذكرت ألفاظ الأحاديث التى لم يذكر لها ألفاظ في الكتاب وأحيانا أذكر الأحاديث مع الأسانيد بحسب الحاجة إليها وذلك كله في هامش الرسالة.
خامسًا: الأقوال وعزوها إلى قائليها .
امتاز هذا الكتاب بالإضافة إلى ما ذكر أيضًا بكثرة الأقوال فلا تكاد تخلو ترجمة من تراجمه من قول أو عدة أقوال يذكرها الحافظ ابن عبد البر لمن سبقه من الأئمة والحفاظ وقد حاولت أن أعزو هذه الأقوال إلى قائليها وأنسبها إليهم وذلك بالرجوع إلى مصادرها الأصلية وهذا مما سيلاحظه كل مطلع على هذا الكتاب وتحقيقه.
سادسًا: ضبط الألفاظ الغريبة وشرحها .
وقمت أيضًا بضبط ما يحتاج إلى ضبط من الألفاظ وشرح ما يحتاج إلى شرح منها وذلك بالرجوع إلى كتب الغريب كالنهاية والفائق، وغريب الحديث للهروى والمعاجم، كالصحاح، والقاموس المحيط ولسان العرب هذا بالإضافة إلى الاستعانة بشروح الحديث أحيانا كفتح البارى، والنووى على مسلم وغيرها من الكتب.
وقمت أيضًا بضبط الرجال وكناهم وأنسابهم وألقابهم بالكلمات وذلك لإزالة كل خطأ أو تحريف أو تصحيف يكون فيها، كثيرًا ما يقع التصحيف والتحريف
стр. 68
في مثل هذه الأسماء والكنى والأنساب والألقاب لتشابهها أحيانا في الرسم. وقد كان عمدتى في هذا العمل كتاب "الإكمال في رفع الإرتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى والأنساب" لابن ماكولا و"تصحيفات المحدثين" للعسكرى وكتاب "اللباب في تهذيب الأنساب" لابن الأثير، وكتاب "المغنى في أسماء الرجال" لمحمد بن طاهر الهندى.
وقمت أيضًا بضبط الأماكن الواردة في هذا الكتاب والتعريف بها وذلك بالرجوع إلى كتب المعاجم ككتاب "معجم البلدان" و"مراصد الإطلاع" و"القاموس المحيط" وغيرها.
سابعًا: بيان مواضع الآيات من السور .
وقد قمت أيضًا ببيان مواضع الآيات الواردة في الكتاب من سور القرآن الكريم، كنت أحيانا أكتب الآية أو قسما منها في الهامش وذلك لأن المصنف لم يذكر أحيانا إلا كلمة أو كلمات من الآية الكريمة.
ثامنًا: وقد قمت أيضًا بتخرج الأبيات الشعرية وشرح غريبها .
وقد قمت بعمل فهارس تفصيلية لهذا الكتاب تسهل الرجوع إليه، وتقرّب مادته من المطلع عليه فعملت مثلًا فهرسًا للآيات القرآنية، وفهرسًا للأحاديث النبوية، وفهرسًا للكنى الواردة في الكتاب، وفهرسًا لتراجم الأعلام الهامشية، وفهرسًا للأبيات الشعرية، وفهرسًا للفرق والأديان، وفهرسًا للأماكن، وفهرسًا للأيام والغزوات، وفهرسًا للكتب الواردة في هذا الكتاب، وفهرسًا للمصادر والمراجع وفهرسًا للمواضيع.
وأخيرًا فإننى أحمد اللَّه وأثنى عليه بما هو أهله لإنعامه على بالتوفيق لإِتمام هذا العمل الكبير الشاق المضنى، والذى حاولت أن أتوخى في مسائله الصواب ما استطعت إلى ذلك سبيلا، فما كان في هذا العمل من صواب فهو من اللَّه عز
стр. 69
وجل أشكره على هدايته وتوفيقه، وما كان فيه من خطأ فهو منى وبسبب تقصيرى، وعزائى فيه أننى لم آل جهدًا ولم أبخل في وقت ولم أرد الا الخير وأسأله سبحانه أن يهدينى إلى سواء السبيل وأن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفعنى به عنده يوم الدين، والعاقبة للمتقين، وآخر دعوانا أن الحمد للَّه رب العالمين.
стр. 70
صورة التملكات الموجودة في أول ورقة من المخطوطة
стр. 71
صورة الورقة الأولى من الكتاب الأول
стр. 72
صورة آخر ورقة من الكتاب الأول
стр. 73
صورة الورقة الأولى من الكتاب الثانى
стр. 74
آخر الكتاب الثانى وبداية الكتاب الثالث
стр. 75
صورة الورقة من الكتاب الثالث ويظهر فيها أن الرطوبة أثرت على بعض كلماتها