← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 132972

صفة المفتي والمستفتي - ت أبي جنة

ابن حمدان

Полный текст (377 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فَصْلٌ * وَيَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيمَا يُطْلَبُ فِيهِ الظَّنُّ مِنَ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَإِثْبَاتِهَا بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ. * وَكُلُّ حُكْمٍ يَثْبُتُ بِدَلِيل ظَنِّيٍّ فَهُوَ اجْتِهَادِيٌّ، إِذْ [لَا] (١) اجْتِهَادَ مَعَ الْقَطْعِ، فَإِنَّ الاجْتِهَادَ: بَذْلُ الْوُسْعِ فِي طَلَبِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِدَلِيلِهِ (٢). وَقِيلَ: "يَجِبُ التَّقْلِيدُ فِي الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفُرُوعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ الْمَعْرُوفَةِ بِالدَّلِيلِ، إِذَا لَمْ يُعْلَمْ بِالضَّرُورَةِ أَنهَا مِنَ الدِّينِ، وَمَا عَلِمْنَا بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ مِنَ الدِّينِ؛ فَلَا تَقْلِيدَ فِيهِ -كَمَا سَبَقَ- وَإِنْ كَانَ مِنَ الْفُرُوعِ". * وَدَلِيلُ وُجُوبِ التَّقْلِيدِ فِيهَا: - قَوْلُهُ -تَعَالى-: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٣). - وَقَول النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ -فِي الَّذِي أَصَابَتْهُ الشَّجَّةُ وَهُوَ جُنُبٌ، فَسَأَل أَصْحَابَهُ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً؟ فَقَالوا: لَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ. فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ (٤) - "قَتَلُوهُ

стр. 212

قَاتَلَهُمُ الله -أَوْ "قَتَلَهُمُ اللهُ "-أَلا سَأَلوا إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا، إِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَال" (١) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْر. - إِذْ لَوْ مُنِعَ (٢) كُلُّ النَّاسِ مِنَ التَّقْلِيدِ، وَكُلِّفُوا مَعْرِفَةَ الأْحْكَامِ بِدِلِيلٍ؛ تَعَيَّنَ فَرْضُ الْعِلْمِ عَلَى الْكَافَّةِ، وَتَعَطَّلَتِ الْمَعَايِشُ، وَفَسَدَ النِّظَامُ، وَالْجِهَادُ، وَكَثِير مِنْ أَمْرِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا. * وَقَدْ دَلَّ عَلَى أنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ: - قَوْلُهُ -تَعَالى-: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (٣). - وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ عُسْرًا وَحَرَجًا يَنتفِيَانِ بِقَوْلِهِ -تَعَالى-: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٤)، وَقَوْلِهِ [-تَعَالى-] (٥): ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر (٦)، وَقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ (٧).

стр. 213

- وَقَوْلِهِ ﷺ (١): "لا ضَرَرَ وَلا إِضْرَارَ فِي الإْسْلامِ" (٢) رَوَاه مَالِكٌ وَغَيْرُه. - وَلَوْ جَازَ لِلْكُلِّ (٣) التَّقْلِيدُ؛ بَطَلَ (٤) الاجْتِهَادُ، وَسَقَطَ فَرْضُ التَّعَلُمِ وَالتَّعْلِيمِ، وَانْدَرَسَ الْعِلْمُ. وَإِنَّمَا طَلَبُ الْعِلْمِ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفُرُوعِيَّةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ؛ لِيَكُونَ الْبَاقُونَ تَبَعًا وَمُقَلِّدِينَ لَهُ، وَالآيَةُ الْمَذْكُورَةُ لَمْ تُسْقِطِ الاجْتِهَادَ عَنِ الْكُلِّ، وَلَا أَوْجَبَتْهُ (٥) عَلَى الْكُلِّ، بَلْ عَلَى الْبَعْضِ، [وَهَذَا] (٦) هُوَ الْمُدَّعَى. * * *

стр. 214

فَصْلٌ * يَجِبُ اتِّبَاعُ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا شَرَعَهُ، وَأَمَرَ بِهِ، وَنَهَى عَنْهُ، وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبرَ بِهِ؛ لِثبوتِ عِصْمَتِهِ وَصِدْقِهِ، وَلزوم طَاعَتِهِ، وَاتِّبَاعِهِ فِيمَا (١) عُرِفَ فِي أَمَاكِنِهِ مِنَ الأْصُولِ وَغَيْرِهَا. وَقَال الشَّيْخُ أَبو مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيُّ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: "لَيْسَ الْأَخْذُ بِقَوْلِهِ ﵇ (٢) تَقْلِيدًا؛ لَأِنَّ قَوْلَهُ [ ﷺ ] (٣) حُجَّةٌ"؛ لِمَا سَبَقَ وَعُرِفَ فِي مَوَاضِعِهِ. وَالتَّقْلِيدُ: "أَخْذُ السَّائِلِ بِقَوْلِ مَنْ قَلَّدَهُ، بِلَا حُجَّةٍ مُلْزِمَةٍ [لَهُ] (٤) يَعْرِفُهَا" كَمَا سَبَقَ. * وَيَجُوزُ تَقْلِيدُ أَهْلِ الإِجْمَاعِ فِيهِ، بَلْ يَجبُ (٥). ويُمْكِنُ أَنْ يُقَال: "الْأَخْذُ بِهِ لَيْسَ تَقْلِيدًا"؛ لأَنَّهُ حُجَّةٌ، كَمَا قُلْنَا (٦) فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ . * وَأَمَّا أَقْوَال الصَّحَابَةِ وَمَذَاهِبُهُمْ (٧):

стр. 215

فَفِيهَا (١) مَذْهَبَانِ: أَصَحُّهُمَا: أَنَّهَا (٢) حُجَّةٌ يَجُوزُ اتِّبَاعُهُمْ فِيهَا. وَقِيلَ: "وَإِنْ (٣) خَالفَتِ الْقِيَاسَ". - وَهَلْ [يَكُونُ تَقْلِيدًا -عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْكَلَامِ-؟ وَالظَّاهِرُ: أَنهُ] (٤) تَقْلِيدٌ مِمَّنْ دُونَهُمْ. إِنْ قُلْنَا: "لَيْسَا بِحُجَّةٍ"؛ فَلا (٥) يُقَلِّدُونَ. وَهُوَ بَعِيدٌ. - وَللْجَاهِلِ تَقْلِيدُهُمْ بِشَرْطِهِ، كَبَقِيَّةِ الْأَئِمَّةِ. وَلَا اعْتِبَارَ بِقَوْلِ الْغَزَالِيِّ فِي "الْمَنْخُولِ" (٦): "يَجِبُ تَقْلِيدُ الشَّافِعِيِّ، وَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ أَبِي بَكْرٍ وَعَمَرَ [﵁] (٧) ". لِقَوْلِهِ ﵇: ["اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي: أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ" (٨).

стр. 216

وَقَوْلهِ] (١) [ ﷺ ] (٢): "عَلَيكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي، عَضُّوا عَلَيْهَا بالنَّوَاجِذِ" الْحَدِيثِ (٣). وَقَوْلهِ ﷺ (٤): "أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ؛ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ" (٥). * وَيَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِي الأخْبَارِ لِمَنْ (٦) هُوَ [مِنْ] (٧) أَهْلِ الرِّوَايَةِ وَالثِّقَةِ (٨) وَالْخِبْرَةِ. وَلَا تَكْفِي (٩) عَدَالتُهُ وَلَا عَدَالةُ الْمُفْتِي، بَلْ لَابُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ أَهْلِيَّتهِمَا لِذَلِكَ. وَقِيلَ: "يَجِبُ التَّقْلِيدُ فِي الْأَخْبَارِ لِلصَّدُوقِ (١٠) مِنْ أَهْلِ الرِّوَايَةِ [وَالْخِبْرَةِ] (١١)

стр. 217

لِدَعْوَى (١) الْحَاجَةِ إلَيْهِ فِيمَا غَابَ عَنَّا؛ لِعَدَمِ الدَّلَالةِ [عَلَيْهِ] (٢)، إِذْ عَدَالةُ الْمُخْبِرِ [لَيْسَتْ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ الْخَبَرِ، كَمَا أَنَّ عَدَالةَ الْعَالِمِ] (٣) لَيْسَتْ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ فُتْيَاهُ". وَإِنَّمَا الدَّلِيلُ: [مَا] (٤) اخْتَصَّ بِالْقَوْلِ الْمَنْقُولِ مِنْ حُكْمٍ أَوْ خَبَرٍ، لَا مَا اخْتَصَّ بِالْقَائِلِ مِنْ عَدَالةٍ وَصِدْقٍ. * وَيَجُوزُ تَقْلِيدُ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْفَاضِلِ وَإِمْكَانِ سُؤَالِهِ (٥). وَقِيلَ: "لَا يَجُوزُ". فَلَوِ اسْتَفْتَى فَقِيهًا، فَلَمْ تَسْكُنْ نَفْسُهُ إِلَيْهِ؛ سَأَل ثَانِيًا وَثَالِثًا حَتَّى تَسْكُنَ نَفْسُهُ. وَعَلَى الْأَوَّلِ يَكْفِي الْأَوَّلُ. وَالأوْلَى: الوُقُوفُ مَعَ سُكُونِ النَّفْسِ؛ لِقَوْلهِ ﷺ (٦): "اسْتَفْتِ نَفْسَكَ وَإِنْ أَفْتَوْكَ وَأَفْتَوْكَ وَأَفْتَوْكَ" (٧). وَقَوْلِهِ: "دع مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لا يَرِيبُكَ" (٨).

стр. 218

[وَقَوْلِهِ: "الإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ" (١)] (٢). وَقَوْلِهِ: "الإِثْمُ حَوَّازُ الْقُلُوبِ" (٣). فَإِنْ حَصَلَ السُّكُونُ وَالطُّمَأْنِينَةُ بِقَوْلٍ وَاحِدٍ، وَإِلَّا زَادَ لِيَحْصُلَ ذَلِكَ. [وَاللهُ أَعْلَمُ] (٤). * * *

стр. 219

بَابُ كَيْفِيَّةِ الاسْتِفْتَاءِ، وَالْفَتْوَى، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا (١)

стр. 220

* إِذَا لَزِمَ الْمُفْتِيَ الْجَوَابُ؛ لَزِمَهُ بَيَانهُ، إِمَّا شَفَاهًا أَوْ كِتَابَةً. * فَإِنْ جَهِلَ لِسَانَ السَّائِلِ؛ أَجْزَأَتْهُ تَرْجَمَةُ وَاحِدٍ ثِقَةٍ؛ لِأنهَا خَبَرٌ. * وَيُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ السُّؤَال بِخَطِّهِ، لَا بِإِمْلَائِهِ وَتَهْذِيبِهِ. * وَفِيهِمْ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ السُّؤَال عَلَى وَرَقَةٍ مِنْ عِنْدِهِ، ثُمَّ يَكْتُبُ الْجَوَابَ. * [فَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْأَلةِ تَفْصِيلٌ؛ لَمْ يُطْلِقِ الْجَوَابَ] (١). * وَلَهُ أَنْ يَسْتَفْصِلَ السَّائِلَ -إِنْ حَضرَ-، وَيُقَيِّدَ السُّؤَال فِي رُقْعَةِ (٢) الاسْتِفْتَاءِ، ثُمَّ يُجِيبَ عَنْهُ. وَهُوَ أَوْلَى وَأَسْلَمُ. * [وَلَهُ] (٣) أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى جَوَابِ أَحَدِ الأْقْسَامِ؛ [إِذَا عَلِمَ] (٤) أَنَّهُ الْوَاقِعُ لِلسَّائِلِ، وَلَكِنْ يَقُولُ: "هَذَا إِذَا كَانَ كَذَا وَكَذَا". * وَلَهُ أَنْ يُفَصِّلَ الْأَقْسَامَ فِي جَوَابِهِ، ويُذْكُرَ حُكْمَ كُلِّ قِسْمٍ. وَقِيلَ (٥): "هَذَا ذَرِيعَةٌ إِلَى تَعْلِيمِ النَّاسِ الْفُجُورَ، وَفَتْحِ بَابِ التَّمَحُّلِ وَالتَّحَيُّلِ الْبَاطِلِ؛ وَلِأَنَّ ازْدِحَامَ الْأَقْسَامِ بِأَحْكَامِهَا عَلَى [فَهْمِ] (٦) الْعَامِّيِّ يَكَادُ يُضَيِّعُهُ".

стр. 221

* وَإِذَا لَمْ يَجِدِ الْمُفْتِي مَنْ يَسْتَفْسِرُهُ فِي ذَلِكَ؛ احْتَاجَ إِلَى التَّفْصِيلِ، فَلْيَتَثبَّتْ وَلْيَجْتَهِدْ فِي اسْتِيفَاءِ الْأَقْسَامِ وَأَحْكَامِهَا وَتَحْرِيرِهَا (١). * * *

стр. 222

فَصْلٌ * فَإنْ كَانَ الْمُسْتَفْتِي بَعِيدَ الْفَهْم؛ فَلْيَرْفُقْ بهِ الْمُفْتِي فِي التَّفَهُّم مِنْهُ، وَالتَّفْهِيم لَهُ. * وَيَسْتُرْ عَلَيْهِ. * وَيَحْسُنُ الْإِقْبَال نَحْوَهُ. * وَيَتَأَمَّلُ وَرَقَةَ الاسْتِفْتَاءِ مِرَارًا، لَاسِيَّمَا آخِرَهَا. * وَيَسْألُ الْمُسْتَفْتِي (١) عَنِ الْمُشْتبَهِ، وينْقُطُهُ وَيَشْكُلُهُ؛ لِمَصْلَحَتِهِ وَمَصلَحَةِ مَنْ يُفْتِي بَعْدَهُ. * وَإِنْ رَأَى لَحْنًا فَاحِشًا، أَوْ خَطَأً يُحِيلُ مَعْنًى (٢)؛ أَصْلَحَهُ؛ لَأَنَّ قَرِينَةَ الْحَالِ تَقْتَضِي ذَلِكَ، فَإِنَّ صَاحِبَ الْوَرَقَةِ إِنَّمَا قَدَّمَهَا إِلَيْهِ لِيَكْتُبَ فِيهَا مَا يَرَى (٣)، وَهَذَا مِنْهُ. * وَكَذَا: إِنْ رَأَى بَيَاضًا فِي [أثنَاءِ بَعْضِ الْأَسْطُرِ] (٤) أَوْ فِي آخِرِهَا؛ خَطَّ عَلَيْهِ وَشَغَلَهُ، كَمَا يَفْعَلُ الشَّاهِدُ فِي كُتُبِ (٥) الْوَثَائِقِ وَنَحْوِهَا (٦)؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا [قَصَدَ أَحَدٌ

стр. 223

الْمُفْتِيَ بِسُوءٍ] (١)، فكَتَبَ فِي ذَلِكَ الْبَيَاضِ [بَعْدَ فَتْوَاهُ] (٢) مَا يُفْسدُهَا (٣). * * *

стр. 224

فَصْلٌ * يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ مَا فِي الْوَرَقَةِ عَلَى الْفُقَهَاءِ الْحَاضِرِينَ الصَّالِحِينَ لِذَلِكَ، ويُشَاوِرَهُمْ فِي الْجَوَابِ [ويُبَاحِثَهُمْ فِيهِ] (١) [وَإِنْ] (٢) كَانُوا دُونَهُ وَتَلَامِذَتَهُ (٣)؛ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ. * إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا مَا [لَا] (٤) يَحْسُنُ إِبْدَاؤُهُ، أَوْ مَا لَعَلَّ السَّائِلَ يُؤثِرُ سَتْرَهُ، أَوْ مَا فِي إِشَاعَتِهِ مَفْسَدَةٌ لِبَعْضِ النَّاسِ؛ فَيَنْفَرِدَ هُوَ بِقِرَاءَتِهَا وَجَوَابِهَا (٥). * * *

стр. 225

فَصْلٌ * يَنبغِي أَنْ يَكتُبَ الْجَوَابَ: - بِخَطٍّ وَاضِحٍ وَسَطٍ. - وَلَفْظٍ وَاضِحٍ حَسَنٍ. - تَفْهَمُهُ الْعَامَّةُ، وَلَا تَسْتَقْبِحُهُ (١) الْخَاصَّةُ. -ويقَارِبُ سُطُورَهُ وَأَقْلَامَهُ وَخَطَّهُ، لِئَلا (٢) يُزَوِّرَ أَحَدٌ عَلَيْهِ. - ثُمَّ يَنْظُرَ [فِي] (٣) الْجَوَابِ بَعْدَ سَطْرِهِ (٤). * * *

стр. 226

فَصْلٌ * وإذَا (١) ابْتَدَأَ بالإفْتَاء: - كَتَبَ فِي جَانِبِهَا الْأَيْسَرِ [-إِنْ شَاءَ-] (٢)؛ لَأِنَّهُ أَمْكَنُ. - وَإِنْ كَتَبَ فِي الْأَيْمَنِ أَوْ أَسْفَلَ؛ جَازَ. - وَإِنْ تَرَفَّعَ فِيهَا؛ كُرِهَ، لَاسِيَّمَا فَوقَ البَسْمَلَةِ. - وَأَكْثَرُ مَنْ يُفْتِي يَقُوُل: "الْجَوَابُ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ"، وَحَذَفَ ذَلِكَ آخَرُونَ. وَالأوْلَى: أَنْ يُكْتَبَ فِيمَا طَال مِنَ الْمَسَائِلِ، ويحْذَفَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ. - وَيَخْتِمُ الْجَوَابَ بِقَوْيهِ: "وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ"، أَوْ: "وَاللهُ الْمُوَفِّقُ"، أَوْ: "وَاللهُ أَعْلَمُ". - وَكانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَقُوُل إِذَا أَفْتَى: "إِنْ كَانَ صَوَابًا فَمِنَ اللهِ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَمِنِّي". [وَقَدْ قَال أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ فِي الْكَلالةِ: "أَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِيِ، فإِنْ كَانَ صَوَابًا فَمِنَ اللهِ، وَإِنْ كَانَ خَطَأ فَمِنِّي] (٣) وَمِنَ الشَّيْطَانِ، وَاللهُ وَرَسُولُهُ بَرِيئَانِ مِنْهُ". (٤) الْكَلالةُ: مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدَ (٥).

стр. 227

وَ [هَذَا] (١) يُكْرَهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ؛ لَأِنَّهُ يُضْعِفُ نَفْسَ السَّائِلِ، وَيَدْخُلُ قَلْبَهُ الشَّكُّ فِي الْجَوَابِ. - وَلَيْسَ [يَقْبُحُ] (٢) مِنْهُ أَنْ يَقُولَ: "الْجَوَابُ عِنْدَنَا"، أَوْ: "الَّذِي عِنْدَنَا"، أَوْ يَقُولَ: " [وَ] (٣) الَّذِي نَرَاهُ (٤) كَذَا وَكَذَا"؛ لأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ أَصْحَابهِ، وَأَرْبَابِ مَقَالَتِهِ. - وَكَانَ مَالِكٌ وَمَكْحُولٌ لَا يُفْتِيَانِ حَتَّى يَقُولَا: "لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ" (٥). - وقِيلَ: "يَقُولُ الْمُفْتي أَيْضًا (٦): أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴿قَالوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٧). ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ (٨) الآيَةَ.

стр. 228

﴿قَال رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ (١). لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ [العَلِيِّ الْعَظِيمِ] (٢). اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَائِرِ النَّبِيِّينَ وَالصَّالِحِينَ وَسَلِّمْ. اللَّهُمَّ [وَفِّقْنِي وَاهْدِنِي] (٣) وَسَدِّدْنِي، وَاجْمَعْ لِي بَيْنَ الصَّوَابِ وَالثَّوَابِ، وَأَعِذْنِي مِنَ الْخَطَأِ وَالْحِرْمَانِ. آمِينَ". - وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ عِنْدَ كُلِّ فَتْوَى؛ فَلْيَأْتِ بِهَا عِنَد أَوَّلِ (٤) فُتْيَا (٥) يُفْتِيهَا فِي يَوْمِهِ، لِمَا يُفْتِيهِ فِي سَائِرِ يَوْمِهِ (٦)، مُضِيفًا إِلَيْهَا قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ، وَآيَةَ الْكُرْسِيِّ وَمَا تَيَسَّرَ. فَإِنَّ مَنْ ثَابَرَ عَلَى ذَلِكَ؛ كَانَ حَقِيقًا بِأَنْ يَكُونَ مُوَفَّقًا فِي فَتَاوِيهِ. - وإنْ تَرَكَهُ؛ جَازَ (٧). [وَقَدْ] (٨) قِيلَ للإمَامِ أَحْمَدَ ﵁ (٩): رُبَّمَا اشْتَدَّ عَلَيْنَا الأمْرُ

стр. 229

[مِنْ جِهَتِكَ] (١)، فَلِمَنْ نَسْأل بَعْدَكَ؟ فَقَال: "سَلُوا عَبْدَ الْوَهَّابِ الْوَرَّاقَ، فَإِنَّهُ أَهْلٌ أَنْ يُوفَّقَ لِلصَّوَابِ" (٢). * * *

стр. 230

فَصْلٌ * وَعَلَى الْمُفْتِي أَنْ يَخْتَصِرَ جَوَابَهُ، فَيَكْتَفِيَ فِيهِ بأنَّهُ: "يَجُوزُ أَوْ لَا يَجُوزُ" أَوْ: "حَقٌّ أَوْ بَاطِلٌ". وَلَا يَعْدِلُ إِلَى الْإِطَالةِ وَالاحْتِجَاجِ؛ لَيُفَرِّقَ بَيْنَ الْفُتْيَا (١) وَالتَّصْنِيفِ، وَلَوْ سَاغَ التَّجَاوُزُ إِلَى قَلِيلٍ لَسَاغَ إِلَى كَثِيرٍ، وَلَصَارَ (٢) الْمُفْتِي مُدَرِّسًا، وَلِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ. وَقَدْ قِيلَ لِبَعْضِ الْفُقَهَاءِ (٣): أَيَجُوزُ كَذَا؟ كتَبَ: "لَا". وقيل (٤): "الْجَوَابُ بـ (نَعَمْ أَوْ لَا) لَا يَليقُ بغَيْر العَامَّة". وَإِنَّمَا يَحْسُنُ مِنْهُ الاقْتِصَارُ الَّذِي لَا يُخِلُّ بِالْبَيَانِ الْمُشْترَطِ عَلَيْهِ، دُونَ مَا يُخِلُّ بِهِ، فَلَا يَدَعُ إِطَالةً لَا يَحْسُنُ الْبَيَانُ بِدُونِهَا (٥). * فَإذَا كَانَتْ فُتْيَاهُ (٦) فِيمَا يُوجِبُ الْقَوَدَ أَوِ الرَّجْمَ -مَثَلًا-؛ فَلْيَذْكُرْ الشُّرُوطَ الَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا الْقَوَدُ وَالرَّجْمُ. * وَإِذَا اسْتُفْتِيَ فِيمَنْ قَال قَوْلًا يَكْفُرُ بِهِ، بأَنْ قَال: "الصَّلَاةُ لَعِبٌ"، أَوْ:

стр. 231

"الحَجُّ عَبَثٌ"، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ؛ فَلَا يُبَادِرُ بِأَنْ يَقُولَ: "هَذَا حَلَال الدَّمِ"، أَوْ: "يُقْتَلُ". بَلْ يَقُولُ: "إِذَا ثَبَتَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِالْإِقْرَارِ؛ اسْتَتَابَهُ السُّلْطَانُ، فَإِنْ تَابَ؛ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ، وَإِنْ أَصَرَّ وَلَمْ يَتُبْ؛ قُتِلَ وَفُعِلَ بِهِ كَذَا وَكَذَا"، وَبَالغَ فِي تَغْلِيظِ أَمْرِهِ. * وَإِنْ كَانَ الْكَلَامُ الَّذِي قَالهُ يَحْتَمِلُ أُمُورًا لَا يَكْفُرُ بِبَعْضِهَا؛ فَلَا يُطْلِقُ جَوَابَهُ. وَلَهُ أَنْ يَقُولَ: "لِيُسْأَلْ عَمَّا أَرَادَ بِقَوْلِهِ، فَإِنْ أَرَادَ كَذَا، فَالْجَوَابُ [فِيهِ] (١) كَذَا، [وَإِنْ أَرَادَ كَذَا؛ فَالْحُكْمُ كَذَا] (٢) ". وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِيمَا شَأْنُهُ التَّفْصِيلُ (٣). * وَإِذَا اسْتُفْتِيَ عَمَّا يُوجِبُ التَّعْزِيرَ؛ فَلْيَذْكُرْ قَدْرَ مَا يُعَزِّرُهُ بِهِ السُّلْطَانُ. فَيَقُولُ: "يُضْرَبُ مَا بَيْنَ كَذَا إِلَى كَذَا، وَلَا يُزَادُ عَلَى كَذَا"؛ خَوْفًا مِنْ أَنْ يُضْرَبَ بِفَتْوَاهُ -إِذَا أَطْلَقَ الْقَوْلَ- مَا لَا يَجُوزُ ضَرْبُهُ. * وَإِذَا قَال: "عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ بِشَرْطِهِ" أَوْ "الْقَوَدُ بِشَرْطِهِ"؛ فَلَيْسَ بِإِطْلَاقٍ، وَتَقْيِيدُهُ بِشَرْطِهِ؛ يَحُثُّ مَنْ لَا يَعْرِفُ الشَّرْطَ مِنَ الْوُلَاةِ عَلَى السُّؤَالِ عَنْ شَرْطِهِ. وَالْبَيَانُ أَوْلَى (٤). * * *

стр. 232

(فَصْلٌ) * إِذَا سُئِلَ عَنْ مَسْأَلةِ مِيرَاثٍ فِيهَا إِخْوَةٌ وَأَخَوَاتٌ، أَوْ أَعْمَامٌ أَوْ (١) وَبَنُوهُمْ؛ سَأَلَ: مِنْ أَبَوَيْنِ هُمْ؟ أَوْ مِنْ أَبٍ؟ أَوْ مِنْ أُمٍّ؟ * وإِنْ سُئِلَ عَنْ مَسْأَلةٍ عَائِلَةٍ؛ بَيَّنَ سَهْمَ [كُلِّ شَخْصٍ] (٢)، مِمَّا عَالتْ إلَيْهِ [الْمَسْأَلةُ] (٣). فَمَنْ خَلَّفَ زَوْجَةً وَأَبَوَيْنِ وَابْنَتَيْنِ: قَال: "لِلزَّوْجَةِ ثُمُنُ عَائِلٍ"، وَهُوَ ثَلَاثَةٌ مِنْ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ. أَوْ يَقُوُل: "صَارَ ثُمُنها تُسْعًا"، كَمَا قَالهُ فِيهَا عَلِيٌّ ﵁ عَلَى الْمِنْبَرِ (٤). أَوْ يَقُولُ: "لَهَا كَذَا وَكَذَا سَهْمًا مِنْ أَصْلِ كَذَا وَكَذَا سَهْمًا". * وَإِنْ كَانَ فِي الْمَذْكُورِينَ مَنْ لَا يَرِثُ، أَوْ يَسْقُطُ تَارَةً؛ بَيَّنَهُ. * وَإِنْ سُئِلَ عَنْ ذُكُورٍ وَإِنَاثٍ، بِمَنْ تَرِثُ الْأَنْثَى مَعَ أَخِيهَا غَيْرِ وَلَدِ الْأُمِّ؟ قَال: "لِلذَّكَرِ كَذَا وَكَذَا سَهْمًا، مِنْ أَصْلِ كَذَا وَكَذَا سَهْمًا، وَلِلْأُنْثَى نِصْفُهُ، وَهُوَ كَذَا وَكَذَا [سَهْمًا] (٥) مِنَ الأْصْلِ الْمَذْكُورِ"، أَوْ (٦) نَحْوَ ذَلِكَ.

стр. 233

وَلا يَقُلْ: لِلذَكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ. * وَيتَحرَّزُ وَيَتَحَفَّظُ فِي جوَابِ مَسَائِلِ الْمُنَاسَخَاتِ، وَلْيَقُلْ (١): "لِفُلَانٍ كَذَا وَكَذَا، مِنْ ذَلِكَ كَذَا [وَكَذَا] (٢) بِإِرْثِهِ مِنْ فُلَانٍ، [وَكَذَا بِإِرْثِهِ مِنْ فُلَانٍ] (٣) ". * وَيحْسُنُ أَنْ يَقُولَ فِي قِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ: "تُقَسَّمُ التَّرِكَةُ بَعْدَ إِخْرَاجِ مَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ مِنْ دَيْنٍ وَنَحْوِهِ أَوْ وَصِيَّةٍ، إِنْ كَانَا" (٤). * * *

стр. 234

فَصْلٌ * لَيْسَ لِلْمُفْتِي أَنْ يُبَيِّنَ مَا يَكْفِيهِ مِنْ جَوَابِهِ عَلَى مَا يَعْلَمُهُ مِنْ صُورَةِ الْوَاقِعَةِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا؛ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الرُّقْعَةِ تَعَرُّضٌ لَهُ. * وَكَذَا: إِذَا زَادَ السَّائِلُ شَفَاهًا مَا لَيْسَ فِي الرُّقْعَةِ (١)، [وَلَا لَهُ بِهِ تَعَلُّقٌ. * وَلَيْسَ لِلمُفْتِي أَنْ يَكْتُبَ جَوَابَهُ فِي الرُّقْعَةِ] (٢). * وَلَا بَأْسَ بِأَنْ (٣) يُضِيفَهُ إِلَى السُّؤَالِ بِخَطِّهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الأْدَبِ كَوْنُ السُّؤَالِ جَمِيعِهِ بِخَطِّ الْمُفْتِي. * وَلَا بَأْسَ لَوْ كَتَبَ بَعْدَ جَوَابِهِ عَمَّا فِي الرُّقْعَةِ: "زَادَ السَّائِلُ مِنْ لَفْظِهِ كَذَا وَكَذَا، وَالْجَوَابُ عَنْهُ كَذَا وَكَذَا". * وَإِذَا (٤) كَانَ الْمَكْتُوبُ [فِي الرُّقْعَةِ] (٥) عَلَى خِلَافِ الصُّورَةِ الْوَاقِعَةِ، وَعَلِمَ الْمُفْتِي بِذَلِكَ؛ فَلْيُفْتِ عَلَى مَا وَجَدَهُ فِي الرُّقْعَةِ، وَلْيَقُلْ: "هَذَا إِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ذَكَرَ (٦)، وَإِنْ كَانَ كَيْتَ وَكَيْتَ -وَيَذْكُرُ مَا عَلِمَهُ مِنَ الصُّورَةِ-؛ فَالْحُكْمُ كَذَا وَكَذَا".

стр. 235

* وَإِنْ زَادَ الْمُفْتِي عَلَى جَوَابِ الْمَذْكُورِ فِي السُؤَالِ، بِمَا لَهُ [بِهِ] (١) تَعَلُّقٌ، وَيُحْتَاجُ إِلَى التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ (٢)؛ فَحَسَنٌ (٣).

стр. 236

فَصْلٌ * لَا يَنْبَغِي إِذَا ضَاقَ مَوْضِعُ الْفَتْوَى عَنْهَا أَنْ يَكْتُبَ الْجَوَابَ فِي رُقْعَةٍ أُخْرَى؛ خَوْفًا مِنَ الْحِيلَةِ عَلَيْهِ. وَلِهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ جَوَابُهُ مَوْصُولًا بِآخِرِ سَطْرٍ فِي الرُّقْعَةِ. * وَلا (١) يَدَعُ بَيْنَهُمَا فُرْجَةً؛ خَوْفًا مِنْ أَنْ يُثْبِتَ (٢) السَّائِلُ فِيهَا غَرَضًا لَهُ ضَارًّا. * وَكَذَا (٣): إِذَا كَانَ فِي مَوْضِعِ الْجَوَابِ وَرَقَةٌ مُلْتَزِقَةٌ؛ كتَبَ عَلَى مَوْضِعِ الالْتِزَاقِ وَشَغَلَهُ بِشَيْء. * وَإِذَا أَجَابَ عَلَى ظَهْرِ الرُّقْعَةِ: فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الْجَوَابُ فِي أَعْلَاهَا لَا فِي ذَيْلِهَا، إِلَّا أَنْ يَبْتَدِئَ الْجَوَابَ فِي أسْفَلِهَا مُتَّصِلًا بِالاسْتِفْتَاءِ، فَيَضِيقَ عَلَيْهِ الْمَوْضِعُ، فَيُتِمَّهُ وَرَاءَهَا ممَّا يَلِي أَسْفَلَهَا؛ لِيَتَّصِلَ [بِهِ] (٤) جَوَابُهُ. * وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ: أَنْ يَكْتُبَ عَلَى ظَهْرِهَا، وَلَا يَكْتُبَ عَلَى حَاشِيتِهَا بِطُولِهَا. وَحَاشِيَتُهَا أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ ظَهْرِهَا. وَالأمْرُ فِي ذَلِكَ قَرِيبٌ (٥). * * *

стр. 237

فَصْلٌ * إِذَا سَبَقَ بِالْجَوَابِ (١) مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لِلفَتْوَى (٢)؛ لَمْ يُفْتِ مَعَهُ، لِأنَّهُ تَقْرِيرٌ (٣) لِمُنْكَرٍ، بَلْ يَضْرِبُ عَلَى ذَلِكَ بِإِذْنِ صَاحِبِ الرُّقْعَةِ. * وَلَو لَمْ يَسْتَأْذِنْهُ (٤) فِي هَذَا الْقَدْرِ؛ جَازَ. * لَكِنْ لَيْسَ لَهُ احْتِبَاسُ الرُّقْعَةِ إِلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهَا. * ولَهُ انْتِهَارُ السَّائِلِ وَزَجْرُهُ، وَتَعْرِيفُهُ قُبْحَ مَا أَتَاهُ، وَأنَهُ قَدْ كَانَ وَاجِبًا (٥) عَلَيْهِ الْبَحْثُ عَنْ أَهْلِ الْفَتْوَى (٦)، وَطَلَبُ فُتْيَا مَنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ. * وَإِنْ رَأَى فِيهَا اسْمَ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ؛ سَأَلَ عَنْهُ. * فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ؛ فَوَاسِعٌ لَهُ (٧) أَنْ يَمْتَنِعَ مِنَ الْفَتْوَى مَعَهُ؛ خَوْفًا مِمَّا قُلْنَاهُ. * وَكَانَ بَعْضُهُمْ فِي مِثْلِ هَذَا يَكْتُبُ عَلَى ظَهْرِهَا (٨). وَالأوْلَى فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ أَنْ يُشِيرَ عَلَى صَاحِبِهَا بِإِبْدَالِهَا، فَإِنْ أَبَى ذَلِكَ؛ أَجَابَهُ شَفَاهًا.

стр. 238

* وَإِنْ خَافَ فِتَنةً [مِنَ الضَّرْبِ] (١) عَلَى فُتْيَا مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لَهَا، وَلَمْ تَكُنْ خَطَأً؛ امْتَنَعَ مِنَ الفُتْيَا مَعَهُ. * فَإِنْ غَلَبَتْ فتاوِيهِ؛ لِتَغَلُّبِهِ عَلَى مَنْصِبِهَا بِجَاهٍ أَوْ تَلْبِيسٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، بحَيْثُ صَارَ امْتِنَاعُ الْأَهْلِ مِنَ (٢) الْفُتْيَا مَعَهُ ضَارًّا بِالْمُسْتَفْتِينَ (٣)؛ فَلْيُفْتِ مَعَهُ، وَلْيَتَلَطَّف مَعَ ذَلِكَ فِي إِظْهَارِ قُصُورِهِ لِمَنْ يَجْهَلُهُ (٤).

стр. 239

فَصْلٌ * وَإذا ظَهَرَ لَهُ [أَنَّ] (١) الْجَوَابَ عَلَى خِلَافِ غَرَض الْمُسْتَفْتِي، وَأنَّهُ لَا يَرْضَى بِأن يُكتَبَ فِي وَرَقَتِهِ؛ فَليَقْتَصِرْ عَلَى مُشَافَهَتِهِ بِالْجَوَابِ، وَلَا يَكْتُبُ فِيهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ. فَإِنَّهُ إِذَا وَافَقَ الْجَوَابُ غَرَضَ الْمُسْتَفْتِي؛ [دَعَا] (٢) لِلْمُفْتِي. وَإِنْ خَالفَهُ، سَكَتَ، أَوْ تَكَرَّهَ (٣). * * *

стр. 240

فَصْلٌ * وَإنْ رَأَى في وَرَقَة الاسْتفْتَاء فُتْيَا غَيْره، وَهيَ خَطَأٌ قَطْعًا، إِمَّا خَطَأٌ مُطْلَقًا [لِمُخَالفَتِهَا الدَّلِيلَ الْقَاطِعَ] (١)، وَإِمَّا عَلَى مَذْهَب مَنْ يُفْتِي ذَلِكَ الْغَيْرَ عَلَى مَذْهَبِهِ قَطْعًا؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ الإِمْتِنَاعُ مِنَ الإِفْتَاءِ، تَارِكًا لِلتَّنْبِيهِ عَلَى خَطَئِهَا، إِذَا لَمْ يَكْفِهِ ذَلِكَ غَيْرُهُ، بَلْ عَلَيْهِ الضَّرْبُ عَلَيْهَا عِنْدَ تَيَسُّرِهِ، أَوِ الإِبْدَال وَتَقْطِيعُ الرُّقْعَةِ بِإِذْنِ صَاحِبِهَا، وَنَحْوُ ذَلِكَ. * وَإِذَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ وَمَا (٢) يَقُومُ مَقَامَهُ؛ كَتَبَ صَوَابَ جَوَابِهِ عِنْدَ ذَلِكَ الْخَطَأِ. * ثُمَّ إِنْ كَانَ الْمُخْطِئُ أَهْلًا لِلفَتْوَى (٣)؛ فَحَسَن أَنْ تُعَادَ إِلَيهِ بِإِذْنِ صَاحِبِهَا. * وَإِنْ وَجَدَ فِيهَا فُتْيَا (٤) مَنْ [هُوَ] (٥) أَهْلٌ لِلْفَتْوَى (٦)، [وَهِيَ] (٧) عَلَى خِلَافِ مَا يَرَاهُ هُوَ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ بِخَطَئِهَا؛ فَلْيَقْتَصِرْ [عَلَى] (٨) أَنْ يَكْتُبَ جَوَابَ نَفْسِهُ، وَلَا يَتَعَرَّضُ لِفُتْيَا غَيْرِهِ بِتَخْطِئَةٍ وَلَا اعْتِرَاضٍ.

стр. 241

* وَلَا يَسُوغُ لِمُفْتٍ (١) إِذَا اسْتُفْتِيَ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِجَوَابِ غَيْرِهِ بِرَدٍّ وَلَا تَخْطِئَةٍ، بَلْ يُجِيبُ بِمَا عِنْدَهُ مِنْ وِفَاقٍ أَوْ خِلَافٍ. فَقَدْ يُفْتِي أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ بِمَا يُخَالِفُهُمْ فِيهِ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَا يَرُدُّ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ فِي مَسَائِلِ [الاجْتِهَادِ] (٢) الَّتِي لَيْسَ فِيهَا نَصٌّ وَلَا إِجْمَاعٌ (٣).

стр. 242

فَصْلٌ * إِذَا لَمْ يَفْهَمِ الْمُفْتِي السُّؤَال أَصْلًا، وَلَمْ يَحْضُرْ صَاحِبُ الْوَاقِعَةِ؛ كتَبَ: "يُزَادُ فِي الشَّرْحِ [لِنُجِيبَ] (١) عَنْهُ" أَوْ: "لَمْ أَفْهَمْ مَا فِيهَا فَأُجِيبَ (٢) عَنْهُ". وَقَال بَعْضُهُمْ: "لَا يَكْتُبُ شَيْئًا أَصْلًا" (٣). أَوْ: يَحْضُرُ السَّائِلُ لِيُشَافِهَهُ. * وَإِذَا اشْتَمَلَتِ الرُّقْعَةُ عَلَى مَسَائِلَ، فَهِمَ بَعْضَهَا دُونَ بَعْضٍ، أَوْ فَهِمَهَا كُلَّهَا، وَلَمْ يُرِدِ الْجَوَابَ عَنْ بَعْضِهَا، أَوِ احْتَاجَ فِي بَعْضِهَا إِلَى مُطَالعَةِ رَأْيِهِ، أَوْ كُتُبٍ هُوَ فِيهَا؛ سَكَتَ عَنْ ذَلِكَ الْبَعْضِ وَأَجَابَ عَنِ الْبَعْضِ الْآخَرِ، أَوْ يَقُوُل: "فَأَمَّا (٤) بَاقِي الْمَسَائِلِ [فَلَنَا فِيْهِ] (٥) نَظَرٌ" أَوْ يَقُوُل: "مُطَالعَةٌ" أَوْ يَقُوُل: "زِيَادَةُ تأَمُّلٍ". * وَإِذَا فَهِمَ مِنَ السُّؤَالِ صُورَةً، وَهُوَ يَحْتَمِلُ غَيْرَهَا؛ فَلْيَنُصَّ عَلَيْهَا فِي

стр. 243

أَوَّلِ جَوَابِهِ، فَيَقُولُ: "إِنْ كَانَ قَدْ قَال كَذَا وَكَذَا، أَوْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا -أَوْ (١) مَا أَشْبَهَ هَذَا-؛ فَالْحُكْمُ كَذَا وَكَذَا، وَإِلَّا فَكَذَا [وَكَذَا] (٢) " (٣).

стр. 244

فَصْلٌ * يَجُوزُ أَنْ يَذْكُرَ الْمُفْتِي فِي فَتْوَاهُ الْحُجَّةَ ، إِذَا كَانَتْ نَصًّا وَاضِحًا مُخْتَصرًا. * وَأَمَّا الْأَقْيِسَةُ وَشَبَهُهَا: فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَذْكُرَ شَيْئًا مِنْهَا. * وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ أَنْ يَذْكُرَ الْمُفْتِي طَرِيقَ الاجْتِهَادِ، وَلَا وَجْهَ الْقِيَاسِ وَالاسْتِدْلَالِ. * إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْفَتْوَى (١) تتعَلَّقُ بِنَظَرِ قَاضٍ؛ فَيُومِئَ فِيهَا إِلَى طَرِيقِ الاجْتِهَادِ، وَيُلَوِّحَ بِالنُّكتَةِ الَّتِي عَلَيْهَا بَنَى الْجَوَابَ. - أَوْ يَكُونَ غَيْرُهُ قَدْ أَفْتَى فِيهَا بِفَتْوَى [غَلِطَ فِيهَا عِنْدَهُ] (٢)؛ فَيُلَوِّحَ بِالنُّكتَةِ الَّتِي أَوْجَبَتْ خِلَافَهُ؛ لِيُقِيمَ عُذْرَهُ فِي مُخَالفَتِهِ. - وَكَذَا: لَوْ كَانَ فِيمَا يُفْتِي (٣) بِهِ غُمُوضٌ؛ فَحَسَن أَنْ يُلَوِّحَ بِحُجَّتِهِ. وَهَذَا التَّفْصِيلُ أَوْلَى مِمَّا سَبَقَ مِنْ إِطْلاقِ الْمَنْعِ مِنْ تَعَرُّضِهِ لِلِاحْتِجَاجِ. * وَقَدْ يَحْتَاجُ الْمُفْتِي فِي بَعْضِ الْوَقَائِعِ إِلَى أَنْ يُشَدِّدَ وَيُبَالِغَ، فَيَقُولَ: "وَهَذَا (٤) إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ"، أَوْ: "لَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا"، أَوْ: "فَمَنْ خَالفَ

стр. 245

هَذَا فَقَدْ خَالفَ الْوَاجِبَ، وَعَدَلَ عَنِ الصَّوَابِ"، أَوْ: "تَرَكَ الْإِجْمَاعَ"، أَوْ: "فَقَدْ أَثِمَ وَفَسَقَ"، أَوْ: "وَعَلَى (١) وَلِيِّ الأْمْرِ أَنْ يَأخُذَ بِهَذَا وَلَا (٢) يُهْمِلَ الأمْرَ". وَمَا أَشْبَهَ هَذ الْألفَاظَ، عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ الْمَصْلَحَةُ وَيُوجِبُهُ الْحَال (٣). * * *

стр. 246

فَصْلٌ * يَجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَ اجْتِمَاعِ الرِّقَاعِ عِنْدَهُ أَنْ يُقَدِّمَ الأسْبَقَ، فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الْفُتْيَا. - وَعِنْدَ التَّسَاوِي أَوِ الْجَهْلِ؛ يُقَدِّمُ السَّابِقَ بِقُرْعَةٍ (١). - وَقِيلَ (٢): "لَهُ تَقْدِيمُ الْمَرْأَةِ وَالْمُسَافِرِ الَّذِي شَدَّ رَحْلَهُ، وَفِي تَأْخِيرهِ بِتَخَلُّفِهِ (٣) عَنْ رِفْقَتِهِ ضَرَرٌ (٤) عَلَى مَنْ سَبَقَهُمَا. - إِلَّا إِذَا كَثُرَ الْمُسَافِرُونَ وَالنِّسَاءُ، بِحَيْثُ يَلْحَقُ غَيْرَهُمْ مِنْ تَقْدِيمِهِمْ ضَرَرٌ كَثِيرٌ؛ فَيَعُودَ إِلَى التَّقْدِيمِ بِالسَّبْقِ أَوْ (٥) الْقُرْعَةِ. - ثُمَّ لَا يُقَدِّمُ مَنْ يُقْدِّمُهُ إِلَّا فِي فُتْيَا وَاحِدَةٍ" (٦). * * *

стр. 247

فَصْلٌ * وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَمِيلَ فِي فُتْيَاهُ مَعَ الْمُسْتَفْتِي أَوْ مَعَ خَصْمِهِ؛ بِأَنْ يَكْتُبَ فِي جَوَابِهِ مَا (١) هُوَ [لَهُ، وَ] (٢) يَسْكُتَ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. * وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ فِي مَسائِلِ الدَّعَاوِي وَالبَيِّنَاتِ بِذِكْرِ (٣) وُجُوهِ الْمَخَالِصِ مِنْهَا. - وَإِذَا سَأَلهُ أَحَدُهُمْ (٤): بِأَيِّ شَيءٍ تَنْدَفِعُ دَعْوَى كَذَا وَكَذَا، أَوْ (٥) بَيِّنَةُ كَذَا وَكَذَا؟ لَمْ يَجِبْهُ؛ لِئَلَّا يَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إِلَى إِبْطَالِ حَقٍّ. - وَلَهُ أَنْ يَسْأَلهُ عَنْ حَالِهِ فِيمَا [إِذَا] (٦) ادُّعِيَ عَلَيْهِ، فَإِذَا شَرَحَهُ لَهُ عَرَّفَهُ بِمَا فِيهِ مِنْ دَافِعٍ وَغَيْرِ (٧) دَافِعٍ (٨). * *

стр. 248

بَابُ صِفَةِ الْمُسْتَفْتِي، وَأَحْكَامِهِ، وَآدَابِهِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ

стр. 249

* أَمَّا صِفَتُهُ: فَهُوَ كُلُّ مَنْ لَا يَصْلُحُ لِلْفُتْيَا مِنْ جِهَةِ الْعِلْمِ، وَإِنْ كَانَ مُتَمَيِّزًا (١). * وَالتَّقْلِيدُ: "قَبُولُ قَوْلِ مَنْ (٢) يَجُوزُ عَلَيْهِ الإصْرَارُ عَلَى الْخَطَأِ، بِغَيْرِ حُجَّةٍ، [عَلَى نَفْسِ مَا قُبِلَ قَولُهُ فِيهِ". وَقِيلَ: "هُوَ قَبُولُ قَوْلِ الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ] (٣) مُلْزِمَةٍ" كَمَا سَبَقَ. أَخْذًا مِنَ الْقِلَادَةِ فِي الْعُنُقِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَفْتِيَ يَتَقَلَّدُ قَوْلَ الْمُفْتِي كَالْقِلَادَةِ فِي عُنُقِهِ، أَوْ أنَّهُ قَلَّدَ ذَلِكَ الْمُفْتِيَ، وَتَقَلَّدَ الْمُفْتِي فِي عُنُقِهِ حُكْمَ مَسْأَلةِ الْمُسْتَفْتِي (٤). * وَيَجِبُ الاسْتِفْتَاءُ فِي كُلُّ حَادِثَةٍ لَهُ يَلْزَمُهُ (٥) تَعَلُّمُ حُكْمِهَا. * وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْبَحْثُ حَتَّى يَعْرِفَ صَلَاحِيَّةَ مَنْ يَسْتَفْتِيهِ لِلْفُتْيَا، إِذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ عَرَفَهُ. * وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّرْجِيحُ لِمُفْتٍ يُفْتِيهِ عَلَى غَيْرِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ (٦). * وَلَا يَكْتَفِي بِكَوْنِهِ عَالِمًا أَوْ مُنْتَسِبًا إِلَى الْعِلْمِ، وَإِنِ انْتَصَبَ فِي مَنْصِبِ التَّدْرِيسِ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ مَنَاصِبِ أَهْلِ العِلْمِ، فَلَا يَكْتَفِي بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ.

стр. 250

* وَيَجُوزُ (١) لَهُ اسْتِفْتَاءُ مَنْ تَوَاتَرَ بَيْنَ النَّاسِ خَبَرُهُ (٢)، وَاسْتِفْتَاءُ مَنْ فَهِمَ أَنَّهُ [أَهْلٌ لِلْفَتْوَى] (٣). وَقِيلَ (٤): "إِنَّمَا يُعْتَمَدُ [عَلَى] (٥) قَوْلِهِ (٦): "أَنَا مُفْتٍ" لَا شُهْرَتِهِ بِذَلِكَ وَلَا التَّوَاتُرِ؛ لِأنَّهُ لَا يُفيدُ عِلْمًا إِذَا (٧) لَمْ يَسْتَنِدْ إِلَى مَعْلُومٍ مُحَسٍّ (٨)، وَالشُّهْرَةُ بَيْنَ الْعَامَّةِ لَا يُوثَقُ بِهَا (٩)، وَقَدْ يَكُونُ أَصْلُهَا التَّلْبِيسَ". * وَلَهُ اسْتِفْتَاءُ مَنْ أَخْبَرَ الْمَشْهُورُ الْمَذْكُورُ عَنْ أَهْلِيَّتِهِ. * وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْفَى فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ بمُجَرَّدِ (١٠) تَصَدِّيهِ لِلْفَتْوَى (١١) وَاشْتِهَارِهِ بِمُبَاشَرِتِهَا، إِلَّا بِأَهْلِيَّتِهِ لَهَا. وَقَدْ قِيلَ (١٢): "يُقْبَلُ فِيهَا خَبَرُ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ". * ويَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْعَدْلِ مِنَ الْعِلْمِ وَالبَصَرِ مَا يُمَيِّزُ بِهِ الْمُلْبِسَ مِنْ غَيْرِهِ.
следующие страницы →