← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 132972

صفة المفتي والمستفتي - ت أبي جنة

ابن حمدان

Полный текст (377 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

فَصْلٌ * يَجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَ اجْتِمَاعِ الرِّقَاعِ عِنْدَهُ أَنْ يُقَدِّمَ الأسْبَقَ، فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الْفُتْيَا. - وَعِنْدَ التَّسَاوِي أَوِ الْجَهْلِ؛ يُقَدِّمُ السَّابِقَ بِقُرْعَةٍ (١). - وَقِيلَ (٢): "لَهُ تَقْدِيمُ الْمَرْأَةِ وَالْمُسَافِرِ الَّذِي شَدَّ رَحْلَهُ، وَفِي تَأْخِيرهِ بِتَخَلُّفِهِ (٣) عَنْ رِفْقَتِهِ ضَرَرٌ (٤) عَلَى مَنْ سَبَقَهُمَا. - إِلَّا إِذَا كَثُرَ الْمُسَافِرُونَ وَالنِّسَاءُ، بِحَيْثُ يَلْحَقُ غَيْرَهُمْ مِنْ تَقْدِيمِهِمْ ضَرَرٌ كَثِيرٌ؛ فَيَعُودَ إِلَى التَّقْدِيمِ بِالسَّبْقِ أَوْ (٥) الْقُرْعَةِ. - ثُمَّ لَا يُقَدِّمُ مَنْ يُقْدِّمُهُ إِلَّا فِي فُتْيَا وَاحِدَةٍ" (٦). * * *

стр. 247

فَصْلٌ * وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَمِيلَ فِي فُتْيَاهُ مَعَ الْمُسْتَفْتِي أَوْ مَعَ خَصْمِهِ؛ بِأَنْ يَكْتُبَ فِي جَوَابِهِ مَا (١) هُوَ [لَهُ، وَ] (٢) يَسْكُتَ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. * وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ فِي مَسائِلِ الدَّعَاوِي وَالبَيِّنَاتِ بِذِكْرِ (٣) وُجُوهِ الْمَخَالِصِ مِنْهَا. - وَإِذَا سَأَلهُ أَحَدُهُمْ (٤): بِأَيِّ شَيءٍ تَنْدَفِعُ دَعْوَى كَذَا وَكَذَا، أَوْ (٥) بَيِّنَةُ كَذَا وَكَذَا؟ لَمْ يَجِبْهُ؛ لِئَلَّا يَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إِلَى إِبْطَالِ حَقٍّ. - وَلَهُ أَنْ يَسْأَلهُ عَنْ حَالِهِ فِيمَا [إِذَا] (٦) ادُّعِيَ عَلَيْهِ، فَإِذَا شَرَحَهُ لَهُ عَرَّفَهُ بِمَا فِيهِ مِنْ دَافِعٍ وَغَيْرِ (٧) دَافِعٍ (٨). * *

стр. 248

بَابُ صِفَةِ الْمُسْتَفْتِي، وَأَحْكَامِهِ، وَآدَابِهِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ

стр. 249

* أَمَّا صِفَتُهُ: فَهُوَ كُلُّ مَنْ لَا يَصْلُحُ لِلْفُتْيَا مِنْ جِهَةِ الْعِلْمِ، وَإِنْ كَانَ مُتَمَيِّزًا (١). * وَالتَّقْلِيدُ: "قَبُولُ قَوْلِ مَنْ (٢) يَجُوزُ عَلَيْهِ الإصْرَارُ عَلَى الْخَطَأِ، بِغَيْرِ حُجَّةٍ، [عَلَى نَفْسِ مَا قُبِلَ قَولُهُ فِيهِ". وَقِيلَ: "هُوَ قَبُولُ قَوْلِ الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ] (٣) مُلْزِمَةٍ" كَمَا سَبَقَ. أَخْذًا مِنَ الْقِلَادَةِ فِي الْعُنُقِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَفْتِيَ يَتَقَلَّدُ قَوْلَ الْمُفْتِي كَالْقِلَادَةِ فِي عُنُقِهِ، أَوْ أنَّهُ قَلَّدَ ذَلِكَ الْمُفْتِيَ، وَتَقَلَّدَ الْمُفْتِي فِي عُنُقِهِ حُكْمَ مَسْأَلةِ الْمُسْتَفْتِي (٤). * وَيَجِبُ الاسْتِفْتَاءُ فِي كُلُّ حَادِثَةٍ لَهُ يَلْزَمُهُ (٥) تَعَلُّمُ حُكْمِهَا. * وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْبَحْثُ حَتَّى يَعْرِفَ صَلَاحِيَّةَ مَنْ يَسْتَفْتِيهِ لِلْفُتْيَا، إِذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ عَرَفَهُ. * وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّرْجِيحُ لِمُفْتٍ يُفْتِيهِ عَلَى غَيْرِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ (٦). * وَلَا يَكْتَفِي بِكَوْنِهِ عَالِمًا أَوْ مُنْتَسِبًا إِلَى الْعِلْمِ، وَإِنِ انْتَصَبَ فِي مَنْصِبِ التَّدْرِيسِ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ مَنَاصِبِ أَهْلِ العِلْمِ، فَلَا يَكْتَفِي بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ.

стр. 250

* وَيَجُوزُ (١) لَهُ اسْتِفْتَاءُ مَنْ تَوَاتَرَ بَيْنَ النَّاسِ خَبَرُهُ (٢)، وَاسْتِفْتَاءُ مَنْ فَهِمَ أَنَّهُ [أَهْلٌ لِلْفَتْوَى] (٣). وَقِيلَ (٤): "إِنَّمَا يُعْتَمَدُ [عَلَى] (٥) قَوْلِهِ (٦): "أَنَا مُفْتٍ" لَا شُهْرَتِهِ بِذَلِكَ وَلَا التَّوَاتُرِ؛ لِأنَّهُ لَا يُفيدُ عِلْمًا إِذَا (٧) لَمْ يَسْتَنِدْ إِلَى مَعْلُومٍ مُحَسٍّ (٨)، وَالشُّهْرَةُ بَيْنَ الْعَامَّةِ لَا يُوثَقُ بِهَا (٩)، وَقَدْ يَكُونُ أَصْلُهَا التَّلْبِيسَ". * وَلَهُ اسْتِفْتَاءُ مَنْ أَخْبَرَ الْمَشْهُورُ الْمَذْكُورُ عَنْ أَهْلِيَّتِهِ. * وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْفَى فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ بمُجَرَّدِ (١٠) تَصَدِّيهِ لِلْفَتْوَى (١١) وَاشْتِهَارِهِ بِمُبَاشَرِتِهَا، إِلَّا بِأَهْلِيَّتِهِ لَهَا. وَقَدْ قِيلَ (١٢): "يُقْبَلُ فِيهَا خَبَرُ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ". * ويَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْعَدْلِ مِنَ الْعِلْمِ وَالبَصَرِ مَا يُمَيِّزُ بِهِ الْمُلْبِسَ مِنْ غَيْرِهِ.

стр. 251

* وَلَا يَعْتَمِدُ فِي ذَلِكَ عَلَى خَبَرِ آحَادِ الْعَامَّةِ؛ لِكَثْرَةِ مَا يَتَطرَّقُ إِلَيْهِمْ مِنَ الْتَّلَبُّسِ (١) فِي ذَلِكَ (٢).

стр. 252

فَصْلٌ * فإِنِ اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ أَكْثَرُ مِمَّنْ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ الاجْتِهَادُ وَالْبَحْثُ عَنِ الأعْلَمِ وَالأوْرَعِ [وَالأوْثَقِ] (١) لِيُقَلِّدَهُ دُونَ غَيْرِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ لنَا، وَلبَقِيَّةِ الْعُلَمَاءِ مَذْهَبَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجِبُ، بَلْ لَهُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ؛ لِأَهْلِيَّتِهِمْ، وَقَدْ سَقَطَ الاجْتِهَادُ عَنْهُ، لَاسِيَّمَا إِنْ قُلْنَا: "كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ"، لِقَوْلِ (٢) النَّبِيِّ ﷺ "أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ، بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ" (٣). وَالثَّانِي: يَجِبُ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ هَذَا الْقَدْرُ مِنَ الاجْتِهَادِ بِالْبَحْثِ وَالسُّؤَالِ وَشَوَاهِدِ الْأَحْوَالِ، فَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ، وَالْعَمَلُ بِالرَّاجِحِ وَاجِبٌ كَالْأَدِلَّةِ (٤). وَالأوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّهُ ظَاهِرُ حَالِ السَّلَفِ لِمَا سَبَقَ. * وَمَتَى اطّلَعَ عَلَى الْأَوْثَقِ مِنْهُمَا، فَالأَظْهَرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَقْلِيدُهُ دُونَ الْآخَرَ، كَمَا وَجَبَ تَقْدِيمُ أَرْجَحِ الدَّلِيلَيْنِ، وَأَوْثَقِ الرِّوَايَتَيْنِ. * فَعَلَى هَذَا: يَلْزَمُهُ تَقْلِيدُ الْأَوْرَعِ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَالْأَعْلَمِ مِنَ الْوَرِعِينَ.

стр. 253

فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَعْلَمَ وَالآخَرُ أَوْرَعَ؛ قَلَّدَ الأعْلَمَ -عَلَى الْأَصَحِّ-، لِأَنَّهُ أَرْجَحُ، وَالْعَمَلُ بِالرَّاجِحِ وَاجِبٌ كَالْأَدِلَّةِ. وَقِيلَ: "بَلْ الْأَوْرَعَ". [لِقَوْلِ اللهِ] (١) -تَعَالى-: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ (٢). وَلِقَوْلِهِ ﵇: "إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَهُ" (٣). * * *

стр. 254

فَصْلٌ * يُجُوزُ تَقْلِيدُ الْمَيِّتِ -فِي أَصَحِّ الْمَذْهَبَيْنِ وَأَشْهَرِهِمَا-؛ لِأَنَّ الْمَذَاهِبَ لَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ أَصْحَابِهَا، وَلِهَذَا يُعتَدُّ بِهَا بَعْدَهُمْ (١) فِي الإجْمَاعِ وَالْخِلَافِ. ويُؤَكِّدَهُ (٢): أَنْ مَوْتَ الشَّاهِدِ قَبْلَ الْحُكْمِ وَبَعْدَ الأدَاءِ لَا يَمْنَعُ مِنَ الْحُكْمِ بِشِهَادتِهِ، بِخِلَافِ الْفِسْقِ. وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ أَهْلِيّتَهُ زَالتْ بِمَوْتِهِ، فَهُوَ كَمَا لَو فَسَقَ، وَلِأَنَّهُ لَوْ عَاشَ لَوَجَبَ عَلَيْهِ تَجْدِيدُ الاجْتِهَادِ فِيهَا -فِي أَحَدِ الْمَذَاهِب- فَرُبَّمَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ وَرَأْيُهُ فِيهَا (٣). ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ احْتِمَالًا؛ لِاحْتِمَالِ تَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ لَوْ كَانَ حَيًّا. وَقُلْتُ (٤): "هَذَا إِنْ لَزِمَ السَّائِلَ تَجْدِيدُ السُّؤَالِ بِتَجَدُّدِ (٥) الْحَادِثَةِ لَهُ ثَانِيًا" (٦). وَمَنْ نَصَرَ الأوَّلَ قَال: "الْأَصْلُ بَقَاءُ الاجْتِهَادِ وَالْحُكْمِ".

стр. 255

* وَقَال أَبُو الْخَطَّابِ: "إِنْ مَاتَ الْمُفْتِي قَبْلَ عَمَلِ الْمُسْتَفْتِي [بِفُتْيَاهُ] (١)، فَلَهُ الْعَمَلُ بِهَا". قَال: "وَقِيلَ: لَا. لِمَا سَبَقَ" (٢). وَإِنْ كَانَ قَدْ عَمِلَ بِهَا، لَمْ يَجُزْ [لَهُ] (٣) تَرْكُهُ إِلَى قَوْلِ غَيْرِهِ فِي تِلْكَ الْوَاقِعَةِ. * * *

стр. 256

فَصْلٌ * هَلْ لِلْعَامِّيِّ أَنْ يَتَخَيَّرَ وَيُقَلِّدَ أَيَّ مَذْهَبٍ شَاءَ أَمْ لا ؟ - فَإِنْ كانَ مُنْتَسِبًا إِلَى مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ؛ بَنيْنَا ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْعَامِّيَّ هَلْ لَهُ مَذْهَبٌ أَمْ لَا؟ وَفِيهِ مَذْهَبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا مَذْهَبَ لَهُ؛ لِأَنَّ (١) [الْمَذْهَبَ إِنَّمَا يَكُونُ] (٢) لِمَنْ يَعْرِفُ الْأَدِلَّةَ. فَعَلَى هَذَا: لَهُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ مَنْ [شَاءَ مِنْ] (٣) شَافِعِيٍّ وَحَنَفِيٍّ وَمَالِكِيٍّ وَحَنْبَلِيٍّ، لَا سِيَّمَا إِنْ قُلْنَا: "كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ"؛ لِقَوْلهِ ﷺ (٤): "أَصْحَابي كَالنُّجُوم؛ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ" (٥). وَالثَّانِي: أَنَّ لَهُ مَذْهَبًا؛ لِأَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّ الْمَذْهَبَ الَّذِي انْتَسَبَ إلَيْهِ هُوَ الْحَقُّ، فَعَلَيهِ الْوَفَاءُ بِمُوجَبِ اعْتِقَادِهِ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ حَنْبَلِيًّا أَوْ مَالِكِيًّا أَوْ شَافِعِيًّا؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ حَنَفَيًّا، وَلا (٦) يُخَالِفَ إِمَامَهُ.

стр. 257

وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الْمُفْتِي الْمُنْتَسِبِ إِلَى مَذْهَبِ [إِمَامِهِ] (١) مَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُخَالِفَ إِمَامَهُ فِيهِ. - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدِ انْتَسَبَ إِلَى مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ؛ انْبَنَى عَلَى أَنَّ الْعَامِّيَّ هَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَمَذْهَبَ بِمَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ، يَأْخُذُ بِرُخَصِهِ وَعَزَائِمِهِ؟ وَفِيهِ مَذْهَبَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، كَمَا لَمْ يَلْزَمْ فِي عَصْرِ أَوَائِلِ الْأُمَّةِ أَنْ يَخُصَّ الْعَامِّيُّ عَالِمًا مُعَيَّنًا بِتَقْلِيدٍ (٢) لَا سِيَّمَا إِنْ قُلْنَا: "كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ". فَعَلَى هَذَا: هَلْ لَهُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ عَلَى أَيِّ مَذْهَبٍ شَاءَ، أَوْ يَلْزَمَهُ أَنْ يَبْحَثَ حَتَّى يَعْلَمَ عِلْمَ مِثْلِهِ أَسَدَّ الْمَذَاهِبِ وَأَصَحَّهَا أَصْلًا، فَيَسْتَفْتِيَ أَهْلَهُ (٣)؟ فِيهِ مَذْهَبَانِ؛ كَالْمَذْهَبَيْنِ اللَّذَيْنِ (٤) سَبَقَا فِي إِلْزَامِهِ بِالْبَحْثِ عَنِ الأْعْلَمِ وَالأْفْقَهِ مِنَ الْمُفْتِينَ. وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، وَهُوَ جَارٍ فِي كُلِّ مَنْ لَمْ يبْلُغْ رُتْبَةَ (٥) الاجْتِهَادِ مِنَ الفُقَهَاءِ وَأَرْبَابِ سَائِرِ الْعُلُومِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لَهُ اتِّبَاعُ أَيِّ مَذْهَبٍ شَاءَ لَأَفْضَى إِلَى أَنْ يَلْتَقِطَ رُخَصَ الْمَذَاهِبِ مُتَّبِعًا هَوَاهُ، [وَمُتَخَيِّرًا] (٦) بَيْنَ التَّحْرِيمِ وَالتَّجْوِيزِ، وَفِيهِ انْحِلالٌ

стр. 258

عَنِ التَّكلِيفِ، بِخِلَافِ الْعَصْرِ الْأوّلِ، فَإِنَّهُ لَمْ تَكُنِ الْمَذَاهِبُ الْوَافِيَةُ بِأَحْكَامِ الْحَوَادِثِ حِينَئِذٍ قَدْ مُهِّدَتْ وَعُرِفَتْ. فَعَلَى هَذَا: يَلْزَمُهُ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي اخْتِيَارِ مَذْهَبٍ يُقَلِّدُهُ (١) عَلَى التَّعْيِينِ. وَهَذَا أوْلَى بِإِيجَابِ (٢) الاجْتِهَادِ فِيهِ عَلَى الْعَامِّيِّ، مِمِّا سَبَقَ فِي الاسْتِفْتَاءِ (٣). * * *

стр. 259

فَصْلٌ * وَنَحْنُ نُمَهِّدُ [لَهُ] (١) طَرِيقًا سَهْلًا، فَنَقُوُل: - لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتْبَعَ فِي ذَلِكَ مُجَرَّدَ التَّشَهِّي وَالْمَيْلِ إِلَى مَا وَجَدَ عَلَيْهِ أَبَاهُ وَأَهْلَهُ، قَبْلَ تَأَمُّلِهِ وَالنَّظَرِ فِي صَوَابِهِ (٢). - وَلَيْسَ لَهُ التَّمَذْهُبُ بِمَذْهَبِ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الصَّحَابَةِ وَحْدَهُ، أَوْ غَيْرِهِمْ مِنَ السَّلَفِ دُونَ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانُوا أَعْلَمَ وَأَعْلَى دَرَجَةً مِمَّنْ بَعْدَهُمْ -مَعَ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابَةِ عِنْدَنَا حُجَّةٌ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ (٣) -؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَفَرَّغُوا [لِتَدْوِينِ] (٤) الْعِلْمِ وَضَبْطِ أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ، وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمْ مَذْهَبٌ مُهذَّبٌ مُحَرَّرٌ مُقَرَّرٌ مُسْتَوْعِبٌ، وَإِنَّمَا قَامَ (٥) بذَلِكَ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ مِنَ الأَئِمَّةِ النَّاخِلِينَ لِمَذَاهِبِ (٦) الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ، الْقَائِمِينَ بِتَمْهِيدِ أَحْكَامِ الْوَقَائِعِ قَبْلَ وُقُوعِهَا، النَّاهِضِينَ بِإِيضَاحِ أُصُولِهَا وَفُرُوعِهَا، وَمَعْرِفَةِ الْوِفَاقِ وَالْخِلَافِ، كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحَمْدَ، وَأَمْثَالِهِمْ، فَإِنَّ اتِّفَاقَهُمْ نِعْمَةٌ تَامَّةٌ، وَاخْتِلَافَهُمْ رَحْمَةٌ عَامَّةٌ.

стр. 260

فَصْلٌ * وَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّازم الالْتزَامُ بِأَهْل الدِّين، وَعُلَمَاء الشَّريعَة الْمُبَرَّزينَ، وَأكَابِرِ الأئِمَّةِ المُتَّبِعِينَ الْمَتْبُوعِينَ، وَالْمَشْهُورِينَ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ الْمُحِقِّينَ، [وَالْمُتَدَيِّنِينَ] (١) الْمُتَوَرِّعِينَ، وَالْمُوَفَّقِينَ الْمُسَدَّدِينَ الْمُرَشَّدِينَ. وَكَانَ الْإِمَامُ الْعَالِمُ السَّالِكُ النَّاسِكُ الْكَامِلُ أَبُو عَبْدِ اللهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ ﵁ قَدْ تَأَخَّرَ عَنْ أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ الْمَشْهُورَةِ (٢)، وَنَظَرَ فِي مَذَاهِبِهِمْ، وَمَذَاهِبِ مَنْ قَبْلَهُمْ، وَأَقَاوِيلِهِمْ، وَسَبَرَهَا [وخَبَرَهَا] (٣) وَانتقَدَهَا، وَاخْتَارَ أَرْجَحَهَا وَأَصْلَحَهَا (٤)، وَوَجَدَ مَنْ قَبْلَهُ قَدْ كَفَاهُ مُؤْنَةَ التَّصْوِيرِ وَالتَّأصِيلِ وَالتَّفْصِيلِ، فتفَرَّغَ لِلِاخْتِيَارِ وَالتَّرْجِيحِ، وَالتَّنْقِيحِ وَالتَّكمِيلِ، وَالْإِشَارَةِ إِلَى الصَّحِيحِ، مَعَ كَمَالِ آلَتِهِ، وَبَرَاعَتِهِ (٥) فِي الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، وَتَرَجُّحِهِ عَلَى مَنْ سَبقَهُ، لِمَا يَأْتِي، ثُمَّ لَمْ يُوجَدْ بَعْدَهُ مَنْ بَلَغَ مَحَلَّهُ فِي ذَلِكَ؛ كانَ مَذْهَبُهُ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ بِالاِتِّبَاعِ وَالتَّقْلِيدِ. وَهَذَا طَرِيقُ الإِنْصَافِ وَالسَّلامَةِ مِنَ الْقَدْحِ فِي بَعْضِ الأَئِمَّةِ. وَقَدِ ادَّعَى الشَّافِعِيَّةُ ذَلِكَ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا، وَأنَّهُ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ (٦).

стр. 261

وَنَحْنُ نَقُوُل: كَانَ [الْإِمَامُ] (١) أَحْمَدُ أَكْثَرَهُمْ عِلْمًا بالأْخْبَارِ، وَعَمَلًا بِالآثَارِ، وَاقْتِفَاءً لِلسَّلَفِ، وَاكْتِفَاءً بِهِمْ دُونَ الْخَلَفِ، وَهُوَ مِنْ أَجَلِّهِمْ قَدْرًا وَذِكْرًا، وَأَرْفَعِهِمْ مَنْزِلَةً وَشُكْرًا، وَأَسَدِّهِمْ طَرِيقَةً وَأَقْوَمِهِمْ سَطْرًا، [وَأَشْهَرِهِمْ] (٢) دِيَانَةً وَصِيَانَةً وَأَمَانَةً وَأَمْرًا، وَأَعْلَمِهِمْ بَرًّا وَبَحْرًا، قَدِ اجْتَمَعَ لَهُ مِنَ الْعِلْمِ، وَالْعَمَلِ، وَالدِّين، وَالْوَرَعِ، وَالاتِّبَاعِ، وَالْجَمْعِ، وَالاطِّلَاع، وَالرِّحْلَةِ، وَالْحِفْظِ، وَالْمَعْرِفَةِ، وَالشُّهْرَةِ بِذَلِكَ كُلِّهِ وَنَحْوِهِ، مَا لَمْ يَجْتَمِعْ مِثْلُهُ لِإنْسَانٍ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْأَمْصَارِ، وَأَهْلُ الْأَعْصَارِ وَإِلَى الْآنَ، وَاتَّفَقُوا عَلَى إِمَامَتِهِ، وَفَضِيلَتِهِ، وَاتِّبَاعِهِ لِمَنْ مَضَى بِإِحْسَانٍ، وَأنَّهُ إِمَامٌ فِي سَائِرِ عُلُومِ الدِّينِ، مَعَ الْإِكْثَارِ وَالْإِتْقَانِ، وإنَ أَوْلَى بِالاتِّبَاعِ، وَأَحْرَى بِالْبُعْدِ عَنِ الابْتِدَاعِ. وَقَدْ صَنَّفَ النَّاسُ فِي فَضَائِلِهِ وَمَنَاقِبِهِ كُتُبًا كَثِيرَةً تَدُلُّ عَلَى إمَامَتِهِ وَرُجْحَانِهِ عَلَى غَيْرِهِ (٣). فَلِذَلِكَ وَنَحْوِهِ تَعَيَّنَ الْوُقُوفُ بِبَابِهِ، وَالانْتِمَاءُ إلَيْهِ، وَالاقْتِدَاءُ بِهِ، وَالاهْتِدَاءُ بِنُورِ صَوَابِهِ، وَالارْتِدَاءُ بِهَدْيِهِ فِي وُرُودِهِ وَإِيَابِهِ، وَالاقْتِفَاءُ لِمَطَالِبِهِ وَأَسْبَابِهِ، وَالاكْتِفَاءُ بِصُحْبَةِ أَصْحَابِهِ (٤). وَلِأَنَّ مَذْهَبَهُ مِنْ أَصَحِّ الْمَذَاهِبِ وَأَكْمَلِ، وَأَوْضَحِ الْمَنَاهِجِ وَأَجْمَلِ؛

стр. 262

لِكَثْرَةِ (١) أَخْذِهِ لَهُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، مَعَ مَعْرِفَتِهِ بهمَا وَبِأَقْوَالِ (٢) الأئِمَّةِ، وَأَحْوَالِ سَلَفِ الْأُمَّةِ، وَتَطَلُّعِهِ عَلَى عُلُومِ الإِسْلَامِ، وَتَظَلُّعِهِ (٣) مِنَ الأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالأَحْكَامِ، وَدِينِهِ التَّامِّ (٤)، وَعِلْمِهِ الْعَامِّ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ مِنْ أَكَابِرِ الْعُلَمَاءِ، وَشَهَادَتِهِمْ لَهُ بِالْإِمَامَةِ وَالتَّقَدُّمِ عَلَى أَكْثَرِ الْقُدَمَاءِ، وَإِطْنَابِهِمْ فِي مَدْحِهِ وَشُكْرِهِ، وَإِسْهَابِهِمْ (٥) فِي نَشْرِ فَضْلِهِ وَذِكْرِهِ، وَلَمْ يَشُكُّوا فِي صِحَّةِ اعْتِقَادِهِ وَانْتِقَادِهِ، وَأَنَّ الثِّقَةَ (٦) تَحْصُلُ بِإِخْبَارِهِ، وَالنَّفْرَةَ بِإِنْكَارِهِ، وَالْعِبْرَةَ بِاعْتِبَارِهِ، [وَالْخِبْرَةَ بِاخْتِبَارِهِ] (٧)، وَالْخِيرَةَ لِاخْتِيَارِهِ (٨)، بَلْ يَرْجِعُونَ فِي دِينِهِمْ إِلَيْهِ، وَيُعَوِّلُونَ عَلَيْهِ، وَيَرْضَوْنَ [بمَا يُنْسَبُ] (٩) إِلَيْهِ، وَلَوْ كُذِبَ عَلَيْهِ. فَلِلَّهِ الْحَمْدُ إِذْ (١٠) وَفَّقَنَا لِاتِّبَاعِ مَذْهَبِهِ (١١)، وَالابْتِدَاءِ بتَحْصِيلِهِ وَطَلَبهِ، وَالانْتِهَاءِ إِلَى الرِّضَا [بِهِ؛ لِصِحَّةِ] (١٢) مَطْلَبِهِ.

стр. 263

وَهَذَا وَأَمْثَالهُ قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ، وَنُقْطَةٌ مِنْ بَحْرٍ غَزِيرٍ. وَالْغَرَضُ: الْحَثُّ عَلَى اتِّبَاعِهِ، وَمَعْرِفَةِ ارْتفَاعِهِ (١) فِي الْعُلُومِ، وَاتِّسَاعِ بَاعِهِ. فَرَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، وَجَعَلَنَا مِنْ تُبْاعِهِ (٢)، وَحَشَرَنَا فِي زُمْرَةِ أَتْبَاعِهِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا جُمْلَةً مِنْ مَنَاقِبِهِ (٣)، وَكَلَامِ الْعُلَمَاءِ فِي مَدْحِهِ وَإِمَامَتِهِ فِي كُتُبٍ أُخَرَ (٤). وَلَوْ لَمْ يَقُلْ فِيهِ النَّاسُ سِوَى مَا نَذْكُرُهُ الْآنَ؛ لَكَانَ فِيهِ أَبْلَغَ غَايَةٍ، وَأَنْهَى نِهَايَةٍ، وَفِي بَعْضِهِ كِفَايَةٌ. * قَال الشَّافِعِيُّ [﵁] (٥): "أَحْمَدُ إمَامٌ فِي ثَمَانِ خِصَالٍ: إِمَامٌ فِي الْحَدِيثِ، إِمَامٌ فِي الْفِقْهِ، إِمَامٌ فِي الْقُرْآنِ، إِمَامٌ فِي اللُّغَةِ، إِمَامٌ فِي السُّنَّةِ، إِمَامٌ فِي الزُّهْدِ، إِمَامٌ فِي الْوَرَعِ، إِمَامٌ فِي الْفَقْرِ" (٦). * وَقَال [أَيْضًا] (٧): "خَرَجْتُ مِنْ بَغْدَادَ، وَمَا خَلَّفْتُ بِهَا أَوْرَعَ، وَلَا أَتْقَى،

стр. 264

وَلَا أَفْقَهَ، وَلَا أَعْلَمَ مِنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ" (١). * وَقَال لأحْمَدَ: "أَنْتُمْ أَعْلَمُ مِنَّا بِالْحَدِيثِ، فَإِذَا كَانَ الْحَدِيثُ كُوفِيًّا أَوْ شَامِيًّا، فَأَعْلِمُونِي [بِهِ] (٢) حَتَّى أَذْهَبَ إلَيْهِ" (٣). * وَقَال: "كُلُّ مَا فِي كُتُبِي "حَدَّثَنِي الثِّقَةُ" (٤) فَهُوَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، [وَكُلُّ مَا فِي كُتُبِي "وَهَذَا مِمَّا يُثْبِتُهُ"، أَوْ "لَا يُثْبِتُهُ أَهْلُ الْعِلْمِ" فَهُوَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ] (٥) " (٦). * وَقَال يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: " [وَاللهِ] (٧) مَا تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ أَفْقَهُ مِنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، لَيْسَ فِي شَرْقٍ وَلَا غَرْبٍ مِثْلُهُ" (٨). * وقَال إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: "رَأَيْتُ أَحْمَدَ كَأَنَّ [اللهَ] (٩) قَدْ جَمَعَ لَهُ عِلْمَ الأْوَّلِينَ

стр. 265

وَالْآخِرِينَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ، يَقُولُ مَا يَشَاءُ (١)، [وَيَدَعُ مَا يَشَاءُ] (٢). وَعَدَّ الأئِمَّةَ" (٣). * وَقَال: "كَانَ أَحْمَدُ أَفْقَهَ الْقَوْمِ" (٤). * وَقَال [أَبُو الْقَاسِمِ الْخُتَّلِيُّ] (٥): "كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِذَا سُئِلَ عَنِ الْمَسْأَلةِ (٦) كَأَنَّ عِلْمَ الدُّنْيَا بَيْنَ عَيْنيهِ" (٧). * وَقَال الْخَلَّال: "كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِذَا تَكَلَّمَ فِي الْفِقْهِ تَكَلَّمَ بِكَلَامِ رَجُلٍ قَدِ انْتَقَدَ الْعِلْمَ، فتكَلَّمَ عَلَى مَعْرِفَةٍ" (٨). * وَقَال أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ: "مَا رَأَيْتُ أَسْوَدَ الرَّأْسِ أَحْفَظَ لِحَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَا أَعْلَمَ بِفِقْهِهِ وَمَعَانِيهِ مِنْ أَحْمَدَ" (٩).

стр. 266

* وَقَال عَبْدُ الرَّزَّاقِ: "مَا رَأَيْتُ أَفْقَهَ مِنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَل، وَلَا أَوْرَعَ، وَمَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ، وَمَا قَدِمَ عَلَيْنَا مِثْلُهُ" (١). * قَال [أَبُو] (٢) يَعْقُوبَ: " [وَمَا] (٣) رُحِلَ إِلَى أَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا رُحِلَ إِلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ" (٤). * وَقَال أَبُو عُبَيْدٍ (٥): "انْتَهَى الْعِلْمُ إِلَى أَرْبَعَةٍ: عَلَيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ مَعِيْنٍ، وَأَبِي (٦) بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَكَانَ أَحْمَدُ أَفْقَهَهُمْ [فِيهِ] (٧) " (٨). * وَقَال قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: "لَوْ أَدْرَكَ أَحْمَدُ عَصْرَ (٩) الثَّوْرِيِّ وَمَالِكٍ وَالأْوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ وَنُظَرَائِهِمْ؛ لَكَانَ هُوَ الْمُقَدَّمُ" (١٠).

стр. 267

[قِيلَ: تَقِيسُ أَحْمَدَ إِلَى التَّابِعِينَ؟ فَقَال: "إِلَى كِبَارِ التَّابِعِينَ، كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ] (١) " (٢). * وَقَال: "أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ إِمَامَا الدُّنْيَا" (٣). * وَقَال أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاوُدَ: "لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِ أَحْمَدَ مِثْلُهُ" (٤). * وَقَال عَبْدُ الْوَهَّابِ الْوَرَّاقُ: "كَانَ أَحْمَدُ أَعْلَمَ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَهُوَ مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، وَمَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ" (٥). * قَال: "وَقَدْ أَجَابَ عَنْ سِتِّينَ أَلْفَ مَسْأَلةٍ بِـ (أَخْبَرَنَا وَحَدَّثَنَا) " (٦). * وَقَال أَبُو ثَوْرٍ (٧): "أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ" (٨).

стр. 268

* وَقَال: "كُنْتَ إِذَا رَأَيْتَهُ خُيِّلَ إِلَيْكَ أَنَّ الشَّرِيعَةَ لَوْحٌ بَيْنَ عَيْنيهِ" (١). * وَقَال إِسْحَاقُ (٢): "أَنَا أَقِيسُ أَحْمَدَ [بْنَ حَنْبَلٍ] (٣) إِلَى كِبَارِ التَّابِعِينَ؛ كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَهُوَ حُجَّة بَيْنَ اللِه وَبَيْنَ عَبِيدِهِ (٤) فِي أَرْضِهِ، وَلَا يُدْرَكُ فَضْلُهُ" (٥). * وَقَال ابْنُ مَهْدِيٍّ: "لَقَدْ كَادَ هَذَا الْغُلَامُ أَنْ يَكُونَ إِمَامًا فِي بَطْنِ أُمِّهِ" (٦). * وَقَال أَبُو زُرْعَةَ: "كَانَ أَحْمَدُ يَحْفَظُ أَلْفَ أَلْفِ حَدِيثٍ". قِيلَ: وَمَا يُدْرِيكَ؟ قَال: "ذَاكَرْتُهُ، فَأَخَذْتُ عَلَيْهِ الْأَبْوَابَ" (٧). * وَقَال: "حَزَرْنَا اسْتِشْهَادَاتِ أَحْمَدَ فِي الْعُلُومِ فَوَجَدْنَاهُ يَحْفَظُ سَبْعَمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ فِيمَا (٨) يَتَعَلَّقُ بِالأحْكَامِ" (٩).

стр. 269

* وَقَال: "مَا أَعْلَمُ فِي أَصْحَابِنَا أَسْوَدَ الرَّأْسِ أَفْقَهَ مِنْهُ، وَمَا رَأَيْتُ أَكْمَلَ مِنْهُ، اجْتَمَعَ فِيهِ فِقْهٌ وَزُهْدٌ وَأَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ، وَمَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ فِي فُنُونِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ وَالزُّهْدِ وَالْمَعْرِفَةِ وَكُلِّ خَيْرٍ، وَهُوَ أَحْفَظُ مِنِّي، وَمَا رَأَيْتُ مِنَ الْمَشَايخِ (١) الْمُحَدِّثِينَ أَحْفَظَ مِنْهُ" (٢). * وَقَال عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ: "كَانَ [أَبِي] (٣) يُذَاكِرُ بِأَلْفَيْ أَلْفِ حَدِيثٍ". * وَقَال مُهَنَّا: "مَا رَأَيْتُ أَجْمَعَ لِكُلِّ خَيْرٍ مِنْ أَحْمَدَ [بْنِ حَنْبَلٍ] (٤)، وَمَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ فِي عِلْمِهِ وَفِقْهِهِ وَزُهْدِهِ ووَرَعِهِ" (٥). * وَقَال الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ: "إِنْ عَاشَ هَذَا الْفَتَى سَيَكُونُ حُجَّةً عَلَى أَهْلِ زَمَانِهِ" (٦). * وَقَال أَحْمَدُ: "رَحَلْتُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَالسُّنَّةِ إِلَى الثُّغُورِ، وَالشَّامَاتِ، وَالسَّوَاحِلِ، وَالْمَغْرِبِ، وَالْجَزَائِرِ (٧)، وَمَكَّةَ، وَالْمَدِينَةِ، وَالْحِجَازِ، وَالْيَمَنِ، وَالْعِرَاقَيْنِ جَمِيعًا،

стр. 270

وَفَارِسَ، وَخُرَاسَانَ، وَالْجِبَالِ، وَالْأَطْرَافِ، ثُمَّ عُدْتُ إِلَى بَغْدَادَ" (١). * وقَال: "اسْتَفَادَ مِنَّا الشَّافِعِيُّ أَكْثَرَ مِمَّا اسْتَفَدْنَا مِنْهُ" (٢). * وَقَال أَبُو الْوَفَاءِ عَلِيُّ بْنُ عَقِيلٍ: "قَدْ خَرَجَ عَنْ أَحْمَدَ اخْتِيَارَاتٌ، بَنَاهَا عَلَى الْأَحَادِيثِ بِنَاءً لَا يَعْرِفُهُ أَكْثرهُمْ، وَخَرَجَ عَنْهُ (٣) مِنْ دَقِيقِ الْفِقْهِ مَا لَيْسَ نرَاهُ (٤) لِأحَدٍ مِنْهُمْ، وَانْفَرَدَ بِمَا سَلَّمُوهُ لَهُ مِنَ الْحِفْظِ، وَشَارَكَهُمْ، وَرُبَّمَا زَادَ عَلَى كِبَارِهِمْ" (٥). * ولَهُ التَّصانِيفُ الْكَثِيرَةُ: مِنْهَا: الْمُسْنَدُ. وَهُوَ بِزِيَادَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللهِ أَرْبَعُونَ أَلْفَ حَدِيثٍ إِلَّا أَرْبَعِينَ حَدِيثًا. وَمِنْهَا: التَّفْسِيرُ. وَهُوَ مِائَةُ أَلْفٍ وَعِشْرُونَ ألْفًا. وَقِيلَ: بَلْ [مِائَةُ أَلْفٍ] (٦) وَخَمْسُونَ أَلْفًا. وَمِنْهَا: الزُّهْدُ. وَهُوَ نَحْوُ مِائَةِ جُزْءٍ. وَمِنْهَا: النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ. وَمنْهَا: الْمُقَدَّمُ وَالْمُؤَخَّرُ فِي الْقُرْآنِ، وَجَوَابَاتُ أَسْوِلَةٍ (٧). وَمِنْهَا: الْمَنْسَكُ الْكَبِيرُ، وَالْمَنْسَكُ الصَّغِيرُ، وَالصِّيَامُ، وَالْفَرَائِضُ، وَحَدِيثُ شُعْبَةَ، وَفَضَائِلُ الصَّحَابَةِ، وَفَضَائِلُ أَبِي بَكْرٍ، وَفَضَائِلُ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، وَالتَّارِيخُ، وَالْأَسْمَاءُ وَالْكُنَى، وَالرِّسَالةُ فِي

стр. 271

الصَّلَاةِ، وَرَسَائِلُ فِي السُّنَّةِ، وَالْأَشْرِبَةِ، وَطَاعَةِ الرَّسُولِ [ ﷺ ] (١)، وَالرَّدُّ عَلَى الزَّنَادِقَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَأَهْلِ الْأَهْوَاءِ فِي مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ. * وَمَشَايِخُهُ أَعْيَانُ السَّلَفِ، وَأَئِمَّةُ الْخَلَفِ. * وَأَصْحَابُهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ. قَال الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ الْهَاشِمِيُّ: "لَا يُحْصِيهُمْ عَدَدٌ، وَلَا يَحْوِيهُمْ (٢) بَلَدٌ، وَلَعَلَّهُمْ مِائَةُ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ" (٣). * وَرَوَى الْفِقْهَ عَنْهُ (٤) أَكْثر مِنْ مِائَتَي نَفْسٍ، أَكْثَرُهُمْ أَئِمَّةٌ أَصْحَابُ تَصَانِيفَ (٥). (٦) * وَرَوَى عَنْهُ الْحَدِيثَ أَكَابِرُ مَشَايِخِهِ؛ كَعَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَابْنِ عُلَيَّةَ، وَابْنِ مَهْدِيٍّ، وَوَكِيعْ، وَقُتَيْبَةَ، وَمَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ، وَابْنِ الْمَدِينِيِّ، وَخَلْقٍ غَيْرِهِمْ (٧). * وَمَا مِنْ مَسْأَلةٍ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ إِلَّا لَهُ فِيهَا قَولٌ أَوْ أَكْثَرُ، نَصًّا أَوْ (٨) إِيمَاءً. * وَهُوَ مِنْ وَلَدِ شَيْبَانَ بْنِ ذُهْلِ [بْنِ ثَعْلَبَةَ] (٩)، لَا مِنْ وَلَدِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ،

стр. 272

يَلْتَقِي نَسَبُهُ بِنَسَبِ [رَسُولِ اللهِ] (١) ﷺ (٢). * * *

стр. 273

فَصْلٌ * إِذَا اخْتَلَفَ عَلَى الْمُسْتَفْتِي فُتْيَا مُفْتِيَيْنِ فَأَكْثَرَ (١): فَفِيهِ مَذَاهِبُ: الأوَّلُ: أَنهُ يَأْخُذُ بِأَشَدِّهَا وَأَغْلَظِهِا (٢)، فَيَأْخُذُ بِالْحَظرِ دُونَ الإْبَاحَةِ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ، وَلِأَنَّ الْحَقَّ ثَقِيلٌ مَرِيٌّ، وَالْبَاطِلَ خَفِيفٌ وَبِيٌّ. وَالثَّانِي: يَأْخُذُ بِأَخَفِّهَا (٣)؛ لِقَوْلِهِ -تَعَالى-: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٤)، وَقَوْلِهِ [-تَعَالى-] (٥): ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٦)، وَقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ (٧). وَلِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: "بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ السَّهْلَةِ" (٨).

стр. 274

وَقَال أَيْضًا: "إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ يُؤْخَذَ بِرُخَصِهِ كمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ" (١). وَالثَّالِثُ: يَجْتَهِدُ فِي الْأَوْثَقِ، فَيَأْخُذُ بِفَتْوَى الْأَعْلَمِ الْأَوْرَعِ. فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَعْلَمَ، وَالآخَرُ أَوْرَعَ؛ فَمَذْهَبَانِ، كَمَا سَبَقَ. وَالرَّابعُ: يَسْأل مُفْتِيًا آخَرَ فَيَعْمَلُ بِفَتْوَى مَنْ يُوَافِقُهُ؛ لِلتَّعَاضُدِ، كَتَعَدُّدِ (٢) الأْدِلَّةِ وَالرُّوَاةِ؛ لِزِيَادَةِ غَلَبَةِ الظَّنِّ. وَالْخَامِسُ: يَتَخَيَّرُ، فَيَأْخُذُ بِقَوْلِ أَيِّهِمَا شَاءَ مُطْلَقًا. وَقِيلَ (٣): "إِذَا تَسَاوَى الْمُفْتِيَانِ عِنْدَهُ. وإِنْ تَرَجَّحَ أَحَدُهُمَا؛ تَعَيَّنَ قَوْلُهُ". وَقِيلَ (٤): "عَلَيْهِ (٥) أَنْ يَجْتَهِدَ وَيَبْحَثَ عَنْ أَرْجَحِ الْقَوْلَيْنِ -وَإِنْ كَانَ قَائِلُهُ مَرْجُوحًا- فَإِنَّهُ حُكْمُ التَّعَارُضِ، وَقَدْ وَقَعَ، وَلَيْسَ كَالتَّرْجِيحِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ عِنْدَ الاسْتِفْتَاءِ؛ فَلْيَبْحَثْ إِذَنْ عَنِ الأوْثَقِ مِنَ الْمُفْتَينِ فَيَعْمَلَ بِفُتْيَاهُ" (٦).

стр. 275

* فَإِنْ لَمْ يَتَرجَّحْ أَحَدُهُمَا عِنْدَهُ؛ اسْتَفْتَى الآخَرَ (١)، وَعَمِلَ بِفَتْوَى مَنْ وَافَقَهُ الآخَرُ، كَمَا سَبَقَ. * فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ، وَكَانَ اخْتِلَافُهُمَا فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ، وَقَبْلَ (٢) الْعَمَلِ؛ اخْتَارَ جَانِبَ الْحَظْرِ وَالتَّرْكِ، فَإِنَّهُ أَحْوَطُ. * وَإِنْ تَسَاوَيَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ (٣)؛ تَخَيَّرَ بَيْنَهُمَا كَمَا سَبَقَ -وَإِنْ مَنَعْنَاهُ (٤) التَّخْيِيرَ فِي غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ ضَرُورَةٌ، وَفِي صُورَةٍ نَادِرَةٍ، ثُمَّ إِنَّمَا نُخَاطِبُ (٥) بِمَا ذَكَرْنَاهُ الْمُفْتَينِ وَالْمُقَلِّدِينَ لَهُمَا- أَوْ يَسْأَلُ مُفْتِيًا آخَرَ (٦). وَقَدْ أَرْشَدَنَا الْمُفْتِي إِلَى مَا يُجِيبُهُ بِهِ فِي ذَلِكَ. وَهَذَا يَجْمَعُ مَحَاسِنَ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ مَعَ التَّحْقِيقِ (٧). * * *

стр. 276

فَصْلٌ * إذَا سَمِعَ الْمُسْتَفْتِي جَوَابَ الْمُفْتي؛ لَمْ يَلْزَمْهُ الْعَمَلُ بهِ إلَّا بِالْتزَامه . وَيَجُوزُ أَنْ يُقَال: "إِنَّهُ يَلْزَمُهُ إِذَا أَخَذَ فِي الْعَمَلِ بِهِ (١) ". وَقِيلَ: "يَلْزَمُهُ إِذَا وَقَعَ فِي نَفْسِهِ صِحَّتُهُ، وَأنَّهُ حَقٌّ". وَهَذَا أَوْلَى الأوْجُهِ (٢). وَإِنْ أَفْتَاهُ بِمَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ؛ خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ. وَقَدْ سُئِلَ [الإِمَامُ] (٣) أَحْمَدُ [﵁] (٤) عَنْ مَسْألةٍ فِي الطَّلاقِ، فَقَال: "إِذَا فَعَلَهُ يَحْنَثُ". فَقَال [لَهُ] (٥) السَّائِلُ: إِنْ أَفْتَانِي أَحَدٌ بِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، [يَعْنِي] (٦) يَصِحُّ؟ فَقَال: "نَعَمْ"، وَدَلَّهُ عَلَى مَنْ يُفْتِيهِ بِذَلِكَ (٧).

стр. 277

وَالأقْرَبُ: أَنهُ يَلْزَمُهُ الاجْتِهَادُ فِي أَعْيَانِ الْمُفْتِينَ، وَيَلْزَمُهُ الْأَخْذُ بِفُتْيَا مَنِ اخْتَارَهُ (١) وَرَجَّحَهُ بِاجْتِهَادِهِ، وَلَا يَجِبُ تَخْيِيرُهُ. * وَالَّذِي تَقْتَضِيهِ الْقَوَاعِدُ أَنْ نَقُولَ -إِذَا أَفْتَاهُ المُفْتِي-: - فَإِنْ لَمْ يَجدْ مُفْتِيًا آخَرَ؛ لَزِمَهُ الأخْذُ بِفُتْيَاهُ، وَلَا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى الْتِزَامِهِ، [وَلَا] (٢) [بِالأخْذِ فِي الْعَمَلِ بِهِ] (٣)، وَلَا بِغَيْرِهِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ أَيْضًا عَلَى سُكُونِ نَفْسِهِ إِلَى صِحَّتِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ فَإِنَّ فَرَضَهُ التَّقْلِيدُ كَمَا عُرِفَ. - وَإِنْ وَجَدَ مُفْتِيًا آخَرَ: - فَإِنِ اسْتبَانَ أَنَّ الَّذِي أَفْتَاهُ هُوَ الْأَعْلَمُ الْأَوْثَقُ؛ لَزِمَهُ مَا أَفْتَاهُ بِهِ، بِنَاءً عَلَى الأَصَحِّ فِي تَعَيُّنِهِ (٤) كَمَا سَبَقَ. - وَإِنْ لَمْ يَسْتَبِنْ ذَلِكَ لَهُ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ مَا أَفْتَاهُ بِهِ بِمُجَرَّدِ إِفْتَائِهِ، إِذْ يَجُوزُ لَهُ اسْتِفْتَاءُ غَيْرِهِ وَتَقْلِيدُهُ، وَلَا يَعْلَمُ اتِّفَاقَهُمَا فِي الْفَتْوَى (٥). - فَإِنْ وَجَدَ الاتِّفَاقَ، أَوْ حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ حَاكِمٌ؛ لَزِمَهُ حِينَئِذٍ (٦). * * *

стр. 278

فَصْلٌ * وَإِذَا اسْتَفْتَى فَأُفْتَيَ، ثُمَّ حَدَثَتْ [لَهُ تِلْكَ الْحَادِثَةُ] (١) مَرَّةً أُخْرَى، فَهَلْ يَلْزَمُهُ تَجْدِيدُ السُّؤَالِ؟ فِيهِ مَذْهَبَانِ، وَلنَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ، [لِجَوَازِ تَغَيُّرِ] (٢) رَأْيِ الْمُفْتِي. وَالثَّانِي: لَا يَلْزمُهُ، لِأَنَّهُ قَدْ عَرَفَ الْحُكْمَ، وَالْأَصْلُ اسْتِمْرَارُ الْمُفْتِي عَلَيْهِ. وَقِيلَ (٣): "الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا قَلَّدَ حَيًّا، وَإِنْ كَانَ خَبَرًا عَنْ مَيِّتٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ" (٤). وَفِيهِ ضَعْفٌ، لِأَنَّ الْمُفْتِيَ عَلَى مَذْهَبِ الْمَيِّتِ قَدْ يَتَغَيَّرُ جَوَابُهُ عَلَى مَذْهَبِهِ. * * *

стр. 279

فَصْلٌ * وَلَهُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ بِنَفْسِهِ. * وَأَنْ يُنْفِذَ ثِقَةً يَقْبَلُ خَبَرُهُ فَيَسْتَفْتِيَ لَهُ. * وَيَجُوزُ لَهُ الاعْتِمَادُ عَلَى خَطِّ الْمُفْتِي، إِذَا أَخْبَرَهُ مَنْ يَثِقُ بِقَوْلِهِ أنَّهُ خَطُّهُ، أَوْ كَانَ يَعْرِفُ خَطَّهُ، وَلَمْ (١) يَتَشَكَّكْ فِي كَوْنِ ذَلِكَ الْجَوَابِ بِخَطِّهِ (٢). * * *

стр. 280

فَصْلٌ * يَنْبَغِي لِلمُسْتَفْتِي التَّأَدُّبُ (١) مَعَ الْمُفْتِي. * وَأَنْ يُجِلَّهُ فِي خِطَابِهِ، وَسُؤَالِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. * وَلا (٢) يُومِئْ بِيَدِهِ فِي وَجْهِهِ. * وَلا يَقُلْ لَهُ: "مَا تَحْفَظُ فِي كَذَا وَكَذَا؟ " أَوْ: "مَا مَذْهَبُ إِمَامِكَ فِيهِ؟ ". * وَلا يَقُلْ إِذَا أَجَابَهُ: "هَكَذَا (٣) قُلْتُ أَنَا" أَوْ (٤): "كَذَا وَقَعَ لِي". * وَلا يَقُلْ [لَهُ] (٥): "أَفْتَانِي فُلَانٌ" أَوْ: "أَفْتَانِي غَيْرُكَ بِكَذَا وَكَذَا". * وَلا يَقُلْ إِذَا اسْتَفْتَى فِي رُقْعَةٍ: "إِنْ كَانَ جَوَابُكَ مُوافِقًا لِمَنْ أَجَابَ فِيهَا فَاكْتُبْهُ (٦)، وَإِلَّا فَلَا تَكْتُبْ (٧) ". * وَلَا يَسْأَلْهُ وَهُوَ قَائِمٌ، أَوْ مُسْتَوْفِزٌ، أَوْ عَلَى حَالةِ ضَجَرٍ، أَوْ هَمٍّ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَشْغَلُ الْقَلْبَ.

стр. 281

* وَيَبْدَأُ بِالأَسَنِّ الْأَعْلَمِ مِنَ الْمُفْتِينَ، وَبِالْأَوْلَى فَالْأَوْلَى، عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ. وَقِيلَ (١): "إِذَا أَرَادَ جَمْعَ الْجَوَابَاتِ فِي رُقْعَةٍ؛ قَدَّمَ الأْسَنَّ وَالأْعْلَمَ، وَإِذَا (٢) أَرَادَ إِفْرَادَ الْجَوَابَاتِ فِي رِقَاعٍ؛ فَلا يُبَالِي بِأيِّهِمْ بَدَأَ" (٣). * * *

стр. 282

فَصْلٌ * يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ رُقْعَةُ (١) الاسْتِفْتَاءِ وَاسِعَةً؛ لِيَتَمَكَّنَ الْمُفْتِي مِنَ اسْتِيفَاءِ (٢) الْجَوَابِ، فَإِنَّهُ (٣) إِذَا ضَاقَ الْبَيَاضُ اخْتَصَرَ، فَأَضَرَّ ذَلِكَ بِالسَّائِلِ. * وَلَا يَدَعِ الدُّعَاءَ فِيهَا (٤) لِمَنْ يُفْتِي، إِمَّا خَاصًّا إِنْ خَصَّ وَاحِدًا بِاسْتِفْتَائِهِ، وَإِمَّا عَامًّا إِنِ اسْتَفْتَى الْفُقَهَاءَ مُطْلَقًا. * وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ (٥): "أَنْ يَدْفَعَ الرُّقْعَةَ إِلَى الْمُفْتِي مَنْشُورَةً، وَلَا يُحْوِجَهُ إِلَى نَشْرِهَا، وَيَأْخُذَهَا مِنْ يَدِهِ إِذَا أَفْتَى، وَلَا يُحْوِجَهُ إِلَى طَيِّهَا". * وَيَكُونَ كَاتِبُ الاِسْتِفْتَاءِ: - يُحْسِنُ الْجَوَابَ. - وَيَضَعَهُ عَلَى الغَرَضِ (٦). -[مَعَ] (٧) إِبَانَةِ الْخَطِّ وَاللَّفْظِ (٨) وَصِيَانَتِهِمَا عَمَّا يَتَعَرَّضُ لِلتَّصْحِيفِ.

стр. 283

- وَيَكُونَ كَاتِبُهَا عَالِمًا. وَكَانَ بَعْضُ [الْفُقَهَاءِ] (١) الرُّؤَسَاءِ لَا يُفْتِي إِلَّا فِي رُقْعَةٍ كَتبَهَا رَجُلٌ بِعَيْنِهِ مِنْ عُلَمَاءِ بَلَدِهِ (٢). * * *

стр. 284

فَصْلٌ * لَا يَنْبَغِي لِلعَامِّيِّ (١) أَنْ يُطَالِبَ الْمُفْتِيَ بِالْحُجَّةِ فِيمَا أَفْتَاهُ [بِهِ] (٢). * وَلا يَقُولَ [لَهُ] (٣): "لِمَ؟ "، وَلا: "كَيفَ؟ ". * فإِنْ أَحَبَّ أَنْ تَسْكُنَ (٤) نَفْسُهُ بِسَمَاعِ الْحُجَّةِ [فِي ذَلِكَ] (٥)، سَأَلَ عَنْهَا فِي مَجْلسٍ آخَرَ، أَوْ (٦) فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ بَعْدَ قَبُولِ الْفَتْوَى مُجرَّدَةً عَنِ الْحُجَّةِ. وَقِيلَ (٧): "لَهُ أَنْ يُطَالِبَ الْمُفْتِيَ بِالدَّلِيلِ؛ لَأِجْلِ احْتِيَاطِهِ لِنَفْسِهِ. وَأَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَذْكُرَ [لَهُ] (٨) الدَّلِيلَ إِنْ كَانَ قَطْعِيًّا. وَلَا يَلْزَمُهُ [ذَلِكَ] (٩) إِنْ كَانَ ظَنِّيًا؛ لافْتِقَارِهِ إِلَى اجْتِهَادٍ يَقْصُرُ عَنْهُ الْعَامِّيُّ" (١٠).

стр. 285

بَابُ مَعْرفَةِ أَلْفَاظِ إمَامنَا أَحْمَدَ [﵁] (١) وَسَائَرِ أَقْوَالِهِ، وَأَفْعَالِهِ، وَاجْتِهَادَاتِهِ، وَأَحْوَالِهِ فِي حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ، وَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ يَحْمِلُهَا الْأَصْحَابُ، لِمَا عُلِمَ مِنْ دِينِهِ وَتَحَرِّيهِ فِي ذَلِكَ. إِذْ رُبَّمَا حَمَلَ ذَلِكَ أَحَدٌ عَلَى غَيْرِ مُرَادِهِ، فَإِذَا ذَكرْنَا الْغَرَضَ تَسَاوَى فِي مَعْرِفَةِ الْمُرَادِ مِنْهُ كُلُّ مَنْ يَنْظُرُ فِيهِ، إِنْ شَاءَ اللهُ -تَعَالى-. وَلِأَنَّ مَذْهَبَهُ غَالِبًا إِنَّمَا أُخِذَ مِنْ فَتَاوِيهِ وَأَجْوِبَتِهِ وَسَائِرِ أَحْوَالِهِ، لَا مِنْ تَصْنِيفٍ قَصَدَ بِهِ ذَلِكَ. وَبِالْكَلامِ فِي ذَلِكَ يُعْرَفُ مُرَادُ أَكْثَرِ الْأَئِمَّةِ بِأَقْوَالِهِمْ [وَأَفْعَالِهِمْ] (٢) وَسَائِرِ أَحْوَالِهِمْ (٣). وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى التَّأَلِيفِ وَنَحْوِهِ فِي بَابٍ آخَرَ، إِنْ شَاءَ اللهُ -تَعَالى- (٤).
следующие страницы →