← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 132973

البحور الزاخرة في علوم الآخرة

السفاريني

Полный текст (1 621 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

فصل وأعلم أنَّ أهْلَ الجنةِ ينبغي لهم أن يطلبوها، ويجتهدوا في طلبها قال تعالى حاكيًا عن أولي الألباب من عبادِه: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤)﴾ [آل عمران: ١٩٤] فالمعنى: آتنا ما وعدتنا مِن دخولِ الجنةِ، ونعيمها، وما أعددته لنا فيها على ألسنة رسلك صلوات الله وسلامه عليهم ولا تخزنا يومَ القيامةِ بإدخالنا النَّار، وإظهار ما اقترفنا من الذنوبِ والأوزار، واستر علينا فإنَّك أنت الستار، واغفرْ ذنوبَنا إنك أنتَ الغفَار. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (١٥) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (١٦)﴾ [الفرقان: ١٥ - ١٦]. يسأله إياه عباده المؤمنون ويسأله إياه ملائكته المقربون لهم والجنة تسأل ربّها أهلها وأهلها يسألونه إياها والرسل يسألونه إياها لهم ولأتباعهم. وأخرج أبو نعيم عن أنسٍ ﵁ والترمذي والنَّسائيُّ وابنُ ماجه عن يزيد بنِ أبي مريم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِنْ مُسلم يسألُ اللهَ الجنَّةَ ثلاثاً قالت الجنَّة: اللَّهمَّ أَدْخِلْهُ الجنَّةَ. ومَن استجارَ بالله من النَّارِ ثلاثاً، قالت النَّارُ: اللَّهم أجِرْه من النَّار" (١).

стр. 1017

وأخرج ابن أبي شيبة، عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "ما سألَ الله عبد الجنَّةَ في يومٍ سبعَ مراتٍ، إلَّا قالت الجنَّةُ: يا رب إن عبدَك فلانًا سألني، فَأدخلْنِيه". وأخْرجَ أبو يعلى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما استجار عبدْ من النَّارِ سبع مرات، إلَّا قالت النَّارُ: يا رب إن عبدك فلانًا استجار مني فأجِرْه ولا يسأل عبدْ الجنَّةَ سبعَ مرات، إلَّا قالت الجنةُ: يا رب إن عبدك فلانًا سألني فأدْخِلْه الجنَّة" (١). قال في حادي الأرواح: إسنادُه على شرطِ الصحيحين وعند أبي داودَ عنهُ مرفوعًا: "مَنْ قال: أسالُ اللهَ الجنَّةَ سَبْعَاً: قالتِ الجنةُ: اللهُم أدْخله الجنَّةَ" (٢)، وعند الحسن بن سفيان عَنْ أبي هريرةَ أيضاً مرفوعاً: "أكثروا مسألة الله الجنَّة واستعيذوا بالله من النَّار، فإنَّهما شافعتان مشفعتان وإن العبدَ إذا أكثر مسألة الله الجنَّة. قالت الجنةُ: يا رب عبدك هذا الذي سألنيك فأسْكنه إياي، وتقول النَّارُ: يا رب عبدك هذا الذي استعاذ بكَ منِّي فأعذه" (٣). واعلمْ أنّ جماعة مِنَ السَّلفِ أمتنعوا أن يَسْألوا اللهَ الجنَّةَ، وقالوا: حسبنا أن يجيرنا مِنَ النَّارِ منهم: أبو الصهباء وعطاء السلمي.

стр. 1018

روي أن أبا الصهباء صَلَّى ليلة إلى السحَر ثم رفعَ يديه وقال: اللَّهمَّ أجرني مِن النَّار أَوَ مثلي يجترئ يسألك الجنَّةَ؟ وكان عطاء السلمي لا يسأل الجنَّة، فقال له صالح المري: إنَّ أبان حدثَني عَنْ أنسٍ أن النَّبيَّ ﷺ قال: "يقولُ اللهُ : انظروا في ديوانِ عبدي فمن رأيتموه سَألَني الجنَّةَ أعطيته، ومَنْ استعاذني من النَّارِ أعذته" (١). فقال عطاء: كفاني أن يجيرني من النَّارِ. ذكرهما أبو نعيمٍ: هكذا رأى هؤلاء السادةُ، مع أنَّه أخرجَ أبو داود عن جابرٍ ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لا يسأل بوجه اللهِ إلَّا الجنَّة" (٢). وأخرجَ أيضاً أن النَّبي ﷺ قال: للفتى -يعني: الذي شكاه: "كيف تصنع يا ابن أخي إذا صليت؟ " قال: أقرأُ بفاتحةِ الكتابِ، وأسألُ الله الجنَّةَ، وأعوذ به من النَّارِ، وإني لا أدري، ما دندنتك، ودندنة معاذ؟ فقال النَّبيّ ﷺ : "إني ومعاذ حولها نُدندن" (٣)، وفي الحديث: "ما مِن يوم إلَّا والجنة والنَّار يسألان: تقول الجنةُ: يا رب قَدْ طابت أثماري واطردت أنهاري، واشتقتُ إلى أوليائي، فعجلْ إليَ بأهلي". الحديث.

стр. 1019

فالجنَّةُ تطلبُ أهلَها بالذات، وتجذبهم إليها جذبًا. والنَّار كذلك. وقد أمرنا نبينا ﷺ بدوام ذكرهما، وحثنا على ذلك حثًا بليغاً. أخرج أبو يعلى الموصلي عن ابن عمرَ ﵄ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "لا تنسوا العظيمتين". قالوا: وما العظيمتان يا رسولَ اللهِ؟ قال: "الجنَّة والنار" (١). وعند أبي بكرٍ الشَّافعي عن كليب بن حزن مرفوعًا: "اطلبوا الجنَّة جهدكم، واهربوا من النَّارِ جهدكم؛ فإن الجنَّةَ لا ينام طالبُهَا، وإن النَّارَ لا ينام هاربها. وإن الآخرةَ اليوم محفوفةٌ بالمكاره، وإن الدُّنيا محفوفة باللذات، والشهوات. فلا تُلهِيَنكم عن الآخرة" (٢). قال الإمام ناصر السنة ابن الجوزي قدَّس الله روحه: اعلمْ أن الجنَّةَ محفوفةٌ بالمكاره، فمتى أردتها فاصبر عما تكره لعلك تنال ما تحب، واعلم أنَّ الدُّنيا، والآخرةَ ضرتان، فمتي أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى، والعاقلُ يَشْغلُ قلبَه بمولاه، ويطلبُ بكلِّ جهده ورضاه. شعر لمؤلفه (٣). ومَنْ لي بأن ترضى على ولم يكن ... لنفسي مطلوب سواك ومقصد وتسكن في قلبي المحبة والرضا ... وأمسي لديك الله أسعى وأحفد

стр. 1020

فصل في أسماءِ الجنَّةِ ومعانيها واشتقاقها وقال في "حادي الأرواح": لها عدة أسماء باعتبار صفاتها ومسماها واحد باعتبار الذّات، فهي مترادفةٌ من هذا الوجه، وهكذا أسماء الربِّ تعالى، وأسماء كتابه، وأسماء رسوله، وأسماء اليوم الآخر، وأسماء النَّارِ. الاسم الأوَّل: الجنَّة، وهو العامُ المتناول لتلك الدارِ جملة، وما اشتملت عليه في أنواع النعيم، وأصل اشتقاقه من الستر والتغطية، ومنه الجنين لاستتارة في البطن والجان لاستتارهم عن عيون الإنس، والمجن، السترة ووقاية الوجه، والمجنون لاستتار عقله، وتواره عنه. والجان وهي الحية الصغيرة الدقيقة، ومنه سمي البستان جنة؛ لأنَّه يستر ما داخله من الأشجار، ولا يطلق هذا الاسم إلَّا على موضعٍ كثير الشجر مختلف الأنواع، والجنة بالضم ما يستجن أي: يوقى به من نحو ترس، وبالكسر الجن كما في قوله تعالى ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ [الناس: ٦]. الثَّاني: دارِ السَّلام وقد سمَّاه اللهُ بهذا الاسمِ في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢٧] وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥]، وهي جديرةٌ بهذا الاسمِ؛ لسلامتها من كلِّ بلية، وآفة فإن الله هو السَّلام، وهي داره، فمن أسمائه الحسنى

стр. 1021

السَّلام. فالله سبحانه سلم هذه الدار، وسلَّم أهلَها من كلِّ نكبةٍ وداهية، وتحيتهم فيها سلام، والربُّ تعالى سلم عليهم من فوقهم والملائكةُ يدخلون عليهم من كلِّ بابٍ سلام عليكم، وكلامهم كله فيها سلام، ولا يسمعون فيها لغوًا الإ سلامًا. وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١)﴾ [الواقعة: ٩٠ - ٩١] فحقق في "حادي الأرواح" أنَّ المعنى: سلام لك أيُّها الراحل في الدُّنيا سلموا من الدُّنيا وأنكادها والنَّار وعذابها فبشر بالسلامة عند ارتحاله مِنَ الدُّنيا وقدومه على الله تعالى، كما يُبشِّره المَلك روحَه عند أخذها بقوله: "أبشري بروح وريحان ورب غير غضبان". وهذا أوَّلُ البشرى التي للمؤمنين في الآخرةِ. الثالث: دارُ الخلدِ وسميت بذلك لأنَّ أهلَها لا يظعنون عنها واشتقاقُه مِنَ الخلدِ وهو دوامُ البقاءِ. تقول: خلد الرجلُ يخلدُ خلودًا وأخلدَه اللهُ إخلادًا. وخلَّده تخليدًا أبقاه. وأخلدتُ إلى فلانٍ: ركنتُ إليه. وأخلد بالمكان أقام به وأمَّا الخَلَدُ بالتحريك: فالبال. يقال: سنح في خَلدي أيْ: خطرَ في روعي وبالي وقلْبي والخلدُ أيضاً ضرب من الجرادين أعمى. والله أعلم. الرابع: دارُ المقامة: قال تعالى حكاية من أهلها: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر: ٣٤، ٣٥] قال مقاتل: أنزلنا دار الخلود

стр. 1022

أقاموا فيها أبداً لا يموتون ولا يتحولون. قال أهلُ اللغةِ: المقامة والإقامة بمعنى. الخامس: جنَّة المأوى، وهو مفعل من آوى يأْوي أي انضم إلى المكان. قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١] وقال في النَّار: ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩)﴾ [النازعات: ٣٩] وقال تعالى: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾ [النجم: ١٤، ١٥]. قال عطاء عن ابن عباسٍ ﵄: هي الجنَّةُ التي يأوي إليها جبريلُ والملائكةُ. وقال مقاتل: هي جنَّةٌ تأوي إليها أرواحُ الشُّهداءِ. وقال كعب: جنَّةُ المأوى جنَّة فيها طير خضر ترعى فيها أرواحُ الشُّهداءِ. وقالت عائشةُ ﵂: هي جنَّةٌ من الجنات. قال المحققُ: والصحيح أنَّه اسمٌ مِنْ أسماءِ الجنَّةِ. السادس: جنات عدن قيل هو اسمٌ لجنَّة من جملة الجنَّاتِ. قال المحقق: والصَّحيحُ أَنَّه اسم لجملة الجنات، فكلها جنَّات عدن. قال تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [مريم: ٦١] وقال: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [فاطر: ٣٣] وقال تعالى: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [الصف: ١٢].

стр. 1023

والاشتقاق يدلُّ على أنَّ جميعها جنات عدن فإنَّه مِنَ الإقَامةِ والدوام. يقال عدن بالمكان: إذا أقامَ به وعدنِتُ البلد: توطنته، وعدَنَت الإبلُ بمكان كذا: لزمته فلم تبرحْ منه. قال الجوهري: ومنه جنَّات عدن أي: جنات إقامة. وثم قولٌ بأنَّ جنةَ عدنٍ اسمٌ لموضع من الجنة مخصوص (١). وهو جنَّة من جملة الجنان. قلتُ: ولا مانع من كونه اسم لموضع مخصوص، ويطلق على الكلِّ أنَّه عدن أي: أقام وخلد واستمر وأمَّا أَنَّه جنةٌ مخصوصة من جملة الجنان فهذا أظهر من الشَّمسِ الصابحة لورودِ الأحاديث الثابتة بذلك. وكنتُ تابعت الإمامَ المحقق في المسودة على أنَّها اسمٌ لجميعِ الجنان وليستْ هي جنة بنفسها مستقلة. ثُمَّ ظَهر لي أنَّ الحقَّ أنَّ جنَّةَ عدن اسمٌ لموضعٍ مخصوص في الجنات وإنْ جازَ إطلاقُه على جملةِ الجنات لصدق ذلك على جملتها كما فهم مما قررنا. وحجة ما اخترناه ما أخرجَ الطبرانيُّ في المعجم عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يُنزل اللهُ تعالى في آخر ثلاث ساعات بقين من الليل، فينظر الله في الساعةِ الأولى منهن في الكتاب الذي لا ينظر فيه غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت، ثم ينظر في الثَّانية في جنة عدن وهي مسكنه الذى يسكنُ لا يكون معه فيها أحد إلَّا الأنبياء والشُهداء والصديقون، وفيها ما لم يره أحدٌ ولا خَطَر علَّى قلبِ بشرِ ثم يهبط آخر ساعة من الليل فيقول:

стр. 1024

ألا مستغفر يستغفرني فأغفر له؟ أَلا سائل يسألني فأعطيه؟ ألا داع يدعوني فأستجيب له؟ حتَّى يطلعَ الفجرُ" (١) قال تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] فيشهده اللهُ. وأخرج الدَّارمي عن ابن عمرَ موقوفًا: "خلق اللهُ أربعةَ أشياء بيده: العرش، والقلم، وعدن، وآدم ثم قال لسائرِ الخلقِ: كُنْ. فكان" (٢). وأخرج الدَّارميُّ عن ميسرة: "إن اللهَ لم يمس شيئًا من خلقه بيده غير ثلاث: خلَقَ آدمَ بيدِهِ، وكتبَ التَوراةَ بيده، وغرسَ جنَّةَ عدن بيده" (٣). وأخرج عن كعب قال: "لم يخلق اللهُ بيده غيرَ ثلاث: خَلقَ آدم بيده، وكتب التوارة بيده، وغرسَ جنَّة عدن بيده ثم قال لها: تكلَّمي. قالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ " [المؤمنون: ١] (٤).

стр. 1025

وذكَرَ الحاكمُ (١) عَنْ مجاهدٍ: أنَّ اللهَ تعالى غرسَ جنَّات عدن بيده فلما تكاملتْ أغلقتْ فهي تفتح كل سحرٍ، فينظر اللهُ إليها فيقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾. وأخرجَ ابن أبي الدُّنيا عن أنسٍ ﵁ مرفوعًا: "خَلَقَ اللهُ جنةَ عدن بيده لبنة مِنْ درة بيضاء، ولبنة من ياقوتة حمراء، ولبنة من زبرجدة خضراء ملاطُها المسك وحصباؤها اللؤلؤ وحشيشها الزعفران. ثُمَّ قال لها: انطقي. قالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾. فقال اللهُ : وعزتي وجلالي لا يجاورني فيكِ بخيلِ" ثم تلا رسولُ اللهِ ﷺ : ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢) [الحشر: ٩] فهذه الجنَّة من الجنان كآدم في نوع الحيوان بجامع أنَّ كلًا منها خلقهُ اللهُ بيده جلَّ شأنه وتعالى سلطانُه. قال في "حادي الأرواح": تأملْ هذه العناية كيف خصَّ الجنَّةَ التي غرسها بيديه لمن خلقه، ولأفضل ذريته اعتناء وتشريفًا وإظهار الفضل لما خلقه بيده على غيره (٣). فهذا كلّه يدلُّ على أنَّ جنةَ عدن اسم لموضعٍ من الجنان مخصوص ويُطلق على جملةِ الجنات، إمَّا حقيقة

стр. 1026

لوجود الحقيقة وهي الإقامة والدوام والاستمرار، وإما مجازًا من بابِ إطلاقِ البعض على الكلِّ. هذا ما ظهرَ لي، واللهُ تعالى أَعْلم. السابع من أسْماءِ الجنَّةِ: دار الحيوان قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] والمراد الجنة. قال أهلُ التَّفسير: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ يعني: الجنة ﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ هي: دارُ الحياةِ التي لا موتَ فيها. قال أهلُ اللغةِ: الحيوان بمعنى: الحياة. قال أبو عبيدة وابن قتيبة: الحياة: الحيوان. وقال أبو عبيدة: الحياة والحيوان والحي بكسر الحاء واحد. قال أبو على: يعني: إنَّها مصادر، فالحياة فعلة كالجبلة، والحيوان كالنزوان والغليان، والحي كالعي. وقال أبو زيد: الحيوان ما فيه روح، والموتان والموات ما لا روح فيه والصَّواب: أن الحيوان يقع على ضربين: أحدهما: مصدر كما حكاه أبو عبيدة، والثَّاني: وصف كما حكاه أبو زيد. فعلى قول أبي زيدٍ يكون المعنى أنها الدارُ التي لا تفنى ولا تنقطع ولا تبيد كما تفنى الأحياء في هذه الدَّارِ فهي أحق بهذا الاسمِ من الحيوان الذي يفنى ويموت والأول أظهر والله أعلم. الثامن: الفردوس. قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ

стр. 1027

﴿فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ [المؤمنون: ١٥ - ١١] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧)﴾ [الكهف: ١٠٧]. قال المحقق: والفردوس اسم يقال على جميعِ الجنةِ ويقال على أفضلها وأعلاها كأنّه ألحقَ بهذا الاسمِ من غيره من الجنات. وأصل الفردوسِ البستان والفراديس البساتين. قال كعب: هو البستان الذي فيه الأعناب. وقال الليثُ: الفردوس جنة ذات كروم يُقال: كرم مفردس أي: معرش. وقال الضَّحَّاك: واختارَه المبرد أنَّها الجنَّة الملتفة بالأشجار. وقيل: إنَّه ليس بعربي وإنَّما هُوَ رومي ومعناه بالْعربيةِ: البستان قاله الزجاج وقال: حقيقته البستان الذي يجمع كلَّ ما يكون في البساتين. قال حسَّان بن ثابت ﵁: وإن ثوابَ اللهِ لكل مخلد ... جنان من الفردوس فيها يخلد التاسع: جنات النعيم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨)﴾ [لقمان: ٨] وهو اسم جامع لجميع الجنات لمَا اشتملت عليه من النعيمِ المقيمِ. العاشر: المقام الأمين. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١)﴾ [الدخان: ٥١] فالمقامُ موضعُ الإقامةِ والأمين الأمن من كلِّ سوءٍ ومكروه. الحادي عشر والثَّاني عشر: مقعد الصدق وقدم الصدق

стр. 1028

قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر: ٥٤، ٥٥] فسمى الجنَّة مقعد صدق لحصول ما يراد من المقعد الحسن كما يقال: مودة صادقة إذا كانت ثابتةً وموضوعُ هذه اللفظة في كلامهم الصحة والكمال ومنه قوله ﷺ : "الصدقُ يهدي إلى البرِ، والبرُ يهدي إلى الجنَّةِ" (١). ومنه الصدق في الحديثِ، والصدقُ في العملِ، والصديقُ الذي يصدق قوله بالعمل. وفسر قدم الصدق بالجنَّةِ، وفسر بالأعمالِ التي تُنالُ بها الجنةُ، وفسر بالسابقة التي سبقت لهم من الله، وفسر بالرسول الذي على يده وهدايته نالوا ذلك. قال المحققُ: والتحقيق أنَّ الجميعَ حق فإنَّهم سبقتْ لهم مِنَ اللهِ السابقة بالأسبابِ التي قدَّرَها لهم على يدِ رسوله وادَّخرَ لهم جزاءها يومَ القيامةِ ولسانُ الصِّدقِ هو لسان الثناءِ الصادقِ بمحاسن الأفعال وجميلِ الطرائق وفي كونه لسان صدق إشارة إلى مطابقته للواقع، وأنَّه ثناءٌ بحق لا بباطل. ومدخلُ الصِّدقِ، ومخرج الصدق هو المدخل والمخرج الذي يكون صاحبه فيه ضامنًا على اللهِ وهو دخوله وخروجه بالله ولله وهذه الدَّعوة مِنْ أنفع الدعاء للعبد فإنَّه لا يزال داخلًا في أمرٍ وخارجًا من آخر فمتى كان دخولُه للهِ وباللهِ وخروجه كذلك كان قَدْ ادخلَ مدخل صدقٍ وأخرج مخرج صدق. والله أعلم (٢).

стр. 1029

فصلٌ في عددِ الجنات وأنواعها تقدم أنَّ الجنَّةَ اسمٌ شامل لجميعِ ما حوته من البساتين والمساكن والقصور، وهي مع ذلك جنات كثيرة جدًا كما روى البخاريُّ عن أنسٍ ﵁ أنَّ أُمِّ الرّبيع بنت البراء وهي أمُّ حارثة بن سراقة ﵃ أتتْ رسولَ اللهِ ﷺ فقالت: يا نبي اللهِ ألاَ تحدثني عَن حارثة؟ -وكان قُتل يوم بدرٍ، أصابَه سهمٌ غَرْب- فإن كان في الجنةِ صبرتُ، وإن كانَ غَيرَ ذلك اجتهدتُ عليه في البكاءِ. قال: "يا أُمِّ حارثةَ إنهَا جناتْ وإن ابنكِ أصابَ الفردوسَ الأعلى" (١). وأخرج الشيخان عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وما فيهما، وما بين القومِ وبين أن ينظروا إلى ربهم، إلَّا رداء الكبرياء على وجهه في جنةِ عدن" (٢) (٣). وقال القرطبي في التذكرة (٤): قيل: الجنات سبع: دار الجلال، ودار السَّلام، ودار الخلد، وجنة عدن، وجنة المأوى، وجنة نعيم،

стр. 1030

والفردوس وزادَ بعضُهم عليين في حديث البراء مرفوعًا: "إن عليين تحت العرشِ" وقد قالَ تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦] فذكرهما ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾ [الرحمن: ٦٢] فهذه أربعٌ واختلفَ في قوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا﴾ فقيل: فوقهما وقيل: تحتهما. وظاهر كلام المحقق اعتماد الثَّاني واستدلَّ له بعشرة أوجه: أحدها: قوله تعالى: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨)﴾ [الرحمن: ٤٨] أي: أغصان أو أفنان شيء من الفواكه وغيرها ولم يذكرْ ذلك في اللتين بعدهما. الثَّاني: قوله: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠)﴾ [الرحمن: ٥٠] وفي الأخرتين ﴿عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] والنضاخةُ هي: الفوارة، والجاريةُ: السَّارحة الفوارة وهي أحسنُ من الفوارةِ فإنَّها تتضمنُ الفورانَ والجريان. الثالث: قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢)﴾ [الرحمن: ٥٢] وفي الأخرتين ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) ولا ريب أن وصفَ الأولتين أكملُ فقيل: الزوجان الرطب واليابس الذي لا يقصر في فضلهِ وجودته عن الرّطبِ. وقيل: صنفٌ معروف وصنف من شكله غريب، وقيل: الحلو والحامض والأبيض والأحمر. قال المحقق: وفيه أنهم قالوا: ليس في الجنةِ حامضٌ لأنَّه إنَّما تطلبه الأنفسُ السقيمة ولا سقمَ في الجنَّةِ والله أعلم.

стр. 1031

الرابع: أنَّه قال: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] وهذا تنبيه على فضلها وخطرها في الأخرتين قال: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦)﴾ [الرحمن: ٧٦] وفسر الرفرفَ بالمجالسةِ والبسط، وفسر بالفرش بالمجالس فوقها، وعلى كلِّ قول فلم يصفه بما وصف به فرش الجنتين الأولتين. الخامس: أَنَّه قال: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] أي: قريب سهل يتناولونه كيف شاءوا ولم يذكرْ ذلك في الأخرتين. السادس: أَنَّه قال: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ [الرحمن: ٥٦] أي: قد قصرن طرفهن على أزواجهن فلا يردن غيرهم كرضاهن بهم ومحبتهن لهم وذلك فيضمن قصرهن لطرف أزواجهن عليهن فلا يدعهم حسنهن أن ينظروا إلى غيرهن. وقال في الأخرتين: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢)﴾ [الرحمن: ٧٢] ومن قصر طرفها على زوجها باختيارها، أكمل ممن قصرت بغيرها. السابع: أَنَّه وصفهن بشبه الياقوت والمرجان في صفاء اللون وإشراقه وحسنه، ولم يذكرْ ذلك في التي بعدها. الثامن: أَنَّه سبحانه قال في الأولتين: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠] وهذا يقتضي أن أصحابها مِنْ أهلِ الإحسانِ المطلق الكامل فكان جزاءهم بإحسان كامل. التاسع: أَنَّه بدَأ بوصفِ الجنتين الأولتين، وجعلهما جزاءً لمَن خافَ مقامَ ربِّه، وهذا يدل على أنَّها أعلى جزاء الخائف لمقامه، ورتب

стр. 1032

الجزاءَ المذكور على الخوفِ ترتيب مسبب على سبب. ولما كان الخائفون نوعين مقربين وأصحاب يمين ذكر جنتي المقربين ثمَّ ذكر جنتي أصحاب اليمين. العاشر: أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا﴾ [الرحمن: ٦٢] والسياق يدُلُّ على أَنَّه يقتضي فوق، كما قَالَ الجوهريُّ. انتهى كلامُه مختصرًا ملخصًا (١). قُلْت: وَيدلُ لما قَالَ: قَولُ ابن زيدٍ: هي يعني: الدار الآخرة أربع: جنتان للمقربين السابقين ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢)﴾ [الرحمن: ٥٢] وجنتان لأصحابِ اليمينِ التّابعين. وأخرج البيهقيُّ عَن ابن عباس ﵄ قَالَ: "كان عرشُ الرحمن على الماءِ، ثُمَّ اتخذ لنفسِهِ جنةً ثمَّ اتخذ دونها أخرى ثُمَّ أطبقهما بلؤلؤة واحدة" (٢) فإن قِيل: كيف انقسمت هذه الجناتُ الأربع على مَنْ خَافَ مقامَ ربِهِ. فالجوابُ: أَنَّه لما كان الخائفون نوعين مقربين وأصحاب يمين ذكر جنتي المقربين، ثُمَّ ذكر جنتي أصحاب يمين. فالمقربون لهم الجنتان العاليتان واللتان دونهما للذين دونهم وهم أصحاب اليمين. جعلنا اللهُ مِنْ عباده المقربين ومن حِزْبِه المفلحين.

стр. 1033

فإن قِيلَ: هل الجنتان لمجموع الخائفين أم لكلّ واحدٍ جنتان وهما البستانان. فالجوابُ: أَنَّ للمفسرين في هذا قولين وظاهر كلام المحقق ترجيح الثَّاني وذكر لترجيحه وجهين: أحدُهُمَا: مِنْ جِهة النقل وهو قوله ﷺ : "هما بستانان في رياضِ الجنةِ" (١). والثَّاني: مِنْ جهةِ المعنى هو أَنَّ أحد الجنتين جزاء أَداء الأوامر والثانية جزاء اجتناب المحارم (٢).

стр. 1034

فَصْلٌ وقد اتخذ اللهُ من الجنات دارًا أَصْفَاهَا لنفسه واختصَّها بالقربِ مِنْ عرشِهِ وغرسها بيده فهي سيدة الجنان. والله سبحانه يختارُ منْ كلِّ نوعٍ أعلاه وأفضله كما اختار مِنَ الملائكةِ (١) جبريل، ومن البشرِ محمدًا ﷺ ، ومِنَ السماواتِ العليا، ومن البلادِ مكّة، ومن الأشهر الأشهر الحرم، ومن الليالي ليلة القدر، ومِنَ الأيَّامِ يوم الجمعة، ومن الليل وسطه، ومن الأوقات أوقات الصلوات، إلى غير ذلك. ذكره في حادي الأرواح (٢) وأشَارَ إليه في أولِ الهدى. وذكرته مطولاً في رسالتي اللمعة في فضل الجمعةِ. وَأخرج الحسن بن سُفْيان عَنْ أَنس مرفوعًا: "إنَّ الله بنى الفردوس بيده وحظرها على كلِّ مشرك، وكل مدمن الخمر سكير" (٣).

стр. 1035

وأَخرج الدارمي والنجاد وغيرهما عن عبدِ اللهِ بن الحارثِ مرفوعًا: "خلق اللهُ ﵎ ثلاثةَ أشياء بيده: خلقَ آدمَ بيده وكَتَبَ التوراةَ بيدِهِ وغرَسَ الفردوسَ بيدِهِ ثُمَّ قال: وعزتي وجلالي لا يدخلها مِدْمُنُ خمر ولا الدَّيوث" (كذا هو بتنكير خمرٍ وتعريف الديوثِ) قالوا: يا رسول الله قَدْ عَرفنا مدمن الخمر فما الدَّيوث؟ قال: "الذي يُقِرُّ السوءَ في أهلِهِ" (١). قال المحقق (٢): قلت: المحفوظ أنه موقوف ثم ذكر من طريق الدارمي عن ابن عمر موقوفًا (٣): خلق اللهُ أربعةَ أشياء بيدِهِ: العرشَ والقلمَ وعدنَ وآدمَ. وأخرج أبو الشيخ عَن شمر بن عطية قَالَ: خلق اللهُ جنةَ الفردوس بيده فهو يفتحها كل يوم خميس فيقول: إزدادي طيبًا لأوليائي، ازدادي حسنًا لأوليائي (٤).

стр. 1036

وأخرج البيهقي عن أبي سعيدٍ (١) ﵁ مرفوعًا: "إنَّ اللهَ أحاطَ حائط الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة وغرسَ غرسَها بيده وقال لها: تكلمي، فقالتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ [المؤمنون: ١]، فقال: طوبى لك منزل الملوك" فإن قلت: علم من هذه الآثار أنَّ الله خلقَ عدنَ والفردوسَ والعرشَ والقلمَ وآدمَ بيده وكتبَ التوراةَ بيده وفيها لَم يخلقْ اللهُ بيده إلاَّ ثلاثة: آدم وكتبَ التوراةَ وغرسَ جنَّةَ عدنٍ (٢) وفيها القصرُ على أربعةٍ: العرش والقلم وعدن وآدم فما وجه الجمع؟ فالجواب واللهَ أعلم ليس الحصر على بابه بل عبرَ أولاً بما ذكر ثم أعلمنا بأنَّه خلق أشياءَ أُخر. إما أنَّه تعالى أعلَمَه بذلك بعد أن أعلمه بالأول وإما أنَّه ذكر الأول لمناسبةٍ اقتضتْ ذلك، كما تقول: ليس في الدار إلا زيد وإن كان فيها غيره وأردت أنَّ الذي ينبغي أن ينوه بذكره إنما هو زيد هذا ما ظهر لي وفيه نظر والله أعلمَ. وفي صحيح مسلم، عن المغيرة بن شعبةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "سَألَ موسى ربَّه: ما أدنى أهل الجنَّةِ مَنزلة؟ قال: رجلٌ يجيء بعدما

стр. 1037

دخلَ أهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ فيقال له: أدخلْ الجنَّة فيقول: رب كيف وقد نزلَ الناسُ منازلَهم وأخذوا أخذاتهم؟ فيقول له: أترضى أنَّ يكون لك مثل ملكٍ من ملوك الدُّنيا؟ فيقول: رضيتُ رب فيقول له: لك ذلك ومثلُه ومثله ومثله ومثله فقال في الخامسةِ: رضيتُ رب. قال: رب فأعلاهم منزلةً؟ دآل: أولئك الذين أردتُ غرستُ كرامتهم بيدي وختمتُ عليها فلم تر عينٌ ولم تسمع أذنٌ ولم يخطر على قلب بشرٍ". ومصداقه من كتاب الله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] (١).

стр. 1038

فصلٌ في ذكر أوَّل من يقرع بابَ الجنَّةِ تقدَّم أنَّ أوَّلَ مَن يقرع بابَ الجنَّةِ رسول الله ﷺ وأوَّلَ من يدخلها من الأمم أمته. وأخرج الطَّبراني عن أنس ﵁ قال رسول الله ﷺ : "آتي بابَ الجنَّة فاستفتح فيقوم الخازن فيقول: لا أفتح لأحدٍ قبلك ولا أقوم لأحد بعدك" (١) وذلك أنَّ قيامه إليه ﷺ خاصة إظهار المرتبة ومرتبته، ولا يقوم في خدمة أحدٍ بعده بل خزنة الجنَّةِ دونه يقومون في خدمته، وهو كالملكَ عليهم وقد أقامه الله في خدمة عبده ورسوله، حتَّى مشى إليه وفتح الباب. وأخرجه مسلمٌ في صحيحه عنه بلفظ: "آتي بابَ الجنَّةِ يومَ القيامةِ فأستفتح فيقول الخازنُ: مَنْ أنت؟ فأقول: محمدٌ فيقول: بك أُمرت أن لا أفتح لأحد قبلك" (٢). وعن أبي هريرةَ ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "أنا أوَّلُ من يُفتح له بابُ الجنَّةِ إلا أنَّ امرأةً تَبادِرُني فأقول لها: مَا لكِ أو ما أنتِ؟ فتقول: أنا أمرأةٌ قعدتُ على أيتامي" (٣).

стр. 1039

وفي الترمذي من حديثِ ابن عباس ﵄ قال: جَلسَ ناسٌ من أَصحابِ النَّبي ﷺ ينتظرونه فخرج حتَّى إذا دنا منهم سَمِعَهم يتذاكرون فسمع حديثهم فقال بعضهم: عجبًا إن لله من خلقِه خليلاً اتخذ اللهُ إبراهيمَ خليلاً وقال آخز: ماذا بأعجبَ من كلامِه موسى كلَّمَه تكليمًا، وقال آخر: فعيسى كلمةُ اللهِ وروحُه وقال آخر: آدم اصْطَفاه اللهُ فخرج عليهم فسَلَّم وقال: "سمعت كلامكم وعجبكم إنَّ إبراهيمَ خليل اللهِ وهو كذلك، وموسى نجيُّ اللهِ وهو كذلك، وعيسى روحُه وكلمتُه وهو كذلك، وآدم اصطفاه اللهُ وهو كذلك، ألا وأنا حبيبُ اللهِ ولا فخر، وأنا حاملُ لواءَ الحمدِ يومَ القيامةِ ولا فخر، وأنا أوَّلُ شافع وأوَّلُ مشفَّع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أكرمُ الأولينَ والآخرينَ ولاَ فخر" قوله ﷺ : "ولا فخر" (١) (٢) أي: ولا فخر أعظم من هذا الفخر. وقال بعضهم: وعندي أنَّ معناه أني لا أقولُ ذلك افتخارًا واستكبارًا بل على سبيلِ التَّنويهِ والتَّعريفِ والتَّذكر بنعمِ الله تعالى. قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ١١].

стр. 1040

فما قاله ﷺ من باب التَّحدث بالنعمِ. نكتة: لا بأس للعالم أن يذكر ما لديه من العلومِ على سبيل التَّنويه ليقصد ويؤخذ عنه ذلك لا على سبيلِ الافتخارِ فإن ذلك مزلة إلى النَّار وبم يعجب العاقلُ وما لديه من العلم ليس من وسعه وقوته وإنما هو من فضل مولاه ومنته والله أعلم. وعن أنسٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا أول النَّاسِ خروجًا إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا أَنصَتوا، وقَائِدهم إذا وفدوا، وشافعهم إذا حُبسوا، وأنا مُبشرهم إذا يئَسوا، لواءُ الحمد بيدي، ومفاتحُ الجنةِ يومئذٍ بيدي، وأنا أكرمُ ولد آدم يومئذٍ على ربِّي ولا فخر يطوف عليَّ ألفُ خادمٍ كأنهم اللؤلؤُ المكنونُ" (١). رواه الترمذي، والبيهقي واللفظ له. وفي صحيح مسلم عن أنَسٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا أكثر الناس تبعًا يومَ القيامةِ، وأنا أوَّلُ مَن يقرعُ بابَ الجنةِ" (٢). وفي الصحيحين عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "نحن السَّابقون الأَوَّلون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتابَ من قبلنا، وأوتيناه من بعدِهم" (٣) أي: لم يسبقونا إلا بهذا القدرِ.

стр. 1041

قال في حادي الأرواح: معنى "بيد" معنى سوى، وغير، وإلا أن ونحوها أي من أَدواتِ الاسَتثْناء فمعنى بيد أنهم أي: غير أنهم والله أعلم. وفي صحيحِ مُسلم عن أَبي هُريرةَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "نحن الآخرونَ الأولونَ يومَ القيامةِ، ونحن أولُ من يدخلُ الجنَّةَ بيد أنَّهم أُوتوا الكتابَ من قبلنا وأوتيناه من بعدِهم فاختلفوا فهدانا اللهُ لما اختلفوا فيه من الحق بإذنهِ" (١). وفي الصحيحين عنه مرفوعًا: "نحن الآخرونَ الأولونَ يومَ القيامة، نحن أوَّلُ الناسِ دخولاَ الجنة بيد أنَّهم أوتوا الكتابَ من قبلنا وأوتيناه من بعدهم" (٢). وعند الدارقطني عن عمرَ بن الخطاب ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الجنةَ حرِّمَت على الأنبياء كلهم حتَّى أَدْخُلَها، وحُرِّمت على الأُمَمِ حتَّى تَدْخُلَها أمتي" (٣). والحديثُ غريبٌ كما نبه عليه الدَّارقطني والحاصل أن هذه الأمةَ المشرفة أسبقُ الأُمَمِ خُروجًا من الأرضِ، وأسبقُهم إلى أعَلى مكانٍ في الموقف وأسبقُهم إلى ظل العرشِ، وأسبقُهم إلى الفصلِ والقَضَاءِ بينهم، وإلى الجَوازِ على الصِّراطِ، وإلى دُخولِ الجنَّةِ فالجنة محرمةٌ على الأنبياءِ حتَّى يدخلَها محمدٌ ﷺ ، ومحرمة عَلىَ الأمم حتَّى تدخلها أمته

стр. 1042

وذلك فَضلُ اللهِ يُوتِيه مَنْ يَشَاءُ. وأَخْرَج أبو داود في سُنَنِه عَن أَبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أتَاني جبريلُ فأخَذَ بِيدَي فَأَرَاني بابَ الجنةِ الذي تدخلُ مِنْه أُمَّتِي" فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللهِ وَدَدْتُ أني كُنْتُ مَعَكَ حتَّى أَنْظُرُ إِلَيه، فقال رسولُ الله ﷺ : "أما إنَّك يا أبا بكرٍ أول من يَدْخُلُ الجنة من أُمَّتِي" (١). وَقَوْله ﵁: (وددت أني كُنت مَعَك) حِرْصٌ مِنْه عَلى زَيَادَةِ اليَقَينِ وَأنْ يصيرَ الخبرُ عِيَانًا لا أنه ﵁ عنده شَك في ذلك - معاذ الله - نَظِيره قَوْل سَيدِّنا إبراهيمَ ﷺ : ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]. ومن المعلوم أنه ليس الخبر كالعيان وإنْ جزم بأنَّ الخبر به واقع لا محالةَ. وهذا معنى علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين فعلم اليقين حكم الذهن الجازم بالأخبارِ المتواترة كوجود مكة، وحلاوة العسل لمن لم ير مكة، ولم يذق العسل. فإذا نظرَ لمكة من أبي قبيس، وشاهد العسلَ فهو عين اليقين. فإذا دخلَ مكة، وذاقَ العسل فهو حق اليقين. والله أعلم.

стр. 1043

وأمَّا حديث ابن ماجه عن أبيّ بن كعب مرفوعًا: "أولُ منْ يصافحهُ الحقُّ عمرُ، وأولُ من يسلِّمُ عليهِ، وأولُ منْ يأخذُ بيدهِ فيدخلهُ الجنةَ" (١) فهو منكر جدًا قاله المحقق وفيه داود بن عطاء دال الإمام أحمد: ليس بشيء وقال البخاري: منكر الحديث (٢). تنبيه: اسمُ خازن الجنَّةِ الذي تقدم ذكره: رضوان فهو المقدم على سائر خزنة الجنان، ورئيسهم، وهو مشتق من الرضا، وأمَّا خازن النَّار فاسمه: مالك مشتق من الملك، وهو القوة والشدة حيث تصرفت حروفه، والخزنة: جمع خازن مثل حفظة وحافظ، وهو المؤتمن على الشَّيء الذي استحفظه وتقدم ذكر الخزنة في عدة مواضع من الأحاديث الصحيحة، والآثار الصريحة. والله تعالى أعلم.

стр. 1044

فصل وفي البخاري: ومسلم عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "أول زمرة تلجُ الجنّةَ صورهم على صورة القمرِ ليلة البدرِ. لا يبصقون فيها، ولا يمتخطون فيها، ولا يتغوطون فيها آنيتهم، وأمشاطهم الذَّهب والفضة، ومجامرهم الألوّة، ورشحهم المسك، ولكلِّ واحد منهم زوجتان (١) يرى مخ ساقهما (٢) مِنْ وراء اللحم مِنَ الحسن لا اختلاف بينهم، ولا تباغض قلوبهم على قلبٍ واحد يسبّحون الله بكرة وعشية" (٣). قوله: "مجامرهم الألوّة". قال في النهاية: أي: بخورهم العود وهو اسم له مرتجل، وقيل: هو ضرب مِنْ خيارِ العود وأجوده، وتفتح همزته وتضم، وقد اختلف في أصليتها وزيادتها ومنه حديث ابن عمر أنَّه كان يستجمر بالألوة غَير مُطرّاة أي: يتبخَّر بها ليس عليها ألوان الطيب من غيرها. وقال في النهاية: المطراة التي تعمل عليها ألوان الطيب غيرها كالعنبر والمسك والكافور، ومنه قولهم: عسل مطرى أي: مربّى بالأقاوية (٤).

стр. 1045

وأخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "أوَّلُ زُمرةِ يدخلونَ الجنةَ عَلى صورةِ القمرِ ليلةَ البدرِ، والذينَ يَلُونهم على ضوءِ أشدِّ كوكبِ دريٍّ في السماءِ إِضاءةً. لا يبولونَ، ولا يتغوَّطونَ، ولا يتفلونَ، ولا يمتخطونَ. أمشاطُهم الذَّهبُ، ورشحُهم المسكُ، ومجامرُهم الألُوَّةُ، وأزواجُهم الحورُ العينُ. أخلاقُهُم على خُلُقِ رجُلٍ واحدٍ. على صورةِ أبيهمِ ستونَ ذِراعًا في السَّماءِ" (١). وفي حادي الأرواح عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أوَّلُ منْ يُدْعَى إلى الجنَّةِ (٢) [الحمَّادونَ] (٣) الذينَ يحمدونَ اللهَ في السّراءِ والضَّرَّاءِ" (٤). وأخرج الإمام أحمد عن أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: "عُرِضَ عليَّ أولُ ثلاثةٍ يدخلونَ الجنةَ، وأولُ ثلاثةٍ يدخلونَ النارَ، فأمَّا أولُ ثلاثةٍ يدخلونَ الجنةَ: فالشهيدُ، وعبدٌ مملوكٌ لم يشغلْهُ رقُّ الدُّنيا

стр. 1046

عَنْ طاعةِ ربِّه، وفقيرٌ متعففٌ ذو عيالٍ وأولُ ثلاثةٍ يدخلونَ النارَ: فأميرٌ مسلَّطٌ، وذو ثروةٍ من مالٍ لا يؤدِّي حقَّ اللهِ مِنْ مالِه، وفقيرٌ فخورٌ" (١). وأخرج هو، والطبراني واللفظ للطبراني عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "هل تدرون أول من يدخل الجَنة؟ فقراء المهاجرين الذين تتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لم يستطع لها قضاء تقول الملائكة: ربنا نحن ملائكتك، وخزنتك، وسكان سماواتك لا تدخلهم الجنة قبلنا فيقول: "عبادي لا يشركوا بي شيئا تتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لم يستطع لها قضاء" فعند ذلك تدخل عليهم الملائكة من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار" (٢). فإنْ قيل: ما تقولون في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد، والترمذي وصححه عن بريدة بن الحصيب ﵁ قال: أصبح رسول الله ﷺ فدعا بلالاً فقال: "يا بلال بم سبقتني إلى الجنة؟ فما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي فأتيت على قصر بزيغ مشرف من ذهب فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجلٍ عربي.

стр. 1047

قلت: أنا عربي. لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من قريش. قلت: أنا قرشي. لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من أمّة محمد؟ قلت: أنا محمد. لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن الخطاب". فقال بلال: يا رسول الله ما أذنت قط إلا صليت ركعتين، وما أصابني حدث قط إلا توضأت عندها ورأيت أن لله على ركعتين. فقال رسول الله ﷺ "بهما" (١). وأنتم تقولون: إنَّ أول مَنْ يدخل الجنة محمد، وهي محرمة على الأنبياء حَتَّى يدخلها محمد. فالجواب: أنَّا نتلقى هذا بالقبول، والتصديق لصحته عند ذوي النقول، والتحقيق غير أنَّه لا يدل على أنَّ أحدا يسبق النبي ﷺ إلى الجنة (٢)، وتقدم بلال رضوان الله عليه إنَّما هو كالحاجب والخادم، ومن عادة الخادم أنْ يمشي بين يدي سيده، ولمَّا كان بلال يدعو إلى الله بالأذان بين يدي رسول الله ﷺ ، وبمشي أمامه ليهيئ الماء لوضوئه ﷺ جازاه الله بأن خصه من بين خدم رسول الله ﷺ بالتقدم بين يديه، وقد رُوي أنَّ النبي ﷺ يبعث يوم القيامة، وبلال بين يديه ينادي بالأذان.

стр. 1048

فتقدمه بين يديه إنَّما هو كرامة لرسولِ اللهِ ﷺ وإظهار لشرفه ومزيته لا سبقا من بلال له، كيف وبلال، ومولى بلال، وسائر الخلق حسنة من حسناته ﷺ ؟ بل لا وجود لهم لولا تلك الذات المعظمة التي ملأت ما بين السماء والأرض نعما وعلما ومننا، شعر لمؤلفه: كلُّ الوجود وما في الكون من منن ... ما كان إلا بِطَه كاشف المحنِ فهو الذي جاء بالدّين المتين وبالـ ... آيات والعلمِ والقرآن والسننِ وأول الناسِ طرّا في المعاد إلى ... جنات عدن دخولا يا ذوي الفطنِ رضوان في خدمة المختار قام ولم ... يقم لغير النَّبي المصطفى المدني وهو الشفيع لنا يوم الحساب إذا ... ما قال كلّ رسولٍ ليس ينجدني يا سيدي يا رسولَ اللهِ يا أملي ... كنْ لي شفيعا إذا ما خانني زمني واخجلتي من ذنوبي يوم ينشرها ... ربي (فواوجلي) (١) منها ويا حني لكن ملتجأي سرّ الوجود ومن ... به نجونا من التخليط والفتن محمد المصطفى كنز الضعيف غدا ... إذا بدا للعدا نار لدي نتن صلى عليه إله العرشِ ما صدحت ... ورقُ الحمامِ وما ناحت على فنن والآل والصحب والأزواج كلهم ... (والتابعون) (٢) لهم نقالة السّنن (٣)

стр. 1049

فصل وتقدم أنَّ الفقراء يسبقون الأغنياء إلى الجنةِ بخمسمائة عام أخرج الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "يدخل فقراء المسلمين الجنة قبلَ أغنيائهم بنصف يوم وهو خمسمائة عام" ورواه الترمذي وقال: حسن صحيح (١). قال في حادي الأرواح: ورجال إسنادِه احتج بهم مسلم في صحيحه. وأخرج مسلم (٣) عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعت رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياءَ يومَ القيامة بأربعين خريفًا". وأخرجَ الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "التقى مؤمنان على باب الجنَّةِ مؤمن غني، ومؤمن فقير كانا في الدنيا فأدخل الفقير الجنَّة، وحبس الغني ما شاء الله أنْ يحبس، ثمّ أدخل الجنة فلقيه الفقير فيقول: أي أخي ماذا حبسك؟ والله لقد حبست حَتَّى خفتُ عليك. فيقول: أي أخي إني حبست بعدك محبسًا فظيعًا كريهًا ما وصلت إليك حَتَّى سال مني من العرق ما لو ورده ألف

стр. 1050

بعير كلها آكلة (حمضٍ) (١) لصدرت عنه" (٢). وأخرجَ الطبراني عَنْ أبي هريرةَ ﵁ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "إنَّ فقراء المؤمنينَ يدخلون الجنةَ قبل أغنيائهم بنصف يوم، وذلك خمسمائة عام" (٣) الحديث (٤). والذي في الصحيح أنَّ سبقهم لهم بأربعين خريفا فإمَّا أنْ يكون هو المحفوظ، وإمَّا أنْ يكون كلاهما محفوظ، وتختلف مدة السبق باختلاف أحوال الفقراء والأغنياء فمنهم مَنْ يسبق بأربعين، ومنهم من يسبق بخمسمائة سنة، كما يتأخر مكث العصاةِ من الموحدين في النار بحسب جرائمهم. تنبيه: لا يلزم من سبق الفقراء أن تكون منازلهم أرفع من منازل

стр. 1051

الأغنياءِ بل قد يكون المتأخر أعلى منزلة وإنْ سبقه غيره في الدّخول، والدليل على ذلك أنّ مِنَ الأمّة مَنْ يدخل الجنَّة بغيرِ حساب وهم من مر ذكرهم، وقد يكون بعض من محاسب أفضل من أكثرهم، والغني إذا حوسب على غناه فوجد شاكرًا لله قد تقرب بأنواع البر والصَّدقةِ كان أعلى درجة من الفقيرِ السَّابق له في الدخول من غيرِ تلكَ الأعمالِ لاسيما إذا شاركه الغني في أنواع عباداته، وقد زاد عليه بالصدقة بفضل ما له، فإنَّ الله لا يضيع مثقال ذرة (١). نعم الفقير له المزية بسبقه وهما مزيتان مزية سبق، ومزية رفعة فقد يجتمعان فيحصل السبق والرفعة لبعضِ الأشخاص، وتلك تمام السعادة، وقد يعدمها آخر، وقد يحصل لبعضهم السبق دون الرفعة وبالعكس (٢). ومما ينبغي أنْ يعلم أنَّ المراد بالفقير هو الفقير الصابر الذي قد اطمأن قلبه لما قدره اللهُ تعالى له، ورضي بقضائه دون الفقير الساخط بل فقر هذا كجوع الكلابِ، وذاك كجوعِ الصائم من أولي الألباب، والمراد بالغني هو الغني الشاكر، وأمَّا ما نعي الزكاة، وأضرابهم فهم بمعزل عن هذا بل هم مع إخوانهم في سقر سيما من استحوذ عليهم الشيطان فأنفقوا أموالهم فى اللهو والهذيان، ثمّ إذا حال الحول أتوا

стр. 1052

بأنواع الحيل التي ورثوها عن إخوانهم من اليهود، فادعى أنه لا زكاة عليه، وهذا قبح إلى قبح مجتمعان. وقد أخبرت عن بعض من ينتسب إلى العلم أنَّه قبيل الحول يهب مالَه لزوجته، فإذا حال الحول استرده وهلم جرا فهذا هو غاية الظلم ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١] فهذا علمه ضره ما نفعه. فائدة: التحقيق عندي أنَّ الغني الشاكر أفضل مِنَ الفقيرِ الصَّابر وهذا خلاف ما كنت أختاره أوّلا تبعا لجماعة، واعلم أنَّ الفقير الصادق له علامات، وآداب باطنة، وظاهرة: فأمَّا الباطنة فأنْ لا يكره ما ابتلاه الله تعالى به مِنَ الفقر وهذا واجب عليه، وأرفع من هذا أنْ يكون راضيًا بالفقر، وأرفع من هذا أن يكون طالبًا له، وفرحا به، وشاكرًا عليه وأمَّا آداب ظاهرة فإظهار التعفف، وأمَّا في أعماله فلا يتواضع لغني والله تعالى أعلم.

стр. 1053

فصل في أصناف أهل الجنة الذين ضمنت لهم دون غيرهم قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ إلى قوله: ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٦] أخبر سبحانه أنَّه أعدها للمتقين دون غيرهم، ثم ذكر أوصافَ المتقين فذكر بذلهم للإحسانِ في حالتي العسر والشدة، والرخاء والسعة، وكف أذاهم للناس بحبس الغيظِ بالكظم وحبس الانتقام إلى آخر الأوصافِ. وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠] فأخبرَ أنَّه تعالى أعدَّها للِمهاجرين الذين هجروا أوطانهم ابتغاء مرضاته تعالى، ونصرًا لنبيّه والأنصار الذين بذلوا جهدهم في نصر نبيه ودينه، وأتباعهم أي: ومَنْ نحا نحوهم، واقتفى أثرهم. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ

стр. 1054

رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤] فوصفهم بإقامة حقه ظاهرًا وباطنًا، وبأداء حق عباده. وفي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لمَّا كانَ يومُ خيبر أقبل نفرٌ مِنْ صحابةِ النَّبي ﷺ فقَالوا: فلانٌ شهيد، وفلان شهيد حَتَّى مَرُّوا على رجل فقالوا: فلان شهيدٌ. فقال رسولُ الله ﷺ : "كلا إني رأيته في النارِ في بردة غَلَّهَا أو عباءةٍ" ثمَّ قال رسول الله ﷺ : "يا ابن الخطاب اذهبْ فنادِ في الناسِ أنَّه لا يدخلُ الجنَّة إلا المؤمنون" (١) قال: فخرجتُ فناديت أنَّه لا يدخل الجنَّةَ إلا المؤمنون. وفي البخاري معناه، وفي الصحيحين (٢) عن أبي هريرةَ ﵁ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أمر بلالًا ينادي في الناسِ أنه لا يدخَل الجنة إلا نفس مسلمة وفي لفظ "مؤمنة". وأخرج مسلم (٣) عن عياض بن حمار المجاشعي أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال ذات يومٍ في خطبته: "ألا إنَّ ربِّي أمرني أنْ أعلمكمْ مَا جهلتم ممَّا عَلَّمني يَوْمي هذا كُل مالٍ نَحلْتَهُ عبدًا حلالٌ وإنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُم، وإنّهم أَتَتْهم الشَّياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحَرَّمتْ عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرتهم أنْ يشركوا بي ما لم أنزلْ به سلطانا. وإنَّ اللهَ نظر إلى أهلِ الأرضِ فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتابِ وقال: إنَّما بعثتك لأبتليكَ وأبتلي بكَ، وأنزلتُ عليكَ كتابًا لا يغسله الماء تقرؤه نائمًا ويقظانَ وإنَّ اللهَ أمرني أنْ أُحَرِّقَ قريشًا

стр. 1055

فقلت: ربِّ اذًا يَثْلَغُوا رأسي فيدعوه خبزةً قال: استخرجهم كما استخرجوك (١)، واغزهم نُغْزِكَ، وأنفق فننفق عليكَ، وابعثْ جيشا نبعثْ خمسةً مثله، وقاتلْ بمَنْ أطاعك مَنْ عصاك. قال: وأهل الجنةِ ثلاثةٌ: ذو سلطانِ مقسطٌ متصدق موفق، ورجل رحيئمٌ رقيقُ القلبِ لكلِّ ذي قربى ومسلم، وعفيفٌ متعفف ذو عيال وأهل النار خمسة (٢): الضعيفُ الذي لا زَبْرَ لهُ الذين هم فيكم تبعًا لا يبغون أهلًا ولا مالًا، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دقَّ إلا خانه، ورجلٌ لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعكَ عن أهلك ومالك وذكر البخلَ والكذب والشنظير (٣) الفحَّاش وإنَّ الله أوحى إليَّ أنْ تواضعوا حَتَّى لا يفخر أحدكم على أحدٍ، ولا يبغي أحدٌ على أحد" (٤). وأخرجَ البخاري، ومسلم عن حارثة بن وهب ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ألا أخبرِكم بأهل الجنة؟ كلُّ ضعيف (٥)
следующие страницы →