← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 132973

البحور الزاخرة في علوم الآخرة

السفاريني

Полный текст (1 621 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

الأغنياءِ بل قد يكون المتأخر أعلى منزلة وإنْ سبقه غيره في الدّخول، والدليل على ذلك أنّ مِنَ الأمّة مَنْ يدخل الجنَّة بغيرِ حساب وهم من مر ذكرهم، وقد يكون بعض من محاسب أفضل من أكثرهم، والغني إذا حوسب على غناه فوجد شاكرًا لله قد تقرب بأنواع البر والصَّدقةِ كان أعلى درجة من الفقيرِ السَّابق له في الدخول من غيرِ تلكَ الأعمالِ لاسيما إذا شاركه الغني في أنواع عباداته، وقد زاد عليه بالصدقة بفضل ما له، فإنَّ الله لا يضيع مثقال ذرة (١). نعم الفقير له المزية بسبقه وهما مزيتان مزية سبق، ومزية رفعة فقد يجتمعان فيحصل السبق والرفعة لبعضِ الأشخاص، وتلك تمام السعادة، وقد يعدمها آخر، وقد يحصل لبعضهم السبق دون الرفعة وبالعكس (٢). ومما ينبغي أنْ يعلم أنَّ المراد بالفقير هو الفقير الصابر الذي قد اطمأن قلبه لما قدره اللهُ تعالى له، ورضي بقضائه دون الفقير الساخط بل فقر هذا كجوع الكلابِ، وذاك كجوعِ الصائم من أولي الألباب، والمراد بالغني هو الغني الشاكر، وأمَّا ما نعي الزكاة، وأضرابهم فهم بمعزل عن هذا بل هم مع إخوانهم في سقر سيما من استحوذ عليهم الشيطان فأنفقوا أموالهم فى اللهو والهذيان، ثمّ إذا حال الحول أتوا

стр. 1052

بأنواع الحيل التي ورثوها عن إخوانهم من اليهود، فادعى أنه لا زكاة عليه، وهذا قبح إلى قبح مجتمعان. وقد أخبرت عن بعض من ينتسب إلى العلم أنَّه قبيل الحول يهب مالَه لزوجته، فإذا حال الحول استرده وهلم جرا فهذا هو غاية الظلم ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١] فهذا علمه ضره ما نفعه. فائدة: التحقيق عندي أنَّ الغني الشاكر أفضل مِنَ الفقيرِ الصَّابر وهذا خلاف ما كنت أختاره أوّلا تبعا لجماعة، واعلم أنَّ الفقير الصادق له علامات، وآداب باطنة، وظاهرة: فأمَّا الباطنة فأنْ لا يكره ما ابتلاه الله تعالى به مِنَ الفقر وهذا واجب عليه، وأرفع من هذا أنْ يكون راضيًا بالفقر، وأرفع من هذا أن يكون طالبًا له، وفرحا به، وشاكرًا عليه وأمَّا آداب ظاهرة فإظهار التعفف، وأمَّا في أعماله فلا يتواضع لغني والله تعالى أعلم.

стр. 1053

فصل في أصناف أهل الجنة الذين ضمنت لهم دون غيرهم قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ إلى قوله: ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٦] أخبر سبحانه أنَّه أعدها للمتقين دون غيرهم، ثم ذكر أوصافَ المتقين فذكر بذلهم للإحسانِ في حالتي العسر والشدة، والرخاء والسعة، وكف أذاهم للناس بحبس الغيظِ بالكظم وحبس الانتقام إلى آخر الأوصافِ. وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠] فأخبرَ أنَّه تعالى أعدَّها للِمهاجرين الذين هجروا أوطانهم ابتغاء مرضاته تعالى، ونصرًا لنبيّه والأنصار الذين بذلوا جهدهم في نصر نبيه ودينه، وأتباعهم أي: ومَنْ نحا نحوهم، واقتفى أثرهم. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ

стр. 1054

رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤] فوصفهم بإقامة حقه ظاهرًا وباطنًا، وبأداء حق عباده. وفي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لمَّا كانَ يومُ خيبر أقبل نفرٌ مِنْ صحابةِ النَّبي ﷺ فقَالوا: فلانٌ شهيد، وفلان شهيد حَتَّى مَرُّوا على رجل فقالوا: فلان شهيدٌ. فقال رسولُ الله ﷺ : "كلا إني رأيته في النارِ في بردة غَلَّهَا أو عباءةٍ" ثمَّ قال رسول الله ﷺ : "يا ابن الخطاب اذهبْ فنادِ في الناسِ أنَّه لا يدخلُ الجنَّة إلا المؤمنون" (١) قال: فخرجتُ فناديت أنَّه لا يدخل الجنَّةَ إلا المؤمنون. وفي البخاري معناه، وفي الصحيحين (٢) عن أبي هريرةَ ﵁ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أمر بلالًا ينادي في الناسِ أنه لا يدخَل الجنة إلا نفس مسلمة وفي لفظ "مؤمنة". وأخرج مسلم (٣) عن عياض بن حمار المجاشعي أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال ذات يومٍ في خطبته: "ألا إنَّ ربِّي أمرني أنْ أعلمكمْ مَا جهلتم ممَّا عَلَّمني يَوْمي هذا كُل مالٍ نَحلْتَهُ عبدًا حلالٌ وإنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُم، وإنّهم أَتَتْهم الشَّياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحَرَّمتْ عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرتهم أنْ يشركوا بي ما لم أنزلْ به سلطانا. وإنَّ اللهَ نظر إلى أهلِ الأرضِ فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتابِ وقال: إنَّما بعثتك لأبتليكَ وأبتلي بكَ، وأنزلتُ عليكَ كتابًا لا يغسله الماء تقرؤه نائمًا ويقظانَ وإنَّ اللهَ أمرني أنْ أُحَرِّقَ قريشًا

стр. 1055

فقلت: ربِّ اذًا يَثْلَغُوا رأسي فيدعوه خبزةً قال: استخرجهم كما استخرجوك (١)، واغزهم نُغْزِكَ، وأنفق فننفق عليكَ، وابعثْ جيشا نبعثْ خمسةً مثله، وقاتلْ بمَنْ أطاعك مَنْ عصاك. قال: وأهل الجنةِ ثلاثةٌ: ذو سلطانِ مقسطٌ متصدق موفق، ورجل رحيئمٌ رقيقُ القلبِ لكلِّ ذي قربى ومسلم، وعفيفٌ متعفف ذو عيال وأهل النار خمسة (٢): الضعيفُ الذي لا زَبْرَ لهُ الذين هم فيكم تبعًا لا يبغون أهلًا ولا مالًا، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دقَّ إلا خانه، ورجلٌ لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعكَ عن أهلك ومالك وذكر البخلَ والكذب والشنظير (٣) الفحَّاش وإنَّ الله أوحى إليَّ أنْ تواضعوا حَتَّى لا يفخر أحدكم على أحدٍ، ولا يبغي أحدٌ على أحد" (٤). وأخرجَ البخاري، ومسلم عن حارثة بن وهب ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ألا أخبرِكم بأهل الجنة؟ كلُّ ضعيف (٥)

стр. 1056

متضغَّف لو أقسم على الله لأبرّه (١). ألا أخبركم بأهْلِ النَّارِ؟ كل عتل (٢) جوّاظ مستكبر" (٣). وأخرج الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "إنَّ أهل النار كل جعظري جوّاظ مستكبر جماع مناع، وأهل الجنة الضِعفاء (٤) المغلوبون" (٥). قوله: "جعظري" بالجيم والعين المهملة والظاء المعجمة الغليظ (٦)، والجوّاظ: هو الجموع المنوع والله أعلم.

стр. 1057

فصل في أنَّ أكثر أهل الجنة هذه الأمّة المطهرة قال رسول الله ﷺ : "أمَا تَرضَون أنْ تكونوا رُبُعَ أهل الجنَّةِ؟ " فكبَّرنا، ثم قال: "أما ترضون أنْ تكونوا ثُلُثَ أهل الجنة؟ " فكبرْنا، ثم قال: "إنِّي لأرجو أنْ تكونوا شطر أهلِ الجنة، وسأخبركم عن ذلك ما المسلمونَ في الكفارِ إلا كشعرة بيضاء في ثورٍ أسود أو كشعرة سوداء في ثور أبيض" رواه البخاري، ومسلم من حديث ابن مسعود ﵁ ولفظ البخاري "كشعرة بيضاء في ثور أسود، وكشعرة سَوداء في ثور أبيض" (١) بغير ألف. وأخرج الإمام أحمد، والترمذي بسند صحيح عن بريدة بن الحصيب ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "أهلُ الجنةِ عشرون ومائة صف هذه الأمة منها ثمانون صفا" (٢) (٣). وأخرج عبدُ اللهِ ولد الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁

стр. 1058

قال: لمَّا نزلت ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾ قال رسول الله ﷺ : "أنتم ربع أهل الجنة، أنتم ثلث أهل الجنة، أنتم نصف أهل الجنة" قال الطبراني: تفرد به ابن المبارك عن الثوري (١). واعلم أنَّه لا تنافي بين هذه الروايات، وبين حديثِ الشَّطر؛ لأنه ﷺ رجا أنْ يكونوا شطر أهل الجنة فأعطاه الله رجاءه، وزاده عليه شيئا آخر قاله في حادي الأرواح. واعلم أنَّ النّساء في الجنة أكثر مِنَ الرِّجالِ كما أنَّ النار كذلك لما ثبت في الصحيحين عن محمد بن سيرين قال: إمَّا تفاخروا وإمَّا تذاكروا، الرِّجَالُ أكثر في الجنةِ أمِ النساء؟ فقال أبو هريرة ﵁: ألم يقل أبو القاسم ﷺ : "إنَّ أوَّل زمرة تدخل الجنةَ علىَ صورة القمر ليلةَ البدرِ والتي تليها على أضوء كوكبٍ دري في السماء لكل منهم زوجتان اثنتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة عزب" (٢). قال في "حادي الأرواح" (٣): فإن كن من نساء الدنيا فالنساء في الدنيا أكثر من الرجال، وإنْ كن من الحور العين لم يلزم أن يكن في الدنيا أكثر، والظاهر أنهن من الحور العين لما رواه الإمام أحمد عن أبي

стр. 1059

هريرة مرفوعًا: "للرجل من أهل الجنة زوجتان من الحور العين على كلّ واحدة سبعون حلة يرى مخ ساقها من وراء الثياب" (١). فإن قيل: كيف هذا مع حديث جابر المتفق عليه: شهدت مع رسولِ الله ﷺ العيد صلى قبل أنْ يخطب بغير أذان ولا إقامة، ثم خطب بعدما صلى فوعظ الناس وذكرهم، ثم أتى النساء فوعظهن ومعه بلال فذكرهن، وأمرهن بالصدقة قال: فجعلت المرأة تلقي خاتمها وخرصها والشئ كذلك فأمر النبي ﷺ بلالًا فجمع ما هناك. قال: "إن منكن في الجنة ليسير" فقالت امرأة: يا رسول الله لم؟ قال: "إنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير" (٢) وفي الحديث الآخر: "إن أقل ساكني الجنة النساء" (٣) (٤). فالجواب كما في حادي الأرواح: إن هذا يدل على أنهن إنما كنّ في الجنة أكثر بالحور العين اللاتي خلقن في الجنة وأقل ساكنيها باعتبار نساء الدنيا فنساء الدنيا أقل أهل الجنة، وأكثر أهل النار (٥). وأخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث عمارة بن خريمة بن

стр. 1060

ثابت قال: كنا مع عمرو بن العاص في حج أو عمرة حَتَّى إذا كنا بمر الظهران فإذا امرأة في هودجها قال: فمال فدخل الشعب فدخلنا معه فقال: كنا مع رسول اللهِ ﷺ في هذا المكان فإذا نحن بغربان كثيرة فيها غراب أعصم أحمر المنقار والرجلين فقال رسول الله ﷺ : "لا يدخل الجنَّة من النساء إلا مثل هذا الغراب في هذه الغربان" (١). قال في حادي الأرواح: الأعصم من الغربان الذي في جناحه ريشة بيضاء. قال الجوهري: ويقال هذا كقولهم: الأبلق: العقوق، وبيض الأنُوق لكلِّ شيء يعزّ وجوده. وفي النهاية (٢): الغراب الأعصم هو الأبيض الجناحين وقيل الأبيض الرجلين أراد قلّة من يدخل الجنة من النساء؟ لأنّ هذا الوصف في الغربان قليل عزيز. وفي حديث آخر: "المرأة الصالحةُ مثل الغراب الأعصم" قيل: وما الغراب الأعصم؟ قال: "الذي إحدى رجليه بيضاء" (٣) وفي حديث آخر: "عائشة في النساء كالغراب الأعصم في الغربان". قلت: فهم مما ذكرنا أن في الغراب الأعصم أربعة أقوال: أحدها: إنَّه الذى إحدى رجليه بيضاء كما في الحديث.

стр. 1061

الثاني: إنه الذي في جناحه ريشة بيضاء. الثالث: إنه أبيض الجناحين. الرابع: إنه أبيض الرجلين، وثم قول خامس ذكره الغزالي في الإحياء قال: والأعصم أبيض البطن. وفي وصيّة لقمان لابنه: يا بني اتق المرأة السّوء فإنَّها تشيبك قبل المشيب، واتق شرار النساء فإنهن لا يدعون إلى خير، وكن من خيارهن على حذر. قال الحسن: والله ما أصبح رجل يطيع امرأته فيما تهوى إلا كبّه الله في النَّارِ. وقال عمر ﵁: خالفوا النّساء فإنَّ في خلافهن البركة. وقد قيل شاورهن، وخالفوهن (١). نكتة: الذي يظهر لي من الدليل والتعليل أنَّ النساء في الدنيا أكثر من الرجال، أمَّا الدليل فأخرج أبو يعلى الموصلي عن أبي هريرة ﵁ قال: حَدَّثنَا رسول الله ﷺ وهو في طائفة من أصحابه فذكَر حديثًا طويلاً وفيه: "فيدخل الرجل منهم على ثنتين وسبعين زوجة مما ينشئ الله، وثنتين من ولد آدم لهما فضل على من أنشأ الله بعبادتهما الله في الدنيا" (٢). وذكر الحديث. ومن المعلوم أن لا عزب في الجنة جزما

стр. 1062

وأما التعليل: فإنَّ الله أحلَّ للرجل أنْ يأخذ أربعة من النّساء، ولا يحل للمرأة أنْ تجمع بين زوجين بخلاف الرَّجل فإن للحرّ أنْ يجمع بين أربع، وللرقيق أن يجمع بين ثنتين والذي يليق بحكمة أحكم الحاكمين، بل الذي تقتضيه الحكمة أن يكون النساء في الدنيا أكثر من الرجالِ؛ لأن فعل البارئ سبحانه مقرون بالحكمة، وليس من الحكمة أن يجعل للكثير جمعًا من القليل، بل الحكمة تقتضي أن يكون الكثير متوزعًا على القليل فلمَّا نظرنا إلى حكمةِ البارئ، ورأيناه جلّ شأنه أحلّ للرجل الجمع بين أربع في آن واحد علمنا أنَّ النّساء أكثر مِنَ الرِّجالِ، وهذه النكتة والتعليل لم أر من سبقني إليها، والظاهر أنَّهم تكلَّموا وإنْ لم أره. والله أعلم. ثم رأيت عبارة لطيفة للإمام ابن عقيل نقلها عنه في "الفروع" (١) ونصه في الفنون قال فقيه: شهوة المرأةِ فوق شهوة الرَّجل تسعة أجزاء، فقال حنبلي: لو كان هذا، ما كان له أنْ يتزوج بأربع، وينكح من الإماءِ ما شاء، ولا تزيد المرأة على رجل، ولها من القسم الرُّبع، وحاشا حكمته أنْ يضيق على الأحوجِ. فهذا فيه تلميح لما ذكرنا والله تعالى أعلم (٢).

стр. 1063

الباب الخامس في تربة الجنة ونورها وغرفها وقصورها وخيامها وما يلحق بذلك أخرج الإمام أحمد عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قلنا: يا رسولَ اللهِ إذا رأيناك رقت قلوبنا، وكنَا من أهل الآخرة، وإذا فارقناكَ أعجبتنا الدنيا، وشممنا النساء والأولاد قال: "لو تكونون على كلِّ حال على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة بأكفهم، ولزارتكم في بيوتكم، ولو لم تذنبوا لجاء اللهُ بقومٍ يذنبون كي يغفر لهم" (١) قال: قلنا: يا رسول الله حَدِّثنَا عن الجنةِ ما بناؤها؟ قال: "لبنة ذهب، ولبنة فضة، وملاطها المسك، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران من يدخلها يَنْعَم لا يَبْأس (٢)، ويخلد لا يموت لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه ثلاثة لا تردّ دعوتهم الإمام العادل، والصائم حَتَّى يفطر، ودعوة المظلوم تحمل على الغمام، وتفتح لها أبواب السموات، ويقول الرب: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد

стр. 1064

حين" (١). قوله: "وملاطها المسك" قال في النهاية: الملاط (٢) الطين الذي يجعل بين ساقي البناء يملط به الحائط أي: يخلط ومنه الحديث: "إن الإبل [يمالطها] الأجرب" أي: [يخالطها]. وفي الصحيحين (٣) عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان أبو ذر ﵁ يحدث أنَّ رسول الله ﷺ قال: "أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك" وهو قطعة من حديث المعراج. قوله: "جنابذ اللؤلؤ" بالجيم والنون المفتوحين، ثم ألف، ثم ذال معجمة القباب وفي "مشارق الأنوار" (٤) للقاضي عياض ما نصه: وفي الحديث: "وإذا فيها جنابذ اللؤلؤ"كذا في كتاب مسلم، وفي البخاري في كتاب الأنبياء (٥) من رواية غير المروزي فسروه بالقباب واحدتها جنبذة بالضم، والجنبذة ما ارتفع

стр. 1065

من البناء وجاء في البخاري في الصَّلاةِ "حبائل اللؤلؤ" وزعم قوم أنَّه تصحيف من جنابذ وقال: في حرف الجاء مع الباء "فيها حبائل اللؤلؤ" كذا لجميعهم في البخاري وفي مسلم "جنابذ اللؤلؤ" وهو الصواب وقد جاء في حديث آخر "حافاته قباب اللؤلؤ" والجنابذ جمع جنبذة وهي القبة وقال من ذهب إلى صحة الرواية: إنَّ الحبائل القلائد العقود، أو يكون من حبال الرمل أي: فيها اللؤلؤ كحبال الرمل أي: وهو ما طال منه وضخم، قال: أو من الحبلة وهو ضرب من الحلي معروف. قال ابن قرقول في "استدراكاته" على القاضي عياض: وهذا كلّه تخييل ضعيف بل هو لا شك تصحيف من الكاتب، والحبائل إنَّما تكون جمع حبالة، أو حبيلة. انتهى. وفي صحيح مسلم (١) عن أبي سعيد ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ سأل ابن صياد عن تربة الجنةِ فقال: درمكة (٢) بيضاء مسكٌ خالص، فقال ﷺ : "صدق". قال سفيان بن عيينة، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد قد

стр. 1066

غلب أصحابك. قال: "وبأي شيء غلبوا؟ " قال: سألهم اليهود: كم عدد خزنة النار؟ فقالوا: لا ندري حَتَّى نسأل نبينا فقال رسول الله ﷺ : "أيغلب قوم سئلوا عمَّا لا يعلمون فقالوا: حَتَّى نسأل نبينا، ولكن هم أعداء الله سألوا نبيهم أنْ يريهم الله جهرة، عليّ بأعداء اللهِ فإنيِّ سائلهم عن تربة الجنة، وإنها درمكة" فلمَّا أنْ جاءوا قالوا: يا أبا القاسم، كم عدة خزنة أهل النَّارِ؟ فقال رسول الله ﷺ بيديه كلتيهما: "هكذا وهكذا" وقبض واحدة أي: تسعة عشر فقال لهم رسول الله ﷺ : ("ما تربة الجنة؟ " فنظرَ بعضُهم إلى بعض فقالوا: خبزة يا أبا القاسم فقال ﷺ : "الخبزة من الدرمك" (١). فحصل من هذه الأحاديث ثلاث صفات في تربتها: قيل: زعفران، أو مسك، أو خبزة. قال في "حادي الأرواح": لا تعارض بينها لإمكان الجمع قال: ذهبت طائفة من السّلف إلى أن تربتها متضمنة للنوعين: المسك، والزعفران. قَالَ: ويحتمل معنين آخرين أحدهما: أنْ يكون التراب من: زعفران فإذا عجن بالماءِ صار مسكًا، والطين يسمى ترابا ويدل على هذا قوله "ملاطها المسك" (٢) والملاط الطين. وفي بعض

стр. 1067

الروايات (١): "ترابها الزعفران وطينها المسك" فلما كانت تربتها طيبة وماؤها طيب وانضم أحدهما إلى الآخرِ حدث لهما طيب آخر فصار مسكا. الثاني: أن يكون زعفرانًا باعتبار لونه، مسكًا باعتبار رائحته، وهذا من أحسن شيء يكون البهجة والإشراق لون الزعفران ورائحة المسك قال: وكذلك تشبيهها بالدرمك، وهو الخبز الصافي الذي يضرب لونه إلى صفرة مع لينها ونعومتها، قال: وهذا معنى ما ذكره سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (٢): "أرض الجنة من فضة، وترابها مسك، فاللون في البياض لون الفضة، والرائحة رائحة المسك". وأخرجَ ابن أبي الدنيا عن أبي هريرةَ ﵁، عن النبي ﷺ قال: "أرضُ الجنةِ بيضاء عرصتها صخورَ الكافور، وقد أحاط به المسك مثل كثبان الرمل، فيها أنهار مطردة، فيجتمع فيها أهل الجنة أدناهم وآخرهم فيتعارفون، فيبعث اللهُ ريحَ الرَّحمةِ، فتهيج عليهم ريح المسك" (٣) الحديث. وأخرج أبو الشيخ عن أبيّ بن كعب ﵁ قال: قال

стр. 1068

رسول اللهِ ﷺ : "قلتُ ليلة أسري بي: يا جبريل إنهم سيسألوني عن الجنةِ؟ قال: فأخبرهم: أنها من درة بيضاء، وأنَّ أرضها عقيان (١) " (٢). قال في "حادي الأرواح": العقيان من الذهب فإن كان [ابن علاثة حفظه] فهي أرض الجنتين الذهبيتين، ويكون جبريل أخبره بأعلى الجنتين والله أعلم (٣).

стр. 1069

فصل وأما نور الجنة، وبياضها فأخرج الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "خلقَ اللهُ الجنة بيضاء، وأحَب الزي إلى اللهِ البياض، فليلبسه أحياؤكم وكفنوا فيه موتاكم". ثم أمر برعاة الشاةِ فجمعت فقال: "من كان ذا غنم سود فليخلط بها بيضًا" فجاءته امرأة فقالت: يا رسول الله: إني اتخذت غنمًا سودًا فلا أراها تنمو. فقال: "عفري" أي: بيضي (١). وأخرجَ أبو نعيم (٢) عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: "إن الله خلق الجنة بيضاء، وإن أحب اللون إلى الله البياض، فليلبسه أحياؤكم، وكفنوا فيه موتاكم". وأخرج عنه أيضًا مرفوعًا (٣): "عليكم بالبياض فإن الله خلق الجنة بيضاء" الحديث. وروى الإمام المحقق في حادي الأرواح عن ابن

стр. 1070

عباس ﵄ أنَّه سُئِلَ: ما أرض الجنَّةِ؟ قال: "مر مرة (١) بيضاء من فضة كأنَّها مرآة". قيل: ما نورها؟ قال: "ما رأيت السّاعة التي تكون فيها قبل طلوع الشمس فذلك نورها إلا أنها ليس شمس ولا زمهرير" الحديث (٢) (٣). وعند ابن ماجه (٤) من حديث أسامة بن زيد ﵄: "هي -يعني: الجنة- ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحاَنة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وتمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، في مقام أبداً، في دار سليمة، وفاكهة، وخضرة، وحبرة، ونعمة في محلة عالية بهية". أخرجه ابن ماجه من حديث الوليد بن مسلم عن محمد بن مهاجر، عن الضحاك المعافري، عن سليمان بن موسى، عن كريب أنَّه سمعَ أسامة يقول: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "ألا هل مشمر للجنةِ فإنَّ الجنةَ لا خطر لها ورب الكعبة نور يتلألأ؟ " وذكر الحديث. وفيه: قال: نعم يا رسولَ اللهِ نحن المشمرون لها. قال: "قولوا: إنْ شاء الله" قال القوم: إنْ شاء الله.

стр. 1071

فصل وأمَّا غرف الجنة، وقصورها، وخيامها، ومقاصيرها قال تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر: ٢٠] فأخبر تعالى أنَّها غُرَف فوق غرف، وأنها مبنية بناء حقيقة؟ لئلا تتوهم النفوس أنَّ ذلك تمثيل، وأنَّه ليس ثَمَّ بناء (١). وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان: ٧٥] والغرفة: جنس كالجنة. وقال: ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧] وقال عن امرأة فرعون: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١]. وأخرجَ الترمذي وقال غريب (عن على كرم الله وجهه) (٢) مرفوعًا: "إن في الجنةِ لغرفًا يرى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها" فقام أعرابي فقال: يا رسول الله لمن هي؟ فقال: "لمن طيب الكلام، وأطعمَ الطَّعامَ، وأدام الصيام، وصلّى بالليلِ والناس نيام" وعند ابن ماجه (٣) عن أبي مالك الأشعري مرفوعًا نحوه.

стр. 1072

وفي "حادي الأرواح" بإسناد حسّنه محمد بن عبد الواحد عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "إنَّ في الجنة غرفًا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها" قال أبو مالك الأشعري: لمَنْ هي يا رسول الله؟ قال: "لمِنْ أطابَ الكلامَ (١)، وأطعم الطَّعامَ (٢)، وبات قانتًا والناس نيام (٣) " (٤). وأخرج البخاري، ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: "إنَّ للمؤمِن في الجنةِ لخيمةً (٥) من لؤلؤةٍ واحدة مجوفة طولها ستون ميلاً للمؤمنِ فيها أهْلُونَ يطوفُ عليهمُ المؤمن (٦) فلا

стр. 1073

يرى بعضهم بعضًا" (١). وقال ﷺ : "من بنى للهِ مسجدًا بنى اللهُ له بيتًا في الجنةِ". حديث صحيح، وتقدم (٢). وأخرجَ البخاري، ومسلم (٣)، وغيرهما عن عبد الله بن أبي أو فى، وأبي هريرة، وعائشة ﵃ أنَّ جبريل ﵇ قال للنبي ﷺ : "هذه خديجة أقرَئها السلام من ربِّها" وأمره أنْ يبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه - أي: لغط، ولا نصب - أي: تعب والقصب هنا اللؤلؤ المجوف.

стр. 1074

وأخرج ابن أبي الدّنيا عن أبي هريرةَ مرفوعًا: "إن في الجنةِ لقصرًا من لؤلؤ ليس فيه صاع، ولا وهن، أعده اللهُ لخليله إبراهيم ﵊" (١). وفي الصحيحين عن أنسٍ ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: "دخلت الجنة فإذا أنا بقصر من ذهب فقلتَ: لمن هذا القصر؟ قالوا: لشاب من قريش. فظننت أني أنا هو فقلت: ومن هو؟ قالوا: لعمر بن الخطاب" (٢). وأخرج البيهقي (٣) عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ في الجنةِ لغرفًا فإذا كان سَاكنها فيها لم يخف عليه ما خلفها، وإذا كان خلفها لم يخف عليه ما فيها" قيل: لمن هي يا رسول الله؟ قال: "لمَنْ أطابَ الكلام، وواصل الصّيام، وأطعم الطعام، وأفشى السلام، وصلى والناس نيام" قيل: وما طيب الكلام؟ قال: "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله كبر فإنها تأتي يومَ القيامة ولها مقدمات، ومجنبات ومعقبات" (٤) قيل: وما وصال الصيام؟ قال: "مَنْ صامَ شهر رمضان، ثم أدرك شهر رمضان فصامه"

стр. 1075

قيل: وما إطعام الطعام؟ قال: "من قات عياله، وأطعمهم" قيل: فما إفشاء السلام؟ قال: "مصافحة أخيك، وتحيته" قيل: وما الصلاة والناس نيام؟ قال: "صلاة العشاء الآخرة" وفيه حفص بن عمر مجهول، وفي "حادي الأرواح" (١) أنَّ ابن عدي ضعفه، وكذا ابن حبان لكن قال: إنَّ حديثه هذا له شواهد (٢)، ثمَّ ذكر من شواهده حديثًا خرجه ابن السماك عن جابر بن عبد الله مرفوعًا فذكر نحوه إلا أنَّه قال: "ومن صام رمضان، ومن كلِّ شهر ثلاثة أيام فقد أدمن الصيام، ومَنْ صلّى العشاء الآخرة في جماعة فقد صلى والناس نيام اليهود، والنصارى، والمجوس" (٣) قال: وهذا وإنْ كان إسناده لا يحتج به وحده فإذا انضم إلى ما تقدم استفاد قوة مع أنَّه روي بإسنادين آخرين أي: والإسناد إذا كان ضعيفًا لم يشتد ضعفه إذا اعتضد ارتقى إلى رتبةِ القبول (٤) وما أحسن قول الشاعر حيث يقول: يا مريض الجفون عذبت قلبا ... كان قبل الهوى قويًا سويا لا تحارب بناظريك فؤادي ... فضعيفان يغلبان قويا

стр. 1076

والمقصود أنَّ الضعيف إذا انضم إلى مثله اكتسبا بانضمامها قوة لم تكن لكل واحد منهما بانفراده وارتقيا إلى رتبةِ القبول والله أعلم.

стр. 1077

فصل قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ [مريم: ٨٥] الوفد: الجماعة الراكبون. أخرج ابن أبي الدنيا (١) عن على كرَّم اللهُ وجهه قال: قلت: يا رسول الله ما الوفد إلا راكب؟ قال النَّبي ﷺ : "والذي نفسي بيده إنَّهم إذا خرجوا من قبورهم استقبلوا بنوق بيض لها أجنحة عليها رحال الذهب شرك نعالهم نور يتلألأ كل خطوة منها مثل مد البصر، وينتهون إلى باب الجنَّةِ فإذا حلقة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهبِ، وإذا شجرة على باب الجنة ينبع من أصلها عينان فإذا شربوا من إحداهما جرتْ في وجوههم نضرة النعيم، وإذا توضئوا من الأخرى لم تشعث [أشعارهم] (٢) أبداً. فيضربون الحلقة [بالصفيحة] (٣) فيسمعون طنينَ الحلقةِ، [يا على] (٤) فيبلغ كلّ حوراء أنَّ زوجها قد أقبل فتسْتخفها العجلة فتستغيث قيمها فيفتح له الباب، فلولا أنَّ الله عرفه نفسه لخرّ [له] (٥) ساجدًا مما يرى من النور والبهاء؟ فيقول: أنا قيمك الذي وكلت بأمرك فيتبعه، فيقفوا أثره فيأتي زوجته، فتستخفها

стр. 1078

العجلة، فتخرج من [الجنةِ] (١)، فتعانقه، وتقول: أنت حبي، وأنا حبك، وأنا الراضية فلا أسخط أبدا، وأنا الناعمة فلا أبأس أبدًا، و [أنا] (٢) الخالدة فلا أظعن أبدًا فيدخل بيتًا من أساسهِ إلى سقفه مائة ألف ذراع مبني على جندل اللؤلؤ، والياقوت طرائق حمر، وطرائق خضر، وطرائق صفر ليس منها طريقة تشاكل صاحبتها، فيأتي الأريكة فإذا عليها سرير على السرير سبعون فراشًا عليها سبعون زوجة على كل زوجة سبعون حلة يرى مخ ساقها من باطن الجلدِ يقضي جماعَهن في مقدارِ ليلة، تجري مِنْ تحتهم أنهارٌ مطردة أنها من ماء غير آسن صافٍ ليس فيه كدر، وأنهار من عسلٍ مصفى لم يخرج مِنْ بطونِ النحلِ، وأنهار من خمرةٍ لذة للشاربين لم تعصره الرِّجالُ بأقدامها، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه لم يخرج من بطون الماشية، فإذا اشتهوا الطَّعامَ جاءتهم طير بيض فترفع أجنحتها، فيأكلون مِنْ جنوبها من أي الألوان شاءوا، ثمَّ يطير فيذهب، فيها ثمار متدلية إذا اشتهوها انبعث الغصن إليهم، فيأكلون من أي الثمار شاءوا إنْ شاء قائمًا، وإنْ شاء متكئًا، وذلك قوله : ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ [الرحمن: الآية ٥٤] وبين أيديهم خدمٌ كاللؤلؤ" (٣). قال في "حادي الأرواح" (٤): هذا حديث غريب، وفي إسنادهِ

стр. 1079

ضعف، وفي رفعه نظر، والمعروف أنَّه موقوف على عليّ كرّم الله وجهه انتهى. قلت: إذا صَحَّ عَنْ عليّ فحكمه الرفع؛ لأنَّ مثله لا يقال من قبل الرأي جزمًا والله الموفق. وأخرج أبو نعيم عن الضحاك قال: إذا دخلَ المؤمنُ الجنَّةَ دخل أمامه ملك فأخذ به في سككها فيقول له: انظر ما ترى؟ قال: أرى أكثر قصور رأيتها من ذهب، وفضة، وأكثر أنيس فيقول له الملك: فإنَّ هذا أجمع لك حَتَّى إذا رفع إليهم استقبلوه من كلِّ باب، ومن كل مكان نحن لك نحن لك ثُم يقول: امش فيقول له: ماذا ترى؟ فيقول: أرى أكثر عساكر رأيتها من خيام، وأكثر أنيس قال: فإنَّ هذا أجمع لك فإذا رفع إليهم استقبلوه يقولون: نحن لك نحن لك. وأخرجَ الشيخان (١) عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ليدخلن الجنة من أمّتي سبعون أَلفا، أو سبعمائة ألف متماسكون آخذ بعضهم ببعض لا يدخل أوّلهم حَتَّى يدخل آخرهم (٢) على صورة القمرِ ليلة البدرِ" والله أعلم (٣).

стр. 1080

الباب السادس في صفة أهل الجنة وأعلاهم وأدناهم منزلة وتحفتهم إذا دخولها أمَّا صفتهم فأخرج الإمامُ أحمد (١) عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خلق الله آدم على صورته (٢) طوله ستون ذراعًا فلمَّا خلقه قال له: اذهب فسلم على أولئك النفر وهم نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك فإنَّها تحيتك، وتحية ذريتك (٣). قال: فذهب فقال: السلام عليكم فقالوا: السلام (٤) عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله قال: فكل من يدخل الجنة على صورة آدم طوله ستون ذراعا فلم يزل ينقص الخلق بعد حَتَّى الآن (٥). متفق عليه. وأخرج الإمام أحمد (٦) عنه ﵁ قال: قال رسول الله

стр. 1081

- ﷺ : "يدخل أهل الجنَّةِ الجنةَ (١) جردا مردا (٢) بيضا جعادا مكحلين (٣) أبناء ثلاث وثلاثين، وهم على خلق آدم ستون ذراعا في عرض سبعة أذرع" قيل تفرد به حماد عن على بن يزيد. وفي جامع الترمذي عن معاذ بن جبل ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: "يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا مكحلين بني ثلاث وثلاثين" قال الترمذي: حسن غريب (٤). وأخرج أبو بكر بن أبي داود عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يبعث أهل الجنة على صورةَ آدم في ميلاد ثلاث وثلاثين سنة جردا مردا مكحلين، ثم يذهب بهم إلى شجرة في الجنة فيكسون منها لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم" (٥) وأخرج الترمذي عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن مات مِن أهل الجنة مِن صغير أو كبير يردون بني ثلاثين سنة في الجنةِ لا يزيدون عليها أبدا، وكذلك أهل النار" (٦) (٧).

стр. 1082

قال في "حادي الأرواح" (١): فإنْ كان هذا محفوظا لم يناقض ما قبله فإن العرب إذا قدرت بعدد له نيف فإن لهم طريقتين تارة يذكرون النيف للتحديد، وتارة يحذفونه، وهذا معروف في كلامهم وخطاب غيرهم من الأمم انتهى. والحاصل أنَّه ألْغَى الكسر وهو كثير في كلام الشارع جدًا والله أعلم. وأخرجَ ابن أبي الدنيا (٢) عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يدخل أهل الجنة على طولِ آدم سَتين ذراعَا بذراع الملك، على حسن يوسف، وعلى ميلاد عيسى ثلاث وثلاثين سنة، وعلى لسان محمد جرد مرد مكحلون" (٣). وأخرجَ الطبراني عن المقداد بن الأسود مرفوعًا: "يحشر الناس ما بين السقط إلى الشيخ الفاني أبناء ثلاث وثلاثين في خلق آدم، وحسن يوسف، وقلب أيوب مكحلين ذوي أفانين أي: شعور وجمم" (٤). قال الإمام العلامة: ولعل المراد بقوله: "يحشر الناس" أي: عند دخول الجنةِ، وإلا فالأطفال يأتون الموقف كهيئتهم وعند الدخول يكونون في الجنةِ كالبالغين. انتهى والله أعلم.

стр. 1083

هذا خلقهم، وأمَّا أخلاقهم فقد قال الله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧)﴾ [الحجر: الآية ٤٧] فأخبر عن قلوبهم، وتلاقي وجوههم. وفي الصّحيحين (١): أخلاقهم على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم ستون ذراعًا في السَّماء. والرواية على خلق بفتح الخاء، وسكون اللام. قال في "حادي الأرواح": والأخلاق كما تكون جمعًا للخلق بالضم فهي جمع للخلق بالفتح، والمراد [تساويهم] (٢) في الطول، والعرض، والسن وإنْ تفاوتوا في الحسنِ والجمالِ ولهذا فسره بقوله: "على صورة أبيهم آدم ستون ذراعًا في السماء". وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁: "أوّل زمرة تلج الجنَّة" الحديث. وقد تقدم وفيه: "لا اختلاَف بينهم ولا تباغض، قلوبهم على قلب واحد يسبحون الله بكرة وعشيّة" وكذلك وصف الحق سبحانه نساءهم بأنّهنّ أترابا. قال في "حادي الأرواح": أي في سن واحد ليس فيهن العجائز، والشواب قال: وفي هذا الطول، والعرض، والسن من الحكمة ما لا يخفى فإنَّه أبلغ وأكمل في استيفاء اللذة؛ لأنَّه أكمل من القوةِ مع عظم آلات اللذة، وباجتماع الأمرين يكون كمال

стр. 1084

اللذة، وقوّتها بحيث يصل في اليوم الواحد إلى مائة عذراء. كما سيأتي إنْ شاء الله ولا يخفى التناسب الذي بين الطول والعرض وأنَّه لو زاد أحدهما على الآخر فات الاعتدال، وتناسب الخلقة، ويصير طولا مع رقة، أو غلظا مع قصر وكلاهما غير مناسب. وقال القرطبي في "التذكرة" (١): تكون الآدميات في الجنة على سن واحد، وأمَّا الحور فأصناف مصنفة صغار وكبار على ما أشتهت أنفسُ أهل الجنَّةِ. انتهى والله أعلم. تنبيه: زعم بعضُ الناسِ أنَّه يدخل الجنة سيدنا آدم، وموسى، وهارون وسيدنا إبراهيم الخليل، وسيدنا أبو بكر الصديق، وزاد بعضُهم نوحًا عليهم الصلاة والسلام بلحية، (ونظم بعضهم) (٢) ذلك في أبيات من الشعر، وكل هذا كذب مفترى: أنشدنا شيخنا العلامة الشيخ محمد العجلوني الشافعي قال: أنشدنا شيخنا علاّمة وقته الشيخ أبو رميلة التميمي الخليلي لنفسه في المسجد الأقصى سنة ١٠٨٩ قال رحمه الله تعالى: وستة ليستْ لأهل الجنَّةِ ... لا بول لا غائط لا أجنّة كذاك لا نومَ ولا أسنانا ... ولا لحى أيضًا كما أتانا واستثن منهم ستّة قد خصّوا ... بلحية قد جاء فيهم نصّ هم آدم ونوح إبراهيم ... هارون والصّديق والكليم قلتُ: أمَّا كون أهل الجنة لا بول لهم ولا غائط فهذا حقّ صحيح،

стр. 1085

وكذا لا أجنّة أي: لا يولد لأهل الجنةِ أولاد، ولا ينامون كما يأتي، وليس لأحد منهم لحية البتة، وما ذكرنا عن بعضِهم لا أصل له إذ لم يثبت ذلك عن حضرة الرسالة جزمًا. نعم ورد في آدم، وموسى، وهارون أحاديث موضوعة، وأخبار مصنوعة لا يعوّل عليها، ولا ينظر إليها، وقد ذكرها الإمام الحافظ ناصر السنة ابن الجوزي في "الموضوعات" (١) وللبرهان الناجى في ذلك مصنّف لطيف وقفت عليه، وتأملته، ولخصته، وزدت عليه زوائد حسنة حكم فيه ببطلان ما ورد في هذا الباب فهذا كلام أهل الأثر طافح ببطلان ذلك. قال الإمام الحافظ ناصر السّنة ابن الجوزي طيب الله ثراه في كتابه "الموضوعات" (٢) بعد أن حكم ببطلان كون لموسى ﵇ لحية ما نصّه: قلت: ووضع هذا الحديث وضع قبيح؛ لأنَّه لو كان معظما باللحية لكان نبينا أحق، ثم إنه متى كان الناس على حالةٍ وانفرد واحد بغير حالتهم كان ذلك كالعار عليه، والشهرة له فلا فائدة في ذلك انتهى. وقد أجاب الإمامُ الحافظ ابن حجر العسقلاني قدس الله روحه مَنْ سأله أنَّه ورد في بعضِ كتب الفرس أن للخليل، وأبي بكر لحية في الجنَّةِ بأنه لم يثبت ذلك، ولا أعرف ذلك في شيء من كتب الحديث المشهورة والأجزاء المنثورة. انتهى.

стр. 1086

فبطل أنْ يكون لأحدٍ في الجنةِ لحية البتة ولذا قلت في معارضة من زعم أن لمن ذكر لحية: لعمرك أهل الخلد مرد جميعهم ... كما صحّ في أخبار خير البرية وما قيل في موسى الكليم وصنوه ... وآدم والصديق ليس بمثبت (١) كذاك خليل الله ما صحَّ أنَّه ... يرى في جنات الخلدِ يومًا بلحية وأما قوله: "ولا أسنان" هذا مما أتعبت نفسي في تصفح الطروس، والبحث في الدروس، ومراجعة الأساطين، ومراسلة الجهابذة الراسخين، وتأمل الدفاتر، وكشف الذخائر فلم أقف لذلك على أصل، ولم أظفر فيه بنقل لا بسند صحيح [ولا] (٢) ضعيف ولا حسن ولا باطل ولا نحيف، وقد طالبت شيخنا بالأصل الوارد في ذلك، فحسر عليه، فقلت: إنْ لمْ يظهر لنا دليل هذا فلا ننظر إليه فإني والله لم أر فيه بعد شدة الفحص، ونصب النفس أثرًا سوى أقاويل كحكايات الأولاد، ومثل هذا إنما يثبت بصحة سنده عن خير العباد فإن رأينا الدليل الثابت فهو المراد، وإلا فهو عندنا مردود سيما وقد ورد خلافه بأنه تضيئ الجنة من حسن ثنايا الحور العين. فإن قيل: لا يلزم أن تعيين الحور العين كأولاد آدم. قلنا: بل هم سواء حينئذٍ، والله تعالى أعلم.

стр. 1087

فصل وأما أعلى أهل الجنة منزلة فهو نبينا محمد ﷺ . قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة ٢٣٥] قال مجاهد وغيره: منهم من كلَّم الله موسى، ورفع بعضَهم درجات هو محمد (١) ﷺ ، وفي حديث الإسراء المتفق عليه أنَّه ﷺ لمَّا جاوز موسى قال: "رب لم أظن أن يرفع على أحد" ثم علا فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حَتَّى جاوز سدرة المنتهى. وفي صحيح مسلم (٢) عن عمرو بن العاص أنَّه سمعَ النَّبي ﷺ يقول: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صَلوا عليّ فإنَّه مَنْ صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشرًا، ثمَّ سَلُوا لي الوسيلةَ، فإنَّها منزلةٌ في الجنةِ لا تنبغي إلا لعبدِ مِنْ عبادِ الله وأرجو أنْ أكونَ أنا هو فَمَنْ سَأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة". وفي صحيح مسلم أيضًا عن المغيرة بن شعبة مرفوعًا: "إنَّ موسى ﵇ سأل ربَّه: ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ فقال: (يعني الله رجل (أي: هو رجل) يجيء بعدما دخل أهلُ الجنةِ الجنَّة فيقال له: ادخل الجنة. فيقول: رب كيف وقد نزل الناس منازلهم

стр. 1088

وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملِك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب. فيقول: لك ذلك، ومثله، ومثله، ومثله. فقال في الخامسة: رضيت رب. قال: رب فأعلاهم منزلة. قال: أولئك الذين أردت غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها فلم ترعين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر" (١). وأخرج الترمذي عن ابن عمر ﵄ عن النَّبي ﷺ أنه قال: "إنَّ أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظرَ إلى خيامه، وأزواجه، ونِعَمِهِ، وخدمه، وسرره مسيرة ألف سنة، وكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة (٢) وعشية، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة] (٣) ولهذا الحديث طرق، وروي موقوفًا على ابن عمر، ومرفوعًا كما هنا والله أعلم. وأما أدنى أهل الجنةِ منزلة، وليس فيها دني فأخرج الإمام أحمد عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أدنى أهل الجنة منزلة له سبع درج، وهو على السادسة، وفوق السابعة، وإن له لثلاثمائة خادم، ويغدا عليه وبراح كلّ يوم بثلاثمائة صحفة - ولا أعلمه إلَّا قال: من (ذهبٍ) (٤) - في كل صحفة لون ليس في

стр. 1089

الأخرى، وإنَّه ليلذ أوله كما يلذ آخره. ومن الأشربة ثلاثمائة إناء في كلّ إناء لون ليس في الآخر وإنه ليلذ أوله كما يلذ آخره، وإنه ليقول (١): رب (٢) لو أذنت لي لأطعمت أهل الجنَّة، وسقيتهم لم ينقص مما عندي شيئًا وإن له من الحور العين لاثنتين وسبعين زوجة سوى أزواجه من الدُّنيا، وإنَّ الواحدة منهن ليأخذ مقعدها قدر ميل من الأرض" (٣) (٤). قال في "حادي الأرواح" (٥): فيه سكين بن عبد العزيز ضعفه النسائي، وفيه شهر بن حوشب وضعفه مشهور. قال: والحديث منكر مخالف للأحاديث الصَّحيحة، فإن طول ستين ذراعًا لا يحتمل أن يكون مقعدة صاحِبِهِ بقدر ميل من الأرض. قلت: ليس من كانت بهذه المثابة من الجمال بشيء، بل رؤية هذه تزيل العقل والذي في الصحيحين "في أوَّل زمرة تلج الحنَّة لكل امرئ منهم زوجتان من الحور العين" (٦) فكيف يكون لأدناهم ثنتان وسبعون من الحور العين وأقل ساكني الجنَّة نساء الدنيا؟ فكيف يكون لأدنى أهل الجنَّةِ جماعة منهن؟ كذا في "حادي الأرواح" (٧).

стр. 1090

قلتُ: ليس في الحديث إلَّا أنّ له اثنتين وسبعين من الحور العين سوى أزواجه من الدُّنيا يعني سوى أزواجه الكائنة في الدنيا لا أنه كلّ إنسان في الجنَّة له أزواج من نساء الدنيا، وكون أوّل زمرة تلج الجنَّة لكلِّ واحد منهم زوجتان من الحور العين لا ينافي أنْ يكون له أكثر من ذلك إذ العدد لا مفهوم له، فتأمل على أن شهر بن حوشب وثقه جماعة وحسّنوا له، لكن خالف الثقات هنا فرد حديثه والله أعلم. فصل وأمَّا تحفة أهل الجنَّةِ إذا دخلوها فزيادة كبد النون. كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (١) عن ثوبان ﵁ قال: كنت قائمًا عند رسول الله ﷺ فجاء حبر من أحبار اليهود ففال: السَّلام عليكَ يا محمد فدفعته دفعةً كاد يصرع منها فقال: لم تدفعني؟ فقلت: ألا تقول يا رسول الله! فقال اليهودي: إنّما ندعوه باسمه الذي سمَّاه به أهلُه فقال ﷺ : "إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي فقال اليهودي: جئتُ أسألك: فقال له ﷺ : "أينفعك شيء إن حدثتك" قال: اسمع بأذني فنكثَّ رسول الله ﷺ بعود معه فقال: "سل" فقال اليهودي: أين تكون الناس يوم تبدل الأرضُ غير الأرض، والسموات؟ فقال ﷺ : "هم في الظلمة دون الجسر" قال: فَمَن أوّل
следующие страницы →