← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 132973

البحور الزاخرة في علوم الآخرة

السفاريني

Полный текст (1 621 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

والصحيح هو المتفق على صحته والله أعلم (١). روى ابن مسلم عن خليد عن الحسن في قوله تعالى: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ ترى أي: تشاهد وتنظر وذكر أيضاً عن قتادة قال: "أبواب يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، تتكلم وتكلم وتفهم ما يقال لها: انفتحي انغلقي" (٢). وأخرج أبو الشَّيخ عن عبد الله أن غياث الفَزَاريُّ قال: "لكل مؤمن في الجنَّة أربعة أبواب: فباب يدخل عليه زواره من الملائكة، وباب يدخل عليه أزواجه من الحور العين، وباب مقفل فيما بينه وبين أهل النار يفتحه إذا شاء ينظر إليهم لتعظم النعمة عليه وباب فيما بينه وبين دار السَّلام يدخل فيه على ربه إذا شاء" (٣). قلت: ومراده قطعًا أبواب منزله في الجنَّة لا أبواب الجنَّة كما لا يتشبه على ذي فهم والله أعلم. ومن "حادي الأرواح" عن أنس مرفوعًا "أنا أول من يأخذ حلقة باب الجنَّة ولا فخر" (٤) وفي حديث الشفاعة عنه أيضاً أن رسول الله ﷺ قال: "يأخذ بحلقة باب الجنَّة فأقعقعها" (٥). قال المحقق: وهذا صريح في أنَّها حلقة حسية تقعقع وتحرك قال:

стр. 982

ويُذكر عن على كرم الله وجهه: من قال: لا إله إلَّا الله الملك الحق المبين في كل يوم مائة مرَّة كان له أمان من الفقر وأؤمن من وحشة القبر واستجلب بها الغناء واستقرع به باب الجنَّة (١). قال: ولما كانت الجنان درجات بعضها فوق بعض كانت أبوابها كذلك وباب الجنَّة العالية أوسع من باب الجنَّة التي تحتها وكلما علت الجنَّة اتسعت فعاليها أوسع مما دونه وَسعت الجنان بحسب وسع الجنَّة قال: ولعل هذا وجه الخلاف الذي جاء في مسافة ما بين مصراعي الباب. قال: ولهذه الأمة باب مختص بهم يدخلونها منه دون سائر الأمم. أخرج الإمام أحمد عن عمر ﵄: أن النَّبيَّ ﷺ قال: "باب أمتي الذي يدخلون منه الجنَّة عرضه مسيرة الرَّاكب ثلاًثا ثم إنهم يضغطون عليه حتَّى تكاد مناكبهم تزول" (٢). قوله: يضغطون أي يزدحمون حتَّى يحصل لهم بسب ذلك ضيق وقهر من شدة الزحمة والمراد أنَّه مع سعته يكون عليه ازدحام والله أعلم. وأخرج الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁: عن النَّبيِّ أنَّه قال: "أتاني جبريل فأخذ بيدي فأراني باب الجنَّة الذي تدخل منه أمتي" (٣).

стр. 983

الحديث. قال: في "حادي الأرواح" (١): روينا في "معجم الطبراني" أن لقيط بن عامر خرج وافدًا إلى رسول الله ﷺ قال: قلت: يا رسول الله فما الجنَّة والنَّار؟ قال: "لعمر إلهك إن للنار سبعة أبواب ما منهن بابان إلَّا يسير الراكب بينهما سبعين عامًا وأن للجنة ثمانية أبواب ما منهن بابان إلَّا يسير الراكب بينهما سبعين عامًا" (٢). وذكر الحديث بطوله ثم قال: وهذا الظاهر منه أن هذه المسافة بين الباب والباب لأنَّ ما بين مكّة وبصرى لا يحتمل التقدير بسبعين عامًا. ولا يمكن حمله على باب معين لقوله: ما منهن بابان. قلت: وإلى هذا أشار المحقق في النونية بقوله: أبوابها حقاً ثمانية أتت ... في النَّصُّ وهي لصاحب الإحسان باب الجهاد وذاك أعلاها وباب ... الصوم يدعى الباب بالريان ولكل سعي صالح باب ورُب السعي ... منه داخل بأمان ولسوف يدعى المرء من أبوابها ... جميعاً إذا وافى حلي الإيمان منهم أبو بكر هو الصِّديق ذاك ... خليفة المبعوث بالقرآن وسبعون عامًا بين كل اثنين منها ... قدرت بالعدو إلحان هذا حديث لقيط المعروف بالخبر ... خبر الطويل وذا عظيم الشأن وعليه كل جلالة ومهابة ... ولكم حواه بعد من عرفان لكن بينهما مسيرة أربعين ... رواه حبره الأمة الشيباني ومسند بالرَّفع وهو لمسلم ... وقف كمرفوع بوجه ثاني

стр. 984

ولقد روى تقديره بثلاثة ... أيَّام لكن عند ذي العرفان أعني البُخاريّ الرضى هو منكر ... وحديث راويه فذو نكران (١) فبين ﵀ ورضي عنه أن بين كل بابين مسيرة سبعين عامًا، وبين كل مصراعين من تلك الأبواب مسيرة أربعين يومًا، وبين أن البُخاريّ ينكر حديث تقدير ما بين المصراعين بثلاثة أيَّام راويه يروي الحديث المنكرات والله أعلم.

стр. 985

فصل في مفتاح الجنَّة وأعلم أن الباب لابد له من مفتاح، وأن مفتاح الجنَّة هي كلمة الإخلاص وهي شهادة أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا ﷺ عبده ورسوله. أخرج الإمام أحمد عن معاذ بن جبل ﵁ مرفوعًا: "مفتاح الجنَّة شهادة أن لا إله إلَّا الله" (١). قال الحافظ ابن رجب في كتابه "التوحيد": إسناده منقطع وسنده صحيح. البُخاريّ عن وهب بن منبه: أنَّه قيل له: أليس مفتاح الجنَّة لا إله إلَّا الله؟ قال: بلى ولكن ليس من مفتاح إلَّا له أسنان فإن أتيت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح (٢). وأخرج أبو نعيم عن أنس ﵁ قال: قال أعرابي: يا رسول الله ما مفتاح الجنَّة؟ قال: "لا إله إلَّا الله" (٣). وأخرج أبو الشَّيخ عن مجاهد عن يزيد بن شجرة قال: "إن

стр. 986

السيوف مفاتيح للجنة" (١). وفي المسند عن معاذ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أدلك على باب من أبواب الجنَّة؟ " قلت: بلى. قال: "لا حول ولا قوة إلَّا بالله" (٢). قال في حادي الأرواح (٣): ولقد جعل الله لكل مطلوب مفتاحًا يفتح به فجعل مفتاح الصَّلاة الطهارة كما قال ﷺ مفتاح الصَّلاة الطهور (٤) ومفتاح الحج الإحرام، ومفتاح البر الصدق، ومفتاح الجنَّة التَّوحيد، ومفتاح العلم حسن السؤال، وحسن الإصغاء، ومفتاح النصر والظفر الصبر، ومفتاح المزيد الشكر، ومفتاح الولاية المحبة، ومفتاح المحبة الذكر، ومفتاح الفلاح التقوى، ومفتاح التوفيق الرغبة والرهبة، ومفتاح الإجابة الدعاء، ومفتاح الإيمان التفكر فيما دعا الله عباده إلى التفكر فيه، ومفتاح الدخول على الله سلامة القلب، وسلامته له والإخلاص له في الحب والبغض والفعل والترك، ومفتاح حياة القلب تدبر القرآن والتضرع بالأسحار وترك الذنوب والأوزار، ومفتاح حصول الرحمة الإحسان في عبادة الخالق والسعي في نفع

стр. 987

عبيده، ومفتاح حصول الرزق السعي مع الاستغفار والتقوى، ومفتاح العز طاعة الله ورسوله، ومفتاح الاستعداد للآخرة قصر الأمل، ومفتاح كل خير الرغبة في الله والدار الآخرة، ومفتاح كل شر حب الدُّنيا وطول الأمل وهذا باب عظيم من أنفع أبواب العلم لمعرفة مفاتيح الخير والشر فإن الله جعل للخير وللشر مفتاحًا وبابًا يدخل منه إليه، كما جعل الشرك والكبر والإعراض عما بعث الله به رسوله والغفلة عن ذكره والقيام بحقه مفتاحًا للنار، والخمر مفتاح كل إثم، والغناء مفتاح الزنا، وإطلاق النظرة في الصور مفتاح المطلب، والعشق والكسل والراحة مفتاح الخيبة والحرمان، والمعاصي مفتاح الكفر، والكذب مفتاح النفاق، والشح والحرص مفتاح البخل، وقطيعة الرحم وأخذ المال من غير حله والإعراض عما جاء به الرسول مفتاح كل بدعة وضلالة فسبحان مسبب الأسباب والله الموفق وإلى المفتاح أشار في النونية بقوله (١): هذا وفتح الباب ليس بممكن ... إلَّا بمفتاح على أسنان مفتاح بشهادة الإخلاص والتوحيد ... تلك شهادة الإيمان أسنانه الأعمال وهي شرائع الإسلام ... والمفتاح بالأسنان لا تلغين هذا المثال فكم به ... من حل إشكال لذي العرفان

стр. 988

الباب الثَّاني في مكان الجنَّة ومنشورها وتوقيعها وتوحد طريقها قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾ [النجم: ١٣ - ١٥]. قال في "حادي الأرواح": وقد ثبت أن سدرة المنتهى فوق السماء وسميت بذلك لأنَّه ينتهي إليها ما ينزل من عند الله فيقبض منها وما يصعد إليه فيقبض منها وقال جل ذكره: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ [الذاريات: الآية ٢٢]. قال مجاهد: الجنَّة (١)، وقال ابن المنذر عن مجاهد هو الجنَّة والنَّار (٢). قال المحقق: وهذا يحتاج إلى تفسير فإن النَّار في أسفل سافلين ليست في السماء، ومعنى هذا ما قاله في رواية ابن أبي نجيح عنه. وقاله أبو صالح عن ابن عباس ﵄: الخير والشر كلاهما يأتي من السماء؛ وعلى هذا المعنى: أسباب الجنَّة والنَّار بقدر ثابت في السماء من عند الله (٣). وأخرج أبو نعيم عن عبد الله بن سلاّم ﵁ قال: إن

стр. 989

أكرم خلق الله أبو القاسم ﷺ وإنَّ الجنَّة في السماء (١). ورواه معمر بن راشد عن محمَّد بن أبي يعقوب مرفوعًا. وقال ابن عباس ﵄: الجنَة في السماء السابعة، ويجعلها حيث شاء يوم القيامة، وجهنَّم في الأرض السابعة (٢). وأخرج ابن مندة عن عبد الله (٣) قال: الجنَة فوق السماء الرابعة، فإذا كان يوم القيامة جعلها الله حيث شاء. والنَّار في الأرض السابعة، فإذا كان يوم القيامة جعلها الله حيث شاء. وقال مجاهد: قلت لابن عباس: أين الجَنَّةُ؟ قال: فوق سبع سموات قلت: فأين النَّار؟ قال: تحت سبعة أبحر مطبقة (٤). رواه ابن منده. وأمَّا الأثر الذي قد رواه ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمرو ﵂ قال: الجنَّة مطوية (٥). يظهر منه التناقض بين أول كلامه وآخره. قال المحقق: ولا تناقض فيه. فإن الجنَّة المعلقة بقرون الشَّمس ما يحدثه الله سبحانه بالشمس كل سنة مرَّة من أنواع الثمار والفواكه جعله الله مذكرًا لتلك الجنَّة. وإلا فالجنَّة التي عرضها السموات والأرض ليست معلقة بقرون الشَّمس وهي فوق الشَّمس وأكبر منها.

стр. 990

وفي الصحيحين عنه ﷺ أنَّه قال: "إن الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض" (١) وهذا يدل على أنَّها في غاية الصعد والارتفاع. قال المحقق: والحديث له لفظان هذا أحدهما. والثَّاني: "إن في الجنَّة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض أعدها الله للمجاهدين في سبيله" (٢) قال وشيخنا يعني شيخ الإسلام ابن تيمية يرجح هذا اللفظ. (٣) وهو لا ينافي أن يكون درج الجنة أكثر من ذلك. ونظير هذا: "إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنَّة" (٤) أي: من جملة أسمائه هذا القدر. قال: ويدل هذا على أن منزلة نبينا محمَّد ﷺ فوق هذا كله، في درجة في الجنَّة ليس فوقها درجة، وتلك المائة تنالها آحاد أمته ﷺ كالمجاهد والجنة مقببة، أعلاها أوسعها وأوسطها وهو الفردوس، [وسقف] (٥) العرش، كما قال ﷺ : "إذا سألتم الله

стр. 991

فاسألوه الفردوس، فإنَّه وسط الجنَّة، وأعلى الجنَّة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنَّة" (١). قال المحقق (٢) قال شيخنا أبو الحجاج المزي: والصَّواب رواية من رواه -فوقه- بضم القاف على أنَّه اسم لا ظرف، أي وسقفه عرش الرحمن، فإن الكرسي وسع السموات والأرض، والعرش أكبر منه؟ فالجواب: لما كان العرش أقرب إلى الفردوس مما دونه من الجنان، بحيث لا جنة فوقه دون العرش كان سقفاً له، دون ما تحته من الجنان، ولعظم الجنَّة وغاية ارتفاعها يكون الصعود من أدناها إلى أعلاها بالتدريج شيئًا فشيئاً، ودرجة فوق درجة كما يقال لقارئ القرآن "اقرأ وارق فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها" (٣) وهذا يحتمل شيئين: أن تكون منزلته عند آخر حفظه، أو أن تكون عند آخر تلاوته لمحفوظه، انتهى كلامه في حادي الأرواح وفهم مما ذكرنا إشكالين، أحدهما: أن العرش ليس هو سقفاً للفردوس فقط بك غير الفردوس كهي. والجواب: أن الفردوس أعلى الجنَّة، وأن العرش سقفه حقيقة، وأمَّا غير الفردوس فبينه وبينه حائل، فالفردوس سقف لما تحته وهلم جرا، والعرش سقف للفردوس، فالفردوس وسقفه سقف لما تحته، وهكذا، الثَّاني: أن الكرسي تحت العرش، والعرش فوقه، فكيف يكون العرش سقفاً للجنة دون الكرسي؟ والجواب عن هذا: أن الجنَّة

стр. 992

فوق السماء السابعة كما أن الكرسي فوقها، فيكون العرش سقفاً للجنة والكرسي معًا، ويكون الكرسي محاذياً للجنة، وفي كلام شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: أن العرش سقف المخلوقات، وهو عال عليها من جميع الجوانب والجهات. أو نقول: الكرسي قدام العرش وأمامه، ولا يلزم من هذا أن يكون سقفاً للجنة، إذ العرش أكبر وأعظم من الجنَّة، إذ ليس في مخلوقات الله أعظم من العرش، ومن ثم يمتدح به تعالى، يقول: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥)﴾ [البروج: ١٥] ﴿إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢)﴾ [الإسراء: ٤٢]. إلى غير ذلك من الآيات والآثار والله الموفق.

стр. 993

فصل وأخرج الطّبرانيّ عن سلمان الفارسي ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : لا يدخل الجنَّة أحد إلَّا بجواز بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: هذا كتاب من الله لفلان بن فلان، ادخلوه جنة عالية قطوفها دانية" (١). ورواه ابن منده أيضاً. قال الإمام المحقق: قلت: وقع المؤمن في قبضة أصحاب اليمين يوم القبضتين ثم كتب من أهل الجنَّة يوم نفخة الروح فيه، ثم يكتب في ديوان أهل الجنَّة يوم موته، ثم يعطى هذا المنشور يوم القيامة، والله المستعان. وفي كلام الرب جل ثناؤه: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١)﴾ [المطففين: ١٨ - ٢١]، أخبر تعالى: إن كتاب الأبرار كتاب مرقوم تحقيقاً لكونه مكتوباً كتابة حقيقية، وخص كتاب الأبرار بأنه يكتب ويوقع لهم به بمشهد المقربين من الملائكة والنبيين وسادات المؤمنين، ولم يذكر هذا لكتاب الفجار تنويهاً بكتاب الأبرار وما وقع لهم به وإشهاداً وإظهاراً بين خواص خلقه كما تكتب الملوك تواقيع من تعظمه من الأمراء وخواص أهل المملكة تنويهاً باسم المكتوب له

стр. 994

وإشادة بذكره: وفي مسند الإمام أحمد وصحيح ابن حبان وأبي عوانة الإسفراييني من حديث البراء بن عازب ﵁ المتقدم، فيقول الله جل وعلا: "اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإنّي منها خلقتهم، وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى" (١) والله أعلم.

стр. 995

فصل في توحيد طريق الجنَّة أعلم أن الله قد سد جميع الطرق، إلَّا طريقًا بينه المصطفى ﷺ فلا يوصل إلى الله إلَّا من طريقه وطريق أنبيائه وهي طريق واحدة. قال في "حادي الأرواح": هذا مما اتفقت عليه الرسل من أولهم إلى خاتمهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وأمَّا طرق الجحيم فأكثر من أنت تحصى، ولهذا يوحد سبيله، ويجمع سبيل النَّار، كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. وقال ابن مسعود ﵁ خط لنا رسول الله ﷺ خطاً وقال: "هذه سبيل الله، ثم خطأ خطوطاً عن يمينه، وعن يساره، ثم قال: هذه سبل الله وعلى (١) كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ (٢) الآية. فإن قيل قال الله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ فالجواب: هي سبل تجمع في سبيل واحد وهي بمنزلة الجوادّ والطرق في الطَّريق الأعظم فهذه هي شعب الإيمان تجمعها

стр. 996

الإيمان كما أن ساق الشجرة يجمع أغصانها وهذه السبل هي إجابة لداعي الله بتصديق خبره وطاعة أمره فطريق الجنَّة إجابة الداعي إليها ليس إلَّا. وروى البُخاريّ في صحيحه عن جابر ﵁ قال: جاءت ملائكة إلى النَّبيّ ﷺ فقال بعضهم: إنَّه نائم وقال بعضهم: العين نائمة والقلب يقظان وقالوا: إنَّ لصاحبكم هذا مثلًا فاضربوا له مثلًا وقالوا: مثله مثل رجل بني دارًا وجعل فيها مأدبة وبعث داعيًا فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة. فقالوا: أولوها يفقهها فقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، الدار الجنَّة. والداعي محمدٌ فمن أطاع محمدًا فقد أطاع اللهَ ومن عصى محمدًا فقد عصى اللهَ ومحمد فرق بين النَّاس (١). ورواه التِّرمذيُّ عنه بلفظ خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: إني رأيت في المنام كأن جبريل على رأسي وميكائيل عند رجلي فذكر نحو ما تقدم وفيه: فالله هو الملك والدار الإسلام والبيت الجنَّة وأنت يا محمَّد رسول فمن أجابك دخل الإسلام ومن دخل الإسلام دخل الجنَّة وأكل مما فيها (٢). وصحح التِّرمذيُّ من حديث ابن مسعود ﵁ قال: صلىَّ رسول الله ﷺ العشاء ثم

стр. 997

انصرف فأخذ بيدي ثم خرج بي إلى بطحاء مكّة، فأجلسني ثم خط عليَّ خطة ثم قال: "لا تبرحن خطك فإنَّه سينتهي إليك رجال فلا تكلمهم فإنهم لا يكلمونك" ثم مضى ﷺ حيث أراد فبينا أنا جالس في خطِّي إذ أتاني رجال كأنهم الزط أشعارهم وأجسامهم لا أرى عورة ولا أرى قشرَا وينتهون إليّ لا يجاوزون الخط ثم يصدرون إلى رسول الله ﷺ حتَّى إذا كان من آخر الليل لكن رسول الله ﷺ قد جاءني وأنا جالس فقال: "لقد رأى منذ الليلة" ثم دخل عليّ في خطِّي فتوسد فخذي فرقد وكان رسول الله ﷺ إذا رقد نفخ فبينا أنا قاعد ورسول الله ﷺ متوسد فخذي إذا أنا برجال عليهم ثياب بيض الله أعلم ما بهم من الجمال فانتهوا إليّ فجلس طائفة منهم عند رأس رسول الله ﷺ وطائفة منهم عند رجليه ثم قالوا: ما رأينا عبداً قد أوتي مثل ما أوتي هذا النَّبيّ إن عينيه تنامان وقلبه يقظان اضربوا له مثلاً، مثل سيد بني قصراً ثم جعل مأدبة فدعا النَّاس إلى طعامه وشرابه فمن أجابه أكل من طعامه وشرب من شرابه ومن لم يجبه عاقبه أو قال عذبه ثم أرتفعوا واستيقظ رسول الله ﷺ عند ذلك فقال: "سمعت ما قال هؤلاء وهل تدري من هم؟ " قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "هم الملائكة فتدري بالمثل الذي ضربوه؟ " قلت: الله ورسوله أعلم قال: "الرحمن بنى الجنَّة ودعا إليها عبادة فمن أجابه دخل الجنَّة ومن لم يجبه عذبه" (١). ولشيخ الإسلام ابن

стр. 998

تيمية طيب الله ثراه كلام حسن في جزء سمّاه "وجوب الاعتصام بالرسالة" فمنه: اعلم أن السعادة والهدى في متابعة الرسول ﷺ وأن الضلال والشقاء في مخالفته وأن كل خير في الوجود إمَّا عام وإما خاص فمنشأه من جهة الرسول وأن كل شر بالعالم وكل شر مختص بالعبد فسببه مخالفة الرسول أو الجهل بما جاء به وأن سعادة العباد في معاشهم ومعادهم باتباع الرسالة والرسالة ضرورية للعباد لابد لهم منها وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شيء والرسالة روح العالم ونوره وحياته فأي صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور والدنيا مظلمة ملعونة كلها إلَّا ما طلعت عليه شمس الرسالة. وكذلك العبد ما لم يشرق في قلبه شمس الرسالة ويناله من حياتها وروحها فهو في ظلمة وهو من الأموات قال: وقال رسول الله ﷺ : "إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلَّا بقايا من أهل الكتاب" (١) وهذا المقت كان لعدم هدايتهم بالرسل فرفع الله عنهم هذا المقت برسول الله ﷺ فبعثه الله رحمة للعالمين وحجة للسالكين وحجة على الخلائق أجمعين. قال: وافترض الله على العباد طاعة نبيه ورسوله ومحبته وتعزيره وتوقيره والقيام بأداء حقوقه وسد إليه جميع الطرق فلم يفتح لأحد إلَّا من طريقه. انتهى.

стр. 999

وبلغنا أنَّ بعض العلماء رأى النَّبيّ ﷺ في المنام فسأله عن ابن سينا فقال: ذاك أراد أن يصل إلى الله من غير طريقنا فقطع أو قال فقطعناه. والله سبحانه المسئول أن يوفقنا لسلوك طريق الرسول وأن يوفقنا على معالم الهدى وحق اليقين وأن يقذف في قلوبنا من نور المعارف وعوارف اليقين ما ينجاب عن القلب غياهب الشكوك الردية وحوادس الظنون الدنية بمنه وكرمه.

стр. 1000

الباب الثالث في درجات الجنةِ وأعلاها وما أسم ملكاً الجنَّة قال الله تعالى ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾ [النساء: ٩٥، ٩٦]. قال ابن محيريز: هي سبعون درجة ما بين الدرجتين عدو الفرس الجواد المضمر سبعين عاماً. وأخرج ابن المبارك عن الضحاك في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنفال: ٤] وقال بعضهم: أفضل من بعض فيرى الذي عقد فضل به فضله ولا يرى الذي أسفل منه أنَّه فضل عليه أحد من النَّاس قلت: وهذا من تمام نعم الله على عبده لأنَّ الأنفسَ مطبوعة على التألم بمشاهدة من هو فوقها إلَّا من وفقه الله وهنا نكتة عن لي أن انتبه عليها وهي أن العاقل ينبغي له أن يتألم بسبق غيره له في الطاعات ووجوه الخير فيبادر إلى فعل مثل ما فعل ذلك المبادر فيحصل له من المزية مثل ما حصل لذلك وما أحسن قول من قال: إذا أعجبتك خلالا منه ... فكنه تكن مثل من يعجبك فليس على الجود والمكرمات ... إذا جئتها حاجب يحجبك والله الموفق. قال "المحقق" في قوله تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ﴾ الآيتين أوقع التفضل أولاً بدرجة ثم أوقعه ثانيًا بدرجات فقيل: الأوَّل بين القاعد المعذور والمجاهد. والثَّاني: بين القاعد بلا عذر والمجاهد

стр. 1001

وقال تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾ [آل عمران: ١٦٣] وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٣، ٤]. وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن أهل الجنَّة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق والمغرب لتفاضل ما بينهم" قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم. قال: "بلى والذي نفسي بيده رجالاً آمنوا بالله وصدقوا المرسلين" (١). ولفظ البُخاريّ في "الأفق" وهو أبين قال في "حادي الأرواح": الغابر هو: الذاهب الماضي الذي قد تدلى للغروب وفي التمثيل به دون الكوكب - المسامت للرأس وهو أعلى. فائدتان أحدهما: بُعدهِ عن العيونِ. والثانية: أنَّ الجنَّةَ درجات بعضها فوقَ بعض وأعلى من بعض وإن لم تسامت العليا السفلى كالبساتين الممتدة من رأسِ الجبلِ إلى ذيله. انتهى. وأخرج الشيخان عن سهلَ بن سعد أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إن

стр. 1002

أهل الجنَّةِ ليتراءون الغرفة كما تراءون الكوكب في أفق السماء" (١) وأخرج الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ عن رسولِ اللهِ ﷺ : "أن أهل الجنَّة ليتراءون في الجنَّة كما تَراءون أو ترون الكوكب الدُّري الغارب في الأفقِ الطالعِ في تفاضلِ الدرجاتِ" قالوا: يا رسول الله أولئك النبيون قالوا: "بلى، والذي نفسي بيده وأقوام آمنوا باللهِ وصدَّقوا المرسلينَ" (٢). قال في "حادي الأرواح": ورجال هذا الإسناد احتج بهم البُخاريّ في صحيحه وفي هذا الحديث: "الغارب" وفي حديث أبي سعيد: "الغابر" وقوله: "الطالع" صفة للكوكب وصفه بكونه غاربًا وبكونه طالعًا. وقد خرج هذا المعنى في الحديث الذي رواه ابن المبارك عن فليح بن سليمان عن هلال بن على عن عطاء عن أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ : "إن أهل الجنَّة ليتراءون في الغرق كما يرى الكوكبُ الشرقي والكوكبُ الغربي في الأفق في تفاضلِ الدرجاتِ" قالوا: يا رسول الله أولئك

стр. 1003

النبيون قال: "بلى والذي نفسي بيده وأقوام آمنوا بالله وصدَّقوا المرسلين" (١). قال وهذا على شرط البُخاريّ أيضاً. وفي المسند عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن المتحابين لتُرى غرفهم في الجنَّة كالكوكب الطالِع الشرقي والغربي فيقال: من هؤلاء؟ فيقال: هؤلاء المتحابون في الله " (٢). وفي المسند من حديث أبي سعيد أيضاً عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إنَّ الجنَّةَ مائة درجة ولو أن العالمين اجتمعوا في إحداهن وسعتهم" (٣) وفيه عنه أيضاً عن النَّبيِّ ﷺ قال: "يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنَّة: إقرأ واصعد. فيقرأ ويصعدُ بكلِّ آية درجة حتَّى يقرأ آخر شيء معه" (٤). قال المحقق: وهذا صريح في أنَّ درجَ الجنَّةِ تزيد على مائة. وأمَّا حديث البُخاريّ عن أبي هريرة مرفوعًا: "أن الجنَّة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله بين كل درجتين كما بين السماء والأرض. فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس فإنَّه وسط الجنَّة وأعلى الجنَّةِ وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنَّة" (٥).

стр. 1004

فالجواب عنه: أنَّه يحتمل أن تكون هذه المائة درجة من جملة الدرج أو تكون نهايتها هذه المائة، وفي ضمن كل درجة درج دونها. قلت: والثَّاني أوجه؛ لأنَّ لفظ حديث البُخاريّ معرفة الطرفين فيفيد الحصر على رأي البيانيين، وأن استوجه المحقق الأوَّل، واستدل له بما خرجه التِّرمذيُّ عن معاذ ﵁ قال: سمعت رسول الله يقول: "من صَلَّى هؤلاء الصلوات الخمس، وصام شهر رمضان كان حقًا على الله أن يغفر له هاجر أو قعد حيث ولدته أمه". قلت: يا رسول الله ألا أخرج فأؤذن النَّاس؟ قال: "ذر النَّاس يعملون فإن في الجنَّة مائة درجة بين كل درجتين منهما مثل ما بين السماء والأرض، وأعلى درجة منها الفردوس، وعليها يكون العرش، وهي أوسط شيء في الجنَّة، ومنها تفجر أنهار الجنَّة، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس" (١) فرواه بلفظة "في". وأخرج أيضاً عن عبادة بن الصَّامت مرفوعًا: "في الجنَّة مائة درجة" (٢) فذكر نحوه وعنده أيضاً عن أبي هريرة أن النَّبيَّ ﷺ قال: "في الجنَّة مائة درجة" (٣) وذكر نحوه وقال حديث حسن غريب، وفيه عن أبي سعيد مرفوعًا "أن في الجنَّة مائة درجة لو أن العالمين اجتمعوا في

стр. 1005

إحداهن لوسعتهم" (١) ورواه الإمام أحمد بدون لفظة "في" كما تقدم فرويت هذه الأحاديث بلفظة في وبدونها. فإن كان المحفوظ ثبوتها فهي من جملة درجتها وإن كان المحفوظ سقوطها الكبار المتضمنة للدرج الصغار، ولا تناقض بين تقدير ما بين الدرجتين بالمائة وتقديرها بالخمسمائة لاختلاف السير في السرعة والبطء، والنبي ﷺ ذكر هذا تقريبًا للإفهام يدل له حديث أبي سعيد ﵁ مرفوعًا: "مائة درجة في الجنَّة ما بين الدرجتين ما بين السماء والأرض، وأبعدهما بين السماء والأرض" قلت: يا رسول الله: لمن، قال: "للمجاهدين في سبيل الله" (٢).

стр. 1006

فصل وأخرج مسلم عن عمرو بن العاص أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إذا سمعتم المؤذِّن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليّ فإنَّه من صَلَّى عليّ صلاة صَلَّى الله عليه عشرًا ثم سلوا لي الوسيلة فإنَّها منزلة في الجنَّة لا تنبغي إلَّا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلّت عليه الشفاعة" (١). وأخرج الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "إذا صليتم عليّ فاسألوا الله لي الوسيلة" قيل: يا رسول الله، وما الوسيلة؟ قال: "أعلى درجة في الجنَّة لا ينالها إلَّا رجل واحد، وأرجو أن أكون أنا هو" (٢). هكذا الرِّواية "أن أكون أنا هو" ووجهها كما قال المحقق: أن تكون الجملة خبرًا عن اسم كان المستتر فيها ولا يكون أنا فصلاً، ولا توكيدًا بل مبتدأ، والله أعلم. وأخرج الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال حين سمع النداء اللَّهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا

стр. 1007

محمودًا الذي وعدته حلت له الشفاعة يوم القيامة" (١). هكذا لفظ الحديث مقام بالتنكير ليوافق لفظ الآية ولأنَّه لما تعين وانحصر نوعه في شخص جرى مجرى المعرفة فوصف بما توصف به المعارف وهذا ألطف من جعل "الذي وعدته" بدلًا. وأخرج الإمام أحمد عن أبي سعيد مرفوعًا: "الوسيلة درجة عند الله ليس فوقها درجة فسلوا الله لي الوسيلة" (٢) وأخرج أبو نعيم عن عائشة ﵂ قالت: جاء رجل إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: يا رسول الله والله إنك لأحب إليّ من نفسي، بهانك لأحب إليّ من أهلي، وأحب إليّ من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك، بها أصبر حتَّة آتيك فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين وإني إذا دخلت الجنَّة خشيت ألا أراك فلم يرد عليه النَّبيّ ﷺ حتَّى نزل جبريل بهذه الآية: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النساء: ٦٩] (٣).

стр. 1008

قال الحافظ أبو عبد الله المقدسي: لا أعلم بإسناد هذا الحديث بأسًا، قال المحقق: سميت درجة النَّبيّ ﷺ الوسيلة لأنَّها أقرب الدرجات إلى عرش الرب ﵎، وهي أقرب الدرجات إلى الله وأصل اشتقاق لفظة الوسيلة من القرب، وهي فعيلة من وسل إليه إذا تقرب إليه. قال لبيد ﵁: بلى كل ذي رأي إلى الله واسِلُ ................... ومعنى الوسيلة من الوصلة، ولهذا كانت أفضل الجنَّة. لطيفة: قال الفضيل بن عياض: إنَّما حسنت الجنَّة لأنَّ عرش رب العالمين سقفها (١). وقال ابن عباس ﵄: نور سقف منازلهم نور عرشه، وقال الحسن: إنَّما سميت عدن لأنَّ فوقها العرش، ومنها تفجر أنهار الجنَّة وللحور العدنية الفضل على سائر الحور. تنبيه قوله ﷺ في حديث الوسيلة: "حلت عليه شفاعتي" (٢). يروى حلت عليه (٣) وحلت له: فمن رواها باللام فمعناها حصلت له ومن رواها بالعين. فمعناها: وقعت عليه شفاعتي ذكره الإمام المحقق في "حادي الأرواح"، والله الموفق.

стр. 1009

الباب الرابع في عرض الرب الجنَّة على العباد، وعدد الجنان، وأسمائها، وذكر السابقين إليها وإن كثر أهلها هذه الآية قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١١] فجعل الجنَّة ثمنًا لنفوس المؤمنين وأموالهم بحيث إذا بذلوها استحقوا الثمن، وعقد معهم هذا العقد وأكدّه بأنواع من التأكيد: أحدها: إخباره به سبحانه بصيغة الخبر المؤكد بأداة: أن. الثَّاني: الأخبار بذلك الصيغة الفعلية الماضوية الذي مفهومها وقع وثبت واستقر. الثالث: إضافة هذا الفعل إلى نفسه. وإن هو الذي اشترى هذا المبيع. الرابع: بأنه أخبر بأنه وعد تسليم هذا الثمن وعدًا لا يخلفه. الخامس: أنَّه أتى بصيغة على الآتي للوجوب إعلامًا لعباده بأن ذلك حقًا عليه بأن ذلك حقًا عليه أحقه، وهو على نفسه وإن كان سبحانه لا يجب عليه شيء. ولكن هذا واجب الوقوع لأنَّه وعد به وهو لا يخلف الميعاد. السادس: إنَّه أكد ذلك بكونه حقًا عليه سبحانه يقال حق الشيء

стр. 1010

إذا ثبت ووجب ولهذا قيل لمرافق الدار حقوقها: أي حقًا إيقاعه وإن كان غير واجب عليه تعالى. السابع: إخباره عن محل هذا الوعد وأنَّه في أفضل كتبه المنزلة من السماء: وهي التوراة، والإنجيل، والقرآن. الثامن: إعلامه لعباده بصيغة الاستفهام الإنكاري أنَّه لا أحدًا أوفى بعهده منه سبحانه. التاسع: أنَّه أمرهم يبشروا بهذا العقد الثابت الذي لا يثبت فيه خيار ولا يعرض له ما يفسخه. العاشر: أنَّه أخبرهم إخبارًا مؤكدًا أن ذلك هو الفوز العظيم والبيع هنا هو المبيع الذي أخذوه بهذا الثمن وهو الجنَّة. ودلت الآية على عظم خطر النَّفس الإنسانية فإن السلعة إذا خفي قدرها فانظر إلى المشتري من هو، وانظر إلى الثمن المبذول فيها ما هو، وانظر إلى من جرى على يده العقدة. فالسلعة النَّفس، والمشتري البارئ جل شأنه، والثمن جنان النعيم، والسفير هو البشير النذير ﷺ لقد عظم قدرك أيها المؤمن حيث اشتراك خالقك ومولاك، وجعل الجنَّة ثمنك، ومثواك فنعم المشتري الملك الجبار، ونعم الدلال والسفير المصطفى المختار، ونعم الثمن دار القرار. قد رشحوك لأمر لو فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل فإن قلت: لم أشترى الأنفس والأموال دون القلوب والأوصال فالواجب أن الآية نزلت في الحث على الجهاد، والجهاد يكون بالنفس والمال والنفس يراد بها هذا الهيكل جملة فالمراد بالنفس جملة البدن. فإن

стр. 1011

قلت: أين كان هذا البيع، فالجواب: كان في عالم الذر كما ذكره الجلال السيوطي، والحكمة في هذا والله أعلم ليعلم العبد أنَّه إذا تصدق وأنفق ماله في وجوه الخير وبذل نفسه في الجهاد ومنفعة العباد لا يكون له في ذلك نوع منة لأنَّه لا نفس له، ولا مال بل هو وماله لله رقًا ومبيعًا. ثم حكم آخر ليس هذا محل ذكرها. والله أعلم. وأخرج التِّرمذيُّ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل ألا أن سلعة الله غالية ألا أن سلعة الله الجنة" (١). قال التِّرمذيُّ: حديث حسن غريب قوله: أدلج أي سار الليل كله، والمعنى بالغ في السير إلى الله تعالى، واجتهد وشمر عن ساق الجد والاجتهاد في طاعة الملك الجواد. وعند أبي نعيم عن أنس ﵁ أنَّه قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ قال: ما ثمن الجنَّة؟ قال: "لا إله إلَّا الله" (٢) قال في "أحادي الأرواح"، وشواهد هذا الحدث كثيرة. وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن النَّبيَّ ﷺ جاء أعرابي. فقال: دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنَّة. قال: "تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصَّلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان. قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا شيئًا أبدًا ولا

стр. 1012

أنقص منه". فلما ولّى قال: "من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنَّة فلينظر إلى هذا" (١). وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁ قال: أتى النُّعمان بن قوقل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسولَ اللهِ أرأيت إذا صليتَ المكتوبة وحرمتُ الحرامَ وأحللتُ الحلالَ، أدخلُ الجنَّةَ؟ فقال النَّبي ﷺ : "نعم" (٢) وفيه عن عثمان بن عفَّان، مرفوعًا: "من مات وهو يعلم أن لا إله إلَّا الله دخلَ الجنَّةَ" (٣). وفي المسند وسنن أبي داود، عن معاذ ﵁، عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: "من كان آخر كلامُه: لا إله إلَّا الله، دخل الجنَّةَ" (٤). وفي الصحيحين عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أتاني آت من ربي فأخبرني -أو قال: فبشَّرني- أنَّ من ماتَ من أمتِكَ لا يشرك باللهِ شيئًا دخل الجنَّة قلت: وإن سرق وإن زنا؟ قال: وإن زنا وإن سرق. وإن زنا وإن سرق" وفي لفظ: "قلت: وإن زنا وإن

стр. 1013

سرق؟ قال: وإن زنا وإن سرق قلت: وإن زنا وإن سرق؟ قال: وإن زنا وإن سرق، وإن رغم أنف أبي ذر" (١) في الثَّانية أو في الثَّالثة. وفي الصحيحين أيضاً عن عبادة بن الصَّامت ﵁ مرفوعًا: "من قال: أشهد أنَّ لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسولُهِ وكلمتُه ألقاها إلى مريمِ وروح منه، وأنَّ الجنَّة حق، وأن النَّارَ حقٌّ، أدخله الله من أي أبواب الجنَّة الثمانية شاء". وفي لفظ: "أدخله الله الجنَّة على ما كان من عملٍ" (٢) وفي صحيح مسلم: أنَّ رسول الله ﷺ أعطى أبا هريرة نعليه فقال: "اذهبْ بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائطِ يشهدُ أنَّ لا إله إلَّا الله مستيقنًا بها قلبه، فبشره بالجنَّة" (٣). وقال الحسن ثمن الجنَّة: لا إله إلَّا الله. وأخرج أبو نعيم بإسناد صحيح، عن جابر ﵁

стр. 1014

مرفوعًا: "لا يدخل أحدًا منكم الجنَّة عملُه ولا يجيره من النَّار، ولا أنَا إلَّا بتوحيد الله" (١) وأصل الحديث في الصَّحيح. وهنا نكتة لابد من التَّنبيه عليها وهي: أنا قدمنا الجنَّة إنَّما تدخل برحمة الله تعالى وليس عمل العبد مستقلاً بدخلوها وإن كان فيه نوع سبب لدخولها وهو كذلك. فإن قلت: قد أثبت اللهُ تعالى دخول العبادِ الجنَّة بالأعمالِ في غيرِ موضع مِنْ كلامه القديم كقوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] و ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ [الزخرف: ٧٢] ونفى رسولُ اللهِ ﷺ دخولها بالأعمال في غيرِ حديث كقولِه ﷺ : "لن يدخل أحد منكم الجنَّةَ بعمله" (٢). فالجواب: أنَّه لا تنافي بين كلام اللهِ وكلام حبيبه ورسوله ﷺ أصلاً لوجهين: أحدهما ما ذكره سفيان، وغيره قال: كانوا يقولون: النجاة من النَّارِ بعفو الله، ودخول الجنَّة برحمته، وانقسام المنازل والدرجات بالأعمالِ ويدل على هذا حديث أبي هريرة ﵁: "إن أهْلَ الجنةِ إذا دخلوها نزلوا فيها بفضل أعمالهم" (٣) روَاه التِّرمذيُّ.

стр. 1015

الثَّاني: الباء التي نفتْ الدخول باء المعاوضةِ التي يكون فيها أحد العوضين مقابلاً للآخر، والباء التي أثبتت الدخول باء السببية التي تقتضي سببية ما دخلت عليه لغيره وإنْ لم يكن مستقلاً بحصوله. وقد جمعَ النَّبيُّ ﷺ بين الأمرين في قوله: "سدّدوا، وقاربوا، وأبشروا، واعلموا أنَّ أحدًا منكم لنْ ينجو بعمله". قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا إلَّا أن يتغمدني اللهُ برحمته" (١).

стр. 1016

فصل وأعلم أنَّ أهْلَ الجنةِ ينبغي لهم أن يطلبوها، ويجتهدوا في طلبها قال تعالى حاكيًا عن أولي الألباب من عبادِه: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤)﴾ [آل عمران: ١٩٤] فالمعنى: آتنا ما وعدتنا مِن دخولِ الجنةِ، ونعيمها، وما أعددته لنا فيها على ألسنة رسلك صلوات الله وسلامه عليهم ولا تخزنا يومَ القيامةِ بإدخالنا النَّار، وإظهار ما اقترفنا من الذنوبِ والأوزار، واستر علينا فإنَّك أنت الستار، واغفرْ ذنوبَنا إنك أنتَ الغفَار. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (١٥) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (١٦)﴾ [الفرقان: ١٥ - ١٦]. يسأله إياه عباده المؤمنون ويسأله إياه ملائكته المقربون لهم والجنة تسأل ربّها أهلها وأهلها يسألونه إياها والرسل يسألونه إياها لهم ولأتباعهم. وأخرج أبو نعيم عن أنسٍ ﵁ والترمذي والنَّسائيُّ وابنُ ماجه عن يزيد بنِ أبي مريم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِنْ مُسلم يسألُ اللهَ الجنَّةَ ثلاثاً قالت الجنَّة: اللَّهمَّ أَدْخِلْهُ الجنَّةَ. ومَن استجارَ بالله من النَّارِ ثلاثاً، قالت النَّارُ: اللَّهم أجِرْه من النَّار" (١).

стр. 1017

وأخرج ابن أبي شيبة، عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "ما سألَ الله عبد الجنَّةَ في يومٍ سبعَ مراتٍ، إلَّا قالت الجنَّةُ: يا رب إن عبدَك فلانًا سألني، فَأدخلْنِيه". وأخْرجَ أبو يعلى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما استجار عبدْ من النَّارِ سبع مرات، إلَّا قالت النَّارُ: يا رب إن عبدك فلانًا استجار مني فأجِرْه ولا يسأل عبدْ الجنَّةَ سبعَ مرات، إلَّا قالت الجنةُ: يا رب إن عبدك فلانًا سألني فأدْخِلْه الجنَّة" (١). قال في حادي الأرواح: إسنادُه على شرطِ الصحيحين وعند أبي داودَ عنهُ مرفوعًا: "مَنْ قال: أسالُ اللهَ الجنَّةَ سَبْعَاً: قالتِ الجنةُ: اللهُم أدْخله الجنَّةَ" (٢)، وعند الحسن بن سفيان عَنْ أبي هريرةَ أيضاً مرفوعاً: "أكثروا مسألة الله الجنَّة واستعيذوا بالله من النَّار، فإنَّهما شافعتان مشفعتان وإن العبدَ إذا أكثر مسألة الله الجنَّة. قالت الجنةُ: يا رب عبدك هذا الذي سألنيك فأسْكنه إياي، وتقول النَّارُ: يا رب عبدك هذا الذي استعاذ بكَ منِّي فأعذه" (٣). واعلمْ أنّ جماعة مِنَ السَّلفِ أمتنعوا أن يَسْألوا اللهَ الجنَّةَ، وقالوا: حسبنا أن يجيرنا مِنَ النَّارِ منهم: أبو الصهباء وعطاء السلمي.

стр. 1018

روي أن أبا الصهباء صَلَّى ليلة إلى السحَر ثم رفعَ يديه وقال: اللَّهمَّ أجرني مِن النَّار أَوَ مثلي يجترئ يسألك الجنَّةَ؟ وكان عطاء السلمي لا يسأل الجنَّة، فقال له صالح المري: إنَّ أبان حدثَني عَنْ أنسٍ أن النَّبيَّ ﷺ قال: "يقولُ اللهُ : انظروا في ديوانِ عبدي فمن رأيتموه سَألَني الجنَّةَ أعطيته، ومَنْ استعاذني من النَّارِ أعذته" (١). فقال عطاء: كفاني أن يجيرني من النَّارِ. ذكرهما أبو نعيمٍ: هكذا رأى هؤلاء السادةُ، مع أنَّه أخرجَ أبو داود عن جابرٍ ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لا يسأل بوجه اللهِ إلَّا الجنَّة" (٢). وأخرجَ أيضاً أن النَّبي ﷺ قال: للفتى -يعني: الذي شكاه: "كيف تصنع يا ابن أخي إذا صليت؟ " قال: أقرأُ بفاتحةِ الكتابِ، وأسألُ الله الجنَّةَ، وأعوذ به من النَّارِ، وإني لا أدري، ما دندنتك، ودندنة معاذ؟ فقال النَّبيّ ﷺ : "إني ومعاذ حولها نُدندن" (٣)، وفي الحديث: "ما مِن يوم إلَّا والجنة والنَّار يسألان: تقول الجنةُ: يا رب قَدْ طابت أثماري واطردت أنهاري، واشتقتُ إلى أوليائي، فعجلْ إليَ بأهلي". الحديث.

стр. 1019

فالجنَّةُ تطلبُ أهلَها بالذات، وتجذبهم إليها جذبًا. والنَّار كذلك. وقد أمرنا نبينا ﷺ بدوام ذكرهما، وحثنا على ذلك حثًا بليغاً. أخرج أبو يعلى الموصلي عن ابن عمرَ ﵄ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "لا تنسوا العظيمتين". قالوا: وما العظيمتان يا رسولَ اللهِ؟ قال: "الجنَّة والنار" (١). وعند أبي بكرٍ الشَّافعي عن كليب بن حزن مرفوعًا: "اطلبوا الجنَّة جهدكم، واهربوا من النَّارِ جهدكم؛ فإن الجنَّةَ لا ينام طالبُهَا، وإن النَّارَ لا ينام هاربها. وإن الآخرةَ اليوم محفوفةٌ بالمكاره، وإن الدُّنيا محفوفة باللذات، والشهوات. فلا تُلهِيَنكم عن الآخرة" (٢). قال الإمام ناصر السنة ابن الجوزي قدَّس الله روحه: اعلمْ أن الجنَّةَ محفوفةٌ بالمكاره، فمتى أردتها فاصبر عما تكره لعلك تنال ما تحب، واعلم أنَّ الدُّنيا، والآخرةَ ضرتان، فمتي أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى، والعاقلُ يَشْغلُ قلبَه بمولاه، ويطلبُ بكلِّ جهده ورضاه. شعر لمؤلفه (٣). ومَنْ لي بأن ترضى على ولم يكن ... لنفسي مطلوب سواك ومقصد وتسكن في قلبي المحبة والرضا ... وأمسي لديك الله أسعى وأحفد

стр. 1020

فصل في أسماءِ الجنَّةِ ومعانيها واشتقاقها وقال في "حادي الأرواح": لها عدة أسماء باعتبار صفاتها ومسماها واحد باعتبار الذّات، فهي مترادفةٌ من هذا الوجه، وهكذا أسماء الربِّ تعالى، وأسماء كتابه، وأسماء رسوله، وأسماء اليوم الآخر، وأسماء النَّارِ. الاسم الأوَّل: الجنَّة، وهو العامُ المتناول لتلك الدارِ جملة، وما اشتملت عليه في أنواع النعيم، وأصل اشتقاقه من الستر والتغطية، ومنه الجنين لاستتارة في البطن والجان لاستتارهم عن عيون الإنس، والمجن، السترة ووقاية الوجه، والمجنون لاستتار عقله، وتواره عنه. والجان وهي الحية الصغيرة الدقيقة، ومنه سمي البستان جنة؛ لأنَّه يستر ما داخله من الأشجار، ولا يطلق هذا الاسم إلَّا على موضعٍ كثير الشجر مختلف الأنواع، والجنة بالضم ما يستجن أي: يوقى به من نحو ترس، وبالكسر الجن كما في قوله تعالى ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ [الناس: ٦]. الثَّاني: دارِ السَّلام وقد سمَّاه اللهُ بهذا الاسمِ في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢٧] وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥]، وهي جديرةٌ بهذا الاسمِ؛ لسلامتها من كلِّ بلية، وآفة فإن الله هو السَّلام، وهي داره، فمن أسمائه الحسنى
следующие страницы →