← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 132973

البحور الزاخرة في علوم الآخرة

السفاريني

Полный текст (1 621 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

فبطل أنْ يكون لأحدٍ في الجنةِ لحية البتة ولذا قلت في معارضة من زعم أن لمن ذكر لحية: لعمرك أهل الخلد مرد جميعهم ... كما صحّ في أخبار خير البرية وما قيل في موسى الكليم وصنوه ... وآدم والصديق ليس بمثبت (١) كذاك خليل الله ما صحَّ أنَّه ... يرى في جنات الخلدِ يومًا بلحية وأما قوله: "ولا أسنان" هذا مما أتعبت نفسي في تصفح الطروس، والبحث في الدروس، ومراجعة الأساطين، ومراسلة الجهابذة الراسخين، وتأمل الدفاتر، وكشف الذخائر فلم أقف لذلك على أصل، ولم أظفر فيه بنقل لا بسند صحيح [ولا] (٢) ضعيف ولا حسن ولا باطل ولا نحيف، وقد طالبت شيخنا بالأصل الوارد في ذلك، فحسر عليه، فقلت: إنْ لمْ يظهر لنا دليل هذا فلا ننظر إليه فإني والله لم أر فيه بعد شدة الفحص، ونصب النفس أثرًا سوى أقاويل كحكايات الأولاد، ومثل هذا إنما يثبت بصحة سنده عن خير العباد فإن رأينا الدليل الثابت فهو المراد، وإلا فهو عندنا مردود سيما وقد ورد خلافه بأنه تضيئ الجنة من حسن ثنايا الحور العين. فإن قيل: لا يلزم أن تعيين الحور العين كأولاد آدم. قلنا: بل هم سواء حينئذٍ، والله تعالى أعلم.

стр. 1087

فصل وأما أعلى أهل الجنة منزلة فهو نبينا محمد ﷺ . قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة ٢٣٥] قال مجاهد وغيره: منهم من كلَّم الله موسى، ورفع بعضَهم درجات هو محمد (١) ﷺ ، وفي حديث الإسراء المتفق عليه أنَّه ﷺ لمَّا جاوز موسى قال: "رب لم أظن أن يرفع على أحد" ثم علا فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حَتَّى جاوز سدرة المنتهى. وفي صحيح مسلم (٢) عن عمرو بن العاص أنَّه سمعَ النَّبي ﷺ يقول: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صَلوا عليّ فإنَّه مَنْ صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشرًا، ثمَّ سَلُوا لي الوسيلةَ، فإنَّها منزلةٌ في الجنةِ لا تنبغي إلا لعبدِ مِنْ عبادِ الله وأرجو أنْ أكونَ أنا هو فَمَنْ سَأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة". وفي صحيح مسلم أيضًا عن المغيرة بن شعبة مرفوعًا: "إنَّ موسى ﵇ سأل ربَّه: ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ فقال: (يعني الله رجل (أي: هو رجل) يجيء بعدما دخل أهلُ الجنةِ الجنَّة فيقال له: ادخل الجنة. فيقول: رب كيف وقد نزل الناس منازلهم

стр. 1088

وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملِك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب. فيقول: لك ذلك، ومثله، ومثله، ومثله. فقال في الخامسة: رضيت رب. قال: رب فأعلاهم منزلة. قال: أولئك الذين أردت غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها فلم ترعين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر" (١). وأخرج الترمذي عن ابن عمر ﵄ عن النَّبي ﷺ أنه قال: "إنَّ أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظرَ إلى خيامه، وأزواجه، ونِعَمِهِ، وخدمه، وسرره مسيرة ألف سنة، وكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة (٢) وعشية، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة] (٣) ولهذا الحديث طرق، وروي موقوفًا على ابن عمر، ومرفوعًا كما هنا والله أعلم. وأما أدنى أهل الجنةِ منزلة، وليس فيها دني فأخرج الإمام أحمد عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أدنى أهل الجنة منزلة له سبع درج، وهو على السادسة، وفوق السابعة، وإن له لثلاثمائة خادم، ويغدا عليه وبراح كلّ يوم بثلاثمائة صحفة - ولا أعلمه إلَّا قال: من (ذهبٍ) (٤) - في كل صحفة لون ليس في

стр. 1089

الأخرى، وإنَّه ليلذ أوله كما يلذ آخره. ومن الأشربة ثلاثمائة إناء في كلّ إناء لون ليس في الآخر وإنه ليلذ أوله كما يلذ آخره، وإنه ليقول (١): رب (٢) لو أذنت لي لأطعمت أهل الجنَّة، وسقيتهم لم ينقص مما عندي شيئًا وإن له من الحور العين لاثنتين وسبعين زوجة سوى أزواجه من الدُّنيا، وإنَّ الواحدة منهن ليأخذ مقعدها قدر ميل من الأرض" (٣) (٤). قال في "حادي الأرواح" (٥): فيه سكين بن عبد العزيز ضعفه النسائي، وفيه شهر بن حوشب وضعفه مشهور. قال: والحديث منكر مخالف للأحاديث الصَّحيحة، فإن طول ستين ذراعًا لا يحتمل أن يكون مقعدة صاحِبِهِ بقدر ميل من الأرض. قلت: ليس من كانت بهذه المثابة من الجمال بشيء، بل رؤية هذه تزيل العقل والذي في الصحيحين "في أوَّل زمرة تلج الحنَّة لكل امرئ منهم زوجتان من الحور العين" (٦) فكيف يكون لأدناهم ثنتان وسبعون من الحور العين وأقل ساكني الجنَّة نساء الدنيا؟ فكيف يكون لأدنى أهل الجنَّةِ جماعة منهن؟ كذا في "حادي الأرواح" (٧).

стр. 1090

قلتُ: ليس في الحديث إلَّا أنّ له اثنتين وسبعين من الحور العين سوى أزواجه من الدُّنيا يعني سوى أزواجه الكائنة في الدنيا لا أنه كلّ إنسان في الجنَّة له أزواج من نساء الدنيا، وكون أوّل زمرة تلج الجنَّة لكلِّ واحد منهم زوجتان من الحور العين لا ينافي أنْ يكون له أكثر من ذلك إذ العدد لا مفهوم له، فتأمل على أن شهر بن حوشب وثقه جماعة وحسّنوا له، لكن خالف الثقات هنا فرد حديثه والله أعلم. فصل وأمَّا تحفة أهل الجنَّةِ إذا دخلوها فزيادة كبد النون. كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (١) عن ثوبان ﵁ قال: كنت قائمًا عند رسول الله ﷺ فجاء حبر من أحبار اليهود ففال: السَّلام عليكَ يا محمد فدفعته دفعةً كاد يصرع منها فقال: لم تدفعني؟ فقلت: ألا تقول يا رسول الله! فقال اليهودي: إنّما ندعوه باسمه الذي سمَّاه به أهلُه فقال ﷺ : "إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي فقال اليهودي: جئتُ أسألك: فقال له ﷺ : "أينفعك شيء إن حدثتك" قال: اسمع بأذني فنكثَّ رسول الله ﷺ بعود معه فقال: "سل" فقال اليهودي: أين تكون الناس يوم تبدل الأرضُ غير الأرض، والسموات؟ فقال ﷺ : "هم في الظلمة دون الجسر" قال: فَمَن أوّل

стр. 1091

الناسِ إجازة يومَ القيامةِ؟ قال: "فقراء المهاجرين" قال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنَّة؟ قال: "زيادة كبد النَّون" قال: هما غذاؤهم على إثرها؟ قال: "يُنحر لهم ثورُ الجنَّة الذي يكل من أطرافها" قال: فما شرابهم عليه؟ قال: "من عين فيها تسمَّى سلسبيلا" قال: صدقت، قال: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحدٌ من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان قال: "ينفعك إن حدَّثتك؟ ". قال: أسمع بأذني قال: جئت أسألك عن الولد قال: "ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكرَا بإذن الله" أي: أتى المولود ذكرًا وإذا علا مني المرأة مني الرَّجل انثا بإذن الله" أي: جاء المولود أنثى، فقال اليهودي: لقد صدقت، وإنك لنبي، ثُمَّ انصرف. فقال ﷺ : "لقد سألني هذا عنِ الذي سألني عنه، ومالي علمٌ منه بشيء حتى أتاني الله به". وفي صحيح البخاري (١) عن أنس ﵁ أنه سمع عبد الله بن سلام ﵁ مقدم رسول الله ﷺ المدينة، وهو في أرض يخترف أي: يجتني منها الثمار والخريف: الزمان الذي تُخترف فيه الثمار يُقال: اخترفت الثمرة أي: اجتنيتها: فأتى النَّبيّ ﷺ فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: فَما أوَّل أشراط الساعة؟ وما أوَّل طعام أهل الجنَّة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه، أو إلى أمه؟ قال: اخبرنا بهن جبريل آنفا قال: (يعني: ابن سلام) جبريل؟ قال النَّبيّ ﷺ : "نعم" قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة فقرأ هذه الآية: ﴿مَنْ

стр. 1092

كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧] أمَّا أوَّل أشراط السَّاعة، فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأمّا أوَل طعام يأكله أهل الجنَّةِ فزيادة كبد الحوت، وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولدَ، وإذا سبق ماءُ المرأة نزعت قال: أشهد أن لا إنه إلا الله وأشهد أنك رسول الله يا رسُولَ الله إنَّ اليهود قوم بهت وإنهم إنْ يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم بَهتَوني فجاءت اليهود فقال: "أي رجل عبد الله فيكم؟ " قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا قال: "أفرأيتم إن أسلم عبد اله؟ " فقالوا: أعاذه الله من ذلك فخرج عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. فقالوا: شرّنا وابن شرِّنا، وانتقصوه فقال: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله. قلت: وهو في "ثلاثيات الإمام أحمد" وفيه: وأعلمُنا وابن أعلمِنا. وفي الصحيحين عن أبي سعيد مرفوعًا: "تكون الأرض يوم القيامة خبزةَ واحدةً يتكفؤها الجبار كما يتكفؤ أحدُكم خبزته في السَّفر نزلًا لأهل الجنَّة" فأتى رجلٌ من اليهود فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم، ألا أخبرك بنزل أهل الجنَّةِ يوم القيامة؟ قال: "بلى" قال: تكون الأرض خبزة واحدة، (كما قال النَّبيّ) فنظر النَّبيّ ﷺ إلينا، ثم ضحك حتى بدت نواجذه، ثُمَّ قال: "ألا أخبرك لإدامهم؟ " قال (١):

стр. 1093

"إدامهم بالامٌ ونون". قال: "وما هذا؟ " قال: "ثور ونون، يأكل منْ زيادة كبدها سبعون ألفًا" (١). قال في "مشارق الأنوار": بالامٌ ثور الجنَّة، والنون: الحوت. أما النون فعروف في كتاب الله تعالى، وفي لسان العرب، وأما بالام فليست بعربية ولا حكاها أحد عنهم. قال القاضي عياض: وجدت هذه الحروف في كتاب الحميدي يعني: الأندلسي باللاي، واللاي الثور الوحشي على مثال اللهي واللغي، ولا أعلم من رواه هكذا إلا ما رأيت له فإن كان أصلحه مما ظن أنه صُحِّف فقد بقيت الميم التي تثبت بعد اللام في الصحيح فتحمل على أنها تصحفت من الياء الساكنة بعد اللام من اللاي (٢). وقال الخطابي (٣): لعل اليهودي أراد التعمية فقطع الهجاء، أوقد، (٤) قدم أحد الحرفين [فقال يا لام] (٥)، وإنما [هو] (٦) [الرتبة] (٧)

стр. 1094

[لام ألف وياء هجاء] (١) لأي على وزن لعا (٢) فصحف الراوي الباء بالياء قال: وهذا أقرب ما يقع لي فيه اللهم إلا أن يكون عبر عنه بالعبرانية فقدَّم (٣) الياء؛ لأن أكثر العبرانية مقلوب على لسان العرب بتقديم حروف، وتأخيرها، وقد قيل: إن العبراني هو العرباني (٤)، فقدموا الباء، قال: وهذا كله مع ما فيه من التحكم، والظن غير مسلم؛ لأن هجاء اللاي غير هجاء باللام، وأولى ما يقال: أن تقرأ الكلمة كما رويت، وتكون عبرانية، ألا ترى أنهم سألوا اليهودي عن تفسيرها؟ ولو كانت كما قال الحميدي باللاي لعرفوها بلغتهم، ولا يوجد في اللغة العبرانية باللام؛ لأنه اسم ثور، قال: وقد سألت عنه من يقوم به فلم يعرفه، قالوا: وإنما البالم في اللغة العبرانية

стр. 1095

الشديد، فلا يمتنع أن يكون عندهم مستعملاً في الثور، وكل ما يوصف بالقوة والشدة، وأما زيادة الكبد فهي القطعة المنفردة المنقطعة فيها، وهي أطيبها، وهؤلاء السبعون ألفًا يحتمل أنهم الذين يدخلون الجنَّة بغير حساب، ويحتمل أنه أراد به التكثير من غير إرادة حصر والله الموفق.

стр. 1096

الباب السابع في ريح الجنَّة وبساتينها (١)، وأشجارها، وثمارها، وزرعها أمّا ريحها فأخرج الطبراني عن عبد الله بن عمرو، عن النَّبيّ ﷺ قال: "من قتل قتيلاً من أهل الذمة لم يرح رائحة الجنَّة، وإن ريحها ليوجد من مسيره مائة عام" (٢). وأخرجه البخاري في صحيحه بلفظ: "ليوجد من مسيرة أربعين عامًا" (٣). وأخرج الترمذي عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا "ألا من قتل نفسًا معاهدا له ذمة الله، وذمة رسوله فقد أخفر بذمة الله فلا يرح رائحة الجنَّة، وإنَّ ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفًا". قال الترمذي: حديث حسن صحيح (٤). قال في "حادي الأرواح" (٥): قال محمد بن عبد الواحد:

стр. 1097

وإسناده عندي على شرط الصحيح. قال المحقق (١): قلت: وقد رواه الطبراني عنه مرفوعًا "من قتل نفسًا معاهدة بغير حقها لم يرح رائحة الجنَّة، وإن ريح الجنَّة يوجد من مسيرة مائة عام" (٢) وأخرج عن أبي بكرة ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ريح الجنَّة يوجد من مسيرة مائة عام" (٣). قال في "حادي الأرواح" (٤): وهذه الألفاظ لا تعارض بينها بوجه، وقد أخرجا في الصحيحين عن أنس ﵁ قال: لم يشهد عمي مع رسول الله ﷺ بدرًا قال: فشق عليه قال: أول مشهد شهده رسول الله ﷺ غبت عنه فإنْ أراني الله مشهدًا فيما بعد مع رسول الله ﷺ ليرين الله ما أصنع قال: فهاب أنْ يقولَ غيرها. قال: فشهد مع رسول الله ﷺ يوم أحد قال: فاستقبل سعد بن معاذ فقال له أين؟ فقال: واها لريح الجنَّة أجده دون أحد قال: فقاتلهم حتى قتل قال: فوجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة،

стр. 1098

وطعنة، ورمية فقالت أخته (١): عمتي الربيع بنت النضر: فما عرفت أخي إلا ببنانه، ونزلت هذه الآية ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]. قال: فكانوا يرون أنها نزلت فيه، وفي أصحابه (٢). قال في "حادي الأرواح" (٣): وريح الجنَّة نوعان: رلح يوجد في الدُّنيا تشمه الأرواح أحيانًا لا يدركه العباد (٤)، وريح يدرك بحاسة الشم للأبدانِ كما تشم روائح الأزهار، وغيرها، وهذا يشترك أهل الجنَّةِ في إدراكه في الآخرة من قرب وبعد، وأمَّا في الدنيا فقد يدركه من شاء الله من أنبيائه، ورسله، وهذا الذي وجده أنس بن النضر ﵁ يجوز أن يكون من هذا، وأن يكون من الأول انتهى. قُلْتُ: الظاهر أنه من الثاني؛ لأنَّه قوله: لريح الجنَّة أجده دون أحد، يشير إلى هذا، فتأمل وأخرج "أبو نعيم" عن أبي هريرة مرفوعًا: "رائحة الجنَّة توجد من مسيرة خمسمائة عام" (٥). وأخرج الطبراني عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله

стр. 1099

- ﷺ "ريح الجنَّة يوجد من مسيرة ألف عام والله لا يجدها عاقّ، ولا قاطع رحم، ولا شيخ زان، ولا جارّ إزاره خيلاء" (١). وأخرج أبو داود الطيالسي عن عبد الله بن عمرو ﵄: "من ادَّعى إلى غير أبيه لم يرح رائحة الجنَّة وإنَّ ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام" (٢). أخرج الطبراني، وأبو نعيم عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا قال: "تراح رائحة الجنَّة من مسيرة خمسمائة عام، ولا يجد ريحها منّان بعمله، ولا عاق، ولا مدمن خمر" (٣). وأخرج أبو داود، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم وصححه عن أبي هريرة مرفوعًا: "من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عَرف الجنَّة يوم القيامة" (٤).

стр. 1100

قلت: والجمع بين هذه الأحاديث أنه يختلف ذلك باختلاف الشّاِمّ، وهذا الذي أومأ إليه المحقق في "حادي الأرواح" (١) حيث قال: وهذه الألفاظ لا تعارض بينها والله الموفق قال في "حادي الأرواح" (٢): وأشهد الله سبحانه عباده في هذه الدار آثارا من آثار الجنَّة، وأنموذجا منها من الرائحة الطيبة، واللذات المشتهاه، والمناظر البهية، والفاكهة الحسنة، والنعيم والسرور، وقرة العين. وأخرج أبو نعيم عن جابر ﵁ مرفوعًا: "يقول الله للجنة: طيبي لأهلك" فتزداد طيبًا (٣). فذلك البرد الذي يجده الناس بالسحر من ذلك، كما جعل سبحانه نار الدنيا وآلامها وأحزانها مذكرة بنار الآخرة قال تعالى في هذه النار: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا﴾ (٤) [الواقعة: ٧٣]. وأخبر الصادق ﷺ أنَّ "شدة الحر والبرد من أنفاس جهنم" (٥) فلا بد أن يشهد عباده أنفاس جنته، وما يذكرهم بها، والله المستعان.

стр. 1101

فصل وأما نداؤها فأخرج مسلم عن أبي سعيد، وأبي هريرة ﵄، عن النَّبيّ ﷺ قال: "ينادي منادٍ: إنَّ لكم أنْ تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإنَّ لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وإنَّ لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا، وذلك قول الله : ﴿أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١) [الأعراف: ٤٣] قوله: "فلا تبأسوا" مأخوذ من البأساء، وهي الشدة، ومثله لا يبأس، ولا يبأسون، وكذا في غناء الحور العين: "ونحن الناعمات فلا نبأس" (٢) أي: لا تصيبنا شدة في الحال، ولا في الأنس، وهو البؤس، والبأس. والبؤس وفي الحديث "هل رأيت بؤسا قط؟ " (٣) ويروى: بؤسٍ، والتنوين أكثر وهو المصدر. وأخرج عثمان بن أبي شيبة عن أبي سعيد ﵁ مرفوعًا: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]

стр. 1102

قال: "نودوا أن صحوا فلا تسقموا أبدًا، واخلدوا فلا تموتوا أبدًا، وانعموا فلا تبأسوا أبدًا" (١). وأخرج مسلم عن صهيب ﵁ أن النَّبيّ ﷺ قال: "إذا دخل أهل الجنَّةِ الجنَّة، وأهل النَّار النار نادى مناد يا أهل الجنَّةِ، إن لكم عند الله موعدًا فيقولون: ما هو؟ الم يثقل موازيننا، ويبيض وجوهنا، ويدخلنا الجنَّةَ، وينجينا من النار؟ فيكشف الحجاب فينظرون إلى الله فوالله ما أعطاهم الله شيئًا هو أحبُّ إليهم من النَّظر إليه" (٢). وفي الصحيحين عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله يقول لأهل الجنَّة: يا أهل الجنَّةِ فيقولون لبيك ربنا، وسعديك فيقول: (هل رضيتم! فيقولون: وما لنا لا نرضى؟ وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا منْ خلقك فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك قالوا: ربنا وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: أحلّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدًا" (٣). وفيهما عن ابن عمر ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "يدخل الله أهل الجنَّةِ الجنَّة وأهل النار النار، ثُمَّ يقوم مؤذن بينهم،

стр. 1103

فيقول: يا أهل الجنَّةِ، لا موت، ويا أهل النَّار، لا موت كل خالد فيما هو فيه" (١). وهذا الأذان وإن كان بين الجنَّة والنَّار فهو يبلغ جميع أهل الجنَّةِ والنار، ولهم نداء آخر يوم زيارتهم ربهم جلّ وعلا، يرسل إليهم ملكًا فيؤذن فيهم بذلك، فيسارعون إلى الزيارة كما يؤذن مؤذن الجمعة إليها وذلك في مقدار يوم الجمعة والله تعالى أعلم.

стр. 1104

فصل وأما أشجار الجنَّة، وبساتينها، وظلالها فقد قال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨)﴾ [الواقعة: ٢٧ - ٢٨] أي: لا شوك فيه كأنه خُضِدَ شوكهُ، أي: قطع ونزع منه، ذكره البغوي عن ابن عباس ﵄ وعكرمة، وقال الحسن لا يعقر الأيدي، وقال ابن كيسان: لا أذى فيه (١). انتهى. وفي الحديث في المدينة "لا يخضد شوكها، ولا يعضد شجرها" وقال الضحاك ومقاتل: هو الموفر حملا. قال العلامة في "بهجة الناظرين" (٢): وليس شيء من ثمر الجنَّة في غلفه كما يكون في الدنيا مثل الباقلاء وغيره بل هو كله مأكول، ومشروب، ومنظور إليه، ومشموم. ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩)﴾ [الواقعة: ٢٩] أي: موز متراكم قد نُضِّد بالْحَمْل من أوَّله إلى آخره ليست له سوق بارزة. قال مسروق: أشجار الجنَّة من عروقها إلى أفنانها ثمر كله (٣). تنبيه: ما ذكرنا أن الطلح الموز هو ما قدمه البغوي، ونقله في "حادي الأرواح" (٤) عن أكثر المفسرين قال: وهذا قول عليّ وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي سعيد ﵃.

стр. 1105

وقالت طائفة: بل هو شجر عظام طوال، وهو من شجر البوادي الكثير الشوك عند العرب قال حاديهم: سيرها دليلها وقالا ... غدا ترين الطلح والجبالا ولهذا الطلح (١) الشجر نور، ورائحة طيبة، وظل ظليل، وقد نضد بالحمل والثمر مكان الشوك. وقال الليث: الطلح شجر أمِّ غيلان له شوك أحجن من أعظم العضاة شوكا، وأصلبه عودًا وأجوده صمغا. وقال أبو إسحق: يجوز أن يعني به شجر أمّ غيلان؛ لأن له نورًا طيب الرائحة جدًا فوعدوا بما يحبون مثله، إلا أن فضله على ما في الدنيا كفضل سائر ما في الجنَّة على سائر ما في الدنيا فإنه ليس في الدنيا مما في الجنَّة إلا الأسامي (٢). قال في "حادي الأرواح" (٣): الظاهر أن من فسر الطلح المنضود بالموز إنما أراد التمثيل به لحسن نضده، وإلا فالطلح في اللغةِ: هو الشجر العظام من شجر البوادي والله أعلم. وأخرج البيهقي عن أبي أمامة ﵁ قال: قال أعرابي: يا رسُولَ الله، لقد ذكر الله في القرآن شجرة مؤذية، وما كنت أرى أن في

стр. 1106

الجنَّة شجرة تؤذي صاحبها: فقال ﵊: "وما هي؟ " قال: السدر، فإنَّ لها شوكًا، فقال رسول الله ﷺ : "يقول الله : ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨)﴾ [الواقعة: ٢٨] يخضد الله شوكه فيجعل مكان كلّ شوكة ثمرة، إنها تنبت، ثُمَّ ينفتق الثمر منها عن اثنين وسبعين لونًا من الطعام ما منها لون يشبه الآخر" (١). وأخرج الطبراني (٢) مثله والله أعلم. قال تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ [الواقعة: ٢٩]. قال البغوي: دائم لا تنسخه الشمس والعرب تقول للشيء الذي لا ينقطع: ممدود فإن قيل: قد علم أن لا شمس في الجنَّة فكيف يكون فيها ظل؟ فالجواب: أن الوقت في الجنَّة يكون كساعة أوّل النهار قبل طلوع الشمس كما هو مقرر، ولا شك أن ذلك ظل، ولذا صح اتصافه بكونه ممدودًا أي: دائمًا لا تزيله شمس، كما فسره البغوي (٣) طيب الله ثراه والله أعلم. وقال تعالى: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨)﴾ [الرحمن: ٤٨]. وهي جمع فنن، وهو الغصن وقال: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾ [الرحمن: ٦٨] (٤). أخرج ابن أبي داود عن عتبة بن عبد السلمي، قال: كنت جالسًا مع رسول الله ﷺ فجاء أعرابي فقال: يا رسُولَ الله، أسمعك تذكر في

стр. 1107

الجنَّة شجرة لا أعلم شجرة أكثر منها شوكًا -يعني: الطلح- فقال رسول الله ﷺ : "إن الله يجعل مكان كلّ شوكة منها ثمرة مثل خصوة التيس الملبود، فيها سبعون لونًا من الطعام لا يشبه لون الآخر" (١). قال في "حادي الأرواح" (٢): الملبود الذي اجتمع شعره بعضه على بعض. وقال عبد الله بن المبارك: أخبرنا صفوان بن عمرو عن سليم ابن عامر قال كان أصحاب محمد ﷺ يقولون: إنَّ الله لينفعنا بالأعراب، ومسائلهم؛ أقبل أعرابي يومًا فقال: يا رسُولَ الله، ذكر الله في الجنَّة شجرة مؤذية، وما كنت أرى في الجنَّة شجرة تؤذي صاحبها! " (٣) الحديث المتقدم في السدر. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ في الجنَّة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها فاقرءوا إن شئتم ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ [الواقعة: ٣٠] (٤).

стр. 1108

وأخرجا أيضًا عن سهل بن سعد ﵁، عن النَّبيّ ﷺ قال: "إنَّ في الجنَّة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها" (١). وفي رواية: "إن في الجنَّة لشجرة يسير الراكب الجواد المضمّر السريع مائة عام لا يقطعها" (٢). وأخرج الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إنَّ في الجنَّة شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين أو مائة سنة هي شجرة الخلد" (٣). وأخرج وكيع (٤) عنه "إنَّ في الجنَّة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام أقرؤوا إن شئتم ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ [الواقعة: ٣٠] فبلغ ذلك كعبًا فقال: صدق والذي أنزل التوراة على لسانِ موسى، والفرقان على لسان محمد ﷺ ، لو أنَّ رجلاً ركب جذعه أو جذعا، ثُمَّ دار بأصل تلك الشجرة ما بلغها حتى تسقط هرما، إن الله غرسها بيده، ونفخ فيها، وإن أفنانها من وراء سور الجنَّة، ما في الجنَّة نهر إلا

стр. 1109

وهو يخرج من أصل تلك الشجرة. وأخرج ابن أبي الدنيا (١) عن ابن عباس ﵄ قال: "الظل الممدود" شجرة في الجنَّة على ساق قدر ما يسير الراكب المجدُّ في ظلها مائة عام في كلّ نواحيها فيخرج إليها أهل الجنَّةِ أهل الغرف، وغيرهم فيتحدثون في ظلها قال: "فيشتهي بعضهم ويذكر لهو الدنيا، فيرسل الله ريحًا من الجنَّة فتحرك تلك الشجرة بكلّ لهو كان في الدنيا". وأخرج الترمذي عن أبي هريرة (٢) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما في الحنَّة شجرة إلا وساقها من ذهب". قال هذا حديثٌ حسن. وأخرج الترمذي أيضًا، والنسائي (٣)، وابن ماجه عنه أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله: أعددت لعبادي الصَّالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر اقرءوا إن شئتم ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧] وفي الجنَّة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا

стр. 1110

يقطعها، واقرؤوا إن شئتم ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ وموضع سوط في الجنَّة خير من الدنيا وما فيها، واقرؤوا إنْ شئتم ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] صدر هذا الحديث متفق عليه. وفي "حادي الأرواح" (١) عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رجل: يا رسُولَ الله، ما طوبى؟ قال: "شجرة في الجنَّة مسيرة مائة سنة ثياب أهل الجنَّةِ تخرج من أكمامها" (٢). وأخرج ابن المبارك عن ابن عباس ﵄ قال: نخل الجنَّة جذوعها من زمرد أخضر، وكربها ذهب أحمر، وسعفها كسوة لأهل الجنَّةِ منها مقطعاتهم وحلاهم، وثمرها أمثال القلال، والدلا أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وألين من الزبد ليس فيه عجم (٣). قوله: "وكربها ذهب" هو بالكاف، والراء محركة، ثُمَّ باء موحدة أصل السعف، وقيل: ما يبقى أصوله في النخلة بعد القطع كالمراقي. قاله في "النهاية": وقوله: منها مقطعاتهم المقطعات (من الثياب) (٤): هي الثياب القصار كانها قطعت عن بلوغ التمام. قاله في "النهاية" (٥) في هذا الحديث لم يكن يصفها يعني: ثياب أهل الجنَّةِ بالقصر؛ لأنها عيب وعندي: أنَّ ذلك ليس عيبًا كما هو عادة المترفين

стр. 1111

في الدُّنيا أنهم يلبسون المقطعات تحت الحلل. والله تعالى أعلم. وأخرج الإمام أحمد عن عتبة بن عبد السلمي قال: جاء أعرابي إلى النَّبيّ ﷺ فسأله عن الحوض، وذكر الجنَّة، ثُمَّ قال الأعرابي: فيها فاكهة؟ قال: نعم، وفيها شجرة تدعى طوب (فذكر شيئًا لا أدري ما هو) وفي لفظ هي بطائف الفردوس قال: أيّ شجر أرضنا تشبه؟ قال: ليست تشبه شيئًا من شجر أرضك فقال النَّبيّ ﷺ : "أتيت الشام؟ " قال: لا قال: "تشبه شجرة بالشام تدعى الجوزة تنبت على ساق واحد، وينفرش أعلاها" قال: ما عظم أصلها؟ قال: "لو ارتحلت جَذَعة من إبل أهلكَ ما أحاطت بأصلها حتى تنكسر ترقوتها هرمًا" قال: فيها عنب؟ قال: "نعم" قال: فما عظم العنقود؟ قال: "مسيرة شهر للغراب الأبقع، ولا يفتر" قال: فما عظم الحبة؟ قال: "أذبح (١) أبوكَ تيسًا من غنمه عظيمًا قط؟ " قال: نعم قال: "فسلخ إهابه فأعطاه أمك قال: اتَّخذي لنا منه دلوًا؟ " قال: نعم قال: "فإن تلك الحبة لتشبعني وأهل بيتي! " قال: نعم وعامَّة عشيرتك (٢). ورواه الطبراني في الكبير

стр. 1112

والأوسط، والبيهقي، وابن حبان في صحيحه، وفي لفظ: "فأعطاه أمك فقال: ادبغي هذا، ثُمَّ افري لنا منه دلوًا نروي به ماشيتنا" قال: "فإن تلك الحبة تشبعني وأهل بيتي" الحديث. وأخرج أبو يعلى الموصلي عن أسماء بنت الصديق ﵄ قالت: سمعت رسول الله ﷺ وذكر سدرة المنتهى فقال: "يسير الراكب في ظل الفنن منها مائة سنة" أو قال: "يستظل في فنن منها مائة راكب فيها فراش من الذهب كان ثمرها القلال" ورواه الترمذي وقال: حسن غريب (١). وذكر الزمخشري في "كشّافه" (٢): السدرة: واحدة السدر، وهو النبق، وهي في السَّماء السابعةِ عن يمين العرش ثمرتها كالقلال، وورقها كآذان الفيلة تنبع من أصلها الأنهار التي ذكرها الله في كتابه يسير الراكب في ظلها سبعين عامًا لا يقطعها وقال مقاتل: هي شجرة لو أن ورقة منها وضعِت في الأرض لأضاءت لأهل الأرض تحمل الحلى، والحلل، والثمار، ومن جميع الألوان، ولو أنَّ رجلاً ركب حقة فطاف على ساقها، ما بلغ المكانَ الذي ركب منه حتى يقتله الهرم. قال العلامة: وهي طوبى التي ذكرها الله في سورة الرعد، وقد

стр. 1113

رأى النَّبيّ ﷺ سدرة المنتهى ليلة الإسراء في السماءِ السابعة كما عند مسلم عن أنس قال: قال النَّبيّ ﷺ : "ثمَّ ذهب بي (يعني: جبريل ﵇ إلى سدرة المنتهى، وإذا ورقها كآذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلال فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها" (١). وفي طريق من طرق الحديث: أنَّه ﷺ رأى أربعة أنهار تخرج من أصلها: نهران ظاهران، ونهران باطنان، "فقلت: يا جبريل ما هذه الأنهار؟ " قال: "أمّا النهران الباطنان فنهران في الجنَّة، وأما النهران الظاهران فالنيل والفرات". وذكر البخاري هذه الأنهار الأربعة (٢). قال العلامة في "البهجة": واختلف العلماء في تسميتها بالمنتهى، فقيل؛ لأن إليها ينتهي علم الخلائق، وما خلفها لا يعلمه إلا الله سبحانه، وقيل؛ لأنه ينتهي إليها من مات على سنةِ النَّبيّ ﷺ ، وقيل: لأنه ينتهي إليها ما يعرج من أرواح المؤمنين، وقال ابن مسعود والضحاك: إنَّ تسميتها بذلك؛ لأنَّ إليها ينتهي كلّ ما يهبط من فوقها وما يصعد من تحتها من أمرِ الله تعالى أي: مأموره. قال: واختلفوا في الذي يغشى السدرة فقيل: إنَّه فراش من ذهب، قاله ابن عباس، وابن مسعود ﵃. وهو مروي عن النَّبيّ ﷺ ، وقيل: يغشاها نور رب العزة فتستنير، قاله الحسن،

стр. 1114

وقيل: الملائكة. وفي "حادي الأرواح" (١) عن جرير بن عبد الله: نزلنا الصفاح فإذا رجل نائم تحت شجرة وقد كادت الشمس أن تبلغه فقلت للغلام: انطلق بهذا النطح فأظله قال: فانطلق، فأظله فلمَّا استيقظ إذا هو سلمان، فأتيته فقال: يا جرير، تواضع لله فإنَّه منْ تواضع لله في الدُّنيا رفعه يومَ القيامة يا جرير، هل تدري ما الظلمات يوم القيامة؟ قلت: لا أدري قال: ظلم النَّاس بينهم ثُمَّ أخذ عويدًا لا أكاد أراه بين إصبعيه، فقال: يا جرير ولو طلبت في الجنَّة مثل هذا لم تجده. قلت: يا أبا عبد الله فأين النخل، والشجر؟ قال: أصولها اللؤلؤ والذهب، وأعلاه التمر. وفيه عن مجاهد قال: لا أرض الجنَّة من ورق، وترابها مسك، وأصول أشجارها ذهب وورق، وأفنانها لؤلؤ وزبرجد وياقوت، والورق والثمر تحت ذلك فمَنْ كل قائما لم يؤذه، ومن كل جالسًا لم يؤذه، ومن أكل مضطجعا لم يؤذه، وذلِلت قطوفها تذليلًا" (٢).

стр. 1115

وفيه عن أبي سعيد ﵁ أنَّ رجلاً قال: يا رسُولَ الله، طوبى لمن رآك، وآمن بك. قال: "طوبى لمن رآني، وآمن بي، ثُمَّ طوبى ثُمَّ طوبى ثُمَّ طوبى لمن آمن بي ولم يرني". فقال رجل: يا رسُولَ الله، وما طوبى؟ قال: "شجرة في الجنَّة مسيرة مائة سنة ثياب أَهلِ الجنَّةِ تخرج من أكمامها" (١) قال في "حادي الأرواح" (٢) قلت: وصدر هذا الحديث في المسند، ولفظه: "طوبى لمن رآني، وآمن بي، وطوبى لمن آمن بي ولم يرنى سبع مرات". وفي البهجة (٣): هي (يعني: طوبى) شجرة في جنة عدن في دارِ النَّبيّ ﷺ لم يخلق الله لونًا، ولا زهرة إلا وفيها منها إلا السواد، ولا يخلق الله فاكهة، ولا ثمرة إلا وفيها منها ينبع من أصلها عينا الكافور والسلسبيل كلّ ورقة منها تظل أمة، عليها ملك يسبح الله بأنواع التسبيح وفيها أيضًا عنه ﷺ : "أنَّ طوبى شجرة غرسها الله بيده تنبت الحلى، والحلل، وأنَّ أوراقها ترى من وراء سور الجنَّة" وحكى الأصم: أنها في دار النَّبيّ ﷺ ، وفي دار كلّ مؤمن منها غصن. والله تعالى أعلم.

стр. 1116

فصل وأما ثمارها فقد قال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥] فقولهم: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: شبيهه ونظيره لا عينه. وهل هذا الذي رزقنا في الدنيا نظيره من الفواكه والثمار؟ أو هذا الذي رزقنا من قبل في الجنَّة؟ فيه قولان: ففي تفسير السدي عن ابن عباس، وابن مسعود، وناس من الصحابة ﵃ ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ إنهم اؤتوا بالثمرة في الجنَّة فلما نظروا إليها قالوا: هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا: قال مجاهد: ما أشبهه به. وقال ابن زيد: هذا الذي رزقنا من قبل في الدُّنيا وأتوا به متشابها يعرفونه. وقال آخرون: هذا الذي رزقنا من ثمارِ الجنَّة منْ قبل هذا لشدة مشابهة بعضه بعضًا في اللون، والطعم، وظاهر كلام المحقق: الميل إلى هذا، وذكر حجج القولين في "حادي الأرواح" (١)، ثُمَّ قال: وأمَّا قوله ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ فقال الحسن: خيار كلّه لا رذل فيه، ألم تروا إلى ثمار الدنيا كيف يسترذلون بعضه؟ وأما ذلك فليس فيه رذل ونحوه. قال قتادة، وقال ابن عباس، وابن مسعود ﵃: تشابها في اللونِ، وقاله ناس من الصحابة أيضًا. قال مجاهد:

стр. 1117

متشابهًا لونه مختلفًا طعمه. وقاله الربيع بن أنس، وقال يحيى بن كثير: عشب الجنَّة الزعفران، وكثبانها المسك، فيطوف عليهم الولدان بالفاكهة فيأكلونها، ثُمَّ يأتونهم بمثلها فيقولون: هذا الذي جئتمونا به آنفًا فيقول لهم الخدم: كلوا فاللون واحد، والطعم مختلف فهو قوله : "كلما رزقوا منها من ثمرة رزقًا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها". وقيل: معنى الآية: إنه يشبه ثمر الدنيا غير أنَّ ثمر الجنَّة أفضل، وأطعم: وقال ابن وهب: يعرفون أسماءه كما كانوا في الدنيا: بالتفاح والرمان. قالوا في الجنَّة: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ يعرفونه، وليس هو مثله في الطعم، واختار هذا القول ابن جرير وصححه وزيَّف القول الآخر قال: قد أخبر سبحانه أنَّهم قالوا: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ بعد أن قال: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا﴾ فكيف يجوز أن يقولوا لأوّل رزق من ثمارها ولم يتقدمه عندهم غيره منها هذا هو الذي رزقناه من قبل؟ وشنّع على من خالف هذا، لكن المحقق انتصر لمن خالفه، وقال: هم يخصون هذا العام بما عدا الرّزق الأوّل لدلالةِ العقل والسياق عليه قال: وليس هذا بباع من طريقة القرآن وأنت مضطر إلى تصحيحه، ولا بد من التصحيحات، أحدها: إن كثيرًا من ثمار الجنَّة، وهي التي لا نظير لها في الدُّنيا لا يقال فيها ذلك. الثاني: إن كثيرًا من أهلها لم يرزقوا جميع ثمرات الدُّنيا التي لها نظير في الجنَّة.

стр. 1118

الثالث: إنهم لا يستمرون على هذا القول أبد الآباد كلما أكلوا ثمرة واحدة قالوا: هذا الذي رزقناه في الدنيا، ويستمرون على هذا الكلام دائمًا إلى غير نهاية، والقرآن العزيز لم يقصد إلى هذا المعنى، ولا هو مما يعتنى به من نعيمهم ولذتهم، وإنَّما هو كلام مبين خارج على المعتاد المفهوم من الخاطب، ومعناه: أنَّه يشبه بعضه بعضًا ليس أوّله خيرًا من آخره والله تعالى أعلم. وقال تعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥)﴾ [الدخان: ٥٥]. وقال: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾ [ص: ٥١]. وقال: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٣)﴾ [الزخرف: ٧٢]. وقال تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣)﴾ [الواقعة: ٣٢، ٣٣]: أي لا تكون في وقت دون وقت ولا تمنع ممن أرادها. وقال تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣)﴾ [الحاقة: ٢١ - ٢٣] والقطوف: جمع قطف، والقطف بالفتح الفعل، يعني: المصدر أي: ثمارها دانية قريبة يتناولها فيأخذها كيف شاء. قال: البراء بن عازب ﵄: يتناول الثمرة وهو نائم. قال تعالى: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤)﴾ [الإنسان: ١٤]. قال ابن عباس ﵄: إذا همّ أنْ يتناول مِنْ ثمارها تدلت إليه حتى يتناول ما يريد. وقال غيره: قربت إليهم مذللة كيف شاءوا فهم يتناولونها قيامًا وقعودًا أو

стр. 1119

مضطجعين، ومعنى تذليل القطف: تسهيل تناوله. وأخرج الطبراني عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الرجل إذا نزع ثمرة من الجنَّة عاد مكانها أخرى" (١). وأخرج عبد الله ابن الإمام أحمد عن أبي موسى ﵁ مرفوعًا: "أهبط الله آدم من الجنَّة، وعلمه صنعة كل شيء وزوده من ثمارِ الجنَّة فثماركم هذه من ثمار الجنَّة غير أنها تغير وتلك لا تغير". وأخرجَ مسلم عن جابر ﵁، عن النَّبيّ ﷺ قال: "عرضت على الجنَّة حتى لو تناولت منها قطفًا أخذته" وفي لفظ: "فتناولت قطفًا فقصرت عنه يدي" (٢). وفي "حادي الأرواح" (٣) عنه قال: بينا نحن في صلاة الظهر إذ تقدم رسول الله ﷺ فتقدمنا، ثُمَّ تناول شيئًا ليأخذه، ثُمَّ تأخر، فلما قضى الصلاة قال له أُبيّ ابن كعب ﵁: يا رسُولَ الله، صنعت اليوم في الصلاة شيئًا ما كنت تصنعه قال: "إنه عرضت على الجنَّة، وما فيها من الزهرة، والنضرة فتناولت منها قطفًا من عنب لآتيكم به فحيل بيني وبينه، ولو أتيتكم به لأكل منه من بين السَّماء والأرض لا ينقصونه". وقال ابن المبارك عن ابن عباس ﵄: ثمر الجنَّة أمثال القلال، والدلاء، أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل، وألين من

стр. 1120

الزبد ليس فيه عجم. القلال: جمع قلة الحب العظيم، ومنه قلال هجر، وهي معروفة بالحجاز، وهجر: قرية (١) قريبة من المدينة، وليست هجر البحرين، وكانت تُعْمَل القلالُ بها تأخذ الواحدة مزادة من الماء، سُمِّيت قلة؛ لأنَّها تُقل أي تُرْفَعُ وتحمل قاله في "النهاية"، وفي المطلع: القلة: هي الجرة سميت بذلك؛ لأن الرجل يقلها بيده، أي: يرفعها، والدلا: جمع دلو وهو معروف. والعجم: النوى من التمر، والعنب، والنبق، وغير ذلك، والواحدة: عجمة.

стр. 1121

فصل وأمَّا زروع الجنَّة فقال تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١]. وفي البخاري عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ كان يومًا يحدث، وعنده رجل من أهل البادية فقال: (يعني: النَّبيّ ﷺ ) إنَّ رجلًا من أهل الجنَّةِ استأذن ربّه في الزّرع فقال له: "أو لست فيما اشتهيت؟ فقال: بلى، ولكن أحب الزرع فأسرع، وبذر فبادر الطرف نباته، واستواؤه، واستحصَاده، وتكويره أمثال الجبالِ فيقول الله : دونك يا ابن آدم فإنه لا يشبعك شيء" فقال الأعرابي: يا رسُولَ الله، لا تجد هذا إلا قرشيا أو أنصاريا فإنهم أصحابُ زرع، فأمَّا نحن فلسنا بأصحاب زرع فضحكَ رسول الله ﷺ (١). قال في "حادي الأرواح" (٢): هذا يدل على أنَّ في الجنَّة زرعًا وذلك البذر منه قال: ولا أعلم ذكر الزرع في الجنَّة إلا في هذا الحديث وفي خبر إبراهيم بن [الحسين] (٣) عن أبيه، عن عكرمة "بينما رجل في الجنَّة فقال في نفسه: لو أنَّ الله يأذن لي لزرعت فلا يعلم إلا والملائكة على أبوابه فيقولون سلام عليك يقول لك ربّك: تمنيت في نفسك شيئًا

стр. 1122

فقد علمته وقد بعث معنا البذر، فيقول: ابذروا فيخرج أمثال الجبال، فيقول له الرب من فوق عرشهِ: كلّ يا ابن آدم فإنَّ ابن آدم لا يشبع". قال في "حادي الأرواح" (١): وهذا أحسن أن تكون الأرض معمورة بالشجر والزرع. قلت: قد مرّ أنَّ نبات الجنَّة زعفران، ومرّ أنَّ أرضها من فضة أو درمكة فكيف يقال: إنها تحرث، لكن أمور الآخرة لا تقاس على الدنيا أو يكون البذر بلا حرث لعدم التلازم بينهما كما أن أنهارها بلا أخدود والله يفعل ما يشاء، والواجب على كلّ ذي لب التسليم، والله تعالى الموفق.

стр. 1123

الباب الثامن في ذكر أنهار الجنَّة وعيونها، وطعام أهلها، وشرابهم، ومصرف ذلك وآنيتهم قال تعالى: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٢٥] وقال تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ [يونس: ٩]. فدل على أنَّ الأنهار موجودة حقيقة، وأنها جارية، وأنها تحت غرفهم وقصورهم وبساتينهم كما هو المعهود في أنهار الدنيا وقد ظن بعض المفسرين أنَّ معنى جريانها: أنها تجري بأمرهم وتصرفهم لها كيف شاءوا قال في "حادي الأرواح" (١): وكأن الذي حمله على ذلك أنه لمَّا سمع أنَّ أنهارها تجري في غير أخدود حمل قوله: "تجري من تحتها" أي: بأمرهم إذ لا يكون فوق المكان تحته، وهذا من ضعف الفهم فإنَّ أنهار الجنَّة وإنْ جرت في غير أخدود فهي تحت القصور، والمنازل، والغرف، وتحت الأشجار وهو سبحانه لم يقل: من تحت أرضها وقد أخبر عن جريان الأنهار تحت الناس في الدنيا قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ [الأنعام: ٦] وحكى سبحانه عن فرعون قوله: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١]. نكتة: ذكر الإمامُ العلامة ناصر السنة ابن الجوزي في مجلس وعظه يومًا هذه الآية فقال طيب الله ثراه: انظروا يا إخواني هذا

стр. 1124

الأحمق (يعني: فرعون) افتخر بنهر ماء أجراه ما أجرأه فانظر هذه البلاغة التي كادت تثلب الفؤاد والله تعالى يفعل ما يشاء ويختار سبحانه من منح من شاء ما شاء. وقال : ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦)﴾ [الرحمن: ٦٦] أي: فوارتان. وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد قال: نضاختان بالماء، والفاكهة (١) وعن أنس ﵁: نضاختان بالمسك، والعنبر فينضخان على دور أهل الجنَّةِ كما ينضخ المطرُ على دور أهل الدنيا (٢)، وعن البراء: اللتان تجريان أفضل من النضاختين. وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد: ١٥]. وذكر سبحانه هذه الأجناس الأربع ونفى عن كلّ واحد منها الآفة التي تعرض له في الدنيا، فآفة الماء أنْ يأسن، ويأجن يعني: يتغير، وينتن من طول مكثه، فإن قيل: قد وصف سبحانه الأنهارَ بأنها تجري، ومعلوم أن الماء الجاري لا يأسن فما فائدة قوله: غير آسن؟ فالجواب: الماء الجاري وإنْ كان لا يأسن فإنه إذا [أخذ] (٣) منه شيء، وطال مكثه، أسن، وماء الجنَّة لا يعرض له ذلك، ولو طال مكثه مهما طال، واعلم أنَّ في خمر الدُّنيا آفات كثيرة، ولا كذلك خمر

стр. 1125

الجنَّة ففي خمر الدنيا الصداع، والغول والإنزاف، واللغو، وعدم اللذة فهذه خمسة آفات تغتالُ العقل، وتكثير اللغو. على شرابها، بل لا يطيب لشرابها ذلك إلا باللغو، وتنزف في نفسها وينزف المال، وتصاع الرأس، وهي كريهة المذاق، وهي رجس من عمل الشَّيطان توقع العداوة والبغضاء بين الناس، وتصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة، وتدعوا إلى الزنا، وربما دعت إلى الوقوع على البنت وعلى الأخت وذوات المحارم، وتذهب الغيرة، وتورث الخزي والندامة والفضيحة، وتلحق شرابها بانقص نوع الإنسان، يعني: المجانين، وتسلبه أحسن الأسماء والصفات يعني: العقل، وتكسوه أقبحهما، وتسهل قتل النفس، وإفشاء السر الذي في إفشائه مضرة، ومؤاخاة الشياطين في تبذير المالِ، ويكفي في ذمها أنها أمّ الخبائث فهي جامعة لجميع المفاسد والمحرمات ومانعة من جميع المصالح والخيرات، على أنَّها لا تجتمع هي وخمرة الجنَّة في جوف كما ثبت ذلك عنه ﷺ أنه قال: "من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة" (١). وجمع بين هذه الأنهار الأربع؛ لأنَّ أنهار الماء فيها ريهم ونضافتهم، وأنهار اللبن فيها قوتهم وغذاؤهم، وأنهار الخمر فيها لذتهم وسرورهم، وأنهار العسل فيها شْفاؤهم ومنفعتهم،
следующие страницы →