← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 132973

البحور الزاخرة في علوم الآخرة

السفاريني

Полный текст (1 621 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

رُدّوا عبَدي إلى مضجعه، فإنّي وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخُرجُهم تارة أخرى". وفي لفظ: "رُدُّوا روح عبدي إلى الأرض، فإني وعدتهم أن أرُدَّهم فيها"، ثمّ قرأ رسول الله ﷺ : ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ [طه: ٥٥] الآية (١). وهذا يدل على أنّ أرواح المؤمنين تستقر في الأرض، ولا تعود إلى السّماء بعد عرضها ونزولها إلى الأرض. قال الحافظ: لكن حديث البراء وحده لا يعارض الأحاديث المتقدمة في أنّ الأرواح في الجنة لاسيمّا الشهداء. وأخرج أبو يعلى في مسنده، وابن أبي الدنيا من طريق يزيد الرقاشي، عن أنس، عن تميمٍ الداري، عن النبي ﷺ ، قال: "يقولُ الله لملك الموت: اْنطلق إلى وَليِ فأْتني به، قد جَرّبتُه بالسَّرَّاء والضّرّاءِ فوجدته حيث أحب، فأْتني به لأريحه من هموم الدنيا وغمومها، فينطلق إليه ملك الموت، ومعه خمسمائة من الملائكة، معهم أكفان وحنوط من الجنة، ومعهم ضبائر الريحان" (٢) والضبائر: بضاد معجمة وباء مُوحدة آخره راء هي الجماعات، واحدتها: ضِبارة بكسر أوّله مثل عِمارة، وكل مجتمع ضبارة قاله في النهاية (٣). قال في الحديث لا أصل الريحانة واحد وفي رأسها عشرون لونًا لكل

стр. 387

لون منها ريح سوى ريح صاحبه، ومعهم الحرير الأبيض فيه المسك الأذفر، فيجلس ملك الموت عند رأسه وتحتوشه الملائكة، ويضع كُل ملك منهم يده على عضو من أعضائه، ويبسط ذلك الحرير الأبيض، والمسك الأذفر تحت ذقنه، ويُفتح لهُ باب إلى الجنة، قال: فإن نفسه لتُعلَّل عند ذلك بُطُرف الجنة"، وهو بضم الطاء المهملة، وضم الراء وفاء: جمع طُرفة المستحدث من المال كالطريف، والطارف وهو خلاف التليد والتالد، قاله السيوطي، "مرّة بأزواجها" يَعني أزواج الجنة، "ومرّة بكسوتها ومزة بثمارها، كما يُعلل الصَبيَّ أهلُهُ إذا بكا، وإنَّ أزواجه ليبتهشنَّ عند ذلك ابتهاشاً". قال في النهاية: يُقالَ للإنسان إذا نظر إلى شيء فأعجبه واشتهاه وأسع نحوه، قد بَهش إليه (١). وفي الصحاح: بهش (٢) إليه يبهش بهشًا إذا اْرتاح له وخف إليه. انتهى "وتنزُو الروح نَزوا" أي تُسرع وتشبُ كما في الصّحاح (٣). ويقول ملك الموت: اخرجي أيتها الروح الطيبة، إلى سِدر مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود، وماء مسكوب" قال: "ولمَلك الموت أشد تلطفاً به من الوالدة بولدها، يَعرف أن ذلك الروح حبيب إلى ربه، كريم على الله، فهو يلتمس بلطفه بتلك الروح رضى الله عنه، فَتُسَل روحه كما تسل الشعرة من العجين. قال: وإنّ روحه لتخرُجُ والملائكة حوله يقولون: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]

стр. 388

وذلك قول ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ قال: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩)﴾ [الواقعة: ٨٨ - ٨٩] قال: روْحٌ من جهة الموت وريَحان يتلقى به عند خروج نفسه، وجنّة نعيم أمامه، أو قال مقابله فإذا قبضَ ملك الموت روحه يقول الروحُ للجسد: جزاك الله خيرا، لقد كنت بي سريعًا إلى طاعة الله بطيئًا عن معصيته، فهنيئًا لك اليوم، فقد نجوت وانجعت، ويقول الجسد للروح مثل ذلك قال وتبكي عليه بقاع الأرض التي كان يطيعُ اللهَ عليها، وكلّ باب من السّماء كان يصعد منه عمله، وينزل منه رزقه أربعين ليلة فإذا قَبضت الملائكة روحه أقامت الخمسمائة ملك عند جسده، لا يقلّبه بَنوا آدم لشق، إلا قلبته الملائكة قبلهم وَعَلَته بكفانٍ قبل أكفانهم، وحنوطٍ قبل حنوطهم، ويقوم من باب بيته إلى باب قبره صفان من الملائكة، يستقبلونه بالاستغفار وَيصيحُ إبليسُ عند ذلك صيحةَ يتصدع منها بعض عظام جسده، ويقول لجنوده: الويلُ لكم كيف خلص هذا العبد منكم؟ فيقولون: إن هذا كان معصوماً، فإذا صَعَد ملك الموت بروحه إلى السماء، يستقبله جبريل في سبعين ألفاً من الملائكة، كلهم يأتيه ببشارة من ربه، فإذا انتهى ملك الموت إلى العرش خرّت الروحُ ساجدة لربها، فيقول الله لملك الموت اْنطلق بروح عبدي، وضعه في سدر مخضود، وطلح منضود، وظلّ ممدود وماء مسكوب، فإذا وُضع في قبره جاءت الصلاة، فكانت عن يمينه وجاء الصيام، فكان عن يساره، وجاء القرآن والذكر فكانا عند رأسه، وجاء مشيه للصلوات،

стр. 389

فكان عند رجليه، وجاء الصبر فكان ناحية القبر، ويَبعثُ الله عنقاً أي طائفة من العذاب، فيأتيه عن يمينه، فتقول الصلاة وراك، والله ما زال دائبَا بالدال المهملة وموحدة آخره أي جاداً عمره كله، وإنما اْستراح الآن، حين وضع في قبره قال: فيأتيه عن يساره فيقول الصيام مثل ذلك، فيأتيه من قِبَل رأسه فيقال مثل ذلك، فلا يأتيه العذاب من ناحية فيلتمسُ، هل يجد إليه مساغاً إلاّ وجد وليَّ الله قد أحرزته الطاعة، فيَخرجُ عنه العذاب عندما يرى ويقول الصبر لسائر الأعمال: أما إنه لم يمنعْني أن أباشرَهُ بنفسي، إلا أني نظرت ما عندكم، فلو عجزتم كنتُ أنا صاحبه، فأما إذ أجزأتُم فأنا ذخر له عند الصراط، وذخر له عند الميزان، قال: ويبَعثُ الله ملكين أبصارُهما كالبرق الخاطف، وأصواتهما كالرعد القاصف، وأنيابهما كالصّياصي، أي: بمهملتين هي: قرون البقر، واحدهما صيصيه وأنفاسهما كاللهب، يَطآن في أشعارهما، بين منكبي كل واحد منهما مسيرة كذا وكذا، وقد نُزعت منهما الرأفة والرحمة، إلا بالمؤمنين يُقال لهما منكر ونكير، في يد كل واحد منهما مِطرقة، لو اْجتمع عليها الثقلان لم يقلوها فيقولان له: اْجلس، فيستوي جالسًا في قبره فتسقط في حقويه فيقولان له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: ربي الله وحده لا شريك له، والإسلام ديني، ومحمدٌ نَبِيِّ، وهو خاتم النّبيّين، فيقولان له: صدقت فيدفعان القبر، فيوسعانه من بين يديه، ومن خلفه وعن يمينه وعن يساره، ومن قِبل رأسِه ومن قِبَل رجليه، ثم يقولان له انظرُ فوقك فينظرُ، فإذا

стр. 390

هو مفتوح إلى الجنة، فيقولان له هذا منزلك يا وَليَّ الله، لما أطعتَ الله قال رسول الله ﷺ : "فوالذي نفسُ محمد بيده، إنَّه لتصلُ إلى قلبه فرحةٌ، لا ترتدُ أبداً، فيقال له: اْنظر تحتك فينظر تحته، فإذا هو مفتوح إلى النار فيقولان يا وليّ الله نجوت من هذا، قال رسول الله ﷺ ، والذي نفسي بيده، إنه لتصلُ إلى قلبه عند ذلك فرحة لا ترتد أبدا، ويُفتَح لى سبعةُ وسبعون باباً إلى الجنة، فيأتيه ريحُها وبردُها حتى يبعثه اللهُ من قبره قال: ويقولُ الله تعالى لملك الموت: اْنطلق إلى عدوّي فأتني به فإني قد بسطت له رزقي، وسربلته بنعمتي فأبى إلاّ معصيتي، فأتني به لأنتقَم منه اليوم، فينطلق إليه ملك الموت، في "أكره صورة رآها أحد من الناس قط، له اْثنا عشر عينا ومعه سَفّود، وهو بفتح المهملة وضمّ الفاء المشددة آخره مهملة: الحديدة التي يُشوَى بها اللحم من نار، كثير الشوك ومعه خمسمائة من الملائكة، معهم نحاس أي: دخان لا لهب فيه، ومنه قوله تعالى: ﴿شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ [الرحمن: ٣٥] وجمرٌ من جمر جهنم ومعهم سياطٌ من النار، تتأجج فيضربه ملك الموت بذلك السفّود ضربةَ يغيب أصل كّل شوكة من ذلك، في أصل كلّ شعرة وعِرق من عروقه، ثم يلويه ليّا شديداً فينزع روحه من أظفار قدميه، فيلقيها في عقبيه، فيَسكرُ عدوُّ الله عند ذلك سكرةَ، وتضرب الملائكةُ وجهه ودبره بتلك السياط، ثم يجبذه جبذة (١) فتُنزع روحه من عقبيه،

стр. 391

فيُلقيها في ركبتيه فيسكر عدوّ الله سكرة، وتضرب الملائكة وجهه ودبره بتلك السياط، ثم كذلك إلى حقويه، ثم كذلك إلى صدره، ثم كذلك إلى حلقه، ثم تبسط الملائكة ذلك النحاس وجمر جهنم تحت ذقنه، ثم يقولُ ملكُ الموت أُخرجي أيتها النفس اللعينة الملعونة إلى سَموم وحميم، وظل من يحموم لا باردٍ ولا كريم، فإذا قَبضَ ملكُ الموتِ روحه، قال الرّوحُ للجسد جزاك الله عني شراً، فقد كنت سريعًا إلى معصية الله تعالى، بطيئاً عن طاعة الله، فقد هلكتَ وأهلكتَ ويقولُ الجسد للروح مثل ذلك، وتلعنه بقاعُ الأرض التي كان يَعصي الله عليها، وتنطلق جنود إبليس إليه، يبشرونه بأنهم قد أوردوا عبداً من بني آدم النار، فإذا وُضع في قبره ضُيّق عليه قبره، حتى تختلف أضلاعه، فتدخل اليمنى في اليُسرى واليُسرى في اليمنى، وببعثُ الله إليه حيات دُهما". قال السيوطي: يُحتمل أن يكونَ بضم أوّله أي سُود فيكون جمع دُهم، وأن يكون بفتح أوّله أي عَددًا كثيرًا، فيكون مفردًا والجمع دهوم اْنتهى. "فتأخذ برأسه (١) وإبهام قدميه، فتقوضه" بقاف ثم واو ثم ضاد معجمة، أي: تنقصه. بمعنى تفسخه وتفرقه وفي النهاية (٢). تقويض الخيام قلعها وإزالتها اْنتهى حتى تلتقي في وسطه قال: ويبعث اللهُ إليه الملكين، فيقولان له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن

стр. 392

نبيك؟ فيقول: لا أدري فيقال: لا دَريت ولا تليت فيضربانه ضربة، يتطاير الشرار في قبره، ثم يعود فيقولان له اْنظر فوقك فإذا باب مفتوح إلى الجنة، فيقولان يا عدوّ الله لو كنت أطعت الله كان هذا منزلك، قال: فوالذي نفسي بيده ليصل إلى قلبه عند ذلك حسرة لا ترقد أبداً، ويُفتح له باب إلى النار فيقالُ يا عدو الله: هذا منزلك لما عصيت، ويفتح له سبعة وسبعون باباً إلى النار، يأتيه حرُّها وسمومُها حتى يبعثه الله من قبره يوم القيامة إلى النار ففيه أن الله يقولُ لملك الموت في حقّ المؤمن: اْنطلق بروح عبدي، وضعه في سدر مخضود، وطلح منضود وظل ممدود وماء مسكوب" (١). والله أعلم. وفي صحيح مسلم (٢) عن عبد الله بن شقيق عن أبي هُريرة ﵁، في صفة قبض روح المؤمن قال: " يُصعد به إلى ربه فيقول: ردّوه إلى أحد الأجلين" وذكر مثله في الكافية، وفي حديث ابن أبي الدنيا في روح المؤمن "ويبعث بها إلى عليين"، وفي روح الكافر "وينصب بها إلى سجين" وخرجَّهُ النسائي وغيره (٣).

стр. 393

وقال ابن مسعود: إن الروح بعد السؤال في القبر ترفع إلى عليين، وتلا قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨)﴾ [المطففين: ١٨] وقالت فرقة: تجتمع الأرواح بموضع من الأرض. كما روى همّام عن قتادة: حدَّثني رجلٌ عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو قال: إن أرواح المؤمنين تَجتمعُ بالجابية، وأما أرواح الكفار فتجتمع بسبخة بحضرموت، يقال لها برهوت. خرّجه أبو عبد الله ابن منده (١). ورواه هشام الدستوائي، عن قتادة عن سعيد بن المسيب من قوله: لم يَذكر عبد الله بن عَمرو على أن قتادة لم يسمعه من سعيد، بل بينه وبينه من لم يُعرف. وأخرج ابن منده (٢) عن عليّ ﵁ قال: شرُّوادٍ بئرٌ في الأحقاف، وبرهوت بئر في حضرموت. ترده أرواح الكُفّار. ورواه من طريق آخر (٣) عن ابن عباس عن علي ﵃، قال: أبغض بُقعة في الأرض بئرٌ بحضرموت يقال له برهوت، فيه أرواح الكفار، وفيه بئر ماؤه بالنهار أسود كأنه قيح، تأوي إليه الهوام.

стр. 394

وأخرج ابن مَنده أيضًا (١): أن ابن عَمرو سُئل عن أرواح المؤمنين، وأرواح الكافرين، فقال: أرواحُ المؤمنين بالجابية، وأرواحُ الكفار ببرهوت. وأخرج أيضًا عن سفيان عن إبان بن تغلبٍ قال: قال رجلٌ: بتُّ فيه، يعني: وادي برهوت فكأنما حشرتْ فيه أرواح الناس، وهمُ يقولون يا دومة، يا دومة قال أبان: حدثنا رجل من أهل الكتاب، أنّ دومة هو الملك الذي على أرواح الكفار. قال سفيان: وسألنا الحضرميين فقالوا: لا يستطيع أحدٌ أن يبيتَ فيه بالليل. وقال ابن قتيبة في كتابه "غريب الحديث" (٢): ذَكَر الأصمعي عن رجُل من أهل برهوت: يعني البلد الذي فيه هذا البئر قال: نجدُ الرائحة المنتنة الفظيعة جدًا، ثم تمكثُ حينا، فيأتينا الخبرُ بأنّ عظيمًا من عظماء الكفار قد مات، فزى أنّ تلك الرائحة منه. وقال ابن عيينة أخبرني رجلٌ أنه أمسى ببرهوت، فكأن فيه أصوات الحاج قال: وسألتُ أهل حضرموت، فقالوا: لا يَستطيع أحدٌ أن يمُسي به. وأخرج ابن أبي الدنيا عن عُمر بن سليمان، قال: ماتَ رجل من اليهود عنده وديعة لمسلم، وكان لليهودي ابن مسلم، فلم يعرف موضع الوديعة، فأخبر شعيبًا الجبائي فقال: اْئت برهوت، فإن دونه عينا بسيسب، فإذا جئت يومَ السبت فامش عليها، حتى تأتي هناك فادع أباك فإنه يجيبك فتسأله عمّا تُريد ففعل ذلك الرجل، ومضى حتى

стр. 395

أتى العين، فدعا أباهُ مرتين أو ثلاثاً فأجابه فقال: أين وديعة فلان؟ فقال: تحت أسكفة الباب فدفعها إليه (١)، وتقدَّمت حكايةُ الرجل صاحبِ الذهب. وقال أبو موسى الأشعري: روح الكافر بوادي حضرموت، في أسفل الثرى من سبع أرضين. قال الحافظ (٢): وكل ما ورد من هذه الآثار فإنه محمول على أن الأرواح تنتقل من مكان إلى مكان، فلا تدل على أنها تستمر في موضع معين من الأرض. واللهُ أعلم. قال ويشهد لهذا ما رُويَ عن شهر بن حوشب قال: كتب عبد الله بن عَمرو إلى كعب يسأله أين تلتقي أرواحُ أهل الجنة وأرواح أهل النار؟ فقال: أمّا أرواح أهل الجنَّة فبالبادية، وأما أرواحُ الكُفّار فبحضرموت. ذكره ابن منده تعليقاً (٣). وقالت طائفة من الصحابة (٤): الأرواح عند الله ، وقد صحّ ذلك عن عُمر ﵁، وقال حذيفة إن الأرواح موقوفة عند الرّحمن ، تنتظر مَوعدها حتى يُنفخ فيها، قال الحافظُ إسناده ضعيف، ثم قال وهذا لا ينُافي ما وَرَدَتْ به الآثارُ من مَحل الأرواح على ما سبق.

стр. 396

وقالت طائفة (١): أرواح بني آدم عند أبيهم آدم عن يمينه وشماله، ويستدلّ له بما في الصحيحين، عن أنس ﵁ عن أبي ذرّ ﵁، عن النبي، ﷺ في حديث المعراج وفيه: "لما فَتح عَلوْنا السماء الدُنيا فإذا رَجل قاعدٌ على يمينه أسودة، وعلى يساره أسودة، فإذا نظر قِبَلَ يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، فقال: مرحبًا بالنبي الصالح، والابن الصالح، قلت لجبريل من هذا؟ قال: آدم، وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نسم بنيه، وأهل اليمين فهم أهل الجنَّة والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر عن شماله بكى" (٢) وذكر بقية الحديث. قال الحافظ (٣): وظاهر هذا اللفظ يقتضي أن أرواح الكفار في السماء قال: وهذا مُخالف لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: ٤٠] الآية. وكذلك حديث البراء (٤) وأبي هُريرة (٥) وغيرهما فيها "إن السماء لا تُفتح لروح الكافر، وإنما تُطرح طرحًا" وإن رسول الله ﷺ ، قرأ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الحج: ٣١] الآية. وقد حمله

стр. 397

بعضهم بأنّ هذه الأرواح التي عن يمين آدم وشماله، هي أرواح بنيه التي لم تُخلق أجسادهم بعد، قال الحافظ وهذا في غاية البُعد، مع ما فيه من النزاع في أنّ الأرواح هَل خُلقت قبل الأجساد؛، أو بعدها على ما قدّمناه. قال الحافظ: وقد وَرَدَ من حديث أبي هُريرة ﵁، ما يُزيل هذا الإشكال كله، في حديث الإسراء وفيه: "فدخل فإذا هو برجل تام الخلق، لم ينقص من خلقه شيء، كما ينقص من خلق الناس عن يمينه باب يخرجُ منه ريح طيبة، وعن شماله بابٌ يخرجُ منه ريح خبيثة، إذا نظر إلى الباب الذي عن يمينه ضحك واستبشر، وإذا نظر إلى الباب الذي عن شماله بكى وحزن، قال يا جبريل من هذا الرجل التام الخلق؟ الذي لم ينقص من خلقه شيء؟ وما هذان البابان، قال: هذا أبوك آدم ﷺ ، وهذا الباب الذي عن يمينه بابُ الجنة، فإذا نظر مَن يَدخُلُ من ذريته الجنة ضحك واستبشر، والباب الذي عن شِماله بابُ جهنم، فإذا نظر من يدخل من ذريته جهنم بكى، وحزن" (١) وذكر الحديث خرّجه بتمامه البزار في مسنده، والخلال وغيرهما، وفيه التصريح بأنّ أرواح ذريته في الجنة، والنار. قال الحافظ: وهذا لا يقتضي أن تكون الجنة والنار في السماء الدنيا، وإنما معناه أن آدم في السماء الدنيا يُفتح له بابان إلى الجنة النار ينظر منهما إلى أرواح ولده فيهما وقد رأى النبي ﷺ ، الجنَّة

стр. 398

والنارَ في صلاة الكسوف، وهو في الأرض، وليست الجنة في الأرض، ورُوي أنه رآهما ليلة الإسراء في السماء، وليست النارُ في السماء (١). ويؤيده حديث هارون العبدي مع ضعفه، عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ ، في حديث الإسراء الطويل، أن ذكر السماء الدنيا قال: "وإذا أنا برجل كهيئته يومَ خلقه الله، لم يتغير منه شيء وإذا هو يعرض عليه أرواح ذُرّيته، فإذا كان روح مؤمن قال: روح طيبة اجعلوا كتابه في عليين وإذا كان روح كافر قال: روحٌ خبيثة، وريح خبيثة اجعلوا كتابه في سجين، قلت: يا جبريل من هذا؟ قال: أبوك آدم" (٢). وذكر الحديث ففي هذا: إنه يُعرض عليه أرواح ذريته في السماء الدنيا، وأنه يأمر بجعل الأرواح في مستقرها من عليين وسجين فدل على أن الأرواح ليس محل استقرارها في السماء الدنيا وزعم ابن حزم: أن الله خلق الأرواح جملة قبل الأجساد وأنه جعلها في برزخ وذلك البرزخُ عند منقطَع العناصر، يعني حيث لا ماء ولا هواء ولا نار، ولا تُراب وإنه إذا خلق الأجساد أدخل فيها تلك الأرواح، ثم يعيدها عند قبضها إلى ذلك البرزخ، وهو الذي رآها فيه رسول الله ﷺ ، ليلة الإسراء به عند منقطع العناصر، أرواح أهل السعادة عن يمين آدم وأرواح أهل الشقاوة عن يساره، وذلك عند السماء الدنيا وأما أرواح الأنبياء والشهداء فترفع إلى الجنة، قال:

стр. 399

وهذا القولُ قول جميع أهل الإسلام (١) (٢). قال المحقق في الروح: قولهُ أي ابن حزم إن ذلك عند مُنقطع العناصر: لا دليل عليه من كتابٍ ولا سُنَّة، ولا يُشبه قول أهل الإسلام، والأحاديث الصحيحةُ تدلّ على أن الأرواح فوقَ العناصر في الجنة عند الله، وأدلّة القُرآن تدلّ على ذلك، وقد وافقنا ابن حزم على أنّ أرواح الأنبياء والشّهداء في الجنة، ومعلومٌ أن الصديقين أفضل من الشهداء، فكيف يكون روح أبي بكر وعبد الله بن مسعود، وأبي الدّرداء وحُذيفة بن اليمان، وأشباههم عند منقطع العناصر، وذلك تحت هذا الفَلَكِ الأدنى، وتحتَ السماء الدنيا وتكون أرواح شهداء زماننا وغيرهم فوق العناصر، وفوق السموات (٣) انتهى. وقال تلميذه الحافظ قوله: "وهذا قول جميع أهل الإسلام" (٤). وأمّا قوله وقد ذكر محمد بن نصر المروزي عن إسحاق بن راهويه، أنه ذكر هذا الذي قلناه بعينه، قال: وعلى هذا أجمع أهل العلم فقال المحقق قلتُ محمد بن نصر المروزي، ذكر في كتاب الرد على ابن قتيبة في تفسير قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ ....﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآية. الآثار التي ذكرها السلف من استخراج ذرية آدم من صُلبه، ثم أخذ الميثاق عليهم وردّهم في صلبه، وأنه أخرجهم

стр. 400

مثل الذّر؛ وأنه سبحانه قسمهم قسمين، إذ ذاك إلى شقي وسعيد، وكتب آجالهم وأرزاقهم وأعمالهم وما يصيبهم من خير وشرّ، ثمّ قال: قال إسحق: أجمعَ أهلُ العلم أنها الأرواح قبل الأجساد، استنطقهم ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ الآية [الأعراف: الآية ١٧٢] قال المحقق: هذا نصُّ كلامه قال: وهو كما ترَى لا يَدل على أنّ مستقر الأرواح ما ذُكر بوجه من الوجوه، بل ولا يدل على أنّ الأرواح كانت قبل خلق الأجساد، بل إنما يدلّ على أنه سبحانه أخرجَها فخاطبها ثم ردها إلى صلب آدم، والله أعلم. هذا كلام المحقق، وأما الحافظ فقال: ليس هذا يعني: ما حكاهُ ابن حزم من جنس كلام المسلمين، إنما هو من جنس كلام المتفلسفة، ورَدّ الحافظ ما أخرجه ابن جرير في كتاب الآداب (١)، أنه قال سلمان لعبد الله بن سلام إن مِتّ قبلي فأخبرني بما تلقى، دمان مِتُ قبلك أخبرتك بما ألقى، فقال له الناس: يا عبد الله كيف تخبر وقد متّ؟ قال: ما روح تقبض من جسد إلاّ كان بين السماء والأرض، حتى يُردَّ في جسده الذي أخذ منه، بأن هذا لا يثبت وهو منقطع، وقد سبقت رواية ابن المسيب (٢) لهذه القصّة، بغير هذا اللفظ، وهو الصحيح وقالت طائفة: تجتمعُ في الأرض التي قال الله فيها ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ الآية [الأنبياء: ١٠٥]. وهذا كما قال المحقق: إن كان قاله تفسيرًا للآية فليس هو تفسير

стр. 401

لها، وقد اختلف الناس في الأرض المذكورة هنا، فقال سعيد بن جبير عن ابن عباس (١): هي أرض الجنة وهو قول أكثر المفسرين، وعن ابن عباس أنها الدنيا التي فتحها الله على أمة محمد ﷺ ، وصححه المحقق وقالت طائفة من المفسرين: المرادُ بذلك أرض بيت المقدس. قال المحقق: هي يعني: أرض بيت المقّدس من الأرض التي أورثها الله عباده الصالحين، وليسَت الآية مختصة بها، وهذا بناء على ما ذهب إليه من أن المراد بها: ما فُتح على هذه الأمة من الدنيا، والله أعلم. وزعمت طائفة أن أرواح المؤمنين تجتمع ببئر زمزم، وقد قدّمنا في حكاية صاحب الذهب، ما يدل على ذلك لكن قال المحقق: هذا لا دليل عليه من كتاب ولا سنة، ولا يجب التسليم له، ولا يوثق به، إلى أن قال: وبالجملة، فهذا أَبطلُ الأقوال وأفسدها، وهو أفسد مِن قول من قال إنها بالجابية. وقالت طائفة: هي في برزخ من الأرض تذهب حيث شاءت، وهو مرويّ عن سلمان الفارسي. قال المحقق: البرزخُ هو الحاجز بين شيئين، وكأن سلمان أراد أنها بين الدنيا والآخرة مرسلة، هناك تذهبُ حيث شاءت قال: هذا قول قوي فإنها قد فارقت الدنيا، ولم تلج الآخرة، بل هي في برزخ بينهما فأرواحُ المؤمنين في برزخ واسمع، فيه الرَّوحُ والريحان والنعيم، وأرواحُ الكفار في برزخ ضيّق، فيه الغم والعذاب، قال تعالى: ﴿وَمِنْ

стр. 402

وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠]، فالبرزخ هنا ما بين الدنيا والآخرة، وأصله الحاجز بين الشيئين (١)، انتهى. وزعمت طائفة: أن مستقرّها العدم المحض. قال المحقق: وهذا قول من قال إنها أعراض من أعراض البدن، وهو الحياة قال: وهذا قولُ ابن الباقلاني ومن تبعه. قال المحقق: وهذا يردّه الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة، وأدلة العقول والفِطر، وهو قول من لم يعرف روحه، فضلًا عن روح غيره، وقد خاطب الله سبُحانه النفس بالرجوع والدخول. ودلت النصوص الصحيحة الصريحة: على أنها تصعد وتنزل، وتقبض وتمسك، وتُرسل وتفتح لها أبوابُ السماء وتسجد وتتكلم، وأنها تخرجُ تسيلُ كما تسيل القطرة، وتكفن وتحنط في أكفان الجنّة أو النار إلى أن قال: ودَلَّ القُرآن على أنها تنتقل من مكان إلى مكان، حتى تبلغ الحلقوم في حركتها إلى أن قال: ولمّا أورد ذلك على ابن الباقلاني لجَّ في الجواب وقال: يُخَرَّجُ هذا على أحد وجهين: إما بأن يُوضع عرض من الحياة في أوّل جزء من أجزاء الجسم، وإمّا أن يُخلق لتلك الحياة والنعيم والعذاب جزء آخر. قال المحقق: وهذا قول في غاية الفساد، وفسادُهُ من وجوه كثيرة، وأي قولٍ أفسد من قولٍ يجعل روح الإنسان عرضًا (٢) [من الأعْرَاض تَبذل كل ساعة ألوفًا من التغيرات فهذا يدل على أنه لم

стр. 403

تكن بعد المفارقة روح تنعم ولا تعذب ولا تصعد ولا تنزل ولا تمسك، ولا ترسل وأي قول أفسد من هذا القول؟ فإنه مخالف للعقل والكتاب والسُّنة والفِطرة وهذا لم يَقُل به أحدٌ مِنْ سلفِ الأُمة ولا أئمة الإسلام. انتهى. وقال في "الإفصاح" (١): المنَعَّم على جهات مختلفة. منها: ما هو طائر في شجر الجنَّة. ومنها: ما هو في حواصل طير خضر. ومنها: ما يأوي في قناديلٍ تحت شجر العرش. ومنها: ما هو في حواصل طير بيض. ومنها: ما هو في حواصل طير كالزرازير، ومنها: ما هو في أشخاص صور من صور الجنَّة. ومنها: ما هو في صورة تخلق من ثواب أعمالهم. ومنها: ما تسرح وتتردد إلى جثثها وتزورها. ومنها: ما تتلقى أرواح المقبوضين وممن سوى ذلك ما هو في كفالة ميكائيل ومنها: ما هو في كفالة آدم، ومنها: ما هو في كفالة إبراهيم. قال القرطبي: وهذا قول حسن يجمع الأخبار حتى لا تتدافع (٢). وارتضاه السيوطي أيضًا، وقال: قلت: ويؤيده ما في حديث الإسراء عند البيهقي في الدلائل وابن مردويه من رواية أبي سعيد الخدري

стр. 404

"صعدتُ إلى السَّماءِ الثانية فإذا أنا بيحيى وعيسى ومعهما نفرٌ مِنْ قَومهما، ثم صعدتُ إلى السماء الثالثة فإذا أنا بيوسُف ومعه نفرٌ مِنْ قومه، ثُمّ صعدتُ إلى السَّماءِ الرَّابعةِ فإذا أنا بإدريسَ ومعه نفر من قومه ثم صعدت إلى السماء الخامسة فإذا أنا بهارون ومعه نفر من قومه، ثم صعدت إلى السَّماءِ السَّادسة فإذا أنا بموسى ومعه نفرٌ مِنْ قومه، ثم صعدت إلى السماء السابعة فإذا أنا بإبراهيم ومعه نفر من قومه فقيل لي: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ٦٨] وإذا أنا بأمتي شطرين شطر عليهم ثياب بيض كأنها القراطيس وشطر] (١) عليهم ثياب مذر ... الحديث (٢). فهذا يدلُ على تفاوت الأرواح في المراتب، وإن كان في كل سماء قوم (٣). وقال المحققُ: لا مُنافاة بين حديث أنه طائر يعلق في شجر الجنة، وبين حديث عرض المقعد، بل تردُ روحه أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، ويعرض عليه مقعده؛ لأنه لا يدخل إلا يوم الجزاء بدليل: أنَّ منازل الشهداء يومئذ، ليست هي الي تأوي إليها أرواحهم في البرزخ، فدُخول الجنّة التام إنما يكون للإنسان التام رُوحًا وبدنًا،

стр. 405

ودخُول الروح أمر دون ذلك (١). قال النسفي في "بحر الكلام": الأرواح على أربعة أوجه: أرواح الأنبياء تخرج من جسدها، وتصيرُ مثل صورتها، مثل المسك والكافور، وتكونُ في الجنة تأكل وتشرب وتتنعم، وتأوي بالليل إلى قناديل معلقة تحت العرش. وأرواح الشهداء تخرج من جسدها، وتكون في أجواف طير خضر في الجنة، تأكلُ وتتنعم، وتأوي بالليل إلى قناديل معلقة تحت العرش. وأرواح المطيعين من المؤمنين بَربَض الجنة، لا تأكل ولا تتمتع، ولكن تنظر في الجنة. وأرواح العصاة من المؤمنين تكون بين السّماء والأرض في الهواء. وأما أرواح الكفار، فهي في سجين، في جوف طير سود تحت الأرض السّابعة، وهي متصلة بأجسادها، فتعذب الأرواح وتتألم الأجساد منه، كالشمس في السماء ونورها في الأرض (٢). انتهى. هذا وقد ثبت أنّ أرواح المؤمنين المطيعين تتنعم من الجنة، وما قاله يحتاج إلى دليل، على أنَّه قد تقدم رد كلام من زعم أن أرواح المؤمنين ليستْ في الجنَّة فليتنبه له والله أعلم.

стр. 406

الباب الرابع في ذكر ضيق القبور وظلمتها على أهلها وتنوّرها عليهم، وفي زيارة الموتى والاتّعاظ بحالهم والتفكر بهم تقدّم أن القبر يقول: أنا بيت الظلمة وبيت الضيق، أخرج ابن المبارك عن سليم بن عامر قال: خرجنا في جنازة في باب دمشق، ومعنا أبو أمامة الباهلي، فلمّا صلىّ على الجنازة وأخذوا في دفنها، قال أبو أمامة: إنكم قد أصبحتم وأمسيتم في منزل تغتنمون فيه الحسنات والسّيّئات، توشكون أن تظعنوا منه إلى منزل آخر، وهو هذا يشير إلى القبر، بيت الوحدة وبيت الظلمة، وبيت الدود وبيت الضيق، إلا ما وسَّمع اللهُ ثم تنقلون منه إلى مواطن القيامة (١). وأخرج ابن أبي الدنيا، عن امرأة هشام الدستوائي قالت: كان هشام إذا طُفئ المصباح غَشِيَهُ من ذلك أمر عظيم، فقلتُ: إنه ليغشاكَ أمرٌ عظيم عند هذا المصباح إذا طُفِئ قال: إني أذكر ظلمة القبر، ثم قال: لو كان يسبقني إلى هذا أحد من السلف؛ لأوصيت إذا مُتّ أن أجعَلَ في ناحية من داري، قالت: هما مكث إلا يسيرا حتى مات قالت: فمرّ بعضُ إخوانه بقبره فقال: يا أبا بكر صرتَ والله إلى المحذور (٢)، ومَرَّةً انطفأ المصباح فخرج هاربًا من البيت، فقيل له في ذلك فقال: ذكرت ظلمة القبر.

стр. 407

وروى الحافظ ابن رجب، عن خالد بن خداش، قال: كنتُ أقعد إلى وسيم البلخي، عمّ قتيبة وكان أعمى، وكان يحدث ويقول آوه من القبر وظلمته، واللحد وضيقه، كيفَ أصنع ثم يغمى عليه، ثم يعود فيحدّث ويصنع ذلك مرات حتى يقوم (١). وأخرج ابن أبي الدنيا عن وهب ابن الورد قال: نظر ابن مطيع ذات يوم إلى داره، فأعجبه حسنها فبكى ثم قال: والله لولا الموتُ لكنت بكِ مسرورا، ولولا ما نصيرُ إليه من ضيق القبور، لقرّتْ بالدُنيا أعيننا، ثم بَكَى بُكَّاءً شديدا حتى ارتفع صوته (٢). وذكر ابن أبي الدنيا أيضًا عن محمد بن حرب المكي قال: قدم علينا أبو عبد الرحمن العمري العابد، فاجتمعنا إليه وأتاه وُجوه أهل مكة، قال فرفع رأسه، فلما نظر إلى القصور المحدقة بالكعبة، نادى بأعلى صوته: يا أصحاب القصور المشيدة، اذكروا ظلمة القبور الموحشة، يا أهل التنعم والتلذذ، اذكروا الدّود والصّديد، وبلي الأجساد في التراب، قال ثم غلبته عيناه فنام (٣). وذُكِرَ أنّ سعيدَ بنَ عبد العزيز دخلَ على سُليمان الخَواّص فقال: ما لي أراك في الظلمة؟ فقال: ظلمةُ القبر أشدّ (٤).

стр. 408

وذكر الحافظ في "أهوال القبور" عن أبي المصرخي قال: خرجتُ غازيًا فمررت ببعض حُصُون الشام، فوجدت بابَ الحصن مغلقًا، ومقبرة على الباب، فبتُّ بجنب المقبرة بالقرب من قبر محفور، فلما نمت إذا بهاتفٍ من القبر وهو يقول: أنعم الله بالخيالين ... عينا وبمسراك يا أميم إلينا عجبًا ما عجبتُ من ثقلِ الترب ... وظلمةِ القبور علينا قال: فانتبهت فإذا الباب قد فُتح، وإذا بالجنازة يقدمها شيخ فقلت له: ما هذه الجنازة؟ قال: هذه جنازة ابنتي قلت: ما اسمها؟ قال: أميمة، قلت: القبر المحفور لمن؟ قال: قبر ابن أخي، وكان زوجها فتوفى فدفنته ثم توفيت ابنتي فجئت أدفنها، فأخبرتُه بما سمعت من الهاتف في القبر (١). ويشبه هذا ما خرّجه ابن أبي الدنيا عن الشعبي قال: كان صفوان بن أمية في بعض المقابر فإذا بشعل نيران قد أقبلت ومعها جنازة فلما دنوا من المقبرة قالوا: انظروا قبر كذا وكذا، قال رجل: سمعتُ صوتًا من القبر حزينًا موجعًا يقول: أنعم الله بالظعينة عينا ... وبمسراك يا مُنينَ إلينا جزعًا ما جَزعتُ من ظلمة القـ ... ـبر ومن مسك التراب أمينا فأخبر القوم بما سمع، فبكوا حتى أخضلوا لحاهُم، ثم قال هل تدري من مُنينة؟ قال: لا، قال: صاحبة هذا السرير، وهذه أختها ماتت عام أوّل (٢).

стр. 409

وأخرج أيضًا عن إسماعيل بن راشد قال: حجَّتِ امرأةُ فماتت في بعض المنازل، فلما كان القابل حجّت أختٌ لها فماتت في ذلك المنزل، فجهزوها وأخرجوها ليدفنوها فبينا هم يطلبون قبر أختها، وإذا رجل قد أسري ليلته، فأتى القبور، فرمى بنفسه فنام فيها فاستيقظ فقال: ما تطلبون قالوا: قبرًا قال: هو تحتي (١) [قالوا: وما علمك؟ قال: سمعت قائلًا: يقول: يا منينا يا منينا ... أنعم الله بالظعينة عينا نفسًا ما نفست من نفس القـ ... ـبر وبمسراك يا منين إلينا لم نلق بعدكم يا منينا رخاء ... أقبل الدهر بالرخاء علينا قال: فدفنت إلى جنب أختها. وأخرج أبو نعيم، عن عمر بن عبد العزيز، أنه كان يقول في موعظة له طويلة، يذكر فيها أهل القبور: أليسوا في مدلهمة ظلماء، أليس الليل والنهار سواء؟ (٢). وقال أبو العتاهية يبكي على نفسه في مرثية: لأبكين على نفسي وحق ليه ... يا عين لا تبخلي عني بعبرتيه لأبكين فقد بأن الشباب فقد ... جد الرحيل عن الدنيا برحلتيه يانأي منتجعي يا هول مطلعي ... يا ضيق مضطجعي يا بعد شقتيه المال ما كان قدامي لآخرتي ... ما لا أقدم من مالي فليس ليه لأبكينَ فيبكين ذوو ثقتي ... قبل الممات وإخواني وإخوتيه (٣)

стр. 410

فصل وأخرج مسلم في "صحيحه"، من حديث بريدة، عن النبي ﷺ قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة". وخرجه الإمام أحمد، بلفظ آخر: "فزوروها فإن في زيارتها عبرة وعظة" (١). وأخرج الإمام أحمد عن أنس أن النبي ﷺ قال: "نهيتكم عن زيارة القبور ثم بدا لي فيها فإنه يرق القلب وتدمع العين، وتذكر الآخرة فزوروها ولا تقولوا هجرا ... " (٢). وأخرج مسلم، من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "أستأذنت ربي أن أزور قبر أمي فأذن لي، فزوروها فإنها تذكر الموت" (٣). وأخرج الحاكم، عن أبي ذر، مرفوعًا قال: "من زار القبور تذكر بها الآخرة، وغسل الموتى، فإن معالجة جسد الميت موعظة بليغة، وصلِّ على الجنائز، لعل ذلك يحزنك، فإن الحزين في ظل الله تعالى يتعرض

стр. 411

لكل خير" (١). وأخرج ابن أبي الدنيا، عن ثابت البناني، قال: بينما أنا أمشي في المقابر إذا بهاتف من ورائي يقول: يا ثابت: لا يغرنَّك سكوتُها فكم من مغموم فيها، فالتفَتُّ فلمْ أرَ أحدًا (٢). وأخْرجَ عن بشر بن منصور قال: قال لي عطاء الأزرق: إذا حَضرتَ المقابر فليكن قلبك فيمن أنت بين ظَهريه، فإني بينما أنا قائم ذات ليلة في المقابر، تفكرتُ في شيء فإذا أنا بصوت يقول: إليك يا غافل، إنما أنت بين ناعم في تنعمه مدلل أو مُعذب في سكراته يتقلب (٣). وأخرج عن صالح المري قال: دخلت المقابر يومًا في شدة الحرّ فنظرت إلى قبور خامدة، كأنهم صُمتٌ فقلتُ: سبحان من يجمع بين أرواحكم وأجسادكم بعد افتراقها، ثمَّ يحييكم وينشركمُ من بعد طول البلى، قال: فناداني مناد بين تلك الحفر: يا صالحُ ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥)﴾ [الروم: ٢٥] قال: فسقطتُ والله لوجهي جزعًا من ذلك الصوت (٤).

стр. 412

وأخرج عن عمر بن عبد العزيز أنه خرج مع جنازة، فلمّا دفنها قال لأصحابه: دعوني حتى آتي قبور الأحبة، قال: فأتاهم فجعل يدعو ويبكي، إذ هتف به التُرابُ فقال: يا عُمر: ألا تسألني عما فعلتَ بالأحبة؟ قالَ: وما فعلت بهم؟ قال: مَزقتُ الأكفان، وأكلتُ اللحم، وشدختُ المقلتين، وأكلت الحدقتين، ونزعت الكتفين من الساعدين، والساعدين من العضدين، والعضدين من المنكبين، والمنكبين من الصلب، والقدمين من الساقين والساقين من الفخذين، والفخذين من الورك، والورك من الصُلب، قال وعمر يبكي فلمّا أراد أن ينهض قال له التراب: يا عمر ألا أدلّك على أكفان لا تبلى؟ قال: وما هي؟ قال: تقوى الله والعمل الصالح (١). ودخل ثابت البناني المقابر مرةّ، فبكى ثم قال: بليتْ أجسادهم وبقيت أخبارهم، فالعهد قريب، واللقاء بعيد. ووقف بعض الأعراب على قبر وأنشد فى المعنى: لِكُلِّ أُناسٍ مُقبر بفنائهم ... فهم ينقصونَ والقُبورُ تزيد وما أن ترى دارًا لحيّ قَّدَ أقْفَرَت ... وقبرٌ لميت بالفناء جديد فهم جيرة الأحياء أما محلهم ... فدانٍ وأما الملتقا فبعيد (٢) وقال بعضهم: وقد مرّ في سَفره بمقبرة لبعضِ المدنِ

стр. 413

كفى حزنًا أن لا أمرُّ ببلدة ... من الأرض إلَّا دُونَ مدخلَها قبر (١) وعن جعفر بن سليمان قال: كُنَّا نخرجُ مع مالك بن دينار زمان الحطمة فنجمع الموق، ونجهزهم فيخرج مالك على حمارٍ قصير قحاطَى لجامُه من ليف، عليه عباءة مُرْتّديها فيعظنا في الطريق، حتى إذا أشرف على القبور قال بصوتِ له محزون: ألَا حيِّ القبور ومِن يهنّه ... وجوهٌ في التراب أحبّهنّه ولو أنَّ القبورَ أجبْنَ حَيّا ... إذا لأجبْنَني إذْ زرْ تهنّه ولكن القبورَ صمتْن عنّي ... أبتُ بحسرتي من عِندَ هُنَّه (٢) وأخرج الحافظُ في "أهوال القبور": عن يحيى بن عبد الله قال: كُنَّا مع عبد الله بن جعفر بن سليمان أمير البصرة، فمرّ به رجل كان يعظ الناس، فقال لهُ عبد الله عظني ببيت من الشعر فقال: إذا ثوّى في القبر ذو خطر ... فزره فيها ولا تنظر إلى خطر فبكى عبد الله بن جعفر وكان ابن السّماك يتمثل بهذا البيت ويزيد فيه بيتًا آخر: أبرزه الموتُ من مساكِنه ... ومِن مَقاصيره ومِنْ حَجَره (٣) وأخرَج ابن أبي الدنيا حدثنا إسماعيلُ بنُ عبد الله قال: أنشدنا رجل ونحن بالمقابر:

стр. 414

ألا يا عسكر الأحياء ... هذا عسكر الموتى أجابوا الدعوة الصغرى ... ومُنتظرون للكبرى يحثون على الزاد وما ... زادٌ سوى التقوى (١) يقولولن لكم جدُّوا ... فهذا آخر الدُنيا وأخرجَ عن غزوان بن عبد الرحمن بن غزوان قال: كنُتُ جالسًا مع أبي بالبصرة إذْ أقبل شيخٌ على حمارٍ في عُنقه حبلُ ليف، والشيخ حافٍ عليه جبة صوف حتى وقف علينا، فسَلمَّ على أبي، فأحفل أبي المسألة به وقال: من أين أقبلت؟ قال: فكرَّتُ في أهل هذا العسكر ليلًا فغدوتُ عليهم، فقلت: وعظتكَ أجداث صُمّتٌ ... وبكتّكَ ساكنة جفت وتكلمت عن أعظم تُبلى ... وعن صورٍ سبت وأرتك قبرك في القبور ... وأنت حيٌّ لم تَمت ثم ولَّى غيرَ بعيد ثم أقبل فقال: ولربما انصرف الشُمَّاتُ ... وحل بالقوم الشَمَت قال الحافظ ابن رجب قلت: هذا الشيخ أبو العتاهية والأبيات معروفة له. وأخرج ابن أبي الدنيا عن سَلام بن صالح قال: فُقد الحسنُ ذاتَ يوم، فلما أمسى قال له أصحابه: أين كنتَ اليوم؟ قال: كنتُ اليومَ عند إخوان لي إن نسيتُ ذكَّروني، وإن غبتُ عنهم لمْ يغتابوني، فقال له

стр. 415

أصحابُه: نِعْمَ الإخوان والله هؤلاء يا أبا سعيد دُلنا عليهم، قال هؤلاء أهل القبور (١). ورُوي عن عليّ [كرّم الله وجهه] (٢)، بإسناد منقطع أنه قيل له: ما شأنك جاورت المقبرة؟ قال: إني أجدهم إخوانٍ جيران صدقٍ، يكفُّونَ الألسنة، ويُذَكِّرون الآخرة (٣). وفي "أهوال القبور" للحافظ عن الحسن: أن عثمان بن أبي العاص كان في جنازة فرأى قبرًا خاسفًا، فقَال لرجُل من أهله: يا فلان: تعالَ انظر إلى بيتك الذي هو بيتك، قال: فقال: ما لي أرى بيتي لا فيه طعام ولا شراب ولا ثياب، قال: فإنه بيتك، قال: صدقت، قال: فرجع فقال: واللهِ لأجعَلَنَّ ما في بيتي هذا في بيتي ذاك، قال الحسنُ: هوَ واللهِ التسدُّد أو الهلكة، والله لتصبرنَّ أو لتَهلَكَن. وفي رواية قال: أراهُ بيتًا ضيقًا بابًا مظلمًا، ليس فيه طعامٌ ولا شراب ولا زوجة، وقد تركتُ بيتا فيه طعام وشراب وزوجة. قال: هذا والله بيتك قال: صدقت أمّا والله لو قد رَجعتُ نقلت من ذلك إلى هذا (٤). وعن مُطرف الهذَليّ قال: كانَتْ عجوزٌ مُتعبدةٌ في عبد قيس،

стр. 416

فعوتبتْ في كثرة إتيانها القبور، فقالت: إنّ القلبَ القاسي إذا حفى لم يلينه إلا رسومُ البلى، وإني لآتي القبور وكأني أنظر إليهم قد خرجوا من بين أطباقها، وكأني أنظرُ إلى تلك الوجوه المتعفرة، وإلى تلك الأجسام البالية المتغرة، وإلى تلك الأكفان الدنسة، فيا له من مَنظرٍ (١). ولأبي العتاهية ﵀: إني سالتُ التُرَب ما فعلت ... بَعدي وجوهٌ فيك متعفرة فأجابني صَيّرت ريحَهم ... يؤذيك بعدَ روائح عطرة وأكلْتُ أجسادًا منعمة ... كان النعيمُ يهزُها نضره ولم يبقِ غيرَ جماجمٍ عَريتْ ... بيضٌ تلوحُ وأعظم نخره وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي إسحق، أنه قال: شهدتُ جنازة رجل من إخواني مُنذ خمسينَ سنة فلمّا دُفن وسُوّى عليه التراب، وتفرق الناس جلستُ إلى بعض تلك القبور، ففكرت فيما كانوا فيه من الدُنيا وانقطاع ذلك عنهم فأنشأت أقول: سلام على أهل القبور الدَّوارس ... كأنهم لم يجلسوا في المجالس ولم يَشربُوا من بارد الماء شَربة ... ولم يأكلوا من (٢) بين رَطب ويابس ألا خبّروني أين قبرُ ذليلُكم ... وقبر العزيز الماذخ المتمارس قال فغلبتني عيني والله، فقمتُ وأنا محزون (٣).

стр. 417

قال ابن أبي الدنيا أنشَدَنا الرياشى: مقيمٌ إلى أن يبعثَ اللهُ خلقَهُ ... لقاؤك لا يُرجى وأنت قريبُ تزيدُ بلاءً في كل يوم وليلة ... وتنسَى كما تَبلى وأنتَ حبيبُ (١) وروى أبو نعيم أن داود الطائي اجتازَ على مقبرة وامرأة عند قبر تقول: هذين البيتين فسمعهما فكان ذلك سببُ توبته يعني: انقطاعه عن الدنيا وأسبابها واشتغاله بالآخرة والاستعداد لها. وأخرج ابن أبي الدُنيا في "كتاب الخائفين"، عن الحسن بن صالح أنه كان إذا صعد المنارة يعني: ليؤذن أشرف على المقابر، فإذا نَظر إلى الشمس تحوم على القبور، صَرخ حتى يسقط مغشيًا عليه، فيُحمل وينزل به، وشهد يومًا جنازة، فلما قرب الميت ليُدفن نظر إلى اللحد فأرفضَّ عرقًا، ثمَّ مال فغُشي عليه، فحُمل على سرير الميت فرُد إلى منزله (٢). وذُكرَ أنّ امرأة كانت بالمدينة، وكانت تزهو فدخلت يومًا المقابر، فرأت جُمجةً فصرخت، ثم رجعت مُنيبة فدَخل عليها نساؤها فقلنَ ما هذا فقالت: بكى قلبي لذكر الموت لمّا ... رأيْتُ جاجمَ فوق القبور ثم قالت: أخرجْنَ من عندي، فلا تأتيني منكن امرأةٌ إلا امرأةً ترغب في خدمة الله، ثم أقبلت على العبادة. وأخرج عن عيسى الخواص، أن رجلًا من الصَدْر الأوَّل دخل

стр. 418

المقابر، فمرّ بحمجمة بادية من بعض القبور، فحزن حزنًا شديدًا ثم واراها، ثم التفت فلم يَر إلا القبور، فقال: لو كشفَ لي عن بعض أحدهم فسألتهُ عما رأى قال: فأتى فى منامه فقيل له: لا تغتر بتشييد القبور من فوقهم، فإن القومَ بليت خدودُهم في التراب، فمن بين مسرور ينتظر ثواب، الله ، وبين مغموم آسفًا على عقابه، فإياك والغفلة عما رأيت، فاجتهدَ الرجل بعد ذلك اجتهادًا شديدًا حتى مات. وأخرَج أيضًا عن جابر قال: رأى رجل جُمجمة إنسان، فحدث نفسه بشيء فخرّ ساجدًا نادمًا مما حدث نفسه، فقيل له ارفع رأسك فأنت أنت، وأنا أنا. وعن جَعفر قال: سمعتُ أبا عمران الجوني يقول: نودي ارفع رأسك فإنك ابن آدم، وأنا الله تعالى، تتوبُ أعود عليك. وأخرج الإمام أحمد وابن ماجة عن البراء ﵁ قال: بينا نحن مع رسول الله ﷺ ، إذ بَصر جماعة فقال: "عَلامَ اجضح هؤلاء؟ " قيل على قبر يحفرونه، قال ففزع رسول الله ﷺ ، فبدر بين يدي أصحابه مسرعًا حتى انتهى إلى القبر، فَجثى عليه، قال: فاستقبلته من بين يديه لأنظر ما يصنع، فبكى حتى بلّ الثرى من دموعه، ثم أقبل علينا فقال: "أي إخواني لمثل هذا اليوم، فأعدُّوا" (١). وأخرج ابن أبي الدنيا، عن الحسن قال: ماتَ أخٌ لنا فلما وُضع في القبر جَاء صلةُ بن أشيم، حتى أخذ بناحية الثوب ثم قال:

стр. 419

إنْ تَنجُ منها تَنجُ من ذي عظيمةٍ ... وإلَّا فأني لا أخالكَ ناجيا (١) قُلْتُ: تقدم عزو هذا البيت لسيدنا عثمان، وهذا أصح فإني رأيتُ من طعن في عزوه لسيدنا عثمان ﵁، وعلى فرض صحته فلا تنافى والله أعلم. وأخرج ابن أبي الدنيا أيضًا عن حجاج بن الأسودِ قال: رأيت في المنام كأني دخلتُ المقابر، فإذا أنا بأهل القبور في قبورهم، وقد انشقت عنهم الأرض، فمنهم النائم على التراب، ومنهم النائم على الريحان، ومنهم كهيئة المتبسم في نومه، ومنهم قد أشرق لونه، ومنهم حائل اللون قال: فبكيْتُ عندما رأيتُ منهم، ثم قلتُ في منامي رَبّ لو شئت سوّيت بينهم في الكرامة، فناداني منادٍ مِن ناحية القبور: يا حجاج هذه منازلُ الأعمال فاستيقظتُ من كلمته فَزِعًا (٢). وعن سلمة البصري قال: وقف رجلٌ على قبر قد بُني بناءً حسنًا فجعل يتعجب من حُسنه، فلما كان من ليلته أتاهُ آت في منامه فوقف عليه وإذا رجل قد امتحت آثار وجهه فقال: أعجبك القبر وحسنُ البنا ... والجسمُ فيه قد حواه البلا فسائل الأموات عن حالِهم ... ينبئك عن ذاك ذهاب الحِلا قال: ثم وَلَّى فاتبعتُه فدخل الجبانة، فأتى ذلك القبرَ فانساب فيه بعينه، وعنه أيضًا قال: رأيتُ مربع بن سرور العابد في منامي، وكان

стр. 420

كثيرًا لذكر الله، كثيرًا لذكر الموت، طويل الاجتهاد قال: قلتُ كيف رأيت موضعك؟ قال: ليس يعلمُ ما في القبور داخله إلا الإله وساكن الأجداث ثم ولىّ وتركني. وعن الفُضيل بن مُهلهل أخُ المفضل وكان من العابدين قال: كان جليسٌ لنا، حسنَ التخشع والعبادة، يقال له: مُجيب وكان من أجمل الرجال فصلَّى حتَّى انقطع عن القيام وصام حتى اسود ثم مرض فمات وكانَ محمد بنُ النظر الحارثي له صديقًا، ومات محمد قبله قال: فرأيتُ محمدًا في منامي بعد موت مجيب، فقلت: ما فعل أخوك مجيب؟ قال: لحقَ بعمله، فقُلت: كيفَ وجهُه ذاك الحسن؟ قال: أبلاهُ واللهِ الترابُ قال: قُلُت كَيفَ وأنت تقولُ لحقَ بعمله؟ قال: يا أخي أما علمتَ أن الأجسادَ في القبور تبلى وأن الأعمال في الآخرة تحيى، قلتُ: يبلون حتى لا يبقى منهم شيء، ثم يحيون يوم القيامة، قال: أي والله يا أخي يبلونَ حتى يصيرون رفاتًا، ثم يحييون عند الصيحة كأسرع من اللمح (١). وأنشد بعضُهم: ما حال من سكنَ الثرى ما حالُه ... أمسى وقد رثَّت هناك حِباله أصمى ولا روحُ الحياة تُصيبهُ ... أبدًا ولا لطفُ الحبيب يَنالهُ أمسى وقد دَرَسَت محاسن وجهه ... وتفرقتْ في قبره أوصالهُ واستُبدِلتْ منه المجالس غيرَه ... وتقسَّمت من بعده أمواله

стр. 421

ما زالت الأيامُ تلعبُ بالفتى ... والمالُ يذهبُ صفوهُ وجَلاله (١) قال ابن أبي الدُنيا إنه قُرئ على قبر بشيراز هذه الأبيات: ذَهب الأحبة بعد طول تودُّد ... ونأى المزار فأسلموك واقشعوا خَذَلوك أفقر ما تكونُ بغربة ... لم يُؤنسوك وكُربه لم يدفعوا وقضى القضاء وصرتَ صاحبَ حفرة ... عنك الأحبة أعرضوا وتصدَّعُوا قال وقرئ على قبر بمقابر البصرة مكتوب: يا غافلَ القلب عن ذِكر المنيَّاتِ ... عمَّا قليلٍ ستثوى بين أموات فاذكرْ محلَّك من قبل الحلول به ... وتُبْ إلى اللهِ من لهوٍ ولذّات إن الحِمامَ له وقتٌ إلى أجل ... فاذكر مصائب أيام وساعات لا تطمئن إلى الدُنيا وزينَتها ... قد حانَ للموت يا ذا اللُبّ أن يأت وقرِئ على قبر آخر: ستُعِرضُ عن ذكري وتنسى مودّتي ... ويُحدثُ بعدي للخليل خليلُ إذا انقطَعت يومًا من العيش مَودّتي ... فإنَّ عنَّا الباكيات قليل (٢) يا هذا أهل القبور في الحبوس * أكثرهم قد نكّسَ الروس * ينتظرون هدية تدفع بعض البوس * أو دعوة ترفع ما هم فيه من الغطوس * الثرى لهم مهاد * والتراب ملبوس. قال ابن عباس، ﵄: مثلُ الميت في قبره كالغريق المتغوث، ينتظر دعوةً من صديق فإذا ترحَّم الإنسان عليه أخذها ملك فجاء بها إلى قبره وقال: يا صاحبَ القبر الغريب: هذه هديّة من أخ

стр. 422

شفيقّ (١). قال الحافظ ابن رجب: روى ابن أبي الدُنيا عن محمد بن الحُسين، حدثنا أبو عمر العمري حَدثني عبدُ الله بنُ صدقة بنِ مرداس البكري، عن أبيه عن شيخ حدثّه بقرية من بلاد طرابلس، قال: كان ثلاثةٌ إخوة: أمير يصحب السلطان، ويُؤمَّر على المدائن والجيوش، وتاجر مطاع في ناحيته، وزاهد قد تخلى لنفسه، وتفرَّد لعبادة ربّه، قال: فحضرت العابد الوفاة فاجتمع عنده أخواه، فقال لهما: إذا أنا مِتُّ فغسّلاني وهيِّآني وادفناني على نشز من الأرض، واكتبا على قبري: وكيفَ يلذّ العيش من هو عالمٌ ... بأنّ إله الخلق لابُدّ سائله فيأخذ منه ظُلمه لعباده ... ويَجزيه بالخير الذي هُو فاعله فإذا فعلتمُا ذلك فأتياني كل يوم مرّة، لعلّكما أن تتعظا قال: ففعلا ذلك، فكان أخوه يركبُ في جنده، حتى يقفَ على القبر ينزل فيقرأ ما عليه، ويبكي فلما كانَ اليومُ الثالث وأراد أن ينصرف سمع هدة من داخل القبر كادَ أن يتصدّع لها قلبه، فانصرف مذعورًا فَزعًا فلما كان من الليل، رأى أخاه في منامه فقالَ له: أي أخي ما الذي سمعت في قبرك؟ قال: تلك هدة المقمعة، قيل لي: رأيت مظلومًا فلم تنصره.

стр. 423

فأصبح مهمومًا فدعا أخاة وخاصته وقال: ما أرى أراد بما أوصى أن يكتُب على قبره غيري، وإني أشهدكم أن لا أقيم بين ظهرانيكم أبدًا، فترك الإمارة ولزم العبادة، وكتب إلى عبد الملك بن مروان في ذلك، فكتب أن خلّوه وما أراد فحضرته الوفاة، وهو في جبل مع بعض الرّعاة، فبلّغ أخاه فأتاه فقالَ له: إذا متُّ فادفني إلى جنب أخي، واكتب على قبري: وكيفَ يلذُّ العيش من كان موقنًا ... بأن المنايا بغتةً ستعاجلهُ فتُسلبه مُلكًا عظيمًا [ونخوةً] (١) ... وتُسكنه البيتَ الذي هو أهله ثم تعاهدني ثلاثًا بعد موتي، وادعُ اللهَ لي لعلّ الله أن يرحمني، ومات ففعل به أخوه ذلك، فلمّا كانَ في اليوم الثالث، وأراد أن ينصرف سمع وجبة من قبره، كادت أن تذهل عقله، فرجع قلقًا حزينًا، فلمّا كان الليل إذا بأخيه في منامه، قد أتاه قال: فقلت له يا أخي أتيتنا زائرًا قال: هيهات يا أخي بَعُد المزار، واطمأنت بنا الدار فقلت: يا أخي كيف أنت؟ قال: بخير ما أجمع التوبة لكل خير، فقلت: فكيف أخي؟ قال: ذاك مع الأئمة الأبرار، قلت: وما أمرنا وراكم؟ قال: من قدّم شيئًا وجَده فاغتنم وجدك قبل فقدك، فأصبَح أخوه معتزلًا، ففرّق ماله وقسم رباعه، وأقبل على طاعة ربّه، ونشأ له ابن من أحسن الشباب وجهًا وجمالًا فأقبل على المكاسب والتجارة، حتى بلغَ منها وحضرت أباه الوفاة فقال له: إذا مِتُّ فادفني مع عُمومتك، واكتب على قبري هذين البيتين:

стр. 424

وكيفَ يلذ العيش من هو صائر ... إلى جدث [يُبْلي الشبابَ منازلهُ] ويُذهب رسم الوجه من بعد ضوئه ... سريعًا ويبلِي جسمه ومَفِاصِلهُ (١) فإذا متُ فتعاهدني بنفسك ثلاثًا، فادع لي ففعل فلما كانَ في اليوم الثالث حمع من القبر صوتًا أقشعر جسده، وتغير لونه، ورجع منه محمومًا إلى أهله. فلما كان في الليل أتاه أبوه في منامه، فقال: أي بُني أنت عندنا عن قريب، والأمر بآخره والموتُ أقرب من ذلك، فاستعد لسفرك، وتأهَّب لرحيلك، وحوّل جهازك من المنزل الذي أنت عنه راحل، إلى المنزل الذي أنت فيه مقيم، ولا تغتر بما اغترَّ به البطالونَ فتلكَ من طولِ آمالهم، فقصروا عزائمهم وزادهم فندموا عند الموت أشد الندامة، وأسفوا على تضييع العُمر أشد الأسف، فلا الندامة عند الموت تنفعهم، ولا حَمدُوا أنفسهم على التقصير، أنقذك الله من شر ما وافَى به المغبونون مليكَهم يومَ القيامة، أي: بُنيَّ بادر ثم بادر ثم بادر. قال فَدخلتُ عليه صبيحة ليلته من هذه الرؤيا، فقصها علينا وقال ما أرى الأمر إلَّا كما قال أبي: لا أرى الموتَ إلَّا قد أظلَّني فجعل يفرِّق ماله، ويتصدق ويقضي ما عليه من الدِّين، ويستحل خلطاءه ومُعامِليه ويسلم عليهم، ويودعهم ويودعونه، وكان يقول:

стр. 425

قال أبي فبادر، بادر، بادر، فهذه ثلاث ساعاتٍ قد مضَت وليستْ بها أو ثلاثة أيام وأنَّى لي بها، أو ثلاثة أشهر وما أراني أدركها، أو ثلاث سنين، فهو أكثر من ذلك، وما أحبُ أن يكون ذلك كذلك، فلم يزل يُعطي، ويتصدق ثلاثة أيام، حتى إذا كانَ في آخر اليوم الثالث من هذه الرؤيا دَعا أهله وولده، فودعهم وسلم عليهم، ثم استقبل القبلة فمدد نفسه وغمض عينيه، وشهد شهادة الحق، ثم مات: قال فمكث الناس حينًا يتناوبون قبره من الأمصار، فيصلون عليه. وذكر صدقة بن مرداس، في أوّل حديثه هذا: أنه نظر إلى القبور الثلاثة، على شرف من الأرض، بقرب هذه القرية وقرأ عليها من الكتابة. انتهى كلامُ الحافظ. تنبيه ذكر المحقق قدس اللهُ روحه: إن الأحاديث والآثار تدل على أن الزائر متى جاء عَلِمَ به المزور، وسمعَ كلامه، وأنسَ به وردّ عليه، وهذا عام في حق الشهداء وغيرهم وأنه لا توقيت في ذلك، قال: وهو أصح من أثر الضحاك الدّال على التوقيت، وهو من زار قبرًا يومَ السبت قبل طلوع الشمس، علم الميّت بزيارته، فقيل: وكيف ذلك؟ قال: لمكان يوم الجُمعة قال: وقد شَرع ﷺ ، لأمّته أن يُسلموا على أهل القبور سلامَ من يخاطبونه، ممن يسمع ويعقل: فأخرج مسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ خرج إلى المقبرة، فقال: "السلامُ عليكم دار قومٍ مؤمنين، وإنا إن شاء اللهُ بكم
следующие страницы →