ما زالت الأيامُ تلعبُ بالفتى ... والمالُ يذهبُ صفوهُ وجَلاله (١)
قال ابن أبي الدُنيا إنه قُرئ على قبر بشيراز هذه الأبيات:
ذَهب الأحبة بعد طول تودُّد ... ونأى المزار فأسلموك واقشعوا
خَذَلوك أفقر ما تكونُ بغربة ... لم يُؤنسوك وكُربه لم يدفعوا
وقضى القضاء وصرتَ صاحبَ حفرة ... عنك الأحبة أعرضوا وتصدَّعُوا
قال وقرئ على قبر بمقابر البصرة مكتوب:
يا غافلَ القلب عن ذِكر المنيَّاتِ ... عمَّا قليلٍ ستثوى بين أموات
فاذكرْ محلَّك من قبل الحلول به ... وتُبْ إلى اللهِ من لهوٍ ولذّات
إن الحِمامَ له وقتٌ إلى أجل ... فاذكر مصائب أيام وساعات
لا تطمئن إلى الدُنيا وزينَتها ... قد حانَ للموت يا ذا اللُبّ أن يأت
وقرِئ على قبر آخر:
ستُعِرضُ عن ذكري وتنسى مودّتي ... ويُحدثُ بعدي للخليل خليلُ
إذا انقطَعت يومًا من العيش مَودّتي ... فإنَّ عنَّا الباكيات قليل (٢)
يا هذا أهل القبور في الحبوس * أكثرهم قد نكّسَ الروس * ينتظرون هدية تدفع بعض البوس * أو دعوة ترفع ما هم فيه من الغطوس * الثرى لهم مهاد * والتراب ملبوس.
قال ابن عباس، ﵄: مثلُ الميت في قبره كالغريق المتغوث، ينتظر دعوةً من صديق فإذا ترحَّم الإنسان عليه أخذها ملك فجاء بها إلى قبره وقال: يا صاحبَ القبر الغريب: هذه هديّة من أخ
стр. 422
شفيقّ (١).
قال الحافظ ابن رجب: روى ابن أبي الدُنيا عن محمد بن الحُسين، حدثنا أبو عمر العمري حَدثني عبدُ الله بنُ صدقة بنِ مرداس البكري، عن أبيه عن شيخ حدثّه بقرية من بلاد طرابلس، قال: كان ثلاثةٌ إخوة: أمير يصحب السلطان، ويُؤمَّر على المدائن والجيوش، وتاجر مطاع في ناحيته، وزاهد قد تخلى لنفسه، وتفرَّد لعبادة ربّه، قال: فحضرت العابد الوفاة فاجتمع عنده أخواه، فقال لهما: إذا أنا مِتُّ فغسّلاني وهيِّآني وادفناني على نشز من الأرض، واكتبا على قبري:
وكيفَ يلذّ العيش من هو عالمٌ ... بأنّ إله الخلق لابُدّ سائله
فيأخذ منه ظُلمه لعباده ... ويَجزيه بالخير الذي هُو فاعله
فإذا فعلتمُا ذلك فأتياني كل يوم مرّة، لعلّكما أن تتعظا قال: ففعلا ذلك، فكان أخوه يركبُ في جنده، حتى يقفَ على القبر ينزل فيقرأ ما عليه، ويبكي فلما كانَ اليومُ الثالث وأراد أن ينصرف سمع هدة من داخل القبر كادَ أن يتصدّع لها قلبه، فانصرف مذعورًا فَزعًا فلما كان من الليل، رأى أخاه في منامه فقالَ له: أي أخي ما الذي سمعت في قبرك؟ قال: تلك هدة المقمعة، قيل لي: رأيت مظلومًا فلم تنصره.
стр. 423
فأصبح مهمومًا فدعا أخاة وخاصته وقال: ما أرى أراد بما أوصى أن يكتُب على قبره غيري، وإني أشهدكم أن لا أقيم بين ظهرانيكم أبدًا، فترك الإمارة ولزم العبادة، وكتب إلى عبد الملك بن مروان في ذلك، فكتب أن خلّوه وما أراد فحضرته الوفاة، وهو في جبل مع بعض الرّعاة، فبلّغ أخاه فأتاه فقالَ له: إذا متُّ فادفني إلى جنب أخي، واكتب على قبري:
وكيفَ يلذُّ العيش من كان موقنًا ... بأن المنايا بغتةً ستعاجلهُ
فتُسلبه مُلكًا عظيمًا [ونخوةً] (١) ... وتُسكنه البيتَ الذي هو أهله
ثم تعاهدني ثلاثًا بعد موتي، وادعُ اللهَ لي لعلّ الله أن يرحمني، ومات ففعل به أخوه ذلك، فلمّا كانَ في اليوم الثالث، وأراد أن ينصرف سمع وجبة من قبره، كادت أن تذهل عقله، فرجع قلقًا حزينًا، فلمّا كان الليل إذا بأخيه في منامه، قد أتاه قال: فقلت له يا أخي أتيتنا زائرًا قال: هيهات يا أخي بَعُد المزار، واطمأنت بنا الدار فقلت: يا أخي كيف أنت؟ قال: بخير ما أجمع التوبة لكل خير، فقلت: فكيف أخي؟ قال: ذاك مع الأئمة الأبرار، قلت: وما أمرنا وراكم؟ قال: من قدّم شيئًا وجَده فاغتنم وجدك قبل فقدك، فأصبَح أخوه معتزلًا، ففرّق ماله وقسم رباعه، وأقبل على طاعة ربّه، ونشأ له ابن من أحسن الشباب وجهًا وجمالًا فأقبل على المكاسب والتجارة، حتى بلغَ منها وحضرت أباه الوفاة فقال له: إذا مِتُّ فادفني مع عُمومتك، واكتب على قبري هذين البيتين:
стр. 424
وكيفَ يلذ العيش من هو صائر ... إلى جدث [يُبْلي الشبابَ منازلهُ]
ويُذهب رسم الوجه من بعد ضوئه ... سريعًا ويبلِي جسمه ومَفِاصِلهُ (١)
فإذا متُ فتعاهدني بنفسك ثلاثًا، فادع لي ففعل فلما كانَ في اليوم الثالث حمع من القبر صوتًا أقشعر جسده، وتغير لونه، ورجع منه محمومًا إلى أهله.
فلما كان في الليل أتاه أبوه في منامه، فقال: أي بُني أنت عندنا عن قريب، والأمر بآخره والموتُ أقرب من ذلك، فاستعد لسفرك، وتأهَّب لرحيلك، وحوّل جهازك من المنزل الذي أنت عنه راحل، إلى المنزل الذي أنت فيه مقيم، ولا تغتر بما اغترَّ به البطالونَ فتلكَ من طولِ آمالهم، فقصروا عزائمهم وزادهم فندموا عند الموت أشد الندامة، وأسفوا على تضييع العُمر أشد الأسف، فلا الندامة عند الموت تنفعهم، ولا حَمدُوا أنفسهم على التقصير، أنقذك الله من شر ما وافَى به المغبونون مليكَهم يومَ القيامة، أي: بُنيَّ بادر ثم بادر ثم بادر.
قال فَدخلتُ عليه صبيحة ليلته من هذه الرؤيا، فقصها علينا وقال ما أرى الأمر إلَّا كما قال أبي: لا أرى الموتَ إلَّا قد أظلَّني فجعل يفرِّق ماله، ويتصدق ويقضي ما عليه من الدِّين، ويستحل خلطاءه ومُعامِليه ويسلم عليهم، ويودعهم ويودعونه، وكان يقول:
стр. 425
قال أبي فبادر، بادر، بادر، فهذه ثلاث ساعاتٍ قد مضَت وليستْ بها أو ثلاثة أيام وأنَّى لي بها، أو ثلاثة أشهر وما أراني أدركها، أو ثلاث سنين، فهو أكثر من ذلك، وما أحبُ أن يكون ذلك كذلك، فلم يزل يُعطي، ويتصدق ثلاثة أيام، حتى إذا كانَ في آخر اليوم الثالث من هذه الرؤيا دَعا أهله وولده، فودعهم وسلم عليهم، ثم استقبل القبلة فمدد نفسه وغمض عينيه، وشهد شهادة الحق، ثم مات: قال فمكث الناس حينًا يتناوبون قبره من الأمصار، فيصلون عليه.
وذكر صدقة بن مرداس، في أوّل حديثه هذا: أنه نظر إلى القبور الثلاثة، على شرف من الأرض، بقرب هذه القرية وقرأ عليها من الكتابة. انتهى كلامُ الحافظ.
تنبيه
ذكر المحقق قدس اللهُ روحه: إن الأحاديث والآثار تدل على أن الزائر متى جاء عَلِمَ به المزور، وسمعَ كلامه، وأنسَ به وردّ عليه، وهذا عام في حق الشهداء وغيرهم وأنه لا توقيت في ذلك، قال: وهو أصح من أثر الضحاك الدّال على التوقيت، وهو من زار قبرًا يومَ السبت قبل طلوع الشمس، علم الميّت بزيارته، فقيل: وكيف ذلك؟ قال: لمكان يوم الجُمعة قال: وقد شَرع ﷺ ، لأمّته أن يُسلموا على أهل القبور سلامَ من يخاطبونه، ممن يسمع ويعقل: فأخرج مسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ خرج إلى المقبرة، فقال: "السلامُ عليكم دار قومٍ مؤمنين، وإنا إن شاء اللهُ بكم
стр. 426
لاحقون" (١).
وأخرج ابن ماجة عن بُريدة ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ ، يعُلمهم إذا خرجوا إلى المقابر "السلامُ عليكم أهل الديار، من المسلمين، وإنا إن شاء اللهُ بكم لاحقون، أنتم لنا فرط ونحن لكم تبع، أسأل الله لنا ولكم العافية" (٢).
وأخرجَ مسلمٌ عن عائشة ﵂، قالت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: "قولي السلامُ على أهل الديار من المسلمين، ويرحم الله المستقدمين والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون" (٣).
وهذا خطابُ من يَسمعُ ويعقلُ، ولولا ذلك لكان هذا الخطاب بمنزلة خطاب المعدوم والجماد، والسَّلف مُجمعونَ على هذا، وقد تَواترت الآثار عنهم بأن الميت يعرفُ زيارة الحي له، ويستبشر به انتهى.
وذكر الإمام ناصرُ السنة ابن الجوزي قدس الله روحه في كتابه "عيونُ الحكايات"، بسنده عن محمد بن العباس الوراق قال: خرج رجلٌ مع أبيه حتى إذا كان ببعض الطريق، مات الأب فدفنه بشجر الدوم، ومضى في سفره ثم مرَّ بذلك الموضع ليلًا فلم ينزل إلى قبر أبيه، فإذا هاتف يهتف به ويقول:
أجدك تطوي الدّوم ليلًا ولا ترى ... عليك لأهل الدَّوم أن تتكلما
وبالدُّوم ثاوٍ لَو ثُويتَ مكانه ... فَمرّ بأهل الدُّوم عاج فَسلّما
стр. 427
فصل
قال الحافظ ابن عبد الهادي، في كتابه "الصارم المنكي" نقلًا عن أستاذه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵁ (١)؟: زيارة القبور على وجهين: زيارة شرعية، وزيارة بدعية، فالشّرعيّة المقصود بها السلام على الميت، والدعاء له كما يقصد بالصلاة على جنازته، فزيارته بعد موته من جنس الصلاة عليه، فالسّنّة فيها أن يسلّم على الميت ويدعو له، سواء كان نبيّا أو غير نبيّ، كما كان النبي ﷺ ، يأمر أصحابه إذا زاروا القبور، أن يقول أحدهم السلامُ عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ويرحم اللهُ المستقدمين منكم والمستأخرين، نسألُ الله لنا ولكم العافية اللهُمّ لا تحرمنا أجرَهُم ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم، وهكذا يقول إذا زار أهل البقيع، ومن به من الصحابة، وغيرهم أو زار شهداء أحد وغيرهم قال: وليست الصلاةُ عند قبورهم، أو قبور غيرهم مُستحبة، أو عند قبور أحدٍ من الأنبياء والصالحين أفضل من الصلاة في المساجد التي ليس فيها ذلك باتفاق أئمة المسلمين بل الصلاة في المساجد التي على القبور إما مُحرمة أو مكروهة (٢).
стр. 428
قال: وأما الزيارة البدعية فهي أن يكون مقصود الزائر أن يطلب حوائجه من ذلك الميت، أو يقصد الدعاء عند قبره، أو يقصد الدعاء به فهذا ليس من سنة النبي ﷺ ، ولا أستحبه أحد من سلف الأمّة وأئمتها، بل هُو من البدع المنهي عنها. قُلْتُ: أمّا مَن كان قصده بالزيارة أن يطلب حوائجه من الميت، فهذا لا يشك عاقل في قبحه وتحريمه، إذ الحوائج منوطةٌ لخالقها، فليس إلَّا اللهُ يقضي حاجة، من شك في هذا طغى وتمرد، وأما إذا كان قصدهُ الدعاء عند قبر الميت أو التوسل به، فليس بمحرم (١)، نَعَم: إن اعتقد أن الدعاء عند القبور أفضل منه فى نحو المساجد، أو أنّه لا يُجُابُ إلَّا ثمَّ كان هذا قبيحًا والله أعلم.
قال شيخ الإسلام ﵁، في كتابه "الجواب الباهر عن مسألة زيارة المقابر" (٢): زيارة أهل التوحيد لقبور المسلمين تتضمن السلام عليهم، والدعاء لهم، وهو مثل الصلاة على جنائزهم، وزيارة أهل الشرك تتضمن أنهم يشبّهون الخلوق بالخالق، ينذرون له، ويسجدون له، ويدعونه ويحبونه كما يحبون الله، فيكونون قد جعلوه لله ندّا، وسووه برب العالمين. وأطال في ذلك.
стр. 429
وقال الإمام المحقق في كتابه: "إغاثة اللهفان من مكايد
الشيطان" (١): بعد أن قرر زيارة القبور المشروعة. وحكى النزاع في
ذلك في نحو ثلاث كراريس وذكر زيارة أهل الإيمان، على نحو ما قدمناه.
وأما الزيارة الشركيّة فأصَلُها مأخوذٌ عَن عُبّاد الأصنام، قالوا: الميتُ المعظم عند الله، الذي لروحه قرب ومزيةّ عند الله تعالى، لا تزال تأتيه الألطاف من الله، وتفيض على روحه الخيرات، فإذا علق الزائر روحه به وأدناها منه، فاض من روح المزور على روح الزائر من تلك الألطاف بواسطتها، كما ينعكس الشعاع من المِرآة الصافية، والماء ونحوه على الجسم المقابل له قالوا: فتمامُ الزيارة أن يتوجه الزائر بروحه وقلبه إلى الميت، ويعكف بهمته عليه، ويوجّه قصده كله وإقباله عليه، بحيث لا يبقى فيه التفات إلى غيره، وكلما كان جمع الهمة والقلب عليه أعظم كان أقرب إلى انتفاعه به، وقد ذكر هذه الزيارة على هذا الوجه ابن سينا (٢) والفارابي (٣)، وغيرهما من
стр. 430
أهل الفلسفة، وصرَّح به عُباد الكواكب في عبادتها وقالوا: إذا تعلّقت النفوسُ الناطقة، بالأرواح العلوية، فاض عليها منها نورٌ؛ ولهذا عُبدت الكواكبُ واتخذت لها الهياكل، وصنفت لها الدعوات، وأطال في ذلك وفي الرد على أهله، فراجعه تظفر بكل ما تريد، والله الموفق.
تنبيه
روى أبو داود والترمذي وصححه، من حديث أَبي جُرَيٍّ الهَجْمِيِّ قال: أتيتُ النبي ﷺ ، فقلت: عليك السلامُ يا رسولَ الله قال: "لا تَقل عليك السلامُ، فإن عليك السلام تحية الميت" (١).
فهذا يشعر بأن السُنة في السلام على الموتى أن يقال عليكم بتقديم الصلة، وقد صح الحديث بذلك على أنه تقدّم في الأحاديث الصحيحة الصريحة، أنه قال لهم ﷺ : "السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين" فيحتاج إلى الجمع حتى إنّ بعضَهم قال: هذا أصّح من حديث النهي.
وذهب آخرون إلى أنَّ السُنة ما دلّ عليه حديثُ النهي، وقد أجاب الإمام المحقق عن ذلك في كتابه: بدائع الفوائد (٢)، وأجاد حيث قال: كلٌّ من الفريقين إنما أتاهم ذلك من عدم فهم المقصود من الحديث، فإن قوله ﷺ ، "عليك السلامُ تحية الموتى"، ليس تشريعًا منه وإخبارًا عن أمر شرعي وإنما هُو إخبارٌ عن الواقع المعتاد،
стр. 431
الذي يجري على ألسنة الناس في الجاهلية، فإنهم كانوا يقدمون اسم الميت على الدعاء كما قال الشاعر: عليكَ سلام اللهُ قيسُ بن عاصمٍ. وقول الذي يَرقثى عمر بنَ الخطاب ﵁ عليك سلام من أمير وباركت (١). وهو في أشعارهم كثير والإخبار عن الواقع، لا يدُلُ على الجواز، فضلًا عن الاستحباب فتعين المصير إلى ما ورد عنه ﷺ ، من تقديم لفظ السلام، حتى يُسلم على الأموات، فإن تخيلَ مُتّخيل في الفَرق أن السلام على الأحياء متوقّعٌ جَوابه، فقدّم على المدعو له، بخلاف الميِّت قلنا: السلام على الميت يتُوقع جوابُهُ أيضًا كما ورد به الحديث: قالَ ومن النكت البديعة: أن الأحسنَ في دُعاءِ الخير أنْ يُقدَّمَ فيه الدعاء على المدعو له، نَحو ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾، ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ﴾، ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾، ودعاء الشرِّ الأحَسنُ فيه: تقديمُ المدعو عليه على المدعو به، كقوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي﴾، ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ وأطال من ذكر الأسرار، ودقائق الفوائد والأخبار ﵀ ما أغزر علمه وأسيل فهمه، فسبحان من ألهمه معرفة هذه الدقائق، وأطلعه على أسرار تلك الحقائق، فأودعَ في كتبه من ذلك، ما يبهر العقول لاسيَّما في كتابه الموسوم بدائع الفوائد، فهو مفرد في ذلك، رزقنا الله عِلمًا نافِعًا، وقلبًا خاشعًا ودعاءً مُتقبلا، والله أعلم.
стр. 432
فصل في التذكر بأهل القبور والتفكر في أحوالهم، وذِكْر طرفٍ من أحوال السلف الصالح في ذلك .
أخرج الإمام أحمدُ والترمذي والحاكم عن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "استحيوا من الله حق الحياء" وقالوا: إنا نستحي والحمد لِلّه، قال: "ليس ذاك ولكن: الاستحياء من الله حق الحياء أنْ يحفظَ الرأس وما وَعى ويحفظَ البطنَ وما حوى، وليذكر الموتَ والبلى ومَنْ أرادَ الآخرة تركَ زينةَ الدُنيا، فمن فعل ذلك، فقد استحيا من الله حق الحياء" (١).
وأخرج الترمذي والحاكم عن أسماء بنتِ عُميس ﵂، عن النبي ﷺ : "بئس العبدُ عبد تخيَّلَ واختال، ونسى الكبير المتعال، بئس العبدُ عبدٌ تجبَّرَ واعتدى ونسى الجبارَ الأعلى، بئس العبدُ عبدٌ سها ولهى ونسى المقابِر والبلى، بئسَ العبدُ عبد عتا وطَغَى ونسى المبتدأ والمنتهى، بئس العبدُ عبدٌ يَخْتِلُ الدنيا بالدِّين، بئس العبدُ عبدٌ يَخْتِلُ (الدين) (٢) بالشبهات، بئسَ العبدُ عبدٌ طمع يقوده للنار (٣)، بئس العبدُ
стр. 433
عبدٌ هَوى يُضلُّهُ، بئسَ العبدُ عبدُ رغَبٌ يُذله" (١).
وأخرج ابن أبي الدنيا أن رجُلا قال: يا رسول الله من أزهدَ الناس؟ قال: "من لم ينس القبر والبلى، وترك فضلَ زينةِ الدُنيا، وآثِر ما يبقى على ما يَفْنَى، ولم يَعُدّ غدًا من أيامه، وعدَّ نفسه من أهل القبور" (٢).
وأخرج الترمذي عن ابن عُمرَ ﵄، قال: أخذ رسولُ الله ﷺ ، بمنكبي فقال: "كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل وعُدَّ نفسَكَ من أهل القبُور" (٣).
وخَرَّج البخاريُّ أوله (٤).
وذَكَر الحافظ في "أهوال القبورِ" (٥) عن محمد بن كعب القُرظي، قال: بعث إليّ عمر بن عبد العزيز، فقدمت عليه فأدمت النظر إليه فقال لي: يا ابن كعب إنك لتنظرُ إليّ نظرًا ما كُنتَ تنظُره إليّ بالمدينة قال: فقلتُ: أجل يا أمير المؤمنين، يعجبني ما حال من لونك، ونحل من جسمك، قال: فكيف بك يا ابن كعب لوْ رأيتَني بعد ثالثةٍ في
стр. 434
القبور، وقد نَتِنَتْ حَدَقتايّ! وفي نسخة: عيناي على وجنتي، وخرَجَ الدّودُ والصّديدُ من منخري، لكنتَ لي أشد نُكرة (١).
وقال رجلٌ لعمرَ بن عبد العزيز ﵁، تغيّرتَ بعدنا فقال له عمر: وتبيّنتَ ذلك فقال له: الأمر أعظم من ذلك، فقال له: يا أبا فُلان: فكيفَ لو رأيتَني بعد ثلاث، وقد أدخلتُ قبري، وقد خَرجَت الحدقتانِ فسالتا على الخدينِ، وتقلَّصتِ الشفتان عن الأسنان، وانفتح الفم ونتأ البطن فَعَلىَ على الصّدر، وخرج الصديد من الدُبر (٢).
قال الحافظ وقد رُوي عنه من وُجوه متعددة، أنَّه قال في آخر خُطبة خَطَبها ﵁: ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، ثم يرثها بعدكم الباقون، كذلك حتى ترد إلى خير الوارثين، وفي كلّ يومٍ تُشيعون غاديًا ورائحا قد قُضى به نحبه، فتودعونه، وتَدَعُونه في صاع من الأرض غير ممهد، ولا مُوَسَّد، قد فارق الأحباب وخلع الأسباب، وسكن التراب، وواجه الحساب، غنيًا عما خَلَّفَ فقيرًا إلى ما قدم (٣).
وكان ينشدُ هذه الأبيات، قال الحافظ ويروى أنه كان في جنازة
стр. 435
في مقبرة، فرأى قومًا يهربون من الشمس إلى الظل، فأنشدها وهي هذه:
من كانَ حينَ تُصيب الشمسُ جبهته ... أو الغبار يخافُ الشين والشعثا
ويألفُ الظلَّ كي تبقى شبابتهُ ... فسوفَ يسكنُ يومًا راغمًا جدثا
في ظلِّ مقبرة غبراء مُظْلمةٍ ... يُطيل تحتَ الزى في غمها اللُّبثا
تجهزي بجهاز تبلغين به ... يا نفسُ قبل الردَى لم تُخْلَقي عبثا
وأخرج ابن أبي الدُنيا أن محمد بن واسع دخل على بلال بن أبي بردة فسأله عن القَدر، فقال له: جيرانكُ من أهل القبور فكر فيهم، فإن فيهم شُغلًا عن القَدر.
وقال مُغيث الأسود الزاهد: زوروا القبور كُل يوم تفكركم (١).
قال النصرُ بن المنذر لإخوانه: زوروا الآخرة في كل يوم بقلوبكم، وشاهدوا الموقف بتوهمكم، وتوسدوا القبور بقلوبكم، واعلموا أن ذلك كائن لا محالة، فمختارُ لنفسه ما أحب من المنافع والضرر (٢).
قال الحافظ: كانَ أبو بكر الصديق ﵁، يقولُ في خطبته: أين الوضاءة الحسنةُ وجوههمُ، المعجبون بشبابهم، الذين كانوا لا يُعطون الغلبة في مواطن الحرب، أين الذين بَنَوا المدائن وحَصَّنوها بالحيطان، قد تضعضع بهم الدهر، وصاروا في ظلمات
стр. 436
القبور، الوحا الوحا النجا النجا (١).
وأخرج ابن أبي الدُنيا أنه مرّ على الحسن شابٌ وعليه بزةٌ حسنة، فدعاه فقال: ابن آدم معجبٌ بشبابه، معجبٌ بجماله، كأنَ القبر قد وارى بدنك، وكأنك قد لاقيتَ عملك، ويحك دَاوِ قلبك، فإن حاجة الله إلى عباده صلاحُ قلوبهم (٢).
وقال عبيد الله بن العيزار: لابن آدمَ بيتان، بيتٌ على ظهر الأرض، وبيتٌ في بطن الأرض، فعمَد إلى الذي في ظهر الأرض فزخرفه، وزيَّنه وجعلَ فيه أبوابا للشمال وأبوابًا للجنوب، ووضع فيه ما يُصلحه لشتائه وصيفه، ثم عمد إلى الذي في بطن الأرض، فخرَّبَه فأتى عليه فقال: أرأيت هذا الذي قد أصلحته كم تقيم فيه؟ قال: لا أدري قال: فالذي خرّبته كم تقيم فيه؟ قال فيه مقامي، قال: تقر بهذا على نفسك، وأنت رجل تعقل (٣).
وعن الحسن قال: يومان وليلتان لم تسمع الخلائق بمثلهن قط ليلة تبيتُ مع أهل القبور ولم تبت قبلها، وليلة صبيحتُها يومُ القيامة، ويوم يأتيك البشير فيه من الله تعالى، إما إلى الجنَّة وإمَّا إلى النار، ويوم تُعطى كتابُك إما بيمينك وإما بشمالك (٤).
قال الحافظ: وكان أبو عمران الجوني يقول: لا يغرنكم من
стр. 437
ربكم طول النسية، وحسن الطلب، فإن أخذه أليمٌ شديد حتى متى تبقى وجوه أولياء الله بين أطباق الثّرى؟ فإنما هم محبوسون لبقية آجالهم، حتى يبعثهم الله إلى جنته وثوابه.
وذكر ابن أبي الدنيا عن حامد بن أحمد بن أسد، قال: أخذت بيد علي بن جبلة يومًا فأتينا أبا العتاهية فوجدناه في الحمام، فانتظرناه فلم يلبث أن جاء، فدخل عليه إبراهيم بن مقاتل بن سهل وكان جميلًا فتأمله أبو العتاهية وقال متمثلا:
يا حسان الوجوه سوف تمو ... تون، وتبلى الوجوهُ تحت التراب
فأقبل على ابن جبلة فقال اكتبْ:
يا مربيّ شبابه للتُراب ... سوفَ يلهو البِلا بغضِّ الشباب
يا ذوي الأوجه الحِسانِ المصونا ... ت وأجسامها الغضاضُ الرطاب
أكثروا من نعيمها وأقلوا سوف تهدونها لعفر التراب
قد نعتكَ الأيام نعيًا صحيحًا بفراق الإخوان والأصحاب
فقال أبو العتاهية: قُل يا حامد: قلت معك ومع أبي الحسن قال نعم فقلتُ:
يا مقيمين ارحلوا للذهاب ... لشفير القبور حط الركاب
نعموا الأوجه الحسان فما صَوْ ... نُكمُوها إلَّا لعفر التراب
وألبسوا ناعم الثياب ففي الحف ... ـرِة تعرون من جميع الثياب
قد ترون الشباب كيف يموتونَ ... إذا استنضروا بماء الشباب (١)
قال ابن أبي الدنيا حدثني محمد بن خلف قال: سمعت أبي قال:
стр. 438
رجعنا من دفن ميت مع ابن السماك، فأنشأ ابن السماك يقول:
يَمُر أقاربي جنباتِ قبري ... كأن أقاربي لا يعرفوني
وذُو الميراث يقتسمون مالي ... ولا يألون أن جَحدوا ديوني
وقد أخذوا سهامهم وعاشوا ... فبالله، أسرع ما نسوني
وقال ابن السماك أيضًا لما انصرفت الناس من جنازة داود الطائي ﵀:
انصرف الناس إلى دورهم ... وغُودر الميت في رمسه
مرتهنُ النفس بأعماله ... لا يرتجى الإطلاقَ من حبسه
لنفسه صالح أعماله ... وما سواها فعلى نفسه
ولبعضهم:
قف بالمقابر وانظر إن وقفت بها ... لله درّك ماذا تستر الحفُر
ففيهم لك يا مغرورُ ... موعظة وفيهم لك يا مغترُ معتبر
ولبعض المتقدمين:
تزوَّد قرينا من فعالك إنما ... قرينُ الفتى في القبرِ ما كان يعملُ
وإن كنت مشغولًا بشيء فلا تكن ... لغير الذي يَرضَى به الله تشغلُ
فلن يصحبَ الإنسانُ من بعد موته ... إلى قبره إلَّا الذي كان يَفعل
ألا إنما الإنسان ضيفٌ لأهله ... مقيمٌ قليلا عندهم ثم يرحل (١)
وقال مؤلّف هذا الكتاب، وقلبه في طماطيم التّحسّر والالتهاب شعرًا:
стр. 439
تنبّه قبل الموت إن كنت تعقلُ ... فعمّا قليل للمقابر تُنقَل
وتمُسي رهينا في القبور وتُنسَى ... لدى جدثُ تحت الثرى تتجندل
فريدًا وحيدًا في التراب وإنما ... قرين الفتى في القبر ما كان يَعمل
فوا أسفىَ ما يفعلُ الدود والثرى ... بوجهٍ جميل كان لِلهِ يخجَل
وما يفعل الجسمُ الوسيم إذا ثوى ... وصارَ ضجيعَ القبر يعلوه جندل
وبطنى بَدا فيه الرَدى ثم لو ترى ... دقيق الثرى في مقلتي يتهرول
أعينايَ جُودا بالدمُوع عليكما ... فحزني على نفسي أحق وأجملُ
أيا مدّعي حُبِّي هلمّ بنا إذا ... بكى الناسُ نبكي للفراق ونهملُ
دَعِي اللهوَ نفسي واذكري حفرة البلا ... وكيفَ بنا دود المقابر يفعل
إلى الله أشكو لا إلى الناس حالتى ... إذا صرتُ في قبري فريدًا أململ
ولبعضهم:
أبقيْتَ مالك ميراثًا لوارثه ... فليتَ شعري ما يُبقي لك المالُ
القومُ بعدك في حال تسرُهم ... فليتَ شعري ما آلت بك الحالُ
مَلُّوا البكاء فما يبكيك من أحد ... واسْتحكم القيلُ في الميراث والقالُ
مالت بهم عنك دنيا أقبلت لهم ... وأدبرت عنك والأيام أحوال
تتمّه في حكايات غريبة، وأخبار عجيبة عن الموتى
منها ما رواه الحافظ الذّهبي (١)، أن أحمد بن نصر الخزاعي ﵀، أحد أئمة الحديث، دعاه الواثق إلى القول بخلق القرآن فأبى، فضرب عنقه وصُلب رأسه ببغداد، ووُكِّلَ بالرأس مَنْ يَحفظه، ويصرفُه
стр. 440
عن القِبلة برمح فذكر الموكل به، أنه رآه بالليل يستديرُ إلى القبلة ويقرأ سورة يس بلسان طلق.
قال الذهبي: رويتْ هذه الحكاية من غير وجه، ومنْ طُرُقها: ما أخرجه الخطيب، عن إبراهيمَ بن إسماعيل بن خلف قال: كان أحمد بن نصرٍ خالي، فلما قتُل في المحنة وصلب أخبرت أن الرأس يقرأ القرآن، فمضيت فبتُ قريبًا منه فلما هدأت العيون سمعت الرأس يقرأ ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢)﴾ [العنكبوت: ١، ٢] فاقشعرّ جلدي (١).
ومنها ما ذكره ابن عساكر عن عمير بن حبَّاب السلمي، قال (٢): أسرت إنا وثمانية معي في زمان بني أميّة، فأدخلنا على ملك الروم، فأمر بأصحابي فضُربت رقابهم، ثم أني قُدّمت لضرب عُنُقي، فقام إليه بعضُ البطارقة، فلم يزل يُقبل رأسه ورجليه ويطلبُ أن يهبني إليه، حتى وهبني له فانطلق إلى منزله فدعا ابنة له جميلة فقال لي: هذه ابنتي أزوجك بها وأقاسمك مالي، وقد رأيت منزلتي من الملك، فادخل في ديني حتى أفعل بلث هذا، فقلت: ما أئرك ديني لزوجة ولا لدنيا، فمكث أيامًا يعرض علي ذلك فلا أجيب، فدعتني ابنتُه إلى بستان لها، فقالت: ما يمنعك مما عرض عليك أبي، فقلت: ما أترك لامرأة ولا لشيء، فقالت: أتحبُّ المكثَ عندنا أو، اللحاق ببلادك؟ فقلت:
стр. 441
الذهاب إلى بلادي، قال: فأرتني نجمًا في السّماء وقالت: دِرْ على هذا النجم باللّيل وأكمن بالنهار، فإنه يُلقيك إلى بلادك، ثم زوَّدَتنْي وانطلقتُ، فسرتُ ثلاث ليال أسيرُ بالليل وأكمن بالنهار، فبينا أنا اليوم الرابع مكمن فإذا الخيل فقلت: طُلبت فأشرفوا علي، فإذا بأصحابي المقتولين على دواب معهم آخرون على دواب شهب، فقالوا: عُمير؟ قلت: عُمير، فقلت: أوليس قد قُتلتم قالوا: بلى، ولكن الله نشر الشهداء، وأذن لهم أن يشهدوا جنازة عُمر بن عبد العزيز، فقال لي بعض الذين معهم: ناولني يدك يا عُمير فناولته يدي، فأردفني خَلفه ثم سرنا سيرًا ثم قذف بي قذفة وقعتُ قرب منزلي بالحيرة من غير أن يكون لحقني شيء.
ومنها ما ذكره الإمام ناصر السنة الحافظ ابن الجوزي في "عيون الحكايات"، بسنده عن أبي علي البربري، وهو أوّل من سكن طرسوس، حين بناها أبو سليم قال: إن ثلاثة إخوة من الشام كانُوا يغزون، وكانوا فرسانًا شُجعانًا فأسرهم الروم مرة فقال الملك إني أجعل فيكم المُلك، وأزوّجكم بناتي، وتدخلون في النصرانية، فأبَوا وقالوا: [يا محمد] (١)، فأمر بثلاث قدور، فصُبَّ فيها الزيت ثم أوقد تحتها ثلاثة أيام يعرضون في كل يوم على تلك القدر، ويُدعَوْن إلى النصرانية فيأبون، فألقي الأكبر في القِدر، ثم الثاني ثم أدنى الأصغر فجعل يفتنه عن دينه بكل أمر، فقام إليه علج فقال: أيُّها المَلِك أنا أفتنُه عن دينه قال: بماذا قال:
стр. 442
قد علمت أن العرب أسرع شيء إلى النِّساء وليس في الرُّوم أجمل من ابنتي، فادفعْه إليّ حتى أخلّيه معها، فإنها ستفتنه، فضرب له أجلًا أربعين يومًا ودفَعَه إليه، فأدخله مع ابنته، وأخبرها بالأمر فقالت له: دَعْه فقد كَفيتك أمره، فقام معها نهاره صائم، وليله قائم، حتى مَضى أكثر الأجَل فقال العلج لابنته: ما صنعت فقالتْ: ما صنعت شيئًا، هذا الرجل فقد أخويه في هذه البلدة، فأخاف أن يكونَ امتناعُه من أجلهما، كلما رَأى آثارهما، ولكن استزد الملِك في الأجل، وانقلني أنا وإيّاه إلى بلدٍ آخرٍ غير هذا، فزاده أيّامًا وأخرجهما إلى بلد آخر، فمكث على ذلك أيامًا صائمٌ النهارَ قائمٌ الليل، حتى إذا بقى من الأجل أيام قالت له الجارية ليلةً: يا هذا أراك تقدّس رَبّا عظيمًا وإني قد دخلتُ في دينك وتركُت دين آبائي قال لها: فكيف تكون الحيلة في أمر الهرب؟ قالت: أنا أحتال لك فجاءتهُ بدواب، فركبا فكانا يسيران بالليل، ويكمنان بالنهار فبينما هما يسيران ليلة، إذْ سمعا وقع خيل فإذا هو بإخوته، ومعهما ملائكة، فسلم عليهما، وسألهما عن حالِهما فقالا: ما كانت إلَّا الغطسة التي رأيت حتى خرجنا في الفردوس، وإنّ الله أرسلَنا إليك، لنشهد تزويجك بهذه الفتاة، فزوجوه إياها وخرجَ إلى بلاد الشام، فأقام معها وكانوا مشهورين بذلك، معروفين في الشام في الزمن الأوّل، وقد قال فيهما الشعراء أبياتًا منها: (١)
стр. 443
سُيعطى الصادقين بفضل صدقٍ ... نجاةً في الحياةِ وفي المماتِ
والله أعلم.
ومنها: ما حكاه الحافظ ابن رجب (١) ﵀ قال: (روينا من طريق مراد بن جميل قال: قال أبو المغيرة: ما رأيتُ مثل المعافى بن عمران وذكر من فضله قال: حدَّثَني بعض إخواني أن غانمًا جاء والمعافى بن عمران يلقن بعد ما دُفِن (٢) فسمعته وهو يلقن في قبره وهو يقول: لا إله إلَّا ألنّه فيقول المعافى لا إله إلَّا الله". ومنها ما حكاه اليافعي (٣) عن الشيخ إسماعيل الحضرمي؛ أنه مر على بعض مقابر اليمن فبكى بكاء شديدًا وعلاه حزن ثم ضَحِكَ ضحكًا شديدًا وعلاه سرور، سُئل عن ذلك فقال: كُشِفَ لي عن أهلِ (٤) هذه المقبرة فرأيتهم يُعذَبون فبكيتُ ثم تضرعتُ إلى اللهِ فقِيل: قد شفعناك فيهم، فقالت صاحبة هذا القبر: وأنا معهم يا فقيه إسماعيل أنا فلانة المغنية فقلتُ: وأنتِ معهم. فلذلك ضحكت ..
стр. 444
ومنها: ما حكاه الحافظ ابن رجب في "طبقات الأصحاب" (١) في ترجمة الإمام العلامة ولي الله (٢) بلا نزاع الشيخ أبي عمر أخى موفق الدين بن قدامة ﵄ عن الضياء - قدس الله روحه - عن عبد المولى بن محمد "أنه كان يقرأ عند قبر الشيخ سورة البقرة وكان وحده فبلغ إلى قوله تعالى ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ [البقرة: ٦٨]، قال: فغلطت فرد عَليّ الشيخ من القبر فخفت وفزعت وارتعدتُ وقمتُ، ثم مات القارئ بعد ذلك بأيام: قال الحافظ: وهذه الحكاية مشهورة قال: وقرأ بعضُهم عند قبره سُورةَ الكهفِ فسمعه من القبر يقول: لا إله إلَّا الله".
стр. 445
فوائد:
الأولى: ذكر أبو الشيخ في كتاب "الوصايا" عن قيس بن قبيصة مرفوعًا: "من لم يوص لم يؤذن له في الكلام مع الموتى" قيل يا رسول الله: وهل يتكلم الموتى؟ قال: "نعم. ويتزاورون" (١).
وأخرج أبو أحمد الحاكم في "الكنى" عن جابر مرفوعًا (٢): "من مات عن غير وصية لم يؤذن له في الكلام إلى يوم القيامة لا. قيل: يا رسول الله: وهل يتكلمون قبل يوم القيامة؟ قال: "نعم. ويزور بعضهم بعضا".
وأخرج الديلمي، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيت في المنام امرأتين واحدة تتكلم والأخرى لا تتكلم، كلتاهما من أهل الجنة فقلت لها: أنت تتكلمين وهذه لا تتكلم (٣)، قالت: أمّا أنا فأوصيتُ، وهذه ماتت بلا وصيّة، لا تتكلم إلى يوم القيامة" (٤).
الثانية: ورد في الحديث أن ما يؤذي الحي يؤذي الميت، أخرج
стр. 446
الديلمي عن أم المؤمنين عائشة، ﵂: أن النبي ﷺ ، قال: "الميتُ يؤذيه في قبره ما يؤذيه في بيته" (١).
وأخرج البخاري عنها أن النبي ﷺ : "قال لا تسبُّوا الأموات، فإنهم قد أفضَوا إلى ما قدموا" (٢).
وأخرج أبو داود والترمذي وابن أبي الدنيا عن ابن عمر ﵄، مرفوعًا: "اذكروا محاسن موتاكم وكُفوا عن مساوئهم" (٣).
وأخرج ابن أبي الدنيا عن عائشة ﵂، عنه ﷺ : "لا تذكروا موتاكم إلَّا بخير إن يكونوا من أهل الجنة تأثموا، وإن يكونوا مِن أهل النار فحسبهم ما هم فيه" (٤).
الثالثة: ورَد عن حضرة الرسالة أن الميت يتأذى بالنياحة عليه، أخرج الشيخان عن عائشة ﵂: أنه قيل لها: إن ابن عمر يرفع إلى النبي ﷺ : "أن الميت يُعذب ببكاء الحيّ" قالت: وهل قال أبو عبد الرحمن ذلك؟ إنما قال: "أهل الميت يبكون عليه، "وإنه ليعذبُ في قبرها" (٥).
стр. 447
وأخرج الحاكم وصححه، عن النعمان قال: أُغمي علي عبد الله ابن رواحة، فَجَعلتْ أخته عمرْة تبكي، وا أخيّاه وا كذا تُعدد عليه، فقال حين أفاق: ما قُلتِ شيئًا إلَّا قيل لي: أنتَ كذلك؟ (١)
أخرج الطبراني عن الحسن أن معاذ بنَ جبل أغمى عليه، فجعلتْ أخته تقول: واجبلاه، فلما أفاقَ قال ما زلتِ لي مؤذيه منذ اليوم، قالت: لقد كانَ يعزُّ عليَّ أن أوذيك، قال: ما زال ملك شديد الانتهار كلما قلت واكذا. قال أكذلك أنت؟ فأقول له لا (٢).
وأخرج ابن سعد (٣) عن المقدام بن مَعدي كَرِب قال: لمَّا أُصيب عمر دَخلَتْ عليه حفصة فقالتْ: يا صاحبَ رسول الله ﷺ ، ويا صهر رسول الله، ويا أمير المؤمنين، فقال عُمر: إني أحرّج عليك بمالي من الحق، أن تندبيني بعد مَجلسك هذا، إنه ليس من ميت يُندَبُ بما ليس فيه إلَّا الملائكةُ تمقتُهُ. أخرج ابن سعد (٤) أيضًا عن يوسُف بن ماهك، قال: رأيتُ ابن عمر حضر جِنازة رافع بن خديج، فقال: إنَّ الميتَ يُعذب ببكاء الحي، وقد ورد حديث الميت يُعذَّبُ ببكاء الحي عليه أيضًا، من رواية أبي بكر الصديق رضي لله عنه، أخرجه أبو يعلى
стр. 448
بلفظ "الميتُ ينفخ عليه الحميم ببكاء الحي" (١)، وعن عُمر بن الخطاب بلفظ "إن الميت يُعذَّبُ بالنياحة عليه في قبره" (٢). أخرجه البخاري.
ومِن رواية أنس وعِمران بن حُصيْن عند ابن حِبّان في صحيحه (٣)، وسمرة بن جندب عند الطبراني في الكبير، وأبي هريرة عند أبي يعلى، والمغيرة بن شعبة عند ابن منده.
فاختلف العلماء في توجيه ذلك على مذاهب
أحدها: إنه على ظاهره مطلقًا، وهو رأي عُمر بن الخطاب، وابنه.
الثاني: لا. مطلقًا.
الثالث: أن الباء للحال أي: أنه يُعذب حال بكائهم عليه، والتعذيب بما له من ذنب، لا بسبب البكاء.
الرابع: أنه خاصٌ بالكافر، والقوْلان عن عائشة ﵂.
الخامس: أنه خاصٌ بمن كان النوح من سُنته وطريقته، وعليه البخاري.
السادس: أنه فيمن أوصى به كما قال القائل:
إذا مت فانعيني بما أنا أهله ... وشُقِّ عليَّ الجيبَ يا ابنة معبد
السابع: أنه فيمن لم يُوص بتركه، فتكون الوصية بذلك واجبة، إذا عُلم أنّ مِن شأن أهله أن يفعلوا ذلك.
стр. 449
الثامن: أن التعذيب بالصفات التي يبكون بها عليه وهي مذمومة شرعًا، كما كان أهل الجاهلية يفعلون، يقولون: يا مرمّل النسوان، يا مُيتم الأولاد، يا مُخرب الدور.
التاسع: أن المراد بالتعذيب: توبيخ الملائكة بما يندبه أهله، لحديث الترمذي، والحاكم وابن ماجة مرفوعًا "ما من ميت يموت فتقومُ نادبة تقول: واجبلاه واسنداه" أو شبه ذلك القول، "إلَّا وُكِّل به ملكان يلهزانه، أهكذا كنُتَ؟ " (١) ويشهد له ما ذكرنا عن ابن رواحة وغيره (٢).
العاشر: أن المُراد تألُّم الميِّت بما يقع من أهله؛ لحديث الطبراني وابن أبي شيبة، عن قيلة بنت مخرمة أنها ذَكَرَتْ عند رَسولِ الله ﷺ ، ولدًا لها مات ثم بَكت، فقال رسولُ الله ﷺ : "أيغلب أحدكم أن يصاحبَ صُويحِبَه في الدُنيا معروفًا فإذا مات استرجع، فوالذي نفس محمد بيده، إنّ أحدَكم ليبكي فيستعبر إليه صُوَيحبه، فيا عباد الله لا تُعذبوا موتاكم" (٣)، وعلى هذا ابن جرير، واختاره جماعة من الأئمة،
стр. 450
آخرهم شيخ الإسلام ابن تيميّة، قدس اللهُ روحه، ذكره الجلال السيوطي في "أهوال الموق والقبور"، ونَقَلْتُه ملخصًا.
والّذي رأيتُه عن شيخ الإسلام قدس الله رُوحَه، أن الميّت يتأذى بنوح أهله عليه مطلقًا، هذا لفظه، كما هو في اختياراته (١) قال: الجلال السيوطي، ﵀ في الجزء الأوّل من حديث يحيى بن معين، بسنده عن الحسن، أن من شرِّ الناس للميت أهله يبكون عليه، ولا يقضون ديونه أي: أنهم يجتهدون في جلب ما يؤذيه ويدَعون ما ينفعه، فإن الميت يتأذى ببكاء أهله، وهم يجتهدون في ذلك، وقضاء دَيْن الميت غاية مطلوبه، وهم مقصرون في ذلك إذْ روح الميت تُحبَسُ عن دخول الجنة، ما بقي على الميت درهم دين.
الفائدة الرابعة: فى النهي عن الوطء على القبور.
أخرج ابن أبي شيبة، عن عقبة بن عامر الصحابي، ﵁ قال: "لأنِ أطا على جَمرة أو على حَدّ سيف [يخُطف] رِجلي، أحبَّ إليَّ من أنْ أمشي على قبر رجلٍ مسلم، وما أبالي أفي القبور قضيتُ حاجتي أم في السوق بين ظهرانيه، والناس ينظرون". وأخرجه ابن ماجة من حديثه مرفوعًا (٢).
стр. 451
أخرج الطبراني والحاكم عن عِمارَةَ بن حزم قال: رآني رسول الله، جالسًا على قبر فقال: "يا صاحب القبر: أترى من على القبر؟ لا تؤذ صاحب القبر ولا يؤذيك" (١). وأخرج سعيد بن منصور، عن ابن مسعود ﵁، أنه سُئِل عن الوطئ على القبر قال: كما أكره أذى المؤمن في حياته، فإني أكره أذاه بعد موته.
وأخرج ابن أبي شيبة عنه، أذى المؤمن في موته كأذاه في حياته (٢).
وأخرَج ابن مندهَ عن القاسِم بن مُخيمَر، قال؛ لأن أطأ على سنان (٣) مَحْميٍّ حتى ينفد من قدمي، أحبّ إليّ من أن أطأ على قبر، وإن رجلًا وطئ على قبر، وإن قلبه ليقظان إذ سمع صوتًا من القبر: إليك عني يا رجل، لا تؤذني (٤).
الخامسة: في ملازمة الحافظين قبر المؤمن،
أخرج أبو نعيم عن أبي سعيد ﵁، سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "إذا قبضَ الله روح عبده المؤمن صعد ملكاهُ إلى السَّماء، قالا: رَبَّنا وكَلتنا بعبدك المؤمن فُلان نكتب عمله، وقد قبضته إليك، فأذن لنا أن نسكن السماء قال: سمائي مملوءة من ملائكتي يسبحوني، فيقولان فأذن لنا أن نسكن الأرض، فيقول: أرضي مملوءة من خلقي،
стр. 452
يسبحوني ولكن: قُومَا على قبر عبدي فسبّحاني وهلّلاني، وكبِّراني إلى يوم القيامة واكتباه لعبدي" (١)، وأخرجه البيهقي في الشعب، وابن أبي الدنيا من حديث أنس، وابن الجوزي في الموضوعات، من حديث أبي بكر الصديق، وزاد فيه: وإذا كان العبدُ الكافر فمات فصعد ملكاه إلى السَّماء، فقال لهما: ارجعا إلى قبره والعناه، هذا كلام السيوطي ﵀، وأقول لفظ ابن الجوزي في الموضوعات كما رأيتُه في نسخة قديمة، فإذا كان العبدُ كافرًا فمات، صعد ملكاه فيقول الله لهما: ما جاء بكما، فيقولان: ربّ قبضت عبدك فيقول لهما ارجعا إلى قبره فالعناه إلى يوم القيامة، فإنه كذبني وجحدني وإني جعلتُ لعنتكما عذابًا أعذبه به يوم القيامة، وذكر ابن الجوزي ﵀، طرقّه الثلاثة التي عن أبي سعيد وأبي بكر وأنس (٢)، وحكم عليه بالوضع، فليحفظ وتعقبّه الجلال السيوطي بأنه ليس بموضوع، بل ظاهر كلامه يشعر بأنه حسن كما يفهمه من له إمعان. والله أعلم.
السادسة: اختلفَ العلماء في وصول ثواب القراءة للميت، فجمهور السّلف، والأئمة الثلاثة على الوصول وخالفَ الشافعيُ مستدلاّ بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، وأجاب الجمهور عن الآية بأجوبة.
стр. 453
أحدها: أنها منسوخة، بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ [الطور: ٢١] (١) الآية أدُخل الأبناء الجنّة بصلاح الآباء.
الثاني: أنها خاصة بقوم إبراهيم وموسى عليهما الصلاة والسلام، وأما هذه الأمّة فلها ما سعت وما سُعِيَ لها، قاله عكرمة.
الثالث: المرادُ بالإنسان الكافر، فأمّا المؤمن فله ما سعى، وما سُعِي له، قاله الربيع بنُ أنس.
الرابع: ليس للإنسان إلَّا ما سعى من طريقه، فأمّا من باب الفَضل جائز أن يَزيده الله ما شاء، قاله الحسن بن الفضل.
الخامس: أن "اللام" في الإنسان بمعنى "على" أي ليس على الإنسان إلَّا ما سعى.
قُلْتُ: وينبغي أن يقيَّد هذا بما إذا لم يكن سببًا في ذلك؛ لما في خبر "ومنْ سَنّ سُنّة سيّئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها" (٢) الحديث وحديث "ما مِنْ مقتول يُقتل، إلَّا وعلى ابن آدم من دمه" (٣)، أو كما قال ﷺ .
стр. 454
واستدل القائلون بالوصول بالقياس على مثل الحج من أنواع البر، وبما خرجه الخلال في الجامع عن الشعبي قال: كانت الأنصارُ إذا مات لهم الميت اختلفوا إلى قبره، ويقرءون له القرآن (١).
وبما أخرج السمرقندي في فضائل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١]، عن عليّ مرفوعًا "من مرَّ على المقابر وقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ إحدى عشرة مرة، ثم وهب أجره للأموات أُعطي من الأجر بعدد الأموات" (٢).
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ دخل المقابرَ ثم قرأ فاتحة الكتاب، وقل هو الله أحد وألهاكم التكاثر، ثُم قال إني جَعلتُ ما قرأتُ من كلامكَ لأهل المقابر من المؤمنين والمؤمنات كانوا شفعاء له إلى الله تعالى" (٣).
وأخرجَ الديلمي في تاريخ همدان، وابن النجار عن علي كرّم الله وجهه، قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال إذا مرَّ بالمقابر السلامُ على أهل لا إله إلَّا الله مِن أهل لا إله إلَّا الله، كيف وجَدتم قول لا إله إلَّا الله، يا أهل لا إله إلَّا الله بحق لا إله إلَّا الله، اغفر لمن قال لا إله إلَّا الله، واحشرنا في زمرة من قال لا إله إلَّا الله، غُفِر له ذنوب خمسين سنة" قيل: يا رسول الله من لم تكن له ذنوب خمسين سنة، قال:
стр. 455
"لوالديه ولقرابته ولعامة المسلمين" (١).
وأخرج القاضي أبو بكر بن عبد الباقي الأنصاري، في مشيخته عن سلمة بن عبيد، قال: قال حماد المكي: خرجتُ ليلة إلى مقابر مكة فوضعتُ رأسي على قبر فنمت، فرأيت أهل المقابر حلقًا حلقًا فقلت: قامت القيامة؟ قالوا: لا ولكن رجلٌ من إخواننا قرأ قل هو الله أحد، وجعل ثوابها لنا، فنحنُ نقتسمه منذ سنة. وأخرج عبد العزيز صاحب الخلال، بسنده عن أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ ، قال: "من دخل المقابر فقرأ سورة يس خَفَّفَ اللهُ عنهم، وكان له بعدد ما فيها حسنات" (٢).
وقال الحافظ ابن رجب: رَوى جعفر الخلدي، حدثنا عباس بن يعقوب بن صالح الأنباري، سمعت أبي يقول: رأى بعض الصالحين أباه في النوم، فقال له: يا بُني لولا الأحياء لهلكت الأموات (٣). وأخرج ابن النجار في "تاريخه"، عن مالك بن دينار، قال: دخلت المقبرة ليلة جمعة، فإذا أنا بنور يشرق فيها فقلت: لا إله إلَّا الله، ترى إن الله قد غَفر لأهل المقابر، فإذا بهاتف يهتفُ به من البعد وهو يقول:
стр. 456
يا مالكُ بنُ دينار هذه هدية المؤمنين إلى إخوانهم أهل المقابر قلتُ: بالذي أنطقك ألا أخبرتني ما هو؟ قال: رجلٌ من المؤمنين قام في هذه الليلة فأسبغ الوضوء وصلَّى ركعتين، قرأ فيهما فاتحةَ الكتاب وقُل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد، وقال: اللهم إني قد وهبتُ ثوابَها لأهل المقابر من المؤمنين، فأدخل الله علينا الضياء والنور، والبهجة والسرور في المشرق والمغرب.
قال مالك: فلم أزل أقرؤها في كل جمعة فرأيت النبي ﷺ في منامي يقولُ لي: يا مالك قد غفر الله لك بعدد النور الذي أهديته إلى أمتي ولك ثواب ذلك، ثم قال وبَنَى الله لك بيتًا في الجنة، في قصر يقال له المنيف قلت: وما المُنيف قال المطل على أهل الجنة.
وهذه الأخبار وشبهها وإن كانت ضعيفة، فمجموعها يدل على أنّ لذلك أصلًا وبأنَّ المسلمين ما زالوا في كل مصر يجتمعون، ويقرؤن لموتاهم من غير نكير (١)، فكانَ ذلك إجماعًا ذكر ذلك كُلَّه الحافظُ شمس الدين بن عبد الواحد المقدسي، من أصحابنا ﵁.
قال القرطبي في التذكرة: وقد كان الشيخ عز الدين بن عبد السلام (٢) يُفتي بأنه لا يصل إلى الميِّت ثوابَ ما يُهدَى إليه من
стр. 457
القراءة، فلما تُوفي رآه بعض أصحابه فقال له: إنك كنتَ تقول إنه لا يصلُ إلى الميت ثواب ما يُهدَى إليه من القراءة فكيف الأمر؟ قال له: كنتُ أقول ذلك في دار الدنيا، والآن فقد رجعت عنه لما رأيت من كرم الله في ذلك، فإنه يصلُ إليه ذلك (١).
تنبيه: القراءة على القبر استحبها أصحاب الشافعي، وغيرهم قال النووي في "شرح المهذب" يستحب لزائر القبور أن يقرأ ما تيسر من القرآن، ويدعو لهم، نص عليه الشافعي زاد في موضع آخر: وإن ختم القرآن على القبر كان أفضل.
وكان إمامنا ﵁ ينكر ذلك أوّلًا، ثم رجع عنه حين بلغه الخبرُ، وقد ذكر المحقّق (٢) عن عليّ بن موسى الحداد، وكان صدوقًا قال: كنتُ مع الإمام أحمد بن حنبل ومحمد بن قدامة الجوهري في جنازة، فلما دفن الميت جلس رجل ضرير يقرأ عند القبر فقال له الإمام أحمد: يا هذا القراءة عند القبر بدعة، فلمّا خرجنا من المقابر، قال محمد بن قدامة للإمام أحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله: ما تقولُ في مبشر الحلي؟ قال: ثقة، قال: كتبتُ عنه شيئًا؟ قال: نعم، قال: فأخبرَني مبشّر عن عبد الله بن اللجلاج، عن أبيه أنه أوصى إذا دُفن أن يقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة، وخاتمتها، وقال: سمعتُ ابن عُمر يوصى بذلك، فقال له الإمام: فارجع وقل للرجل: يقرأ (٣).
стр. 458
قال القرطي في حديث "اقرؤا على موتاكم يس"، هذا يُحتمل أن تكونَ هذه القراءة عند الميّت في حال موته، ويُحتمل أن تكون عند قبره (١)، قال السيوطي: وبالأوّل قال الجمهور، وبالثاني قال: ابن عبد الواحد المقدسي، وبعضهم قال: بالتعميم، فيهما.
قال الغزالي في الإحياء وعبد الحق في العاقبة، عن الإمام أحمد ﵁، إذا دخلتم المقابر فاقرؤا بفاتحة الكتاب، والمعوذتين وقل هو الله أحد، واجعلوا ذلك لأهل المقابر، فإنه يَصلُ إليهم (٢)، قال القرطبي: وقد قِيل إن ثوابَ القراءة للقارئ وللميِّت ثواب الاستماع، ولذلك تلحقُه الرحمة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، قال: ولا يَبعدُ في كرم الله أن يلحقه ثواب القراءة والاستماع معًا، ويلحقهُ ثوابَ ما يُهدَى إليه من القراءة وإن لم يسمع كالصدقة.
الفائدة السابعة في بلاء الجسد ونتنه: أخرج البخاري عن جندب البجلي، "أول ما ينتن من الإنسان بطنه" (٣)، وأخرج ابن عساكر، عن أبي قلابة، قال: ما خَلق الله شيئًا أطيب من الروح، ما نُزع من شيء إلَّا أنتن.
وأخرج أبو نعيم عن وهب بن منبه، قال: قرأتُ في بعض الكتب: لولا أني كتبت النتن على الميت، لحبسهُ الناس في بيوتهم (٤).
стр. 459
وأخرج ابن عساكر عن زيد بن أرقم مرفوعًا: "يقول الله تعالى توسعت على عبدي بثلاث خصال بعثتُ الدابة على الحبة، ولولا ذلك لكنزها ملوكهم كما يكنزون الذهبَ والفضة، وتغير الجسد من بعد الموت، ولولا ذلك لما دفن حميمٌ حميمَه، وأسليْت حَزَنَ الحزين، ولولا ذلك لم يكن يسلو" (١)(٢).
وأخرج مُسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس من الإنسان شيء إلَّا يبلى إلَّا عظم واحد، وهو عجمُ الذنب، ومنه يُركب الخَلقُ يوم القيامة" (٣)، وأخرجه أبو داود النسائي أيضًا.
وأخرج عنه أيضًا مرفوعًا: "كل ابن آم يأكله التُرابُ إلَّا عجب الذنب"، منهُ خُلق أي: هُو أوّل ما خُلق من الإنسان ومنه يُركّب.
قُلْتُ: لم أرَ أحدًا مِمّن تكلّم على تكوين الإنسان، ذكر أنّ أوّل ما يخلق من الإنسان عجم الذنب، وإنما ذهب جماعةٌ أنه القلبُ وقيل الدّماغ وقيل الكبد، وقيل فقار الظهر، كما أنهى الكلام على ذلك الإمام المحقق في كتابه "تحفة الودود، في أحكام المولود". انتهى (٤).
قال شارح "المواقف": هل يعدمُ اللهُ الأجزاء البدنية؟ ثم يعيدها أو يفرقها ويعيد فيها التأليف؟ الحقُ أنه لم يَثبت في ذلك شيء فلا يُجزم
стр. 460
فيه بنفي ولا إثبات؛ لعدم الدليل على شيء من الطرفين انتهى. وقال ناظم الجوهرة:
وقل يعاد الجسم بالتحقيق ... عن عَدم وقيل عن تَفْريق
مَحضين لكن ذا الخلاف خصًا ... بالأنبياء ومن عليهم نصا
وفي إعادة العرض قولان ... ورَجحت إعادةُ الأعميان (١)
قال القرطبي في "التذكرة": يُقال عجمُ وعَجبُ بالباء والميم، وهو جزء لطيف في أصل الصُلب، وقيل هُو رأس العصعص، كما رواه ابن أبي داود في كتاب البعث، من حديث أبي سعيد الخُدري قيل يا رسول الله: وما هُو قال: "مثل حبَّة خردل، ومنه ثنشئون" (٢)(٣).
الثامنة: أخرج ابن النجار في ترجمة كثير بن سالم الهيثمي أنه