← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 132973

البحور الزاخرة في علوم الآخرة

السفاريني

Полный текст (1 621 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

يا مالكُ بنُ دينار هذه هدية المؤمنين إلى إخوانهم أهل المقابر قلتُ: بالذي أنطقك ألا أخبرتني ما هو؟ قال: رجلٌ من المؤمنين قام في هذه الليلة فأسبغ الوضوء وصلَّى ركعتين، قرأ فيهما فاتحةَ الكتاب وقُل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد، وقال: اللهم إني قد وهبتُ ثوابَها لأهل المقابر من المؤمنين، فأدخل الله علينا الضياء والنور، والبهجة والسرور في المشرق والمغرب. قال مالك: فلم أزل أقرؤها في كل جمعة فرأيت النبي ﷺ في منامي يقولُ لي: يا مالك قد غفر الله لك بعدد النور الذي أهديته إلى أمتي ولك ثواب ذلك، ثم قال وبَنَى الله لك بيتًا في الجنة، في قصر يقال له المنيف قلت: وما المُنيف قال المطل على أهل الجنة. وهذه الأخبار وشبهها وإن كانت ضعيفة، فمجموعها يدل على أنّ لذلك أصلًا وبأنَّ المسلمين ما زالوا في كل مصر يجتمعون، ويقرؤن لموتاهم من غير نكير (١)، فكانَ ذلك إجماعًا ذكر ذلك كُلَّه الحافظُ شمس الدين بن عبد الواحد المقدسي، من أصحابنا ﵁. قال القرطبي في التذكرة: وقد كان الشيخ عز الدين بن عبد السلام (٢) يُفتي بأنه لا يصل إلى الميِّت ثوابَ ما يُهدَى إليه من

стр. 457

القراءة، فلما تُوفي رآه بعض أصحابه فقال له: إنك كنتَ تقول إنه لا يصلُ إلى الميت ثواب ما يُهدَى إليه من القراءة فكيف الأمر؟ قال له: كنتُ أقول ذلك في دار الدنيا، والآن فقد رجعت عنه لما رأيت من كرم الله في ذلك، فإنه يصلُ إليه ذلك (١). تنبيه: القراءة على القبر استحبها أصحاب الشافعي، وغيرهم قال النووي في "شرح المهذب" يستحب لزائر القبور أن يقرأ ما تيسر من القرآن، ويدعو لهم، نص عليه الشافعي زاد في موضع آخر: وإن ختم القرآن على القبر كان أفضل. وكان إمامنا ﵁ ينكر ذلك أوّلًا، ثم رجع عنه حين بلغه الخبرُ، وقد ذكر المحقّق (٢) عن عليّ بن موسى الحداد، وكان صدوقًا قال: كنتُ مع الإمام أحمد بن حنبل ومحمد بن قدامة الجوهري في جنازة، فلما دفن الميت جلس رجل ضرير يقرأ عند القبر فقال له الإمام أحمد: يا هذا القراءة عند القبر بدعة، فلمّا خرجنا من المقابر، قال محمد بن قدامة للإمام أحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله: ما تقولُ في مبشر الحلي؟ قال: ثقة، قال: كتبتُ عنه شيئًا؟ قال: نعم، قال: فأخبرَني مبشّر عن عبد الله بن اللجلاج، عن أبيه أنه أوصى إذا دُفن أن يقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة، وخاتمتها، وقال: سمعتُ ابن عُمر يوصى بذلك، فقال له الإمام: فارجع وقل للرجل: يقرأ (٣).

стр. 458

قال القرطي في حديث "اقرؤا على موتاكم يس"، هذا يُحتمل أن تكونَ هذه القراءة عند الميّت في حال موته، ويُحتمل أن تكون عند قبره (١)، قال السيوطي: وبالأوّل قال الجمهور، وبالثاني قال: ابن عبد الواحد المقدسي، وبعضهم قال: بالتعميم، فيهما. قال الغزالي في الإحياء وعبد الحق في العاقبة، عن الإمام أحمد ﵁، إذا دخلتم المقابر فاقرؤا بفاتحة الكتاب، والمعوذتين وقل هو الله أحد، واجعلوا ذلك لأهل المقابر، فإنه يَصلُ إليهم (٢)، قال القرطبي: وقد قِيل إن ثوابَ القراءة للقارئ وللميِّت ثواب الاستماع، ولذلك تلحقُه الرحمة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، قال: ولا يَبعدُ في كرم الله أن يلحقه ثواب القراءة والاستماع معًا، ويلحقهُ ثوابَ ما يُهدَى إليه من القراءة وإن لم يسمع كالصدقة. الفائدة السابعة في بلاء الجسد ونتنه: أخرج البخاري عن جندب البجلي، "أول ما ينتن من الإنسان بطنه" (٣)، وأخرج ابن عساكر، عن أبي قلابة، قال: ما خَلق الله شيئًا أطيب من الروح، ما نُزع من شيء إلَّا أنتن. وأخرج أبو نعيم عن وهب بن منبه، قال: قرأتُ في بعض الكتب: لولا أني كتبت النتن على الميت، لحبسهُ الناس في بيوتهم (٤).

стр. 459

وأخرج ابن عساكر عن زيد بن أرقم مرفوعًا: "يقول الله تعالى توسعت على عبدي بثلاث خصال بعثتُ الدابة على الحبة، ولولا ذلك لكنزها ملوكهم كما يكنزون الذهبَ والفضة، وتغير الجسد من بعد الموت، ولولا ذلك لما دفن حميمٌ حميمَه، وأسليْت حَزَنَ الحزين، ولولا ذلك لم يكن يسلو" (١) (٢). وأخرج مُسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس من الإنسان شيء إلَّا يبلى إلَّا عظم واحد، وهو عجمُ الذنب، ومنه يُركب الخَلقُ يوم القيامة" (٣)، وأخرجه أبو داود النسائي أيضًا. وأخرج عنه أيضًا مرفوعًا: "كل ابن آم يأكله التُرابُ إلَّا عجب الذنب"، منهُ خُلق أي: هُو أوّل ما خُلق من الإنسان ومنه يُركّب. قُلْتُ: لم أرَ أحدًا مِمّن تكلّم على تكوين الإنسان، ذكر أنّ أوّل ما يخلق من الإنسان عجم الذنب، وإنما ذهب جماعةٌ أنه القلبُ وقيل الدّماغ وقيل الكبد، وقيل فقار الظهر، كما أنهى الكلام على ذلك الإمام المحقق في كتابه "تحفة الودود، في أحكام المولود". انتهى (٤). قال شارح "المواقف": هل يعدمُ اللهُ الأجزاء البدنية؟ ثم يعيدها أو يفرقها ويعيد فيها التأليف؟ الحقُ أنه لم يَثبت في ذلك شيء فلا يُجزم

стр. 460

فيه بنفي ولا إثبات؛ لعدم الدليل على شيء من الطرفين انتهى. وقال ناظم الجوهرة: وقل يعاد الجسم بالتحقيق ... عن عَدم وقيل عن تَفْريق مَحضين لكن ذا الخلاف خصًا ... بالأنبياء ومن عليهم نصا وفي إعادة العرض قولان ... ورَجحت إعادةُ الأعميان (١) قال القرطبي في "التذكرة": يُقال عجمُ وعَجبُ بالباء والميم، وهو جزء لطيف في أصل الصُلب، وقيل هُو رأس العصعص، كما رواه ابن أبي داود في كتاب البعث، من حديث أبي سعيد الخُدري قيل يا رسول الله: وما هُو قال: "مثل حبَّة خردل، ومنه ثنشئون" (٢) (٣). الثامنة: أخرج ابن النجار في ترجمة كثير بن سالم الهيثمي أنه

стр. 461

أوصى أن لا يُعمر قبره إذا درس، وأكد في ذلك وشدَّد وقال إن الله ينظرُ إلى أصحاب القُبور الدوارس، فيرحمهم فأرجو أن أكونَ منهم قال ابن النجار: وقد وردَ مثلُ ذلك في الآثار ثم أخرج من طريق عبد الله بن حميد، ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، ثنا عبد الصمد بن معقل، عن وهب بن منبه قال: مرّ أرْميا النّبِيُّ ﵇ بقبور تعذب أهلُها، فلما أن كان بعدَ سنَة مَرّ بها فإذا العذابُ قد سكن عنها. فقال قدّوس قدّوس، مررتُ بهذه القبور عام أول وأهلُها يُعذّبون، ومررت في هذه السّنَة، وقد سكن العذاب عنها فإذا النداء من السماء يا أرميا تمزّقت أكفانهم، وتمعَّطت شُعورهم ودرست قُبورهم، فنظرتُ إليهم ورحِمْتُهم، وهكذا أفعل بأهل القبور الدّارسات، والأكفان المتمزقات، والشعور المتمعطات (١). التاسعة: أخرج أبو نعيم عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "من وافق موتُه عند انقضاء رمضان دخل الجنة، ومن وافق موته عند انقضاء عرفة دخل الجنة، ومن وافق موته عند انقضاء صدقة دخل الجنة" (٢). وأخرج الإمام أحمد، عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال لا إله إلَّا الله ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة، ومن صام يومًا ابتغاء وجه الله خُتم له به دخل الجنة، ومن تصدق

стр. 462

بصدقة ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة" (١). وأخرجَ الديلمي عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : "من مات صائمًا أوجب الله له الصيام إلى يوم القيامة" (٢). العاشرة: لا تأكل الأرض أجساد جماعة وهم الأنبياء والعلماء والشهداء، ومؤدبوا الأطفال والمؤذنون حيث احتسبوا آذانهم لله، قُلْتُ: فإن أخذ المؤذنون ومؤدّبوا الأطفال على ذلك رزقًا من بيت مال المسلمين، فلا ينافي الاحتساب، قال علماؤنا وما يأخذه المؤذّنون ونحوّهم فكالرزق من بيت المال، وليس بأجرة فإن وقَّع عقد إجارة على ذلك حَرم الأخذ، وبَطل الأجر على قواعد مذهب الإمام أحمد بخلاف الجعالة، ولا يخفى أن عدم الأخذ بالمرة أولى سيما مع شدة الخلاف في جواز تناول ذلك، كما لا يخفى على من له خبره بأقاويل العلماء وقد نظم بعضُهم الذين لا تأكله الأرض في قوله: لا تأكل الأرض جسمًا للنبي ولا ... لعالم وشهيد قتل معترك ولا مؤدب أطفال ومحتسبٌ ... أذانُه لإله مُجري الفلك

стр. 463

البحور الزاخرة في علوم الآخرة تأليف الإمام العالم العلامة محمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفاريني الحنبلي رحمة الله تعالى عليه (١١١٤ هـ - ١١٨٨ هـ) حققه وضبط نصه وعزا آياته وخرج أحاديثه ووثق نقوله وعلق عليه عبد العزيز أحمد بن محمد بن حمود المشيقح غفر الله له ولوالديه ولذريته ولمشائخه ولجميع المسلمين [المجلد الثاني]

стр. 464

الكتاب الثاني في أشراط الساعة واقترابها وما يتعلق بذلك قال تعالى ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١] وقال ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾ [الأنبياء: ١] وقال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧]، وقال: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨]، وقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٦٦)﴾ [الزخرف: ٦٦]، إلى غير ذلك من الآيات، وأما الأحاديث فلا تكادُ تحصر، لا يقال كيفَ يوصَفُ بالاقتراب، ما قد مضى قبل وقوعه ألف ومائة، وأكثر من ذلك لأنا نقول أن الأجل إذا مضى أكثره وبقي أقله حسن أنْ يمال فيه: اقترب الأجلُ فأجلُ الدُنيا قد مضى أكثره وبقى أقلُّه، ولقرب قيام الساعة عنده تعالى جَعلها كغدٍ الذي بعد يومك، فقال تعالى: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾ [المعارج: ٦، ٧] وفي الترمذي (١) وصححه عن أنس "بعثت أنا والساعة كهاتين" وأشار بالسبابة والوسطى. هما مرفوعًا: فضل إحداهما على الأخرى. وفي الصحيحين عن ابن عمر مرفوعًا: "إنما أجلكم فيمن مضى

стр. 465

قبلكم من الأمم مِن صلاة العَصر إلى مغرب الشمس" (١) وفي لفظ "إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس" (٢). ولمّا كان أمر الساعة شديدًا، وهولها مزيدا، وأمدها بعيدا، كان الاهتمام بشأنها أكثر من غيرها، وضيرها أكبر من خيرها، وأكثر النّبيّ ﷺ من بيان أشراطها، وأماراتها وأخبر عمّا بين يديها من الفتن القريبة والبعيدة، ونبّه أمته لأجل الاعتداد لقطع تلك العقبة الشديدة، فينبغي لكل ذي لب كامل ورأي فاضل أن يشتغل بالأعمال الصالحة، ولا ينهمك في نيل الشَهواتِ الفاضحة. واعلم أن وقت إتيان الساعة مما انفرد الله بعلمه، وأخفاه عن عباده، وذلك لحكمة فإنه أصلح للعباد لئلَّا يتباطئوا عن التأهب والاعتداد. قال الفخر الرازي: كما أن كتمان وقت الموت أصلح لهم، يعني: فإنه إذا خفي عليه ذلك كان دائمًا مترقبًا وقوعه، بخلاف إذا علم فربّما كان يرتكب الموبقات ثم إذا قرب وقت الوفاة (تاب) (٣) إلى الله ، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤].

стр. 466

قال المحققون: السبب في إخفاء الساعة: أنهم إذا لم يعلموا متى تكون، كانوا على حذر منها، فكان ذلك أدعى للطاعة، وأزجر عن المعصية. قال العلامة في "بهجة الناظرين وآيات المستدلين": قد احتج كثيرٌ من العلماء، على تعيين قرب زمانها بأحاديثَ لا تخلوا من نظر، فنهم من قال: بقي لها كذا، ومنهم من قال: يخرج الدجّال على رأس كذا، وتطلع الشمس على رأس كذا، فردّ الحافظ السيوطي ذلك كُلَّه، وذكر هو تقريبًا أنها تقوم على رأس الخمسمائة بعد الألف أو أزيد (١). قال العلامةُ (٢): وهذا أيضًا مردود لأنَّ كلّ من تكلم بشيء من ذلك فهو ظنٌّ وحسبان، لا يقوم عليه من الوحي برهان. انتهى. وسأذكر جميع ذلك مستقصيًا إن شاء الله بعد. واعلم أن في مدة عمارة الأرض أقوالًا فقيل: إنه لا يعلَمُ ذلك المقدار إلَّا العزيز الجبار، وهذا هو عين الصواب بلا شك ولا ارتياب، وقيل مدة عمارتها سبعة آلاف سنة وهذا هو المشهور، وقيل غير ذلك قال أهل القول الأول: لم ينص على ذلك قرآن ولا صح خبر عن سيد ولد عدنان، فالخوض فيه ضرب من الهذيان، وحكى القول الثاني عن حبر القرآن، ووهب بن منبه، وحكاه جماعة اليهود وغيره

стр. 467

وأما أعداء الله الفلاسفة فَزعموا أن تدبير العالم الذي نحن فيه للسنبلة فإذا استكمل العالم قطع هذه المسافة، وقع الفساد والدثور ثم عاد الدهر إلى الميزان، فتجتمع المواد ويُقَدر النشورُ عَودا. قال البكري: وسُلطان الحمل عندهم اثنا عشر ألف سنة، والثور إحدى عشر ألف سنة، ثم كذلك على التوالي، حتى تكونَ قسمةُ الحوت ألف سنة، فجميع ذلك ثمانية وسَبعون ألف سنة، فإذا انْصَرمتْ هذه المدة انقضى عالم الكون والفساد (١). قال: وهذا قول هرمس وزعم أنه لم يكن في عالم الحَمَل والثور، والجوزاء على الأرض حيوان، فلما كان عالم السرطان تكونت دَواب الماء، وهوام الأرض، فلما كان عالم الأسد تكونت الدواب ذوات الأربع، فلما كان عالم السنبلة تولد الإنسانان الأولان آدم نوس وحواء نوس. وزعم بعضُهم: أن مُدة العالم مقدار قطع الكواكب الثابتة، لدرج الفلك والكوكب منها يقطع البرج في ثلثمائة سنة فذلك ست وثلاثون ألف سنة، وهي ألف وعشرون كوكبًا. وقال في "جامع الفنون": عددُ الكواكب الثابتة لا يَعلمُها إلَّا الله تعالى، إلَّا أن الحكماء ضبطوا مِنها ألفًا واثنين وعشرين كوكبًا، وقيل غير ذلك في مدة عُمر الدنيا، والله أعلم.

стр. 468

واعلم أن أشراط الساعة وأماراتها تنقسم إلى ثلاثة أقسام (١): قسم ظهر وانقضى وهى الأمارات البعيدة. وقسم ظهر ولم ينقض بل لا يزال في ازدياد حتى إذا بلغَ الغاية ظهر. القسم الثالث، وهي الأمارات القريبة التى تعقبها الساعة، وإنها تتابع كنظام خرزات قُطِعَ سلكها. فمن ثَمَّ جعلتْ أمارات السّاعة في ثلاثة أبواب.

стр. 469

الباب الأول في الأمارات البعيدة التي ظهرت وانقضت . وهي كثيرة جدًا منها مُوتُ النبي ﷺ ، وهو أعظم المصائب في الدين ومن ثم قال ﷺ : "إذا أصيب أحدُكم بمصيبة فليذكر مُصيبته بي، فإنكم لن تصابوا بمثلي أبدًا" (١)، قال الشاعر وأحسن: اصبر لكل مُصيبة وتجلّد ... واعلم بأن المرءَ غيرَ مُخَلد وإذا أصبتَ بنكبة فاصبر لها ... واذكر مَصابك بالنبي محمد وقال الآخر: تذكرت لمّا فرق الدَّهر بيننا ... فسليتْ نفسي بالنبي محمد وقلتُ لها إن المنايا سبيلُنا ... فمن لم يمت في يومه مات في غده وموت النبي ﷺ ، أول فتح باب الاختلاف حين قالوا: مِنَّا أمير ومنكم أمير، عن عوف بن مالك رفعه: "أعدد بين يدي الساعة مَوتِي، ثم فتح بيت المقدس" (٢)، وأخرج نحوه الطبراني عن ابن عمر مَرفوعًا. وفي الصحيح (٣): "ما نفضنا أيدينا من تراب قبر رسول الله ﷺ ، حتى أنكرنا قلوبنا".

стр. 470

ومنها قتلُ أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، فقد صحَّ أنه ﷺ ، ذكر فتنة فمرّ عثمانُ ﵁، فقال: "هذا يومئذ على الهدى"، وقال لعثمان: "إنَّ الله مُقْمّصُك قميصًا - أي: موليك الخلافة - فإن أرادك المنافقون على خلعه، فلا تخلعه حتى تلقاني" (١). وقال حُذيفة ﵁: أوّلُ الفتن قتلُ عثمان، وآخرُها خروج الدجال. زاد ابن عساكر في روايته: "والذي نفسي بيده، ما من رجل في قلبه مثقال حبة من فتل عثمان إلَّا اتبع الدَّجال إن أدركه وإن لم يدركه آمن به في قبره" (٢). وملخص قصة قتله ﵁، أنهم انتقدوا عليه بعض أمور، منها: أنه ولّى محمد بن أبي بكر ﵄ مصر، فلما كان في بعض الطريق إذا بغلام عثمان على ناقته متوجهًا نحو مصرَ فأتوا به فسألوه عن الخبر، فلم يُخبرهم ففتشوه، فَلَقَوا معه كتابًا إلى العامل بمصر، فيه أنك تقتل محمدًا، فرجع محمدٌ إلى المدينة فاجتمع عليه أربعة آلاف أوباش من مُضر وتميم وغيرها، وسألوه عن الغُلام والكتاب، فقال: لا علم لي به فقالوا: إن هذا فِعلُ مروان. وعرفوا خطه، وقالوا: فادفعه لنا. فلم يفعل، فأرادوه على أن يعزل نفسه، فلم يفعل امتثالًا لوصية رسول الله ﷺ .

стр. 471

فحاصروه، فجاءت الأنصارُ إلى الباب، وقالوا: يا أميرَ المؤمنين إن شئت كنا أنصارًا لله مرّتين، فقال: لا حاجة لي في ذلك كُفّوا، إن رسول الله ﷺ ، عهدَ إليَّ عهدًا، وأنا صائر إليه وجاء عليّ كرّم الله وجهه في جماعةٍ من بني هاشم، يريدُ نصره، فقال عثمان ﵁: كُلُّ من لي عهد في ذمته يكف عن القتال. فأخذ عليّ عمامته أي عمامة نفسه ﵁، فرمى بها في صَحن داره وقال: ذلك ليعلمَ أني لم أخنه بالغيب، وأن الله لا يهدي كيد الخائنين. ومنعوه الماء العذب، فأرسل عليٌّ الحسن والحسين، وعبد الله بن جعفر في فئة من بني هاشم بثلاث قرب من الماء، فحالوا دونهم فحملوا عليهم حتى جُرحَ الحسنُ أو الحسين رضي الله تعالى عنهما، فسال الدم على وجهه وأوصلوه الماء، فلمّا رأوا ذلك، خافوا بني هاشم، وتركوا الباب، ونقبوا البيت من ظهره، وكان عنده في الدار عبيده الكثيرون، فأرادوا أن يمنعوا عنه فقال: من أغمد سيفه فهو حر ومنعهم من ذلك، وكان ممّن دخل عليه الدار: محمدُ بنُ الصديق ﵄، فذكر له عثمان بعض مناقبه في الإسلام، وقال: أنشدك الله ألم تعلم ذلك؟ فيقول محمد: نعم، ثم قال: والله يا ابن أخي لو رأى أبوك مكانك لساءه ذلك، فبكى محمد وخرج ولم يحدث شيئا، ثم دخل عليه جماعة فقتلوه في أوسط أيام التشريق، والمصحف بين يديه سنة خمس وثلاثين من الهجرة، عن ثمان وثمانين سنة من

стр. 472

مولده، وقيل: عن تسعين، ورجحه النووي في "تهذيبه" (١)، وقيل اثنان وثمانون. وحكى الواقدي فيه الاتفاق وكانَ ذلك يومَ الجُمعة وقيل: ليلة الجمعة وقيل يوم الأربعاء لثمان عشرة من ذي الحجة، وقيل: يوم التروية، وقيل: لليلتين بقيتا من ذي الحجة، وقيل في أوسط أيام التشريق، كما ذكرناه آنفًا، وقيل أكثر من ذلك، وقيل أقل. قال ابن عبد الدايم البرماوي: وكان يومئذ صائمًا، ويُروى أنه كان يقرأ في المصحف، فوقعت قطرة من دمه، أو قطرات على قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧] واختلفوا فيمن باشر قتله، فقال كثير لا يُعرف، وقيل: الأسود النخشي من مصر، وقيل: جبلة بن الأيهم من مصر، وقيل: سودان بن حمدان وقيل رومان اليماني، ورومان رجل من بني أسد بن خريمة، وقيل قتله اثنان، وقيل غير ذلك. وقال ابن باطيش، في كتاب "مزيل الشبهات"، فيما نقله السيوطي في "تنوير الحوالك" عن عبد الله بن سلام قال: أتيت عثمان وهو محصور، فقال: مرحبًا يا أخي رأيت رسول الله ﷺ في هذه الخوخة، فقال: يا عثمان حصَروك؟ قلت: نعم. قال: عطشوك؟ قلتُ: نعم. (فأدلى) (٢) لي دلوا فيه ماء فشربت حتى رويت، حتى أني الآن لأجد برده بين ثدي، وبين كتفي، فقال: إن شئتَ نُصِرتَ

стр. 473

عليهم، وإن شئتَ أفطرتَ عندنا، فاخترتُ أن أفطر عنده، فقتل في ذلك اليوم (١). وفي "الإشاعة" للبرزنجي (٢): أن عثمان ﵁ رأى في ليلة يوم قتل فيه النَّبيَّ ﷺ فقال له: يا عثمانُ أفطر عندنا، فأصبح صائمًا وقُتل وهو صائم ﵁، وهو من المقطوع لهم بالجنة. ومنها وقعة الجمل: روى الحاكم عن علي وطلحة ﵄، أن رسول الله ﷺ قال للزبير: "أتحبُ عليًا أما أنك ستخرج عليه وتقاتلهُ وأنت له ظالم" (٣). وروى الإمام أحمد والحاكم عن عائشة ﵂: أنه ﷺ قال لها: "كيف بإحداكن إذا نبحتها كلاب حوأب؟ " (٤). وأخرج البزارُ بسند رجاله ثقات، عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قال لنسائه: "أيتكن صاحبة الجمل الأدبب؟ " أي بهمزة مفتوحة ومهملة، وبموحدتين الأولى مفتوحة "فتخرج حتى تنبحها كلاب الحوأب، يُقتل عن يمينها وعن شِمالها قتلى كثيرة، وتنجو بعد ما كادت" (٥).

стр. 474

وأخرج الإمام أحمد والطبراني، عن أبي رافع أن النبي ﷺ قال لِعليّ: "سيكون بينك وبين عائشة أمرٌ"، قال: فأنا أشقاهما يا رسول الله قال: "لا، ولكن إذا كان ذلك فارددها إلى مأمنها" (١). وأخرج أبو نعيم عن طاوس (بسند (٢) صحيح) أن رسول الله ﷺ قال: لنسائه: "أيتكن تنبحها كلابُ حوأب؟ " فضحكت عائشة ﵂ متعجبة، فقال: "انظري، لا تكوني أنتِ يا حميراء" والحوأب: بفتح المهملة وسكون الواو وبعدها همزة ثم موحدة هو ماءٌ لبني عامر، كما تعرفه. ومُلخص وقعة الجمل على ما ذكره الحافظ ابن حجر، ملتزمًا صحّة ذلك أو تحسينَه هو أنه لما كان الغد من قتل عثمان ﵁، خرج عليّ ﵁، ومعه سفيان الثقفي فدخل المسجد، فإذا جماعَة على طلحة، فخرج أبو جهم بن حذيفة، فقال: يا علي، ألا ترى؟ فلم يتكلم ودخل بيته فأتى بثريد فأكل، ثم قال: يُقتل ابن عمي، ويُغلب على ملكه فخرج فأتاه الناس وهو في سوق المدينة فقالوا له: ابسط يدك فقال: حتى يتشاور الناس، فقال بعضهم: لئن رَجع الناس إلى أمصارهم بقتل عثمان، ولم يقم بعده قائم لم يُؤمن الاختلاف وفساد الأُمَّة، فأخذ الأكثر بيده، فبايعوه، وذهب إلى بيت المال ففتحه، فلما

стр. 475

تسامع الناس بذلك تركوا طلحة، فلم يعدلوا به طلحة ولا غيره، ثم أرسل إلى طلحة والزُبير فبايعاه، ثم أنهما ندما على خذلان عثمان، فطلبوا منه أن يقتل قتلة عثمان، فلم يجبهما وذلك لأن قاتله كان غير معلوم، أو كان ينتظر أولياء عثمان أن يتحاكموا إليه (١) إن قلنا أن قاتله معلوم أو ترك ذلك لما علم أنه يترتب عليه فتنة واختلاف كلمة المسلمين ثم إن طلحة والزبير استأذنا عليّا في العمرة، فأخذ عليهما عهودًا وأذن لهما فلقيا عائشة ﵂ فاتفقا معها على الطلب بدم عثمان، وكان يعلى بن أمية عامل عثمان على صنعاء، وكان عظيم الشأن عنده وكان متمولًا فقدم حاجًا فأعانهما بأربعمائة ألف دينار، وحمل سبعين رجلًا من قريش، واشترى لعائشة جملًا يقال له عسكر بثمانين دينار (٢). وقال ابن عبد البر (٣): بمائتي دينار. قال القرطي في "التذكرة" (٤) وهو أصح انتهى .. فكان علي ﵁ يقول: أتدرونَ ممن ابتليتُ بأطوعِ النّاسِ في النَّاسِ: عائشة، وأَدْهَى النَّاسِ: طلحة، وأشد النَّاس: الزبير، وأثرى النَّاس: يَعلى بن أمية، فتوجهوا إلى البصرة فنزلوا بعض

стр. 476

مياه بني عامر، فنبحت الكلابُ، فقالت عائشة: أيّ ماءٍ هذا؟ قالوا: الحوأب. قالت: ما أظنني إلَّا راجعة. فقال لها الزبير: بل تقدمين فيراك المسلمون فيصلُح اللهُ ذاتَ بينهم. فقدموا البصرة فتعجب الناس وسألوهم عن مسيرهم، فذكروا أنهم خرجوا غضبا لعثمان، وتوبةً لما صنعوا من خذلانه وقبضوا على عامل علي عليها - ابن الأحنف - فأقبل عليّ لما سمع بخروجهم من المدينة ومعه تسعمائة راكبًا، فنزل "بذي قار" (١) فبلغه أن أهل البصرة أجتمعوا لطلحة والزبير فشق ذلك على أصحابه، فقال: والذي لا إله غيره لتظهرنَّ على أهل البصرة ولنقتلن طلحة والزبير وبعث ابنه الحسن ﵁ وعمارًا ﵁ إلى [أهل] (٢) الكوفة يستنفرهم، فدخلا المسجد وصعدا المنبر، فكان الحسن في أعلى المنبر وقام عمار أسفل منه، فتكلم عمار وقال: إن أمير المؤمنين بعثنا إليكم نستنفركم، فإن أُمنا - يعني: عائشة ﵂ قد سارت إلى البصرة والله إني أقول لكم هذا ووالله إنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلانا ليعلم إياه نطيع أو إياها وقال الحسن ﵇: إن أميرَ المؤمنين يقول: إني أذكِّر الله رجلا رعى لته حقّا إلَّا نفر، فإن كنتُ

стр. 477

مظلومًا أعانني، وإن كنتُ ظالمًا أخذ منِّي، والله إن طلحة والزّبير لأول من بايعاني، ثم نكثا ولم أستأثر بمال ولا بدلت حكما. فخرج إليه اثنا عشر ألف رجل، ولما قدم عليٌّ ﵁، قام إليه قيسُ بنُ سعد بن عُبادة، ﵄، وابن الكواء فقالا: أخبرنا عن مسيرك، أوَصيّة أوصاك به رسول الله ﷺ ، أم رأيٌ رأيتَه؟ فقال: أما والله لئن كنتُ أوّل من صدّق رسول الله ﷺ ، فلا أكون أوّل من كذَب عليه، والله (لأن) (١) يكون عهدٌ من رسول الله ﷺ إليّ فلا، ولكن ما مات رسول الله ﷺ فجأة ولا قُتل قتلا، ولكن مَكَث في مرضه أيّامًا وليالي، وكلّ ذلك يأتيه المؤذن فيؤذن بالصلاة، فيقول: "مروا أبا بكر فليصل بالناس". ولقد تركني وهو يرى مكاني، وما كنت غائبًا ولو عهد لي شيئًا لقمت به، حتى أنّ امرأة من نسائه ﷺ أي وهي عائشة ﵂ عارضت في ذلك فقالت: إنّ أبا بكر رجل رقيق إذا قام مقامك لم يسمع الناس، فلَو أمرتَ عُمر فليصل بالناس، فقال: "إنكن صواحبَ يوسف". فلما قبض رسول الله ﷺ ، نظرنا فإذا رسول الله ﷺ قد ولَّاه أمر ديننا، فولّيناه أمر دنيانا، فبايعته في المسلمين وَوفَّيتُ ببيعته، ثم بايعتُ عمر ﵁ ووفيت ببيعته، ثم بايعت عثمان ووفيت ببيعته، فعدا الناس عليه فقتلوه، وأنا معتزل عنهم، ثم

стр. 478

ولَّوني، ولولا الخشية على الدين ما أجبتهم، ثم وثب فيها من ليس سابقته كسابقتي، ولا قرابته كقرابتي، ولا علمه كعلمي - يعني: معاوية - قالوا: صَدَقتَ، فأخبرنا عن قتالك، لهذين صَاحَباكَ في بَدرٍ وحُدَيْبِية وأحُد وأخويك في الدِّين والسّابقة والهجرة - يعني طلحة والزبير - فقال: إنهما بايعاني بالمدينة وخلعاني بالبصرة، ولو أنّ رُجلًا بايَع أبا بكر خلعه لقاتلناه، ولو أنّ رجلًا ممن بايع عمر خلعه لقاتلناه، والله أعلم. ثم إنّ عليّا ﵁ دعاهم ثلاثة أيام بعد أن اصطف الفريقان، حتى إذا كان اليوم الثالث دخل عليه الحسن والحسين، وعبد الله بن جعفر رضوان الله عليهم، فقالوا: قد أكثروا فينا الجراح، وذلك أنّ قتلة عثمان كانوا متفرقين في العسكرين، فخشوا أن يصطلحوا على قتلهم، فأشبوا الحرب فتسابّ صِبيان العسكرين، ثم ترامَوا ثم تبعهم العبيد، ثم السفهاء فصلى عليّ ركعتين ودعا ربه، ثم قال: إن ظهرتم على القوم فلا تطلبوا مدبرا، ولا تجهزوا على جريح، وانظروا ما حضرت به الحرب من آنية فاقبضوه، وما كان سوى ذلك فهو لورثتهم. ونادى عليّ الزبير ﵁ فقال: تعالَ ولك الأمان، فخلا به وقال: أنشدك الله هل سمعت رسول الله ﷺ يقول وأنت تلاوي يدي: "لتقاتلنَّه وأنتَ له ظالم ثم ليُنصرنَّ عليك"؟ قال؟ لقد ذكرتني

стр. 479

شيئًا أنسانيه الدهر، لا جرم لا أقاتلك (١). فقال له ابنه: ما جئت للقتال، إنما جئت للصلح فأعتق غلامك، وقف، فأعتق غلامه، ووقف فلما رأى الحرب نشبت وأيس من الصلح، خرج عن العسكرين، فغلب أصحاب أمير المؤمنين عليّ كرّم الله وجهه، وبلغت القتلى ثلاثة عشر ألفا وقتل طلحة ﵁، ثم جمع الناس وبايعهم، وانتهى عبد الله بن يزيد بن ورقاء الخزاعي إلى عائشة وهي في الهودج، فقال: يا أمّ المؤمنين، أتعلمين أني أتيتُك عندما قُتل عثمان؟ فقلتُ: ما تأمرين؟ فقلتِ الزم: عليّا. فسكتت، فقال: أعقروا الجمل، فعقروه فنزل محمد بن أبي بكر ﵄، ورجل آخر فاحتملا هودجها، فوضعوه بين يدي عليّ كرّم الله وجهه، فأمر بها فأدخلت بيتا، ولم يعنفها ولم يوبخها وأكرمها، وردّها إلى المدينة. وقال في "التذكرة" (٢): روى أبو جعفر الطبري قال: لما خرجَت عائشة ﵂ من البصرة طالبة المدينة بعد انقضاء الحرب، جهزها عليّ كرّم الله وجهه جهازًا حسنًا وأخرج معها من أراده للخروج، واختار لها أربعين امرأة معروفات من نساء البصرة، وجهز معها أخاها محمدا وكان خروجها من البصرة يوم السبت غرة

стр. 480

رجب سنة ست وثلاثين، وشيعها عليّ على أميال، وأمشى بنيه معها يومًا. انتهى. وذكر الحلبي أنّ عليّا لبّس النّساء في زيّ الرجال، قال لأهل البصرة: إنها امرأة نبيكم في الدنيا والآخرة ﵂. انتهى، وقال في "الإشاعة" (١): ولمّا ولّى الزّبير - يعني حين القتال - تبعه عمرو بن جرموز فقتله، وجاء بسيفه إلى عليّ فأخذه فنظر إليه وقال: أما والله لرُبّ كربة قد فرجها صاحب هذا السيف عن وجه رسول الله ﷺ . وذكر في "التذكرة" عن الزبير ﵁ أنه لما قال له عليّ ما قال، قال: اللهم إني ما ذكرت هذه إلَّا الساعة، وثنى عنان فرسه لينصرف، فقال له ابنه عبد الله ﵁: إلى أين؟ قال: أذكرني عليٌّ كلاما قاله رسول الله ﷺ ، قال: كلا ولكنك رأيتَ سيوفَ بني هاشم حدادًا، يحملها رجال شدادٌ قال له: ويحك تعيرني بالجبن، هلم الرمح، فأخذ الرمح وحمل في أصحاب عليّ، فقال عليٌّ: أفرجوا للشيخ فإنه محرج فشق الميمنة والميسرة وانقلب ثم رجع وقال لابنه: لا أمّ لك، أيفعل هذا جبان؟ وانصرف وقامت الحرب على ساق وبلغت النفوس التراق، واشرأب البلاء وهُدرت الدماء حتى مَلأت القتلى ذلك الفلا ثم فرجت عن ثلاث وثلاثين ألف قتيل، وقيل سبعة عشر ألفًا، فيهم من الأزد أربعة آلاف، ومن ضبة ألف ومائة، وباقيهم من سائر الناس كلهم من أصحاب عائشة ﵂، وقتل فيها من أصحاب عليّ نحوًا من ألف رجل، وقيل أقل، وقَطع عَلىَ

стр. 481

خطام الجمل سبعون يدًا من بني ضبّة، كلما قطعت يد رجل أخذ الزمام آخر وهو ينشد: نحن بنو ضبّة أصحاب الجمل ... ننازل الموت إذا الموت نزل والموت أشهى عندنا من العسل وكانت الراية على الجمل وكانوا قد لبّسوه الأدراع، وكان قتالهم من ارتفاع النهار يوم الخميس إلى قريب العصر، لعشر ليال خلت من جمادى الثاني سنة ست وثلاثين (١). قال في الإشاعة (٢): واستأذن على في كرَّم الله وجهه ابن جرموز، فأبطأ عليه الإذن فقال: أنا قاتلُ الزبير. فقال عليّ: أبقتل ابن صفيّة تفتخر؟ فلتتبوّأ بالنار، إنه حواريّ رسول الله ﷺ ، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "قاتل ابن صفية في النار" (٣). قال: وجاء عمر بن طلحة ﵄ عليّا كرّم الله وجهه، فقال: مرحبًا بابن أخي إني لم أقْبِضْ مالكم لآخذه، ولكن خفتُ عليه من السفهاء، فخذ مالك، إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير من الذين قال الله فيهم ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ

стр. 482

مُتَقَابِلِينَ (٤٧)﴾ [الحجر: ٤٧]، ثم أمّر ابن عباس ﵄ على البصرة وانصرف إلى الكوفة. وعن عروة بن الزبير قال: قلتُ لعائشة: من كان أحبُّ الناس إلى رسول الله ﷺ ؟ قالت: عليّ بن أبي طالب يعني بعد الصديق لما في الصحيحين أنه أحبُّ الرجال إلى رسول الله ﷺ ، قال عروة: فقلتُ: ما سبب خروجكِ عليه؟ قالت: لم تزوّجَ أبوك أمّك؟ قلتُ: ذلك من قدر الله. قالت: وكان ذلك من قدر الله (١)، والله أعلم. ومنها وقعة صفين: وما أدراك ما وقعة صفين، قد صح عن سيّد المرسلين: "لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان تكون بينهما مقتلة عظيمة، دعواهما واحدة" (٢). وعن عطاء بن السائب قال: حدثني غير واحد أن قاضيًا من قُضاة الشام أتى عمر ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين رأيتُ كأن القمر والشمس يقتتلان، والنجوم معهما نصفين، قال: فمع أيهما كنت؟ قال: مع القمر على الشمس، فقال عمر وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل، وجعلنا آية النهار مبصرة انطلق فوالله لا تعمل لي عَملًا أبدًا. قال عطاء: فبلغني إنه قُتل مع معاوية يوم صفين (٣). ومُلخَّص الوقعة: أنه لما قُتل عثمان ﵁ وبويع علي، أرسل إلى معاوية أن يَدخل فيما دخل فيه (المسلمون) (٤) وينعزل عن

стр. 483

العمل، وكان عاملًا لعمر ثم لعثمان على الشام، وكان يرجو أن يُبقيه عليُّ على عمله وقد كان الحسن بن عليّ، وابن عباس ﵄ وغيرهما أشاروا عليه بإبقائه على الشام حتى يأخذ له البيعة، ثم يفعل فيه ما شاء، فقال عليُّ: هيهات، لو علمت أن المداهنة تنفعني في دين الله لفعلت، ولكن الله لم يرضَ لأهل القرآن بالمداهنة، فبلغ معاوية فحلف أنه لا يلي لعليّ عملًا أبدًا وكان عمرو بن العاص على مصر، فعزله أيضًا فاجتمع عمرو ومعاوية واتفقا على الخروج. وقد أخرج الطبراني عن شداد بن أوس مرفوعًا: "إذا رأيتم معاوية وعمرو بن العاص ففرقوا بينهما" (١)، وكان شدّادُ إذا رآهما جالسَيْن على فراش جلس بينهما، ولما فرغ عليّ من وقعة الجمل ورجع إلى الكوفة أرسل جرير بن عبد الله البجلي إلى معاوية يدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه الناس، فامتنع، فقال له أبو مسلم الخولاني: أنت تنازع عليا في الخلافة، وأنت مثله قال: لا وإني لا أعلم أنه أفضل، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قُتِل مظلومًا، وأنا ابن عمه ووليه أطلب بدمه فأتوا عليًا فقولوا له: يدفع لنا قتلة عثمان. فأجاب معاوية أهل الشام، فأرسل إليه معاوية أبا مسلم يطلبُ بدم عثمان، وإنه وليه وابن عمه قال: يدخل في البيعة، كما فعل

стр. 484

الناس، ثم يحاكمهم إليّ، فتجهز معاوية من الشام وعليّ من الكوفة فالتقيا بصفين فتقاتلوا قتالًا شديدًا حتى بلغت القتلى ثلاثين ألفًا. قال في "التذكرة" (١): وكان مقام عليّ ومعاوية بصفين سبعة أشهر، وقيل: تسعة أشهر، وقيل ثلاثة أشهر وقتل في ثلاثة أيام من أيام البيض - وهي ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر - ثلاثة وسبعون ألفًا من الفريقين. ذكره الثقة العدل أبو إسحاق: وفي تلك الليالي ليلة الهَرير جعل يهر بعضهم إلى بعض، والهرير: الصوت يشبه النياح لأنهم ترامَوا بالنبل، حتى فنيت وتطاعنوا بالرماح، حتى اندقت، وتضاربوا بالسيوف حتى انقضبت، ثم نزل القوم يمشي بعضُهم إلى بعض، قد كسروا جفون سيوفهم واضطربوا بما بقي من السيوف وعمد الحديد فلا يُسمع إلَّا غمغمة القوم والحديد في الهام، فلما صارت السيوف كالمناجل، تراموا بالحجارة ثم جثوا على الركب، فتحاثوا بالتراب، ثم تَكَادَمُوا بالأفواه، وكسفت الشمس، وثار القتام، وارتفع الغبار، وضلَّت الألوية والرايات، ومرت مواقيت أربع صلوات لأن القتال كان بعد صلاتهم الصبح، واقتتلوا إلى نصف الليل، وذلك في شهر ربيع الأول سنة سبع وثلاثين، قاله الإمام في تاريخه، وكان أهل الشام

стр. 485

يوم صفين خمسة وثلاثين ومائة وألف، وكان أهل العراق عشرين أو ثلاثين ومائة ألف، ذكره الزبير بن بكار بسنده عن محمد بن عَمرو بن العاص، وكان ممن شهد صفين وأنكى فيه وهو يقول: فلو شهدتَ جمل مقامي ومشهدي ... بصفين يومًا شاب منها الذوائب غداة أتى أهل العراق كأنهم ... من البحر لجٌ موجه متراكب وجيناهم نمشي كأن صفوفنا ... شهاب حريق رفعته الجنائب فقالوا لنا: إنا نرى أن تبايعوا ... عليًّا، فقلنا: بل نرى أن نضارب فطارت إلينا بالرماح كماتهم ... وطرنا إليهم بالأكُف القواضب إذا نحن قلنا: استهزموا عرضتْ لنا ... كتائب منهم وارتجحت كتائبُ فلا هُم يولون الظهور فيُدبروا ... فرارًا كفعل الخادرات الدرائب (١) قال ابن شهاب: فأنشدت عائشة ﵂ هذه الأبيات فقالت: ما سمعت شاعرًا أصدق شعرًا منه، قال ابن دحية أبو الخطاب: قوله: بل نرى أنْ نضارب. أن: هنا مخففة من الثقيلة، محذوفة الاسم تقديره أننا نُضارب، وقوله كفعل الخادرات أي الأسود: يُقال أسد خادر كأن الأجمة له خِدر، فمعناه أنهم لا يُدبرون كالأسود التي لا تُدبر عن فرائسها؛ لأنها قد ضُريت بها ودربت عليها، والدربة الضَراوة، يقال: درب يَدْربُ ورفع الدرائب لأنها بدل من الضمير في يُدبروا هم قال ابن دِحية: والإجماع مُنعقد أن

стр. 486

طائفة الإمام عليّ كرم الله وجهه، طائفة عدل والأخرى طائفة بغي، هذا كلامه وقد قال النبي ﷺ ، لعمار بن ياسر ﵁، حين جعل يحفر الخندق، جعل يمسح رأسه ويقول: "تقتلك فئة باغية، لا أنالهم الله شفاعتي يومَ القيامة" رواه مسلم في صحيحه. قال ابن عبد البر: تواترت الأخبار عن النبي ﷺ ، أنه قال: "تقتل عَفارَ الفئةُ الباغية، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة" (١).

стр. 487

قال في "التذكرة" (١): وهو من أصح الأحاديث، وقال الإمام أبو المعالي في "الإرشاد" (٢): فصل: عليّ ﵁ كان إمامًا حقًا في توليته، ومقاتلوهُ بغاة، وحسن الظنّ بهم يَقتضي أن يُظنَّ بهم قصدُ الخير، وإن أخطئوه، وحسبُك بقول سيد المرسلين لعمّار: "تقتلك الفئة الباغية، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة" وهو من أثبت الأحاديث (٣)، ولمّا لم يقدر معاويةُ على إنكاره لثبوته قال: إنما قتله من أخرَجه، ولو كان حديثًا فيه شك، لرده وأنكره وكذَّب ناقله وزوره،

стр. 488

ولم يحتج إلى هذه الحجة الداحضة التي لا يعتمد عليها، ومن ثمَّ ألزمَه عليّ ﵁ بقوله: فرسول الله ﷺ إذن قتل حمزةَ حين أخرجه لقتال المشركين. والله أعلم. ولما رأى أصحابُ معاوية من أصحاب عليّ العجز - أي عَجزُ أصحاب معاوية عن أصحاب عليّ - قال عَمرو لمعاوية: أرسلوا إلى عليّ بالمصحف، فادعوه إلى كتاب الله تعالى، فإنّ عليًّا يجيبك إلى ذلك، ففعلوا فقال عليّ: نعم، نحنُ أحقُ بالإجابة إلى كتاب الله تعالى، فقال القُراء الذين صاروا بعد ذلك خوارج: يا أمير المؤمنين ما تنتظر إلى هؤلاء ألا نمشي عليهم بسيوفنا، حتى يحكم الله بيننا، فقال سهل بن حنيف: يا أيها الناس، اتهموا رأيكم، فآلى الأمر إلى التحكيم، فحكَّم عليٌّ أبا مولى بعد أن أراد أن يُحَكِمْ ابن عباس، فمنعه أهل الكُوفة، وحكَّم معاوية عَمرو بْنَ العاص، فاتفق الحكمان على أن يخلع كلٌ منهما صاحبه، وكان عَمرو داهية، فقدَّم أبو موسى، فخلع عليًّا ثم قام عمرو فقال: إنَّ أبا موسى خلع عليًّا، وإني نصَّبتُ معاوية، فاختلف الناسُ وأخذ أبو موسى يسبُ عَمرًا ويقول: إنك غدرت، فرجع عليٌّ إلى الكُوفة ومعاوية إلى الشام، ثم تجهز عليُّ لقتال أهل الشام مرة بعد أخرى، فشغله أمر الخوارج، ثم تجهز في سنة تسع وثلاثين، فلم يتهيأ ذلك لافتراق أهل العراق عليه، ثم وقع الجد منه في ذلك في سنة أربعين، وجعل على مقدمته قيس بن سعد بن عبادة ﵄، وكانوا أربعين ألفًا بايعوه على الموت، ثم قُتل سيدُنا

стр. 489

عليّ كرم الله وجهه، وصار الأمر إلى ما قَدَّر الله (١). واعلم أن عليًا ﵁ لم تُزينه الخلافة، بل هو زانَها، كما قال الإمامُ أحمد ﵁، وكان الناس محتاجين إلى علم عليّ ﵁، حتى قال عُمر ﵁: آه من معضلة ليس لها أبو حسن. وروى الإمام ابن الجوزي في "تبصرته" (٢) عن أبي صالح قال: قال معاوية بن أبي سفيان لضرار بن ضمرة: صف لي عليًّا فقال: أو تُعفيني يا أمير المؤمنين؟ فقال: بل تصفه لي، قال: أو تُعفيني قال: لا أُعفيك قال: أمّا إذ لابُد، فإنه كان والله بعيدَ المدى، شديدَ القُوى. يقول فَصْلًا ويحكمُ عَدْلًا، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحشُ من الدُنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل وظلمته، كان والله غزير الدمعة، طويل الفكرة، يقلب كفه، ويخاطب نفسه، يُعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جشب، كان والله كأحدِنا يُجيبنا إذا سألناه، ويبتدئنا إذا آتيناه، ويأتينا إذا دعوناه، ونحنُ والله مع تقريبه لنا وقُربه منا، لا نُكَلِّمه هَيْبةً ولا نَبتديه لعظمته، فإن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يُعظم أهل الدين، ويُحب المساكين، ولا يَطمع القويّ في باطله، ولا ييأس الضعيفُ من عدله، فأشهد بالله لرأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سجوفه، وغارت نجومه، وقد مَثُل في محرابه قابضًا على لحيته، يتململُ تململَ السليم: أي الذي

стр. 490

قد لدغته حَيّة ويبكي بكاء الحزين، فكأني أسمعُه وهو يقول: يا دُنيا يا دُنيا أليّ تعرّضتِ، أم لي تشوّقتِ، هيهات هيهات، غِرِّي غيري، قَدْ بِنْتُكِ ثلاثا لَا رجعةَ لي فيكِ، فَعُمْرُكِ قصير، وعيْشُكِ حقير، وخطرك كبير، آه من قلّة الزّادِ وبُعدِ السفر، ووحشةِ الطَّريق. قال: فذرفت دموعُ معاوية، فما يملكها وهو ينشفها بكمه، وقد اختنق القوم بالبكاء، ثم قال مُعاوية: رحم الله أبا الحسن، كان والله كذلك، فكيف حُزنك عليه يا ضرار؟ قال: حزنُ من ذُبح ولدُها في حجرِها، فلا ترقى عبرتها، ولا تسكن حسرتها، ولله درّ القائل: أهوى عليّا وإيماني مَحبَّتُه ... كم مشركٍ دمُه من سيفه وكفا إن كنتَ ويحك لم تسمع مناقبَه ... فاسمع مناقبه مِنْ هل أتى وكفا قال البرزنجي في "الإشاعة" (١)، عن يزيد بن الأصم قال: سئل عليّ كرم الله وجهه عن قتلى يوم صفين، قال: قتلانا وقتلاهم في الجنة، ويصيرُ الأمرُ إليّ وإلى مُعاوية. وتقدم (٢) ما رأى عمرُ بن عبد العزيز من أنّ عليّا ومعاوية أدخلا بيتا، وأجيف عليهما، ثم خرج عليّ وهو يقول: قُضي لي عليه ورَبِّ الكعبة، فلم يلبث أن خرج معاوية وهو يقول: غُفر لي ورَبِّ الكعبة، وقال عليّ ﵁: إن الله جعل قتلنا إياهم - يعني أصحابَ معاوية - كفارة لذنوبهم، وقال: من كانَ يُريدُ وجه الله منا ومنهم نجا، قال في "الإشاعة" (٣) ذكر ابن عساكر أن رجلًا جاء إلى أبي زرعة الرازي، فقال: إني أبغض معاوية قال: لِمَ؟ قال: لاْنه قاتَلَ عليّا بغير حق.

стр. 491

قال أبو زرعة: ربُّ معاوية ربّ رحيم، وخصمه خصم كريم، فما دخولك بينهما؟ واعلم أن الواجب على كلّ مسلم اعتقاده حسن الظن بالصحابة ﵃، والكفُّ عما وقع بينهم، فالخائض في ذلك خائب، والمتعرض لشتمة أحد منهم كاذب، فهم ﵃ معذورون باجتهادهم، لمُصيبهم أجران، ولمخطئهم أجرٌ واحد، وما أحسن قول القائل: ونَسكت عن حرب الصحابة فالذي ... جرى بينهم كان اجتهادًا مُجردا فقد جاء في الأخبار أن قتيلَهم ... وقاتلهم في جنة الخلد خُلّدا ومنها وقعة نهروان (١): أخرج ابن جرير عن محنف بن سليم قال: أتينا أبا أيّوب، فقلنا: يا أبا أيوب، قاتلت المشركين بسيفك مع رسول الله ﷺ ، ثم جئتَ تقاتل المسلمين؟ فقال: إن رسول الله ﷺ أمرنا بقتال ثلاثة: الناكثين والقاسطين والمارقين، فقد قاتلتُ الناكثين والقاسطين، وأنا مقاتل إن شاء الله المارقين، وفي رواية أبي صادق عنه، "عهد إلينا رسول الله ﷺ أن نقاتل مع عليّ الناكثين، فقد قاتلناهم" (٢). يعني في وقعة الجمل، وذلك لأن طلحة والزبير ﵄ نكثا البيعة، "وعهد إلينا أن نقاتل معه - أي مع علي - القاسطين"، يعني الظالمين وأراد بهم أصحاب معاوية؛ لأنهم ظلموا

стр. 492

عليّا ونازعوه أمرًا هو أحق النّاس به عند كل منصف، والقاسط هو العادل أي العادلين عن الحق إلى الباطل، "وعهد إلينا أن نقاتل معه المارقين"، وأراد بهم الخوارج، فإنهم مرقوا من الدين. وعن أبي سعيد مرفوعًا: "أنَّه يخُرجُ من ضئضيء هذا قومٌ يتلون كتاب الله رطبًا، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرقُ السّهم من الرَّمية، يقتلون أهل الإسلام ويَدَعون أهل الأوثان، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ثمود" (١)، وأحاديث الخوارج كثيرة جدًا. ومُلخّص وقعتهم: أنه لمّا حَكّم عليّ ومعاوية الحكمين قالت القراء: كفر عليّ وكفر معاوية، فاعتزلوا أمير المؤمنين عليّا ﵁، ونزلوا بحروراء، وهُم بضعة عشر ألفا، فأرسل إليهم عليٌّ ابن عبَاس، فناشدهم الله: ارجعوا إلى خليفتكم، فبم نقمتم عليه؟ أفي قسمة أو قضاء؟ قالوا: نخاف أن ندخل في الفتنة قال: لا تُعجلوا ضلالة العام مخافة فتنة عام قابل، فرجع بعضُهم إلى الطاعة. وقال آخرون: نكون على ناحيتنا فإن قبل القضية - يعني: التحكيم - قاتلناه على ما قاتلنا عليه أهل الشام بصفين، وإن نقضها قاتلنا معه، فساروا حتى قطعوا النهر، وافترقت منهم فرقة يقتلون الناس، فقال أصحابهم: ما على هذا فارقنا عليّا، فلما بلغ عليّا صُنعُهم، وكان متجهزًا إلى الشام قام فقال: أتسيرون إلى عدوّكم؟ أو ترجعون إلى هؤلاء الذين خلفوكم في ديارهم؟ قالوا: بل نرجعُ إليهم فقال: ابسُطوا عليهم، فوالله لا يُقتتل منكم عشرة، ولا يضر منهم

стр. 493

عشرة، فكان كذلك فقال: اطلبوا رجلًا صفته كذا وكذا، أي: وذكر من نعته أنَّ له ثدي كثدي المرأة فطلبوه، فوجدوه على النعت الذي ذكره رسول الله ﷺ ، فقال رجل: الحمد لله الذي أبادهم وأراحنا منهم، فقال عليّ ﵁: كلا، والذي نفسي بيده إن منهم لمن في أصلاب الرجال، لم تحمله النساء بعد، وليكونن آخرهم لِصاصًا جرادين. وفي "الإشاعة" (١) عن ابن عمرو مرفوعًا: "يخرج ناس من المشرق يقرءون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، كلما قُطع قرن نشأ قرن، حتى يكون آخرهم يخرج مع المسيح الدجال" (٢). وقال ابن عمر ﵄، منْ قتلَهُ الحرورية فهو شهيد، وعن الحسن قال: لمّا قَتل عليّ الحرورية قالوا: من هؤلاء يا أمير المؤمنين؟ أكفّار هم؟ قال: من الكفر فرُّوا، قيل: فمنافقون؟ قال: إن المنافقين لا يذكُرون الله إلَّا قليلا، وهؤلاء يذكرون الله كثيرا، قيل: فما هُم؟ قال: قومٌ أصابتهم فتنة فعَمُوا فيها وصموا. قال في الإشاعة: ومن بقايا هؤلاء القرامطة، وهم الباطنية والإسماعيلية وفتنتهم مشهورة أهلكوا العبادَ والبلاد والله أعلم. ومنها (٣): نزولُ أمير المؤمنين الحسن بن عليّ ﵄ لمعاوية ﵁ عن الخلافة. أخرج أبو نعيم عن سفيان قال:

стр. 494

أتيت الحسنَ بنَ عليّ بعد رُجوعه إلى المدينة، فقلت له: يا هلاك المؤمنين، فكان ممّا احتج به عليٌّ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تذهب الأيام والليالي حتى يجتمع أمر هذه الأمّةِ على رجل واسع السّرم، ضخم البلعوم، يأكل ولا يشبع" (١)، وهو معاوية فعلمت أن أمر الله واقع، قال في النهاية: السرم: الدبر، والضخم: العظيم، ومعناه الشديد الذي يملك الأرضَ كلها. قال في "الإشاعة" (٢): وهو على حقيقته فإن معاوية دعا عليه النبي ﷺ ، "أن لا يُشبع الله بطنه" (٣)؛ لأنه أرسل يطلبه ليكتب، فقالوا: يأكل، ثم بعث آخر، فقالوا: يأكل. فدعا عليه، فكان يأكل ولا يشبع، كذا زُعم. وملخص القِصة أنه لما رجع أمير المؤمنين عليّ كرّم الله وجهه من قتال الخوارج، وتجهز للشام كما مر، قُتل ﵁ في سابع عشر من شهر رمضان، وهو خارج لصلاة الصبح، قتله أشقى الآخِرين، عبدُ الرحمن بن مُلجم عليه غضب رب العالمين، كما هدم ركن الدين الأعظم، وقبح الله كل من مدحه، ضربه الخبيث بسيف مسموم على جبهته، فأوصله دماغه وذلك ليلة الجمعة، سابع عشر رمضان سنة أربعين فبويع للحسن بالخلافة.

стр. 495

ولم يظهر أحدٌ في الكوفة خلافه فسار الحسن ﵇ إلى معاوية بكتائب أمثال الجبال، يريد الشام وخرج إليه معاوية يريد الكوفة، وأرسل عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة إلى الحسن ﵁، يطلب الصلح، فقال الحسن ﵁: إني أحقن دماء المسلمين، وأنزل عن الخلافة لمعاوية ولكن إنا بنو عبد المطلب، قد أصبنا من هذا المال أي جُبلنا على الكرم والتوسعة على أتباعنا، حتَّى صار لنا عادة، فلا نقدر على الغُلة وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها أي: العسكرين الشامي والعراقي وقد قُتل بعضهم من بعض فلا يكفون إلا بالصفح وعدم الانتقام. قالا: فإنَّه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسألك، قال: فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به، فكتب إليه معاوية: أن اطلب ما شئت، واشرط فإني أوفى لك بذلك، وأرسَل إليه ورقا بياضا، وختم في أسفله، وقال: اكتب ما شئت، فشرط الحسن ﵁ أشياء منها: أن يكون له بيت مال الكوفة، وأن يكون له خراج دار أبجرد (١)، وأن تكون الخلافةُ بعد معاوية له ولأخيه الحسين، وفي رواية للمسلمين، يولّون من شاءوا، وأن لا يتعرض لأهل العراق، ولا ينتقم منهم، فنزل الحسن وبايعه. فقال معاوية: تكلم يا حسن فقام فحمد الله وأثنى عليه وقال:
следующие страницы →