قال أبو زرعة: ربُّ معاوية ربّ رحيم، وخصمه خصم كريم، فما دخولك بينهما؟
واعلم أن الواجب على كلّ مسلم اعتقاده حسن الظن بالصحابة ﵃، والكفُّ عما وقع بينهم، فالخائض في ذلك خائب، والمتعرض لشتمة أحد منهم كاذب، فهم ﵃ معذورون باجتهادهم، لمُصيبهم أجران، ولمخطئهم أجرٌ واحد، وما أحسن قول القائل:
ونَسكت عن حرب الصحابة فالذي ... جرى بينهم كان اجتهادًا مُجردا
فقد جاء في الأخبار أن قتيلَهم ... وقاتلهم في جنة الخلد خُلّدا
ومنها وقعة نهروان (١): أخرج ابن جرير عن محنف بن سليم قال: أتينا أبا أيّوب، فقلنا: يا أبا أيوب، قاتلت المشركين بسيفك مع رسول الله ﷺ ، ثم جئتَ تقاتل المسلمين؟ فقال: إن رسول الله ﷺ أمرنا بقتال ثلاثة: الناكثين والقاسطين والمارقين، فقد قاتلتُ الناكثين والقاسطين، وأنا مقاتل إن شاء الله المارقين، وفي رواية أبي صادق عنه، "عهد إلينا رسول الله ﷺ أن نقاتل مع عليّ الناكثين، فقد قاتلناهم" (٢). يعني في وقعة الجمل، وذلك لأن طلحة والزبير ﵄ نكثا البيعة، "وعهد إلينا أن نقاتل معه - أي مع علي - القاسطين"، يعني الظالمين وأراد بهم أصحاب معاوية؛ لأنهم ظلموا
стр. 492
عليّا ونازعوه أمرًا هو أحق النّاس به عند كل منصف، والقاسط هو العادل أي العادلين عن الحق إلى الباطل، "وعهد إلينا أن نقاتل معه المارقين"، وأراد بهم الخوارج، فإنهم مرقوا من الدين.
وعن أبي سعيد مرفوعًا: "أنَّه يخُرجُ من ضئضيء هذا قومٌ يتلون كتاب الله رطبًا، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرقُ السّهم من الرَّمية، يقتلون أهل الإسلام ويَدَعون أهل الأوثان، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ثمود" (١)، وأحاديث الخوارج كثيرة جدًا.
ومُلخّص وقعتهم: أنه لمّا حَكّم عليّ ومعاوية الحكمين قالت القراء: كفر عليّ وكفر معاوية، فاعتزلوا أمير المؤمنين عليّا ﵁، ونزلوا بحروراء، وهُم بضعة عشر ألفا، فأرسل إليهم عليٌّ ابن عبَاس، فناشدهم الله: ارجعوا إلى خليفتكم، فبم نقمتم عليه؟ أفي قسمة أو قضاء؟ قالوا: نخاف أن ندخل في الفتنة قال: لا تُعجلوا ضلالة العام مخافة فتنة عام قابل، فرجع بعضُهم إلى الطاعة.
وقال آخرون: نكون على ناحيتنا فإن قبل القضية - يعني: التحكيم - قاتلناه على ما قاتلنا عليه أهل الشام بصفين، وإن نقضها قاتلنا معه، فساروا حتى قطعوا النهر، وافترقت منهم فرقة يقتلون الناس، فقال أصحابهم: ما على هذا فارقنا عليّا، فلما بلغ عليّا صُنعُهم، وكان متجهزًا إلى الشام قام فقال: أتسيرون إلى عدوّكم؟ أو ترجعون إلى هؤلاء الذين خلفوكم في ديارهم؟ قالوا: بل نرجعُ إليهم فقال: ابسُطوا عليهم، فوالله لا يُقتتل منكم عشرة، ولا يضر منهم
стр. 493
عشرة، فكان كذلك فقال: اطلبوا رجلًا صفته كذا وكذا، أي: وذكر من نعته أنَّ له ثدي كثدي المرأة فطلبوه، فوجدوه على النعت الذي ذكره رسول الله ﷺ ، فقال رجل: الحمد لله الذي أبادهم وأراحنا منهم، فقال عليّ ﵁: كلا، والذي نفسي بيده إن منهم لمن في أصلاب الرجال، لم تحمله النساء بعد، وليكونن آخرهم لِصاصًا جرادين.
وفي "الإشاعة" (١) عن ابن عمرو مرفوعًا: "يخرج ناس من المشرق يقرءون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، كلما قُطع قرن نشأ قرن، حتى يكون آخرهم يخرج مع المسيح الدجال" (٢).
وقال ابن عمر ﵄، منْ قتلَهُ الحرورية فهو شهيد، وعن الحسن قال: لمّا قَتل عليّ الحرورية قالوا: من هؤلاء يا أمير المؤمنين؟ أكفّار هم؟ قال: من الكفر فرُّوا، قيل: فمنافقون؟ قال: إن المنافقين لا يذكُرون الله إلَّا قليلا، وهؤلاء يذكرون الله كثيرا، قيل: فما هُم؟ قال: قومٌ أصابتهم فتنة فعَمُوا فيها وصموا. قال في الإشاعة: ومن بقايا هؤلاء القرامطة، وهم الباطنية والإسماعيلية وفتنتهم مشهورة أهلكوا العبادَ والبلاد والله أعلم.
ومنها (٣): نزولُ أمير المؤمنين الحسن بن عليّ ﵄ لمعاوية ﵁ عن الخلافة. أخرج أبو نعيم عن سفيان قال:
стр. 494
أتيت الحسنَ بنَ عليّ بعد رُجوعه إلى المدينة، فقلت له: يا هلاك المؤمنين، فكان ممّا احتج به عليٌّ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تذهب الأيام والليالي حتى يجتمع أمر هذه الأمّةِ على رجل واسع السّرم، ضخم البلعوم، يأكل ولا يشبع" (١)، وهو معاوية فعلمت أن أمر الله واقع، قال في النهاية: السرم: الدبر، والضخم: العظيم، ومعناه الشديد الذي يملك الأرضَ كلها.
قال في "الإشاعة" (٢): وهو على حقيقته فإن معاوية دعا عليه النبي ﷺ ، "أن لا يُشبع الله بطنه" (٣)؛ لأنه أرسل يطلبه ليكتب، فقالوا: يأكل، ثم بعث آخر، فقالوا: يأكل. فدعا عليه، فكان يأكل ولا يشبع، كذا زُعم.
وملخص القِصة أنه لما رجع أمير المؤمنين عليّ كرّم الله وجهه من قتال الخوارج، وتجهز للشام كما مر، قُتل ﵁ في سابع عشر من شهر رمضان، وهو خارج لصلاة الصبح، قتله أشقى الآخِرين، عبدُ الرحمن بن مُلجم عليه غضب رب العالمين، كما هدم ركن الدين الأعظم، وقبح الله كل من مدحه، ضربه الخبيث بسيف مسموم على جبهته، فأوصله دماغه وذلك ليلة الجمعة، سابع عشر رمضان سنة أربعين فبويع للحسن بالخلافة.
стр. 495
ولم يظهر أحدٌ في الكوفة خلافه فسار الحسن ﵇ إلى معاوية بكتائب أمثال الجبال، يريد الشام وخرج إليه معاوية يريد الكوفة، وأرسل عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة إلى الحسن ﵁، يطلب الصلح، فقال الحسن ﵁: إني أحقن دماء المسلمين، وأنزل عن الخلافة لمعاوية ولكن إنا بنو عبد المطلب، قد أصبنا من هذا المال أي جُبلنا على الكرم والتوسعة على أتباعنا، حتَّى صار لنا عادة، فلا نقدر على الغُلة وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها أي: العسكرين الشامي والعراقي وقد قُتل بعضهم من بعض فلا يكفون إلا بالصفح وعدم الانتقام.
قالا: فإنَّه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسألك، قال: فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به، فكتب إليه معاوية: أن اطلب ما شئت، واشرط فإني أوفى لك بذلك، وأرسَل إليه ورقا بياضا، وختم في أسفله، وقال: اكتب ما شئت، فشرط الحسن ﵁ أشياء منها: أن يكون له بيت مال الكوفة، وأن يكون له خراج دار أبجرد (١)، وأن تكون الخلافةُ بعد معاوية له ولأخيه الحسين، وفي رواية للمسلمين، يولّون من شاءوا، وأن لا يتعرض لأهل العراق، ولا ينتقم منهم، فنزل الحسن وبايعه.
فقال معاوية: تكلم يا حسن فقام فحمد الله وأثنى عليه وقال:
стр. 496
أيها الناس إن الله قد هداكم بأوّلنا، وحقن دماءكم بآخرنا، وإن معاوية نازعني أمرًا أنا أحق به منه، وإني تركته حقنًا لدماء المسلمين، وطلبًا لما عند الله، فشهد جماعة من الصحابة أنهم سمعوا رسول الله ﷺ يقول للحسن: "إن ابني هذا سيّد، وسيصلحُ الله به، بين فئتين عظيمتين من المسلمين، يكون بينهما مقتلةٌ عظيمةٌ" (١)، وسُمّيت تلك السّنة سنة الجماعة لاجتماع الناس، ورَفع القتال من بينهم والله أعلم.
ومنها؛ مُلك بني أمية فهم الذين بدلوا الخلافة ملكًا، وأظهروا في الإِسلام ما لا ينبغي أن يحكى (٢)، فيا له من مُلك: كان لأهل الدين والصلاح أذّل وأنكى، فبعد معاوية، ما وَلى فيهم صالحٌ سوى الخليفة التّقى عُمر بن عبد العزيز قيل والناقص، نعم معاوية بن يزيد كان عبدًا صالحًا قدس الله روحه، ما كان أتقاه! وأما أبوه فكان ما أشقاه!! وعن عليّ كرم الله وجهه، لكل أمّة آفة، وآفة هذه الأمّة بنو أميّة (٣)، وقال أبو ذرّ ﵁: إذا بلغَتْ بنو أميّة أربعين رجلًا، اتخذوا عباد الله خَولا، ومالَ الله دَخلا، وكتابَ الله دغلا، وفي لفظٍ ومال الله نحلا، وكتابَ الله نقلا (٤) وعن عمر بن مُرة الجهني قال:
стр. 497
استأذن الحكم بن أبي العاص على رسول الله ﷺ ، فعرف صوته فقال: "اءذنوا له حية أو لد حية لعنة الله عليه، وعلى كل من يخرج من صلبه إلا المؤمن منهم، وقليلًا مّا هم" (١) قال في "الإشاعة" (٢): وهذا الاستثناء إشارة إلى عمر بن عبد العزيز ﵁، وأمثاله منهم انتهى. ويروى أنهم يُعظمون في الدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق، ومن جملة ما وقع في زمنهم ما وقع في زمن أشقاهم: يزيد لا زال غضب الباري عليه يزيد، من قتله السبط الشهيد، وريحانة رسول الملك المجيد، الإمام أمير المؤمنين حسن بن عليّ ﵉، وهو بقية الخلفاء الراشدين فإنَّه وَلي الخلافة ستة أشهر، وهي بقيةُ مدة الخلافة التي أخبر بها المصطفى ﷺ ، ثمَّ نزل لمعاوية عنها فصارت مُلكَا كما مر وسبب ذلك أن يزيداً زاده الله بُعدًا من رحمته، أرسل إلى زوجة سيدنا الحسن، جعدة الكندية أن تسمَّه ويتزوجها، وأرشاها بمائة ألف درهم ففعلت، فمرض أربعينَ يومًا، وجهد به أخوه الحسين ﵁، أن يخبره بمن سمّه فأبى وقال الله أشدّ نقمة وأجد كبدي تقطع، وإني لعارف من أين دُهيت، يُشير إلى أنَّه من قِبَل يزيد، ثمَّ قال لأخيه ﵄ فبحقي عليك لا تكلمتَ في ذلك بشيء وأقسم عليك أن لا تريق في أمري محجمة دم، وقال له إياك وسفهاء الكوفة أن يسخفوك فيخرجوك، والله ما أرى أن يجمع الله فينا النبوة والخلافة، وقد كنتُ طلبت من عائشة أن أدُفن مع رسول الله ﷺ
стр. 498
فأجابت، فإذا مت فاطلب منها، وما أظن القوم يعني بني أميّة إلَّا يمنعونك، فإن فعلوا فلا تُراجعهم، وادفني عند أمي فاطمة ﵍ بالبقيع، فمات ﵁ بعد أربعين يومًا والأكثرون كما في الإشاعة أنَّه سنة خمسين، فلمّا مات سأل الحسين ﵁ عائشة ﵂، فقالت: نعم حبّا وكرامة، فمنعهم عدوُّ الله مروان، وكان إذ ذاك أمير المدينة من قِبَل معاوية، هو ومن معه من بني أميّة، فلبس الحسينُ ومن معه من بني هاشم السلاح وقالوا: نقاتل فقال أبو هريرة ﵁، والله لا يمنعه إلا ظالم، والله إنه لابن رسول الله ﷺ ، ثمَّ قال للحسين: لا تكن أوّل مَن ترك وصيّة أخيك فقد وصّاك بعدم القتال، فما زال به حتى ردّه ودفنوا الحسن بالبقيع، عند أمّه ﵄.
وأرسلت جعدة الكندية، عليها غضب رب البرية إلى يزيد تطلبه لما وعدها به فأبى، ولم يتزوّجْها وقال: كيف آمنكِ على نفسي، وقد قتلت ابن بنتِ رسول الله ﷺ ، فخسرت الدّنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين.
وممّا وقع في زمن يزيد العنيد، قتله سيدنا الحسين ﵁، ذكر في "الإشاعة" (١) عن حضرة الرسالة أنَّه قال ﷺ : "أمسك يا معاذ وأحص فلمّا بلغت خمسًا: يعني من الخلفاء قال: يزيد لا بارك الله في يزيد، نُعي إلى حُسين وأتُيتُ بتربته، وأخبرتُ بقاتله، والذي نفسي
стр. 499
بيده لا يقتل بين ظهراني قوم لا يمنعوه، وفي لفظ لا ينصروه، إلا خالف الله بين صُدورهم وقلوبهم، وسلّط عليهم شرارهم، وألبسهم شِيَعًا" (١) كذا في الإشاعة.
قُلْتُ: وهذا حديث موضوع فالعجب منه كيف لم ينبّه عليه؟ فقد أورده ابن الجوزي في "الموضوعات"، بلفظ خرج علينا رسول الله ﷺ مرعوبًا متغير اللون فقال: "نُعيَت إليّ نفسي، وذكر كلامًا طويلًا، ثمَّ قال أمسك يا معاذ وأحصِ، وتنفَّسَ الصعداء ثمَّ قال يزيد: لا بارك الله في يزيد الطعّان اللعّان، أما إنه نُعي إليّ حبيبي حسين، أتُيت بتربته وأريتُ قاتِله، أما إنه لا يُقتلُ بين ظهراني قوم لا ينصروه، إلَّا عمّهم الله بعقابه، أو قال بعذابه" (٢).
قال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع بلا شك، واتُّهم بوضعه الأشناني، فليعلم، وجاء من طرُقٍ صحح الحاكم بعضها أن جبريل، وفي رواية ملك القطر: جاء إلى النبي ﷺ فأخبره أن الحسين مقتول، وأراه من تُربة الأرض التي يُقتل فيها، فأعطاه لأمّ سلمة وأخبرها أن يوم قتله يتحول دماء فكان كذلك، وشمّ ﷺ ذلك فقال: ريح كرب وبلاء.
стр. 500
وملخص القصة أنَّه لما توفي الحسن ﵁، أخذ معاوية البيعة ليزيد من أهل الشام وجاء حاجا، فأراد أن يأخُذَها لَهُ من أهل الحجاز، من المهاجرين والأنصار، فامتنعوا وقالوا: إن كان لك رغبة فيها فهي لك، وإن سئمتها فردها على المسلمين، فلمّا مات معاوية ﵁، وبُويع ليزيد بالشام وغيرها أرسل يزيد لعامله بالمدينة أن يأخذ له البيعة على الحسين فهرب الحسين إلى مكة، خوفًا على نفسه، فأرسل إليه أهل الكوفة أن يأتيهم ليبايعوه، فنهاه ابن عباس ﵄، وذكر له غدرهم وقتلهم لأبيه، وخذلانهم لأخيه، وأمرَه أن لا يذهب بأهله، فأبى فبكى ابن عباس وقال: واحسيناه، وقال ابن عمر نحو ذلك، فأبى فقبّل بين عينيه، وقال: استودعك الله من قتيل.
قال في "الإشاعة" (١): وكذلك نهاه ابن الزبير بل لم يبقَ، أحد إلَّا حزن لمسيره كذا قال والمعروفُ عند أهل السير: أن ابن الزُبير ﵄، أشار عليه بالخروج، كما في تاريخ "الخُلفاء" للسيوطي وغيره وأما ابن عمر فنهاه أشد النهي، وقال له إن رسول الله ﷺ ، خيره الله بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة، وإنك بضعة منه فلا تسألها يعني الدنيا، فأبى فاعتنقه وبكى، وودعه وقال: غَلَبَنا حسينُ بالخروج، ولعمري: لقد رأى في أبيه وأخيه عِبرة وكلَّمه في ذلك أيضًا، جابر بن عبد الله، وأبو سعيد، وأبو واقد الليثي، فلم يُصغ لأحَد، وصمّم على الخروج إلى العراق، فقال له ابن عباس:
стр. 501
والله لأظنك تُقتل بين نسائك وبناتك، كما قُتل عثمان، فلم يقبل منه، فبكى ابن عباس.
قال السيوطي في "تاريخ الخلفاء" وقال ابن عباس له: أقررت عينَ ابن الزبير، ولمّا رأى ابن عباس عبد الله بن الزبير قال له: قد أتى ما أحببت هذا الحسين يخرج، ويتركك والحجاز ثمَّ تمثل وقال:
يا لك من قُنبرة بمعمر ... خلالَكِ الجو فبيضي واصفري
وتنقري إن شئت أن تنقري
قال: وبعث أهل العراق إليه الرسل والكتب، يدعونه إليهم، فخرج من مكة متوجهًا إلى العراق في عشر ذي الحجة، ومعه طائفة من أهل بيته، رجالًا ونساءً وأولادًا، ولما بلغ أخاه محمَّد بن الحنفية خروجه، بكى حتى ملأ طستا بين يديه، وقدم أمامه مسلم بن عقيل، فبايعه من أهل الكوفة أثنا عشر ألفًا أو أكثر، وأرسل إليه يزيد اللعين ابن زياد المقبوح، وحرضه على قتله، وأخذوا مُسلمَ بن عقيل فقتلوه، وتفرق المبايعون.
وسار الحسين غير عالم بذلك، فلقي الفرزدق فسأله فقال قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بني أميّة، والقضاء ينزل من السماء فلمّا قرب من القادسية، تلقاه من أخبره الخبر وأمره بالرجوع، فهمّ بالرجوع، فقالت إخوة مسلم بن عقيل: والله لا نرجع حتى نأخذ لثأرنا أو نُقتل. فقال: لا خير في الحياة بعدكم، ثمَّ سار فلقيه أوائل خيل ابن زياد، زاده الله مقتا، فعدل الحسين ﵁ إلى كربلاء، فجهز إليه ابن زياد عشرين ألف مقاتل، فلما وصلوا إليه
стр. 502
طلبوا منه النزول على حكم ابن زياد والمبايعة ليزيد، فقال دعوني أذهب إلى يزيد فأبى ابن زياد إلَّا النزول على حكمه، فقال: والله لا نزلتُ على حكمه أبدا فقاتلوه، وكان أكثر مقاتليه المكاتبين إليه والمبايعين له، قاتلهم الله، فحارب الحسين ﵁ ذلك العدد الكثير، وجملة من معه من أهله نيف وثمانون، فثبت في ذلك الموقف ثباتًا باهرًا ولولا أنهم أحالوا بينه وبين الماء، مع القَدَرِ المحتوم ما قدروا عليه، ولمّا بلغ القتلى من أهله خمسين، نَادَى أما ذَابُّ يذّبُّ عن حرم رسول الله ﷺ ؟ فخرج يزيد بن الحارث رجاء شفاعة جده، فقاتل بين يديه حتى قُتل، ثمَّ فني أصحابه وبقي بمفرده فحمل عليهم حملة عمه حمزة، وصولة والده عليّ ﵃، حتى قتل كثيرًا من شجعانهم، فكثروا عليه وحالوا بينه وبين حريمه، فصاح ﵇ كُفوا سفهاءكم عن النساء والأطفال، فكفّوا، ثمَّ لم يزل يقاتلُهم حتى أثخنوه بالجراح، فإنَّه طعن إحدى وثلاثين طعنة، وضرب أربعًا وثلاثين ضربة، ومع ذلك غلب عليه العطش، فسقط إلى الأرض فحزّوا رأسه، وذلك نهارُ الجمعة عاشر المحرم عام إحدى وستين، ولما وضع رأسه الشريف بين يدي كافر النفس بن زياد، زاده الله في دركات جهنم هبوطًا أنشد قاطعُ الرأس متبجحًا بذلك، عليه غضب المالك فقال:
أوقر ركابي فضة وذهبا ... إني قتلت ملكًا محجبا
قتلتُ خيرَ الناسِ أمَّا وأبَا ... وخيرهم إذ يَنسبون نسبا فأمر بضَرب عُنُقه وقال: إذ علمتَ أنَّه كذلك: فلم قتلته؟ فخسر الدنيا والآخرة فلعنة الله عليه، ومن تأمل فيما وقع لهذين السيّدين، من عظيم الاتفاق انبهر، فإن جعدة سمَّت الحسن، طلبًا
стр. 503
للمال، وطمعًا في تزويج يزيد لها فلم يحصل لها شيء من ذلك فخسرت وخابت فلا هي بزوجها ولا هي بمن طمعت فيه، وفاتَها المال وأغضبت رب العباد، وحُرمت شفاعة النّبي الهاد، وقاتِلُ الحسين ظن أن ابن زياد يوقر ركابه فضة وذهبا، فجازاه أن ضرب عنقه ضربا، فخسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين فنعوذُ بالله من مَكْرِه ونسأله الثبوت على ذكره.
قال في "الإشاعة" (١): والظاهرُ أنَّه إنما قتله ابن زياد؛ لأنه مدح الحسين، لا لأنَّه قتله، ويدُلّ لذلك أنَّه جعل الرأس الشريف في طست، وجعل يضرب ثناياه بقضيب، ويُدخله أنفه ويتعجب من حسن ثغره، فبكى أنس بن مالك عند ذلك، وقال: كان أشبههم برسول الله ﷺ ، وقال زيد بن أرقم: ارفع قضيبك فوالله: لطالما رأيت رسول الله ﷺ ، يقبل ما بين شفتيه، وبكى فأغلظ عليه اللعين ابن زياد، وهدده بالقتل، فقال: لأحدثنك بما هو أغيظ عليك من هذا، رأيت رسول الله ﷺ ، آخذٌ حسنًا على فخذه اليمنى، وحسينا على فخذه اليسرى، ثمَّ وضع يده الكريمة على نافوخيهما، ثمَّ قال: "اللهُمّ إني أستودعك إياهما، وصالح المؤمنين" (٢)، فكيف كانت وديعة النبي ﷺ عندك يا ابن زياد؟
قُلْتُ: وفي التذكرة (٣) بعد ذكر البيتين اللذين ذكرناهما آنفًا وزاد فيهما:
стр. 504
في أرض نجد وحَرّا ويثربا
قال فغضب ابن زياد من قوله وقال: والله لا نلت مني خيرًا أبدًا ولألحقنك به، ثمَّ قدمه فضَربَ عُنقَه فهذا من أكبر الأدلّة على الخبيث، أنَّه إنما قتله لمدحه للحسين، لا لأنّه قتله، ولقد انتقم الله من ابن زياد، فقد روى الترمذي بسند صحيح أنّ رأس ابن زياد لما قتل، وضع رأسه موضع رأس الحسين، وإذا حيّة عظيمة قد جاءت فتفرق الناس عنها، فتخللت الرؤوس حتى جاءت رأسَ الخبيث ابن زياد، فجعلت تدخل من فمه وتخرج من منخره، وتدخل من منخره فتخرج من فمه، فعلَتْ ذلك مرتين أو ثلاثًا قُلْتُ: والذي يظهرُ لي، أن الِّرّ في ذلك أن ابن زياد لما كان يُدخل القضيب في منخر الحسين ﵁، عوقب بأن سَلَّط الله عليه حيّة، تدخل من فيه، وتخرج من منخره، والجزاء من جنس العمل، والله أعلم.
ولما دخل رأس الحسين قصر الإمارة بالكوفة، أمر بالرأس فوضع على ترس عن يمينه والناس سماطان، ثمَّ أنزله وجهزه مع رؤوس أصحابه، وسبايا آل الحسين على أقتاب الجمال، موثقين في الحبال، والنساء مُكشَّفات الوجوه والرؤوس إلى يزيد الممقوت، ولما نزل الذين أرسلهم ابن زياد بالرأس الشريف أوّل منزل جعلوا يشربون [بالرأس] (١) الخمر، كذا في "الإشاعة" (٢)، وهو بعيد جدًا، وفي غير "الإشاعة" بإسقاط بالرأس، فخرجت عليهم يدٌ من حائط فكتبت سطرًا
بدم:
стр. 505
أترجُو أمّةٌ (١) قتلتْ حُسينا ... شفاعةَ جدِّه يومَ الحساب
نقله ابن حجر في "الصواعق المحرقة"، وكذا في شرح الهمزية، وزاد بقلم من حديد، فهربوا وتركوه ثمَّ عادوا وأخذوه، ولما قدموا به على يزيد أقام الحريم على درج الجامع، حيث يقام الأسارى والسبي (٢)، كذا في شرح "الهمزية"، ومما ظهر يوم قتل الحسين أن السماء أمطرت دمًا، وأن أوانيهم ملئت دَمًا، وانكسفت الشمس، ورميت النجوم، واشتدّ الظلام حتى ظن الناس أن القيامة قد قامت، وأن الكواكب خربت بعضها بعضا، وأنه لم يرفع حجر إلا رؤي تحته دم عبيط، وأن الرؤوس انقلبت دَمًا، وأن الدُّنيا أظلمت ثلاثة أيام (٣).
стр. 506
قال في "شرح الهمزية"، بعد ذكر ما تقدم: ثمَّ ظهرت فيها أي: الدنيا الحُمرة قال: وقيل احمرت ستة أشهر، ثمَّ لا زالت الحمرة ترى بعد ذلك، وعن ابن سيرين أن الحمرة التي مع الشفق، لم تكن حتى قُتل الحسين. قال الإمام ابن الجوزي وحكمةُ ذلك أن الغضب يؤثر حمرة الوجه، والحقُ منزه عن الجسمية (١) فأظهر تأثير غضبه على من قتل الحسين، بحمرة الأفق إظهارًا لعظم الجناية، انتهى.
واعلم أن يزيدًا قد آذى الله ورسوله واعتدى على أهل بيت النبوة وفعل بهم أفاعيل وقتل منهم يومئذ مع الحسين من إخوته وأولاده وبني أخيه الحسن، ومن أولاد جعفر وعقيل تسعة عشر رَجُلا قال الحسن البصري: ما كان لهم على وجه الأرض يومئذ شبيه ومع ذلك أوقف حرم رسول الله ﷺ موقف الأسارى، زاد بذلك عجبًا وافتخارًا فنعوذ بالله من أفعال هذا الخسيس القبيحة، ونحن نعلم بالضرورة أن أذية رسول الله ﷺ أذية أكبر من قتل أولاده (٢)، وسبيْ حرمه، وقد جزم بكفر يزيد جماعة من العلماء، منهم الإمام الحافظ ناصر السنة ابن
стр. 507
الجوزي، وسبقه القاضي أبو يعلى، ونقل عن الإمام أحمد مع شدة ورعه، وصرح الجلال السيوطي بلعنه، وقال التفتازاني: لا نشك في شأنه بل في إيمانه فلعنة الله عليه، وعلى أعوانه وفي "شرح العقائد" له ما لفظه والحق أن رضى يزيد بقتل الحسين، واستشباره بذلك وإهانته بيت النبي ﷺ ، مما تواتر معناه وإن كان تفاصيله أحادا، فنحن لا نتوقف في إيمانه، لعنة الله عليه وعلى أنصاره وعلى أعوانه. انتهى (١).
وكتب الشيخ مصطفى بن محب الدين الحنفي تحت قول ابن الحداد الشافعي: ونكل سريرة يزيد إلى الله قال: قلتُ: بل نلعنهُ عليه لعنة اللاعنين، ولعنة الخلائق أجمعين انتهى.
ولفظ ابن الحداد، نَبرأُ من قتل الحسين وممن أعان عليه أو أشار به ظاهرًا وباطنًا، هذا اعتقادنا، ونكل سريريته. انتهى. ولم نَر مَن ذكر هذه الواقعة إلَّا ولعنَه، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والعجب من قوم يزعمون أنهم منصفون يُفتُونَ بالترضى عن يزيد، ويذبون عنه مهما أمكن بل بالغ بعضهم فزعم أن يزيدًا إنما قتل الحُسين بسيف جده فهذه لعمر الله الداهية الدهماء، والمصيبة الصماء، فاعتبروا يا أولي الأبصار ما هذا الخطأ الفاحش؟ والغفلة العظماء، ما أرضى هذا القائل الانتصار ليزيد العنيد، حتى زعم أنَّه قُتل بسيف جده، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
قال ابن الجوزي في كتابه "السر المصون": من الاعتقادات العامية، التي غلبت على جماعة منتسبين إلى السنة، أن يقولوا أن يزيدًا
стр. 508
كان على الصواب، وأن الحُسين أخطأ في الخروج عليه، ولو نظروا في السِير لعلموا كيف عُقدت له البيعة، وألُزِمَ النّاسُ بها، ولقد فعل في ذلك كل قبيح، ثمَّ لو قدَّرنا صحة خلافته، فقد بدت منه بواد كلها توجب فسخ العقد، من رَمْي المدينةِ، ورمي الكعبة بالمجانيق، وقتل الحسين وأهل بيته، وضربه على ثنيته بالقضيب، حمله الرأس على خشبة، وإنما يميل جاهل بالسيرة، عامي المذهب، يظن أنَّه يغيظ بذلك الرافضة، ونقل البرزنجي في "الإشاعة" (١)، والهيثمي في "الصواعق المحرقة"؛ أن الإمام أحمد ﵁، لمّا سأله ولده عبد الله عن لعن يزيد قال: كيف لا يُلعن مَن لعنه اللهُ في كتابه؟ فقال عبد الله قد قرأتُ في كتاب الله، فلم أجد فيه لعنَ يزيد، فقال الإمام إن الله يقول: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ [محمد: ٢٢ - ٢٣] الآية وأيّ فساد وقطيعة أشد مما فعلهُ يزيد. انتهى كلامهما.
قُلْتُ: والمحفوظ عن الإمام أحمد ﵁ خلاف ما نقلا، ففي "الفروع" (٢) ما نصّه: ومن أصحابنا من أخرج الحجاج عن الإِسلام، فيتوجه عليه يزيد ونحوه، ثمَّ قال: ونص أحمد خِلاف ذلك وعليه الأصحاب ولا يجوز التخصيص باللعنة، خلافًا لأبي الحسين، وابن الجوزي وغيرهما، قال شيخ الإِسلام: ظاهر كلام الإمام أحمد الكراهة.
قُلْتُ: والمختارُ ما ذَهَبَ إليه ابن الجوزي، وأبو حسين القاضي،
стр. 509
ومن وافقهما، ثمَّ وقفت على ترجمة يزيد قبحه الملك المجيد، في كتاب "الوافي بالوفيات"، فرأيت فيه ما يشعر بكفر يزيد السفيه، فمن أعظم ما رأيت من قبائحه الفظيعة وفواضحه الشنيعة ما نقله في الكتاب المذكور، عن ابن القفطي أن السبي لما ورد من العراق على يزيد، خرج فلقى الأطفال والنساء من ذرية عليّ والحسين، والرءوس على أسنة الرماح، وقد أشرفوا على ثنيّة العقاب، فلما رآهم أنشأ الخبيث يقول:
لما بدت تلك الحمول وأشرفت ... تلك الرءوس على شفا جيروني
نعب الغراب فقلت قل أو لا تقل ... فقد اقتضيت من الرسول ديوني
يعني: أنَّه قتل بمن قتله رسول الله ﷺ يوم بدر مثل جده، عتبة وخاله ولد عتبة، ونحوهما فجزمت حينئذ بكفر يزيد، جزمًا ما عليه مزيد، وعلمتُ أن قائل هذا الكلام خارج عن ربقة الإِسلام من غير شك، ولا ريب والله تعالى أعلم.
تنبيه: ذكر القرطبي (١) أن الذي باشر قتل سيدنا الحسين ﵁ هو سنان بن أبي سنان النخعي، وهو جد شريك القاضي قال: ويصدق في ذلك قول الشاعر:
وأي رزية عدلتْ حسينًا ... غداة تبيده كفا سنان (٢)
وقال خليفة بن خياط: الذي قتل الحسين شمر بن ذي الجوشن، وأمير الجيش عُمر بن سعد، وكان شمر أبرص، وأجهز عليه خولي بن زيد الأصبحي من حمير، حزّ رأسه، وأتى إلى عبد الله بن زياد (٣)،
стр. 510
ومما اشتهر على ألسِنة العامة في نواحي نابلسِ، أن الذي قتل حسين بن علي ﵄، هو شمر من قرية، يُقال لها بزاريا على أميال من غربي نابلس، ولا يُعلم لذلك صحة. والله أعلم.
تتمة: روى الإمام أحمد حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس ﵄ قال: رأيتُ النبي ﷺ وسط النهار أشعث أغبر، معه قارورة فيها دم يلتقطه، ويتتبع ذلك فيها، قال: قلتُ يا رسول الله ما هذا؟ قال دم الحسين وأصحابه، لم أزل أتتبعه منذ اليوم، قال عمار فحفظنا ذلك اليومَ، فوجدناه قتل ذلك اليوم (١)، قال القرطبي (٢) وهذا سند صحيح لا مَطعن فيه، فانظر هذا المنام ما أصدقه! وانظر للذي زعم أنَّه قُتِل بسيف جده، ما أحمقه!
وذكر القرطبي في "التذكرة" أن رأس حُسين ﵁ لمّا وضع بين يدي يزيد، أمر أن يُجعل في طست من ذهب، وجعل ينظر إليه ويقول:
صَبرْنا وكانَ الصبرُ منا عزيمةً ... وأسيافُنا يُقَطِّعنَ كفًّا ومعصما
نُفْلِقُ هامًا من رجال أعزةٍ ... علينا وهم كانوا أعق وأظلما (٣)(٤)
стр. 511
وقد كذب عدوُّ الله، بل هو الظالم العاقُ المخالفُ لله ورسوله ثمَّ إنه تكلّم بكلامٍ قبيح كأفعاله القبيحة، وأمر بالرأس أن يُصلب بالشام، ولمّا صُلب، اختفى خالدُ بنُ عِمران وكان من أفاضل التابعين، فطلبوه شهرًا حتى وجدوه، فسألوه عن عزلته، فقال: أما تَروْنَ ما نزل بنا؟ وأنشأ يقول في ذلك:
جاءوا برأسك يا ابن بنت محمَّد ... مُتزملًا بدمائه تزميلا
وكأنما بك يا ابن بنت محمَّد ... قتلوا جهارًا عامدين رَسولا
قتلوك عطشانًا ولم يترقبوا ... في قتلك التنزيل والتأويلا
ويُكبِّرون بأن قُتِلتَ وإنما ... قَتلوا بكَ التكبيرَ والتَّهليلا
ثمَّ بعثوا برأس الحسين ﵁ إلى المدينة، فدفنوه بالبقيع عند قبر أمه قال القُرطبي: هذا أصحُ ما قيل فيه (١)، وأمَّا المكان المعروف بالمشهد الحسيني من القاهرة ليس الحسين مدفونًا فيه بالاتفاق، وزَعَم بعضُهم أنَّ رأسَه فيه، وردّ عليه بعضهم، وأما شيخُ الإِسلام ابن تيمية (٢)، فشدَّدَ النكير في ذلك وأطال في الرد على زاعم ذلك، واللهُ أعلم.
ومنها وقعة الحرّة (٣): وحاصلُها أنَّه لمّا صار من يزيد العنيد ما
стр. 512
صار، في حق سبط سيد العالم، أظهر ابن الزبير الخلاف على يزيد، والتجأ إلى مكة وقام أهل المدينة فشاركوا ابن الزبير، في الخلاف وخلعوا يزيد بَعد أن بايعوه، وحاصروا بَني أُميّة الذين كانوا بالمدينة، فأرسل مَروانُ إنّا حُصِرنا ومُنعنا الماء العذبَ فواغوثاه، فوجّه إليهم يزيدُ مسلمَ بن عقبة المرّي، أمرَّ الله عيشه في اثنى عشر ألفا وقال له: ادعُهم ثلاثًا فإن رَجَعوا وإلا فقاتلهم، فإذا ظهرت عليهم فأبح المدينة للجيش ثلاثًا، وأجهز على جريجهم، واتبع منهزمهم (١) فتوجَه إليهم، فوصل في ذي الحجة سنة ثلاث وستين.
فحاربوا وكانَ الأميرُ على الأنصار عبد الله بن حنظلة - غسيل الملائكة - وعلى قريش عبد الله بن مطيع، وعلى غيرهم من القبائل معقل بن سنان الأشجعي، وكانوا اتخذوا خندقًا، فلمّا رأوهم أهل الشام خافوهم وكرهوا قتالهم، فأدَخل بنو حارثة قومًا من الشاميين من جانبة الخندق، فلما سمعوا التكبيرَ في جوف المدينة خافوا على أهلهم، فتركوا القتال ودخلوا المدينة فكانت الهزيمة، فأباح مسلم - لا سلمه الله - المدينة المنورة ثلاثًا، يقتلون الناس، ووقعوا على النّساء وقاتل عبد الله بن مطيع حتى قُتل هو وبنون له سبعة، وَبَعثَ برأسه إلى يزيد.
стр. 513
وقُتل من وجوه الناس أكثر من سبعمائة من الأنصار، ومن قريش ومن أخلاط الناس من الموالي والعبيد والصبيان والنساء أكثر من عشرة آلاف، وسَبُوا الذرية واستباحوا الفُروج، وأحبلوا أكثر من ألف امرأة من الزنا، وسمي أولادهن أولاد الحرة، ورَبطوا الخيل بسواري المسجد، وجالت الخيل فيه، وراثت وبالت بين القبر الشريف والمنبر (١)، وتعطل المسجد ثلاثة أيام لم يُصلَ فيه، وجبروا الناس على المبايعة ليزيد، على أنهم عبيد له في طاعة الله ومعصيته، حتى إنه أتي بابن المسيّب يبايع على ذلك فقال: بل على كتاب الله، وسنة نبيه وسيرة أبي بكر وعمر، فأمر بقتله، فقال بعضُ الناس: دعوه فإنَّه مجنون، فتركوه (٢) وكل من أبى أن يبايع على أنَّه عبد ليزيد في طاعة الله ومعصيته، أمر بقتله وأما زين العابدين ﵁، فلم يتعرضوا له، وسَمُّوا مسلمًا هذا مسرفا عليه غضب الله وسخطه.
ثمَّ توجه إلى ابن الزبير، فإن يزيد قال له إذا فرغت من أمر المدينة، توجه إلى مكة وكان مسرفًا مريضًا، فمات في الطريق، وذُهب به إلى أمه الهاوية، فلعنة الله عليه، وكان من شدة كُفره وضلاله يقول: اللهم إني لم أعمل بعد شهادة أن لا إله إلَّا الله عملًا أرجى لي من قتل أهل المدينة (٣)، ولئن دخلتُ النار بعدها إني لشقي.
стр. 514
قُلْتُ: لئن لم يدخل هذا الخبيث النارَ إنها لمصيبة، وأنا لا أشك في كفر هذا الخبيث.
فلما حَضرته اللّعنة وقَرُبَ هلاكه نادى حُصين بن نُمير، وقال له: أمير المؤمنين قُلْتُ: إنما هو خَبيثُ المؤمنين، يعني: يزيد ولاك بعدي، فأسرع السيرَ ولا تؤخر قتال ابن الزبير، وأمرَهُ أن يَنصُبَ المجانيق على مكة، وقال له: إن تعوَّذَ بالبيت فارمه. فذهب وحاصر مكة أربعًا وستين يومًا وجرى فيها قتال شديد، ورمي البيتَ بالمجانيقَ وأخَذ رَجلٌ قبسا في رأس رُمح فطارتْ به الريح، فأحرق البيتَ.
فجاءهم نعي يزيد، وكان بين الحرّة وهلاكه ثلاثة أشهر، فلما عَلموا بهلاكه ذلّت أهل الشام، واجترأ أهل مكة والمدينة عليهم، حتى كان لا ينفرد منهم رجل إلا أخذ بلجام دابته، فنكِّس عنها فَقالَ أهلُ الشام لبني أُميّة لا ترحلوا حتى تحملونا معكم إلى الشام، ففعلوا.
ومضى ذلك الجيش حتى دخل الشام، فبويع لابن الزبير بالحجاز، وبايع أهل الآفاق كلها لمعاوية بن يزيد ﵀: وكان رجلًا صالحًا، فقام خطيبا فقال: أيها الناس إن معاوية نازع هذا الأمر أهلَهُ، وخاض في دماء المسلمين حتى غلب عليه، ثمَّ مات فالله أعلم بما هو صائر إليه، وإن أبي يزيد نازع هذا الأمر أهله وقتل أولاد رسول الله ﷺ ، وأهل الحرمين، ونصب على مكة المجانيق، ثمَّ مات فالله أعلم بما هو صائرٌ إليه، وإنكم قلدتموني هذا الأمر، فوالله لا أذهب بإثمه وتذهبون بنعيمه، ولا أدخل في شيء من دماء
стр. 515
المسلمين وأموالهم (١).
فلزم بيته إلى أن مات رحمة الله عليه، وذلك بعد أربعين يوما، وقيل ستة أشهر وهو آخر من تولى من بني أبي سفيان، وكان قتل الحسين، ووقعة الحرة، ورمي الكعبة بالمنجنيق من أعظم الشنائع التي وقعت في زمن يزيد، ثمَّ قتله الله هو وجنوده وأعوانه، فقُطع دابرُ القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين، ثمَّ بَعد موت معاوية بن يزيد ﵀، بايع أهل الآفاق كُلها لابن الزُبير ﵁، وانتظم له المُلكُ بأرض الحجاز واليمن ومصر والعراق، وجميع المشرق كله، وجميع بلاد الشام حتى دمشق، ولم يتخلف عن بيعته إلا بنو أميّة، ومَن يهوى هواهم وكانوا بفلسطين، حتى أن مروان هَمّ بالرّحلة إلى مكة ليبايعه، فمنعه بَنو أميّة وبايعوه بالخلافة، وخرج بمن أطاعه إلى دمشق وقاتل الضحاك بن قيس المبايع لابن الزبير، فاقتتلوا بمرج راهط فقُتل الضحاك وغلب مروان على الشام، ثمَّ توجه إلى مصر فحاصر عامل ابن الزبير بها، حتى غلب عليها في ربيع الآخر سنة خمس وستين ومات في تلك السنة، فكانت مدته ستة أشهر وعهد لابنه عبد الملك، فقام مقامه وكمل له ملك الشام ومصر والمغرب، ولابن الزبير ملك اليمن والحجاز والعراق والمشرق، إلا أن المختار بن أبي عبيد غلب على الكوفة، وكان يدعو إلى المهدي من أهل البيت ويقول: إنه محمَّد بن الحنفية فأقام على ذلك سنتين.
стр. 516
ثمَّ سار إليه مُصعب بن الزبير أمير البصرة لأخيه عبد الله بن الزبير، فحاصر المختار حتى قتله في شهر رمضان سنة سبع وستين، وانتظم أمر العراف كله لابن الزبير، فدام ذلك إلى سنة إحدى وسبعين فسار عبد الملك إلى مُصعب فقاتله حتى قتله في جمادى منها وملك العراق كلّه، ولم يبق مع ابن الزبير إلا الحجاز واليمن فقط، فجهز إليه الحجاج بن يوسف الثقفي الخبيث عدوّ الله، فحاصره في سنة اثنتين وسبعين إلى أن قتل عبد الله بن الزبير ﵁، وذلك في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين، وكان مجموع مدة ابن الزبير ﵁، تسع سنين وشيء، ثمَّ اجتمع الناس على عبد الملك بن مروان، ثمَّ بعده على ابنه الوليد، ثمَّ ولي الأمر بعده أخوه سليمان، ثمَّ عمر بن عبد العزيز ﵁، ثمَّ يزيد بن عبد الملك، ثمَّ هشام بن عبد الملك، فكلهم أولاد عبد الملك إلا عمر ﵁، فإنَّه ابن أخيه، ثمَّ بعد هشام تولى ابن أخيه الوليد بن يزيد (١) الجبار العنيد، فقد ورد في مسند الإمام أحمد: ليكونن في هذه الأمة رجلٌ يقالُ له الوليد، لهو على هذه الأمّة أشد من فرعون لقومه (٢).
وقال ابن فضل الله في "المسالك": الوليدُ بن يزيد الجبار العنيد، فرعون ذلك العصر الذاهب، والدهر المملوء بالمعائب، يأتي يوم
стр. 517
القيامة، يقدمُ قومه فأوردهم النار ويردُ بهم العار، وبئس الورد المورود، والمردى في ذلك الموقف المشهود، ورشق المصحف بالسهام ولم يخف الآثام، وذلك أنَّه استفتح في المصحف الشريف فخرج، ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٥]، فمزّق المصحف وقال:
أتوعدني بجبار عنيد ... وإني فيك جبار عنيدُ
إذا ما جئت ربك يوم حشر ... فقل يا ربّ مزّقني الوليدُ
وكان قد استباح الخمر، ونكاح أمهات أولاد أبيه، حتى راودَ أخاه سليمان عن نفسه ليفجر به، وله معائب وفضائح كثيرة جدًا، حتى أنَّه أراد الحج ليشرب الخمر فوق سطح الكعبة المشرفة، فقام عليه ابن عمه يزيد بن الوليد فقتله، وقام عليه مروان الحمار بن محمَّد بن مروان، ولّما مات وُلي أخوه إبراهيم، فغلبه مروان، واختل أمرُهم حتى غلب على الملك بَنُو العباس وقتلوهم أشد القتلة، فسبحان من لا يزول ملكه، ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] فلله الأمَر من قبل ومن بعد.
فكان انقراض مُلك بني أميّة في ثنتين وثلاثين بعد المائة.
ثمَّ قام من بني العباس أوّل خليفتهم السَفَّاح، ثمَّ أخوه المنصور، ثمَّ ولده المهدي، ثمَّ ولده الهادي، ثمَّ أخوه الرشيد، ثمَّ ولده الأمين، ثمَّ أخوه المأمون، وهو الذي امتحَنَ الإمام أحمد، ثمَّ المعتصم، وهو الذي ضرب سيدنا الإمام أحمد ثمَّ ولد المعتصم: الواثق، وكان أخبث من أبيه ثمَّ أخوه المتوَكّل فأظهر السنة ﵀ ورضي عنه، ثمَّ قتله ولده المنتصر، فلم يَقُمْ بعده إلا اليسير ثمَّ المستعين، ثمَّ المعتز، ثمَّ
стр. 518
المهتدي، وكان صالحًا مأمونًا فقُتل، وقام من بعده المعتمد إلى أن صارت النوبة إلى المستعصم، وذلك أول فتنة التتار الظلمة الفجار، فقد أخرج الأئمة الأبرار عن النبي المختار "أن قتال التتار من علامات الساعة".
أخرج الستة إلا النسائي "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا، نعالُهم الشعر، وحتى تقاتلوا الترك صغار الأعين، حُمر الوُجوه ذلف الأنوف، كأن وجوههم المَجانّ المُطرقة" (١).
وفي رواية عند البخاري: "لا تقومُ الساعَةُ حتى تقاتلوا خُوزا وكِرمان من الأعاجم، حُمر الوجوه، فطس الأنوف، صغار الأعين وجوههم المجان المطرقة نعالُهُم الشعر" (٢)، وفي لفظ "عراض الوجوه نعالهم الشعر"، على ظاهره ويحتمل أن يكون من جلود مشعرة غير مدبوغة، ويحتمل أن يكون المرادُ وفور شعرهم، حتى يطأوها بأقدامهم قاله المناوي في "تخريج المصابيح".
وقوله (حُمر الوجوه) أي بيضُ الوجوه مشربة بحمرة، قاله في "الإشاعة" (٣)، وقوله (ذلف الأنوف) بالذال المعجمة في رواية الجمهور قال صاحبُ "المشارق" (٤) وهو الصواب، ويُروى بالمهملة،
стр. 519
وهُو بضم الذال وسكونِ اللام جمع أذلف كأحمر، معناه فُطس الأنوف كما في الرواية الأخرى أي قصارها، مع انبطاح وقيل: غُلظُ أرنبة الأنف قاله النوويّ (١)، والمجانّ: بفتح الميم، وتشديد النون جمع مجن بكسر الميم: هو الترس والمطرقة بضم الميم، وسكون الطّاء وحُكي فتحها، وتشديد الراء.
قال النوويّ (٢) عن الأوّل: أعني سكون الطّاء: هُو المشهور في الرواية، وكتب اللغة ومعناه أن وجوههم عريضة كما في الرواية الأخرى، ووجناتهم ناتئة كالترس المطرقة، وقوله "حتى تقاتلوا خوزا" قال في "النهاية" (٣) بالخاء المعجمة والزاي: جبل معروف وهو من بلاد الأهواز، من عراق العجم، بحيث قيل أنَّه صنف منهم وكِرمانُ صنفٌ في العجم، قال السخاويُّ: وهي بلدةٌ معمورة من بلاد العجم بين خراسان وبحر الهند، ويروى خوراء بالراء المهملة وهو من أرض فارس، وصوّبه الدارقطني. والله أعلم.
ولما خرج التتار خرَّبوا البلاد، وأبادوا العباد، وأظهروا الفساد. قال السبكي في "طبقاته" (٤): لم يكن منذ خلق الله الدنيا فتنة أكبر من فتنة التتار، فإنهم خربوا المساجد، وحَرقوا المصاحف والكتب، وقتلوا الرّجال وسبَوا النساء وبقروا بطُون النساء. فأخرجوا أولادهن، وقتلوهم.
قال السخاوي: ولم تزل بقاياهم يخرجون إلى أن كان آخرهم
стр. 520
تيمور الأعرج، فطرق الديار الشامية وعاث فيها وحرَقَ دمشق، حتى جعلها خاوية على عروشها ودخل الروم والهند وما بين ذلك، وطالت مدته إلى أن مات وتفرق بنوه في البلاد.
قال في "الإشاعة" (١): وظهر بذلك مصداق قوله ﷺ : "إن أوّل من يسلبُ أمّتي ملكَها بنو قنطورا" (٢).
قال السخاوي: وقنطورا بالمد والقصر: قيل كانت جارية لإبراهيم الخليل ﵇، فولدت له أولادًا فانتشر منهم الترك حكاه ابن الأثير (٣)، وجزم به في القاموس. والله الموفق.
ومن علامات الساعة نار الحجاز التي أضاءت أعناق الإبل ببصرى، كما أخبر به ﷺ .
روى البخاريُّ في صحيحه والحاكم في المستدرك، عن أبي هريرة مرفوعًا: "لا تقوم الساعة حتى تخرجَ نارٌ من أرض الحجاز، تضيء أعناق الإبل ببصرى" (٤).
وأخرج الإمام أحمد، وابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن أبي ذرّ مرفوعًا: "ليت شعري متى تخرج نار من جبل وِراق، تضيء لها أعناق البخت ببصري كضوء النهار؟ " (٥).
стр. 521
قال نور الدين السيد علي السمهودي، في "تاريخ المدينة" (١): وقد ظهرتْ هذه النّارُ بالمدينة واشتهرتْ اشتهارًا بلغ التواتر، وتقدمها زلازلٌ مهولة، وأشفق أهلُ المدينة منها غاية الإشفاق، والتجئوا إلى النبي ﷺ (٢)، وكان ابتداء الزلزلة بالمدينة، مستهل جمادى الآخرة، آخر جمادى الأولى سنة أربع وخمسين وستمائة أي: فيكون قبل قتل المستعصم (٣) وخراب بغداد بسنتين، قال لكنها كانت خفيفة واشتدت يومَ الثلاثاء وظهرت ظهورًا عظيما، ثمَّ إنه لما كانت ليلة الأربعاء ثالث الشهر أو رابعه، في الثلث الآخر منها حدثت زلزلة عظيمة، انزعجت القلوبُ لهيبتها، واستمرت بقية الليل إلى يوم الجمعة، ولها دَويٌّ أعظم من الرعد، فتموجت الأرض وتحركت الجدران، حتى وقع في يوم واحد دون ليله ثماني عشرة حركة فأسكنت ضحى يوم الجمعة.
ولما كان نصفُ النهار ظهرت تلك النار، فثار من محلّ ظهورها دخان متراكم غشي الأفق سواده فلما تراكمت الظلمات، وأقبل الليل سطع شعاع النار، وظهرت بقريظة بطرف الحرة، ترى تلك النار على هيئة البلد العظيم، عليها سور محيط على شراريفَ وأبراج، ومنابر
стр. 522
ورجال، يقودونها لا تمر بجبل إلَّا دكته.
ويخرج من ذلك مثل النهر أحمر وأزرق، له دوي كدوي الرَّعد يأخذ الصخور من بين يديه، وينتهي إلى مَحطّ الرَّكب العراقي، واجتمع من ذلك ردم كالجبل العظيم، فانتهت النار إلى قرب المدينة، ومع ذلك كان يأتي المدينة نسيم بارد.
قال في "الإشاعة" (١): وشوهد لهذه النار غليان، كغليان البحر، قال القاضي سنان فطلَعْتُ إلى الأمير وكان عز الدين منيف (٢)، فقلت له: قد أحاط بنا العذابُ فارجع إلى الله تعالى فأعتَقَ كل مماليكه، ورد على الناس مظالمهم، وأبطل المكس، ثمَّ هبط إلى النبي ﷺ ، فبات في المسجد ليلة السبت، معه جميع أهل المدينة حتى النساء والصغار، وباتوا يتضرعون ويبكون، وكشفوا رؤوسهم واعترفوا بذنبوهم، واستجاروا بنبيهم (٣)، فصرف الله تلك النار عنهم، ذات الشمال فسارت من مخرجها ببحر عظيم من النار، واستمرت مدة ثلاثة أشهر. قال المطرزي: كانت تذيب الحجر، ولا تحرق الشجر، وهذا من العجائب.
وذكر القسطلاني: أن هذه النار لم تزل مارة على سبيلها حتى اتصلت بالحرة، ووادي الشظاة، وهي تسحق ما والاها وتذيب ما
стр. 523
لاقاها من الشجر الأخضر والحصى من قوة الحرّ، وإن طرفها الشرقي آخذ بين الجبال، فحالت دونها فوقفت وإن طرفها الغربي وهو الذي يلي الحرم، اتصل بجبل يقال له وعيرة على قرب من شرقي أحد، ومضت في الشظاة التي في طرفه فطفئت قال: وأخبرني من أعتمد عليه أنَّه عاين حجرًا ضخمًا من حجارة الحرة، كان بعضه خارجًا عن حدّ الحرم فعلقت بما خرج منه، فلما وصلت إلى ما دخل منه في الحرم طفئت وخمدت، قال: فهذا أولى بالاعتماد من كلام المطرزي: إنها كانت تحرقُ الحجر دونَ الشجر وإن رجلًا مد إليها نبلًا فأحرقت النصل، ولم تحرق الخشب فإن المطرزي لم يُدرك هذه النار.
قال المؤرخون: واستمرت هذه النار مدة ظهورها تأكل الحجارة والجبال، وتسير سيرًا ذريعا في واد يكون مقداره أربعة فراسخ، وعرضه أربعة أميال، وعمقه قامتان ونصف، وهي تجري على وجه الأرض فيذوب الصخر حتى يبقى مثل الماء، فإذا جمد أسود بعد أن كان أحمر ولم يزل يجتمع من هذه النار [الحجارة] (١) الذائبة في آخر الوادي، عند منتهى الحرة حتى قطعت في وسط وادي الشظاة، إلى جهة جبل وعيرة، فسدت الوادي المذكور بسد عظيم، من الحجر المسبوك أعظم من سد ذي القرنين.
قال العماد بن كثير (٢): أخبرني القاضي صدر الدين الحنفي قال: أخبرني والدي صفي الدين مُدرس مدرسة بصرى: أنَّه أخبرَهُ
стр. 524
غيرُ واحد من الأعراب كان بحاضرة بلد بصرى: أنهم رأوا صفحات أعناق إبلهم في ضوء تلك النار، مصداق قوله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى تخرج نارٌ من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى" (١).
قال في "الإشاعة" (٢): وقد كان إقبال هذه النار من جهة مشرق المدينة في جهة طريق السوارقية، وهناك حبس سيل فإنَّه بين حرة بني سليم والسوارقية، أي: مصداقًا لقوله ﷺ ، فيما رواه الإمام أحمد وأبو يعلى "يوشك نارٌ تخرجُ من حبس سيل تسيرُ سيرَ بطيئة الإبل تسيرُ النهارَ وتقيم الليلَ" (٣). واللهُ أعلم.
ومنها ظهور الرّفض واستبداد الرافضة بالملك، وإظهار الطعن واللّعن علي جناب الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، وهذا من أعظم الفتن وأقبح المحن وموت السُنن.
وقد أخرج الإمام أحمد، وأبو يعلى والطبراني عن ابن عباس ﵄، مرفوعًا: "يكون في آخر الزمان قوم يسمون الرافضة، يرفضون الإِسلام فإذا رأيتموهم فاقتلوهم، فإنهم مشركون" (٤)، ولفظ الطبراني بإسناد حسن عنه: كنتُ عند النبي ﷺ ، وعنده عليّ، فقال النبي ﷺ : "سيكون في أمتي قومٌ ينتحلون
стр. 525
حبَّ أهل البيت، لهم نبز (١) يسمون الرافضة فاقتلوهم فإنهم مشركون" (٢)، وقال الإمام عليّ كرّم الله وجهه: "يهلك فينا أهل البيت فريقان، محبٌ مُفرط وباهت مفتر" وفي لفظ: "يهلك فيّ رجلان مُحبٌ مفرط يُقرظني بما ليس فيّ، ومبغض مفرط يحمل شنآني على أن يبهتني" (٣) رواه الإمام أحمد في مسنده، ورواه خشيش وابن أبي عاصم والأصبهاني عنه كرم الله وجهه.
وصحّ: "أنّ من أشراط الساعة أن يلعن آخر هذه الأمة أوّلها" (٤).
ومنها: خروج دجالين كذّابين كلهم يدعي أنَّه نبيُ كما أخبر به ﷺ ، فيما رواه أبو داود، والترمذي وصححه وابن حبَّان، وهو طرف من حديث أخرجهُ مسلم عن ثوبان: أنَّه ﷺ قال: "سيكونُ في أمتي كذابون كلهم يزعم أنَّه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي" (٥).
وفي رواية عند البخاري "لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، دعواهما واحدة، وحتى يُبعث دجالون قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنَّه رسول الله" (٦). وفي حديث ابن الزُبير "إن بين يدي الساعة ثلاثين كذابًا، منهم الأسود العنسي صاحب صنعاء، وصاحبُ
стр. 526
اليمامة يعني مسيلمة" (١)، أي وقد خرج غيرهما من الدجالين كابن صياد، إن قلنا إنه ليس هو المسيح الدجال كما سنظهره بعد.
وخرج في زمن أبي بكر طليحة بن خويلد فادعى النّبوة ثمَّ تاب ورجع إلى الإِسلام، كذا في فتح الباري للحافظ ابن حجر (٢) لكن: عند ابن عساكر أنَّه خرج في عهد النَّبي ﷺ فوجه إليه ضرار بن الأزور فشجُّوا طُليحة وأخافوه ثمَّ جاءهم موت النبي ﷺ ، فأرفض الناس إلى طليحة، واستطار أمره أي: ثمَّ أسلم كما بينته في كتابي "تحبير الوفاء في سيرة المصطفى"، تبعًا لابن الجوزيّ فعلى هذا: يكون نسبة خروجه إلى زمن أبي بكر لاستطارة أمره فيه، وتمام ظهوره، والله الموفق.
وتنبأت أيضًا سجاح، فتزوجها مسيلمة بعد أن تجهزتْ لقتاله، فصنع لها مكيدة ودعاها إلى الدخول عليه وأمر أعوانه أن يكثروا من أدعاق البخور، والروائح النفيسة لعلمه أنّ النساء متى مَا شمَّت الرائحة الطيبة هاجت، فلما دخلت عليه لأجل الصلح، وشمّت تلك الروائح الطيبة، هاجت شهوتها فدعاها للزواج فأجابت، فأمهرها أن وضع عن قومها الصلاة، فقال شاعرهم:
أضحت نبيّتنا يُطاف بها ... وأصبحت أنبياء النَّاس ذكرانا
стр. 527
ثمَّ بعد قتل مسيلمة رجَعتْ إلى الله، وأسلمتْ فسبحان من يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات.
وخرج المُختار في زمن ابن الزبير، فإنَّه كان يدَّعي أنَّه يوحى إليه وكان يكتب في مكاتيبه: من مختار رسول الله، فجهز له عبد الله بن الزبير أخاه مصعبا، فقتله.
وخرج المتنبي الشاعر المشهور الذي طار شعره في الآفاق، ثمَّ تابَ ورجع إلى الله. وخرج جماعة في زمن دولة بني العباس، منهم: بهبود اللّعين، لعنه الله خرج في خلافة المعتمد، فإن بهبود اللعين أفسد في العراق، وأهان آل الرسول.
وفي خلافة المكتفي خرج "يحيى بن زكرويه القرمطي"، ثمَّ بعده أخوه الحُسين، وظهرت شامة في وجهه، فزعم أنها آيته وجاءه ابن عمه عيسى بن مهرويه، وزعم أنّ لقبه المدثر، وأنه المعْني في السورة، ولقب غلامًا له "المطوّق بالنور"، وظهر على الشام، وعاثَ ودُعي له على المنابر، ثمَّ قتل.
وخرج في خلافة المقتدر "أبو طاهر القرمطي"، الذي قلع الحجر الأسود، وكان يقول:
أنا الله والله أنا ... يخلقُ الخلقَ ويُحييهمْ أنا
وفي خلافة الراضي ظهرَ [محمد بن علي الشَّلْمغاني المعروف بابن أبي العزاقر] (١)، وقد شاع أنَّه يدعي الألوهية، وأنه
стр. 528
يُحيى الموتى فقُتِلَ وصُلب، وقُتِلَ معه جماعة من أصحابه.
وظهر في خلافة المطيع قوم من التناسخية، فيهم شاب يزعم أن روح علي انتقلت إليه، وامرأته تزعم أن روح فاطمة انتقلت إليها، وأخر يدعى أنَّه جبريل، فضربوا فزَعمُوا أنهم من أهل البيت، فأمر مُعزُ الدولة بإطلاقهم.
وفي خلافة المستظهر سنة تسع وتسعين وأربعمائة ظهر رجل بنواحي نهاوند، فادّعى النّبوّة، وتَبِعهُ خلقٌ فأخذ وقُتل.
وخرج جماعة بالمغرب من الرجال والنساء فمنهم رجل تسمى بـ"لا" وحرّف الحديث المشهور: "لا نبيّ بعدي"، وجعله إخبارًا منه ﷺ بأنّه "لا" أي مُسمَّى هذا الاسم نبي بعده، ويقول أن "لا" في الحديث مبتدأ ونبي خبره، وامرأته ادعت النبوة، فذكروا لها الحديث فقالت: إنما قال لا نبيّ بعدي، ولم يقل لا نبيّة.
والحاصل: أنَّه ظهر جَماعةٌ ممن أخبر عنهم المصطفى ﷺ ، وأما مُطلق الكذابين، لا يكادون يُحصَونَ أن يدخلوا تحت حصر، ومِن هذا القسم من يدَّعي أنَّه مهدي، وهؤلاء أيضًا كثيرون.
قال في الإشاعة (١): إنَّ رَجُلًا في زمانه كان اسمه عبد الله، واسم ابن له محمدٌ، ولقبُه مهديا فادعى أن ابنه المهدي المنتظر، فاتبعه أجلاف الأكراد وسفهاؤهم وعوامُّهم، فاستولى على بعض القِلاع ثمَّ ركب عليه عامل "الموصل" فقتل منهم جماعة، وهرب ابنه إلى بعض
стр. 529
النواحي، وحُبس هو فادعى أن ابنه قد غاب وأنها الغَيبة الأولى له، فإن للمهدي غيبتين، كما في بعض الروايات كما يأتي ثمَّ أخذوا ابنه أيضًا، وأرسلوا بهما إلى تنور.
قلتُ: وفي زماننا هذا في آخر سنة سبعٍ وثلاثين بعد المائة والألف جاء رجُلٌ من نواحي البصرة إلى دمشق المحروسة يزعم أنَّه من أهل البيت، وأظهر أنَّه من السُوّاح، وأنه من أشياخ طريقة الصوفية فاجتمع عليه بعض الناس وأخذوا عليه الطريقة الصوفية، فلمّا تمكَّن مِنهُم واستمال قلُوبهم، أظهر لهم أنَّه نبيٌّ، وأن محمدًا كان جَبّارًا، وطعن في رسالته ﷺ ، وأنه هو الرسول بحق، فظهر هذا القول من فلتات ألسنة من دَخل في طريقته، لقلة علمه وعقله وأظهره لبعض أصدقائه، فقال لمريده: ينبغي أن تجمعني بهذا لعلّ الله ينفعني به، فاجتمع به وأظهر له أنَّه من أتباعه، فحينئذٍ أظهرَ له هذا القول الفاسد، فأخبر به الناس فاجتمعوا لأجل قتله، فعلم بذلك وهرب تحت الليل لعنه الله وقد رأيتُه بعيْنَي رأسي "وكان هذا اللعين أسمر طوالًا حلو المنظر، طويل القامة، حسن العينين، مربي شعره وكان يظهر التذلل والخشوع، حتَّى إذا تكلم ترى في كلامه أثر الخوف اجتمعتُ به وتكلمت معه، واستفتاني بعض أحكام وسألنا عن مسائل ولم أر فيه قابلا لأني تفرست في أن تَذلُلَهُ نفاق فوافق ما في نفسي وزعم أن اسمَهُ السيِّد مُحمد وذكر من كان يجتمعُ به في خلواته أنَّه كان يقذف سيدتنا عائشة، ويتكلم كلامًا قبيحًا فلعنَةُ الله عليه؛ إن كان صدر منه مثل ما بَلَغَنَا عنه، وقد أخبرنا شيخنا الشيخ إسماعيل
стр. 530
العجلوني (١) أن رجلًا شهد عليه أنَّه يتكلم بكلام قبيح آنف من ذكره في هذا الكتاب، فنعوذ بالله من مكره واللهُ أعلم.
ومنها فتح بيت المقدس، ففي الحديث "أعدد بين يَدَي الساعة ستًا موتى، وفتحُ بيتِ المقدس" (٢)، وقد فتح مرتين: مرةً زمن عمر ﵁، ومرة زمن الأكراد الأيّوبيه، فتحه السلطان صلاحُ الدّين ﵀، وفي تاريخ الحنبلي: أنَّ بيت المقدس تغلب عليه الإفرنج بعد الملك صلاح الدين مدة يسيرة، وكان فتوحه على يد الملك الناصر، فيكون فتح ثلاث مرات.
ومنها زوالُ ملك العرب، فعن طلحة بن مالك "من اقتراب الساعة هلاكُ العرب أي زوال ملكهم" رواه الترمذيُّ (٣).
ومنها كثرة المال، وقد أخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁، "لا تقوم الساعة حتَّى يكثُرَ المالُ فيكم فيفيض، حتى يهم ربُ المالِ من يقبلُ صدقته، وحتى يَعرضه، فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرَبَ" (٤) أيْ: لا حاجة لِي فيه قال في "الإشاعة" (٥): وهذا وقع في زمن عثمان ﵁، وكثرت الفتوح حين اقتسموا أموال الفرس والروم، ووقع في زمن عمر بن عبد العزيز: أنَّ الرجل كان يَعرضُ ماله للصدقة فلا يجد من يقبل صدقته، وسيقع ذلك في زمن المهدي وعيسى، والله أعلم.