← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 132973

البحور الزاخرة في علوم الآخرة

السفاريني

Полный текст (1 621 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

اليمامة يعني مسيلمة" (١)، أي وقد خرج غيرهما من الدجالين كابن صياد، إن قلنا إنه ليس هو المسيح الدجال كما سنظهره بعد. وخرج في زمن أبي بكر طليحة بن خويلد فادعى النّبوة ثمَّ تاب ورجع إلى الإِسلام، كذا في فتح الباري للحافظ ابن حجر (٢) لكن: عند ابن عساكر أنَّه خرج في عهد النَّبي ﷺ فوجه إليه ضرار بن الأزور فشجُّوا طُليحة وأخافوه ثمَّ جاءهم موت النبي ﷺ ، فأرفض الناس إلى طليحة، واستطار أمره أي: ثمَّ أسلم كما بينته في كتابي "تحبير الوفاء في سيرة المصطفى"، تبعًا لابن الجوزيّ فعلى هذا: يكون نسبة خروجه إلى زمن أبي بكر لاستطارة أمره فيه، وتمام ظهوره، والله الموفق. وتنبأت أيضًا سجاح، فتزوجها مسيلمة بعد أن تجهزتْ لقتاله، فصنع لها مكيدة ودعاها إلى الدخول عليه وأمر أعوانه أن يكثروا من أدعاق البخور، والروائح النفيسة لعلمه أنّ النساء متى مَا شمَّت الرائحة الطيبة هاجت، فلما دخلت عليه لأجل الصلح، وشمّت تلك الروائح الطيبة، هاجت شهوتها فدعاها للزواج فأجابت، فأمهرها أن وضع عن قومها الصلاة، فقال شاعرهم: أضحت نبيّتنا يُطاف بها ... وأصبحت أنبياء النَّاس ذكرانا

стр. 527

ثمَّ بعد قتل مسيلمة رجَعتْ إلى الله، وأسلمتْ فسبحان من يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات. وخرج المُختار في زمن ابن الزبير، فإنَّه كان يدَّعي أنَّه يوحى إليه وكان يكتب في مكاتيبه: من مختار رسول الله، فجهز له عبد الله بن الزبير أخاه مصعبا، فقتله. وخرج المتنبي الشاعر المشهور الذي طار شعره في الآفاق، ثمَّ تابَ ورجع إلى الله. وخرج جماعة في زمن دولة بني العباس، منهم: بهبود اللّعين، لعنه الله خرج في خلافة المعتمد، فإن بهبود اللعين أفسد في العراق، وأهان آل الرسول. وفي خلافة المكتفي خرج "يحيى بن زكرويه القرمطي"، ثمَّ بعده أخوه الحُسين، وظهرت شامة في وجهه، فزعم أنها آيته وجاءه ابن عمه عيسى بن مهرويه، وزعم أنّ لقبه المدثر، وأنه المعْني في السورة، ولقب غلامًا له "المطوّق بالنور"، وظهر على الشام، وعاثَ ودُعي له على المنابر، ثمَّ قتل. وخرج في خلافة المقتدر "أبو طاهر القرمطي"، الذي قلع الحجر الأسود، وكان يقول: أنا الله والله أنا ... يخلقُ الخلقَ ويُحييهمْ أنا وفي خلافة الراضي ظهرَ [محمد بن علي الشَّلْمغاني المعروف بابن أبي العزاقر] (١)، وقد شاع أنَّه يدعي الألوهية، وأنه

стр. 528

يُحيى الموتى فقُتِلَ وصُلب، وقُتِلَ معه جماعة من أصحابه. وظهر في خلافة المطيع قوم من التناسخية، فيهم شاب يزعم أن روح علي انتقلت إليه، وامرأته تزعم أن روح فاطمة انتقلت إليها، وأخر يدعى أنَّه جبريل، فضربوا فزَعمُوا أنهم من أهل البيت، فأمر مُعزُ الدولة بإطلاقهم. وفي خلافة المستظهر سنة تسع وتسعين وأربعمائة ظهر رجل بنواحي نهاوند، فادّعى النّبوّة، وتَبِعهُ خلقٌ فأخذ وقُتل. وخرج جماعة بالمغرب من الرجال والنساء فمنهم رجل تسمى بـ"لا" وحرّف الحديث المشهور: "لا نبيّ بعدي"، وجعله إخبارًا منه ﷺ بأنّه "لا" أي مُسمَّى هذا الاسم نبي بعده، ويقول أن "لا" في الحديث مبتدأ ونبي خبره، وامرأته ادعت النبوة، فذكروا لها الحديث فقالت: إنما قال لا نبيّ بعدي، ولم يقل لا نبيّة. والحاصل: أنَّه ظهر جَماعةٌ ممن أخبر عنهم المصطفى ﷺ ، وأما مُطلق الكذابين، لا يكادون يُحصَونَ أن يدخلوا تحت حصر، ومِن هذا القسم من يدَّعي أنَّه مهدي، وهؤلاء أيضًا كثيرون. قال في الإشاعة (١): إنَّ رَجُلًا في زمانه كان اسمه عبد الله، واسم ابن له محمدٌ، ولقبُه مهديا فادعى أن ابنه المهدي المنتظر، فاتبعه أجلاف الأكراد وسفهاؤهم وعوامُّهم، فاستولى على بعض القِلاع ثمَّ ركب عليه عامل "الموصل" فقتل منهم جماعة، وهرب ابنه إلى بعض

стр. 529

النواحي، وحُبس هو فادعى أن ابنه قد غاب وأنها الغَيبة الأولى له، فإن للمهدي غيبتين، كما في بعض الروايات كما يأتي ثمَّ أخذوا ابنه أيضًا، وأرسلوا بهما إلى تنور. قلتُ: وفي زماننا هذا في آخر سنة سبعٍ وثلاثين بعد المائة والألف جاء رجُلٌ من نواحي البصرة إلى دمشق المحروسة يزعم أنَّه من أهل البيت، وأظهر أنَّه من السُوّاح، وأنه من أشياخ طريقة الصوفية فاجتمع عليه بعض الناس وأخذوا عليه الطريقة الصوفية، فلمّا تمكَّن مِنهُم واستمال قلُوبهم، أظهر لهم أنَّه نبيٌّ، وأن محمدًا كان جَبّارًا، وطعن في رسالته ﷺ ، وأنه هو الرسول بحق، فظهر هذا القول من فلتات ألسنة من دَخل في طريقته، لقلة علمه وعقله وأظهره لبعض أصدقائه، فقال لمريده: ينبغي أن تجمعني بهذا لعلّ الله ينفعني به، فاجتمع به وأظهر له أنَّه من أتباعه، فحينئذٍ أظهرَ له هذا القول الفاسد، فأخبر به الناس فاجتمعوا لأجل قتله، فعلم بذلك وهرب تحت الليل لعنه الله وقد رأيتُه بعيْنَي رأسي "وكان هذا اللعين أسمر طوالًا حلو المنظر، طويل القامة، حسن العينين، مربي شعره وكان يظهر التذلل والخشوع، حتَّى إذا تكلم ترى في كلامه أثر الخوف اجتمعتُ به وتكلمت معه، واستفتاني بعض أحكام وسألنا عن مسائل ولم أر فيه قابلا لأني تفرست في أن تَذلُلَهُ نفاق فوافق ما في نفسي وزعم أن اسمَهُ السيِّد مُحمد وذكر من كان يجتمعُ به في خلواته أنَّه كان يقذف سيدتنا عائشة، ويتكلم كلامًا قبيحًا فلعنَةُ الله عليه؛ إن كان صدر منه مثل ما بَلَغَنَا عنه، وقد أخبرنا شيخنا الشيخ إسماعيل

стр. 530

العجلوني (١) أن رجلًا شهد عليه أنَّه يتكلم بكلام قبيح آنف من ذكره في هذا الكتاب، فنعوذ بالله من مكره واللهُ أعلم. ومنها فتح بيت المقدس، ففي الحديث "أعدد بين يَدَي الساعة ستًا موتى، وفتحُ بيتِ المقدس" (٢)، وقد فتح مرتين: مرةً زمن عمر ﵁، ومرة زمن الأكراد الأيّوبيه، فتحه السلطان صلاحُ الدّين ﵀، وفي تاريخ الحنبلي: أنَّ بيت المقدس تغلب عليه الإفرنج بعد الملك صلاح الدين مدة يسيرة، وكان فتوحه على يد الملك الناصر، فيكون فتح ثلاث مرات. ومنها زوالُ ملك العرب، فعن طلحة بن مالك "من اقتراب الساعة هلاكُ العرب أي زوال ملكهم" رواه الترمذيُّ (٣). ومنها كثرة المال، وقد أخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁، "لا تقوم الساعة حتَّى يكثُرَ المالُ فيكم فيفيض، حتى يهم ربُ المالِ من يقبلُ صدقته، وحتى يَعرضه، فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرَبَ" (٤) أيْ: لا حاجة لِي فيه قال في "الإشاعة" (٥): وهذا وقع في زمن عثمان ﵁، وكثرت الفتوح حين اقتسموا أموال الفرس والروم، ووقع في زمن عمر بن عبد العزيز: أنَّ الرجل كان يَعرضُ ماله للصدقة فلا يجد من يقبل صدقته، وسيقع ذلك في زمن المهدي وعيسى، والله أعلم.

стр. 531

ومنها أن تزولَ الجبالُ عن أماكنها أخرج الطبراني عن سمرة ﵁: "لا تقوم الساعة حتى تزول الجبال عن أماكنها". ونقل الجلال السيوطي، في "تاريخ الخلفاء" (١): أن في سنة اثنين وأربعين بعد المائتين، في خلافة المتوكل، سار جبلٌ باليمن عليه مزارع لأهله، حتى أتي مزارع آخرين، وفي سنة ثلاثمائة في خلافة المقتدر، سار جبلُ بالدينور في الأرض، وخرج من تحته ماء كثير غرق القرى. ومنها فُقدان الصَّحابة رضوانُ الله عليهم. ففي الحديث "لا تقوم الساعة حتى يُلتَمسُ الرجلُ من أصحابي، كما تُلتمس الضالة، فلا يوجد". رواه الإمام أحمد عن علي مرفوعًا (٢). ومنها وقوعُ ثلاثِ خسوفات: أخرج الطبراني عن أم سلمة ﵂، "سيكون بعدي خسفٌ بالمشرق، وخسفٌ بالمغرب وخسفٌ في جزيرة العرب" قيل: تُخسفُ الأرض وفيهم الصالحون قال: "نعم إذا أكثر أهلها الخبث" (٣) وفي حديث حُذيفة بن أُسيد اطّلَعَ علينا رسول الله ﷺ ، ونحن نتذاكر الساعة فقال: "إنها لن تقوم حتى تَرَوا قبلهَا عشرَ آيات"، فذكر منها ثلاثة (٤) خسوف خسفًا بالمشرق وخسفًا بالمغرب، وخسفًا بجزيرة العرب.

стр. 532

رواه الستة إلا البخاري (١). وقد وقعت الخسوفات الثلاثة: فوقع في سنة ثمان ومائتين أنَّه خسف بثلاث عشرة قرية بالمغرب، وفي خلافة المطيع سنة ست وأربعين وثلثمائة، وقع بالري ونواحيها زلازل عظيمة، وخسف ببلد طالقات، ولم يفلت من أهلها إلا ثلاثين نفسا وخسف بمائة وخمسين قرية من قرى الري، واتصل الأمر إلى حلوان فخسف بأكثرها، وقذفت الأرض عظام الموتى، وتفجرت منها المياه، وتقطعت بالري جبالٌ وعلقت قرية بين السماء والأرض بمن فيها، نصف نهار ثمَّ خسف بها، وتخرقت الأرض خروقًا عظيمة، وخرج منها مياه منتنة، ودخان عظيم كذا نقله الجلال السيوطي عن الحافظ ابن الجوزي، وناهيك بهما علمًا وثقة وحفظًا وفي سنة سبع وتسعين وخمسمائة، خسف بقرية من أعمال بصرى، وفي سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، خسف ببلد بُحيرة وصار مكان البلد ماءً أسودَ قاله في "الإشاعة" قال وخُسف في زماننا بعدة قُرى، ناحية أذربيجان وغيرها من ديار العجم. ومنها كثرة الزلازل . ففي البخاريِّ وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁، "لا تقوم

стр. 533

الساعة حتى يُقبضَ العلمُ وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهرُ الفتن ويكثر الهرْج"، وهو القتل (١). وقد وقع أوّل خلافة المتوكل سنة اثنين وثلاثين ومائتين زلزلة مَهولة بدمشق، سقطت منها دور وهلك تحتها خلق كثير، وامتدت إلى أنطاكية فهَدمَتْها، وإلى الجزيرة فأحرقتها، وإلى الموصل فيُقال: هلك من أهلها خمسون ألفا، وقد زُلزلت زَلازلُ كثيرة جدًا، فلا نطيلُ بذكرها. ومنها المسخ والقذفُ ففي حديث عند الإمام أحمد ومسلم والحاكم عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "يكون في أمتي خسفٌ ومسخٌ وقذفٌ" (٢).

стр. 534

وعند ابن ماجه عن ابن مسعود ﵁: "بين يدي الساعة مسخٌ وخسفٌ وقذفٌ" (١) وعند الترمذي عن عائشة ﵂، مرفوعًا "يكون في آخر هذه الأمّة خسفٌ ومسخٌ وقذفٌ" قيل يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم إذا كثرُ الخبثُ" (٢). وقد قدمنا الكلام على وقوع الخسف، وأما المسخ فقد وقع لأشخاص منهم ما نقله في "الإشاعة" (٣) قال قد صحَّ عن غير واحد أنَّ في زمن فاطمية مصرَ كانوا يجتمعون بالمدينة يومَ عاشوراء في قبة العباس: يعني الأرفاض، فيسبون الشيخين رضوانُ الله عليهما، ويسبُّون الصحابة ﵃ أجمعين فجاء رجل فقال: من يُطعمني في محبة أبي بكر فخرج إليه شيخٌ، وأشار إليه أن اتبعني، فأخذه إلى بيته وقطع لسانه، ووضعه في يده وقال: هذه بمحبة أبي بكر، فذهبَ الرجلُ إلى المسجد وسلم على رسول الله ﷺ ، وعلى الشيخين رضوانُ الله عليهما، ورجع ولسانُه في يده، فقعد حزينًا عند باب المسجد وغلبه النوم، فرأى النبي ﷺ في منامه، ومعه أبو بكر

стр. 535

- ﵁، فقال لأبي بكر ﵁: هذا الرجلُ قُطِعَ لسانُه في محبتك فَرد عليه لسانه، فأخرج اللسانَ من يده ووضعه في محله، فانتبه فإذا لسانُه كما كان قبل القطع، وأحسن فلم يخبر بذلك أحدًا، ورجع إلى بلاده فلما كان العام القابل، رجَع إلى المدينة، دخل القبة (١) يوم عاشوراء طلب شيئًا بمحبة أبي بكر، فخرج إليه شاب وقال اتبعني فتبعه، فأدخله الدار التي قطع فيها لسانُه فأكرمه الشاب، فقال الرجل إني أتعجب من هذا البيت، لقيتُ فيه العام الماضي مُصيبة ومهانة، وهذه السنة لقيتُ ما أرى من الإكرام فقال الشاب: كيف القصة؟ فأخبره بالقصة فانكب على يده ورجليه وقال: ذلك أبي وقد مسخه اللهُ قِردًا وكشف عن ستارة فأراه قردًا مربوطًا وأحسن إلى الرجل، وتاب عن مذهبه وقال: اكتم عليَّ أمرَ والدي (٢). وقد ذكر هذه القصة ابن حجر في "الزواجر" (٣) بنحو هذا اللفظ، وذكرها السمهودي والقسطلاني في "المواهب"، وابنُ حجر أيضًا في "الصواعق" وفي "الزواجر" (٤): أنَّه كان بحلبٍ رجلٌ يسبُ الشيخين، فلما مات نبش قبره شباب ليفعلوا معه أمرًا، فوجدوه خنزيرًا فأحرقوه.

стр. 536

وذكر السيوطي في "تاريخ الخلفاء" (١): أن في سنة اثنين وثمانين وسبعمائة في خلافة المتوكل سادس الخلفاء العباسيين الذين كانوا بمصرَ، ورد كتابٌ من حلب يتضمنُ أن إمامًا قام يُصلي وأن شخصًا عبث به في صلاته، فلم يقطع الإمام الصلاة، حتى فرغ وحين سلم انقلب وجه العابث وجه خنزير، وهربَ إلى غابة هناك. وأما القذفُ فالمراد به الرجم، نقل السيوطي في "تاريخ الخلفاء" (٢) أن في سنة خمس وثمانين ومائتين مُطرت قريةُ بالبصرة حجارةً سوداء وبيضاء ووقع بَرد، وزن البردة مائة وخمسون درهمًا. وفي سنة اثنين ومائتين رُجمت قرية السويدي بالحجارَة، ووُزن حجر من الأحجار، فكان عشرة أرطال، وفي سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، في خلافة المقتدي، جاءت ريحٌ سوداء ببغداد واشتدَّ الرعدُ والبرق وسقط رمل وتراب كالمطر، وفي سنة نيف وستين بعد الألف، مُطرت حجارة سود كبيرة عريضة قَدْرَ بيض الدجاج وأكبر في الصيف والسماء مصحية ببلاد الأكراد، بين هيزا وكفرا، وكان يُسمعُ لها حِسٌ من مسافة يوم. ذكره في "الإشاعة" (٣). تنبيه: ورد عنه ﷺ ، الآيات بعد المائتين، فيحتمل بعد المائتين من الهجرة ويحتمل بعد المائتين بعد الألف، ويؤيد الأوّل أنَّ جُلَّ الآيات التي ذكرناها، وقع بعد المائتين وإن حُمل على الثاني فالمرادُ أمهاتها كما يأتي، وقد أضربنا من هذا الباب عن أشياء كثيرة خوف

стр. 537

الملال. وضيق الحال فنسأل الله التوفيق وحسن الختام، والحشر مع خير فريق ببركة محمَّد ﵊ (١).

стр. 538

الباب الثاني في الأمارات المتوسطةُ التي ظهرتْ ولم تنقض (١)، بل تتزايد وهي كثيرةٌ جدًا منها قوله ﷺ : "لا تقومُ الساعة حتى يكونَ أسعدَ الناس بالدُنيا لُكع بنُ لُكع" (٢) رواه الإمام أحمد والترمذي، والضياء عن حُذَيفَة وابن مردوية عن علي و"اللكع" (٣): العبد والأحمق واللئيم، والمعنى: لا تقومُ الساعةُ حتى يكونَ اللئام والحمقاء ونحوهم رؤساء الناس،

стр. 539

وقد ولع أهل الأدب في هذا المعنى؛ لأنَّ الدهر فوق نبال الحرمان لذوي الفطانة والرجحان، فمن ذلك قول بعضهم وقد أحسن للغاية: أرى حُمرا تُروى وتأكل ما تَهوى ... وأسدًا جياعا تظمأ الدّهر لا تروى وأشرافُ قوم لا ينالون قُوتهم ... وقومًا لئامًا يأكلوا المنّ والسّلوى قضاء لجبَّارِ السموات سابق ... وليس على ردّ القضا أحدٌ يقوى ومن عرف الدَهر الخؤون وعدله ... فيصبر في البلوى، ولم يظهر الشكوى وأيقن أنَّ الرّزق لابدَ أن يجيء ... لميقاته فليصحب البرّ والتَّقوى وقال الآخر: لا خير في دهر تعزُّ لئامُه ... وبعكس ذي الأشياء تهان كرامه وابن السفَاهَة إن تولى رتبة ... بين الملأ زادَ الكَلامُ كلامه وهذا باب واسع جدًا ومن ذلك أي من الأمارات قوله ﷺ : "يأتي على الناس زمانٌ الصابر على دينه كالقابض على الجمر" (١) رواه

стр. 540

الترمذي عن أنس (١). وقوله ﷺ : "لا تقوم الساعةُ حتَّى يتباهَى الناسُ في المساجد" رواه الإمام أحمدُ وأبو داود وابن ماجة وابن حبَّان، عن أنس ﵁ (٢). وقوله ﷺ : "يكون في آخر الزمان عبادٌ جهال وقراء فسقه" (٣) وفي لفظ فُسَّاق رواه أبو نعيم والحاكم عن أنس.

стр. 541

ومنها أن يُرى الهلال ساعة يطلع فيُقال: "لليلتين لانتفاخه وكبره" (١) روى معناه الطبراني عن ابن مسعود. وفي لفظ "من أشراط الساعة انتفاخُ الأهلة" بالخاء المعجمة أي عظمها يُقال: رجلٌ منتفخٌ ومنفوخ أي سمين وروى بالجيم من انتفج جنبا البعير إذا ارتفعا وعَظُما خلقةً يُقال نفجت الشيء فانتفج أي رفعته وعظمته. ومنها: اتخاذُ المساجد طرُقا (٢). ومنها ما أخرجه أبو نعيم في "الحلية" عن أنس ﵁ مرفوعًا: "من اقتراب الساعة اثنان وسبعون خصلة، إذا رأيتم الناس أماتوا الصّلاة وأضاعوا الأمانة وأكلوا الربا، واستحلوا الكذب، واستخفوا بالدّماء، واستعلوا البناء وباعوا الدين بالدنيا، وتقطعت الأرحام، ويكون الحكم ضعفا، والكذب صدقا، والحرير لباسا، وظهر الجور، وكثر الطلاق، وموت الفجأة، وائتمن الخائن، وخُوِّنَ الأمين وصُدِّق الكاذب، وكُذِّبَ الصادق، وكثر القذف، وكان المطر قيظًا (أي في الصيف فلا يُفيد شيئًا) والولد غيظًا (أي يغيظ والديه بعقوقه)، وفاض اللئام فيضا، (أي: كثروا) وغَاظَ الكرام غيظا (أي: نقصوا)، وكان الأُمراء والوزراء والأمناء خونة، والعرفاء ظلمة، والقراء فسقه إذا لبسوا مسوك (أي: جلود) الضأن قُلوبهم أنتنُ من

стр. 542

الجيفة، وأمرُّ من الصبر، يُغشيهم الله فتنة يَتَهَاوَكُون فيها (أي: يتساقطون فيها) تهاوك اليهود والظّلَمة، وتظهرُ الصفراء (يعني: الدنانير)، وتُطلَبُ البيضاء، (يعني: الفضَّة) وتكثر الخطباء (أي: فلا يخطبون حينئذ لله، ولا للاستحقاق وإنما يشترون وظيفة الخطابة، فيكثر الراغبون في ذلك)، ويقلّ الأمر بالمعروف، وحُلِّيت المصاحف، وصوّرت المساجد، وطوِّلت المنابر، وخرِّبت القلوب، وشرُبت الخمور، وعُطّلت الحدود، وولَدتِ الأمةُ ربّتها وترى (١) الحفاةَ العراةَ صاروا ملوكا، وشاركت المرأة زوجها في التجارة، وتشبَّهَ الرجالُ بالنساء والنساء بالرجال، وحُلف بغير الله، وشهدَ المَرْءُ من غير أن يُستشهد، وسلم للمعرفة أي ما ابتدأه بالسلام إلا لمعرفته له، وتفقه لغير الله، وطُلِبت الدُنيا بعمل الآخرة، واتخذ المغنم دُوَلاً، (وهو بضم الدال وفتح الواو يجمع على دُوُلة بالضم ما يُتداول من المال، فيكون لقوم دون آخرين ومعناه: إذا اختُص الأغنياء وأرباب المناصب بأموال الفيء (٢)، ومنعوها مستحقيها كما في النهاية. والله أعلم) والأمانة مغنما، (يعني الوديعة)، والزكاة مغرما، وكان زعيم القوم (أي ضمينهم) أرذلهم، وعق أباه الرجُل، وجفا أمّه وبَرّ صديقه، وأطاع امرأته، وعَلتْ أصواتُ الفسقة في المساجد، واتُّخذَتِ القيناتُ (جمع قينة، وهي المغنية) والمعازف، (وهي: آلات اللهو) وشربت الخمور في

стр. 543

الطّرق، واتُّخذ الظُّلم فخرًا وبيع الحكم، وكثرت الشُرَط واتّخذ القرآن مزامير، وجلود السّباع صفافا، بأن يجعل على السروج كما يفعله وزراء زماننا، ولَعَن آخِرُ هذه الأمّة أوّلَها، فليرتقبوا عند ذلك ريحًا حمرا، وخَسفًا ومسخًا وقذفًا وآيات (١). ومنها ما رواه الإمام أحمد، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن سلمان موقوفاً والحسنُ بن سفيان وابن عساكر مرفوعًا "إذا ظهر القول وخُزن العمل، وائتلفتِ الألسن واختلفت القُلوب، وقَطع كلّ ذي رحم رحمه، فعند ذلك لعنهم الله فأصمّهم وأعمى أبصارهم" (٢). ومنها ما أخرجه أبو الشيخ وعويس والديلمي عن أمير المؤمنين عليّ كرّم الله وجهه قال: قال رسول الله ﷺ : "من اقتراب الساعة إذا رأيتم الناس أضاعوا الصلاة، وأضاعوا الأمانة واستحلوا الكبائر، وأكلوا الربا وأكلوا الرشا وشيَّدوا: (أي طولوا ورفعوا البناء ويحتمل أن يُرادَ جصّصوها، وعملوها بالشيد)، واتبَّعوا الهوى، وباعوا الدين بالدنيا، واتخذوا القُرآن مزامير، واتخذوا جلودَ السباع صفافا، والمساجد طرقا، والحرير لباسا، وأكثروا الجَور وفشا الزنا، وتهاونوا بالطلاق،

стр. 544

وائتمن الخائن وخوّن الأمين، وصار المطر قيظا، والولد غيظا، وأمراء فجرة، ووزراء كذبة، وأمناءُ خَوَنة، وعُرَفَاءُ ظلمة، وقلَّت العُلماء وكثرت القُراء وقلّتِ الفُقهاء وحُلِّيت المصاحفُ وزخرفت المساجدُ، وطوّلت المنابر، وفَسدتِ القلوب، واتخذ القينات والمعازف، وشربت الخمور، وعُطلّت الحدود، ونُقصت الشهور، (أي بالصّاد المهملة بأن يكون أكثرُها ناقصات) ونُقضت المواثيق، (بالضاد المعجمة والمواثيق جمع ميثاق وهو العهد، ونقضها عدم الوَفَاء بها)، وشاركت المرأة زوجها في التجاوة، وركب النساء البراذين: (جمع برذون بكسر الموحدة وسكون الراء وفتح المعجمة فواو ساكنة فنونُ الدابة من الخيل، والمعنى ركبت النساء الخيل كما في بعض الروايات السروج)، وتشبهت النساء بالرجال والرجال بالنساء، ويحلف بغير الله، ويشهد الرجل من غير أن يُستشهد، وكانت الزكاة مغرما، والأمانة مغنما، وأطاع الرَّجل امرأته وعقّ أمّه، وقرَّب صديقه وأقصى أي (أبعد أباه)، وصارت الإمارات مواريث، وسبَّ آخرُ هذه الأمة أوّلها، وأكرمَ الرَّجلُ اتّقاء شرِّه، وكثرت الشّرط، وصعد الجُةَال المنابر، ولبس الرجل التيجان، وضيّقت الطرقات، وشيِّد البناء واستغنى الرجال بالرّجال، والنّساء بالنّساء، وكثرت خطباء منابركم، وركن علماؤكم إلى ولاتكم، فأحلوا لهمُ الحرام، وحرَّمُوا عليهم الحلال، وأفتوهم بما يشتهون، وتعلم علماؤكم ليجلبوا دنانيركم، ودواهمكم واتَّخذْتم القرآن

стр. 545

تجارة، (أي: أخذتم أجره على قراءته) (١)، وضيعتم حق الله في أموالكم، وصارت أموالكم عند شِراركم، وقطعتمُ أرحامَكم، وشربتم الخمور في ناديكم، ولعبتم الميسر أي بالقمار، ومنه: "الشطرنج ميسر العجم"، وعرضتم بالكبر (بفتحتين الطبل)، والمعزفة والمزامير، ومنعتم محاويجكم زكاتكم، ورأيتموها مغرما، وقُتل البرئ ليغيظ العامَّة (أي: قتل الذي لا قود عليه ليغيظ أقاربه ويترك القاتل، فهو جمع بين قبحين: قتلُ من لا قود عليه، وتركُ من عليه القود، فيفعلون ما نُهوا عنه (٢)، ويتركون ما أمروا به)، واختلفت أهواؤكم، وصار العطاء في العبيد والسقاط، وطفُف المكاييل والموازين، ووليت أموركم

стр. 546

السفهاء" (١). ومنها: "إذا وسِّد الأمر وفي لفظ: أُسندَ الأمرُ إلى غير أهله فانتظروا الساعة" رواه البخاري (٢)، ولا شك أنّ هذا من اقتراب الساعة، وما أحسن قول القائل: يا دهراً عملتَ فينا أذاكا (٣) ... ووليتنا بعدَ وجهٍ قفاكا علَّيْتَ الشرار علينا رؤوسا ... وأجلستَ سِفْلتنا مستواكا فيا دهرُ إن كُنت عاديتنا ... فها قد صنعت بنا ما كفاكا ومنها: أن الشيطان يتمثل في صورة الرجل، فيأتي القوم فيحدثهم بالحديث من الكذب، فيتفرقون فيقولُ الرجل منهم: سمعت رجلًا أعرفُ وجهه ولا أدري ما اسمه يحدث. رواه مُسلم في مقدمة صحيحه (٤)، عن ابن مسعود. وأخرج أيضًا عن ابن عمر ﵄، أن في البحر شياطين مسجونة أوثقها سليمان، يوشك أن تخرج فتقرأ على الناس قرآنا (٥).

стр. 547

ومنها: ما أخرجه الإمام أحمد والحاكم وابن ماجة (١) عن أنس ﵁، "إذا كانت الفاحشة في كباركم، والملك في صغاركم، والعلمُ في رذالكم والمداهنة في خياركم"، يعني: فتقرب إقامة الساعة. وفي أثناء حديث عمرَ ﵁، عند مسلم في قصة جبريل ﵇ قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال ﷺ "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" قال: فأخبرني عن أماراتها قال: "أن تلدَ الأمة ربّتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشّاء يتطالون في البنيان" الحديث (٢). قال الحافظ ابن رجب، في (شرح الأربعين النووية) (٣): يعني أن علم الخلق في وقت الساعة سواء قال: وهذا إشارة إلى أن الله تعالى استأثر بعلمها، ولهذا في حديث أبي هريرة قال ﷺ : "في خمس لا يعلمهن إلا الله ثمَّ تلا ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤] (٤). وقال : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ١٨٧] وقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ [النازعات: ٤٢: ٤٤] إلى غير ذلك من الآيات.

стр. 548

وفي صحيح البخاري عن ابن عمر مرفوعًا "مفاتيح الغيب خمس لا يعلّمها إلا الله" ثمَّ قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] الآية (١). وخرّجهُ الإمامُ أحمد (٢) ولفظه أن النبي ﷺ قال: "أوتيت مفاتيح كل شيء إلا الخمسُ" ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾. وخرج أيضًا (٣) عن ابن مسعود ﵁ قال: أوتي نبيكم ﷺ مفاتيح كُل شيء غير خمس ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] الآية. فبما ذكرنا علم أن علم الساعة كبقية الخمس، لم يَطَّلِعَ عليه أحدٌ إلا الله ، ليس إلا والذي حَمَلنا على ذكر هذا هُنا هو أنَّا اجتمعنا ببعض من يُظَنُّ به الفضلُ فزعم أن آحاد الأولياء فضلًا عن الأنبياء أطلعه الله على علم الساعة، كبقية الخمس فعارضته بالآيات الصريحة، والأخبار الصحيحة، فكابر ولم يرعو، ولا جرم أن في زعمه مصادمة للكتاب والسنة، ولم نر أحدًا ممَّن يُعتمد على كلامه ذكر في شرح هذا الحديث ما ذكره هذا القائل، بل ابن حجر الهيتمي (٤) نقل عبارة الحافظ ابن رجب ولم يذكر غيرها، ثمَّ قال في آخرها ففيه أنَّه ينبغي للمفتي والعالم وغيرهما إذا سئل عما لا يعلم أن

стр. 549

يقول: لا أعلم وإنّ ذلك لا يُنقصه، بل يُستدلُ به على ورعه وتقواه، وكذا ذكر تلميذ الطوفي في شرحه كهو، فلا أدري من أين هذا القائل علم أنَّ آحاد الأولياء علم (١) ذلك فلينتبه، والله الموفق. والحاصل أن النّبي ﷺ ، ذكر في الحديث علامتين الأولى: أنْ تلد الأمة ربتها: أيّ سيِّدتها، وفي حديث أبي هريرة ربَّها قال الحافظ ابن رجب: وهذا إشارة إلى فتح البلاد وكثرة جلب الرقيق، حتى تكثر السراري، ويكثر أولادهن، فتكون الأمة رقيقة لسيدها، والأولاد منها بمنزلته، فإن وَلد السَّيّد بمنزلته فيصير ولد الأمة بمنزلة ربها ثمَّ قال: وقد فُسِّر قولهُ: "تلد الأمة ربتّها" بأن يكثر جلب الرقيق؛ حتى تُجلب البنت، فتعتق ثمَّ تجلب الأمّ فتشتريها البنت، وتستخدمها جاهلةً بأنها أمها. قال: وقد وقع هذا في الإِسلام وقيل معناه: أن الإماء يلدنَ الملوك، وقال وكيع يلد العجم العرب والعرب ملوك العجم، وأرباب لهم. انتهى كلامُ الحافظ ابن رجب (٢). زاد ابن حجر أو عقوق الأولاد لأمّهاتهم، فيعاملونهم معاملة السيد لأمته من الإهانة، والسّبّ قال: ويستأنس له برواية أن تلد المرأة ولم يذكر ابن حجر قول وكيع والله أعلم.

стр. 550

الثانية: قوله ﷺ : "أنْ ترى الحُفاة" إلخ: المرادُ بالعالة الفقراء وقوله رعاء الشاء (١) يتطاولون في البنيان. قال الحافظ ابن رجب: هكذا في حديث عمر والمراد: أن أسَافِلَ الناس يصيرون رؤساءهم، وتكثر أموالهم حتى يتباهون بطول البنيان، وزخرفته وإتقانه، وأطال الحافظ في شرح الحديث والله الموفق.

стр. 551

الباب الثالث في العلامات العظام، والأمارات القريبة الجسام، التي تعقبها الساعة وفيه اثنا عشر فصلا . الفصل الأوّل: في المهدي وما يتعلق به وفيه ثلاث مقامات: المقام الأوّل: في اسمه ونسبه، ومولده ومبايعته، وهجرته وحليته وسيرته . أما اسمه: ففي أكثر الروايات أنَّه محمَّد وفي بعضها أنَّه أحمد، واسم أبيه عبد الله، فقد صحّ عنه ﷺ أنَّه قال: "يواطئ أي: يوافق اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي" (١). قال في الإشاعة (٢): وتعسّف بعض الشيعة فقال: إن هذا تحريف والصواب: أنَّه اسم ابني بالنون، يعني: الحسن (٣) أو أن المراد بأبيه جده الحسين، والمراد باسمه كنيته، فإن كنية الحسين أبو عبد الله فمعناه: أن كنية جده الحسين يُوافق اسم والد النبي ﷺ ، وذلك لاعتقادهم أنَّه محمَّد بن الحسن العسكري، وهو باطل لهذه التعسفات

стр. 552

والتكلفات، وأيضًا، فإن محمَّد بن الحسن هذا قد مات، وأخذ عمّه جعفر ميراث أبيه الحسن، وأيضًا فإن المهدي يبايع أربعين سنة أو أقل وأيضًا فإن مولد المهدي بالمدينة (بخلافه) (١)، وأيضًا ففي رواية ابن المنادي ما يرد كلامهم، عن علي كرم الله وجهه، فيجيء الله بالمهدي محمَّد بن عبد الله انتهى. ملخصًا. قُلْتُ: ولا ريب في فسادِ ما قالوهُ، وبطلان ما انتحلوه، وزعمت الكيسانية أن المهدي هو محمَّد بن الحنفية، وأنه حيٌ مُقيمٌ بجبل رضوى، وأنه بين أسدين يحفظانه، وعنده ثمَ عينان نضاختان، تجريان بماء وعسل، وأنه يعودُ بعد الغيبة، ويملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا، وإنما عُوقب بهذا الحبس لخروجه إلى عبد الملك بن مروان، وقيل إلى يزيد بن معاوية، وكان السيد الحميري على هذا المذهب وهو القائل: ألاَ قل للوصيِّ فدتك نفسي ... أطلت بذلك الجبل المقاما وهذا (القول) (٢) وشبهه من خرافات أهل الرفض والبدع، وإذا تأملت مقالات أهل الزيغ ألفيتها على هذا النمط يضحك منها العاقل، ومن يضلل الله فما له من هاد، والله أعلم. وأما لقبهُ: فالجابر؛ لأنه يجبر قلوبَ أمَّة محمَّد ﷺ ، أو لأنه يجبر أي يقهر الجبارين والظالمين ويقصمهم.

стр. 553

وكُنيته: أبو عبد الله، وأما نَسبُه فإنَّه من أهل بيت رسول الله ﷺ ، ثمَّ إن الروايات الكثيرة والأخبار الغزيرة ناطقة أنَّه من ولد فاطمة البتول ﵍، وجاء في بعضها أنَّه من ولد العباس، والأوّل أصح. قال ابن حجر في كتابه "القولُ المختصر": وأمَّا ما رُوي أن المهدي من ولد العباس عمي، فقال الدارقطني: حديث غريب تفرد به محمَّد بن الوليد، مولى بني هاشم قال: ولا ينافي خبر الرافعي عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: "ألا أبشرك يا عمَّ إنَّ من ذرتيك الأصفياء ومن عترتك الخلفاء، ومنك المهدي في آخر الزمان، به ينشر الله الهدى، ويطفئ نيران الضلالة، إن الله فتح بنا هذا الأمر، وبذريتك يختم" (١). وخبر هيثم بن كلب وابن عساكر عن ابن عباس ورجاله ثقات، اللهم انصر العباس وولد العباس ثلاثًا، يا عمّ أما علمتَ أنَّ المهدي من ولدَك؟ موفقًا راضيًا (٢)؟ وخبر أبي نعيم في الحلية عن أبي هريرة: "ألا أبشرك يا أبا الفضل، إن الله افتتح بي هذا الأمر وبذريتك يختم" (٣). وخبر الديلمي عن أم سلمة ﵂ عن رسول الله ﷺ ، أنَّه قال: "لن تزال الخلافة في ولد عمي وصنو أبي حتى يسلموها إلى

стр. 554

الدجال" (١). وخبر الخطيب عن ابن عباس، عن أمه أم الفضل: "يا عباس أنت عمي وصنو أبي وخير مَنْ أخلفُ بعدي مِن أهلي، إذا كانت سنة خمس وثلاثين ومائة فهي لك، ولولدِك منهم السفاح ومنهم المنصور ومنهم المهدي" (٢). وخبر الخطيب وابنُ عساكر عن علي كرّم الله وجهه: "يا عمّ ألا أخبرك أن الله افتتح هذا الأمر بي ويختمه بولدك" (٣). وهذه كلها (لا تُنافي) (٤) أنَّه من ذريته ﷺ ، من ولد الزهراء لأنَّ أحاديثه أكثر وأصح، بل قال بعض الأئمة الحفاظ أن كونه من ذريته ﷺ ، قد تواتر عنه ذلك قال ابن حجر: ويُمكن الجمعُ بأنّه لا مانع من أن يكون من ذريته ﷺ ، وللعباس فيه ولادة من جهة أن (في أمه) (٥) عباسية، والحاصل: أنَّ للحسن فيه الولادة العُظمى لأنَّ أحاديث كونِه من ذُريته أكثر وللحُسين فيه ولادة أيضًا، وللعبّاس فيه

стр. 555

ولادةٌ أيضًا ولا مانعَ من اجتماع ولادات مُتعددات، في شخص واحد، من (جهةٍ) (١) مختلفة (٢). انتهى ومَولدُ المهديّ المدينة، رواه أبو نعيم (٣) عن علي كرم الله وجهه، وفي مرفوع عبد الله بنِ عمرو بن العاص، ﵄، عند أبي نعيم وأبي بكر بن المقري في "معجمه" (٤) يخرج المهدي من قرية يقالُ لها كرعة. وأمَّا مُبايعته: فإنَّه يُبايَعُ بمكة المشرَّفة بين الرُّكن والمقام ليلة عاشوراء، كما يأتي إن شاء الله تعالى. وأما مهاجرته فإنَّه يهاجر إلى بيت المقدس، وأن المدينة تخربُ بَعْدَ هجرته، وتصير مأوى للوحوش، فقد ورد [عن عُمر] (٥): عُمرانُ بيت المقدس خَرابُ يثربَ (٦). وأما حليتُه: فإنَّه آدمُ أي: أسمر، ضرب من الرجال أي خفيفُ اللَّحم، ممشوق مستدقٌ ربْعَة أي: لا بالطويل ولا بالقصير، أجلى الجبهة أي خفيفُ شَعر النَّزعتيْن من الصدْغين، والذي انحسر الشعرُ عن جبهته أقنى الأنف أي: طويله، مع دقة أرنبته، أشم أي رفيع العرنين، أزجُّ أي حاجبيه، فيه تقويسٌ مع طولٍ في طرفه، وامتداده

стр. 556

أبلج أعين أكحل العينين، والأَعْيَن واسع العين، والكحل بفتحتين سوادٌ في أجفان العين خلقة من غير اكتحال، برّاقُ الثنايا، أي: لثناياه بريقٌ أفرقهما، أي: ليستْ مُتلاصقة في خده الأيمن، خال أسود يضيء وجهُه، كأنهُ كوكبٌ دُرّي كَثُ اللِّحية في كفه علامة أزيل الفخذين، أي: مُنفرجُ الفخذين، متباعدُهما لونُه لونُ عربي، وجسمه جسم إسرائيلي، في لسانه ثقل، وإذا أبطأ عليه ضرب فخذه الأيسر بيده اليُمنى، ابن أربعين سنة، وفي رواية ما بين ثلاثين إلى أربعين خاشعٌ لله خشوع النسرِ بجناحيه، عليه عباءتان قطوانيتان (١). قال في النهاية (٢): هي عباءة بيضاء قصيرة الخمل والنون زائدة. وأما سيرته: فإنَّه يعملُ بسنة النبي ﷺ ، لا يُوقظ نائما، ويُقاتل على السّنّة لا يتركُ سُنَّة إلا أقامَها ولا بدعة إلا رفعها يقومُ بالدين آخر الزمان، كما قام به النبي ﷺ أوّله يملكُ الدنيا كلها، كما ملك ذو القرنين، وسليمان يكسر الصليب، ويقتل الخنزير ويردُ إلى المسلمين إلفتهم ونعمتهم، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورا، ويحثو المال حثوا، ولا يَعدُّه عدّا يقسم المال صحاحًا بالسوية، يرضى عنه ساكن السّماء وساكن الأرض، والطير في الجوّ والوحش في القفر، والحيتان في البحر يَملأ قلوب أمّة محمَّد ﷺ غنى، حتى أنَّه يامرُ مناديًا يُنادى ألا مَن له حاجة في المال؟ فلا يأتيه إلا رجلٌ واحد، فيقول أنا فيقول ائت السادن أي: الخازن فقل له: المهدي يأمرك أن تعطيني مالًا فيقول له: احث حتى إذا جعلَه في حجره

стр. 557

وأبرزه ندم، فيقولُ كنتُ أجشع: أي أحرص أمّة محمَّد ﷺ ، أعجز عني ما وسعهم قال: فيردُّه فلا يقبل منه، فيقال له: إنا لا نأخذ شيئًا أعطيناه، تنعَمُ الأمّة بَرُّها وفاجرها في زمنه، نعمة لم يسمعوا بمثلها قط، وتُرسَلُ السماء عليهم مدرارا، لا تدّخر شيئًا من قطرها وتؤتى الأرض أكلها لا تدّخر عنهم شيئًا من بذرها. تجرى على يديه الملاحم، يستخرج الكنوز ويفتح المدائن ما بين الخافقين، يُؤتَى إليه ملوك الهند مُغَلَّلين، وتجعل خزائنهم لبيت المقدس حُلِيَّا، يأوي إليه الناس كما يأوي النحل إلى عسوبها، حتى يكون الناس على مثل أمرهم الأوّل يمدّه الله بثلاثة آلاف من الملائكة، يَضربونَ وجوه مُخالفيه وأدبارهم، جبريلُ على مقدمته وميكائيل على ساقته، ترعى الشاة والذئب في زمانه في مكان واحد، وتلعب الصبيان والحيّاتُ والعقارب، لا تضرهم شيئًا ويزرع الإنسان مُدّا فيخرج له سبعمائة مدّ، ويرفعُ الرّبا والزنا، وشرب الخمر، وتطول الأعمار وتؤدَّى الأمانة وتهلك الأشرار، ولا يبقى من يبغض آل محمَّد ﷺ ، محبوبٌ أي المهدي في الخلائق، يُطفئ الله به الفتنة العمياء، وتأمن الأرض حتى أن المرأة تُحج في خمس نسوة، ما معهن رجل (١)، ولا يخفن شيئًا إلا الله، مكتوب في شعائر الأنبياء ما في حكمه ظلم ولا عيب. قال ابن حجر في "القول المختصر": ولا ينافي هذا أن عيسى يفعل

стр. 558

بعضَ ما ذُكر، من قتل الخنزير وكسر الصليب، إذ لا مانع أن كلا منهما يفعله (١)، أي: فإنا لم نقل أن سيّدنا المهديَّ يستأصِلُ الخنازير والصليب، والله أعلم. المقام الثاني: في علاماته التي يُعرف بها، والأمارات الدالة على خروجه: أمَّا العلامات فمنها: أنّ معهُ قميصَ رسول الله ﷺ وسيفه، ورايتُه من مِرط مخملة معلّمة سوداء، فيها حجر لم تنشر منذ توفي النبي ﷺ ، ولا تنشر حتى يخرج المهدي، مكتوب على رأسه: البيعة لله، كذا في "الإشاعة" (٢)، ومنها أنّ على رأسه عمامةٌ فيها منادٍ ينادي: هذا المهدي خليفةُ الله (٣) فاتَّبِعوه، قاله ابن حجر:

стр. 559

ومنها: أنَّه يغرسُ قضيبًا يابسًا في أرض يابسة فيخضر ويورق. ومنها: أنَّه يُطْلُب منه آية، فيومئ بيده إلى طير في الهواء فيسقط على يده (١). ومنها: أنَّه يُنادي منادٍ من السماء أيها الناس: إن الله قد قطع عنكم الجبارين والمنافقين وأشياعَهم، وولاكم خير أمة محمَّد ﷺ ، فالحقوه بمكة فإنَّه المهدي، واسمه أحمد بن عبد الله (٢). ومنها: أن الأرض تخرج أفلاذ كبدها، مثل الاسطوانات من الذهب، وأنه يُخرجُ كَنز الكعبة المدفون فيها، فيقسمُه في سبيل الله. رواه أبو نعيم عن علي كرم الله وجهه (٣). ومنها: أنَّه يستخرج تابوت السَّكينة من غار أنطاكية أو من بحيرة طبرية، فيخرَجُ حتى يُحمَل فَيوضَعُ بين يديه، ببيت المقدس (٤). فإذا نظر

стр. 560

إليه يهودٌ أسلموا إلا قليلًا منهم وتأتيه الرايات السود من خراسان فيرسلون إليه البيعة. ومنها: أنَّه يجتمع بسيدنا عيسى، ويصلي سيدنا عيسى ﵊ خلفه . فائدة: ورد أن أسعد الناس به أهلُ الكوفة والله أعلم. ومن الأمارات الدالة على خروجه: أنَّه تنشف الفرات فيحسر عن جبل من ذهب، وإنه (١) ينكسفُ القمر أوّل ليلةِ رمضان، والشمس ليلة النصف. قُلْتُ: ونظّرَ في هذا العلاَّمة في "بهجته"، حيث قال بعد ذكره على ما فيه، أي من النظر والله أعلم. قال في البهجة (٢): فأوَّلُ علامات المهدي كسوف الشمس، والقمر ونجم الذنب، والظلمة وتحاربُ القبائل بذي القعدة، وسماع الصوت برمضان، وذكروا لخروج المهدي آيتين لم يكونا منذ خلق الله السموات والأرض، فذكر ما ذكرناه من كُسوف الشمس والقمر، قال: وقال شُريك كما في أبي نعيم في الفتن (٣): بلغني أن القمر قبل

стр. 561

خروجه ينكسف مرتين: برمضان، قال: وورد عن كعب يطلع نجم بالمشرق، وله ذنب يضيء وفيه عن أبي جعفر لا يخرج حتى تزول الظلمة وفي الديلمي مرفوعًا تكون هذه في رمضان، توقظ النائم وتفزع اليقظان (١)، ومن وجه آخر يكون صوت في رمضان، في نصف الشهر يصعق منه سبعون ألفا، ويعمى مثلها، ويخرس مثلها، ويصم مثلها، وينفتق من الأبْكارِ مثلها. ومن علامات خروج المهدي أيضًا خسف قرية ببلاد الشام، يقال لها حرستا كما في "الإشاعة" (٢) وغيرها. ومنها: ما ذكره في الإشاعة أنَّه ينادي منادٍ من السماء ألا إنَّ الحق في آل محمَّد، ويُنادي منادٍ من الأرض: ألا إن الحقَّ في آل عيسى أو آل العباس، وإن النداء الأوّل من الملائكة، والثاني نداء الشيطان. المقام الثالث: في الفتن الواقعة قبل خروجه: منها أنَّه يُحسر الفرات عن جبل من ذهب (٣) كما تقدم فإذا سمع به الناس ساروا إليه، واجتمع عليه ثلاثة كلهم ابن خليفة، يقتتلون عنده، ثمَّ لا يصير إلى واحد منهم فيقول: من عنده والله لئن تركت

стр. 562

الناس يأخذون منه ليذهَبَنَّ بكله فيقتتلون عليه، حتى يُقتل من كل مائة تسعة وتسعون وفي رواية فيقتل تسعة أعشارهم وفي رواية من كل تسعة سبعة، فيقول: كل رجل لعلي أنا أكون أنجو (١) وقد قال ﷺ : "من حضر فلا يأخُذ منه شيئًا" (٢). ومنها: خروجُ السُفياني (٣)، والأبْقعُ، والأصْهَبُ، والأعرج، والكندي، أمَّا السفياني: فعن أمير المؤمنين عليّ كرّم الله وَجهه أنَّه من ولد خالد بن يزيد بن أبي سفيان، ويزيد: هو أخو معاوية بن أبي سفيان (٤) وهم ممن أسلم يومَ الفتح ومات يزيد أخو معاوية في خلافة الصدِّيق ﵁. والسفياني: رجلٌ ضخمُ الهامة بوجهه آثار الجدري، وبعينه نكتة بيضاء هكذا ورد في حليته، عن علي كرم الله وجهه، وأنه يخرج من ناحية مدينة دمشق، في وادٍ يُقالُ له وادي اليابس، يؤتى في منامه ويقال

стр. 563

له: قم فأخرج فيقومُ فلا يجد أحدًا ثمَّ يؤتى في الثانية، ثمَّ الثالثة، ويقال له فيها فانظر إلى باب دارك فينحدر في الثالثة إلى باب داره، فإذا هو بسبعة أنفارٍ أو تسعة، معهم لواء فيقولون: نحنُ أصحابك ومع رجل منهم لواءٌ معقود يَعرفون في لوائه النصر، يستفرش يديه على ثلاثين ميلًا لا يَرى ذلك العَلم يعني اللواء أحدٌ إلَّا أنهزم، فيخرج فيهم ويتبعهم ناس من قريات الوادي، وبيد السفياني ثلاث قصبات لا يقرع بها أحدا إلَّا مات، فيسمع به الناس فيخرج صاحب دمشق فيلقاه ليقاتله، فإذا نظر إلى رايته انهزم، فيدخل السفياني في ثلاثمائة وستين راكبًا دمشق، وما يمضي عليه شهر حتى يجتمع عليه ثلاثون ألفًا من كلب، وهم أخواله. وعلامة خروجه خسف بقرية من قرى دمشق أي: وهي حَرَسْتا (١)، ويسقط الجانب الغربي من مسجدها. ثمَّ يخرج الأبقع والأصهب، فيخرج السفياني من الشام والأبقع من مصر، والأصهب من الجزيرة أي من جزيرة العرب، لا جزيرة ابن عمر فإنها داخلة في جزيرة العرب. ويخرج الأعرج الكندي بالمغرب ويدوم القتال بينهم سنة، ثمَّ يغلب السفياني على الأبقع والأصهب، ويسيرُ صاحب المغرب فيقتل الرجال، ويسبي النساء ثمَّ يرجعُ حتى ينزل الجزيرة في قيس إلى السفياني فيظهر السفياني على قيس ويحوز ما جمعوا من الأموال ويظهر على الرايات

стр. 564

الثلاث، ثمَّ يُقاتل الترك فيظهر عليهم، ويفسد في الأرض فيبقرُ بُطونَ النّساء ويقتل الصبيان، ويهربُ رجالٌ من قريش إلى قسطنطينيّة، فيبعث إلى عظيم الروم أن يبعث بهم في المجامع فيبعث بهم إليه فيضرب أعناقهم على باب المدينة بدمشق، ثمَّ ينفتقُ عليهم فتقٌ من خلفهم، فيرجع إليهم ويقتل طائفة منهم، فينهزمون حتى يدخلوا أرضَ خراسان، وتقبلُ خيل السفياني في طلبهم كالليل والسيل، فلا تمرُّ بشيء إلَّا أهلكته وهدمته، فيهدم الحصون، ويخرب القلاع حتى يدخل الزوراء، وهي بَغداد فيقتل من أهلها مائة ألف، ثمَّ يسيرُ إلى الكوفة فيقتل من أهلها ستين ألفا، ويسبي النساء والذراري، ويبثُ جنودَه في البلاد، فتبلغ عامة المشرق من أرض خراسان، ويطلبُون أهل خُراسان في كل وجه، ويبعث بعثًا إلى المدينة، فيأخذون من قدروا عليه من آل محمَّد ﷺ ، ويقتلون من بني هاشم رجالًا ونساءً، ويؤتى بجماعة منهم إلى الكوفة، ويفترق بقيتهم في البراري، فعند ذلك يهرب المهدي والمبيض (١) وفي لفظ: والمنصور في سبعة إلى مكة، ويستخفون فيرسل صاحب المدينة إلى صاحب مكة، إذا قدم عليكم فُلان وفلان، ويكتب أسماءهم فاقتلوهم، فيعظم ذلك على صاحب مكة ثمَّ يتآمرون بينهم، فيأتونه ليلًا فيستجيرون به، فيقولُ اخرجوا آمنين فيخرجون، ثمَّ يبعث إلى رجلين منهم، فيقتل أحدهما، والآخر ينظر إليه ويقتلون النفس الزكية بين الركن والمقام، فعند ذلك يغضب الله ويغضب أهل السموات، ثمَّ يرجع

стр. 565

الآخر إلى أصحابه فيخبرهم، فيخرجون حتى ينزلوا جبال الطائف، فيقيمون فيه، ويبعثون الناس، فينسابُ إليهم ناس فإذا كان كذلك غزاهم أهلُ مكة، فيهزمون أهل مكة، ويُدخلونهم مكة، ويقتلون أميرهم، ويكونون بمكة إلى خروج المهدي. وقد قال أبو عبد الله الحسينُ بنُ علي ﵄، لصاحب هذا الأمر غيبتان يَعني: المهدي إحداهما: تطول حتى يقول بعضهم مات، وبعضهم ذهب، ولا يطلع على موضعه أحدٌ من وليّ ولا غيره إلا المولى الذي يَلى أمره. قال في "الإشاعة" (١): وهاتان الغيبتان - والله أعلم - ما ذكرنا آنفًا أنَّه يختفي بجبال الطائف، ثمَّ ينسابُ إليه الناس، ويظهر معهم وينهزم أهل مكة، ثم إنه يختفي بجبال مكة ولا يطلع عليه أحد. ويؤيده ما روي عن أبي جعفر محمَّد بن علي الباقر أنَّه يكون لصاحب هذا الأمر غيبة في بعض هذه الشعاب، وأومأ بيده إلى ناحية ذي طوى، وأمَّا زعم الرافضة أنَّه محمَّد بن الحُسين العسكري، وأنه غاب ثمَّ ظهر لبعض خواص شيعته، ثمَّ غاب ثانيًا وأنه يراه خواص شيعته، فهو ضرب من الهذيان. وقد علمت ما ذكرنا عن المهدي أنَّه لا يَطّلُع على موضعه أحدٌ من ولي ولا غيره، وهذا يُنافي زعمهم أنَّه يَعرفُه خواص شيعته، ولا ريَب في بُطلان كلامهم، فلا نُطيل بالرد عليه، والله الموفق.
следующие страницы →