← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 132973

البحور الزاخرة في علوم الآخرة

السفاريني

Полный текст (1 621 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

خروجه ينكسف مرتين: برمضان، قال: وورد عن كعب يطلع نجم بالمشرق، وله ذنب يضيء وفيه عن أبي جعفر لا يخرج حتى تزول الظلمة وفي الديلمي مرفوعًا تكون هذه في رمضان، توقظ النائم وتفزع اليقظان (١)، ومن وجه آخر يكون صوت في رمضان، في نصف الشهر يصعق منه سبعون ألفا، ويعمى مثلها، ويخرس مثلها، ويصم مثلها، وينفتق من الأبْكارِ مثلها. ومن علامات خروج المهدي أيضًا خسف قرية ببلاد الشام، يقال لها حرستا كما في "الإشاعة" (٢) وغيرها. ومنها: ما ذكره في الإشاعة أنَّه ينادي منادٍ من السماء ألا إنَّ الحق في آل محمَّد، ويُنادي منادٍ من الأرض: ألا إن الحقَّ في آل عيسى أو آل العباس، وإن النداء الأوّل من الملائكة، والثاني نداء الشيطان. المقام الثالث: في الفتن الواقعة قبل خروجه: منها أنَّه يُحسر الفرات عن جبل من ذهب (٣) كما تقدم فإذا سمع به الناس ساروا إليه، واجتمع عليه ثلاثة كلهم ابن خليفة، يقتتلون عنده، ثمَّ لا يصير إلى واحد منهم فيقول: من عنده والله لئن تركت

стр. 562

الناس يأخذون منه ليذهَبَنَّ بكله فيقتتلون عليه، حتى يُقتل من كل مائة تسعة وتسعون وفي رواية فيقتل تسعة أعشارهم وفي رواية من كل تسعة سبعة، فيقول: كل رجل لعلي أنا أكون أنجو (١) وقد قال ﷺ : "من حضر فلا يأخُذ منه شيئًا" (٢). ومنها: خروجُ السُفياني (٣)، والأبْقعُ، والأصْهَبُ، والأعرج، والكندي، أمَّا السفياني: فعن أمير المؤمنين عليّ كرّم الله وَجهه أنَّه من ولد خالد بن يزيد بن أبي سفيان، ويزيد: هو أخو معاوية بن أبي سفيان (٤) وهم ممن أسلم يومَ الفتح ومات يزيد أخو معاوية في خلافة الصدِّيق ﵁. والسفياني: رجلٌ ضخمُ الهامة بوجهه آثار الجدري، وبعينه نكتة بيضاء هكذا ورد في حليته، عن علي كرم الله وجهه، وأنه يخرج من ناحية مدينة دمشق، في وادٍ يُقالُ له وادي اليابس، يؤتى في منامه ويقال

стр. 563

له: قم فأخرج فيقومُ فلا يجد أحدًا ثمَّ يؤتى في الثانية، ثمَّ الثالثة، ويقال له فيها فانظر إلى باب دارك فينحدر في الثالثة إلى باب داره، فإذا هو بسبعة أنفارٍ أو تسعة، معهم لواء فيقولون: نحنُ أصحابك ومع رجل منهم لواءٌ معقود يَعرفون في لوائه النصر، يستفرش يديه على ثلاثين ميلًا لا يَرى ذلك العَلم يعني اللواء أحدٌ إلَّا أنهزم، فيخرج فيهم ويتبعهم ناس من قريات الوادي، وبيد السفياني ثلاث قصبات لا يقرع بها أحدا إلَّا مات، فيسمع به الناس فيخرج صاحب دمشق فيلقاه ليقاتله، فإذا نظر إلى رايته انهزم، فيدخل السفياني في ثلاثمائة وستين راكبًا دمشق، وما يمضي عليه شهر حتى يجتمع عليه ثلاثون ألفًا من كلب، وهم أخواله. وعلامة خروجه خسف بقرية من قرى دمشق أي: وهي حَرَسْتا (١)، ويسقط الجانب الغربي من مسجدها. ثمَّ يخرج الأبقع والأصهب، فيخرج السفياني من الشام والأبقع من مصر، والأصهب من الجزيرة أي من جزيرة العرب، لا جزيرة ابن عمر فإنها داخلة في جزيرة العرب. ويخرج الأعرج الكندي بالمغرب ويدوم القتال بينهم سنة، ثمَّ يغلب السفياني على الأبقع والأصهب، ويسيرُ صاحب المغرب فيقتل الرجال، ويسبي النساء ثمَّ يرجعُ حتى ينزل الجزيرة في قيس إلى السفياني فيظهر السفياني على قيس ويحوز ما جمعوا من الأموال ويظهر على الرايات

стр. 564

الثلاث، ثمَّ يُقاتل الترك فيظهر عليهم، ويفسد في الأرض فيبقرُ بُطونَ النّساء ويقتل الصبيان، ويهربُ رجالٌ من قريش إلى قسطنطينيّة، فيبعث إلى عظيم الروم أن يبعث بهم في المجامع فيبعث بهم إليه فيضرب أعناقهم على باب المدينة بدمشق، ثمَّ ينفتقُ عليهم فتقٌ من خلفهم، فيرجع إليهم ويقتل طائفة منهم، فينهزمون حتى يدخلوا أرضَ خراسان، وتقبلُ خيل السفياني في طلبهم كالليل والسيل، فلا تمرُّ بشيء إلَّا أهلكته وهدمته، فيهدم الحصون، ويخرب القلاع حتى يدخل الزوراء، وهي بَغداد فيقتل من أهلها مائة ألف، ثمَّ يسيرُ إلى الكوفة فيقتل من أهلها ستين ألفا، ويسبي النساء والذراري، ويبثُ جنودَه في البلاد، فتبلغ عامة المشرق من أرض خراسان، ويطلبُون أهل خُراسان في كل وجه، ويبعث بعثًا إلى المدينة، فيأخذون من قدروا عليه من آل محمَّد ﷺ ، ويقتلون من بني هاشم رجالًا ونساءً، ويؤتى بجماعة منهم إلى الكوفة، ويفترق بقيتهم في البراري، فعند ذلك يهرب المهدي والمبيض (١) وفي لفظ: والمنصور في سبعة إلى مكة، ويستخفون فيرسل صاحب المدينة إلى صاحب مكة، إذا قدم عليكم فُلان وفلان، ويكتب أسماءهم فاقتلوهم، فيعظم ذلك على صاحب مكة ثمَّ يتآمرون بينهم، فيأتونه ليلًا فيستجيرون به، فيقولُ اخرجوا آمنين فيخرجون، ثمَّ يبعث إلى رجلين منهم، فيقتل أحدهما، والآخر ينظر إليه ويقتلون النفس الزكية بين الركن والمقام، فعند ذلك يغضب الله ويغضب أهل السموات، ثمَّ يرجع

стр. 565

الآخر إلى أصحابه فيخبرهم، فيخرجون حتى ينزلوا جبال الطائف، فيقيمون فيه، ويبعثون الناس، فينسابُ إليهم ناس فإذا كان كذلك غزاهم أهلُ مكة، فيهزمون أهل مكة، ويُدخلونهم مكة، ويقتلون أميرهم، ويكونون بمكة إلى خروج المهدي. وقد قال أبو عبد الله الحسينُ بنُ علي ﵄، لصاحب هذا الأمر غيبتان يَعني: المهدي إحداهما: تطول حتى يقول بعضهم مات، وبعضهم ذهب، ولا يطلع على موضعه أحدٌ من وليّ ولا غيره إلا المولى الذي يَلى أمره. قال في "الإشاعة" (١): وهاتان الغيبتان - والله أعلم - ما ذكرنا آنفًا أنَّه يختفي بجبال الطائف، ثمَّ ينسابُ إليه الناس، ويظهر معهم وينهزم أهل مكة، ثم إنه يختفي بجبال مكة ولا يطلع عليه أحد. ويؤيده ما روي عن أبي جعفر محمَّد بن علي الباقر أنَّه يكون لصاحب هذا الأمر غيبة في بعض هذه الشعاب، وأومأ بيده إلى ناحية ذي طوى، وأمَّا زعم الرافضة أنَّه محمَّد بن الحُسين العسكري، وأنه غاب ثمَّ ظهر لبعض خواص شيعته، ثمَّ غاب ثانيًا وأنه يراه خواص شيعته، فهو ضرب من الهذيان. وقد علمت ما ذكرنا عن المهدي أنَّه لا يَطّلُع على موضعه أحدٌ من ولي ولا غيره، وهذا يُنافي زعمهم أنَّه يَعرفُه خواص شيعته، ولا ريَب في بُطلان كلامهم، فلا نُطيل بالرد عليه، والله الموفق.

стр. 566

ويحج الناس في تلك السنة من غير أمير، فيطوفون جميعًا فإذا نزلوا مني أخذ الناس كالكلاب، فيثور القبائل بعضُهم على بعض، فيقتتلون ويُنهب الحاجُ، وتسيل الدماء على جمرة العقبة، ويأتي سبعة رجال علماء من أفق شتى على غير ميعاد، قد بايع لكل منهم ثلاثمائة وبضعة عشر فيجتمعون بمكة، ويقولُ بعضُهم لبعض: ما جاء بكم فيقولون جئنا في طلب هذا الرجل الذي ينبغي أن تهدأ على يديه الفتن، وتفتح له قسطنطينية، قد عرفناه باسمه واسم أبيه وأمه. قال في "الإشاعة" (١): لم أقف على اسم أمّ المهدي بعد الفحص والتتبع، ولعلَّهم يعرفون اسمها من طريق الكشف (٢)، لا من طريق النقل. انتهى. فيقف السبعة على ذلك فيطلبونه، فيصيبونه بمكة، فيقولون أنت فلان فيقول: بل أنا رجلٌ من الأنصار، فيتفلت منهم فيصفونه لأهل الخبرة منهم والمعرفة به، فيقولون: هو صاحبكم الذي تطلبونه، وقد لحق بالمدينة فيطلبونه بالمدينة، فيخالفهم إلى مكة وهكذا إلى ثلاث مرات، ويسمع صاحبُ المدينة بطلب الناس للمهدي، فيجهز جيشًا في طلب الهاشميين بمكة، ويأتي أولئك السبعة فيصيبونه في الثالثة، بمكة عند الركن، ويقولن: إثْمُنا عليك ودماؤنا في

стр. 567

عنقك، إن لم تمد يدك نبايعك، وهذا عسكر السفياني (١) قد توجه في طلبنا، عليهم رجل من حزم ويهددونه بالقتل إن لم يفعل فيجلس بين الركن والمقام، ويمد يده فيبايع فيظهر عند صلاة العشاء معه راية رسول الله ﷺ وقميصه وسيفه (٢). فإذا صلَّى العشاء أتى المقام فصلى ركعتين، وصعد المنبر ونادى بأعلى صوته: اذكركم الله أيها الناس ومقامكم بين يدي ربكم، ويخطب خطبة طويلة، يرغبهم فيها في إحياء السنن وإماتة البدع، يقول فيها: أذكركم الله أيها الناس ومقامكم بين يدي ربكم، فقد أنجز الحُجة وبعث الأنبياء، وأنزل الكتاب وأمركم أن لا تشركوا به شيئًا، وأن تحافظوا على طاعته وطاعة رسوله، وأن تُحيوا ما أحيا القرآن، وتميتوا ما أمات القرآن، وتكونوا أعونًا على الهدى ووزراء على التقوى، فإن الدنيا قدْ دَنا فناؤها وزوالها وإني أدعوكم إلى الله ورسوله، والعمل بكتابه، وإماتة الباطل، وإحياء السنة.

стр. 568

فيظهر في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا عدد أهل بدر، وعدد أصحاب طالوت حين جاوزوا معه النهر. فائدة: ما اجتمع هذا العدد إلا وانتصر. والله أعلم. معهم أبدال الشام وعصائب أهل العراق ونجائب نجباء مصر على غير ميعاد، فزعًا كفزع الخريف، رُهْبانٌ بالليل أسدٌ بالنهار، ويأتيهم جيش صاحب المدينة، فيقاتلونهم فيهزمونهم، ويتبعونهم حتى يدخلوهم المدينة، ويستنقذونها من أيديهم. قال في "الإشاعة" (١): ولا يشكل إتيانهم المدينة مرتين أو ثلاثة مع وقوع البيعة ليلة عاشوراء وأن المدة بعد قضاء المناسك إلى ليلة عاشوراء قريب من عشرين يومًا، أو خمسة (٢) وعشرين يومًا، ومسافة ما بين الحرمين عشر مراحل، وأكثر بالسير المعتاد، مع ما يتخلل ذلك من طلبهم له في كل مرة، إذ يمكن الإتيان على الركبان في خمسة أيام فيمكن تكرره في خمسة وعشرين يومًا على أنهم كلهم أولياء فيمكن أن تطوى لَهم الأرض، أو يكونوا من أصحاب الخطوة (٣) والله أعلم. وانتهى. قُلْتُ: قد رأينا من أحاد الناس من قطع مسافة خمس مراحل في يوم واحد، ورأينا من سافر من قصبة نابلس إلى المسجد الأقصى ورجع بيومه، قبل صلاة العصر، وذلك في مشهد من الناس، فلا

стр. 569

عجب في قطع مثل هؤلاء السادة، مثل هذه المسافة، في نحو يوم أو يومين على أنَّه قد روى أن الإمام أحمد بن حنبل ﵁، قطع من الكوفة إلى مكة في ثلاثة أيام، ولذلك قصة مشهورة ذكرها ابن الجوزي في المناقب (١)، وكذا البيهقي وغيرهما، والله يختص برحمته من يشاء، سبحانه والله أعلم. ويبلغُ السفياني الخبر فيبعث إليهم بعثًا من الكوفة، فيأتون المدينة، فيستبيحونها ثلاثة أيام، ويقتلون قتل الحرة عنده كضربة سوط، ويقصدون المهدي، فإذا خرجوا من المدينة وكانوا ببيداء من الأرض، خُسِفَ بأولهم وأخرهم، ولم ينج منهم إلا رجلان، نذير للسفياني وبشير للمهدي، فلمّا يسمع المهدي بذلك يقول: هذا آوان الخروج، فيخرج فيمرّ على المدينة فيستنقذ من كان أسيرًا من بني هاشم، وتنفتح له أرضُ الحجاز كله (٢). قال في التذكرة (٣): روي عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ، وذكر فتنة تكون بين أهل المشرق والمغرب، فبينا هم كذلك، إذ خَرجَ عليهم (٤) السفياني من الوادي اليابس، في فَوْرة ذلك، حتى ينزل دمشق، فيبعث جيشين جيشًا إلى المشرق وجيشًا إلى المدينة، فيسيرُ الجيش نحو المشرق حتى ينزلوا بأرض بابل في المدينة

стр. 570

الملعونة، والبقعة الخبيثة، يعني بغداد قال: فيقتلون أكثر من ثلاثة آلاف ويفتضون أكثر من مائة امرأة ويقتلون بها ثلاثمائة من [ولد] (١) بني العباس، ثمَّ يخرجون متوجهين إلى الشام، فتخرج راية هُدى من الكوفة، فيلحق ذلك الجيش منها على ليلتين فيقتلونهم، ثمَّ لا يفلت منهم أحد ويستنقذون ما في أيديهم من السبي والغنائم قال: ويحل جيشه الثاني بالمدينة، فينتهبون ثلاثة أيام ولياليها، ثمَّ يخرجون متوجهين إلى مكة، حتى إذا كانوا بالبيداء بعث اللهُ جبريل ﵇، فيقولُ يا جبريل اذهب فأبدهم فيضربها برجله ضربةً يخسفُ الله بهم، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [سبأ: ٥١] فلم يبق منهم (٢) إلا رجلان أحدهما بشير والآخر نذير، وهما من جهينة، ولذلك جاء القول: وعند جهينة الخبر اليقين (٣).

стр. 571

قال القرطبي: وحديثُ حذيفة هذا فيه طول، وكذلك حديث ابن مسعود، وفيه: يعني خبر ابن مسعود ثمَّ أن عروة بن محمَّد السفياني، وكنُيته أبو عتبة، يبعث جيشًا إلى الكوفة خمسة عشر ألف فارس، ويبعث جيشًا آخر فيه خمسة عشر ألف راكب إلى مكة والمدينة، لمحاربة المهدي، ومَن تبعه فذكر نحوًا من خبر حذيفة وفيه أن الذي يستنقذ ما أخذه الجيش يُقال له: شُعيبُ بن صالح وفيه: فإذا وصلوا إلى البيداء، مسخهم الله أجمعين، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ (١) الآية [سبأ: ٥١]. قُلْتُ: والجمع ممكن بأن يُمسخُوا ثمَّ يُخَسفُ بهم. والله أعلم. وأخرج مُسلمٌ عن أم سلمة، ﵂، وقد سئلت عن الجيش الذي يُخسَفُ به، وكان ذلك في أيام ابن الزبير، فقالت: قال رسول الله ﷺ : "يعوذ بالبيت عائذ فيبعث الله إليه بعثًا فإذا كانوا ببيداء من الأرض، خسف بهم" فقُلت يا رسول الله: وكيفَ بمن كان كارهًا؟ قال: "يخسف به معهم، ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته". وقال أبو جعفر: هي ببيداء فقال له عبد العزيز بن رفيع: إنّما قالت ببيداء من الأرض قال: كَلَّا والله إنها لبيداء المدينة (٢) (٣).

стр. 572

قُلْتُ: ظاهر كلام أم سلمة ﵂، أنها حملت المستعيذ بالبيت على ابن الزبير، ﵄، والصحيح أنَّه المهدي، وإن شاركه (١) ابن الزبير في استعاذته بالبيت، لكنه لم يخسف بالجيش الذي مَشى إليه والله الموفق. ثُم يخرجُ وراء النَّهر خارج يقال له الحارث، حَرَّاث على مقدمته رجُلٌ يُقالُ له المنصور، يمكِّنُ لآل محمَّد كما مكَّنت قريش لمحمد ﷺ ، واجب على كل مؤمن نصره (٢). وهذا الرجل يحتمل أن يكون هو الهاشمي الآتي ذكره، ويُلقَّبُ بالحارث كما يُلقَّبُ المهديُّ بالجابر ويُحتمل أن يكون غيره. ويثور أهل خراسان بعسكر السفياني، ويكون بينهم وقعات وقعة بتونس، ووقعة بدولاب، ووقعة بتجزم الزنيخ فإذا طال عليهم قتالهم إياه، بايعوا رجلًا من بني هاشم بكفه اليمين، خَالٍ سهل الله أمره وطريقه (٣)، هو أخو المهدي من أبيه أو ابن عمه وهو حينئذ بآخر المشرق بأهل خراسان، وطالقان ومعه الرايات السود الصغار، وهذه غيرُ رايات بني العباس، على مقدمته رجل من بني تميم، الموالي رَبْعة أصفر قليلُ اللحية كوسج واسمه شُعيب بن صالح التميمي، يخرجُ إليه

стр. 573

في خمسة آلاف فإذا بلغه خروجه صيَّره على مقدمته، لو استقبلته الجبال الرواسي لهدمها (١)، يمهد الأرض للمهدي كما مَهَّدت قريش للنبي ﷺ (٢). وعنه ﷺ "إذا سمعتم برايات سُود قدْ أقبلت من خراسان، فأتوها ولو حَبْوًا على الثلج" (٣). قال عليٌّ كرَّم اللهُ وجهه (٤): فإن فيها خليفة الله المهدي أي نفره وإلا فهو حينئذ بمكة، فيلتقي هو أي الهاشمي، وخيل السفياني، فيقتل منهم مقتلة عظيمة، ببيضاء إصطخر (٥) حتى تطأ الخيلُ الدماء إلى أرساغها، ثمَّ تأتيه جنود من قبل سجستان، عليهم رجلٌ من بني عديّ، فيظهر الله أنصاره وجنوده، وظاهر السياق أن الجنود جاءت لنصر الهاشمي، ويحتمل على بُعد أن تكون جاءت لمحاربته، فينصره الله عليهم، ثمَّ تكون وقعةٌ بالمدائن بعد وقعة ري، وفي عاقر قوفا وقعةٌ صلبة يخبر عنها كل ناج، وتقبلُ الرايات السود حتى تنزل

стр. 574

الماء، كذا في الخبر. قال في "الإشاعة" (١) ولعله ماء دِجلة فيبلغ من بالكوفة من أصحاب السفياني نزولهم هناك، فيهربون ثمَّ ينزل الكوفة حتى يستنقذ مَن فيها من بني هاشم، ثمَّ يَخرُجُ قومٌ من سواد الكوفة يُقال لهم: العصب ليس معهم سلاح إلا قليل، وفيهم بعضُ أهل البصرة، قد تركوا السفياني فيستنقذون ما في أيديهم من سبي الكوفة، وتبعث الرايات السود ببيعتهم إلى المهدي، ويقبل المهدي من الحجاز، والسفياني من الكوفة، بعد أن يبلغه خسف جيشه، ولا يهوله ذلك، إلى الشام متعلق -بيقبل- كأنهما يعني المهدي والسفياني فرسا رهان، فيسبقه الصخرى فيقطع بعثًا آخر من الشام إلى المهدي، فيدركون المهدي بأرض الحجاز، فيبايعونه بيعة المهدي، ويقبلون معه إلى الشام. تنبيه: جاء في بعض الروايات: أن الجيش الذي يُخسفُ به يُبعث من الشام، وفي بعضها من العراق، قاله ابن حجر كغيره، ولا منافاة لأنَّ البعث من العراق، لكنهم لما كانوا من أهل الشام نُسبوا إليها، في الرواية الأخرى. وفي رواية أن المهدي يُقاتل هذا الجيش الثاني، عدد أهل بدر أصحاب المهدي يومئذ، فيُسمع صوتٌ من السماء ألا إن أولياء الله

стр. 575

فلانٌ يعني المهدي، فتكون الدبرة على أصحاب السفياني، فيُقتلون لا يبقى منهم إلا الشديد (١) فيهربون إلى السفياني، فيخبرونه ويُمكن الجمع كما في الإشاعة بأن بعضَهم يبايعه، وبعضهم يقاتُله فيهربون، وإن الذين يقاتلون هم الذين يبعثهم صاحب المدينة، الأمير من قبل السفياني إلى مكة كما مَرت الإشارة إليه، ويؤيده أنَّه يقاتلهم في عدد أهل بدر، أجنّتُهم يومئذ البراذع، فإن هذه الصفات تناسب حالهم عند ابتداء الغاية، ثمَّ إن السفياني يُفسد في الأرض، ويظهر الكفر، حتى أنَّه يطاف بالمرأة وتجامع نهارًا في مسجد دمشق، على مجلس شرب، حتى تأتي فخذ السفياني فتجلس عليه، وهو في المحراب قاعدٌ فيقومُ رجل مسلمٌ من المسلمين فيقولُ: ويحكم أَكَفرتم بعد إيمانكم، إن هذا لا يَحلُ فيقومُ إليه فيضرب عنقه في المسجد، ويقتُل كل من شايعه، فعند ذلك ينادي منادٍ مِن السماء: أيها الناس إن الله قد قطع عنكم الجبارين والمنافقين وأشياعهم، وولاكم خير أمة محمَّد ﷺ ، يعني: يومئذ فالحقوا به بمكة، فإنَّه المهدي واسمه أحمد بن عبد الله. ويسير المهدي بالجيوش حتى يصير بوادي القُرى، وهو من المدينة على مرحلتين إلى جهة الشام، في هدُوء ورِفقٍ، ويلحقهم هناك ابن عمه الحَسني في اثنى عشر ألفًا فيقول له: يا ابن العمّ أنا أحق منك بهذا الجيش، أنا ابن الحسن، وأنا المهدي، فيقول له: بل أنا المهدي فيقول

стр. 576

الحسني: هل لك من آية فأبايعك، فيومئ المهدي إلى الطير فيسقط على يده، ويغرس قضيبًا يابسًا في بقعة الأرض فيخضر ويورق، فيقول الحسني: يا بن عمي هي لك. وهذا دليل (١) واضحٌ على أن المهدي من أولاد الحسين ﵁، وإنما قال الحسني: أنّا أحق بهذا منك؛ لأنه ظن أن الحسن لكونه صار خليفة، كما مرّ تكون الخلافة في نسله، بخلاف الحسين على أن بعض الناس قد بايع سيدنا الحسين، وأيضًا فإن الحسن قد نزل عن الخلافة ففوّت حقه، بخلاف الحسين فإنَّه ما نال ما أراد فحقه باقٍ فأعطاه الله الخلافةَ في أولاده. فإن قيل: هذا الحسني إن كان هو الذي قدم بالريات السود، فقد مرّ أنَّه بُعث بالبيعة من الكوفة، وأنه لا يقدم الحجاز، وإنما يلقاه ببيتِ المقدسِ، وإن كان غيره فكيف ينازعه بعد أن بايعه أهل الحجاز كلها، وأهل المشرق والعراق. والجواب كما في الإشاعة: أنَّه إن قلنا أن القادم بالرايات أخوه كما في بعض الروايات، فهذا غيره قطعًا، وحينئذ فوجه دعواه أن البيعةَ للمهدي، إنما هي للمتصف بهذا الوصف، لا لشخص بعينه، فيدعي أن البيعة له لأنه المهدي فلما ظهر له أنَّه هو غير المهدي وإنما المهدي هو ذاك بايعه وإن قلنا أنَّه ابن عمه، فإن كان غير هذا الحسني. فالجواب: ما مرّ وإن كان هو فمعنى مُلاقاته: أنَّه يرسل إليه

стр. 577

جماعة اثنى عشر ألفًا وإمدادًا احتياطًا أن لا يكون هو المهدي، فينازعونه على الخلافة، ويؤمر عليهم واحدًا، ويأمره بأن يمتحنه، ويوكله في البيعة على التردد، فلما بايعوه صَحّ أن يقال: بعث له بالبيعة، وأن يُقال لقيه مجازًا كذا، قاله والله أعلم. فيبقى المهدي حتى إذا وصل انتهى إلى حدّ الشام الذي بين الشام والحجاز، أقامَ بها فيُقالُ له أنفذ، فيكره المجاوزة (١) ويقول: أنا أكتب إلى ابن عمي، يعني الصخريّ فإن خلع طاعتي، فأنا صاحبكم فإذا أتاه كتاب المهدي، قال أصحابه: إنَّ هذا المهدي قد ظهر لتُبايعنَّه أو لَنَقْتُلنَّكَ فيبايعه (٢)، ويسير إليه حتى ينزل بيت المقدس، فلا يترك المهدي بيد رجل من أهل الشام فترًا من الأرض إلا ردَّه لأهل الذمّة، وردّ المسلمين جميعًا إلى الجهاد، ثمَّ يخرج رجل من كَلب يُقال له كنانة بعينه كوكب، في رهط من قومه حتى يأتي الصخري، فيقول: بايعناك ونصرناك، حتى إذا ملكت، بايَعت هذا الرجل (٣)، ويعيرونه فيقولون: كساك اللهُ قميصًا فخلعته، فيقول: ما تَرون أنقضُ العهد؟ فيقولون: نعم، ما يبقى عامرية أمّها أكبر منك، إلا لحقتك، لا يختلف عنك ذاتُ خُف ولا ظلف، فيرحلُ وترحلُ معه عامر بأسرها، فيوجه إليهم المهدي راية،

стр. 578

وأعظم راية في زمانه، مائة رجل فتَصُفُّ كلبُ خيلَها ورجلها، وإبلها وغنمها فإذا تسامت الخيلان، ولَّت كلبُ أدبارها فيقتلونهم، ويسبونهم حتى تباع العذراء منهم بثمانية دراهم، ويؤخذ الصخري فيؤتى به أسيرًا إلى المهدي فيذبح على الصخرة المعترضة على وجه الأرض، عند الكنيسة التي ببطن الوادي، على [طرف] (١) دَرَج طور زيتا المقنطرة، التي على الوادي كما تُذبحُ الشاة، وقد قال ﷺ : "الخائب من خاب يومئذ من غنيمة كلب، ولو بعقال" (٢)، قيل: يا رسول الله كيف يغنمون أموالهم ويسبون ذراريهم وهم مسلمون؟ قال ﷺ : "يَكفُرون باستحلالهم الخَمر والزنا". ويأتي الهاشمي بالرايات السود، وسيفه على عاتقه ثمانية أشهر، وفي رواية: ثمانية عشر شهرًا يقتل ويمثّل، حتى يقول الناس معاذ الله أن يكون هذا من ولد فاطمة، ولو كان لرَحِمنا، يُغريه الله ببني عباس وبني أمية، ويكون لهم وقعة بأرض من أرض نصيبين، ووقعة بحران وشِعارُهُم: أمِت أمت. وفي رواية: بكش بكش، والمعنى: واحد حتى يسلموها للمهدي.

стр. 579

فإن قيل: قد ورد في بعض الروايات أنَّه يَحمل سيفه ثمانية أشهر، وفي بعضها ثمانية عشر شهرًا، وفي بعضها اثنان وسبعون شهرا، وهي مدة ست سنين، وفي بعض الروايات أنَّه يُسلِّمُ الرايات إلى المهدي ببيت المقدس، وفي أخرى أنَّه لا يبلغه حتى يموت، وفي أخرى فتلتقى رايات الهاشمّي مع خيل السفياني فيكون بينهم مقتلة عظيمة وتنهزم خيل السفياني ثُمَّ تكون الغلبة للسفياني فيهرب الهاشمي. ويأتي التميمي، مُستخفيا إلى بيت المقدس، يمهد للمهدي إذا خرج إلى الشام. فما وجه الجمع؟ فالجواب: عن الجمع (١) بين الروايات أن رواية اثنين وسبعين باعتبار جميع مدته، ورواية ثمانية عشر شهرا باعتبار ما بعد مدة (٢) قتالِه مَعَ خيل السفياني، واجتماع شعيب بن صالح [به] (٣) وثمانية [أشهر] (٣)، باعتبار [مدة] (٣) ما بعد نزوله الكوفة، وبعثه بالبيعة إلى المهدي، وهذا جمع حسن لا بأس به كما في الإشاعة وأما الجمع بين الروايات الأُخر هو أن يُقال على بعد: إن ضمير يموت، راجع إلى السفياني أي حتى يموتَ السُفياني أو يرجع إلى الهاشمي ويكون القادم بالرايات التميمي، ونسبته إلى الهاشمي مجازًا للسبب، أو أنَّه يوصل الرايات، وتفتح الشام ويموت قبل اجتماعه بقليل، على أن روايات قدومه بالرايات، ووصوله إليه أكثر وأشهر، فتُقدم عند عدم إمكان الجمع والله أعلم، وإنما تتساقط إذا تعارضتْ، وكذلك روايات

стр. 580

النصر والغلبة أكثر من روايات الهزيمة، فتُقدم ولو جُمع فوجه الجمعُ أنَّه ينهزم في بعض الوقعات، ثمَّ تكون له الغلبة بعد ذلك. قُلْتُ: وذُكر في التذكرة (١): أن المهدي يُبايَعُ مرتين، قال فإنَّه رُوي من حديث ابن مسعود ﵁، أنَّه يخرج في آخر الزمان من المغرب الأقصى، يمشي النصر بين يديه أربعين ميلًا، راياته بيضٌ وصفرٌ، فيها رقوم، فيها اسم الله الأعظم مكتوب، فلا تهزم له راية، وقيام هذه الرايات، وانبعاثها من ساحل البحر بموضع يقال له ماسة (٢) من جبل المغرب، فيعْقد هذه الرَّايات مع قوم أخذ الله لهم ميثاق النصر والظفر، ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢] الحديث بطوله. قال العلامة في "البهجة" قال بعضهم: إنه يخرج من المغرب، وأنه من أجل ذلك سَمُّوا بَنو إدريس أنفسهم بالمهدية، طمعًا أن يكون منهم، انتهى. ثمَّ ذكر في حديث ابن مسعود فيأتي الناس من كل جانب ومكان، فيبايعونه يومئذ بمكة، وهو بين الرُكن والمَقام، وهو كاره. قال القرطبي (٣): وهذه المبايعة الثانية بعد البيعة الأولى، التي

стр. 581

بايعه الناس بالمغرب ثمَّ إن المهدي يقول: أيها الناس اخرجوا إلى قتال عدوكم، فيجيبونه لا يعصون له أمرًا، فيخرُجُ الهديُّ ومن معه من المسلمين، من مكة إلى الشام، لمحاربة عروة بن محمَّد السفياني، ومن معه من كلب، ثمَّ يبدد جيشَهُ ثمَّ يُؤخَذ عروة السفياني على أعلى شجرة على بحيرة طبرية، قال: والخائب يومئذ مَن خاب مِن قتال كلب، ولو بكلمة أو تكبيرة، أو بصيحة فقال حذيفة: يا رسول الله كيفَ يحل قتلهم وهم مسلمون؟ فذكر نحو ما تقدم (١). وفي الحديث "لا تُحشر أمتي حتى يخَرجَ المهديُّ يمده اللهُ بثلاثةِ آلاف من الملائكة، ويخرجُ إليه الأبدال من الشام والنجباء من مِصر، وعصائب أهل المشرق، حتى يأتوا مكة، فَيُبايَعُ له بين الرُكن والمقام، ثُم يتوجه إلى الشام وجبريل على مقدمته، وميكائيل على يساره، ومعه أهل الكهف أعوان له، فيفرح به أهل السماء والأرض، والطير والوحش، والحيتان في البحر، وتزيد المياه في دولته، وتمتد الأنهار، وتُضَعِّف الأرض أكّلها قال فيقوم إلى الشام فيأخذ السفياني، فيذبح تحت الشجرة التي أغصانها إلى بحيرة طبرية" (٢)، وفي "البهجة" للعلاّمة، ثمَّ يتوجه يعني: المهدي إلى المدينة، ومعه المؤمنون إلى أن قال: ثمَّ ينهزم السفياني إلى الشام، فيقصده المهدي فيذبحه، عند عتبة بيت المقدس، كما تُذبح الشاةُ ويغنمه كذا رأيته في البهجة، وهو كما ترى وهم، إن لم يكن غلطًا من الكَتبة واللهُ أعلم.

стр. 582

فَإنْ قُلْتَ: قد ذكرتَ هنا ثلاث روايات في قتل السفياني، ومن المعلوم إنما الصحيح واحدة، فما هي؟ قُلْتُ: أما الرواية التي ذكرنَاهَا أوّلًا وهي: أن السُفياني يُؤخذ على شجرة، على بحيرة طبرية، فليس فيها أنَّه يُقتل على تلك الشجرة وإنما فيها أنَّه يؤخذ عليها. والرواية الثانية: أنَّه يذبح تحت الشجرة تفسير للرواية الأولى أنَّه يُؤخذ على تلك الشجرة، ويُذبحُ تحتها. وأما الرواية الثالثة التي ذكرناها، عن العلامة: فهي إن لم تكن غلطًا من النُسّاخ وهو الظّاهر، وإلا وهم، وإنما الذي يُذبح ثَمَّ الصخري، كما مَرَّ واللهُ أعلم. ثمَّ تُمهدُ الأرضُ للمهدي، ويدخل في طاعته ملوك الأرض كلهم، ويَبعثُ بَعثًا إلى الهند، فيُفتح، ويؤتى بملوك الهند إليه مُغلَّلين وتُنقل خزائنها إلى بيت المقدس، فتجُعلُ حِليةً لبيت المقدس، ويمكثُ في ذلك سنين، ومنها الملحمة (١) الكبرى، وذلك أن بعد هلاك السفياني، يهادن [المهدي] (٢) الرومُ صُلحًا آمنًا تسع سنين على ما في بعض الروايات، فيغزو المسلمون عدوًا من وراء الروم فيغنمونهم، ويَنصرفون، حتى ينزلوا بمَرْج ذي تُلول، وهو موضع فيقول قائل من الروم: غلب الصليب، ويَقول قائل من المسلمين: بل الله غلب فيتداولونها بينهم، فيثور المسلم إلى صليبهم، وهو منهم غير بعيد،

стр. 583

فيدقه فتثور الروم إلى كاسر صليبهم، فيقتلونه، فيثُور المسلمون إلى أسلحتهم فيقتلون عن آخرهم، فتقول الروم إلى ملكهم كفيناك حدّ العرب، وقتلنا أبطالها، فما تنتصر فيجمعون في مدة تسعة، مقدار حمل امرأة، فياتون تحت ثمانين غاية (أي راية)، وهي بالغين المعجمة، والياء التحتية ويروَى بالموحدة أي: تحت رماح كالغابة (١). وفي لفظ: فيسيرون بثمانين بندا، والمعنى واحد: تحت كل غاية اثنا عشر ألفا فينزلون بالأعماق بالعين المهملة أو بدابق، بوزن طابع بكسر الباء وفتحها، هما موضعان قرب حلب وأنطاكية، فيخرُجُ إليهم جلب من المدينة، من أخيار أهل المدينة، يومئذٍ وهم الذين خرجوا مع المهدي، فإذا تصافوا قالت الروم: خَلُّوا بيننا، وبين الذين سُبُوا مِنَّا نُقَاتِلُهُم. يروى سُبوا بضم السين بالبناء للمفعول، وفتحها على البناء للفاعل، والمعنى على الأوّل الذين سبيتموهم مِنّا، وخرجوا من ديننا، وصاروا يُقاتلوننا، وعلى الثاني: الذين سَبوا أولادنا ونسَاءنا، فيقول المسلمون: لا والله لا نُخلِّي بينكم وبين إخواننا، فينهزم من المسلمين ثلاث، لا يتوب الله عليهم أبدا، ويُقتَلُ ثلاث هم أفضل الشهداء عند الله، ويَفتح ثلاث لا يُفتنون أبدا، وفي رواية فيشترط المسلمون شُرطة الموت، لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل، فيفئ هؤلاء وهؤلاء وكل غير غالب، ثمَّ يشترط المسلمون شرُطة، الشرطة:

стр. 584

بالضم طائفة من الجيش، تُقدم للقتال للموت، لا ترجع إلا غالبة فَيرَجعون غير غالبين، إلى ثلاثة أيام، فإذا كان اليومُ الرابع نَهد أي: نهض إليهم بقيةُ الإِسلام، فيجعلُ الدَبْرة على الكَفرة، فيقتَتَلُون مقتلة عظيمة لم يُر مثلُها، حتى إن الطائر ليمُر بجنباتهم، فما يخلّفهم حتى يمرّ ميتا، ويتعادّ بَنو الأب كانوا مائة، فلا يجدون بقى منهم إلا الرجل، فلا يقسم ميراث ولا يُفرحُ بغنيمة، ويكونُ لخمسين امرأة قيّم واحد، قوله: بجنباتهم هو بالجيم: فنون فموحدة أي بنواحيهم. وقوله: "لا يُخلفهم" بتشديد اللام أي لا يجعلهم خلفه، أي لا يتجاوزهم، حتى ينقطع عن الطيران، ويموت من بعد مسافة القتلة (١)، و"القيِّم" هُو الذي يقومُ بمصالح البيت، والله أعلم. ثمَّ يتبعونَهم ضربًا وقتلا، حتى يَنتَهُوا إلى قُسطَنْطينية أي الكُبرى، قال في "عقد الدُرَرَ" (٢): لها سبعةُ أسوار، الذي يلي البلد عشرةَ أذرع على ساحل البحر، وهو خليج يَصُبُ في البحر الرومي، الذي طوله كما في "البهجة": خمسة آلاف ميل، وعرضُه ستمائة ميل، ويخرجُ منه خليجٌ إلى أرض بربر، طُولُه ميل قال في الخريدة: مخرجُهُ من المحيط ثُمَّ يأخذُ مَشرقًا فيمر بشمالي الأندلس، ثمَّ ببلاد الإفرنج إلى قسطنطينية، ويمتدُ ببلادِ الجنوب فيركز لواءه عند البحر، ليتوضأ للفجر، فيتباعد الماء منه فيتبعه، حتى يجوز من تلك الناحية، ثمَّ يركزه وينادي: أيُّها

стр. 585

الناس: اعبروا فإن الله فلق لكم البحر، كما فلقه لبني إسرائيل، فيجوزون فيستقبلونها، فيكبرون فتهز حيطانها ثمَّ يكبرون فتهز، ويسقط في الثالثة مِنها ما بين اثنى عشر برجًا فيفتحونها، ويقيمون بها سنة، حتى يبنوا المساجد، ثمَّ يدخلون مدينةً أخرى فبينما هم يُقسمون فيها المال بالأترسة، إذا بصارخ: الدجالُ خلفكم في ذراريكم بالشام، فيرجعون، فإذا الأمر باطل فالتارك نادم (١)، ثمَّ ينشئون ألف سفينة، ويركبون فيها من عَكّا، وهم أي: الذين يركبون من مدينة عكّا: أهل المشرق والمغرب، والحجاز والشام، على قلب رجل واحد، فيسيرون إلى روميَّة (٢). وروي أن عبد الله بن بسر المازني قال لبعض أصحابه: يا ابن أخي لعلك تدرك فتح القسطنطينية، فإياك إنْ أدركتَ فتحها أن تَترك غنيمتكَ منها، فإن بين فتحها وبين خروج الدجال سبع سنين، رواه نعيم بن حماد في الفتن (٣). ويَستخِرَجُ - أي: المهدي - كنزَ بيتِ المقدس، وحلية من القسطنطينية، الذي أخذها طاهر بن أسماء حين غزا بني إسرائيل فسباهم، وسبى حُليَّ بيتِ المقدس، وأحرقها بالنيران، وحمل منها في البحر ألفًا وسبعمائة سفينة، حتى أوردها رومية.

стр. 586

قَالَ حُذيفة ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليَستخرجَنَّ المهدي ذلك، حتَّى يردُه إلى بيتِ المقدس". قال في "عقد الدُرَر" (١): روميَّة أمُّ بلاد الرّوم، وكلُّ من ملكها يقال له الباب، وهُو الحاكم على دين النصرانية، بمنزلة الخليفة على المسلمين، ليس في بلاد المسلمين مثلُها، وقد ذكر المؤرخون في صفتها عجائب، لم تُسمع في غيرها فلتُراجع، فيكبرون عليها أربع تكبيرات، فيسقط حائطها، فيقتلون ستمائة ألف، ويستخرجون منها حُليَّ بيت المقدس، والتابوت الذي فيه السكينة، ومائدة بني إسرائيل، ورضاضة الألواح أي ألواح موسى، وحلة آدم وعصا موسى، ومنبر سليمان، وقفيزين من المنّ، الذي أنزله الله على بني إسرائيل، أشدَّ بياضًا من اللبن، كذا في "الإشاعة" (٢) ولا يَخفى بَعدَ ذلك مع ما تقدم، أنَّ التابوت يستخرجه المهدي من بحيرة طبرية، أو من غار أنطاكية. وممّا ينبغي أن يُعلمَ أنّ كتب الملاحم بعيدة عن الصحة (٣)، قال الإمام أحمد: ثلاثة كتب ليست لها أصول، كُتب الملاحم والمغازي والتفاسير، وحمله الدارقطني على كتب مخصوصة في المغازي، والتفاسير وأما الملاحم: فأبقاه على عمومه نعم: استثنى العلاّمة

стр. 587

كغيره من الأئمة قتال الروم، وفتح القسطنطينية على يد المهدي، ففي صحيح مسلم (١): عن أبي هريرة، ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "هل سمعتم بمدينة جانب منها في البر، وجانب منها في البحر؟ " قالوا: نعم يا رسول الله. قال: "لا تقومُ الساعة حتى يغزوها سبعون ألفًا من بني إسحق، فإذا جاءوها نزلوا، فلم يُقاتلوا بسلاح، ولم يرموا بسهم، فإذا قالوا لا إله إلا الله والله أكبر، سقط أحد جانبيها، ثمَّ يقولون الثانية: لا إله إلا الله والله أكبر فيُفرج لَهُم فيدخلونها، فيقتسمون، فبينما هم يقتسمون الغنائم إذ جاءهم الصَريخ، فيقول: إن الدجال قد خرج، فيتركون كلّ شيء ويرجعون" انتهى. قال في "الإشاعة" (٢): بعد أن ذكر فتح رومية، "ثمَّ يأتون مدينة يقال لها: القاطع، طولها ألف ميل، وعرضها خمسمائة ميل، ولها ستون وثلثمائة باب، يخرج من كل باب مائة ألف مقاتل، وهي على البحر لا يُحمل يعني: البحر فيه جارية" (٣)، أي: سفينة قيل: يا رسول الله: ولم لا يُحمل فيه جارية؟ قال: "لأنه ليس له قعر، وإنما يمرون من خلجان من ذلك البحر، جَعلها الله منافع لبني آدم، لها قعور فهي تحمل السفن فيكبرون عليها أربع تكبيرات، فيسقط حائطها

стр. 588

فيغنمونها، ثمَّ يقيمون فيها سبعَ سنين، ثمَّ يُنقلونَ منها إلى بيت المقدس، فيبلُغُهم أنَّ الدجال قد خرج من يهود أصبهان"، أخرجه أبو عمرو الداني في سننه (١). وفي رواية: ثمَّ يأتي يعني المهديُ مدينة يقال لها: القاطع وهي على البحر الأخضر المحيط بالدنيا، ليس خلفه إلَّا أمر الله ، فذكر نحو ما مرَّ. واعلم أنَّه ورد أن المهدي يَدخلُ كل مدينة دخلها ذو القرنين، ويُصلحها، وأنه لا يبَقى جبارٌ إلا هلك وقد ورد عنه، ﷺ : "ملك الدُنيا مؤمنان وكافران، أما المؤمنان: فذو القرنين وسليمان، وأما الكافران: فنمرود وبختنصّر، وسيملكها خامسٌ من عترتي، وهو المهدي" (٢). وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس، ﵄، مرفوعًا: "أصحاب الكهف أعوانُ المهدي" (٣). قال العلماء: حكمة تأخيرهم إلى هذه المدة، ليحوزوا شرف

стр. 589

الدخول في أمّة محمَّد ﷺ ، إكرامًا لهم. قُلْتُ: وفي هذا نظر لا يخفى على ذي بصر، حيث أكرمهم الله بذلك، فلم لا يكرمهم بما هو أفضل من ذلك؟ وهو الاجتماع بسيدنا وسيد الكونين، محمد ﷺ ، ليفوزوا بشرف الصُحبة، والدخول في الأمَّة ورؤية المصطفى التي لا يُعادلها في الدنيا شيء والجهادُ معه لكن لله حِكم أخر يدقُّ فهمها عن عباده، إلَّا من منحه اللهُ نورًا فانجاب به عن قلبه الرّان، والله أعلم. فإن كان الحديثُ ثابتًا فلا ريبَ أن في تأخيرهم لخروج المهدي حكمة يعجزُ فهم كثير من الخلق عن إدراكها، وقد يُقال يمكن أن تكون: أن في زمن المهدي الحاجةُ داعية لخروجهم أكثر من غير زمنه لخفة الدين حينئذ، فإنَّه يخرج في انمحاق الدين. قيل إنه لم يبقَ على وجه الأرض من المسلمين إلا ثلثمائة وثلاثة عشر رجلًا عدة أهل بدر كما ورد، وإن كان الحديث لم يثبتُ فلا حاجةَ إلى هذا كُلّه واللهُ أعلمُ بما هو كائن. فائدة: وردَ أنَّ أوّل لواء يعقدهُ المهدي يَبْعثُ به إلى الترك، قال في "الإشاعة" (١): والظاهر أن هذه الفتوح تكون في مدة مهادنته الروم لأنَّ بعد اشتغاله بهم، لا يتفرغ لغيرهم أو أنَّه يَبعَثُ البعوث والسرايا، ونسبة دخول الآفاق إليه يكون مَجازًا، وهذا محاولة منه لتوجيه هذا الكلام، كما لا يخفى والله أعلم.

стр. 590

تنبيه: ورد أنّ الملحمة العظمى، وفتح القسطنطينية، وخروج الدجّال في سبعة أشهر وفي رواية: سبع سنين وقال أبو داود: في سُننَه، ورواية: "سبع سنين" أصح من رواية: "سبعة أشهر"، ذكره في "الإشاعة" (١) وكذلك من رواية "سنة". تتمه: اختلفت الروايات في مدة ملك المهدي، ففي بعضها "يملك خمسًا أو ستًا أو سبعًا" بالترديد، وفي بعضها "تسعة عشر سنة، وأشهرا" وفي بعضها: "عشرين" وفي بعضها "ثلاثين"، وفي بعضها "أربعين منها تسعُ سنين يهادن الروم فيها"، قال في "القول المختصر": ويمكن الجمع على تقدير صحة الكل، بأن ملكه متفاوت الظهور والقوة، فيحمل الأكثر على أنَّه باعتبار جميع مدة الملك، والأقل على غاية الظهور، والأوسط على الأوسط (٢). انتهى قال في "الإشاعة" (٣) ويدل على ما قاله وجوه: الأوّل: أنَّه ﷺ ، بشّر أمّتَهُ خُصوصًا أهل بيته ببشارات، وأن الله يعوضُهم عن الظُلم والجور قسطًا وعدلًا، واللائق بكرم الله، أن يكون مدة ذلك قدرَ ما ينسَونَ فيه الظلم والجور والفتن، والسبع والتسع أقل من ذلك. الثاني: أنَّه يَفتحُ الدنيا كُلّها كما فتح ذو القَرنين وسُليمان، ويدخلُ جميع الآفاق، كما في بعض الروايات، ويبني المساجد

стр. 591

والبلدان، ويُحلي بيت المقدس وهذا لا يُمكن في مدة التسع. الثالث: ورد أن الأعمار تطول في زمانه، وطولها مستلزم لطول مدته، وإلا لا يكون طولها في زمنه، والتسع وما دونه ليس من الطول في شيء. الرابع: أنَّه يهادن الروم تسع سنين، ويقيم بالقسطنطينية سنة، وبالقاطع سَبعًا ومدة المسير إليها مرتين، والرجوع في أثنائه يكون سنين، وقتاله السفياني، [ونقضه العهد بعد ثلاث سنين] (١) وفتحه للهند وسائر البلدان يكون في سنين كثيرة. هذا ملخص كلامه وأطال فليراجع. تنبيهان: الأوّل قال العلاّمة في "البهجة": كثُرت الأقوال في المهدي، حتى قِيلَ لا مهديَّ إلا عيسى قال: والصحيح بَلْ الصَّوابُ أنَّه غيره، فإنَّه يخرج قبل نزول عيسى ﵇، وقد كثرت بخروجه الروايات، فعند ابن أسكاف (٢) مُرضيًا مُسندًا إلى جابر، ﵁: "مَن كذَّب بالدجال فقد كفر، ومن كذّب بالمهدي فقد كفر" (٣). ألا ترى أن الشارع أخبر به وبَشَّر كما ثبتَ ذلك بالروايات الصحيحة المتقدمة.

стр. 592

وقُلْتُ: ورد في بعض الأحاديث: "لا مهدِيَّ إلَّا عيسى ابن مريم" (١) وهو ضعيف. ولو ثَبتَ لوجَبَ حملُه على معنى لا ينافي وجود المهديّ؛ لأنَّ أحاديثه كثيرة جدًا، بل قد بلغت حدّ التواتر المعنوي، وتأويله أنَّه لا قول للمهدي إلا بمشورة عيسى، إن قلنا أنَّه وزيره، أو لا مهدي معصومًا مُطلقًا إلَّا عيسى، ولا اعتبار بمن اغترَّ بالرواية المارة؛ فإنّ ذلك سهو من المعتمد، ذلك وقصور عن معرفة الأحاديث صحيحها من سقيمها، وإلاّ فالإيمانُ بخروج المهدي واجبٌ كما هو مقرَّر عند أهل العلم، ومُدوَّنٌ في عقائد أهل السُنة والشيعة أيضًا، لكنهم زعموا أنَّه محمَّد ابن الحنفية، ﵁، أو أنَّه محمَّد العسكري، كما مرَّت الإشارة إلى ذلك، والله أعلم. الثاني: صحَّ عن ابن سيرين (٢) أن المهدي خيرٌ من أبي بكر وعمر، قد كاد يفضل الأنبياء وصحّ: لا يفضُل عليه أبو بكر وعمر، وهو وإن كان أخف من الأوّل فليس على ظاهره؛ لأنَّ الأمَّة أجمعت على أنهما أفضل منه، بل ومن جميع الصحابة، خلافًا للرافضة خذلهم الله، بَلْ غيرهما من الصحابة أفضل من المهديّ على أنَّه من كلام ابن

стр. 593

سيرين، ولم يذكر له مستندًا فلا يُصار إليه بل الحقُّ أنّ أبا بكر وعُمر وبقية العشرة، بل وبقية الصحابة، أفضل من المهديّ، وما ورد بخلاف ذلك فليس على ظاهره. نعم: لنا صحابي أفضل من أبي بكر وعُمر وهو: عيسى ابن مريم ﵇، كما سنبينه إن شاء الله تعالى، ثم يستمر سيدنا المهدي حتى يُسلم الأمر لروح الله عيسى بن مريم ﵇، ويُصلي المهدي بعيسى صلاة واحدة، وهي الفجر ثم يستمر المهدي على الصلاة وراء سيدنا عيسى ﵇، بعد تسليمه الأمر إليه ويكون معه حتى يقتُلَ سيدُنا عيسى عدوَّ الله الدّجَّال، بباب لُدِّ كما يأتي، ثم يرجع سيدنا عيسى إلى بيت المقدس، فيموت سيدُنا المهدي فيُصلِّي عليه روح الله عيسى ﵇، ويدفنه هناك، كما في البهجة والله أعلم.

стр. 594

الفصل الثاني في الدجَّال وما يتعلق به، والكلام عليه في أربع مقامات المقامُ الأول في اسمه ونسبه ومولده: فأما اسمه فإنه صافي بن صياد أو صائد ومولده المدينة، بناء على أن ابن صيّاد هُو الدجال، كما يأتي. وقيل: أن الدجال شيطانٌ مُوثَّق في بعض الجزائر وهوَ من أولاد الشق الكاهن المشهور، أو هُو شق نفسه وكانت أمه جِنيَّة فعشقت أباه فاوْلَدها شقا وكانت الشياطين تعمل له العجائب، فحبسه سُليمانُ وليس بشيء. وأمَّا لقبُه: فالمسيحُ بفتح الميم وكسر السين، مُخفَّفة وبالحاء المُهْمَلَة، وسُمِعَ مَسّيحُ، بالتشديد، قاله الأزهريُّ (١) على وزن فَعّيل فرقًا بينَه وبينَ عيسى ﵇ قال الغنيمي الشافِعيُ في رسالته: "الأجْوبةُ المفيدة على الأسئلة العديدة" ما نصُّه: قال ابن دِحية: عن شيخه أبي القاسم عن أبي عمران موسى بن عبد الرحمن، قال: سمعتُ الحافظ أبا عمر بن عبد البر (٢) يقول: ومنهمُ من قال ذلك بالخاء المعجمة، وذلك عند أهل العلم خطأ ولذا ثبتَ عن رسول الله ﷺ ، أنه نطق به بالحاء المهملة، ونقله الصحابة المبلغون عنه وقال الراجز: إذا المسيحُ قتل المسيحا، يَعني: عيسى ﵇، يقتُلُ الدجال. انتهى (٣). مُلخّصًا وقد بُسَط الكلامَ على ذلك، فليُراجَع.

стр. 595

وأمّا صِفتُه: فالدجَّالُ: مشتق من الدجل وهو خلط واللبس والخدع، فمعنى الدجال الخَداع الملبِّسُ على النّاس، ومنه قوله ﷺ ، حينَ خَطبَ إليه (١) أبو بكر فاطمة ﵂: "إني وعدتهُا لعلّي ولستُ بدجَالٍ" أي: لستُ بخدّاع ولا مُلبِّس عليك أمرك. وأما تَلقيبُهُ بالمسيح: فقيل؛ لأنّ عينَه الواحدة ممسوحَة، يقال: رجل مَسيحُ (٢) الوَجْه؛ إذا لمْ يَبقَ على أحَد شقي وجهه عينٌ ولا حاجبٌ إلا استوى. وقيل لأنَّه يمسحُ الأرض أي: يَقطعُها. وقال أبو الهيثم: هو مسيحٌ بوزنِ سكّيت، وهو الذي مسحَ خلقهُ وشوّهَ. وزعم بعضهُم أن الدجَّالَ بالخاء المعجمة، وعيسى بالمهملة قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": وبَالغَ القاضي ابن عربي فقال: ضَلَّ قومٌ فروَوْهُ بالخاء المُعجَمة، وشدَّدَ بعضُهم السين، ليُفرّقُوا بينه وبين المسيح ابن مريم ﵇، وقد فرق النبي ﷺ بقوله في الدجّال: "مسيحُ الضلالة" (٣)، فدل أن عيسى مسيحُ الهُدى، فأرادَ هؤلاء تعظيمَ عيسى، فحرفوا الحديث (٤). قال في "القاموس" (٥): اجتمع لنا في تسمية المسيح خمسون قولاً قُلْتُ: لم أرَ في كتب اللُّغَةِ بعدَ الفحصِ التام، والحرصِ على مُراجعةِ هذه المادَّة أحدًا ذكر أنَه

стр. 596

بالخاء فقد راجعتُ القاموس، والصِّحاحَ، ولسانَ العرب، وغريب الهروي، ونهاية ابن الأثير، وتهذيب الأسماء واللغات، والله أعلم. وأما وجهُ تسمية سيدنا عيسى ﵇ مسيحًا؛ لأنه لا يمْسَحُ ذا عاهةٍ إلا برئ أو لأنّه أخمص ومنه في صفة النبي ﷺ : "كان مسيح القدمين" (١)، أو لأنه خرج من بطن أمه ممسوحًا بالدُّهن، أو لأنه يمسحُ الأرضَ ويقطعها. المقام الثاني في حليتهِ وسيرتِه: أما حليتُه: فإنه رجلٌ شاب وفي رواية شيخ وسندهما: صحيحُ "جسم أحمر" وفي رواية: "أبيضُ، أمهق" وفي رواية "آدم" قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: يمكنُ أن تكون أدمته صافية، وقد يُوصَفُ ذلك بالحمرة لأن كثيرًا من الأدم قد تَحمَّر وَجنتاهُ "جَعْدُ الرأس" قَطَطٌ أعور العين اليُمنى، كأنها عِنبة طافية، وفي رواية: "أعور العين اليسرى"، وجَاء في رواية أنه "أعور العين مطموسة"، وليست جُحراء، وهذا مَعنى "طافئة" مهموزة. قال في فتح الباري، نقلاً عن القاضي عياض: الذي روَيناه عن الأكثر وصححه الجمُهور وجزم به الأخفشُ طافيةٌ بغير همز، ومَعناهُ أنها ناتئة نتُوَء العنبة قال: وضبطه بعضِ الشيوخ: بالهمز. وأنكره بعضهم قال: ولا وَجه لإنكاره (٢) ثمَّ جَمع القاضِي عِياض بين الروايات بأن عينه اليمنى طافية بغير همز وممسوحة أي ذهب ضوؤها، وهَو معنى حديث أبي داود مطموس العَينِ ليستْ بناتئة ولا جَحْرَاءَ (٣) أي: ليست عالية ولا عميقة، كما في الرواية الأُخرى عنه

стр. 597

وهي الجاحظةُ: التي كأنها كوكب، و"كأنها نخاعة في حائط": وَهي الخَضراء كما جاء ذلك في الأحاديث قال: وعلى هذا فَهُو أعورُ العينين معًا فكلُّ واحدةٍ منهما عوراء وذلك أنّ العورَ العيب، والأعور: من كُل شيء المَعِيب. وكلا عيني الدجَّال معيبة، إحداهما: بذهابِ نُورِها، والأخرى: نبئوها وخضرتها، قال النووي: وهو في غايَة الحُسن. انتهى وقد وردَ "أن على عَينِه ظفرةٌ غليظة"، وهي: لحمة تنبتُ عند المآق، وقيل: لحمةٌ تخرجُ في العَين في الجانب الذي يلي الأنف، وهما متقاربان. قال في "فتح الباري" (١): وقدْ وَرَدَ في كلتا عينيه: "أن عليها ظفرة" وفي بعض الروايات عن أبي سعيد، عند الإمام أحمد "عينه جاحظة لا تخفى كأنّها نخامة في حائط مجَصَّصُ وعينُه اليسرى كأنها كوكبُ دُرّيٌّ" (٢)، وفي حديث أُبيّ عند الإمام أحمد أيضًا، والطبراني لا إحدى عينيه كأنها زجاجة خضراء" (٣). قال: والذي يَتحصَّلُ من مجموع الأخبارِ: أن الصواب في طافية بغير همز وصرَّح به في حديث عبد الله بن مَغفل، وسمرة وأبي بكرة: بأنّ عينَهُ اليُسرى مَمسوحة، والطافئة غير الممسوحة، وأما الظفرة: فجائز أن يكون في كل من عينيه؛ لأنه لا يُضادُ الطمسِ، ولا النتُوء، أو يكونَ التي ذهبَ ضوءها هي المطموسة، يعني: اليسرى والمعيبة مع

стр. 598

بقاء عينها هي البارزة .. انتهى. والدجال: "قصيرٌ أفحج" أي: متباعدُ ما بين الساقين، وقيل: هو التداني بين صُدور القدمين، مع تباعد القدمين. وقيل: هو الذي في رجليه اعوجاجٌ. "جُفالُ الشعر" بضم الجيم، وتخفيف الفاء أي: كثيرةُ "هِجان" بكسر أوّله وتخفيف الجيم: "أبيضٌ أقمر" أي: شديدُ البياض "فَيْلماني" بفتح الفاء وسكون التحتانية أي: عظيم الجُثة، كان رأسَهُ أغصَانُ شجرة، أي: شعرُ رأسه كثير متفرق قائم، وفي رواية: "إن رأسه من ورائه جبك"، أي: شعرُه من الجعود كالماء والرَّمل إذا ضربَتهُ الريح. قال في "النهاية": وهذا معنى ما مَرَّ أنه جعد قطَط (١). "مكتوبٌ بين عينيه ك ف ر، -حروفًا مقطعة- يقرأها كل مسلم، كاتب وغير كاتب، ولا يقرأها الكافر (٢). لا يُولَدُ له ولد ولا يدخلُ المدينة ولا مكة، تتبعه أقوام كأن وجوههم المجان المطرقة، وسبعون ألفًا من يهود أصبهان، عليهم التيجانُ وكلُّهم ذو سيفٍ مُحَلَّى". ومن صفاته: " تنام عيناهُ، ولا ينام قلبُه وأبوه طوال ضرب من اللحم، كأن أنفه منقارٌ وأمّه فرضاخية" أي: كثيرة اللّحم! "طويلة الشفتين، لهُ حمارٌ أهلب، وهو المشعر الغليظ، ما بين أذنيه أربعون ذِراعًا يضع خُطوةً عند منتهى طَرْفه".

стр. 599

وقال أبو الطفيل عن بعض الصحابة: "يخرجُ الدجال على حمارٍ رجس على رجس". رواه ابن أبي شيبة (١). وقال عليّ كرّم الله وجهه: "يخرج الدجالُ ومعه سبعون ألفًا من الحاكة". قال بعضُهم: هِي موضعٌ. على مُقدِّمَته -أشعر- أي: رجلٌ كثيرُ الشعر، يقولُ بدو بدو. ورواه الديلمي (٢). قوله: بدو بدو معناه بالفارسية: أسرع أسرع. وعن عليّ كرّم الله وجهه، "في صفة حماره طول كلّ أذن أربعون ذِراعًا ما بينَ حافر حمارِه إلى الحافرِ الآخر مسيرةُ يومِ وليلة". كذا في الإشاعة (٣). وفي مرفوع ابن مسعود عند أبي نعيم في الفتن (٤): "بينَ أذُني الدجّال أربعون ذراعًا وخطو حماره ثلاثة أيام، ويسبقُ الشمسَ إلى مغيبها، يخوضُ البحر كما يخوض أحدكم الساقية"، ورواه الحاكم وضعفه. "تُطوَى لهُ الأرضُ، مَنْهلاً مَنْهلاً يتناول السحابَ بيمينه (٥)، ويسبقُ الشمس إلى مغيبها، يخوضُ البحر إلى كَعْبِه"، وقد مر أنه قصير، فكيف يوصف هنا بهذا الطول؟ وتكلف بعضهم أن قصره يُحتَملُ أنْ يكونَ بالنظر إلى ضخامته؛ لأن ضخامتهُ تقتضي أن يكون أطول من ذلك، أو أنَّه قصيرٌ في نفس الأمر، ثم إذا أظهر الكفرَ وادَّعى الإلهية زاد طوله، وضخامته ابتلاء من الله للعباد،

стр. 600

وفتنةٌ لهم ومحنة وفيه بُعد، لا يخفى. ففي سنن أبي داود عنه ﷺ ، أنه قال: "إن المسيحَ الدّجال قصيرٌ أفحج جَعدٌ أعور مطموس العين" (١). وفي مسند أبي بكر بن أبي شيبة، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "أما مسيح الضلالة فرجل أجلى الجبهة، ممسوح العين اليسرى، عريض المنخر، فيه رفا" (٢) أي انحناء. وفي صحيح مسلم (٣) من حديث تميم الداري في صفة الدجّال حينَ رآه بالدير، فإذا رجلٌ أعظم إنسان رأيناهُ قط خلقًا، وأشد وثاقًا مجموعةٌ يداه إلى عنقه وما بين رُكبتيه إلى كتفيه بالحديد. وفي صحيح مسلم أيضًا: "ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلقٌ أكبر من الدجال" (٤). واعلم أن العلماء اختلفوا في الدجّال، فقيل: أنه ليسَ بإنسان وإنما هو شيطان موثقٌ بسبعين حَلَقة في بعَض جزائر اليمن، لا يعلَمُ مَن أوثقه، أهو سليمانُ أو غيره، فإذا أرادَ اللهُ ظهوره فك عنه كلّ عام حلقة، وإذا أُبرز أتَتْه أتان، عرضُ ما بين أذنيها أربعون ذراعًا، فَيضعُ على ظهرها منبرًا من نُحاس، فيقعدُ عليه وتتبعه قبائل الجنّ، يخرجون إليه بخزائن الأرض، والله أعلم. وأما سيرته: فإنه يخرج أوّلاً فيدّعي الإيمان والصَّلاحَ، ويدعو
следующие страницы →