← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 132973

البحور الزاخرة في علوم الآخرة

السفاريني

Полный текст (1 621 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

بالخاء فقد راجعتُ القاموس، والصِّحاحَ، ولسانَ العرب، وغريب الهروي، ونهاية ابن الأثير، وتهذيب الأسماء واللغات، والله أعلم. وأما وجهُ تسمية سيدنا عيسى ﵇ مسيحًا؛ لأنه لا يمْسَحُ ذا عاهةٍ إلا برئ أو لأنّه أخمص ومنه في صفة النبي ﷺ : "كان مسيح القدمين" (١)، أو لأنه خرج من بطن أمه ممسوحًا بالدُّهن، أو لأنه يمسحُ الأرضَ ويقطعها. المقام الثاني في حليتهِ وسيرتِه: أما حليتُه: فإنه رجلٌ شاب وفي رواية شيخ وسندهما: صحيحُ "جسم أحمر" وفي رواية: "أبيضُ، أمهق" وفي رواية "آدم" قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: يمكنُ أن تكون أدمته صافية، وقد يُوصَفُ ذلك بالحمرة لأن كثيرًا من الأدم قد تَحمَّر وَجنتاهُ "جَعْدُ الرأس" قَطَطٌ أعور العين اليُمنى، كأنها عِنبة طافية، وفي رواية: "أعور العين اليسرى"، وجَاء في رواية أنه "أعور العين مطموسة"، وليست جُحراء، وهذا مَعنى "طافئة" مهموزة. قال في فتح الباري، نقلاً عن القاضي عياض: الذي روَيناه عن الأكثر وصححه الجمُهور وجزم به الأخفشُ طافيةٌ بغير همز، ومَعناهُ أنها ناتئة نتُوَء العنبة قال: وضبطه بعضِ الشيوخ: بالهمز. وأنكره بعضهم قال: ولا وَجه لإنكاره (٢) ثمَّ جَمع القاضِي عِياض بين الروايات بأن عينه اليمنى طافية بغير همز وممسوحة أي ذهب ضوؤها، وهَو معنى حديث أبي داود مطموس العَينِ ليستْ بناتئة ولا جَحْرَاءَ (٣) أي: ليست عالية ولا عميقة، كما في الرواية الأُخرى عنه

стр. 597

وهي الجاحظةُ: التي كأنها كوكب، و"كأنها نخاعة في حائط": وَهي الخَضراء كما جاء ذلك في الأحاديث قال: وعلى هذا فَهُو أعورُ العينين معًا فكلُّ واحدةٍ منهما عوراء وذلك أنّ العورَ العيب، والأعور: من كُل شيء المَعِيب. وكلا عيني الدجَّال معيبة، إحداهما: بذهابِ نُورِها، والأخرى: نبئوها وخضرتها، قال النووي: وهو في غايَة الحُسن. انتهى وقد وردَ "أن على عَينِه ظفرةٌ غليظة"، وهي: لحمة تنبتُ عند المآق، وقيل: لحمةٌ تخرجُ في العَين في الجانب الذي يلي الأنف، وهما متقاربان. قال في "فتح الباري" (١): وقدْ وَرَدَ في كلتا عينيه: "أن عليها ظفرة" وفي بعض الروايات عن أبي سعيد، عند الإمام أحمد "عينه جاحظة لا تخفى كأنّها نخامة في حائط مجَصَّصُ وعينُه اليسرى كأنها كوكبُ دُرّيٌّ" (٢)، وفي حديث أُبيّ عند الإمام أحمد أيضًا، والطبراني لا إحدى عينيه كأنها زجاجة خضراء" (٣). قال: والذي يَتحصَّلُ من مجموع الأخبارِ: أن الصواب في طافية بغير همز وصرَّح به في حديث عبد الله بن مَغفل، وسمرة وأبي بكرة: بأنّ عينَهُ اليُسرى مَمسوحة، والطافئة غير الممسوحة، وأما الظفرة: فجائز أن يكون في كل من عينيه؛ لأنه لا يُضادُ الطمسِ، ولا النتُوء، أو يكونَ التي ذهبَ ضوءها هي المطموسة، يعني: اليسرى والمعيبة مع

стр. 598

بقاء عينها هي البارزة .. انتهى. والدجال: "قصيرٌ أفحج" أي: متباعدُ ما بين الساقين، وقيل: هو التداني بين صُدور القدمين، مع تباعد القدمين. وقيل: هو الذي في رجليه اعوجاجٌ. "جُفالُ الشعر" بضم الجيم، وتخفيف الفاء أي: كثيرةُ "هِجان" بكسر أوّله وتخفيف الجيم: "أبيضٌ أقمر" أي: شديدُ البياض "فَيْلماني" بفتح الفاء وسكون التحتانية أي: عظيم الجُثة، كان رأسَهُ أغصَانُ شجرة، أي: شعرُ رأسه كثير متفرق قائم، وفي رواية: "إن رأسه من ورائه جبك"، أي: شعرُه من الجعود كالماء والرَّمل إذا ضربَتهُ الريح. قال في "النهاية": وهذا معنى ما مَرَّ أنه جعد قطَط (١). "مكتوبٌ بين عينيه ك ف ر، -حروفًا مقطعة- يقرأها كل مسلم، كاتب وغير كاتب، ولا يقرأها الكافر (٢). لا يُولَدُ له ولد ولا يدخلُ المدينة ولا مكة، تتبعه أقوام كأن وجوههم المجان المطرقة، وسبعون ألفًا من يهود أصبهان، عليهم التيجانُ وكلُّهم ذو سيفٍ مُحَلَّى". ومن صفاته: " تنام عيناهُ، ولا ينام قلبُه وأبوه طوال ضرب من اللحم، كأن أنفه منقارٌ وأمّه فرضاخية" أي: كثيرة اللّحم! "طويلة الشفتين، لهُ حمارٌ أهلب، وهو المشعر الغليظ، ما بين أذنيه أربعون ذِراعًا يضع خُطوةً عند منتهى طَرْفه".

стр. 599

وقال أبو الطفيل عن بعض الصحابة: "يخرجُ الدجال على حمارٍ رجس على رجس". رواه ابن أبي شيبة (١). وقال عليّ كرّم الله وجهه: "يخرج الدجالُ ومعه سبعون ألفًا من الحاكة". قال بعضُهم: هِي موضعٌ. على مُقدِّمَته -أشعر- أي: رجلٌ كثيرُ الشعر، يقولُ بدو بدو. ورواه الديلمي (٢). قوله: بدو بدو معناه بالفارسية: أسرع أسرع. وعن عليّ كرّم الله وجهه، "في صفة حماره طول كلّ أذن أربعون ذِراعًا ما بينَ حافر حمارِه إلى الحافرِ الآخر مسيرةُ يومِ وليلة". كذا في الإشاعة (٣). وفي مرفوع ابن مسعود عند أبي نعيم في الفتن (٤): "بينَ أذُني الدجّال أربعون ذراعًا وخطو حماره ثلاثة أيام، ويسبقُ الشمسَ إلى مغيبها، يخوضُ البحر كما يخوض أحدكم الساقية"، ورواه الحاكم وضعفه. "تُطوَى لهُ الأرضُ، مَنْهلاً مَنْهلاً يتناول السحابَ بيمينه (٥)، ويسبقُ الشمس إلى مغيبها، يخوضُ البحر إلى كَعْبِه"، وقد مر أنه قصير، فكيف يوصف هنا بهذا الطول؟ وتكلف بعضهم أن قصره يُحتَملُ أنْ يكونَ بالنظر إلى ضخامته؛ لأن ضخامتهُ تقتضي أن يكون أطول من ذلك، أو أنَّه قصيرٌ في نفس الأمر، ثم إذا أظهر الكفرَ وادَّعى الإلهية زاد طوله، وضخامته ابتلاء من الله للعباد،

стр. 600

وفتنةٌ لهم ومحنة وفيه بُعد، لا يخفى. ففي سنن أبي داود عنه ﷺ ، أنه قال: "إن المسيحَ الدّجال قصيرٌ أفحج جَعدٌ أعور مطموس العين" (١). وفي مسند أبي بكر بن أبي شيبة، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "أما مسيح الضلالة فرجل أجلى الجبهة، ممسوح العين اليسرى، عريض المنخر، فيه رفا" (٢) أي انحناء. وفي صحيح مسلم (٣) من حديث تميم الداري في صفة الدجّال حينَ رآه بالدير، فإذا رجلٌ أعظم إنسان رأيناهُ قط خلقًا، وأشد وثاقًا مجموعةٌ يداه إلى عنقه وما بين رُكبتيه إلى كتفيه بالحديد. وفي صحيح مسلم أيضًا: "ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلقٌ أكبر من الدجال" (٤). واعلم أن العلماء اختلفوا في الدجّال، فقيل: أنه ليسَ بإنسان وإنما هو شيطان موثقٌ بسبعين حَلَقة في بعَض جزائر اليمن، لا يعلَمُ مَن أوثقه، أهو سليمانُ أو غيره، فإذا أرادَ اللهُ ظهوره فك عنه كلّ عام حلقة، وإذا أُبرز أتَتْه أتان، عرضُ ما بين أذنيها أربعون ذراعًا، فَيضعُ على ظهرها منبرًا من نُحاس، فيقعدُ عليه وتتبعه قبائل الجنّ، يخرجون إليه بخزائن الأرض، والله أعلم. وأما سيرته: فإنه يخرج أوّلاً فيدّعي الإيمان والصَّلاحَ، ويدعو

стр. 601

إلى الدين فيُتَّبع ويظهرُ فلا يَزال حتى يَقدمَ الكوفة، فيُظهِر الدين، ويعمل به فيُتّبعَ ويُحب على ذلك، ثم يَدَّعي الإلهية ويقول: أنا الله، فتغشى عينُه وتُقطع أذناه، ويكتب بين عينيه كافر، فلا يخفى على مسلم، فيفارقه كل أحد من الخلق في قلبه مثقال ذرة من الإيمان. هكذا رواه الطبراني (١). وقال كعب الأحبار (٢): "يتوجه الدجالُ فينزلُ عند باب دمشق الشرقيّ ابتداء قبل خروجه، ثم يُلتَمسُ فلا يُقدرُ عليه، ثم يُرى عند المياه التي عند نهر الكسوة، ثم يُطلبُ فلا يُدرى أين توجَّه، ثم يَظهر بالمشرق فيُعطى الخلافة ثُم يظهرُ السحر ثم يَدِّعي النبوة، فينصرف الناسُ عنه يعني: المسلمين فيأتي النهر فيأمره أن يسيل فيسيل، ثم يأمره أن يرجع فيرجع، ثم يأمره أن ييبسَ فييبس"، الحديث بطوله رواه نعيم بن حماد (٣)، و"يبعث الله له شياطين فيقولون له: استعن بنا على ما تريد، فيقول نعم اذهبوا للناس فقولوا أنا رَبُّهم، فيبثهم في الآفاق، ويدعي الإلهية". والله أعلم. المقام الثالث: في خروجه وما يأتي به من الفِتن والشبهات [ومعرفة سيره في الأرض] (٤).

стр. 602

أما خروجه: فاعلم أنه يخرجُ من أرض المشرق من أرض خراسان، ومعه اليهود من أصبهان وغيرها، وقيل يخرج من يهودية أصبهان وقيل: من أرض كوثا (١) بالكوفة، وأكثرُ من يتبعهُ اليهود والنِّساء والأعراب و (عن) (٢) كعب: الدجالُ تلده أمّه بقوص من أرض مصر، وبين مولده ومخرجه أربعون سنة، أخرجه نعيم (٣) من طريق كعب. وفي الترمذي أنه يخرجُ من خراسان (٤). وفي صحيح مسلم عن أنس ﵁ مرفوعًا: "يتبع الدجال من يَهود أصبهان سَبعون ألفَا عليهم الطيالسة" (٥). وفي الطبراني: "يخرج الدجال من قِبل أصبهان المشرق، معه قوم وجوههم كالمِجان" (٦). وفي الديلمي عن عليّ ﵁، مرفوعًا: "يخرجُ الدجَّالُ ومعه سبعون من الحاكة على مقدمته" (٧).

стр. 603

وفي مستدرك الحاكم (١) عن ابن عمر مرفوعًا "يخرج الأعور الدجال من يهودية أصبهان، لم يُخُلق له عينٌ، والأخرى كأنهَا كوكب، ممزوجة بدم يشوى في الشمس سمكًا ويتناولُ الطيرَ من الجوِّ، لهُ ثلاثُ صيحاتٍ يَسمعُها أهلُ المشرقِ (والمغرب)) (٢). وأما فتنته: ففي الحديث "ما كانت ولا تكون فتنةٌ حتى تقوم الساعة أعظمَ من فتنة الدجال، ومَا من نَبيِّ إلاّ وقد حذَّرَ قومه الدجال". الحديث رواه الحاكمُ عن جابر مرفوعًا (٣)، وفي الحديث "أن قبل خروجه بثلاث سنين أوّل سنة: تمسك السماء ثلث قطرها، والأرض ثلث نباتها، والسنة الثانية: تمسك ثلثي قطرها، والأرض ثلثي نباتها، والسنة الثالثة: تمسك السماء ما فيها ويهَلك كل ذي ضَرس وظلف". ومن جُملة فتنته: "أنه يسيرُ معهُ جبلان أحدهما فيه أشجار وثمار وماء وأحدهما: فيه دُخان يقول: هذه الجنّة وهذه النار" رواه الحاكم عن ابن عُمرو (٤) وعن حُذيفَةَ "أن معه جنّةً ونارًا، ورِجالاً يقتلُهم، ثم يُحييهم ومَعه جبلٌ ثريد، ونهرُ ماء" (٥). قال العلامة في "بهجته": وقد وردَ أنَّه إذا خرج يكونُ معه صورة جنة ونار، ويكون ذلك على طريق التخييل لا الحقيقة، ومن أدخله جنّته كانت عليه نارًا، ومن أدخله نارَهُ كانتْ عليه جَنَّة، ويكونُ مَعَهُ جبالٌ من خُبز كالبرد، ذكره الحافظ ابن حجر. قال العلامة: ويتسلط على كل الحُبوب والأقوات حتى الفول، خلافًا لمن استثناه مدعيًا أن في

стр. 604

رأسه ألفًا أو مدةً سُودًا تشبه الألف، إذ هُو كلامٌ لا أصلَ له. قال: ولا يدعُ ماءً إلاّ دَخله وورَده، ويدعو الناسَ إلى الإيمان به وأنَّه ربَّهم وإلهَهُم، ويدخُلُ البحرَ المالح في أعمق مكان منه، فيصل إلى حقوّيه، فيأخذُ بيده منه السمك، ويَمدُّ يديه إلى السحاب قال: ولا يَبقى [منه] (١) بلا فتنة إلا سبعةُ آلاف امرأة، واثنا عشر ألف رجل، على ما ورد. انتهى (٢). فإن قيل: قَد ورَد أنَّهُ يُسَلَّطُ على واحد، ثم لا يَقدرُ عليه ثانيًا، وأنه يقول لا يَفعلُ بعدي بأحد من الناس، فكيف يُقالَ أن معه رجالاً يقتُلهم؟ فالجوابُ: أن هؤلاء الرجال إنما هم شَياطين، وقتله إيّاهم وإحياؤه لَهم إنما هو في رأي العين، لا على الحقيقة. وأما قتل ذلك فعلى الحقيقة، والرجُلُ هُو الخضر (٣) كما يأتي ومع الدجال جبالٌ من خبز، والناس في غاية الجهد إلاَّ من اتبعه، ومعه نهران. قال ﷺ : "أنا أعلم بهما منه، نهرٌ يقول الجنة، ونهرٌ يقول النار، فمن أدخله الذي يسميه الجنَّة، فهو في النار، ومن أدخله الذي يُسميه النار فهو في الجنة" رواه الإمام أحمد، وابنُ خُزيمة والحاكم، وغيرهم عن جابرٍ ﵁ (٤).

стр. 605

وفي رواية "أنا أعلمُ بما مع الدجال: معه نَهران يجريان، أحدُهما رأيُ العين؛ ماء أبيض، والآخر رأي العين؛ نارٌ تأجج، فإما إن أدرك ذلك واحدٌ منكم، فليأتِ النهرَ الذي يَراه نارًا تأجج، ويُغمضُ ثم ليُطأطئ رأسه فيشرب، فإنه ماء بارد" (١). وعند البخاري (٢) من حديث المغيرة بن شعبة: "معه جبلُ خبز" زادَ مُسلم (٣) في رواية "معه جبالٌ خبز ولحم ونهرٌ من ماء". وفي رواية نعيم عن ابن مسعود "معه جبل من مَرق، وعراقُ اللحم حار لا يبرد، وجَبلٌ من جنّان وخضرة، وجبلٌ من نار ودُخان، يقول: هذه جَنَّتي، وهذا طعامي وهذا شرابي" (٤). واعلم أن العلماء اختلفوا في هذه الجنة والنار، هل هي على سبيل الحقيقة؟ أم تخييل؟ (٥) وقد ذكرنا أن العلامة قال: يكونُ ذلك على طريق التخييل لا الحقيقة. وقال ابن حِبَّان في صحيحه (٦): إنه تخييل. واستدل بحديث المغيرة بن شعبة في الصحيحين (٧): أنه قال: كنتُ أكثر من

стр. 606

سؤال النبي ﷺ ، عن آية. أيّ: علامة الدجال فقال لي: "وما يضرك؟ " قلت: لأنهم يقولون: إن معه جبل خبزٍ. قال: "هو أهونُ من ذلك"، قال فمعناه: أنه أهونُ على الله من أن يكونَ معه ذلك حقيقةً، بَل يُرى ذلك وليس بحقيقة ويدل له أيضًا الرواية السابقة: "أحدهما في رأي العين ماء أبيض" الحديث. وقال جماعة منهم ابن العربي: بل هي على ظاهرها امتحانًا من الله لعباده، وحملوا قوله ﷺ : "هو أهون" إلى آخره أي: قال من أن يُخافَ منه، أو أن يُضل اللهُ به من يُحبه. قال في "الإشاعة" (١): والتحقيق الأول: ويدل له مع ما تقدم قوله ﷺ : "فمن أدرك ذلك منكم فليقع بالذي يراه أنه نارٌ فإنه عذبٌ بارد"، وبما في رواية: "فالنار روضَةٌ خضراءُ" والله الموفق. وأخرج أبو داود عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من سَمعَ بالدجال فلينأ: أي يبعد عنه، فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحَسَبُ أنه مؤمنٌ فيتبعه، مما يبعَث به من الشبهات" (٢). وأخرج مسلم من حديث النواس بن سمعان، من حديث الدجال الطويل: "فيأتي أي الدجال القومَ فيدعوهم فيؤمنون به، ويستجيبون له، فيأمر بالسماء فتُمطر لهم، والأرض فتنبت فتروحُ عليهم سارحتُهم أطول ما كانت ذَرَّا، واسبغه ضروعًا وأمده خواصر، ثم يأتي القومَ فيدعوهم فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم فيصبحون

стр. 607

ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة فيقول: أخرجي ما فيك من كنز فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل"، الحديث (١). وأخرج مسلم أيضًا عن أبي سعيد الخُدري ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "يخرجُ الدجال فيتوجه قِبَلَهُ رجل من المؤمنين فيلقاه مسالح (٢) من مَسالح الدجال فيقولون له: أين تعمد؟ فيقول: أعمد إلى هذا الدجال الذي خرج فيقولون له: أوما تؤمن بربنا؟ فيقول: ما بربُنا هذا خفاء، فيقولون: اقتلوه، فيقولُ بعضهُم لبعض: أليس قد نهاكم ربكم أن لا تقتلوا أحدًا دونه؟ قال: فينطلقون به إلى الدجال، فإذا رآه المؤمن قال: أيها الناس هذا الدجال الذي ذكر رسول الله ﷺ ، قال: فيأمر به الدجال فيُشَبحُ فيقول: خذوه فاشبحوه فيوسع ظهرُه ضربًا قال: فيقول: أما تؤمن بي فيقول: أنت المسيحُ الكذاب، قال فيؤمر به فيُنشر بالمنشار من فَرقِه حتى يُفرَقَ من رجله، قال: ثم يمشي الرجل بين القطعتين ثم يقولُ قم: فيستوي قائمًا، فيقول له: أتؤمن بي؟ فيقول: ما ازددت فيك إلاَّ بصيرة قال ثم يقول: يا أيها الناس إنه لا يَفعَلُ بَعدي بأحدٍ من الناس، قال: فيأخذُه الدجالُ ليذبحه، فيَجزُّ ما بين رقبته إلى ترقوته، فلا يستطيع إليه سبيلًا، قال: فيأخذ بيديه ورجليه، فيقذف به فيحسب الناس أنه قذت به في النار وإنما ألقي في الجنة" (٣).

стр. 608

[قال رسول الله ﷺ ] (١): "هذا أعظم الناس شهادة عند رب العالمين". [قال في التذكرة] (٢): يقال إن هذا الخضر ﵇. [وفي البهجة] (٣): قد ثبت أن الله تعالى لا يسلط الدجال على أحد بالقتل، إلا على رجلٍ واحد، يخرج إليه ذلك الرجل، وهو شاب حسنُ فيقول له الدجال: أتؤمنُ بي وبألوهيتي؟ فيقول له: إنك اللَّعينُ الكذاب أو الدجال، فيقتُلَه ويشقَه نصفين، ويمشي الدجال بحماره بين الشقين، ويقول له: قم حيًا بإذني فيعود حيًا. ثم يقول له بعد ذلك: أتؤمن بي؟ فيقول: ما زدت فيك إلا يقينًا أنك اللعين، [قال إبراهيم بن محمد] (٤) بن سفيان راوي صحيح مسلم أنه الخضر ﵇، لا أن ذلك الراوي إبراهيم أبو إسحق السبيعي، كما توهم القرطبي. وزعم بعضُهم أن الرجل من أصحاب الكهف، وقد مر أنهم يكونون من أصحاب المهديّ، وهو ضعيف [وفي رواية] (٥): قال: يأتي -يعني الدجال- وهو محرَّمٌ عليه أن يدخل المدينة، فينتهي إلى بعض السباخ التي تلي المدينة، فيخرجُ إليه يومئذ رجل وهو خير الناس، أو من خير الناس، فيقول: أشهد أنك

стр. 609

الدجال، الذي حدثنا رسول الله ﷺ ، فيقول الدجال: أرأيتم إن قتلتُ هذا أتشكونَ في الأمر؟ فيقولون: لا فيقتُله ثم يُحييه فيقولُ حين يُحييه: واللهِ ما كنتُ فيك قط أشد بصيرة مني الآن فيريد الدجال أن يقتله، فلا يتسلط عليه خرجه البخاري (١)، [وفي مسند أبي داود] (٢) الطيالسي عن النبي ﷺ ، أن مع الدجال ملكين يُشبهان نبيين من الأنبياء أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله فيقول: ألست بربكم أحيى وأميت؟ فيقول أحدهما: كذبت، فلا يسمعه أحد من الناس إلا صاحبه، ويقولُ الآخر صدقت وذلك فتنة أي يقول صدقت فيسمع ذلك الناس، فيظن الناس أن قولَه صدقت جوابًا للدجال، وإنما هُو تصديق لتكذيب صاحبه للدجال في زعمه أنه رب (٣). [واعلم] (٤) أن في خروج الدجال أحاديث كثيرة مختلفة، وأبسط حديث فيه حديث النواس عند مسلم (٥) وغيره، وحديث أبي أمامة عند ابن ماجة (٦)، وابن خزيمة والحاكم (٧) والضياء وحديث ابن

стр. 610

مسعود، عند نعيم بن حمّاد والحاكم (١)، وحديث أبي سعيد عند مسلم وعند البخاري معناه (٢). وحديثُ أبي سعيد أيضًا عند الحاكم (٣) فلنَسُق هذه الأحاديث مَساقًا واحدًا [ثم نذكر] (٤) وجه الجمع بين اختلافها بحسب الإمكان، والتيسير وقد نزيد بعضَ زيادات من غيرها، [فنقول اعلم] (٥) أن النبي ﷺ ، خطب فقال (٦): "إنه لم يكن في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم ﵇ أعظم من فتنة الدجال، وأن الله لم يبعثْ نبيًا إلاَّ حذر أمته الدجال، وأنا آخر الأنبياء وأنتم آخر الأمم، وهو خارج فيكم لا محالة فخفَضَ فيه ورفَعَ حتى ظنناهُ في طائفة النخل، فلما رُحنا إليه عرف منا ذلك فقال: أما (٧) من غير الدجال أخوف عليكم، إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجُه دونكم، وأنا حجيج كل مسلم وإن يخرج من بعدي فكلٌ حجيج نفسِه، واللهُ خليفتي عليكم، وعلى كل مسلم، وإنه يخَرجُ من خَلّة أي: من طريق بينَ الشام والعِراق، فيَعيثُ أي يُفسد، يبعث السرايا والجنود يمينًا وشِمالًا، وإن

стр. 611

على مُقدمته سبعين ألفًا من يهود أصبهان، عليهم رجل أشعر يقول: بدو بدو كما مر". [فقال] (١) ﷺ : "يا عباد الله فاثبتوا فإني سَأصفُه لكم صفة لم يصفها نبيٌ قبلي، إنَّهُ يبدو فيقول: أنا نبيٌ ولا نبي بعدي، ثم يُثنيِّ فيقول: أنا ربُكم ولا ترون ربكم حتى تموتوا، وإنه أعور وربكم ليس بأعور، وإنه مكتوبٌ بين عينيه كافر، يقرؤه كُلُّ مؤمن كاتب، وغير كاتب حروفًا مهجاة هكذا" (٢) [كـ فـ ر] (٣) كما جاء مصرحًا به في بعض الروايات وتقدم ذلك [وأن من فتنته] (٤) أن معه جنةً ونارًا فناره جنة وجنته نار، فمن ابتلي بناره فليستعن بالله، وليقرأ فواتح سورة الكهف فتكون عليه بردًا وسلامًا كما كانت النار على إبراهيم [وإن من فتنته] (٥) كذا وكذا وقد ذكرناها [وأن معه اليسع ﵇] (٦) ينذر الناس فيقول: هذا المسيح الكذاب فاحذروه لعنه الله ويعطيه الله من السرعة ما لا يلحقه الدجال [وفي رواية] (٧) إن بين يديه رجلين ينذران أهل القرى كلما دخلا

стр. 612

قرية أنذرا أهلها فإذا خرجا منها دخلها [أول] (١) أصحاب الدجال، [ويدخل القرى] (٢) كلها غير مكة والمدينة فيمر بمكة، فإذا هو بخلق عظيم فيقول من أنت؟ فيقول: أنا جبريل، بعثني الله لأمنعه من حرم رسوله [وفي رواية] (٣): أنه لا يبقى في الأرض شيء إلا وطئه وظهر عليه إلا مكة والمدينة فإنه لا يأتيهما من نقب من أنقابهما إلا لقيه الملائكة بالسيوف، صلتة فيمر بمكة فإذا رأى ميكائيل ولى هاربًا ويصيحُ فيخرجُ إليه من مكة منافقوها [ويمر بالمدينة] (٤) كذلك حتى إذا نزل عند الظريب الأحمر عند منقطع السبخة فتوجه قبله رجل من المؤمنين، ويقول لأصحابه: والله لأنطلق إلى هذا الرجل فلأنظرَنَّ أهو الذي أنذرنا رسول الله ﷺ أم لا؟ فيقول له أصحابه لا ندعكَ تأتيه، ولو أنا نعلم أنه يقتلُك إذا أتيته خلينا سبيلك، ولكن نخاف أن يفتنك. فيأبى عليهم الرجل المؤمن إلا أن يأتيه، فينطلق يمشي حتى يأتي مسالح [الدجال] (٥) أي: خفراءه، وطلائعه فيقولون له: أين تعمد؟ فيقول: أعمد إلى هذا الرجل الذي قد خرج وذكر ما قدمناه بحروفه، إلى أن قال فيرسلون إلى الدجال: إنا قد أخذْنا مَن يقولُ:

стр. 613

كذا وكذا فنقتُله أو نرسلُه. قال: فيقول: أرسلوه إليّ. فينطلقون به إلى الدجال، فإذا رآه المؤمن عرفه لنعت رسول الله ﷺ ، فيقول: أيها الناس هذا الدجال الذي ذكر رسول الله ﷺ ، فيأمر به الدجال فَيُشبحُ ثم يقول: لتُطيعنَّني فيما أمرتُك أو لأشُقنَّك شقتين، فينادي المؤمن: أيّها الناس هذا المسيح الدجال الكذاب، من عصاه فهو في الجنة ومن أطاعه فهو في النار، فيؤمر فيوسعُ ظهره وبطنه ضَربًا فيقول له الدجال: والذي أحلفُ به لتُطيعَنيِّ أو لأشقنك شقتين، فيقول: أنت المسيح الكذاب، فيؤمر به فينشر بالمنشار على ما قدّمناه. وفي رواية: فمد برجليه، فوضع حديدة على عجب ذنبه فشقه شقتين، ويبعد بينهما قَدْرَ رَمية الغرض، ثم يمشي الدجال بين القطعتين، ويقول لأوليائه: أرأيتم إن أحييته؟ ألستم تعلمون أني ربكم؟ قالوا: بلى، فيضربُ أحد شقيه أو الصعيد عنده ويقول له: قم فيستوي قائمًا فلما رآه أولياؤه صدقوه، وأيقنوا أنه ربهم، وأجابوه واتبعوه، وقال للمؤمن: ألا تؤمن بي؟ فيقول: ما ازددت فيك إلا بصيرة ثم يأتي المدينة المشرَّفة فيجدُ بكل نقب من أنقابها ملكًا مسلطًا، فيأتي سبخة الجرف، وفي لفظ هذه السبخة، ينزل بمر قناة فيضرب رواقه ثم ترجف المدينة ثلاث رجفات، فلا يبقى منافق ولا منافقة ولا فاسق ولا فاسقة إلا خرج له، فتخلصُ المدينة، وذلك اليوم يوم الخلاص.

стр. 614

رواه الإمام أحمد والحاكم (١) عن محجن بن الأدرع فقالت أم شريك بنت أبي العَكَن: يا رسول الله فأين العرب يومئذ؟ قال: "هم يومئذ قليل، وجلهم (٢) ببيت المقدس وإمامهم المهدي رجل صالح". وفي رواية: عند الإمام أحمد من حديث جابر مرفوعًا: "فيفر المسلمون إلى جبل الدُّخَان بالشام فيأتيهم فيشتد حصارهم ويجهدهم جَهدًا شديدًا"، الحديث (٣). ثم إن (٤) الناسَ يشكون في أمر الدجال، حين لم يقدر على قتل ذلك الرجل ثانيًا ويُبادرُ إلى بيت المقدس، فإذا صعد عقبة أفيق ورفع ظلة (٥) على المسلمين، فيوترون قسيهم لقتاله، فأقواهم مَن بَرَكَ حتى إذا طال الحصار قال رجل: إلى متى هذا الحصار والجهد؟ اخرُجوا إلى هذا العدو حتى يحكم الله بيننا إما الشهادة وإما الفتح فهل أنتم إلاّ بين إحدى الحسنيين؟! بين أن تستشهدوا أو يُظفركم الله عليهم، فيتبايعون على القتال بيعة يعلم اللهُ أنَّها الصدق عن أنفسهم، وذلك بعد ثلاث سنين شداد يُصيبُ الناسَ فيها الجوع الشديد، وأن قوتَ المؤمن التهليل والتسبيح والتحميد، ثم تأخذهم ظلمة لا يبصر أحدهم كفه، فينزل عيسى ابن مريم ﵇، فيحسرُ عن أبصارهم وبين أظهرهم رجلٌ عليه لامة فيقولون: من أنت؟ فيقول: أنا عبد الله وكلمتُه

стр. 615

عيسى، اختاروا إحدى ثلاث: أن يبعث الله على الدجال وجنوده عذابًا جسيمًا، أو يخسف بهم الأرض أو يُرسِلَ عليهم سلاحكم، ويكف سلاحهم فيقولون: هذا يا رسول الله أشفى لصدورنا (١). فيومئذ ترى اليهودي العظيم الطويل الأكول الشّروب، لا تقلّ يدُه سيفَه من الرعب، فينزلون إليهم فيسلطون عليهم هذه هذه (٢)، وفي رواية فبينما إمامهم -أي المهدي- قد تقدم يصلي بهم الصبح، إذ نزل عليهم نبيُّ الله عيسى ابن مريمَ ﵇ للصبح، فيرجعُ المهديُ قهقهرى، فيتقدم عيسى بنُ مريم ﵇ ليُصلي بالناس ويقال له: يا روحَ الله تقدم أي يقولُ ذلك بَعضُ من لم يُحرم بالصلاة. إذن فيقولُ ﵇: ليتقدم إمامُكم فيصلي لكم ويضع عيسى يديه بين كتفيه فيقول تقدم فإنها لك أقيمت فيصلي بهم إمامُهم فإذا انصرفَ قال عيسى: افتح فيفتح ووراءه -أي: الباب- الدجال معه سبعون ألف يهودي كلهم ذو سيف محلّى، وساج فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء وانطلقَ هاربًا فيقول عيسى ﵇: إن لي فيك [ضربة لن] (٣) تسبقني بها فيدركه عند باب لُدّ الشرقي، -ولد بضم اللام والمهملة بوزن مُدّ بلدٌ بناحية بيت المقدس، بينه وبين الرملة مقدار فرسخ إلى جهة دمشق، متصل نخيله

стр. 616

بنخيلها- فيقتله، ويهزم الله اليهود (١). وفي رواية لمسلم وأحمد: فبينما هو -أي: الدجال- كذلك إذ بعث الله المسيحَ ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، مهروذتين. أي بالذال المعجمة والمهملة أي مصبوغتين بالهرذ وهو شيء أصفر أو بالزعفران أو الورس واضعًا كفّيه على أجنحة ملكين، إذا طاطأ رأسه قطر. -أي الماء من شعره- وإذا رفعه تحدَّرَ منه مثل الجمان، أي: بضم الجيم وتخفيف اليم، حبات من الفضة، يصنع على هيئة اللؤلؤ الكبار. فلا يحلُ لكافر يجدُ من ريح نفسه إلا مات ونَفَسُه ينتهى حيث ينتهى طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب لدّ فيقتله (٢). وفي رواية "ثم ينزل عيسى ﵇ فينادي من السحر فيقول: أيها الناس ما يمنعكم أن تخرجوا إلى الكذاب الخبيث؟ ويسمعون النداء: جاءكم الغوث فيقولون: هذا كلامُ رجل شبعان، وتُشرقُ الأرضُ بنور ربها، وينزلُ عيسى ابن مريم ويقولُ: يا معشر المسلمين: احمدوا ربّكم وسبحوه أي فإن الحمدَ والتسبيح قوتهم كما مرّ، فيفعلون. ويريد أصحاب الدجال الفرار، فيُضيّقُ الله عليهم الأرض، فإذا أتوا بابَ لدّ (٣) في نصف ساعة، يُوافقون عيسى فإذا نظر الدجال إلى

стр. 617

عيسى يقول: أقيموا الصلاة خوفًا منه أي: من عيسى ويقول: يا نبي الله قد أقيمت الصلاة فيقول عيسى: يا عدوَّ الله زعمت أنك رب العالمين، فلمن تُصلي؟ فيضربه بمقرعته، وفي رواية بحربته التي نزل بها من السماء، وفي رواية يذبحه بالسكين، ولا منافاة في ذلك إذ كل ذلك سلاح لسيدنا عيسى ﵇ فيقتلُه رواه الإمام أحمد (١) عن جابر مرفوعًا [ولفظه] (٢): ثم ينزل عيسى ﵇، فينادي من السحر فيقول: يا أيها الناس ما يمنعكم أن تخرجوا إلى هذا الكذاب الخبيث؟ فيقولون: هذا رجل حَيّ فينطلقون، فإذا هم بعيسى ﵇، فتقام الصلاة فيقال له: تقدم يا روحَ الله فيقول: ليتقدم إمامُكم فليصلي بكم، فإذا صلوا صلاة الصبح خرجوا إليه، فحين يراه الكذاب ينماث كما ينماث المِلح في الماء، فيمشي إليه فيقتله، حتى إن الشجر والحجر ينادي: يا روح الله هذا يهودي، فلا يتركن ممن كان تَبِعَهُ أحدٌ إلا قتله (٣). وفي التذكرة: فيصلي بهم إمامُهم فإذا انصرف قال عيسى ﵇: افتحوا الباب، فيُفتح ووراءهُ الدجال، ومعه سبعون ألف يهودي كلهم ذو سيف مُحلىّ، فإذا نظر إليه ذاب الدجال (٤) كما يذوب الملح (٥). كما تقدم.

стр. 618

تنبيه: وجه الجمع بين هذه الروايات: أن عيسى صلوات الله عليه، ينزل أوّلاً بدمشق على المنارة البيضاء -وهي موجودة الآن- لست ساعات من النهار، ثم يأتي إلى بيت المقدس غوثًا للمسلمين، ويلحقهم في صلاة الصبح، وقد أحرم المهديُ والناسُ كُلّهم أو بعضهم لم يُحرم بعد، فيخرج إليه من لم يُحرم بالصلاة فيأتي المهدي في الصلاة، فقهقر (١) ويقول لعيسى بعضُ الناس: تقدم لما تقهقر المهدي فيضع يده على كتف المهدي أن تقدم، ويقولُ للقائل: ليتقدم إمامكم فيجيبُ المهدي بالفعل، والقائل بالقول ليكونَ جواب كل على طبق قوله. ثم إذا أصبحوا شرِّدَ أصحابُ الدجال، فتضيقُ عليهم الأرض فيدركهم بباب لُدّ، فيُصادف ذلك صلاة الظُهر، فيتحيل اللعين إلى الخلاص من سيدنا عيسى بالصلاة، فلمّا عرف أنه لا يتخلص من ذلك، ذاب خوفًا منه كما يذوب الملح بالماء، فأدركه فقتله، أو أنه ينشئ اللعينُ صلاة في غير وقتها، وهو أدلُّ على ضلالته وجهالته بالله، ذكره في "الإشاعة" (٢) ثم قال: وهنا وجهٌ آخر وهو أقرب إلى التحقيق: وهو أن الصلاة في الأيام القصار التي هي آخر أيام الدجال تقدر، فيحتمل أن يصادف التقدير ذلك الوقت، وعلى هذا فلا إشكال بين كونِه ينزل بدمشق لِست ساعات مضين من النهار، وبين كونه يصلي بالناس صلاة العصر. انتهى.

стр. 619

وعندي فى هذا الجمع نظر من وجوه: الأول: في مسند الإمام إحمد عن جابر مرفوعًا: ثم ينزلُ عيسى ﵇، فينادي من السحر فيقول: يا أيها الناس مما يمنعكم أن تخرجوا إلى هذا الكذاب الخبيث فيقولون: هذا رجل حيّ فينطلقون، فإذا هُم بعيسى ﵇ فتقام الصلاة فيقال لهُ تقدّمْ يا روحَ الله. الحديث (١) فهذا صريح أنه يجتمع بهم قبل إقامة الصلاة، ثم يقيمونها بعد ذلك، كما لا يخفى، سيما وقد عُطف بالفاء وهي للترتيب وأيضًا. فإن السحر قُبيل الصبح. الثاني: في بعض الروايات "ثم ينزلُ ابن مريم، بعدَ أن يجمع المهديُ الناسَ لقتاله -أي: الدجال- فتعمهم ضبابة من غمام، ثم ينكشف عنهم مع الصبح، فيرون عيسى قد نزل، ويكون نزوله عند المنارة البيضاء والناس يريدون صلاة الصبح، ثم بعد الصلاة يتبعونه، وقد فرّ". فهذا يدل على أنه ينزل على منارة دمشق الصبح، فكيف يُقال لستّ ساعات مضين من النهار؟ وفيه أيضًا أن الناس لم يكونوا أحرموا بالفجر، بل يريدون ذلك، إلاّ أن يقال أحزمَ الإمام، وبعضُ الناس ومعظم الناس لم يُحرم بها بعد. الثالث قوله: يُصلّي بالناس صلاةَ العصر المعروف عند أهل العلم: أن عيسى ﵇ يُصلي وراء المهدي صلاة الفجر فقط. ثم يسلم له المهدي الأمر ويصلي بالناس، فيكون أوّل صلاة يصليها بالناس الظهر، فكيف يقول: يُصلي بالناس صلاة العصر؟

стр. 620

والجواب أنه لا منافاة في كلام صاحب "الإشاعة" أو يكون قد جمع بين الظهر والعصر تأخيرًا لاشتغاله في طلب الدجال، فليحرر المقام فإذا قتَل الدجّال انهزم جنودُه الذين هم اليهود، فلا يبقى شيء مما خلق الله يتوارى به يهودي إلاّ أنطق الله ذلك الشيء لا شجرَ ولا حجرَ ولا حائط ولا دابّة إلا قال: يا عبد الله: هذا يهودي، وفي لفظ هذا دجالي فتعال اقتله إلاّ الغرقد (١)، فإنّها من شجر اليهود، لا ينطق ففي مسلم عن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى يُقاتلَ المسلمون اليهودَ فيقتُلَهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقولُ الحجر والشجرُ يا مسلمُ هذا يهودي خلفي فاقتله، إلا الغرقد فإنه شجر اليهود" (٢) وفي البخاري نحوه والله أعلم. المقام الرابع: في سرعة سيره في الأرض ومدّة لبُثه فيها، وكيفيّة النّجاة منه . أما سيره: ففي صحيح مسلم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس من بلّدِ الاّ سيطؤه (٣) الدجال إلا مكة والمدينة" (٤).

стр. 621

وورد أيضًا: "يبلغ كلّ منهل إلاّ أربعة مساجد: المسجدُ الحرام ومسجدُ النبي ﷺ ومسجد الأقصى ومسجد الطور، فيقتل وهو قاصد لبيت المقدس" (١) وعند أبي نعيم في الفتن: عن ابن مسعود مرفوعًا: "خطوُ حماره ثلاثة أيام" (٢). وفي البهجة (٣) وردَ "أنّ خَطوَ حماره ثلاثةَ أيامٍ وأنه لا يُسخرُ له من الدواب إلا الحمار، فيطأ كل منهل في كل سبعةً أيام". وذكر الحافظ ابن حجر (٤) "سيرَ الدجال ومجيئه دمشق عند بابها الشرقي، وأمْرَه السحابَ بالمطر فيمطر، والنهر أن يَسيلَ فيسيل إليه، وأن يَرجع فيرجع، وأن ييبس فييبس، ويأمر جبل سَيناء وجبل زيتا أن يتشحطا ويُثير الرياح سحابًا من البحر، يمرُّ الأرضَ بأمره ويخوض في البحر ثلاث خوضات في اليوم، فلا يبلغ حقويه، وإحدى يديه أطول من الأخرى، فيمد الطويلة في البحر فيبلغ قعره، فيُخرج من الحيتان ما يريد". الحديث بطوله في مستدرك الحاكم. وأما مدة: لُبث الدجّال في الأرض: ففي خبر النواس بن سمعان، عند الترمذي قلنا: يا رسول الله "وما لبثه في الأرض؟ قال أربعون يومًا يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيّامكم، قلنا يا رسول الله: فذلك اليومُ الذي كَسَنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، اقدُرُوا له قَدره، قلنا: يا رسول الله، وما سِراعُه

стр. 622

في الأرض قال: كالغيث استدبرته الريح" (١)، الحديث بطوله. قال العلامة في البهجة (٢): قال بعضهم: وعلى قياس الصلاة الصوم والحج والعمرة، وحَولُ نصاب الزكاة انتهى. وفي رواية عند الإمام أحمد ومسلم من حديث ابن عمرو مرفوعًا "يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين فيبعث اللهُ عيسى بنُ مريم ﵇، كأنه عروة بن مسعود الثقفي، فيطلُبه فيهلكه" (٣). وفي حديث أبي أمامة عند ابن ماجه، وابن خزيمة، والحاكم والضياء: "إِنَّ أيامه أربعون سنة، السّنةُ كنصف السّنة، والسّنةُ كالشهر، والسنةُ كالجمعة، وآخر أياّمه كالشررة، يُصبحُ أحدكم على باب المدينة فلا يبلغُ بابَها الآخرَّ حتى يُمسي" (٤). وقد اختلفَ العلماء في تأويل هذا الحديث، فمنهم منَ قال: هو كنايةٌ عن اشتغال الناس بأنفسهم من الفتن، حتى لا يدروا كيف يَمضي النهار؟ فيكون مُضيُّ النهارِ عندهم كمضي الساعة، والشهر كاليوم، والسنة كالشهر، وقال بعضُهم: بل هو على ظاهره فقد ورد من حديث أنس عند الإمام أحمد والترمذي في أشراط الساعة "حتى يتقارب الزمان، فتكون السنةُ كالشهر، ويكونُ الشهر كالجمعة، وتكون الجمعة

стр. 623

كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كالضرمة بالنار" (١) قُلْتُ: وذكر بعضُ العلماء أنّ الصّلاة تقدر في هذه الأيام أيضًا، على قياس ما مرَّ (٢) ويأتي تحريره قريبًا. والله أعلم. والجوابُ عن اختلاف الحديثين: إمَّا بالترجيح وإمّا بالجمع فإن رجَّحنا فحديثُ النواس عند الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، فهو أقوى لأنه أصح، وإن كان الثاني: أيضًا في الصحيح، فيقدم عليه وإن جمعنا فطريق الجمع: أن أيامه أربعون سنة، وتُسمَّى السنين أيامًا مجازًا. كما يُقالُ أيامُ بني الزبير وأيّام عمر بن الخطاب وأيام بني أمية، ثم إن أول أيام سنته الأولى: كسنة، وثانيها: كشهر، وثالثها: كجمعة وباقي أيامها كأيامنا ثم تناقص أيام السنة الثانية حتى تكون السنة كنصف سنة، وهكذا إلى أن تكونَ السنةُ كشهر، والشهر كجمعة والجمعة كيوم، حتى يكونَ آخر أيامه بحيث يُصبحُ أحدُهم على باب المدينة، فلا يبلغ بابها الآخر حتى يُمسي فتكونُ السنة الأولى مشتملة على مقدار سنين من سينينا، وسِنُوُّه الأخيرة مقدار سنة، من سيننا ويقربه رواية الحاكم، ونعيم عن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا أنه يقول: "أنا رب العالمين، وهذه الشمس تجري بإذني، أفتريدون أن أحبسها؟ فيحبس الشمس حتى يجَعلَ اليومَ كالثسهر، وكالجمعة، ويقول: أتريدون أن أسيّرَها فيجعلُ اليوم كالساعة؟ " الحديث (٣).

стр. 624

فائدة: مرّ أنه ﷺ سئل عن الصلاة، في اليوم الذي كالسنة "أتكفينا فيه صلاة يوم واحد؟ قال: لا، ولكن أقدُروا مقدارَ كُلّ يوم فصلّوا فيه خمسَ صلوات، وتقدم وقيس به اليومان الآخران وسئل عن الأيام القصار فقالوا: كيف نُصلي يا رسول الله في تلك الأيام؟ قال: تقدرون فيها للصلاة، كما تقدرونها في هذه الأيام الطوال". قال في الإشاعة (١): والظاهر أن التقدير هُنا عكس الأوّل، بأن تُصلى الخمس في مقدار يوم من هذه الأيام. قُلْتُ: وهو منطوق الخبر، والظاهر أن صاحبَ الإشاعة ظن أن قوله كما تقدرونها في هذه الأيام الطوال: أن الطوال هي أيام الدجال التي مرّ الكلام عليها وليس كذلك، بل قوله ﷺ ، كما تقدرونها في هذه الأيام الطوال، أي التي أنتم فيها الآن، هذا الذي يظهر والله أعلم. وأما كيفية النجاة منه: فإنه معلومٌ قطعًا أنه ليس برب، كيف! وهو يأكل الطعام ويشرب الشرابَ، وهو لضعفه وخسته أعور وهُو جسم مرئي، وهذه كلها لا تجوز على البارئ. نعم الرؤيا (٢) لكن في الآخرة كما ثبت ذلك، ولو كان لَهُ قوة لردَّ عينه وجعلها أحسنَ عين، رؤيت في الدنيا، وقد عُلم ممّا مَرّ أنه لا يدخل الحرمين، فينبغي لمن أدرك ذلك أن يلتجئ إلى أحدهما أو إلى المسجد الأقصى أو إلى مسجد الطور، هذا وقد صح عن حضرة الرسالة: "أن من حفظ عشر آيات من أوّل سورة الكهف، عُصم من الدجال" (٣).

стр. 625

وفي رواية "من آخر الكهف" رواه مسلم عن أبي الدرداء مرفوعًا وقد ورَد عن أبي أمامة مرفوعًا: "من لقيهُ منكم فليتفُل في وجهه" (١) رواه الطبراني، وممّا ينبغي للمؤمن أن يُكثر من التهليل والتسبيح والتكبير، فإنه قوته إذن كما مرّ. واعلم أن أحاديث الدجال لا ينبغي الجهلَ بها، بل يجب العلمُ بها وقد قال ابن ماجه: سمعت الطنافسي يقول: سمعتُ المحاربي يقول: ينبغي أن يُدْفع هذا الحديث يعني حديث الدجال إلى المؤدِّب حتى يُعَلمهُ الصبيان في الكُتَّاب (٢). وقد وَرَدَ أنَّ من علامات خروجه نسيان ذكره على المنابر. وأخرج الإمام أحمد وابنَ خُزيمة وأبو يعلى والحاكم عن جابر مرفوعًا: "يخرج الدجال في خفة من الدين، وإدبار من العلم" (٣) فينبغي لكل عالم، لاسيَّما في زماننا هذا الذي اشرأبَّت فيه الفتن، وكثر فيه اللغط، أن يُفشى أحاديث الدجال، لتعرفَ. قد قَرُبَ واللهِ الميقات، وظهرت العلامات، واندرس العِلمُ ومات، ونُسي الدجال فلا يذكر في ساعة من الساعات، فوالله إني في بعض الأيام لأتكلم في أحاديثه، واحذّر الحاضرين من فتنته، فإذا ببعضِ السفهاء الضالين قد خرج مُنكرًا لذلك، فَلَقَي بعضَ إخوانه الذين طمس الله على بصيرته، فقال له:

стр. 626

هل سمعتَ أنّ لنا ربيّن؟ فقال: لا، فقال: إنَّ فلانًا يقول إنَّ رجلاً يأتي آخر الزمان يقولُ للسّماء أمطري فتمطر، ولا يَفعلُ ذلك إلاّ ربُّ العالمين، فلا شكّ في هذا إن أدرك أيامَ الدجَّال يكن من أوليائه. فنسأل الله العافية. خاتمة: اختلف الصحابة فَمَنْ بعدهم قديمًا وحديثًا في الدجال هل هو ابن صياد أو غيره، ولكُلِّ أدلّة. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني، في "شرح البخاري": مما يدُل على أنَّ ابن صيَّاد هُو الدجال: ما أخرجَ مسُلم عن محمد بن المنكدر، قال: رأيت جابر بن عبد الله يحلفُ بالله أنّ ابن صيّاد الدجال، فقلت له أتحلف على ذلك؟ قال: إني سمعتُ عمر يحلفُ [بالله] (١) على ذلك عند النبي ﷺ [فلم ينكره النبي ﷺ ] (٢). وأخرجه أبو داود في "سننه" وفي التذكرة (٣) للقرطبى ﵀، عن نافع قال: كان ابن عمرَ ﵁ يقول: والله ما أشك أن المسيح الدجال ابن صياد. وأخرجه أبو داود وإسناده صحيح (٤). وأخرج مسلم (٥) عن أبي سعيد الخُدري ﵁، قال: خرجنا

стр. 627

حجُاجًا أو عُمَّارً ومعنا ابن صياد قال: فنْزلنا مَنزلاً فتفوق الناس، وبقيتُ أنا وهو أي: ابن صيّاد، فاستوحشتُ منه وحشةً شديدة، مما يقالُ عليه قال: وجاء بمتاعه فوضعه مع متاعي، فقلت: إن الحرَ شديد، فلو وضعته تحت تلك الشجرة، قال: فرُفعت لنا غنمٌ فانطلقَ بَعِس (١) فقال اشرب أبا سعيدٍ، [فقلت: إن الحر شديد واللبن حار ما بي إلا أني أكره عن يده أو قال آخذ عن يده فقال: أبا سعيد] (٢) من خفي عليه حديثُ رسول الله ﷺ ما خفى عنكم معشرَ الأنصارِ، ألستمُ من أعلم الناس بحديث رسول الله ﷺ ؟ أليس قد قال رسولُ الله ﷺ "هو كافر؟ " وأنا مسلم، أوليس قد قال رسولُ الله ﷺ "هو عقيمُ لا يُولَدُ له"، وقد تركت وَلدي بالمدينة، أوليس قد قال رسول الله ﷺ "لا يَدْخلُ المدينة ولا مكة" فقد أقبلتُ من المدينة وأنا أريد مكة وفي رواية وقد حججت قال أبو سعيد حتى كدت أن أعذُوَه ثم قال: أما والله إني لأعرفه، وأعرفُ مولدَه، وأين هُوَ ألآن قال: قلتُ له تبًا لك سائر اليوم. وقيل له أيسرُّك أنك ذلك الرجل؟ فقال لو عُرضَ عليَّ أن أكونَ أنا هُو لم أكره وفي لفظ: ما كرهتُ قال أبو سعيد فقلت له تبًا لك سائر اليوم. وعن ابن عُمر ﵄ قال: لقيتُ ابن صيادٍ مرتين، فذكر المرّة الأولى قال: ثم لقيته أخرى وقد نفرت عينه، قال: فقلت:

стр. 628

متى نفرت (١) عينُك؟ ما ترى؟ قال: لا أدري قال: قلتُ: لا تدري وهي في رأسك قال: إن شاء اللهُ خلقها في عصاك هذه، قال: فنخر كأشدِّ نخر حمار سمعتُ قال: فَزعم بعضُ أصحابي أني ضربته بعصا كانت معي حتى تكسرت، وأما أنا فوالله ما شعرت. قال: وجاء ابن عمر حتى دخل على أم المؤمنين فحدثها، فقالت: ما تُريد إليه أما إنه قد قال رسول الله ﷺ : "إن أوَّل ما يبعثهُ الله على الناس غضبٌ يغضبه" (٢). وقال عمر لرسول الله ﷺ : ذرني يا رسول الله أضربُ عُنُقَه. قال ﷺ : "إن يكن هُو فلن تسلط عليه، وإن لم يكنه، فلا خير لك في قتله" ذكره في التذكرة (٣) وأخرج أبو داود (٤) عن جابر ﵁، قال: فُقِدَ (٥) ابن صيادٍ يومَ الحرّة، وأخرج الترمذي عن أبي بكرة ﵁ مرفوعًا: "يمكثُ أبو الدجال وأمه ثلاثين عامًا لا يولد لهما ولد، ثم يُولَدُ لهما أعور أضَرُّ شيءٍ وأقلُه منفعة، تنامُ عينُه ولا ينامُ قلبُه"، ثم نعتَ لنا رسولُ الله ﷺ أبويه: فقال: "أبوه طوالُ ضرب اللحم كأن

стр. 629

أنفه منقار، وأمه امرأةٌ طويلة اليدين"، قال أبو بكرة: فسمعَنَا بمولود في اليهود بالمدينة، فذَهَبْتُ أنا والزبير بن العوّام، حتى دخلْنا على أبويه فإذا نعتُ رسول الله ﷺ فيهما، فقُلنا هل لكما ولد؟ فقال مكثنا ثلاثين عامًا لا يُولد لنا ولد ثم وُلدَ لنا غلامٌ أعور، أضرّ شيءٍ وأقلُه منفعة، تنامُ عينُه ولا ينامُ قلبُه قال: فخرجنا من عندهما فإذا هو منجدل في الشمس، في قطيفة وله جمجمة فكشفت عن رأسه فقال: ما قلتما؟ قلنا: وهل سمعتَ ما قلنا قال نعم، تنام عيني ولا ينام قلبي. قال الترمذي: حديث حسن غريب لا نعرفُه إلا من حديث حماد بن سلمة (١). قال القرطبي (٢): قلتُ خرَّجه أبو داود الطيالسي قال: حدثنا حمادُ بنُ سلمة عن عليّ بنِ زيد عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه وروى من حديث أبي هريرة ﵁ أن يهوديًا أتى النبي ﷺ ، فسأله عن أشياء. الحديث وفي آخره قال: فأخْبِرني عن الدجال أمن ولد آدم هو؟ أم من ولد إبليس؟ قال: "هُو من وَلد آدم وإنه على دينكم معشر اليهود"، أو كما قال. قال الحافظ ابن حجر: هذه الأحاديث كلها ليست نصًا ولا صريحًا، في أن ابن صياد هُو الدجال لأن النبي ﷺ أتى إلى المدينة، ثم لما أخبره تميم الداري جزم بأن الدجال هو ذلك المحبوس الذي رآه تميم، ويأتي حديثُه. وأمّا حلف عمر عند رسول الله ﷺ ، فبناءً على

стр. 630

ظنه، وسكوت النبي ﷺ ؛ لأنه كان مترددًا فيه. وأمّا حديثُ أبي بكرة فقال البيهقي في الجواب عنه: تفرَّد به عليُّ بن زيد، وليس بالقوي. قال الحافظ ابن حجر ويوهي حديثه: أن أبا بكرة أسلم حين نزل من الطائف لمَّا حُوصرت سنة ثمان من الهجرة، وفي حديث الصحيحين أنه حين اجتمع به النبي ﷺ في النخل: كانَ قد قاربَ الحُلُم، فأين يدرك أبو بكرة زمان مولده بالمدينة، وهو لم يسكن المدينة، إلاَّ قبلَ وفاة النبى ﷺ بسنتين، كيفَ يتأتى أن يكونَ في الزمن النبوي كالمحتلم؟ فالذي في الصحيحين: هو المعتمدُ ثم نقَلَ البيهقيُ أنه ليس في حديث جابر أكثر من سكوت النبي ﷺ ، على حلف عمر فيُحتمل أنه ﷺ ، كان يتوقف في أمره، ثم أُخبر من عند الله أنه غيره على ما تقتضيه قصة تميم الداري (١). قال ابن حجر: (٢) وقد توهم بعضُهم أن حديثَ فاطمةَ بنتِ قيس في قصة تميم، فرد وليس كذلك، فقد رواه مع فاطمة بنت قيس أبو هريرة وعائشة (٣) وجابر. أما حديثُ أبي هريرة: فأخرجه الإمام أحمد، وأبو داود وابن ماجه وأبو يعلى، وأما حديث عائشة: فهو في حديث فاطمة المذكورة عند الشعبي، قال: ثم لقيتُ القاسمَ بنَ محمد

стр. 631

فقال: أشهد على عائشة حدثتني كما حدثت فاطمة بنت قيس، [وأما حديثُ جابر فأخرجه أبو داود بسند صحيح (١)، وأما حديثُ فاطمةَ بنتِ قيس،] (٢) فأخرجه مسلم وأبو داود بمعناه، والترمذيّ وابن ماجه قال الترمذيُّ حسنٌ صحيح (٣)، ولفظُ رواية مسلم (٤) قالت: سمعتُ منادي رسول الله ﷺ ينادي: الصلاةُ جامعة فخرجتُ إلى المسجد، فصليت مع رسول الله ﷺ ، فلمَّا قضى صلاتَهُ جلسَ على المنبر، وهو يضحك فقال: "ليلزَمْ كُلُّ إنسانِ مُصلاَّهُ"، ثم قال: "هل تدرونَ لمِا جمعتكم؟ " قالوا: اللهُ ورسوله أعلم. قال: "إنيّ واللهِ ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن جمعْتُكُم لأنَّ تميمًا الداري كان رَجُلاً نصرانيًا" فجاء وأسلم وحدّثني حديثًا وافق الذي كنت حدثتكم (٥) به عن المسيح الدجال، حدثني أنه ركبَ في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلاً من لخم وجذام، فلعبَ بهم الموجُ شهرًا في البحر، فأرقئوا أي: بالهمز يعني لجؤا إلى جزيرة حين مغرب الشمس، فجلسوا في أقرب السفينة وهو بضم الراء جمع قاربٍ بفتح الراء وكسرها، سفينةٌ صغيرة تكون مع الكبيرة، فيها ركاب السفينة لقضاء الحوائج قال: فدخلوا الجزيرة فلقيتهم دابةُ أهلب: أي غليظ الشعر كثيرة، وعند أبي داود فإذا أنا بامرأة تجر شعرها، قالوا: ويلك ما أنتِ؟ قالت: الجسّاسة أي بفتح

стр. 632

الجيم، وتشديد السين الأولى سُميت بذلك لأنها تتجسس الأخبار، وقد روي عن عمرو بن العاص (١) أن هذه هي دابَّةُ الأرض التي تخرجُ آخر الزمان، فتكلمهم كما يأتي فقالت: انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير، فإنه إلى أخباركم بالأشواق، فلمّا سمَّتْ لنا رجُلًا فرقنا أي خفنا منها أن تكونَ شيطانة، قال: فانطلقنا حتى دَخلْنا الدير فإذا فيه أعظم إنسان رأيناهُ قطُ خَلقًا وأشدهُ وثاقًا مجموعةٌ يدُه إلى عنقه ما بين رُكبتيه إلى كعبه بالحديد، قلنا: ويلَك ما أنت؟ قال: قد قدرتم على خبري، فأخبروني ما أنتم؟ قلنا: نحن أناس من العرب ركبنا في سفينة بحرية، فأخبروه بالخبر فقال: أخبروني عن نخل بيسان بفتح الموحدة قرية بالشام، جنوبي طبرية، وناحية باليمامة وهي المرادةُ في الحديث بدليل ذكر النخيل هل يثمر؟ قلنا: نعم قال: أما أنها يوشك أن لا تثمر قال: أخبروني عن بحيرة طبرية: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء، قال: أما إن ماءها يوشك أن يذهب، قال: أخبروني عن عين زُغر -بضم الزاي، وفتح الغين المعجمة على وزن صُرد-، بلدة معروفة من الجانب القبلي من الشام، بينها وبين بيت المقدس ثلاثُ فراسخ على طرف البحرية، وزُغر -اسم ابنة لوط ﵇، كما في جامع الفنون في باب العيُون منه. هل في العين ماء وهل يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا: نعم هي كثيرة الماء وأهلها يزرعون من مائها قال: أخبروني عن نبي الأميين ما فعل؟ قلنا: قد خرج من مكة ونَزل يثرب،

стр. 633

قال: أقاتله العربُ، قلنا: نعم. قال: كيفَ صنع بهم؟ فأخبرناه أنه قد ظهر على من يَليه من العرب، وأطاعوه قال: أما إن ذلك خير لهم أن يُطيعوه وإني مُخبرُكم. إني أنا المسيحُ وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج، فأخرج فأسير في الأرض، فلا أدعُ قريةً إلا هبطتُها في أربعين ليلة، غير مكة وطيبة، وهما محرمتان عليّ كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة منهما استقبلني ملك، بيده السيف صلتًا يصدني عنها وإنَّ على كُلِ نقبٍ من أنقابها ملائكة يَحرسونها، قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "وطَعن بمخصرته بكسر الميم: عصا أو قضيب يكون مع الملك أو الخطيب، يُشير بها إذا خَطب في المنبر -مُتعلق بطعن- هذه طيبة ثلاًثا: يَعني المدينة: ألا هل كنتُ أحدِّثكم؟ " قال الناس: نعم. قال: "فإنه أعجبني حديثُ تميم الداري أنه وافق الذي كنتُ حدثتكم عنه، وعن المدينة ومكة إلاّ أنه في بحر الشام، أو في بحر اليمن، إلا من قبل المشرق ما هو من قبل المشرق، ما هو وأومأ بيده أنه إلى المشرق" (١). قال القاضي عياض: لفظةُ "ما" زائدة صلة الكلام ليست نافية. والمرادُ إثباتُ أنه من قبل المشرق (٢) الحديث بطوله عند مسلم، وفي بعض طرق الحديث عِند البيهقي: إنه شيخُ. وسنده صحيح قال البيهقي فيه: إن الدّجال الأكبر الذي يَخرج في آخر الزمان غير ابن صيَّاد، وإن كان ابن صياد واحد الدجّالين الكذابين الذين أخبرَ النبي ﷺ ، بخروجهم.

стр. 634

وكأنّ هؤلاء الذين يقولون: إن ابن صيّاد هُو الدجال، لم يسمعوا بقصة تميم، وإلا فالجمعُ بينهما بعيدٌ جدًا، إذ كيفَ يلتئم من كان في أثناء الحياة النبوية شبه المُحتلم، ويجتمع به النبي ﷺ ، أن يكون في آخرها شيخًا مسجونًا في جزيرة من جزائر البحر مُوثقًا بالحديد، يستفهم عن خبر النبي ﷺ هل خرج أو لا قال: وأما إسلام ابن صياد، وحجه وجهادهُ فليس فيه تصريح بأنه غير الدجال، لاحتمال أنه يُختَم لهُ بالشر. فقد أخرج أبو نعيم في "تاريخ أصبهان"، عن حسان بن عبد الرحمن عن أبيه قال: لما فتحنا أصبهان كان بين عسكرنا وبين اليهودية فرسخ فكُنا نأتيها، ونمتار منهَا، فأتيناها يومًا فإذا اليهودُ يدففون ويضربون، فسألتُ صديقًا لي منهم فقال: مَلكُنا الذي نستفتح به على العرب يدخل، فبتُ عنده على سطح فصليّتُ فلمّا طلعت الشمس، إذ الوهج من قِبَل العَسكر فنظرت فإذا هُو ابن صيّاد، فدخل المدينة فلم يعد حتى الساعة (١). قال الحافظ ابن حجر (٢): وحسان بن عبد الرحمن، ما عرفتُه والباقون ثقات. قال: وقد أخرج أبو داود (٣) بسند صحيح، عن جابر قال: "فقدنا ابن صياد يوم الحرّة". ورواه غيره بسند حسن وخبر جابر

стр. 635

هذا يضعف خبر أنه مات بالمدينة، وأنهم صَلّوا عليه، وكشفوا عن وجهه ولا يلتئم أيضًا معَ خبر حسان بن عبد الرحمن المار، إذ فتحُ أصبهان كانَ في خلافة عمر كما أخرجه أبو نعيم في تاريخها (١)، وبين قتل عمر ﵁ ووقعة الحرة نحو أربعين سنة، وغاية ما يعتذر عنه، أن القصة إنما شاهدها والد حسان، بعد فتح أصبهان في هذه المدة، ويكونُ جواباً لمّا في قوله: "لما فتحنا أصبهان" محذوف تقديره: صرتُ أتعاهدها وأتردد إليها فجرتْ قصةُ ابن صياد المارة وقد أخرج الطبراني في الأوسط من حديث فاطمة بنت قيس مرفوعًا: "أن الدجال يخرجُ من أصبهان" (٢). وأخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أنس ﵁ أنه يخرج من يهودية أصبهان (٣). قال أبو نعيم: كانت اليهودية من جملة قرى اصبهان، وإنما سميت اليهودية لأنها كانت تختص بسكنى اليهود ولم تزل كذلك إلى زمن أيوب بن زياد أمير مصر في زمن المهدي بن منصور العباسي. فسكنَها المسلمون، وبقيت لليهود منها قطعة. هذا مُلخص كلام الحافظ ابن حجر، مع ضم فوائد من كلام
следующие страницы →