← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 132973

البحور الزاخرة في علوم الآخرة

السفاريني

Полный текст (1 621 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

فقال: أشهد على عائشة حدثتني كما حدثت فاطمة بنت قيس، [وأما حديثُ جابر فأخرجه أبو داود بسند صحيح (١)، وأما حديثُ فاطمةَ بنتِ قيس،] (٢) فأخرجه مسلم وأبو داود بمعناه، والترمذيّ وابن ماجه قال الترمذيُّ حسنٌ صحيح (٣)، ولفظُ رواية مسلم (٤) قالت: سمعتُ منادي رسول الله ﷺ ينادي: الصلاةُ جامعة فخرجتُ إلى المسجد، فصليت مع رسول الله ﷺ ، فلمَّا قضى صلاتَهُ جلسَ على المنبر، وهو يضحك فقال: "ليلزَمْ كُلُّ إنسانِ مُصلاَّهُ"، ثم قال: "هل تدرونَ لمِا جمعتكم؟ " قالوا: اللهُ ورسوله أعلم. قال: "إنيّ واللهِ ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن جمعْتُكُم لأنَّ تميمًا الداري كان رَجُلاً نصرانيًا" فجاء وأسلم وحدّثني حديثًا وافق الذي كنت حدثتكم (٥) به عن المسيح الدجال، حدثني أنه ركبَ في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلاً من لخم وجذام، فلعبَ بهم الموجُ شهرًا في البحر، فأرقئوا أي: بالهمز يعني لجؤا إلى جزيرة حين مغرب الشمس، فجلسوا في أقرب السفينة وهو بضم الراء جمع قاربٍ بفتح الراء وكسرها، سفينةٌ صغيرة تكون مع الكبيرة، فيها ركاب السفينة لقضاء الحوائج قال: فدخلوا الجزيرة فلقيتهم دابةُ أهلب: أي غليظ الشعر كثيرة، وعند أبي داود فإذا أنا بامرأة تجر شعرها، قالوا: ويلك ما أنتِ؟ قالت: الجسّاسة أي بفتح

стр. 632

الجيم، وتشديد السين الأولى سُميت بذلك لأنها تتجسس الأخبار، وقد روي عن عمرو بن العاص (١) أن هذه هي دابَّةُ الأرض التي تخرجُ آخر الزمان، فتكلمهم كما يأتي فقالت: انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير، فإنه إلى أخباركم بالأشواق، فلمّا سمَّتْ لنا رجُلًا فرقنا أي خفنا منها أن تكونَ شيطانة، قال: فانطلقنا حتى دَخلْنا الدير فإذا فيه أعظم إنسان رأيناهُ قطُ خَلقًا وأشدهُ وثاقًا مجموعةٌ يدُه إلى عنقه ما بين رُكبتيه إلى كعبه بالحديد، قلنا: ويلَك ما أنت؟ قال: قد قدرتم على خبري، فأخبروني ما أنتم؟ قلنا: نحن أناس من العرب ركبنا في سفينة بحرية، فأخبروه بالخبر فقال: أخبروني عن نخل بيسان بفتح الموحدة قرية بالشام، جنوبي طبرية، وناحية باليمامة وهي المرادةُ في الحديث بدليل ذكر النخيل هل يثمر؟ قلنا: نعم قال: أما أنها يوشك أن لا تثمر قال: أخبروني عن بحيرة طبرية: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء، قال: أما إن ماءها يوشك أن يذهب، قال: أخبروني عن عين زُغر -بضم الزاي، وفتح الغين المعجمة على وزن صُرد-، بلدة معروفة من الجانب القبلي من الشام، بينها وبين بيت المقدس ثلاثُ فراسخ على طرف البحرية، وزُغر -اسم ابنة لوط ﵇، كما في جامع الفنون في باب العيُون منه. هل في العين ماء وهل يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا: نعم هي كثيرة الماء وأهلها يزرعون من مائها قال: أخبروني عن نبي الأميين ما فعل؟ قلنا: قد خرج من مكة ونَزل يثرب،

стр. 633

قال: أقاتله العربُ، قلنا: نعم. قال: كيفَ صنع بهم؟ فأخبرناه أنه قد ظهر على من يَليه من العرب، وأطاعوه قال: أما إن ذلك خير لهم أن يُطيعوه وإني مُخبرُكم. إني أنا المسيحُ وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج، فأخرج فأسير في الأرض، فلا أدعُ قريةً إلا هبطتُها في أربعين ليلة، غير مكة وطيبة، وهما محرمتان عليّ كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة منهما استقبلني ملك، بيده السيف صلتًا يصدني عنها وإنَّ على كُلِ نقبٍ من أنقابها ملائكة يَحرسونها، قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "وطَعن بمخصرته بكسر الميم: عصا أو قضيب يكون مع الملك أو الخطيب، يُشير بها إذا خَطب في المنبر -مُتعلق بطعن- هذه طيبة ثلاًثا: يَعني المدينة: ألا هل كنتُ أحدِّثكم؟ " قال الناس: نعم. قال: "فإنه أعجبني حديثُ تميم الداري أنه وافق الذي كنتُ حدثتكم عنه، وعن المدينة ومكة إلاّ أنه في بحر الشام، أو في بحر اليمن، إلا من قبل المشرق ما هو من قبل المشرق، ما هو وأومأ بيده أنه إلى المشرق" (١). قال القاضي عياض: لفظةُ "ما" زائدة صلة الكلام ليست نافية. والمرادُ إثباتُ أنه من قبل المشرق (٢) الحديث بطوله عند مسلم، وفي بعض طرق الحديث عِند البيهقي: إنه شيخُ. وسنده صحيح قال البيهقي فيه: إن الدّجال الأكبر الذي يَخرج في آخر الزمان غير ابن صيَّاد، وإن كان ابن صياد واحد الدجّالين الكذابين الذين أخبرَ النبي ﷺ ، بخروجهم.

стр. 634

وكأنّ هؤلاء الذين يقولون: إن ابن صيّاد هُو الدجال، لم يسمعوا بقصة تميم، وإلا فالجمعُ بينهما بعيدٌ جدًا، إذ كيفَ يلتئم من كان في أثناء الحياة النبوية شبه المُحتلم، ويجتمع به النبي ﷺ ، أن يكون في آخرها شيخًا مسجونًا في جزيرة من جزائر البحر مُوثقًا بالحديد، يستفهم عن خبر النبي ﷺ هل خرج أو لا قال: وأما إسلام ابن صياد، وحجه وجهادهُ فليس فيه تصريح بأنه غير الدجال، لاحتمال أنه يُختَم لهُ بالشر. فقد أخرج أبو نعيم في "تاريخ أصبهان"، عن حسان بن عبد الرحمن عن أبيه قال: لما فتحنا أصبهان كان بين عسكرنا وبين اليهودية فرسخ فكُنا نأتيها، ونمتار منهَا، فأتيناها يومًا فإذا اليهودُ يدففون ويضربون، فسألتُ صديقًا لي منهم فقال: مَلكُنا الذي نستفتح به على العرب يدخل، فبتُ عنده على سطح فصليّتُ فلمّا طلعت الشمس، إذ الوهج من قِبَل العَسكر فنظرت فإذا هُو ابن صيّاد، فدخل المدينة فلم يعد حتى الساعة (١). قال الحافظ ابن حجر (٢): وحسان بن عبد الرحمن، ما عرفتُه والباقون ثقات. قال: وقد أخرج أبو داود (٣) بسند صحيح، عن جابر قال: "فقدنا ابن صياد يوم الحرّة". ورواه غيره بسند حسن وخبر جابر

стр. 635

هذا يضعف خبر أنه مات بالمدينة، وأنهم صَلّوا عليه، وكشفوا عن وجهه ولا يلتئم أيضًا معَ خبر حسان بن عبد الرحمن المار، إذ فتحُ أصبهان كانَ في خلافة عمر كما أخرجه أبو نعيم في تاريخها (١)، وبين قتل عمر ﵁ ووقعة الحرة نحو أربعين سنة، وغاية ما يعتذر عنه، أن القصة إنما شاهدها والد حسان، بعد فتح أصبهان في هذه المدة، ويكونُ جواباً لمّا في قوله: "لما فتحنا أصبهان" محذوف تقديره: صرتُ أتعاهدها وأتردد إليها فجرتْ قصةُ ابن صياد المارة وقد أخرج الطبراني في الأوسط من حديث فاطمة بنت قيس مرفوعًا: "أن الدجال يخرجُ من أصبهان" (٢). وأخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أنس ﵁ أنه يخرج من يهودية أصبهان (٣). قال أبو نعيم: كانت اليهودية من جملة قرى اصبهان، وإنما سميت اليهودية لأنها كانت تختص بسكنى اليهود ولم تزل كذلك إلى زمن أيوب بن زياد أمير مصر في زمن المهدي بن منصور العباسي. فسكنَها المسلمون، وبقيت لليهود منها قطعة. هذا مُلخص كلام الحافظ ابن حجر، مع ضم فوائد من كلام

стр. 636

غيره وحاصل كلامه أن الأصح: أن الدجال غيرَ ابن صياد، ووافقَهُ في الإشاعة (١) وإن وافقه ابن صياد في كونه أعور من اليهود، وأنه ساكنٌ في يهودية أصبهان، إلى غير ذلك، لكن أحاديث ابن صياد كُلها محتملة، وحديثُ الجساسة نص فيقدم. قال في الإشاعة (٢): ومما يؤيد أنه غيرُه: أن قصة تميم الداري متأخرة عن قصة ابن صياد، فهو كالناسخ له، كذا قال. قُلْتُ: لا مَدخَلَ هُنا للنسخ أصلاً، والله أعلم. قال: ويرجحه أنه غيرُ ابن صياد: أنَّ النبي ﷺ ، حينَ إخباره بأنه في بحر الشام، أو اليمن لا بل قال من المشرق، كان ابن صياد بالمدينة، فلو كان هو لقال بل هو في المدينة قال: ويؤيده ما أخرجه نعيمُ بن حماد (٣) من طريق جُبير بن نفير، وشُريح بن عبيد، وعمرو الأسود وكثير بن مرة قالوا جميعًا: الدجالُ ليسَ هو إنسانٌ وإنما هُو شيطانٌ موثق بسبعين حلقة في بعض جزائر اليمن، كما تقدم. قال الحافظ ابن حجر (٤): وهذا لا يمكن مع كون الدجال هو ابن صيّاد، ولعل هؤلاء مع كونهم ثقات تلقوا ذلك من بعض كتب أهل الكتاب. انتهى قال القرطبي في التذكرة (٥): وقد استدلَ مَن قال مِن العلماء أن الدجال ليس ابن صياد بحديث الجساسة، وما كان فى معناه. قال

стр. 637

والصحيح أن ابن صياد هو الدجال يدل له ما تقدم ولا يبعد أن يكون بالجزيرة ذلك الوقت، ويكون بين أظهر الصحابة في وقت آخر إلى أن فقدوه يوم الحرة، وقد أخرجَ أبو داود (١) في خبر الجساسة من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: شهد جابر أنه هو ابن صياد قلت: فإنه قد مات قال: وإن مات قلت: فإنه قد أسلم قال: وإن أسلم قلت: فإنه قد دخل المدينة قال: وإن دخل المدينة قال: وذَكَر سيفُ بنُ عمر في كتاب "الفتوح والردة" (٢) ما ملخصه: أنه لا نزل المسلمون على السوس، وأحاطوا بها وناشبوهم القتال أشرف عليهم الرهبان والقسيسون فقالوا: يا مَعشَر العرب: إن مما عهد علماؤنا وأولياؤنا: أنه لا يفتح السوس إلاّ الدجال، أو قوم فيهم الدجال، فإن كان الدجال فيكم فتفتحونها، وإلا فلا تعنُوا بالحصار. قال: وصاف ابن صياد يومئذ مع النعمان في جنده، فأتي باب السوس غضبانًا فدقه برجله، وقال انفتح فتقطعت السلاسل وتكسرت الأغلاق، وتفتحتِ الأبواب، ودخل المسلمون، وقد تقدمتْ قصة ابن صياد مع أبي سعيد (٣)، فالذي حط عليه كلام القرطبي أنه صاف ابن صياد وقال العلامة في بهجته: الذي اعتمده

стр. 638

المحدثون بعد الخلاف الكبير: أن الدجال هو ابن صياد اليهودي، الذي رآه رسول الله ﷺ بالمدينة. ورآه تميم بالجزيرة مع الجساسة انتهى. قال الحافظ ابن حجر: وغاية ما يجمع به بين ما تضمنه حديث تميم، وكونُ ابن صياد هو الدجال أن الذي شافه تميم موثقًا هو الدّجّال بعينه، وأن ابن صياد شيطانه ظهر في صورة الدجال، [في] (١) تلك المدة [١] التى قدر الله تعالى خروجه فيها. والله أعلم. وزعم بعضُهم أن الدجال هو ابن شق الكاهن، أو هو شق نفسه كما تقدم قال الحافظ ابن حجر: وهذا واه (١) وفي "البهجة" (٢) أن اسم الدجال عند اليهود المسيح بن داود، قال يخرج آخر الزمان فيبْلغُ سلطانُه البرَ والبحرَ، وتسير معه الأنهار وهو آية من آيات الله، قالوا: ويردُّ الملك إلينا، وكذبوا في زعمهم. انتهى. وفي "الإشاعة" (٣): فإن قيل كيفَ يحكمُ بكفر ابن صياد فضلاً عن كونه دجالاً بعد أن ثبت إسلامه، وحجه وجهادُه والأصل بقاؤه على الإسلام إلى الموت. قلتُ: قوله في حديث أبي سعيد (٤) لا يكره أن يكون دجالاً ولو عُرض عليه ذلك لقبله. يدلُ على عدم إسلامه في الباطن إذ كيفَ يرضى المسلم أن يدعي الربوبية والنبوة؟ فهذا الذي جوزّ الحكم عليه بالكفر. انتهى.

стр. 639

قلْتُ: حيث ثبت أن النبي ﷺ حكم عليه أنه الدجال، فلا محصل للسؤال، إذ هو أعلم بحقيقة الحال، والله الموفق. ولقد كنتُ جزمتُ أن الدجال هو ابنُ صياد تبعًا لأئمة الحديث، ومضى على ذلك مدة أفُتي من سألنا عن الدجال بأنه ابن صيّاد إلى أن ظهر لي أن الدجال هو الذي أخبر تميم عنه، وقرر المصطفى ذلك، وبلغه الصحابة، وأن ابن [صياد] (١) كلامه في غاية الجودة، من أن ابن صياد شيطان الدجال، كما مر على أن لي في ذلك وقفة. إذ ليسَ كونُ الدجال هو الذي في الجزيرة، وأنه شيخُ وأن ابن صياد كالمحتلم، وأنه بين ظهراني الصحابة بأعجبَ مما يأتي به الدجال من الفتن، فلعل هذا من ذاك واللهُ أعلم بحقيقة الحال، وإليه المرجع والمآل لا نحصى ثناء عليه عز جازه وجل ثناؤه فنعوذ بك اللهم من فتنة الدجال، ومن مُضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، فأنت حسبُنا وكفى (٢).

стр. 640

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 641

الفصل الثالث في نزول سيدنا عيسى ﵊ أخرجَ الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم، حكمًا عدلا، فيكسرُ الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية" (١) الحديث وفي رواية لمسلم عنه "واللهِ لينزلَنَّ ابن مريم حكمًا عادلًا فَليكسرنَّ الصليب" (٢) بنحوه. وأخرج مسلم عن جابر قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "لا تزالُ طائفةٌ من أمّتي يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة قال: فينزلُ عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم: تعال صَلِّ لنا فيقولُ: لا، إنَّ بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة" (٣). وقال العلامة في "البهجة" (٤) هو أي نزول عيسى ثابت بالكتاب والسنة، وإجماع الأمّة أما الكتاب فقوله تعالى ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا

стр. 642

لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] أي: ليؤمننَّ بعيسى قبلَ مِوت عيسى، وذلك عند نزوله من السماء آخر الزمان (١)، حتى تكونَ الملّةُ واحدة، ملةُ إبراهيم حنيفا مسلما، ونوزع في الاستدلال بهذه الآية: وإن الضميرَ في قوله "قبل موته" لليهود ويؤيده قراءة أُبيّ قبل موتهم (٢).

стр. 643

وأما السُّنّة فلا نزاع فيها (١). وأما الإجماع فقد أجمعت الأمّة على نزوله، ولم يُخالف فيه أحد من أهل الشريعة، وإنما أنكر ذلك الفلاسفة والملاحدة (٢)، وقد انعقد إجماع الأمّة على أنه متبع لهذه الشريعة المحمدية، وليس بصاحب شريعة

стр. 644

مستقلة، عند نزوله من السّماء، وإن كانت النبوة قائمة به، ويتسلم الأمر من المهدي، ويكون المهدي مع أصحاب الكهف الذين هم من أتباع المهدي، كما مرّ من جملة أتباعه، ويُصلي عيسى وراء المهدي صلاة الصبح كما تقدم، وذلك لا يقدحُ في نبوّته ويُسلم المهدي الأمر لعيسي ﵇، وكل ما معه من تابوت بني إسرائيل، ويقتل الدجال كما مرّ. انتهى مُلخصًا. والكلامُ على سيدنا عيسى ﵇ في ثلاث مقامات: المقامُ الأوّل: في سيرته وحليته: أما حليتُه فعندَ البخاري (١) من حديث عقيل بن خالد، "أنه أحمر أجعدُ عريضُ الصدر". وفي رواية: "آدم كأحسن ما أنت راءٍ من أدم الرجال سبط الشعر، ينطِف" -بكسر الطاء المهملة أي: يقطر- زاد في رواية له: لمة -أي بكسر اللام وتشديد الميم- أحسن ما أنت راءٍ من اللمّم، قد رجَّلها -بتشديد الجيم: أي سرَّحها- وفي رواية: لمتُه بين منكبيه، رجلُ الشعر يقطرُ رأسه ماء. وفي حديث ابن عباس ﵄: "ورأيت عيسى بن مريم ﵇ مربوعَ الخلق إلي الحمرة والبياض، سبط الشعر" (٢) زاد في حديث أبي هريرة بنحوه "كأنما خرج من ديماس يَعني الحمام" (٣)، ولا مُنافاة بين الحُمرة والأُدمة، لجواز أن تكونَ أُدمته

стр. 645

صافية، كما مرّ في صفة الدجال، لا يجدُ ريحَ نَفَسِه أي عيسى ﵇، كافرٌ إلّا مات. وأما سيرته: فقد تقدم أنه يدقُ الصليب، ويقتل الخنزير، ويقتل القرد، ويضع الجزية فلا يُقْبَلُ إلا الإسلام، ويتحد الدين فلا يُعبَدُ إلا الله، ويَتركُ الصدقة أي الزكاة لعدم من يقبلُها وتظهر الكنوز في زمنه، ولا يرغبُ في اقتناء المال، ويرفع الشحناء والتباغض وينزع سم كل ذي سم، حتى تلعبَ الأولادُ بالحيات والعقارب فلا تضرهم، ويرعى الذئب مع الشاة فلا يضرها، ويملأ الأرض سلمًا وينعدمُ القتال، وتنبتُ الأرض نبتها كعهد آدم، حتى يجتمع النفرُ على القطف من العنب فيشبعهم وكذا الرّمّانة وترخص الخيل لعدم القتال، ويَغلو الثورُ لأن الأرض تُحرَثُ كُلُّها ويكونُ مقررًا لشريعة المصطفى ﷺ ، لا أنّه رسول لهذه الأمة، ويكون قد علم بأمر الله في السماء قبل أن ينزل وهو نبي، وزعم بعض العُلماء أنّ نزول عيسى ﵇، يرفع التكليف قالوا: لئلا يكونَ رسولًا إلى أهل ذلك الزمان يأمرهم عن الله وينهاهم، وهذا مردودٌ بالأخبار الواردة أنه مقرر لهذه الشريعة، ومجددٌ لها إذ هي آخر الشرائع ونبينا ﷺ ، آخر الرسل، وأيضًا فإن بقاء الدنيا إنما يكون بمقتضى التكليف، إلي أن لا يقال في الأرض الله الله. ذكره القرطبي في "التذكرة" (١).

стр. 646

قُلْتُ: في زعم رفع التكليف خطأ بين لكل ذي لب فإنّا لو قُلنا برفعه لكان الزنا، ومصحفيه (١) لا محذور فيها كبقية المحارم، إذ التكليف تحته الأحكام الخمسة، وهي: الواجبُ، والمسنونُ، والحرامُ، والمكروهُ، والمباح، فإذا رفعت هذه فلا بقاء لقوام العالم من غير شك. واللهُ أعلم. واعلم أنّ عيسى ﵇ من أمة نبينا محمد ﷺ ، فهو صحابيٌّ؛ لأنه اجتمع به ﷺ ليلةَ، الإسراء واجتمع به في الطواف أيضًا، وقد ألغز في ذلك التاج السبكي بقوله (٢): من باتفاقِ جميعِ الخلقِ أفضلُ من ... خير الصحابِ أبي بكر ومن عمر ومن عليّ ومن عثمانَ فهو فتيً ... من أمةِ المختارِ من مُضَر قال في الإشاعة (٣) كالتذكرة: إنه ﷺ ، قال: "وتُسلب قريش ملكها" (٤). قال ابن حجر الفقيه في "القول المختصر" (٥)، وسبقه السخاوي في "القناعة" (٦): معنى ذلك: لا يبقي لقُريشٍ اختصاص بشيء دونَ مراجعته، فلا يُعارضُ ذلك خبرٌ: "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان" (٧).

стр. 647

قال البرَزنجي في "الإشاعة": ويدُلُّ لما قاله حديث جابر (١) عنه عند مسلم فيقول أميرهم: تعال صل لنا فيقول: لا. إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة، وعلى هذا: فلا منافاة أن يكون المهديُ هو الأمير حتى في زمن عيسى، وتكون مراجعته في الأمور لعيسى ﵇ على سبيل التبرك، فإن قيل: كيفَ يصحُ معنى حديث لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان، مع أنا نشاهد أن قريشًا لم تملك منذ قرون؟ قلنا: مَعْنى هذا الحديث استحقاقُ الخلافة لقريش، وإن ظلمها ظالم، ولا شك أن عيسى ﵇ يُظهرُ كمالَ العدل فلا يجوز أن يأخذ حقهم، وبالله التوفيق. انتهي. و (القول) (٢) الذي يظهر لي أن قولَه: "لا يزالُ هذا الأمر" إلى آخره، مَعناهُ ولو مراجعة ولا شَكَّ أن قريشًا يراجعون على أن الخوارج في زماننا هذا يزعمون أنهم نُواب عن قريش، وأما سيدنا عيسى ﵇ فلا ينبغي أن يُقال أن الأمر في زمنه للمهدي كيف وهو روح الله وكلمته؟! وذاك رجلٌ مجتهد يُصيبُ ويجوز عليه الخطأ وقد أخبر النبي ﷺ ، أن الأمرَ يَكونُ لعيسى ﵇. نعم يكون المهديُ من خواص أصحابه، بل وزيره يُراجعه في الأمور ويصدرُ عنه الشورى، وعيسي ﵇ مجدد ومقرر لشريعة نبينا ﵊، وهذا واضح والله أعلم

стр. 648

المقام الثاني: في وقت نزوله ومحله ، وما يجري على يديه من الملاحم: قد سبقت الروايات في محل نزوله، والجمع بينهما والحاصل أنه ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، لسِتِّ ساعات مَضين من النهار، حتى يأتي مسجد دمشق، يقعد على المنبر، فيدخلُ المسلمون المسجد، وكذا النصارى واليهود كلهم يرجونه حتيَ لو أُلقي شيءٌ لم يُصب إلا رأس إنسان من كثرتهم ويأتي مؤذن المسلمين، وصاحبُ بوق اليهود وناقوس النصارى، فيقترعون فلا يخرج إلا سهمُ المسلمين، وحينئذ يؤذّن مؤذُنهم ويخرجُ اليهود والنصارى من المسجد، ويُصلي بالمسلمين صلاة العصر، ثم (يخرج) (١) بمن معه كان أهل دمشق في طلب الدجال، ويمشي وعليه السكينة، والأرض تُقبضُ له وما أدرك نَفَسَه من كافر إلا وقتله، ويدرك حيث ما أدرك بَصَرهُ حتى يُدرك بصرُه حصونهم، وقَرياتهم إلى أن يأتي بيت المقدس، فيجدُه مغلقًا قد حصره الدجال، فيصادف ذلك صلاة الصبح كما مرّ، وتقدم قتلُه الدجال اللعينَ، وسيأتي هلاك يأجوج ومأجوج بدعائة. المَقام الثالث: في مدته ووفاته: أما مدّته: فقد وَرد في حديث أبي هريرة عند الطبراني، وابن عساكر أن رسول الله ﷺ قال: "ينزلُ عيسى بنُ مريم، فيمكثُ في الناسِ أربعينَ سنةٍ" (٢).

стр. 649

وعند الإمام أحمد (١) وابن أبي شيبة وأبي داود، وابن جرير وابن حبان عنه أنه يمكثُ أربعين سنة، ثم يُتَوفَّى ويصلي عليه المسلمون، ويدفنونه عند نبينا ﷺ . وأخرج الإمام أحمد (٢) وابن أبي شيبة، وأبو يعلى وابن عساكر عن عائشة ﵂، قالت: قال رسُول الله ﷺ : "ينزلُ عيسى ابن مريمِ فيقتلُ الدجالَ، ثم يمكثُ عيسى في الأرضِ أربعينَ سنةٍ إمامًا عادلًا حكمًا مقسطًا". وأخرج الإمام أحمدُ في "الزهد" (٣) عن أبي هريرةَ ﵁ قال: يَلبَثُ عيسى بنُ مريم أربعين سنةَ لو يقول للبطحاء سيلي عسلًا لسالت. وفي المنتظم (٤) للإمام ابن الجوزيّ عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ ، قال: "ينزل عيسى بن مريم فيتزوج، ويولد له، ذكر بعضهم ولدين أحدهما يسميه موسى، والآخر محمدًا، وإن أمَّهما مِن يزد قال: ويمكث خمسًا وأربعين سنة ثم يموتُ ويدفَنُ معي في قَبريَ، فأقومُ أنا وعيسي من قبر واحد بين أبي بكر وعمر"، وكأنّ روايات أربعين وردت بإلغاء الكسر وورد في رواية "يمكثُ سبع سنين" (٥).

стр. 650

وجمَعَ بعضُهم (١) أنَّ سيدنا عيسى حين رُفع كان عمرُه ثلاثًا وثلاثين، وينزل سبعًا فهذه أربعون سنة. قُلْتُ: وليس هذا بشيء لما مرّ في حديث عائشة، عند الإمام أحمد وغيره، "فيقتل الدجالُ ثم يمكثُ عيسى في الأرضِ أربعينَ سنةٍ"، فدلّ الحديث دلالة ظاهرة أن الأربعين بعد قتله الدجال، فلا (بقي) (٢) لذلك الجمع وجه. وقد ذكر العلاّمة في "بهجته" (٣) أن الحافظ السيوطي، قال: كُنتُ أفتيت بأن ابن مريم يمكث في الأرض بعد نزوله سبعَ سنين، واستمريت على ذلك مدة من الزمان، حتى رأيت البيهقي اعتمد أن مُكثه في الأرض أربعين سنة، مُعتمدًا ما أفاده الإمام أحمد في روايته، بلفظ "ثم يمكُثُ ابن مريم في الأرض بعد قتل الدجال" (٤)، وهذا هُو المرجح لأنّ زيادة الثقة يحتج بها، ولأنهم يأخذون برواية الأكثر، ويقدمونها على رواية الأقل، لما معه من زيادة العلم ولأنه مثبت، والمثبت مُقدَّم. انتهى. وأخرج الإمام أحمد وابن جرير وابن عساكر عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ينزلُ عيسى بنُ مريم فيقتلُ الخنزيرَ ويمحو الصليب، ويجمعُ الصلاة، ويُعطي المال حتى لا يقبل، ويضعُ الخراج، وينزل الروحاء فيحجُ منها أو يعتمر [أو

стр. 651

يجمعهما] (١) (٢). وعند مسلم وابن أبي شيبة عنه: "ليُهلَنَّ عيسى ابن مريم بفج الروحاء بالحج أو العمرة، أو ليثنينهما جميعًا" (٣) قوله: بفج: أيْ بطريق، والروحاء: مكان بين المدينة، ووادي الصفراء في طريق مكة. وأخرج الحاكم وصححه وابن عساكر عنه: "ليهبطن ابن مريم حكمًا عدلًا وإمامًا مقسطًا، وليسلكَن فجَّا حاجّا أو معتمرا وليأتينَّ قبري، حتى يُسلمَ عليّ ولأرُدَّنَّ عليه" (٤)، قال أبو هريرة: أي بَني أخي إذا رأيتموه فقولوا أبو هريرة يقرئك السلام. وأخرج الحاكم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أدرك عيسى منكم، فليقرئه مني السلام" (٥). وأما وفاته: فقد أخرجَ البخاريُ في تاريخه (٦)، والطبراني: يُدفنُ ابن مريم مع رسول الله ﷺ وصاحِبَيْهِ، فيكون قبرُه رابعًا. وفي "المواهبِ اللدنيَّة" للقسطلاني بقي من البيت موضعُ قبر يُدفن فيه عيسى بنُ مريم،

стр. 652

ويكون قبرهُ الرابع ومرّ حديث ابن عمرَ (١) عند ابن الجوزيّ في "المنتظم". قال العلاّمَةُ في "البهجة" (٢): قالَ بعضُ مشايخنا: وذكر رابع القبور لا ينافي قوله معي في قبري فإنه عبرّ بذلك لشدة القرب، إذ هوُ لقربه كأنه معه أو بتقدير مضاف؛ أي في جانب قبري، لينطبق الكلام ويتسق فدل مجموع ما ذكرنا أنه يموت ﵇ بالمدينة المنورة، قال بعضهم: ولعل موته عند حَجّه، وزيارته النبي ﷺ . والله أعلم.

стр. 653

الفصل الرابع في ذكر يأجوج ومأجوج وخروجهم من الفتن العظام والمصائب الجسام فنسأل الله أن يمن علينا بالتوفيق، وأن يُذيقنا حلاوة التحقيق، إنه على ما يشاء قدير (١) وبالإجابة جدير، وخروجهم ثابتٌ بالكتاب والسنة وإجماع الأمّة. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦)﴾ [الأنبياء: ٩٦] وأما السُّنة ففي صحيح مسلم، من حديث النواس بن سمعان مرفوعًا أن الله يُوحي إلى عيسى ﵇ بعد قتله الدجال، "أني قد أخرجْتُ عِبادًا لي لا يَدانِ لأحدٍ بقتالهم فحرَّز عبادي إلى الطور ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيمرُّ (أوائلهم) (٢) على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمرّ آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه (مرةً) (٣) ماء (ويحصر نبي الله) (٤) عيسى وأصحابه حتى يكون

стр. 654

رأس الثور لأحدهم خيرٌ من مائة دينار" (١). الحديث. وقال ﷺ : "لا تقومُ الساعة حتى يكون عشرُ آيات: طلوعُ الشمس من مغربها، والدُخانُ والدابّة، ويأجوُجُ ومأجوج ونزول عيسى ابن مريم وثلاث خُسوفاتِ ونارٌ تخرجُ من قعر عدن أبين ... " (٢) الحديث. رواه ابن ماجه عن حُذيفة بن أسيد. والأحاديث في ذلك كثيرة. وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمّة على خرُوجهم، ولنتكلّم عليهم في ثلاث مقامات: المقام الأول: في نسبهم ، وفي ذلك أقوال شتي: أحدُهم أنهم من بني يافث بن نوح ﵇ وبه جزم وَهب بن منبه وغيره، واعتمده كثيرٌ من المتأخرين (٣). قال الثعالبي في "العرائس": إن يافث سارَ إلى المشرق فَوُلد له هناك خمسة أولاد: جوهر، ونبرش، وأشار، واسقويل، ومياشح، وهي أسماء أعجمية فمن جوهر جميعُ الصقالبة، والروم، وأجناسهم ومن مياشح جميع أصناف العجم، ومن أشار: يأجوج ومأجوج

стр. 655

وأجناسهم، ومن أسقويل جميع الترك، ومن نبردش: الترك والقفجق، واليونان من ولد يافث، وكان عمرُه إلى أن قبضه الله أربعمائة سنة وخمسًا وستين. انتهى. وقيل: إنهم من الترك قاله الضحاك. وقيل: يأجوج من الترك، ومأجوج من الديلم. وسمعت أستاذي العلامة الشيخ عبد القادر التغلبي طيب الله ثراه يقول: التركُ من يأجوج ومأجوج، وكانت هذه الطائفة سارحة تفسدُ في الأرض فجاء سيدنا اسكندر (١)، فسد عليهم، فتركَت هذه الطائفة من خارج السد، فسمُوا التركُ قرر ذلك لي مرارًا، وسيأتي ذلك مأثورًا والله أعلم. وعن كعب الأحبار أنهم أي: يأجوج ومأجوج من ولد آدم من

стр. 656

غير حواء، وذلك أن آدم نام فاحتلم، فامتزجت نطفته في التراب فخُلق منها يأجوج ومأجوج (١). ورُدّ بأنّ الأنبياء لا يحتلمون. وأجيب بأن ذلك يفيض من غير أن يتراءى لهُ أنه يجامع، واعتمد الحافظ ابن حجر الأوّلَ؛ أي أنهم من ذرية نوح وإلا فأين كانوا حين الطوفان؟ (٢) وقال الإمام النووي في الفتاوي (٣): يأجوج ومأجوج أولادُ آدم من غير حواء عند جماهير العُلماء، فيكونون إخواننا لأب. قال الحافظ ابن حجر: لم يَرِد هذا عن أحد من السلف إلا عن كعب الأحبار ويرده الحديثُ المرفوع "إنهم من ذرية نوح"، ونوح من ذرية حواء قطعًا. وكأن الحديث ما روي عن أبي هريرة مرفوعًا وفيه ضعف ولد نوح: سام، وحام، ويافث، فوُلد لسام: العرب وفارس والروم، وولد لحام: القبط والبربر والسودان، وولد ليافث: يأجوج ومأجوج والترك، والصقالبة (٤). قال العلامة تبعًا للحافظ ابن حجر: إنه ضعيف، وفي رواية عبد الرزاق: عن أبي قتادة قال: يأجوج ومأجوج ثنتان وعشرون قبيلة، بَنى ذو القرنين السد على إحدى وعشرين وكانت قبيلة غائبة

стр. 657

منهم في الغزو (١)، وهم الأتراك فبقَوا دون السد. وأخرج ابن جرير (٢) وابن مردويه من طريق السدّي من أثر قوي: الترك سَرية من سرايا يأجوج ومأجوج، خرجت فجاء ذو القَرنين فبني السد فبقوا خارجًا عنه، وسُئل على كرم الله وجهه عن الترك فقال: هم سيّارة ليس لهم أصل، هُم من يأجوج ومأجوج، خرجوا يغيرون على الناس، فجاء ذو القرنين فسد بينهم وبين قومَهم، فذهبوا سيّارة في الأرض. رواه ابن المنذر. فائدة: قال العلامة في البهجة (٣): يأجوج ومأجوج علمان أعجميان. ولذلك مُنعا من الصّرف، ويجوز قراءتهما بالهمز (وتركه، وبلا) (٤) همز من يج وماج إذا اضطرب، وذلك مناسب لشأنهم وقد جاء أجوج من أجيج النار بمعني التهابها، أو الأج: وهو سرعة العدو، والإجاج: وهُو الملوحة. المقام الثاني: في حليتهم وكثرتهم: أما حليتهم: فأخرج ابن أبي حاتم من طريق شُريح بن عبيد، عن كعب الأحبار قال: هم (على) (٥) ثلاثة أصناف: صنفٌ أجسادهم كالأرز بفتح الهمزة، وسكون الراء ثم زاي هو شجر كبير جدًا قال في النهاية: هو شجر الأرزن، وهو خشب معروف وقيل: شجر

стр. 658

الصنوبر (١)، ومنهم من هو أربعة أذرع في أربعة أذرع، وصنف: يفترشون آذانهم، ويلتحفون الأخرى (٢)، ووقع في حديث حذيفة نحوه (٣). وأخرج هو والحاكم من طريق أبي الجوزاء عن ابن عباس ﵄، قال: يأجوج ومأجوج شبرًا شبرًا وشبرين شبرين وأطولهم ثلاثة أشبار (٤). وأخرج عن قتادة قال: يأجوج ومأجوج اثنان وعشرون قبيلة، وذكر الحديث المتقدم (٥). وأخرج الإمام أحمد والطبرانيُّ عن خالد بن عبد الله بن حرملة، عن خالته مرفوعًا: "إنكم لتقولون لا عدوَّ وإنكم لا تزالون تقاتلون عدوًا، حتى تُقاتلوا يأجوج ومأجوج، عُرض الوجوه صِغار العُيون صهب الشعور من كلّ حدبٍ ينسلون، كأن وجوههم المجان المطرقة" (٦). قوله صهب الشعور أي: بين الحَمار والسواد. قال العلامة: وَرَد أنَّ منهم من يفترش أذنه، طوله وعرضه

стр. 659

سواء، ومنهم من هو كالأرزة الطويلة ومنهم من له أربع أعين، عينان في رأسه وعينان في صدره ومنهم من له رِجلٌ واحدة، ومنهم من هو ملبس شعرًا كالبهائم ومنهم من لا يشرب غير الدم شيئًا (١). وقال الزهري: هُم ثلاث أمم: منسك، وتأويل، وتاريس. فصنف منهم عرضُ أحدِهم وطولُه سواء، وصنف منهم يفترش إحدى أذنيه ويلتحف الأخرى، وصنف منهم أمثال الأرز أي: الشجر الطويل وفي حديث حُذيفة قلتُ: يا رسول الله صفهم لَنا قال: "ثلاثة أصناف: صِنفٌ منهم أمثال الأرز" قال: قلتُ: يا رسول الله ما الأرَز؟ قال: "شجرٌ بالشام طول الشجرة عشرون ومائة ذراع في السّماء". ثم قال: "هؤلاء الذين لا يقوم لهم جبل ولا حديد، وصنف منهم يفترش إحدى أذنيه". وذكر ما مرّ وزاد: "لا يَمرّون بفيل ولا وحش، ولا طير ولا جمل ولا خنزير إلّا أكلوه، ومن مات مِنهم أكلوه" (٢). وذَكر بعضهم: أن فيهم من لَه قرنٌ وذنب وأنياب بارزة، يأكلون اللحومَ نيئة. وأما كثرتهم: فقد أخرج ابن حِبان في صحيحه، عن ابن مسعود ﵁، رفعه "أن يأجوج ومأجوج أقل ما يترك أحدهم من صُلبه ألفًا من الذرية" (٣).

стр. 660

وعند النسائي من رواية عُمر بن أوس، عن أبيه رفعه: "إن يأجوجَ ومأجوجَ يجامعونَ مَا شاءوا، ولا يموت رجلٌ منهم إلّا تركَ من ذريتِهِ ألفَا فصاعدا" (١). وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه: "إن يأجوج ومأجوج لهم نساءٌ يجامعونَ ما شاءوا". وأخرجَ الطبراني وابن مردويه والبيهقي وعبد بن حميد عن ابن عمرو "إنَّ يأجوجَ ومأجوجَ من ذريةِ آدم ووراءهم ثلاثُ أممٍ تأويل وتاريس ومنسك" (٢). وأخرج عبد بن حميد بسند صحيح، عن عبد الله بن سلام نحوه (٣). وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن عمرو أنه قال: "الجنُّ والإنسُ عشرةُ أجزاء، فتسعةُ أجزاء يأجوج ومأجوج، وجزءُ سائر الناس" (٤).

стр. 661

وأخرج الحاكمُ وابن مردويه عن حذيفة مرفوعًا "يأجوج ومأجوج أمتان كل أمةٍ أربعمائة ألف وجل لا يموتُ أحدُهم حتى ينظرَ إلى ألف رجل من صُلبه، كلهم قد حمَلوا السلاح" (١). وأخرجَ أبو الشيخ وابن المنذر من قول حسان بن عطية، "هم أي يأجوج ومأجوج أمتان في كل أمة أربعمائة ألف أمة، لا تشبه واحدة الأخرى" (٢). وقال مكحول: "الأرض مسيرة مائة عام، ثمانون منها يأجوج ومأجوج، وهي أمّتان كل أمة أربعمائة ألف أمّة، لا تُشبه أمّة الأخرى". وعند أبي الشيخ عن أبي أمامة الدُنيا سبعةُ أقاليم: "يأجوج ومأجوج ستة والباقي إقليم واحد" (٣). وعن خالد الأشج: إن بني آدم وبني إبليس ثلاثة أثلاث: فثلثان

стр. 662

بنو إبليس، وثلثُ بنو آدم، وبنو آدم ثلاثة أثلاث: ثلثان يأجوج ومأجوج، وثلثٌ سائر الناس، والناسُ بعد ذلك ثلاثةُ أثلاث ثلثٌ الأندلس، وثلثٌ الحبشة، وثلثٌ سائر الناس: العربُ والعجم (١). وعند ابن أبي حاتم: الإنس عشرة أجزاء، فتسعة أجزاء منها يأجوج ومأجوج، وجزء سائر الناس. وعند الحاكم وعبد الرزاق من قول ابن عمر "إن الله جزّأ الملائكة والجن والإنس عشرة أجزاء تسعة منهم الكروبيون، والذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وَجَزَّأ الجن والإنس عشرة أجزاء فتسعةٌ منهم الجن فلا يولد من الإنس ولد إلّا ولد من الجن تسعة، وَجَزَّأ الإنس عشرة فتسعةٌ، منهم يأجوج ومأجوج"، الحديث (٢). المقام الثالث: في خروجهم وإفسادهم وهلاكهم . في الحديث المرفوع إلى رسول الله ﷺ : "إن يأجوج ومأجوج يحفرون السد كُلَّ يَّوم" وهو فيما أخرجه الترمذيُّ وحسنه وابن حبان والحاكم وصححاه عن أبي هريرة، رفعه في السد "يحفرونه كُلَّ يوم، حتى إذا كادوا يخرقونه قال الذي عليهم: ارجعوا فتخرقونه غدا، فيُعيده الله أشد ما كان، حتى إذا بَلغ مدتهم، وأراد اللهُ أن يبعثَهم على الناس، قال الذي عليهم ارجعوا فستخرقونه غدًا إن شاء الله تعالى،

стр. 663

واستثني قال فيرجعون فيجدونه كهيئته حينَ تركوه فيخرقونه، فيخرجون على الناس" (١) الحديث. قال الحافظ ابن حجر (٢): أخرجه الترمذي، وابن ماجه، والحاكم، وعبد بن حميد، وابن حبان، كلهم عن قتادة، ورجال بعضهم رجالُ الصحيح. قال ابن العربي: في هذا الحديث ثلاث آيات: الأولى: إن الله منعهم أن يُوالوا الحفر ليلًا ونهارًا. الثانية: منعهم أن يحاولوا الرقي على السد بالسلم، والآلة فلم يلهمهم ذلك، ولا علمهم إياه مع أنّه ورد أن لهم أشجارًا وزروعًا أو غير ذلك من الآلات. الثالثة: أن صدهم أن يقولوا إن شاء الله تعالى، حتى يجيء الوقت المحدود. قال ابن حجر (٣): وفيه أن فيهم أهل صناعات، وأهل ولاية وسلاطة ورعيّة تطيع من فوقها، وفيهم من يعرف الله ويُقرُّ بقدرته ومشيئته، ويُحتمل أن تكون تلك الكَلمة تجري على لسان ذلك الوالي، من غير أن يعرف معناها فيحصل المقصود ببركتها.

стр. 664

ثم روى لكل من الاحتمالين حديثًا فقال: عند عبد بن حميد من طريق كعب الأحبار (١) نحو حديث أبي هريرة وفيه: "فإذا جاء الأمر أُلقي على بعض ألسنتهم: نأتي غدا إن شاء الله تعالى، فيفرغ منه". وعند ابن مردويه من حديث حُذيفة نحو حديث أبي هريرة، "وفيه يغدون فيجيؤون عليه فيفتح". الحديث وسنده ضعيف. انتهى وحاصل ما في الإشاعة (٢): أنه يحتمل أن يلقي إن شاء الله على لسان أحدهم، وهو أقوى. ويُحتمل أن يُسلم واحد منهم. فائدة: قال ابن عبد البر في كتاب "الأمم" (٣): أجمعوا على أن يأجوج ومأجوج من ولد يافث بن نوح، ثم ختم الباب بأن النبي ﷺ سُئل عن يأجوج ومأجوج، هل بلغتهم دَعوتك؟ فقال ﷺ : "جُزتُ بهم ليلةَ أسُرى بي فدعوتهُم فلم يُجيبوا" (٤). وفي مسلم من حديث النواس بن سمعان، بعد ذِكر الدجال، وهلاكه على يد عيسى ﵇ قال: "ثم يأتيه -يعني عيسى- قوم، وقد عصمهم الله من الدجال فيمسحُ وجوههم، ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هم كذلك إذْ أوحى الله إلى عيسى: أن قد

стр. 665

أخرجت عبادًا لي لا يُدان لأحد بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور، ويبعثُ اللهُ يأجوجَ ومأجوج، فيخرجون على الناس فيُنشفون الماء، ويتحصَّن الناس منهم في حصونهم، ويضمون إليهم مواشيهم، فيشربون مياه الأرض حتى إن بَعضهم ليمر بالنهر، فيشربون ما فيه حتى يتركوه يَبَسا، حتى إن من يمرُ من بعدِهم ليمر بذلك النّهر فيقول قد كان هاهنا ماء مرة ويحصر عيسى نبي الله وأصحابه، حتى يكون رأس الثور أو رأس الحمار لأحدهم خيرًا من مائة دينار" (١). في رواية مُسلم (٢) وغيره: "فيقولون لقد قَتلْنا من في الأرض، هلم نقتل من في السّماء، فيرمون نشابهم إلى السّماء فيردُها الله عليهم مخضوبة دماءً للبلاء والفتنة فيرغب نبي الله وأصحابه إلى الله، فيُرسلُ الله عليهم النَّغَف" بفتح النون والغين المعجمة، ثم فاء. وفي رواية: "دودًا كالنغف في أعناقهم وهو دود يكونُ في أنوف الإبل والغنم، فيصبحون مَوتي كموت نفس واحدة، لا يُسمعُ لهم حس، فيقولُ المسلمون: ألا رَجلٌ يشتري لنا نفسه فينظر ما فعل هذا العدو؟ فيتجردُ رجل منهم محتسبًا نفسه قد وطّنها على أنه مقتول، فينزلُ فيجدهُم موتي بعضُهم على بعض، فيُنادي يا معشرَ المسلمين: ألا أبشروا إن الله قد كفاكم عدوكم، فيخرجُون من مدائنهم وحُصونهم، ويسرحون مواشيهم فما يكون لها مرعي إلّا لحومهم، فتشكَر منه -بفتح الكاف- أي لتسمن أحسن ما شَكرت عن شيء،

стр. 666

وحتى إنّ دَوابَّ البحر تسمَنُ وتشكر شكرًا من لحومهم، ودمائهم ويهبط نبيُّ الله عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم أي: ريحُهم من الجيف فيؤذُونَ الناس بنتنهم أشد من حياتهم، فيستغيثون بالله، فيبعَثُ اللهُ ريحًا يمانية غبراء فتصير على الناس غما ودخانًا ويقعُ عليهم الزكمة ويكشَفُ ما بهم بعد ثلاثة أيام، وقد قذفت الأرض جيفهم في البحر". وفي رواية: "فيرغبُ نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرُسل طيرًا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء اللهُ" وفي رواية "فترميهم إلى البحر"، وفي رواية "في النار"، ولا مُنافاةَ لأنّ البحر يسجر، فيصير نارًا يوم القيامة، "ثم يرسل الله مطرًا لا يكن منه بيتُ مدر ولا وَبر فيغسِلُ الأرضَ حتى يتركها كالزلقة" أي: كالمرآة بحيثُ يَري الإنسان فيها وجهَهُ من صفائها. قال القاضي عياض: في "مشارقه" يروي بالفاء وبالقاف، وبالوجهين ضبطناه في "مسلم" عن مُتقني شيوخنا، وبهما ذكره أهل اللغة وفسرها ابن عباس ﵄: بالمرآة، وقاله ثعلب وأبو زيد. وقال آخرون: هو بالفاء الإجانة الخضراء وقيل الصحفة. وقيل: المحارة وقيل: المصانع الممتلئة ماء (١) انتهى. وتفسير ابن عباس أظهر، "ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك (وردي) (٢) بركتك فيومئذ تأكل

стр. 667

العصابة من الرمانة، ويستظلون بقحفها ويوقد المسلمون من قِسِيِّ يأجوجَ ومأجوجَ ونُشَّابهِم، وأترستهم سبع سنين" (١).

стр. 668

الفصل الخامس خرابُ المدينة وخروج القحطاني والجهجاه والهيشم والمقعد وغيرهم، وكذا هدمُ الكعبة ولنذكرهم على سبيل الاختصار، فَأمَّا خرابُ المدينة فقد تقدمت الإشارةُ إليه، وأخرج أبو داود عن معاذ بن جبَل مرفوعًا: "عمران بيت المقدس، خراب يثرب" (١) الحديث. وروي الطبراني "سيبلغُ الناس سلعا ثم يأتي على المدينة زمانٌ يمُر السَّفْرُ على بعضِ أقطارها فيقول: قد كانت هذه مرة عامرة من طول الزمان، وعُفُوِّ الأثر (٢). وأخرج الإمام أحمد نحوه بإسناد حسن. وأخرج أيضًا بسند رجالُهُ ثقات "المدينة يتركها أهلها وهي مرطبة قالوا: فمن يأكلها قال: السباعُ والعوافي" (٣). وفي الصحيحين: "لتتركن المدينة على خير ما كانت مُذَللةً ثمارُها لا يغشاها إلّا العوافي الطير والسباع وآخر من يحُشرُ راعيان من مزينة" (٤)، الحديث.

стр. 669

وأخرجَ ابن أبي الدنيا بسند صحيح: "أما والله لتدعُنَّها مُذَلَّلة أربعين عامًا للعوافي، أتدرون ما العوافي؟ الطيرُ والسباع" (١). وسببُ خَرابها والله أعلم: أنهم يخرجون مع المهدي إلى الجهاد، ثم ترجُف بمُنافقيها وترميهم إلى الدجال، ولمْ يبقَ إلا المؤمنون المخلصون فيهاجرون إلى بيت المقدس عند إمامهم، فقد ورد "ستكون هجرة، وخيار الناس يومئذ ألزمهم (٢) مُهاجَر إبراهيم" (٣) ومَن بقي منهم تَقبضُ الريحُ الطيبة أرواحهم فتبقَي خاويةً فهذا سبب خرابها.

стр. 670

وقد روي المرجاني في "أخبار المدينة" (١) عن جابر مرفوعًا "ليعودن هذا الأمر إلى المدينة كما بدأ منها حتى لا يكونَ إيمان إلا بها". وأخرج النسائي عن أبي هريرة "آخر قرية من قري الإسلام خَرابًا المدينة" ورواه الترمذي (٢) بنحوه وقال: حسن غريب. ورواه ابن حبان (٣) بلفظ "آخر قرية في الإسلام خرابًا المدينة". وصح: "إن الدين ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جُحرها" (٤). فهذه الأخبار بظاهرها، تعارض الروايات والأخبار السابقة ووجه الجمع بينهما: أن الفتن تعم الدنيا كُلّها كما مر في خروج المهدي، ويبقي أهل المدينة مع المهدي فيأرز الدين أي ينحشر ويدخل المدينة حينئذ؛ لأنهم المؤمنون الكاملون، التابعون للخليفة الحق، ثم إنها تنفي خَبثها زمنَ الدجّال، ويبقي فيها الإيمان الخالص بخلاف بيت المقدس، وغيرها من البلدان فإنه يبقي فيهم أهل ذمة، ومنافقون لأنهم إنما يؤمنون بعد نزول عيسى. قُلْتُ: مرَّ أنّ مكة تقذفُ منافقيها إلى الدجال فالظاهر أنها كالمدينة والله أعلم. وحديثُ جابر حتى لا يكون إيمان إلا بها أي إيمانٌ خالصٌ غير مشوبٍ بنفاق، ثم إنه تجيء الريحُ الباردة فتقبضُ كل روح مؤمن ومؤمنة.
следующие страницы →