← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 132973

البحور الزاخرة في علوم الآخرة

السفاريني

Полный текст (1 621 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وحتى إنّ دَوابَّ البحر تسمَنُ وتشكر شكرًا من لحومهم، ودمائهم ويهبط نبيُّ الله عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم أي: ريحُهم من الجيف فيؤذُونَ الناس بنتنهم أشد من حياتهم، فيستغيثون بالله، فيبعَثُ اللهُ ريحًا يمانية غبراء فتصير على الناس غما ودخانًا ويقعُ عليهم الزكمة ويكشَفُ ما بهم بعد ثلاثة أيام، وقد قذفت الأرض جيفهم في البحر". وفي رواية: "فيرغبُ نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرُسل طيرًا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء اللهُ" وفي رواية "فترميهم إلى البحر"، وفي رواية "في النار"، ولا مُنافاةَ لأنّ البحر يسجر، فيصير نارًا يوم القيامة، "ثم يرسل الله مطرًا لا يكن منه بيتُ مدر ولا وَبر فيغسِلُ الأرضَ حتى يتركها كالزلقة" أي: كالمرآة بحيثُ يَري الإنسان فيها وجهَهُ من صفائها. قال القاضي عياض: في "مشارقه" يروي بالفاء وبالقاف، وبالوجهين ضبطناه في "مسلم" عن مُتقني شيوخنا، وبهما ذكره أهل اللغة وفسرها ابن عباس ﵄: بالمرآة، وقاله ثعلب وأبو زيد. وقال آخرون: هو بالفاء الإجانة الخضراء وقيل الصحفة. وقيل: المحارة وقيل: المصانع الممتلئة ماء (١) انتهى. وتفسير ابن عباس أظهر، "ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك (وردي) (٢) بركتك فيومئذ تأكل

стр. 667

العصابة من الرمانة، ويستظلون بقحفها ويوقد المسلمون من قِسِيِّ يأجوجَ ومأجوجَ ونُشَّابهِم، وأترستهم سبع سنين" (١).

стр. 668

الفصل الخامس خرابُ المدينة وخروج القحطاني والجهجاه والهيشم والمقعد وغيرهم، وكذا هدمُ الكعبة ولنذكرهم على سبيل الاختصار، فَأمَّا خرابُ المدينة فقد تقدمت الإشارةُ إليه، وأخرج أبو داود عن معاذ بن جبَل مرفوعًا: "عمران بيت المقدس، خراب يثرب" (١) الحديث. وروي الطبراني "سيبلغُ الناس سلعا ثم يأتي على المدينة زمانٌ يمُر السَّفْرُ على بعضِ أقطارها فيقول: قد كانت هذه مرة عامرة من طول الزمان، وعُفُوِّ الأثر (٢). وأخرج الإمام أحمد نحوه بإسناد حسن. وأخرج أيضًا بسند رجالُهُ ثقات "المدينة يتركها أهلها وهي مرطبة قالوا: فمن يأكلها قال: السباعُ والعوافي" (٣). وفي الصحيحين: "لتتركن المدينة على خير ما كانت مُذَللةً ثمارُها لا يغشاها إلّا العوافي الطير والسباع وآخر من يحُشرُ راعيان من مزينة" (٤)، الحديث.

стр. 669

وأخرجَ ابن أبي الدنيا بسند صحيح: "أما والله لتدعُنَّها مُذَلَّلة أربعين عامًا للعوافي، أتدرون ما العوافي؟ الطيرُ والسباع" (١). وسببُ خَرابها والله أعلم: أنهم يخرجون مع المهدي إلى الجهاد، ثم ترجُف بمُنافقيها وترميهم إلى الدجال، ولمْ يبقَ إلا المؤمنون المخلصون فيهاجرون إلى بيت المقدس عند إمامهم، فقد ورد "ستكون هجرة، وخيار الناس يومئذ ألزمهم (٢) مُهاجَر إبراهيم" (٣) ومَن بقي منهم تَقبضُ الريحُ الطيبة أرواحهم فتبقَي خاويةً فهذا سبب خرابها.

стр. 670

وقد روي المرجاني في "أخبار المدينة" (١) عن جابر مرفوعًا "ليعودن هذا الأمر إلى المدينة كما بدأ منها حتى لا يكونَ إيمان إلا بها". وأخرج النسائي عن أبي هريرة "آخر قرية من قري الإسلام خَرابًا المدينة" ورواه الترمذي (٢) بنحوه وقال: حسن غريب. ورواه ابن حبان (٣) بلفظ "آخر قرية في الإسلام خرابًا المدينة". وصح: "إن الدين ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جُحرها" (٤). فهذه الأخبار بظاهرها، تعارض الروايات والأخبار السابقة ووجه الجمع بينهما: أن الفتن تعم الدنيا كُلّها كما مر في خروج المهدي، ويبقي أهل المدينة مع المهدي فيأرز الدين أي ينحشر ويدخل المدينة حينئذ؛ لأنهم المؤمنون الكاملون، التابعون للخليفة الحق، ثم إنها تنفي خَبثها زمنَ الدجّال، ويبقي فيها الإيمان الخالص بخلاف بيت المقدس، وغيرها من البلدان فإنه يبقي فيهم أهل ذمة، ومنافقون لأنهم إنما يؤمنون بعد نزول عيسى. قُلْتُ: مرَّ أنّ مكة تقذفُ منافقيها إلى الدجال فالظاهر أنها كالمدينة والله أعلم. وحديثُ جابر حتى لا يكون إيمان إلا بها أي إيمانٌ خالصٌ غير مشوبٍ بنفاق، ثم إنه تجيء الريحُ الباردة فتقبضُ كل روح مؤمن ومؤمنة.

стр. 671

قيل: إنَ الريح تأتي من الشام فيكونُ أهل الشام يُقبضون قبل أن تصل إلى المدينة، أو من اليمن فكذلك أو من كليهما، كما جَمع به والأمر ظاهر فصدق أنه آخر من يُقبَض من المؤمنين أهل المدينة، وهذا مَحَضُ حديث أبي هريرة، فبمجرد موتهم تخربُ لأنه ليسَ فيها إلا المؤمنون، بخلاف غيرها فإنها تبقي عامرة بشرار الناس أشار إليه في "الإشاعة" وهو حسن. وأما خروج القحطاني، والجهجاه والهيشم والمقعد وغيرهم، فأخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة مرفوعًا: "ينزل عيسى بن مريم فيقتُلُ الدجال ويموتُ فيستخلفونَ -أي: بعد وفاة عيسى- بأمره رجلًا من بني تميم يُقال لهُ المقعد، فإذا مات المقعد لم يأت على الناس ثلاث سنين حتى يُرفعَ القُرآن من صدور الرجال، ويبدأ النقص ليوافق ما يأتي من بقاء الدين مدة مديدة بعد عيسى" (١). وعند الطبراني "لا تقوم الساعة حتى يملك الناسَ رجلٌ من الموالي يقال له: الجهجاه" (٢). وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال: "لا تذهبُ الأيامُ والليالي حتى يملك الناس رجلٌ يُقال له الجهجاه" (٣).

стр. 672

وأخرج الشيخان عنه "لا تقومُ الساعةُ حتى يخرجَ رجل من قحطان، يسوقُ الناسَ بعصاه" (١). وأخرج الطبراني في الكبير وابن منده وأبو نعيم وابن عساكر عن قيس بن جابر عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ ، قال: "ستكونُ من بعدي خلفاء، ومن بعد الخلفاء أمراء، ومن بعد الأمراء ملوك جبابرة، ثم يخرج من أهل بيتي المهدي يملأ الأرض عدلًا كما مُلئت جورًا، ثم يُؤمَّر القحطاني، فوالذي بعثني بالحق ما هُو دونَه" (٢). وأخرج نعيم (٣) بن حماد عن سليمان بن عيسى قال: بلغني أنَّ المهديَ يملك أربعة عشر سنة ببيت المقدس، ثم يموتُ ثم يكونُ من بعده رجلٌ من قوم تُبّع يقال له المنصور أي: وهو القحطاني، يمكثُ ببيت المقدس إحدى وعشرين سنة، ثم يُقتل ثم يملك المولي ويمكث ثلاث سنين، ثم يُقتل ثم يملكُ بعده [هيشم] (٤) المهدي ثلاث سنين وأربعة أشهر وعشرة أيام. والحاصل أن الواجب اعتقاده ما دَلت عليه الآثار الصحيحة من وجود المهديّ المنتظر، الذي يخرج الدجال، وعيسي في زمانه ويُصلي عيسى خَلفه وأنه المراد حيث أطلق المهدي والمذكورون قبله لم يصح

стр. 673

فيهم شيء، والذين بَعده أمراء صالحون أيضًا لكن ليسوا مثله، فهو الأخير منهم، كلهم في الحقيقة وهو إمامُهم وأفضلهم، ويجب اعتقاد خروج الدجال، ونزول سيدنا عيسى ﵇، وخروج يأجوج ومأجوج، والله الموفق. وأما هدمُ الكعبة وسلبُ حُليّها وإخراج كَنزها، فقد أخرج الشيخان والنسائي عن أبي هريرة ﵁، قال: "يخربُ الكعبة ذو السويقتين من الحبشة" (١). وأخرج الإمام أحمد عن ابن عمر نحوه، وزاد "ويسلبها حليها ويجردها من كسوتها، فلكأني أنظر إليه أُصَيْلعَ أُفَيدِع يضرب عليها بمِسْحاتِه أو معوله" (٢). وأخرج الأزرقي عنه "يجيش البحر بمن فيه من السودان، ثم يسيلون سيل النمل حتى ينتهي إلى الكعبة فيخربونها، والذي نفسي بيده إني لأنظر في صفتُه في كتاب الله تعالى: أفيحج أصيلع أفيدع قائمًا يهدمُها بمسحاته أو معوله" (٣). وفي الصحيحين: "كأني به أسودَ أفحج يهدمُها حَجرا حَجرًا" (٤) أي ويتداولها أصحابه بينهم حتى يطرحوها في البحر"، كما ورد في حديث حذيفة مرفوعًا: "كأني أنظر إلى حبشي أحمرَ الساقين أزرق

стр. 674

العينين، أفطس الأنف كبير البطن وقد صفَّ قدميه على الكعبة، هو وأصحابٌ له فينقضونهَا حَجرًا حجرًا، ويتداولونها بينهم حتى يَطرحُوها في البحر" الحديث. قوله السُوَيقتين: تصغيرُ الساقين أي: -دقيق الساقين- والأصيلع: تصغير أصْلَع -وَهُو مَنْ ذهب مقدمُ رأسه- والأفَيْدع: تصغير أفدَعْ -وهو من في يديه اعوجاجٌ- وورد في بعض الروايات "أصعل" أي: صغير الرأس، وفي بعضها أصمع أي صغير الأذنين، وقيل: كبير الأذن والأفحج المتباعد الفخذين. وأخرج الإمام أحمدُ عن أبي هريرة "يبايَعُ لرجلُ بين الرُكنِ والمقام، ولن يستحلَ هذا البيت إلا أهلهُ، فإذا استحلوه فلا تسأل عن هلكة العرب، ثم تجيء الحبشة فيخربونه خرابًا لا يَعمَّرُ بعده أبدًا وهم الذين يستخرجون كنزه" (١). ورواه الأزرقي بهذا اللفظ في "تاريخ مكة"، والحاكم وصححه. فَإنْ قُلْتَ: قد تقدم أن المهدي هو الذي يُخرج كنز الكعبة، وهنا في هذا الحديث: أن ذا السويقتين هو الذي يُخرج كنزها؟ قُلْتُ: لعمري إنَّه لسؤالٌ وارد، ولم أرَ من تعرَّضَ لهذا الآعزاض، ولا مَن نبَّه عليه من العلماء والحفاظ. ولعل الجواب عن هذا: أن المهدي يستخرج الكنز المذكور، ثم بعد استخراجه له يجمع ما فيه من الحجاج في مُدَّته، ومدة

стр. 675

سيدنا عيسى ﵇ إلى حين خُروج هذا الخبيث، فإن المدة قابلة لجمع أضعاف ذلك، سيما مع كثرة المال وكثرة الحجاج حينئذ، والله أعلم. فَإِنْ قُلْتَ: هدم الكعبة وتسليط هذا الخبيث عليها يُنافي قوله تعالي: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧]، وقد حمي اللهُ هذا البيتَ من أصحابِ الفيل، ولم يكن قِبْلة، فكيفَ يُسلط عليه الحبشة بعد أن صارَ قِبَلةً للمسلمين؟ فالجواب: ما ذكره في "فتح الباري" (١) وهو أن يُقال قد أشار النبي ﷺ للجواب في الحديث بقوله: "ولن يَستَحلَ هذا البيت إلا أهله"، ففي أصحاب الفيل: ما كان أهله استحلوه فمنعه منهم، وأما الحبشة: فلا يهدمونه إلا بعد استحلال أهله مرارًا، وقد استحله أهل الشام زمن يزيد بأمره، ثم الحجاج زمن عبد الملك بأمره ومرَّت الإشارة إلى ذلك، ثم سلط الله القرامطة فقتلوا من المسلمين في المطافِ ما لا يُحصي، وقلعوا الحجر ونقلوه إلى بلادهم، فلما وقع استحلاله من أهلهِ مرارًا، مكن غيرَهُم من ذلك عقوبةً لهم، على أنه ليس في الآية استمرارُ الأمن المذكور فيه. والله أعلم. خاتمة: اختلف العلماء في هدم الكعبة: هل هو في زمن سيدنا عيسى ﵇ أو بعده عند قيام الساعة، حيثُ لا يبقي أحد يقول: الله؟

стр. 676

فعن كعب أنَّه زمن عيسى. وقيل: زمنه وبعد هلاك يأجوج ومأجوج يحجُ النَّاسُ ويعتمرونَ كما ثبت، وأن عيسى ﵇ يحج أو يعتمر أو يجمع بينهما، والظاهرُ أنه بعد سيدنا عيسى ﵇. وذكر الحافظ ابن حجر (١) أنه وجدَ في كتاب "التيجان" لابن هشام: أن عمر بن عامر كان ملكًا متوجًا وكان كاهنا معمرًا، وأنه قال لأخيه عمرو بن عامر المعروف: بمزيقيا، لمَّا حضرته الوفاة إن بلادَكم ستُخربُ، وأن لله في أهل اليمن سَخَطين ورحمتين: فالسخطة الأولى: هدمُ سد مأرب وخراب البلاد بسببه، والثانية: غلبة الحبشة على اليمن. والرحمة الأولى: بعثة نبي من تُهامة اسمه محمد، يرسَلُ بالرحمة ويَغلب أهل الشرك، والثانية: إذا خرب بيتُ الله يبعثُ الله رجُلًا يقُالُ له شُعيب بن صالح، فيهلك من خرَّبهُ ويُخرجهم، حتى لا يكون بالدنيا إيمان إلا بأرض اليمن. قال الحافظ: إن ثبت هذا عُلمَ منه اسم القحطانيّ وسيرتهُ وزمانه. واعترضه في "الإشاعة" (٢) بأنه ليس فيما ذُكر أن ذلك هو القطحاني، ولم لا يجوز أن يكون شعيب بنُ صالح التميمي القادم بالرايات السود إلى المهدي؟ وأنه يرسلُ عيسى إليه حين يأتيه الصريخ، ويؤيده كون لقبه المنصور، وبتقدير أن يكون هو إيّاه، فجائز أن يكون قبل خلافته، ويكون فيمن أرسله عيسى أميرًا عليهم، أي: فإنه ورد

стр. 677

أن الصريخ يأتي عيسى بذلك، فيبعث إليه طائفة ما بين الثمانية إلى التسعة، فيكون هو أميرهم، وكونه رحمة لأهل اليمن، لا يلزم أن يكون منهم. ويكفي [في كونه] (١) رحمة لهم، كونه يدفع الحبشة عنهم بحيث لا يبقي إيمان إلا [في أرض] (٢) اليمن، [ثم] (٣) إن الحجازَ من اليمن ولذا يُقال الكعبة يمانية، وأقولُ كونُ ذلك زمن عيسى ﵇، وأنه هو الذي أرسله مع كون لا إيمان إلّا في اليمن في غاية البعد. كيف وزمن عيسى لا يكونُ إلا إيمان خالص؟ والدين متحد كما مر فليحرَّر. فإنْ قِيلَ قد مَرَّ أنّ آخر ما يُوجد الإيمان في المدينة، وهنا قلتم في اليمن. قُلت: المدينة من اليمن، وقيل إن هدم الكعبة بعد خروج الدابة. وقيل: بعد الآيات كلها قرب قيام الساعة، حتى لا ينقطع الحاج، ولا يبقي في الأرض من يقول الله، ويؤيد هذا: أن زمن عيسى ﵇ كُله زمن سلم وبركة وأمان وخير. قُلْتُ: وهذا أليقُ بكرم الله ، سيما والبيت قبلةُ الإسلام والحج إليه أحد أركان الإسلام، فينبغي أن يبقي ببقاء المسلمين، فإذا جاءت الريحُ الباردة الطيبة، وقد قبضت المؤمنين فحينئذ يُهدم البيت، ويرتفع القُرآن، ولا يبقي في الأرض لا دين ولا إيمان. قال العلامة في "البهجة" (٤): وعن الثقات من الحُفاظ يمكثُ الناس ما شاء الله في

стр. 678

الخضب والدعة بعد يأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس وخروج الدابة. قالوا: ثم يخرجُ الحبشة وعليهم ذو السويقتين فيخربون مكة ويهدمون الكعبة، ثم لا تَعْمُرُ بعدها أبدًا، وهم الذين يستخرجون كنز فِرعونَ وقارون بمصر (١). قالوا: فيجتمع المسلمون فيقاتلونهم، فيقتلونهم ويسبونهم حتى يُباعَ الحبشيُ بعباءة (٢)، فهذا بيَّن أنَّ هدمَ الكعبة بعد الآيات كلها. تتمة. تتمة: ورد في الحديث أنه ﷺ ، قال: "حُجوا قبل أن لا تحجُّوا فوالذي خلّق الحبّة وبرأ النسمة، ليُرفعنَّ هذا البيت من بين أظهركم، حتى لا يَدري أحدُكم أين مكانه بالأمس" (٣) والله أعلم.

стр. 679

الفصل السادس في طلوع الشمس من مغربها وهو ثابت بالسنة الصحيحة والأخبار الصريحة بل: وبالكتاب المنزل على النبي المرسل، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] الآية أجمع المفسرون أو جُمهورهم: على أنها طلوع الشمس من مغربها. وأخرج مُسلمُ عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: حفظتُ من رسول الله ﷺ ، "إنَّ أوَّلَ الآيات خُروجًا طلوع الشَّمسِ من مَغْرِبها، وخروجُ الدابة على الناس ضحًى، وأيتهمُا كانت قبل صَاحبتها فالأخرى على إثرها قريبًا منها" (١). وفي مسلم أيضًا عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقومُ الساعة حتى تطلعَ الشمسُ من مغربهَا، فإذا طلعت من مَغْربها آمنَ الناسُ كُلَّهُم أجمعون، فيومئذٍ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ " (٢) [الأنعام: ١٥٨] "، وفي بعض طرق البخاري: "حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا رآها الناسُ آمن من عليها" (٣) الحديث.

стр. 680

(١) وأخرج مسلم عن أبي ذر أن النبي ﷺ قال يومًا: "أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "إن هذه تجري حتَّى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة، فلا تزال كذلك حتَّي يُقال لها ارجعي من حيث شئت، فترجع طالعة من مطلعها تجري لا يستنكر الناس منها شيئًا حتَّي تنتهي إلى مستقرها ذلك تحت العرش فيُقال لها ارجعي ارتفعي أصبحي طالعة من مغربكِ فتصبح طالعة من مغربها". فقال ﵇: "أتدرون متي ذلك؟ حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ " الآية [الأنعام: ١٥٨] (٢). وأخرج الإمام أحمد وعبد الرزاق وعبد بن حميد والستة غير الترمذي، وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعةُ حتَّى تطلعُ الشمسُ من مغربها فإذا طلعت ورآها الناسُ آمنوا أجمعون، فذلك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ ثم قرأ الآية (٣). وأخرج ابن مردويه عن حذيفة ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ : ما آية طلوع الشمس من مغربها؟ فقال: "تطول تلك الليلة

стр. 681

حتَّى تكون قدر ليلتين" (١). وهو وابن أبي حاتم عن ابن عباس مرفوعًا: "تطول قدر ثلاث ليالٍ" (٢). وعند البيهقي عن عبد الله بن عمرو: "وقدر ليلتين أو ثلاث، فيستيقظ الذين يخشون ربهم فيصلون ويعملون كما كانوا، ولا يرون إلا قد قامت النجوم مكانها ثم يرقدون ثم يقومون ثم يقضون صلاتهم والليل كأنه لم ينقضِ فيضطجعون حتَّي إذا استيقظوا والليل مكانه، حتَّي يتطاول عليهم الليل فإذا رأوا ذلك خافوا أن يكون ذلك بين يدي أمر عظيم، فيفزع الناس وهاج بعضهم في بعض، فقالوا: ما هذا؟ فيفزعون إلى المساجد، فإذا أصبحوا طال عليهم طلوع الشمس، فبينما هم ينتظرون طلوعها من المشرق إذا هي طالعة عليهم من مغربها فَيضِجُّ الناسُ ضجةً واحدةً، حتى إذا صارت في وسط السّماء رجَعتْ وطلعت من مطلعها" (٣). وأخرجَ ابن مردويه وغيره عن أنس مرفوعًا "صبيحةَ تطلعُ الشمس من مغربها يصيرُ في هذه الأمة قردة وخنازير، تُطوي الدواوين وتجفُ الأقلام، لا يُزاد في حسنة ولا يُنقصُ من سيئة، ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا

стр. 682

إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]، وعند البيهقي "فيذهب الناسُ فيتصدقون بالذّهبِ الأحمر، فلا يُقبلُ منهم ويقال: لو كان بالأمس" (١). وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﵄ قال: "لا تزالُ الشمسر تجري من مشرقها إلى مغربها، حتى بأتي الوقتُ الذي جعل الله لتوبة عباده، فتستأذنُ الشمسُ من أين تطلع؟ ويستأذن القمر من أين يطلع؟ فلا يؤذنُ لهما: فيحبَسانِ مقدارَ ثلاثِ ليال للشمس، وليلتين للقمر، فلا يعرفُ مقدار حبسهما إلا قليل من الناس، وهم بقية أهل الأرض، وحملة القرآن يقرأُ كلُ رجل منهم وردَه في تلك الليلة، حتى إذا فرغ منه نظر فإذا ليلته على حالها، فيعودُ ويقرأ ورده، فإذا فرغ نظر فإذا ليلته على حالها فلا يعرف ذلك إلا حملة القُرآن، فينادي بعضُهم بعضا: فيجتمعون في مساجدهم بالتضرع والبكاء والصراخ بقية تلك الليلة. ومقدارُ تلك الليلة ثلاث ليال، ثم يرسل الله جبريل إلى الشمس والقمر فيقول: إن الرب تعالى يأمر كما أن ترجعا إلى مغربكما فتطلُعا منه، فإنه لا ضوءَ لكما عندنا ولا نور، فتبكي الشمسُ والقمرُ خوفَ يوم القيامة، وخوفَ الموت، فتيرجعُ الشمس والقمرُ فيطلعان من مغربهما فبينما الناس كذلك، يتضرعون إلى الله تعالى، والغافلون في

стр. 683

غفلاتهم إذ نادي منادٍ: ألا إن باب التوبة قد أغلق، والشمسُ والقمرُ طلعا من مغاربهما، فنظر الناسُ فإذ بهما أسودان كالعكمين لا ضوءَ لهما، ولا نورَ فذلك قوله تعالى ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)﴾ [القيامة: ٩] (١). قوله: (كالعكمين) تثنية عكم، وهو الغرارة: أي: كالغرارتين العظيمتين، ومنهُ يُقالُ لمن شَدَّ الغرائر على"الجمل العكام، وفي حديث أم زرع: عكومها رداح (٢)، والله أعلم. فيرتفعان أي: الشمسُ والقمرُ مثلُ البعيرين المقرونين [المعقورين] (٣) يُنارعُ كُلٌ منهما صاحبه استباقًا، ويتصايح أهلُ الدُنيا، وتذهلُ الأمهاتُ عن أولادها، وتضعُ كُلُّ ذاتِ حمْلٍ حَمْلَها، فأمّا الصالحون والأبرار، فإنَّهم ينفعُهُم بكاؤهم يَومئذ، ويُكتَبُ لهم عبادة. وأما الفاسقون والفجار، فَلَا ينفَعُهُم بكاؤهُمْ يومَئذ ويُكْتَبُ عليهم حسرة، فإذا بلغتِ الشمس والقمر سُرة السماء، وهي منتصفها جاءهما جبريل، فأخذ بقرونهما فردّهما إلى المغرب، فلَا يُغرِبْهُما في مَغَاربهما: أي مَغارب طلوعهما ذلك اليوم، وهي: أي المَطالع جهة المشرق،

стр. 684

ولكن: يُغربهما في مغاربهما اللّذان في باب التوبة، فإنَّ الله خلقَ بابَ التوبة، فهو من أبواب الجنة، لهُ مصراعان من ذَهب مُكلَّلًا بالدُّرِ والجوهر، ما بين المصراع إلى المصراع: مسيرة أربعين عامًا للرَاكب المسِرع، فذلك البابُ مفتوحٌ منذُ خَلقَ اللهُ خلقَه إلى صبيحةِ تلكَ اللَّيلة عند طلوع الشمس والقمرِ منْ مغاربهما، ولم يَتُب عبد من عباد الله توبةَ نصوحَا، من لدُن آدمَ إلى ذلك اليوم، إلا ولجت تلك التوبة في ذلك الباب، ثم ترتفع إلى الله. قيل: أي قال معاذ: يا رسول الله: وما التوبة النصوح؟ قال: "أن يَنْدمَ العبدُ على الذنب الذي أصاب فيهرُبُ إلى الله منه، ثم لا يعودُ إليه حتى يعودَ اللّبن في الضرع"، قال: "فيُغربهما جبريل في ذلك، ثم يردُ المصراعين، فيلتئم ما بينهما، ويصيران كأنهما لم يكن فيهما صالح قط، ولا خلل فإذا أغلق بابُ التوبة لم يقبل لعبد بعد ذلك توبة، ولم ينفعه حسنة يعملها بعد ذلك إلا ما كان يجري لهما قبل ذلك، فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ " [الأنعام: ١٥٨] الآية فقال أُبيّ بنُ كعب: يا رسول الله فكيف بالشمس والقمر بعد ذلك وكيف بالناس والدنيا؟ قال: "إنَّ الشمسَ والقمر يُكسَيان بعد ذلك ضوء النور، ثم يطلعان على الناس ويغربان كما كانا قبل ذلك، وأمَّا الناسُ فإنَّهم حيث ما رأوا: رأوا من تلك الآية وعظمها يلحون على الدنيا فيعمرونها ويجُرون فيها الأنهار، ويغرسون فيها الأشجار، ويبنون فيها البنيان، وأمّا الدُّنيا فلو نتج رجل مُهرًا لم يركبه، حتى تقوم الساعة من لَدُن

стр. 685

طلوعِ الشمس من مغربها، إلى يوم يُنفخ في الصور" (١). قُلْتُ: وذكر نَحو ذلك القرطبي في "التذكرة" عن الثعلي، وغيره من المفسرين، عن أبي هريرة (٢). تنبيهات: الأول: تقدم في حديث مسلم: "أن أوَّل الآيات طُلوعُ الشَّمسِ من مغربها"، واستشكل بأنه لو كان طلوع الشمس قبل نزول عيسى، لم ينفع الكُفار إيمانُهم في زمانه، ولا الفساق توبتهُم كما مَرَّ من أن بابَ التوبة يُغلق، ومن المعلوم: أنه ينفعهم زمن عيسى قطعًا، وإلّا لمَا صار الدينُ واحدًا، ولا كان في نزوله كبير فائدة. وقد اضطرب كلام العلماء من المحدّثين والمفسرين في الجواب عن ذلك، والجمعُ بينَ الأحاديث الواردة في هذا الباب. والحاصل كما في "البهجة" للعلامة أنه أجيب عن ذلك بجوابين: أحدهما: للبيهقي قال: إن كان في علم الله أن طلوعَ الشمس سابقًا، احتمل أن يكون المراد نفي قبول توبة الذين شاهدوا طلوعَ الشَّمس من مَغربها. فإذا انقرضوا، وتطاول الزمن، وعادَ بعضُهم إلى الكُفر عاد تكليف الإيمان بالغيب، وإن كان في علم الله أنَّ طلوعَ الشمس بعد نزول عيسى، احتمل أن يكون المراد بالآيات في حديث ابن عمرو آيات أُخر غير الدجال ونزول عيسى، أي: وخروج المهدي إذْ هُوَ سابقٌ عليهما قطعًا.

стр. 686

قال العلامةُ عن الأخير يَعني كون طلوع الشمس بعد نزول عيسى، وأن المراد بالآيات آيات أُخر هو المعتمد لما مرّ مِن أنَّ بابَ التوبة يُغلقُ من حين طلوع الشمس إلى يوم القيامة، مع أنه قدَّم في "بهجته" طلوعَ الشمس من مغربها أوَّلًا ثُمَّ خروج الدابة ثم المهدي ... إلخ. الجواب الثاني: أن خُروجَ الدَّجالِ أوَّلَ الآيات العظام المؤذنة بتغير انتظام أحوال العامة في معظم الأرض، وينتهي ذلك بموت سيدنا عيسى ﵇، وطلوع الشمس من مَغربها: هُو أوّل الآيات العظام المؤذنة بتغير انتظام العالم العلوي. وينتهي ذلك بقيام الساعة، وأمّا خُروجُ الدابَّة فإنه يقعُ في ذلك اليوم الذي تطلُعُ فيه الشمس من المغرب قال الحاكم: الذي يظهر أنَّ طلوعَ الشمس يسبقُ خروجَ الدابَّة في ذلك اليوم، أو الذي يقربُ منه (والحكمة في ذلك: أن عندَ طلوع الشمس من المغرب، يُغلقُ بابُ التوبة، فتخرجُ الدابَّة تميِّزُ المؤمن من الكافر تكميلًا للمقصود من إغلاق باب التوبة) (١). قال العلامة: وهذا كلام في غاية التحقيق، جديرٌ بأن يُتلقي بالقبول، لما فيه من التوفيق قد قرره الحفاظ الأعلام وعلماء الإسلام. وقال في محل آخر من بهجته: قد ذكر المحققون أن بابَ التوبة

стр. 687

يغلق بطلوع الشمس من مَغْربها، وهي (١) غيرُ الغلق بالغرغرة، فمَنْ كان على شيء بعده استمر لهُ ذلك فلا يَتَغيَّرُ حالُه كافرًا كان أو عاصيًا فلا يُقبلُ إسلامُ الكافر ولا توبة العاصي، ولا يكتب عملٌ بعد ذلك، لارتفاع الصحف وجفاف الأقلام، ولا (٢) يُفتح -يعني باب التوبة- بعد ذلك، وإن ذلك لا يختص بيوم الطلوع، بل يمتدُ إلى يوم القيامة. قالَ بَعضُهم: والحكمة في طَلوع الشمس من مغربها: أن إبراهيمَ ﵇ قال للنمرود إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأْتِ بها من المغرب، فبُهتَ الذي كفر، وأنَّ السحرة والمنجمة عن آخرهم ينكرون ذلك، ويقولون هو غير كائن، فيطلعها الله يومًا من المغرب ليَري المنكرين قدرته، وأن الشمس في ملكه إنْ شاء أطلعها من المشرق أو المغرب أو لا. الثاني: قد مرّ في حديث أنس (٣) عند ابن مردويه وغيره أن الدواوينَ تُطوي، والأقلام تجف، ولا يزاد في حسنة، ولا يُنقصُ من سيّئة وفي كلام العلامة ولا يكتب عمل بعد ذلك. وفي هذا عندي نظر لاحتمال أن يَحدُثَ على أحد المؤمنين تغير حالٍ من اقتراف ذنب، أو ارتداد ونحوهما. والجوابُ عن ذلك: أن كلا من أهل الإيمان والمعاصي لا يتغيرُ حاله، إذ ذاك أو إذا عملوا عَمَلًا فأجسامُهم تشهدُ عليهم، كما رأيتهُ مأثورًا عن عائشة ﵂، ويأتي قريبًا (٤) وفيه: "وخلصَت

стр. 688

الحفظةُ، وشهدت الأجساد على الأعمال". رواه عبدُ بن حميد والطبراني بسند صحيح عنها والله أعلم (١). الثالث: قد ورد عن ابن عمر ﵄: "يمكث الناس بعد طلوع الشمس من مغربها، عشرين ومائة سنة" (٢) وروي عبدُ بن حميد عنه: "يبقي شرار الناس بعد طلوع الشمس من مغربها عشرين ومائة سنة" (٣). وأخرج نعيم عن ابن عَمرو "لا تقوم الساعة حتى تعبدَ العربُ ما كان يَعبُدُ آباؤها عشرين ومائة سنة، بعدَ نُزُولِ عيسى ابن مريم، وبعد الدجال" (٤). وروي عبد بن حميد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقومُ الساعة حتى يلتقي الشيخان الكبيران فيقول أحدهما للآخر: متى وُلدتَ؟ فيقول: زمن طلعتِ الشمس من مغربها" (٥). وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن أبي هُريرة ﵁

стр. 689

"الآياتُ كلُّها في ثمانية أشهر" (١) وعن أبي العالية في ستة أشهر (٢) وقد مرّ، لو أن رجُلا نتج مُهرًا لم يركبه حتى ينُفخَ في الصور. وجمع الحافظ ابن حجر، في "فتح الباري"، وتبعه السخاوي في "القناعة" (٣)، والبرزنجي في "الإشاعة" (٤)، بما حاصله: أن المدةَ كما في الروايات الأول عشرين ومائة سنة، لكنها تمرُّ مرًّا سريعًا كمقدار عشرين ومائة شهر، كما في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة رفعه: "لا تقوم الساعة حتى تكون السنة كالشهر" (٥) الحديث، وفيه: "اليومُ كالساعة"، وعلي هذا يكونُ تقاربُ الزمان، وتقاصر الأيام مرتين، مرةً في زمن الدجال، ثم ترجع بركة الأرض وطول الأيام إلى حالها، ثم تتناقص بعد موت سيدنا عيسى ﵇، إلى أن تصيرَ في آخر الدنيا إلى ما ذكر والله أعلم. قُلْتُ: وأحسنُ من هذا ما ذكره الطيبي: أن الآيات -أي أمارات الساعة- على قسمين: قسم يدل على قربها، وقسم يدلُ على حصولها، وأن من الأول الدجال، ونزول عيسى، وخروج يأجوج ومأجوج، والخُسوف.

стр. 690

ومن الثاني: الدخان وطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، والنار التي تخرج من قعر عدن تحشر الناس، فيكون المراد بالمدة الطويلة باعتبار الأوّل، والقصيرة باعتبار الثاني، لكن الخبر ناطقٌ، بأن العشرين ومائة سنة، بعد طلوع الشمس. تتمة: ذكَر الحَليمي: أن أوّل الآيات الدجّال، ثم نزول عيسى، ثم طلوعُ الشمس من مغربها. قُلْتُ: والصّوابُ عندي أن أوّل الآيات خروجُ المهديّ، ثم الدجال، ثم نزول عيسى، ثم خروجُ يأجوج ومأجوج، إلى آخرها على نسق ما ذكرنا. وأما خُروجُ السفياني فإنه وان كان قبل خروج المهدي، لكن لم يعد العلماء خروجه آية، وإنما: هو علامةٌ لخروج المهدي، والله الموفق. الرابع من التنبيهات: زعم جماعة من العلماء أنه إنما يمتنعُ قبولَ الإيمان والتوبة وقت طلوع الشمس، أي في تلك الحالة، وأما مَن تاب بعد ذلك، أو أسلم قُبِلَ ذلك منه. قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (١) ما حاصله: الذي دلت عليه الأحاديث الثابتة الصحاح والحسان: أن قبول التوبة منفيًا بطلوع الشمس من مغربها، ومفهومها أنها بعد ذلك لا تُقبل بل قد جاء في بعض الروايات، التصريحُ بعدم القبول كما عند الإمام أحمد والطبريّ والطبراني عن مالك بن يخامر،

стр. 691

عن معاوية وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمرو رفعوه "لا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت طُبعَ على كل قلب بما فيه وكُفي الناسُ العمل" (١). وفي حديث ابن عباس عند ابن مردويه السابق (٢): "فإذا أغلق ذلك الباب، لم تُقبل بعد ذلك توبة، ولا تنفع حسنة" وعند نعيم بن حماد عن ابن عمر: "فيناديهم مناد يا أيها الذين آمنوا: قد قُبل منكم، ويا أيها الذين كفروا: قد أغلق عنكم بابُ التوبة، وجَفَّتِ الأقلام وطُويتِ الصُحف" (٣). ومن طريق يزيد بن شُريح وكُثير بنُ مرة، إذا طَلعت الشمسُ من المغرب، يُطبَع على القلوب بما فيها، وتُرفع الحفظةُ، وتؤمر الملائكة أن لا يكتبوا عَملًا (٤). وأخرجَ عبد بن حميد، والطبري بسند صحيح عن عائشة ﵂: إذا خَرَجتْ أوَّلُ الآيات -تعني: طُلوع الشمس من المغرب- طُرحت الأقلام وطُويت الصُحف، وخَلصَت الحفظة، وشهدت الأجسادُ على الأعمال (٥).

стр. 692

وعن ابن مسعود (١) ﵁ قال: الآيةُ التي تُختمُ الأعمال بها طلوعُ الشمس من مَغربها. قال: فهذه آثار يشدُ بعضها بعضًا، مُتَّفقة على أنه إذا طلعتِ الشمسُ من المغرب أُغلقَ بابُ التوبة، ولم يُفتحْ بعدَ ذلك ولَا يَختصُّ ذلك بطلوعها، بل يمتدُ إلى يوم القيامة، ويؤيده ما يأتي: أنَّ إبليسَ يخرُ ساجدًا، وأن الدابَّة تقتُله، فإنَّه لا يموتُ إلّا عند الفراغ من العمل، والله أعلم.

стр. 693

الفصل السابع في خروج الدابَّة وهو ثابت بالكتاب والسُنَّة، أما الكتابُ: فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ الآية [النمل: ٨٢]. وأما السنة: فهي كثيرة جدًا، والكلام عليها في ثلاثة مقاصد: المقصدُ الأوّل: في حليتها ، في حديث حُذيفةَ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: دابَّةُ الأرض طُولُها ستونَ ذراعًا، لا يُدركُها طالب ولا يفوتها هارب (١) وفي حديث أبي هُريرة مرفوعًا "تخرج دابَّةُ الأرض من أجياد فيبلُغ صدرُها الركن اليماني، ولم يخرج ذنبها بعدُ، وهي دابَّةٌ ذات قوائم" (٢). وفي حديث حذيفة يرفعه: أوّل ما يبدُو مِنها رأسها، معلمةٌ ذات وبر وريشٍ (٣). وقال الإمام عليُّ كرَّمَ اللهُ وجهه: تخرج ثلاثة أيام، والناسُ ينظرُون إليها، فلا يخرج إلا ثُلثُها، وروي فلا يَخرجُ إلاَّ رأسُها، فيبلُغُ عنانَ السماء وتبلغ السحاب (٤).

стр. 694

وقال أبو هُريرة ﵁: فيها من كل لونٍ وما بين قرنيها فرسخ للراكب (١). وقال وهب: وجهها وجه رجل، وسائرُ خلقها كخلق الطير. وقال ابن جريج: رأسُها رأس الثور، وعينُها عينُ خنزير، وأذنها أذنُ فيل، وقرنها قرن أيّل وعنقها عنق نعامة، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هرّ، وذنبُها ذنب [تيس] (٢)، وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصلين اثنا عشر ذراعا، بذراع آدم ﵇ (٣). قال كعب: صُوتُها صوت حمار. وقال ابن عبّاس ﵄: إن لها عنقًا مشرفًا -أي طويلاً- يراها من بالمشرق، كما يراها من بالمغرب، ولها وجه كوجه الإنسان ومنقار كمنقار الطير، ذات وبر وزغب. وعن عليّ كرم الله وجهه: أنه قيل له: إنَّ ناسًا يزعمون أنك دابَّة

стр. 695

الأرض فقال: والله إن لدابة الأرض ريشًا وزغبًا، وما لي ريشٌ ولا زغب، وإن لها حافرًا وإنها لتخرجُ حضر (١) الفرس الجواد ثلاثًا وما خرج ثلثاها (٢). وعن ابن عباس ﵄: أنها ذات زغب وريش فيها من ألوان الدواب كلها، وفيها من كل أمّة [سيما] (٣)، وسيماها من هذه الأمّة أنها تكلم الناس بلسان عربي مبين، وتكلمهم بكلامهم (٤). قوله: ذاتَ زغب أي عليها زغب وهو صغارُ الريش، أولُ ما يطلُع قاله في "النهاية (٥): وقوله الأيّل هو بفتح الهمزة وكسر التحتانية مشددة وبضمٍّ وفتح الوعَل بفتح العين وهو تيس الجبل. قولُهُ وفيها من كل أمة سيمة، أي: علامة. وفي "الميزان" للذهبي، عن جابر الجعفي: أنه كان يقول: دابَّةُ الأرضِ عليّ بنُ أبي طالب (٦): قال: وكان جابر الجعفي شيعيًا يرى الرجعة أي: أنَّ عليًا يَرْجعُ إلى الدُنيا. قال الإمام أبو حنيفةَ: ما لقيتُ أحدًا أكذبَ من جابر الجعفي، ولا أفضل من عطاء بن أبي رباح. وقال الشافعي: أخبرني سفيان بن عُيَيْنة قال: كُنا في منزل جابر الجعفي، فتكلم بشيء، فنزلنا خوفًا أن

стр. 696

يقعَ علينا السقف، ومع ذلك روى لهُ أبو داود، والترمذي وابن ماجه، ووفاتُه سنة ست وستين ومائة (١). المقصد الثاني: في سيرتها: في أواخر مستدرك الحاكم أن معها عصا موسى، وخاتم سليمان ﵉، لا يُدركُها طالبُ ولا يُعجزُها هارب، تضرب المؤمنَ بالعصا، وتكتبُ في وجهه مؤمن، وتطبع الكَافر بالخاتم (٢)، وتكتب في وجهه كافر. كذا رواه عن أبي هريرة ﵁ (٣). قال العلماء تبعا للحديث النبوي: "أنَّ معها عصا موسى وخَاتمَ سُليمان عليهم الصلاة والسلام، وتُنادي بأعلى صوتها: إنّ الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون، وتَسِم الناسَ المؤمن والكافر، فأما المؤمن فيَرى وجهَه كأنه كوكب دري، ويُكتَبُ بين عينيه مؤمن وأما الكافرُ فتنكتُ بين عينيه نكتة سوداء، ويكتب بين عينيه كافر" وفي رواية: "فتلقى المؤمن، فتسِمهُ في وجهه نكتة، فَيَبيضَّ لها وجهُه وتسمُ الكافرَ نكتةً يَسْوَّدُ لها وجهه" وفي رواية: "فتجلو وجهَ المؤمنِ بالعصا، وتختم أنفَ الكافر بالخاتم حتى إن أهل الخوان ليجتمعون، فيقولون لهذا: يا مؤمن ولهذا يا كافر ويتعوذ بعض الناس منها بالصلاة، فتأتيه

стр. 697

من خلفه فتقولُ يا فُلان: الآن تُصلي فيُقبلُ عليها فتسمُه في وجهه، ثم تنطلق، ويشترك الناس في الأموال، ويصطَحبون في الأمصار يعرفُ المؤمنُ الكافر وبالعكس، حتى إن المؤمن ليقولُ للكافر: يا كافر، اقض حَقِّي، والكافر يقول: يا مؤمن اقض حقي، وتستقبل المشرق، فتصرخُ صرخةً تنفذه، ثم تستقبل الشام فتصرخ صرخة تنفذه، ثم المغرب واليمن كذلك، ولا يبقى مؤمنٌ إلا نَكتَتْ في مسجده، بعصا موسى نكتة بيضاء فتفشو تلك النقطة، حتى يبيض لها وجهه، ولا يبقى كافر إلا نكتت في وجهه نكتة سوداء بخاتم سليمان، فتفشو تلك النكتة حتى يسوَدَّ لها وجهه" (١). وأخرج نعيم بن حماد في "الفتن" (٢)، والحاكم في "المستدرك"، عن ابن مسعود ﵁ قال: لا يلبثون يَعني الناس بَعْدَ يأجوج ومأجوج، حتى تطلع الشمس من مغربها، وجفَّت الأقلام وطُويَتِ الصُّحُف، لا يُقْبَلُ من أحد توبة، ويَخر إبليس ساجدًا ينادي إلهي: مُرني أنْ أسجد لمَن شئت، وتجتمعُ إليه الشياطين فتقول: يا سيدنا إلى من تفزع؟ فيقولُ: إنَّما سألتُ ربي أن يُنظرني إلى يوم البعث فأنظرني إلى يوم الوقت المعلوم، وقد طلعتِ الشمسُ من مغربها، وهذا يومُ الوقت المعلوم، وتصيرُ الشياطين ظاهرة في الأرض حتّى يقولَ الرجلُ هذا قريني الذي كان يغويني، فالحمدُ لله الذي أخزأه ولا

стр. 698

يزال إبليس ساجدًا باكيًا حتى تخرجَ الدابة (١) فتقتله، وهو ساجد". تنبيه: في سؤال إبليس أن يُنظرَ ليوم البعث مكر وخداع، وجهل برب العالمين، فإنه حاول أن لا يذوق طعم الموت؛ لأن يومَ البعث ليسَ يوم موت، وإنما هو يومُ بعثٍ ونشورٍ، وبعْثر مَنْ في القبور، فإذا كانَ الأمر كذلك، فكيف يُقبض إذ ذاك إبليس أو غيره؟ وإنما ذلك يومُ الجزاء والله أعلم. وفي "العرائس" (٢) عن كعب الأحبار، أن إبليس إنما يذوقُ طعمَ الموت يوم الحشر، قال: ينزلُ إليه ملك الموت، وقد لبس ثياب السخط والغضب، ومعهُ أعوانٌ لا تُحصى كثرتهم، وله قوة لا تُطاق، وبأس لا يذاق، ومعه سبعون ألفًا من الزبانية (٣) قد مُلئوا غيظًا، ومع كُلِ واحدٍ سلسلةٌ من سلاسل لظى، وغلٌ من أغلالها، فنعوذ بالله من نكالها، ويأمر الله تعالى مالكًا بفتح أبواب النيران، وبتسعيرها مع الخزان، وينزل ملك الموت في صورة لو نظر إليه أهل السموات السبع لماتوا، ولو نظر إليه أهل الأرض لتفطرت مرائرهم من الفزع. قال: فينتهي إلى أبليس لعنَهُ الله ويزجره، فيصيح صيحةَ لو سمعَها أهلُ الدنيا لماتُوا منها فيهرُبُ إلى المشرق فيجد ملكَ الموتِ أمامه، فيغوصُ في البحر فلا يقبله، فلا يزال يهرب في الأرض

стр. 699

حتى يقفَ عند قبر آدم ﵇، فيقولُ من أجلك جُعِلت في هذا الحال، وبسببك ذُقتُ هذا النكال، فَليْتَك لم تُخلَق، قال: فعند ذلك يسقيهُ ملك الموت كأسًا ممزوجًا بالعذاب الشديد، فيذوقُ من العذاب عند موته عددَ ما أغوى من أولاد آدم أضعافًا مُضاعفة، فيخرّ لعنهُ الله مرة يتمرغ في التراب ومرة يَصْرخُ من هول العذاب، ومرة يهربُ من المشرق إلى المغرب، حتى يأتي إلى الموضع الذي أهبطه الله فيه يومَ طُرِد، (وفي حياة الحيوان بجدة قاله كعب وفي تاريخ ابن الحنبلي أنه أهبط بأيلة) (١) وهو دِسِت مياه، فيجد الملائكة قد نصبت له الكلاليب والخطاطيف، وصارت الأرض كالجمرة، فيصير في أشدّ عذاب ونكال، وخزي ووبال، فتخرجُ روحُه الخبيثة إلى مقرها الخبيث وتستريح الأرض منه. كذا ذكره الكسائي. قُلْتُ: والأوّل أصحُّ لأنه رواه الحاكم في "المستدرك"، ونعيم في "الفتن" (٢)، عن ابن مسعود ﵁ فهو في حكم المرفوع؛ لأنّه لا يُقال من قبل الرّأي وغايةُ ما ذكره كعب الأحبار، أن يكون تلقاه من كتب أهل الكتاب، ونحنُ معاشر المسلمين، لا نرى الاحتجاج بكلامهم إلاّ ما وافَقَ الشريعة الغرّاء، والله الموفق. المقصد الثالث: في خروجها أخرج الحاكم في المستدرك عن أبي الطفيل، عن أبي سريحة (٣) عن

стр. 700

النبي ﷺ قال: يكونُ للدابة ثلاثُ خرجات في الدهر تخرجُ في أوّل خرجة في أقصى اليمن، منتشرًا ذِكرُها بالبادية ولا يدخل ذِكرُها القرية، يعني: مكة -ثم بينما الناس يومًا في أعظم المساجد حرمة، وأحبّها إلى الله، وأكرمها على الله يعني المسجد الحرام، لم يَرُعْهُم إلّا وهي في ناحية المسجد من الركن الأسود، وباب بني مخزوم، فيرفض الناس عنها شتى، وتثبت عصابة من المسلمين عرفوا أنهم لن يعجزوا الله، فتنفض عن رأسها التراب فتجلوا وجوههم حتى كأنّهم الكواكب الدّرّية (١). وفي "الإشاعة": لها ثلاث خرجات في الدهر، فتخرج خرجة في أقمى بادية (٢)، وفي رواية في أقصى اليمن، ولا يدخل ذكرها القرية يعني مكة، ثم تمكث زمانًا طويلًا، ثم تخرج خرجة أخرى دون تلك فيعلو ذكرها في أهل البادية، ويدخل ذكرها القرية، ثم بينما الناس في أعظم المساجد الحديث. وعن ابن عباس ﵄: أنها تخرجُ من بعض أودية

стр. 701

تهامة (١)، أي: وهذا في بعض خرجاتها والأوّل: "في خرجتها الأخيرة". وعن أبي هريرة وابن عمر، أنّ رسول الله ﷺ "أراه المكان الذي تخرج منهُ الدابّة" (٢). وعن ابن عمر ﵄ قال: "خروجُها من الصَّفا ليلةَ منى"، فيصبحونَ بين رأسها وذنبها، لا يدحض داحض، ولا يخرج خارج، حتى إذا فرغت مما أمر الله فيهلك (٣) من هلك، ونجا من نجا، كان أول خطوة تضعَها بأنطاكية (٤) وفي بعضها: "من مدينة قوم لوط "، وفي بعضها: "من وراء مكة". وعن أبي هريرة ﵁، أن الني ﷺ قال: "بئس الشعبُ شِعب أجياد، قالها مرتين أو ثلاثة" قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: "تخرجُ منه الدابّة فتصرخُ ثلاثَ صرخاتِ فيسمَعُها من في الخافقين" (٥).

стр. 702

وعن بريدة ﵁ قال: ذهب بي رسول الله ﷺ إلى موضع بالبادية، قريب من مكة فإذا بأرض يابسة، حولها رمل فقال ﷺ "تخرجُ الدابَّة من هذا الموضع (١). ووجْهُ الجمع بين هذه الروايات مِن وجهين (٢): أحدهما: أن لها ثلاثُ خرجات، ففي بعضها تخرجُ من مدينة قوم لوط، ويصدق عليها أنها من أقصى البادية، وفي بعضها تخرج من بعض أودية تهامة، ويصدق عليها أنها من وراء مكة، ومن اليمن؛ لأن الحجاز يمانية، ومن ثَمَّ قيل الكعبة يمانية (٣)، وفي المرة الأخرى تخرج من مكة، وهي من عظم جثتها وطولها يمكنُ أن تخرج من بين المروة والصفا وأجياد، فإنها تمتدُ مقدار ثلاثة أيام وأكثر، فحينئذٍ يصدقُ عليها أنها خرجتْ من المروة ومن الصفا ومن أجياد، ومن المسجد أي: ومنَ البادية التي بالقرب من مكة، كما في حديث بريدة. والوجهُ الثاني: أنها تخرجُ من جميع تلك الأماكن في آن واحد، خرقًا للعادة، في صور متباينة، على أنه ورد كما في "حياة الحيوان"، أنه يَخرجُ من كل بلدة دابة، مما هو مبثوث (٤) نوعُها في الأرض،

стр. 703

فليست بواحدة فيكون قوله دابة: اسم جنس واللهُ أعلم. فائدة: ذكر في "حياة الحيوان"، عنِ ابن عباس ﵄، أن دابَّة الأرض هي الثعبان الذي كان في جوف الكعبة، واختطفته العُقابُ، حين أرادت قريش بناء البيت الحرام، وأن الطائر حين اختطفها ألقاها بالحجون، فالتقمتها الأرض، فهي الدابَّة التي تخرج تكلم الناس، وتخرجُ عند الصفا. انتهى. وذلك على ما ذَكر ابن عبدِ البَرِّ في التمهيد عن عمرو بن دينار قال: لمّا أرادت قريشُ بناء الكعبة، خرجت منها حية فحالت بينهم وبينها، فجاء طائر أبيض فأخذها، ورمى بها في أجياد (١). وقال ابن إسحق: قال الزبير بن عبد المطلب فيما كان من شأن الحيّة التي كانت قريش تهابُ بنيان الكعبة بسببها شعر (٢): عجبتُ لما تصوَّبتِ العُقابُ ... إلى الثُّعبانِ وهي لها اضطرابُ إذا قُمنا إلى التأسيسِ شدّت ... تُهَيِّبُنا البناء وقد تُهابُ وقد كانت يكونُ لها كشيشٌ ... وأحيانًا يكونُ لها وثابُ فلمّا أن خَشينا الرجزَ (٣) جاءت ... عقابُ تثلئب لها انصبابُ فَضمَتْها إليها ثم خلَّت ... لنا البُنيانُ ليس لها حجابُ

стр. 704

فَقُمْنَا حاشدينَ إلى بناءٍ ... لنا منه القواعدُ والتُرابُ غداة ترفَّعُ التأسيسُ منه ... وليسَ على مُسوّينا ثيابُ أعز به المليكُ بني لؤيٍّ ... فليسَ لأصله منهم ذِهابُ فَبَوَّأنا المليكُ بذاك عِزًّا ... وعندَ اللهِ يُلتَمسُ الثواب (١) والله أعلم.

стр. 705

الفصل الثامن خروج الدخان وهو ثابت بالكتاب والسنة، أما الكتابُ: فقال : ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ [الدخان: ١٠] قال ابن عباس (١) وابن عمر (٢) والحسن (٣) وزيد بن على: هو دُخان قبل قيام الساعة، يدخلُ في أسماع الكفار والمنافقين، ويعتري المؤمنين منه كهيئة الزكام، وتكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه ولم يأت بعد، وهو آت. وأمّا السنة: فأخرج مسلم (٤)، عن حذيفة بن أسيد قال: طلَع علينا رسول الله ﷺ ، ونحنُ نتذاكر فقال: "ما تذكرون؟ " قالوا: الساعة يا رسول الله، قال "إنها لن تقومَ حتى تروا قبلها عشرَ آيات,
следующие страницы →