← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 132973

البحور الزاخرة في علوم الآخرة

السفاريني

Полный текст (1 621 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

تهامة (١)، أي: وهذا في بعض خرجاتها والأوّل: "في خرجتها الأخيرة". وعن أبي هريرة وابن عمر، أنّ رسول الله ﷺ "أراه المكان الذي تخرج منهُ الدابّة" (٢). وعن ابن عمر ﵄ قال: "خروجُها من الصَّفا ليلةَ منى"، فيصبحونَ بين رأسها وذنبها، لا يدحض داحض، ولا يخرج خارج، حتى إذا فرغت مما أمر الله فيهلك (٣) من هلك، ونجا من نجا، كان أول خطوة تضعَها بأنطاكية (٤) وفي بعضها: "من مدينة قوم لوط "، وفي بعضها: "من وراء مكة". وعن أبي هريرة ﵁، أن الني ﷺ قال: "بئس الشعبُ شِعب أجياد، قالها مرتين أو ثلاثة" قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: "تخرجُ منه الدابّة فتصرخُ ثلاثَ صرخاتِ فيسمَعُها من في الخافقين" (٥).

стр. 702

وعن بريدة ﵁ قال: ذهب بي رسول الله ﷺ إلى موضع بالبادية، قريب من مكة فإذا بأرض يابسة، حولها رمل فقال ﷺ "تخرجُ الدابَّة من هذا الموضع (١). ووجْهُ الجمع بين هذه الروايات مِن وجهين (٢): أحدهما: أن لها ثلاثُ خرجات، ففي بعضها تخرجُ من مدينة قوم لوط، ويصدق عليها أنها من أقصى البادية، وفي بعضها تخرج من بعض أودية تهامة، ويصدق عليها أنها من وراء مكة، ومن اليمن؛ لأن الحجاز يمانية، ومن ثَمَّ قيل الكعبة يمانية (٣)، وفي المرة الأخرى تخرج من مكة، وهي من عظم جثتها وطولها يمكنُ أن تخرج من بين المروة والصفا وأجياد، فإنها تمتدُ مقدار ثلاثة أيام وأكثر، فحينئذٍ يصدقُ عليها أنها خرجتْ من المروة ومن الصفا ومن أجياد، ومن المسجد أي: ومنَ البادية التي بالقرب من مكة، كما في حديث بريدة. والوجهُ الثاني: أنها تخرجُ من جميع تلك الأماكن في آن واحد، خرقًا للعادة، في صور متباينة، على أنه ورد كما في "حياة الحيوان"، أنه يَخرجُ من كل بلدة دابة، مما هو مبثوث (٤) نوعُها في الأرض،

стр. 703

فليست بواحدة فيكون قوله دابة: اسم جنس واللهُ أعلم. فائدة: ذكر في "حياة الحيوان"، عنِ ابن عباس ﵄، أن دابَّة الأرض هي الثعبان الذي كان في جوف الكعبة، واختطفته العُقابُ، حين أرادت قريش بناء البيت الحرام، وأن الطائر حين اختطفها ألقاها بالحجون، فالتقمتها الأرض، فهي الدابَّة التي تخرج تكلم الناس، وتخرجُ عند الصفا. انتهى. وذلك على ما ذَكر ابن عبدِ البَرِّ في التمهيد عن عمرو بن دينار قال: لمّا أرادت قريشُ بناء الكعبة، خرجت منها حية فحالت بينهم وبينها، فجاء طائر أبيض فأخذها، ورمى بها في أجياد (١). وقال ابن إسحق: قال الزبير بن عبد المطلب فيما كان من شأن الحيّة التي كانت قريش تهابُ بنيان الكعبة بسببها شعر (٢): عجبتُ لما تصوَّبتِ العُقابُ ... إلى الثُّعبانِ وهي لها اضطرابُ إذا قُمنا إلى التأسيسِ شدّت ... تُهَيِّبُنا البناء وقد تُهابُ وقد كانت يكونُ لها كشيشٌ ... وأحيانًا يكونُ لها وثابُ فلمّا أن خَشينا الرجزَ (٣) جاءت ... عقابُ تثلئب لها انصبابُ فَضمَتْها إليها ثم خلَّت ... لنا البُنيانُ ليس لها حجابُ

стр. 704

فَقُمْنَا حاشدينَ إلى بناءٍ ... لنا منه القواعدُ والتُرابُ غداة ترفَّعُ التأسيسُ منه ... وليسَ على مُسوّينا ثيابُ أعز به المليكُ بني لؤيٍّ ... فليسَ لأصله منهم ذِهابُ فَبَوَّأنا المليكُ بذاك عِزًّا ... وعندَ اللهِ يُلتَمسُ الثواب (١) والله أعلم.

стр. 705

الفصل الثامن خروج الدخان وهو ثابت بالكتاب والسنة، أما الكتابُ: فقال : ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ [الدخان: ١٠] قال ابن عباس (١) وابن عمر (٢) والحسن (٣) وزيد بن على: هو دُخان قبل قيام الساعة، يدخلُ في أسماع الكفار والمنافقين، ويعتري المؤمنين منه كهيئة الزكام، وتكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه ولم يأت بعد، وهو آت. وأمّا السنة: فأخرج مسلم (٤)، عن حذيفة بن أسيد قال: طلَع علينا رسول الله ﷺ ، ونحنُ نتذاكر فقال: "ما تذكرون؟ " قالوا: الساعة يا رسول الله، قال "إنها لن تقومَ حتى تروا قبلها عشرَ آيات,

стр. 706

فذكر منها الدخان"، ورواه الترمذي وابن ماجه "وإنه يمكثُ في الأرض أربعين يومًا" (١). وفي حديث حذيفة: "إن من أشراط الساعة، دخان يملأ ما بين المشرق والمغرب، يمكثُ في الأرض أربعين يومًا، فأما المؤمن: فيصيبُه منه شبه الزكام، وأما الكافرُ: فيكون بمترلة السكران، يخرج الدُخان من فمه ومنخريه وعينيه وأذنيه ودبره" (٢). وقيل: إن الدخان مَرَّ وأنه الجوع الذي كان حال بين أبصار قريش، وبين السماء. ففي الصحيحين قال مَسروق: كُنا عند ابن مسعود جُلوسًا وهو مضطجع بيننا، فقال رجل: يا أبا عبد الرحمن قصّاصًّا عند أبواب كندة، يقولُ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] إنه دخان يأتي قبل يوم القيامة يأخذ بأنفاس الكفار والمنافقين، وأسماعهم وأجسادهم، ويأخذ المؤمنين منه مثل الزكام، فجلس ابن مسعود وهو غضبان فقال: يا أيها الناس اتقوا الله، من علِم شيئًا فليقلُ بما يعلم، ومن لا يعلم فليقُل الله أعلم، فإن الله تعالى قال لنبيّه ﷺ ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] وسأحدثكم عن ذلك، إن قريشًا لمّا أبطأت عن الإسلام، دعا عليهم رسول الله ﷺ ، فقال: اللهم سبعَ سنينِ كسني يوسف ﵊، فأصابهم من الجهد

стр. 707

والجوع، ما أكلوا به العظام والميتة والجلود، وجعلوا يرفعون أبصارهم إلى السماء فلا يَرون إلَّا الدخان من ظلمة أبصارهم من شدة الجوع، فأتاه أبو سفيان بن حرب فقال: يا محمّد إنك جئت تأمرُ بالطاعة وصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم فإنهم لك مطيعون فقال (١) تعالى حكايةً عنهم: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] فدعى فكشف، فقال تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥)﴾ [الدخان: ١٥] أي إلى كفركم (٢). قال العلامة: كلامُ ابن مسعود موافق لظاهر الآية، فلا دليل فيها للجمهور، وإنما الدليل لهم من السنة. ولعل ذلك لم يبلغ ابن مسعود، حين أنكر ذلك على أنه ورد عن ابن مسعود أنه كان يقول: همُا دخانان مضى واحد والذي بقي يملأ ما بين السماء والأرض، ولا يجدُ المؤمن منه إلا كالزكمة، وأما الكافر فيشقُ مسامعه، فيبعثُ اللهُ عند ذلك الريحَ الجنوبَ من اليمن، فتقبضُ روحَ كل مؤمن، ويبقى شِرار الناس. وأخرج الإمامُ أحمد ومسلم عن ابن عمرو (٣) ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "يجيء بعد موتِ عيسى ﵇ ريحٌ باردة من قِبَل الشام، فلا تُبقي على وجهِ الأرض أحدًا في قلبه مِثقال ذرة

стр. 708

من إيمان، إلا قبضته حتى لَو أنَّ أحدكم دخل في كبد جبل، لدَخلت عليه حتى تقبضه، فيبَقى شرارُ الناس، في خفة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفًا، ولا يُنكرون مُنكرًا فيتمثل لهم الشيطان فيقولون: ما تأمرنا فيأمرهم بعبادة الأوثان، فيعبدونها وهم في ذلك دارّ رزقهم حسن عيشهم، ثم يُنفخُ في الصور" (١) واستشكل بأنه قد تقدم أن الدابَّةَ تقتُلُ إبليسَ، والجوابُ أنه ليس فيه أن الذي يظهر لهم إبليس، بل يجوز أن يكونَ شيطانًا آخر غير إبليس من ذريته. وأخرجَ الإمام أحمد (٢) ومسلم والترمذي، من حديث النواس بن سمعان، "فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحًا طيبة، فتأخُذَهم تحتَ آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم. ويبقى شِرار الناس، يتهارجون فيها تهارج الحُمر أي: يتسافدون تسافد الحُمُر، جمع حمار. فعليهم تقوم الساعة"، وفي حديث ابن مسعود: "إن المؤمنين يتمتعون بعد خروج الدابّة أربعين سنة، ثم يعود فيهم الموت، ويُسرع فلا يبقى مؤمن ويبقى الكفار يتهارجون في الطريق كالبهائم وفيه فيكونون على مثل ذلك، حتى لا يُولد أحد من نكاح، ثم يُعقم الله النساء ثلاثين سنة، ويكونون كلهم أولاد زنا، شرار الناس وعليهم تقوم الساعة" (٣).

стр. 709

وأخرجَ الحاكم عن أبي هريرة ﵁، "أن الله يبعثُ ريحًا من اليمن، ألين من الحرير، فلا تدع أحدًا في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته" (١)، فإنْ قيل: تقدم أن الريح تأتي من قبل الشام، وهنا إنها من قبل اليمَن والجواب: ما ذكره المناويُّ في تخريج أحاديث المصابيح، بأنهما ريحان شاميّة ويمانية (٢). وأخرج الإمام أحمد (٣) بسند قوي، عن أنس ﵁ قال: "لا تقومُ الساعةُ حتى لا يقال في الأرض: لا إله إلا الله"، وهوُ عند مسلم (٤) بلفظ "حتى لا يُقال في الأرض الله الله". والله أعلم.

стр. 710

الفصل التاسع في رفع القرآن العظيم، وكلامُ الله القديم (١) من المصاحف والصدور، وهي من معضلات الأمور، فيا لها من مصيبة ما أعظمها، وخيبة ما أوخمها أخرج الديلمي عن أبي هريرة وحذيفة ﵄، قالا: يسري على كتاب الله ليلاً، فيُصبح الناس، وليس منه آية ولا حرف، في جوف إلا نُسخت (٢). قال العلامة في "بهجته": قرَّر الأئمة أنهُ يُرفع أوّلًا من المصاحف، وذلك أنهم يبيتون فيصبحون، وليس فيها حرفٌ مكتوب، ثمَّ يرفعُ من الصدور عقب ذلك، لأعجل زمنٍ حتى لا يكون منه شيء محفوظٌ حتى يقول الحافظ للآخر، وقد سأله الآخر كنتُ أحفظ شيئًا نَسيتُه، لا أدري ما هو؟ وفي الحديث: "أكثروا من الطواف بالبيت قبل أن يُرفع، وينسى الناس مكانه، وأكثروا تِلاوَةَ القُرآن من قبل أن يُرفع" قيل: وكيفَ يُرفع ما في صدورِ الرجال؟ قال: "يسري عليهم ليلًا فيُصبحون منه فُقراء، ويَنسونَ قولَ لا إله إلا الله" (٣).

стр. 711

وعند الديلمي: من حديث ابن عُمرَ مرفوعًا: "لا تقومُ الساعة حَتَّى يرجعَ القُرآنُ من حيثُ جاء، لهُ دويُّ حول العرش كدويّ النحل، فيقول مالك؟ فيقول: منك خرجتُ وإليك أعود، أُتلى فلا يُعملُ بي" (١). وعند ابن ماجه من حديث حذيفة مرفوعًا: "يَدرَسُ الإسلامُ حتى ما يُدرى ما صيام ولا صلاة!! ولا نسك ولا صدقة ويسري على كتاب الله تعالى في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية" (٢). الحديث وأخرجَ السجزي عن ابن عمر ﵄ "لا تَقومُ القيامةُ حتى يُرفَع الرُكنُ والقرآن" (٣). وأخرج ابن ماجه بسند قوي والحاكم والبيهقي والضياء عن حذيفة ﵁ قال: "يَدرَسُ الإسلامُ كما يدرسُ وَشْيُ الثوبِ حتى لا ندري ما صيام ولا صلاة، ولا نسك ولا صدقة، ويسري على كتاب الله في ليلة، فلا يبقى في الأرض منه آية، ويبقى طوائف من الناس، الشيخ والعجوز يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله، فنحنُ نقولها" (٤) والله أعلم.

стр. 712

الفصل العاشر في النار التي تخرج من قعر عدن، تحشرُ الناس إلى محَشرهم. وهي آخر العلامات أخرج الإمام أحمد والبخاري عن أنس ﵁ مرفوعًا: "أمّا أوّل أشراط الساعة فنارٌ تخرج من المشرقِ فتحشر الناسَ إلى المغرب، وأمّا أوّل ما يأكل أهلُ الجنة، فزيادة كبد الحوت" (١) الحديث. وأخرج الستةُ غير البخاري عن حذيفة بن أسيد مرفوعًا: "لن تقومَ الساعةُ حتى تروا قبلها عشر آياتٍ وذكرها قال: وآخِرُ ذلك نارٌ تخرجُ من اليمن تطردُ الناسَ إلى مَحشرهم (٢) "، وُيروى: "نارٌ تخرجُ من قعر عدن تسوق الناسَ إلى المحشر" (٣)، وفي

стр. 713

لفظ: "من قعر عدن أبين" (١) وأبين بوزن أحمر. اسم الملِك الذي بناها. وأخرج الإمام أحمد عن ابن عمرو ﵄ وكذا أبو داود والحاكم، وأبو نعيم: ستكونُ هجرةٌ بعد هجرة فخيارُ أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار أهلها تلفظهم أرضوهم، وتقذرهم نفس الله، وتحشرهم في النار مع القردة والخنازير، تبيت مَعَهُم إذا باتُوا وتقيل مَعهم إذا قالوا، وتأكل من تخلُف (٢). قوله: تقذرهم نفس الله، هُو من المتشابه والإيمان به واجبٌ بالمعنى الذي أراده الله سبحانهُ إثباتٌ بلا تمثيل، وتنزيهٌ بلا تعطيل (٣). وأخرج الإمام أحمد والترمذي وقال: حسن صحيح عن ابن عُمر ﵄ مرفوعًا: "ستخرجُ نارٌ من حضرموت، أو من بحرِ حضرموت، قبل يوم القيامة تحشرُ الناس" قالوا: يا رسول الله: فما تأمرُنا؟ قال: "عليكم بالشام" (٤) أي وهذا هو المراد بمهاجر إبراهيم.

стр. 714

وأخرج الطبراني وابن عساكر عن حُذيفة بن اليمان ﵁: "لتقصدنكم نارٌ هي اليوم خامدة في وادٍ يُقالُ له برهوت، يغشى الناس فيها عذابٌ أليم، تأكل الأنفس والأموال، تدور الدنيا كلَّها في ثمانية أيام، تطيرُ طير الريح والسحاب، حرُّها بالليل أشد من حرّها بالنهار، ولها بين السماء والأرض دويٌّ كدوي الرعد القاصف، هي من رؤوس الخلائق أدنى من العرش" قيل يا رسول الله: أسليمة يومئذ على المؤمنين والمؤمنات؟ قال: "وأين المؤمنون والمؤمنات يومئذ؟ شرٌّ من الحُمُر يتسافدون كما يتسافدُ البهائمُ وليس فيهم رجل يقول مه مه" (١). وأخرج البغويُّ والبارودي وابنُ قانع وابنُ حبان: "يوشك أن تخرجَ نارٌ من حُبسٍ [سيل] (٢)، تسيرُ سيرَ بطيئة الإبل تسيرُ بالنهار،

стр. 715

وتُقيم بالليل، تغدو وتروح" يُقالُ غدت النار: أيها الناس فاغدوا، قالت: -أي من القيلولة- أيُّها الناس فقيلوا، راحت النار أيها الناس: فروحوا، من أدركته أكلته (١). فإن قيل ما وجه الجمع بين كونها تخرج من قعر عدن، ومن برهوت ومن حبس سيل؟ فالجواب: أنها تخرجُ من برهوت: ويقالُ له وادي النار، وهي في قعر عدن، وعدن على ساحل البحر، فالعبارات مآلها واحد، وتمر بحبس سيل أيضًا والخطاب مع أهل المدينة، وحبس سيل: قريب من المدينة، فوصول النار إليها يكون قبل وصولها المدينة، فصح أن يُقال لهم: تخرجُ نارٌ من حبس سيل. تتمة مرّ أنّ أهل الأرض يكفرون، ويعبدون الأوثان، وأنه لا تقومُ الساعة إلّا على شرار الناس، ففي مُسلم كالمسند "لا تَقومُ الساعة حتى لا يُقالُ في الأرض الله الله" (٢). وفي المستدرك بسند صحيح عن عائشة مرفوعًا: "لا يذهب الليل والنهار، حتى تُعبدَ اللاتُ والعزى، ويبعث الله ريحًا طيبة، فتَتَوفَّى من

стр. 716

كان في قلبه مِثقالَ حبةِ من خردل من خير، فيبقى من لا خيرَ فيه، فيرجعون على دين آبائهم" (١). وفي مرفوع ابن عمرو: "لا تقومُ الساعةُ حتى يَبعثَ اللهُ ريحًا لا تدع أحدًا في قلبه مثقال ذرة من خير إلا قبضته، ويلحقُ كلُ قوم بما كان يعبدُ آباؤهم في الجاهلية، ويبقى عجاج من الناس لا يأمرون بمعروف، ولا ينهون عن منكر، يتناكحون (٢) في الطرق فإذّا كان ذلك اشتد غضب الله على أهل الأرض، فأقام الساعة" (٣) وفي المستدرك عند الحاكم، عن أبي هُريرة مرفوعًا: "وحتى تؤخذ المرأة جهارًا نهارًا، تنكح وسط الطريق، لا يُنكرُ ذلك أحد"، وفي لفظ "حتى ينكح أحدُكم أمَّه فيكونُ أمثلهم يومئذ الذي يقول: لو نحيتها عن الطريق قليلًا فذلك فيهم مثل أبي بكر وعمر فيكم" (٤). قال القرطبي في "التذكرة" عن بعض العلماء: "إذا أراد اللهُ أنقراض الدُنيا وتمام لياليها، وقربت النفخةُ خرجَت نارٌ من قعر عدن تسوق النَّاس إلى المحشر، تبيتُ معهم، وتقيلُ حتى يجتمع الخلقُ بالمحشر الإنسُ والجن والدوابُّ والوحشُ، والسباع والطير والهوام، وخشاش (٥) الأرض وكل من له روح، ثم ذكر النفخة" إلى آخره.

стр. 717

فائدة: ذكر القرطبي أيضًا: أن الحشر أربع: حشران في الدنيا، وحشران في الآخرة فاللذان في الدنيا المذكور في سورة الحشر، وهو حشر اليهود إلى الشام. والثاني: الحشر المذكور في أشراط الساعة (١)، في حديث أنس في مسائل عبد الله بن سلام النبي ﷺ ، لما أسلم وفيها: أما أوّل أشراط الساعة: فنارٌ تحشر الناس من المشرق إلى المغرب (٢). وفي حديث ابن عمرو عند الحاكم مرفوعًا: "تُبعثُ على أهل المشرق نارٌ فتحشرُهم إلى المغرب تبيتُ معهم حيث باتوا، وتقيلُ معهم حيث قالوا، ويكون لها منهم ما سَقط (٣)، وتخُلفَ وتسوقهم سوق الجمل الكبير" (٤). قال الحافظ ابن حجر (٥): وكونها تخرجُ من قعر عدن، لا يُنافي حشرها الناس من المشرق إلى المغرب؛ لأنّ ابتداء خروجها من عدن، فماذا خرجَتْ انتشرت في الأرض كلها، والمرادُ تعميم الحشر، لا خصوص المشرق والمغرب، أو أنها بعد الانتشار، أوّل ما تحشرُ أهل

стр. 718

المشرق. قال القُرطبي: وأما اللذان في الآخرة فحشرُ الأموات من قبورهم بعد البعث جميعًا قال تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧] وحشرهم إلى الجنة والنار (١). قال الحافظ ابن حجر عن الأول يعني: المذكور في سورة الحشر ليس حشرًا مستقلًا فإن المرادَ حشرُ كل موجودٍ يومئذ، والأول إنما وقع لفرقة مخصوصة أي: وهم يهود. وهذا وقع كثيرًا، كما وقع لبني أُميّة حين أخرجهم ابن الزبير من المدينة إلى جهة الشام. وأجيب بأنّ المراد ما سُمّي حَشرا على لسان الشارع، وقد سمَّى الله الأول حشرا والله أعلم. تنبيه: اختلف العلماء: هل الحشرُ يومَ القيامة أم قبله؟ قال القرطبي (٢) والخطابي (٣)، وصوّبه القاضي عياض (٤)، وقوّاه بحديث حُذيفة بن أسيد: إن هذا الحشر يكون قبل يوم القيامة بحشر الناسِ إلى الشام، وأمّا حشرُ من في القبور، فهو على ما في حديث ابن عباس ﵄، في الصحيحين وغيرهما مرفوعًا: "إنكم تحشرون حفاة عُراة غرلا" (٥). وقال الحكيم الترمذي والغزالي (٦): هو يومُ القيامة ويدلّ له حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيحين وغيرهما: يحشر الناسُ

стр. 719

على ثلاث طرائق راغبين راهبين، واثنان على بعير، وثلاثة وعشرة على بعير، وتُحشرُ بقيتهم النار، تقيلُ معهم حيث قَالُوا، وتبيتُ معهم حيث باتوا، وتُصبحُ معهم حيثُ أصبحوا، وتمُسي مَعهم حيث أمسَوا (١) فالحديثُ كالتفسير؛ لقوله ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧)﴾ [الواقعة: ٧] قال الحافظ ابن حجر (٢): ويؤيده حديث أبي ذر، عن الإمام أحمد والنسائي والبيهقي، حدثني الصادق المصدوق: "إن الناس يحشرون يوم القيامة على ثلاثة أفواج، فوجٌ يُحشرون طاعمين كاسين راكبين، وفوج تسحبهم الملائكة على وُجوههم" (٣). الحديث. ثم اختلفوا على هذا القول في الجمع بين حديث أبي ذر وحديث ابن عباس ﵃، وهُو "إنكم تُحشَرون حُفاةً" الحديث. فقال الإسماعيلي: الحشرُ يعبّر به عن النشر أيضًا لاتصاله به، وهو أي النشر إخراجُ الناس من قبورهم، فيخرجون حفاة عراةً يُساقون ويُجمعون إلى الموقف للحساب، ثم يُحشر المتقون ركبانًا على الإبل، والمجرمون على وجوههم (٤)، وقال غيرُه يُخرجونَ من القبُور على ما في حديث أبي

стр. 720

هريرة وقال بعضُهم: حَمْل الحشرِ على هذا أقوى من وجوه: أحدها: أنه إذا أطُلقَ الحشرُ يرادُ به شرعًا الحشرُ من القبور، ما لم يخصه دليل. الثاني: التقسيم المذكور في الخبر لا يستقيم في الحشر إلى أرض الشام؛ لأنّ المهاجرَ لابُدَّ أن يكون راغبًا أو راهبًا، أو جامعًا بين الصفتين. الثالث: حشر بقية (١) المؤمنين على ما ذكر، وإلجاء النار إلى تلك الجهة، وملازمتها حتى لا تفارقهم. قولٌ لم يرد به التوقيف (٢) وليس لنا أن نحكم (٣) بتسليط النار في الدنيا على أهل الشقوة من غير توقيف. الرابع: أن الحديثَ يُفسر بَعضهُ بعضًا، وقد وقَعَ في حديث أبي هريرة بلفظ: "ثُلُثًا على الدوابّ، وثلثًا ينسلون على أقدامهم، وثلثا على وجوههم. قال: ونروي هذا التقسيم نظيرَ التقسيم الذي في سورة الواقعة، كُنتم أزوا جًا ثلاثة، فقولُه: في الحديث: "راغبين راهبين". يريدُ عموم المؤمنين المخلطين عملًا صالحًا وآخر سيئًا، وهم أصحاب الميمنة. وقوله: "اثنان على بعير" إلى آخره يُريد السابقين، وهم أفاضل المؤمنين رُكبانًا. وقولُه: "وتُحشر بقيتهم النار" يريد أصحاب المشئمة، فيُحتملُ أن البعير تحملُ دُفعة واحدةً لأنه يكونُ من بديع قدرة الله

стр. 721

تعالى، فيقوى على ما يقوى عليه عشرة من بُعران الدنيا، ويُحتمل أن يتعاقبوه. انتهى ملخصًا. وانتصر القاضي عياض لقول الخطابي والقرطبي، بأن حديث أبي هريرة "تَقيلُ معهم وتبيتُ معهم، وتصبح وتمسي" يؤيد ما ذُكر أن المراد به الحشر في الدنيا إلى الشام؛ لأنّ هذه الأوصاف مختصة بالدنيا (١). وقوله: "اثنان على بعير إلى عشرة"، يريدُ أنهم يعتقبون البعير الواحد يركب بعض، ويمشي بعض، وذلك لقلة الظهر، كما في بعض الأحاديث انتهى ملخصًا. ورجّح هذا الطّيبي وتعقب ذلك البعضُ. وأجابَ عن أوّل وجوه ترجيحه: بأن الدليل المخصص ثابت. فقد ورد في عدة أحاديث وقوع الحشر في الدنيا، إلى جهة الشام وذكر حديث حُذيفة السابق، وحديث معاوية بن حيدة رفعه: "إنكم محشورون ونحا بيده إلى الشام رجالًا ورُكبانًا وتجُرون على وجوهكم". أخرجه الترمذي والنسائي وسنده قوي (٢). وحديث "ستكون هجرة بعد هجرة، وينحاز الناس إلى مُهاجَر إبراهيم، ولاَ يبقى في الأرض إلاَ شِرارها تلفظهم أرضوهم تحَشرُهم

стр. 722

النارُ مع القردة والخنازير، تبيتُ معهم إذا باتوا وتَقِيلُ معهم إذا قالوا" (١). أخرجَهُ الإمام أحمد، وسنده لا بأس به .. إلى أن قال: فليس المُرادُ بهذه النارُ نارَ الآخرة كما زَعمه المعترضُ، وإلّا لقيلَ تُحشَرُ بقيتُهم إلى النار، وقد قال تحشرُ بقيتَهُم النارُ فأضافَ الحشرَ إليها. وأجاب عن الثاني: أن التقسيم المذكور في الحديث: إنَّ الذي في الحديث، ورد على القصد من الخلاص من الفتن، فمن اغتنم الفرصة سار على فسحة من الظهر، ويُسرة في الزاد راغبًا فيما يستقبله، راهبًا فيما يستدبره وهؤلاء هم الصِنفُ الأول في الحديث، ومن تواني حتى قَلَّ الظَّهر وضاقَ أن يسعهم لركوبهم، اشتركوا وركبوا عقبة، فيحصُلُ اشتراك اثنين في البعير، وكذا الثلاثة وأما الأربعة فالظاهر من حالهم التعاقب لا غير، وسكت عما فوقها إشارةً إلى أنها هي المنتهى في ذلك، وهؤلاء هم الصِنفُ الثاني في الحديث. وأما الصنف الثالث فعبَّر عنه بقوله: "تَحشرُ بقيَّتهم النار"، إشارةً إلى أنهم عجزوا عن تحصيل ما يركبون، ولم يقع في الحديث بيانُ حالهم، بل يُحتَملُ أنَّهم يمشون، أو يُسحبون فرارًا من النار، ويُؤيّد ذلك، ما وقع في آخر حديث أبي ذر الذي تقدّم وفي الحديث: أنَّهم سألوا عن السبب في مشي المذكورين فيقال: تُلقَى الآفة على الظَّهرِ حتَّى لا يبقى ذات ظهر، حتى إن الرجل ليُعْطي الحديقة العجبة بالشارف -الناقة المسن- ذات القتب، أي: يشتريها بالبُستان الكريم، لِهوان العقار الذي عزم على الرحيل عنه، وعزة الظهر الذي يُوصله إلى مقصوده، وهذا

стр. 723

لائق بحال الدُنيا دونَ الآخرة ومؤكدٌ لما ذهبَ إليه الخطابي وغيره (١) (٢). وأجابَ عن الثالث: أنَّهُ تبين بشواهد الحديث أنه ليسَ المرادُ بالنار نار الآخرة، وإنَّما هي نارٌ تخرجُ من الدنيا أنذر النبي ﷺ بخروجها، وذكر صفةَ ما تفعَلُ في الأحاديث المذكورة. وأجابَ عن الرابع: أن حديث أبي هريرة، من رواية عليّ بن زيد الذي استدل به المعترض مع ضعفه لا يخالفُ حديثَ الباب؛ لأنه موافقٌ لحديث أبي ذر في لفظه، وقد تبين من حديث أبي ذرٍ ما دَلَّ على أنه في الدينا لا بعد البعثِ في الحشر إلى الموقف إذ لا حديقة هناك، ولا آفة تُلقَى على الظَهر، ووقَع في حديث على بن زيد المذكور عند الإمام أحمد (٣): "أنهم يتقون بوجوههم كُلَّ حدب وشوك". وأرض الموقف مستوية، ولا عِوَج فيها، ولا أمْتًا، ولا حدب، ولا شوك، قال: وهذا ما سنح لي على سبيل الاجتهاد، ثم رأيتُ في "صحيح البخاري" في باب الحشر، "يُحشَرُ الناس يومَ القيامة على ثلاث طرائق" (٤)، فعلمتُ من ذلك أن الذي ذهب إليه الإمام التوربشتي (٥) هُوَ الحق الذي لا محيدَ عنه يعني: أن ذلك يوم القيامة.

стр. 724

انتهى كلام الطيبي مع تلخيص. قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"، بعد نقله ما تقدم عن الطيبي: قلت: لم أقف في شيء من طرق الحديث، الذي خرجه البخاري على لفظ "يوم القيامة" في صحيحه، ولا في غيره، وكذا هو عند مسلم، والإسماعيلي وغيرهما، ليس فيه "يوم القيامة" ثُم اختارَ هو أنه يتعين كونُ ذلك في الدنيا، لما وقع فيه أن الظهر يقل، لما يُلقى عليه من الآفة، وأن الرجل يشتري الشارفُ الواحد بالحديقة المعجبة، فإن ذلك ظاهر جدًا في أنَّه من أحوال الدنيا (١)، قالَ في "الإشاعة" (٢). فثبت أن الحق أن النار قَبل يوم القيامة. قُلْتُ: وهو كما قال وبالله التوفيق.

стр. 725

خاتمة خاتمة عظيمة النفع جسيمة الوقع، لمن كان له قلب أو ألقى السمع: اعلم أن في إخفاء علم الساعة عن العباد كما مرّ فوائد عظيمة، وعوائد جسيمة، وهو أنهم إذا لم يعلموا متى تكون، كانوا على حذر منها، فكان ذلك أدعى للطاعة وأزجر عن المعصية والفظاعة، وتقدم قول العلامة: قد احتجَّ كثيرٌ من العُلماء على تعيين قرب زمانها، بأحاديث لا تخلوا من نظر. قُلْتُ: أمّا قرب الساعة فحق، وأمّا التعيين فلا لأحد منه علم، سوى عالم الغيب والشهادة. قال العلامة: فمنهم -أي ممن خاض في علمها، وأنها قَربَت- من قال بقى لها كذا، ومنهم من قال يخرج الدجال على رأس كذا، وتطلع الشمس على رأس كذا. فجاء الحافظُ السيوطي وردّ ذلك في كتابه: "الكشفُ". قُلْتُ: وهو كتاب لطيف لا يبلغُ كُرَّاسَه. قال العلامة: وذكر هو تقريبًا أنها تقومُ على رأس الخمسمائة بعد الألف أو أقل، أو أزيد. قال العلامة: وهذا أيضًا مردود لأنّ كلّ من تكلم بذلك فهو ظن، وحسبان لا يقوم عليه من الوحي برهان، لكن الشارع صلوات الله وسلامه عليه ذكر لقرب الساعة علامات وأشراطًا والله أعلم. قال السيوطي في "الكشف في مجاوزة هذه الأمّة الألف": الذي

стр. 726

دَلَّت عليه الآثار أنّ مدّة هذه الأمّة تزيد على ألف سنة، ولا تبلغ الزيادة عليها خمسمائة سنة، وذلك لأنه ورد من طرق (١) أنّ مدّة الدنيا من لدن آدم ﵇، إلى قيام الساعة سبعة آلاف سنة، وأن النبي ﷺ بُعث في آخر الألف السادسة، وورَد أن الدجال يخرج على رأس مائة سنة، وينزلُ عيسى ﵇ فيقتله، وبمكثُ في الأرض أربعين سنة، وأن الناس يمكثون في الأرض بعد طلوع الشمس من مغربها مائة وعشرين سنة، وأن ما بين النفختين أربعين عاما إلى أن قال: ولا يمُكنُ أن تكون (٢) المدة ألفًا وخمسمائة سنة أصلاً ثم ذكر حديث أبي هريرة عند الحكيم الترمذي، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما الشَفاعَةُ يومَ القيامة، لمن عَمِل الكبائر من أمتي، ثمَّ ماتُوا عليها، فهم في الباب الأوّل من جهنَم، لا تسودّ وجوههم" وساق بقية الحديث، وفيه: و"أطولهم مكثًا فيها من يمكث فيها، مثل الدنيا منذ يوم خلقت إلى يوم أقيلت (٣)، وذلك سبعة آلاف سنة". قُلْتُ: ذكر الحافظ ابن رجب في كتابه "صفة النار" أن هذا الحديث خرّجه ابن [أبي] (٤) حاتم وغيره، وخرّجه الإسماعيلي مطولًا، وقال الدارقطني في كتاب "المختلف": هو حديثٌ مُنْكَر وذكر علله والله أعلم. وذكر السيوطى حديث أنس عند ابن عساكر وغيره أن النبي ﷺ

стр. 727

قال: "من قضى حاجة لأخيه المسلم في الله خالصًا كتب له عُمْر الدنيا سبعة آلاف سنة صيام نهارها وقيام ليلها" (١). وذكر حديث أنس أيضًا مرفوعًا، عند ابن عدي: "عُمْر الدنيا سبعة أيام، من أيام الآخرة، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (٢) [الحج: ٤٧] وذكر حديث ابن زمل الجهني عند الطبراني في "الكبير" قال: رأيتُ رؤيا قَصَصْتُها على رسول الله ﷺ ، فذكر المنام، وفيه: فإذا أنا بك يا رسول الله، على منبر فيه سبع دَرَج، وأنت في أعلاها درجة، فقال رسول الله ﷺ : "أمَّا المنبر الذي رأيت، فيه سبع دَرجاتٍ، وأنا في أعلى درجة فالدنيا سبعةُ آلاف سنة، وأنا في آخرها ألفا" (٣) أخرجه البيهقي في "الدلائل"، والسهيلي (٤) في "الروض الأنف": قال السهيلي: هذا الحديث وإن كان ضعيف الإسناد، فقد رُوي موقوفًا عن ابن عباس ﵄، من طُرُق صحاح أنه قال: الدنيا سبعة

стр. 728

أيام كل يوم مقدارُه ألف سنة، وبُعِثَ رسولُ الله ﷺ في آخرها (١). قال أبو جعفر الطبري: هذا الأصل، وعضده بآثار، وذكر أدلة وآثارًا إلى أن قال: وينزل عيسى بن مريم فيقتله، يعني الدجال: فيُقيمون أربعين سَنة، لا يموتُ فيها أحد، ولا يمرضُ: ويقولُ الرجلُ لغنمه ودوابِّه: اذهبوا فارعوا، وتمرّ الشاة (٢) بين الزرعين لا تأكل منه سنبلة، والحيات والعقارب لا تؤذي أحدا، والسبعُ على أبواب الدور لا يُؤذي أحدا، ويأخذ الرجل المُدّ من القمح فيبذره بلا حرث، فيجني منه سبعمائة مد، فيمكثون في ذلك حتى ينكسرَ سدُّ يأجوج ومأجوج، فيموجون ويُفسدون، فيبعثُ الله إليهم دابة فتدخل في آذانهم فيُصبحون مَوتى أجمعين. وذكر بقية الحديث. رواه الحاكم (٣) عن ابن مسعود مرفوعًا. وأخرج الإمام أحمد في "الزهد"، عن أبي هريرة ﵁ قال: يلبَثُ عيسى بن مريمَ أربعين سنة، لو يقولُ للبطاحِ سيلي عَسَلاً لسالت، وقد قدَّمناه (٤) إلى أن قال: وبعد عيسى يتولى أمرؤ منهم يقال له: القحطاني يتولى إحدى وعشرين سنة، وتُعرض لبقيتهم إلى طلوع الشمس من المغرب عشرين سنة أيضًا، إن لم تكن أكثرَ فهذه مائة وعشرون سنة والدجال يمكثُ أربعين سنة والله أعلم. وقال بعضُهم: إنَّ الساعة تقوم سنة سبع، بعد أربعمائة وألف أخذًا من قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾

стр. 729

[الزخرف: الآية ٦٦]، وقوله: "لا تأتيكم إلأّ بغتة" فإن عدة حروف بغتة: ألف وأربعمائة وسبع قال: فيحتمل خروجُ المهدي على رأس المائة أحتمالًا قويًا، بل قبل المائة إذ الدجال يخرج في خلافته، وهو يخرجُ على رأس المائة ويُحتمل أن يتأخر للمائة الثانية، ولا يفوتها قَطعًا. وإذا تأخر فلابد أن يبعث الله على رأس هذه المائة من يحيى للأمة أمر دينها كما ورد في حديثٍ مشهورٍ (١). قال السيوطي ﵀ في منطومته: والشرطُ في ذلك أن تمضي المائة ... وهو على حياته بين الفئة يُشارُ بالعلم إلى مقامه ... وينصرُ السُنَّةَ في كلامِه وأن يكونَ في حديث قد رُوي ... من أهل بيت المصطفى وهو قويّ والمختارُ الذي لا محيدَ عنه: أن علم ذلك مفوضٌ لعالم الغيب والشهادة، ليس لأحد من ذلك علم، والله أعلم. نعم: أخرج نعيم (٢) عن محمد بن الحنفية ﵁، وعن أبيه، قال: يقومُ المهدي سنة مائتين وأخرج أيضًا عن جعفر الصادق مثله، وأخرجَ أيضًا عن أبي قبيل قال: اجتماع الناس على المهدي سنة أربع ومائتين، وهذا لو صَحَّ لمْ يُلزمنا لكونه لم يصدر عن المعصوم ﷺ ، نعم: قد يستروحُ له، ولكن التحقيق أن ذلك منفردٌ الله بعلمه لا غير، والله أعلم.

стр. 730

الفصل الحادي عشر في نفخة الفزع، وما يكون فيها من تغير انتظام هذا العالم، وفساد انتظامه قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥)﴾ [ص: ١٥] أي من رُجوع ومردٍّ وقال: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧] فسّر الزمخشريُ المستثنى في هذه الآية من ثبّتَ الله قلبه من الملائكة، وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وقيل غير ذلك (١)، وإنما يَحصُل الفزع لشدّة ما يقع من الهول عند تلك النفخة؛ لأنه إذا نفخَ في الصور نفخة الفزع، تزلزلت الأرض، وتحركت السّماء، وتناثرت النجوم، وتفجرت البحار، وذَهلت المراضع، ووضعَتِ الحوامل، وعُطّلَتِ العشارُ -أي: النوقُ الحوامل التي أتى على حملها عشرة أشهر - تُركتْ هَمَلًا بلا راع، واختلطتِ الإنسُ والجن، والدواب والوحوش وماج بعضهم في بعض". قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)﴾ [الحج: ١]. وفي البغوي عن أُبي بن كعب قال: ستُ آيات قبل يوم القيامة، بينَما الناس في أسواقهم إذ ذهبَ ضوءُ الشمس، فبيناهم كذلك: إذ تناثرت النجوم فبينا هم كذلك إذ وقعَت الجبالُ على وجه الأرض

стр. 731

فتحركت، واضطربت وفزعت الجن إلى الإنس، والإنسُ إلى الجن، واختلطت الدوابُّ والطيرُ والوحش، وماج بعضُهم في بعض فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ [التكوير: ٥] اختلطتْ ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤)﴾ [التكوير: ٤] أُهملت ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)﴾ (١) [التكوير: ٦] قالَ ابن عباس: أوقِدَتْ فصارَتْ نارًا تُضرم قال أُبي: قالت الجنُ للإنس: نحنُ نأتيكم بالخبر فانطَلَقوا إلى البحر، فإذا هو نارٌ تأججّ فبينا هم كذلك إذ تصدَّعَتِ الأرضُ، صدعةً واحدة إلى الأرض السابعة السفلى، وانشقت السماء انشقاقة واحدة إلى السماء السابعة العليا، فبينا هم كذلك: إذ جاءتهم الريحُ فأماتتهم. انتهى ولنذكر أمورًا تحصل عند نفخة الفزع، من تغير انتظام هذا العالم: الأول: فيما يُصيب الأرضَ، قد جاء فيها آيات منها قوله تعالى ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: الآية] أي شدة الحركة على الحالة الهائلة، حتى ينهدم كل بناء على وجه الأرض، وهو معنى قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١)﴾ [الزلزلة: ١] أي تحركت حركةً شديدةً لقيام الساعة، قال ابن عباس ﵄، هي عند النفخة الأولى، وعليه جمهور المفسرين. وأخرجَ البغوي في "تفسيره"، عن أبي هريرة مرفوعًا: "تقيء الأرض أفلاذ كبدها، أمثال الاسطوان من الذهب والفضة، فيجيء القاتل فيقول: في هذا قتلتُ، ويجئ القاطع فيقول: في هذا

стр. 732

قَطَعتُ ويجيء السارق فيقول: في هذا قُطعتْ يدي، ثم يَدَعُونَه فلا يَأخذون منه شيئا" (١). وأخرجه مسلمُ في تفسير قوله : ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١)﴾ [الزلزلة: ١] (٢). وقال تعالى: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤)﴾ [الواقعة: ٤] أي رُجَّت وزُلزلت وحُرّكت تَحِريكا شديدًا، حتى ينهدم كُل بناء على وجهها، قالَ المفسرون: ترتج كما يرتج الصبي في المهد حتى ينهدَم كل ما عليها، وينكسر كلُ شيء عليها من الجبال، وقال الثعْلبي: تكونُ كالسفينة الموسوقة في البحر، تضربُها الأمواج، وتقلبها الرياح. ومنها قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦)﴾ [النازعات: ٦] قال البغوي: يومَ ترجف الراجفة يعني: النفخةُ الأولى تتزلزل ويتحرك لها كُلُ شيء، ويموتُ منها جميعُ الخلق ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ هي: النفخة الثانية، ردفت الأولى وبينهما أربعون سنة. قال قتادة هما صيحتان: فالأولى تمُيتُ كُلَّ شيء والأخرى تحُيي كُلَّ شيء بإذن الله تعالى (٣)، وقال العلامة: ترَجُفُ الراجفةُ، أيّ تُهدُّ الأرضُ بالبناء على الناس، وتذهل المراضع، وتضعُ الحوامل، وتشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة من الفزع، حتى تأتي الأقطار فتلقاها الملائكة، فتضربُ

стр. 733

وجوهَها وأدبارها، فترجعُ، ويولِّي الناس هاربين مدبرين. انتهى ومنها قوله تعالى ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١)﴾ [الفجر: ٢١] قال البغوي أي: مرةً بعد مرة زُلزلت فكسر بَعضُها بعضا، فينكسركل شيء على ظهرها من جبال وبناء وشجر، فلم يبق على ظهرها شيء ومنها قوله تعالى: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤)﴾ [الحاقة: ١٤] قال المفسرون: أي: رُفعت من جميع جهاتها مع الجبال بما يشاءه الله تعالى من ريح أو ملائكة، والمعنى: كسرتا كسرةً واحدةً فصارتا أرضًا مستوية، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا. تتمة. ذكر ابن أبي الدنيا حديثًا مُرسلًا: أن الأرضَ تزلزلت على عهد رسول الله ﷺ ، فوضَع يدهُ عليها ثم قال: "أسكني فإنه لم يأن لكِ بعدُ" ثم التفت إلى أصحابه فقال: "إن ربكم يستعتبكم فاعتبوه" (١)، أي: فارجعوا إليه وتوبوا مما لعلكم اقترفتموه من الذنوب، ثم تزلزت بالناس على عهد عُمرَ بنِ الخطاب فقال: أيها الناس ما كانت هذه الزلزلة إلا عن شيء أحدثتموه، والذي نفسي بيده: إن عادت لا أساكنكم فيها أبدًا (٢). وفي "مناقب عمر" لابن أبي الدُنيا: أن الأرض تزلزلت على عهد

стр. 734

عمر فضرب يده عليها وقال: مالك مالك أما إنه لو كانت القيامة حدثت أخبارها، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إذا كان يومُ القيامة، فليسَ فيها ذراعٌ ولا شبرٌ إلا وهو ينطق" (١). وذكر ابن أبي الدُنيا عن أنس بن مالك: أنه دخل على عائشة ﵂، هو ورجل آخر فقال لها الرجل: يا أم المؤمنين حدثينا عن الزلزلة فقالت: إذا استباحوا الزنا، وشربوا الخمور، وضربوا بالمعازف، غارَ الله في سمائه فقال للأرض: تزلزلي بهم فإن تابوا ونزعوا وإلا هَدَمها عليهم، قال: يا أمَ المؤمنين: أعذابًا لهم قالت: بل مَوعظة ورحمة للمؤمنين، ونكالًا وعذابًا وسخطًا على الكافرين، فقال أنس ما سمعت [حديثًا] (٢) بعد رسول الله ﷺ ، أنا أشد فرحًا مني بهذا الحديث (٣). وقال كعب: إنما تزلزل الأرض إذا عُمل فيها بالمعاصى، فترعد فَرَقًا من الرب ﷻ أن يطلع عليها. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار: أمّا بعدُ فإن هذا الرجف شيء يعاتِبُ الله به العباد. فإن قيل فما لنا نرى بعضَ الأرض تتزلزل دون بعض؟ فالجوابُ ما نقله العلامةُ في "البهجة" عن وهب: أن ذا القرنين أتى على جبل قاف، فرأى حوله جبالًا صِغارًا فقال: ما أنت قال: أنا قاف قال:

стр. 735

فما هذه الجبال التي حولك، قال: هي عُروقي وليسَتْ مدينة، إلاّ وفيها عرق منها، فإذا أراد الله تعالى أن يُزلزل مدينة، أمرني فحركت عرقي ذلك فتزلزلت تلك المدينة. وأخرجَ أبن أبي الدنيا وأبو الشيخ عن ابن عباس ﵄، قال: خلقَ اللهُ تعالى جَبَلًا يُقالُ له: قاف محيطًا بالأرض وعروقُه إلى الصخرة التي عليها الأرض، فإذا أراد اللهُ تعالى أن يزلزل قريةً أمر ذلك الجبل، فيحرك العِرقَ الذي يَلي تلك القرية فيُزلزلُها ويحركها، فمن ثَمَّ تحرّكُ القريةُ دون القرية (١). والله أعلم. الأمر الثاني: فيما يُصيبُ الجبال وقد جاء في ذلك آيات منها قوله تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥)﴾ [الواقعة: ٥] أي: فُتِّتَتْ فصارت كالدقيق المبسوس، وهو المبلول. وقال الكلي معني بُسَّت أي: صُيّرت على وجه الأرض (٢)، وقال مُجاهد لُتت لَتا وقال الحسن: قُلعتْ من أصولها فذَهَبت. واختلفَ المُفسرون في تفسير الهباء فقال ابن عبّاس: إنَّهُ ما يُرى في شعاع الشمس في الصورة اللطيفة حين تدخل الكُوة (٣)، وقيل: الرمادُ يطير من النار، إذا اضطرمت فماذا وقع لم يكن شيئا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤] فسر الثعلبي الكثيبَ بالرمل المجتمع، والمهيل بالسَّيال المتناثر إذا مسه

стр. 736

تتابع. وقوله: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥)﴾ [القارعة: الآية ٥] قال البغوي: كالصوف المندوف (١)، وقال الثعلبي: إنّ أوّلَ ما تتغير الجبال تصيرُ رَملًا مهيلا، ثم عِهنا منفوشا، وهُو الصوف المصبوغ، فلا يُقالُ العِهنُ إلَّا للمصبوغ، ثم هباء منثورا. ومنها قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨] قال العلامة عن بعض المفسرين معناه: أنه إذا كانت الجبالُ هباء منبثا يُسيِّر اللهُ ذلك الغبارَ بينَ السّماء والأرض كالسحاب، قال وظاهر كلام الزمخشري: أنها تسيرُ كالسحاب، فإذا نظرَ إليها الناظرُ حسبها واقفة ثابتة في مكان واحد، وهي تمر مرًا حثيثا كما يمرُ السّحابُ (٢). قال الرازي: وليسَ في الآية ما يَدُلُ إلى أين تسير، فيُحتمل أن يُقال: إن الله يُسيرها إلى الموضع الذي يُريده ولم يُبيِّن ذلك الموضع لخلقه، [قال] (٣) والحقُ أن الله تعالى يسيرُّها إلى العدم؛ لقوله تعالى: ﴿يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: ١٠٥]. قال العلامة: قلت أحسن من هذا وأظهر، أن يستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠)﴾ [النبأ: ٢٠] قال مكي: أي: لا شيء كما أن السراب لا شيء. ومنها قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥)

стр. 737

فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾ [طه: ١٠٥ -١٠٧]. قال الفخر: وصفَ الله الأرضَ بأوصاف أحدها كونها قاعًا وهو المكان المطمئن من الأرض، وقيل منتقع الماء، وثانيها صفصفا: وهو الذي لا نباتَ عليه، وقيل: أن القاع والصفصف الملساء المستوية. وثالثُها، ورابعها: كونها لا ترى فيها عِوَجًا وَلاَ أمتا (١) قال الزمخشري: الأمتُ النّتوّ [اليسير] (٢) والعوج، ظاهر ويحصل بهذه الأربعة أوصاف أن [الأرض] (٣) تكون في ذلك اليومِ ملساء خاليةً من الارتفاع، والانخفاض، وأنواع الانحراف والاعوجاج، وقال في قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧] أي ظاهرة ليس عليها [من العمارات ولا من الجبال والأشجار شيء فبقيت بارزة ظاهرة ليس عليها] (٤) ما يستُرها، وهُو المرادُ بقوله تعالى: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾ [طه: ١٠٧]. فائدة: في تبديل الأرض، وأين يكون الناس يومئذ؟ قال العلاّمة: اختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] الآية المراد بالتبديل: هل هو تبديل ذات أم

стр. 738

تبديل صفات؟ قال البيضاوي: التبديلُ يكون في الذات كقولك: بدلتُ الدراهم بَالدنانير، وعليه قوله: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ (١) قلتُ: قد نص الإمام أحمد نوَّر الله ضريحه في "الأجوبة القرآنية" (٢) ما نصه: قالتِ الزنادقة في قوله ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦] فما بال جلودهم التي قد عصت احترقت، وأبدلهم الله تعالى جلودا غيرها، فلا نرى إلا أن الله يعذب جلودًا لم تُذنب، حيث يقول: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾، فشكوا في القرآن، وزعموا أنه مُتناقض، قال فقلت: إن قول الله ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ ليس يَعني جلودًا غير جلودهم، وإنما معنى ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾، تبديلها: تجديدها؛ لأن جُلودَهم إذا نضَجتْ جددها اللهُ وذلك لأنّ القرآن فيه خاص وعام، ووجوه كثيرة وخواطر، يعلّمها الله العلماء. انتهى بحروفه. ومنه يعلم ما فيما ذكر. قال البيضاوي: وفي الصفة كقولك: بدلت الحلقة خاتما إذا أذبتها وغيرت شكلها، وعليه قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] والآية تحتملهما (٣). قال الجلال السيوطي: اختلفت الأحاديث والآثار في الأرض المبدّلة، وقد وقع الخلاف قديمًا للسلف في ذلك، وهل التبديل تغيير

стр. 739

ذاتِها أو صفاتها فقط. انتهى فالقائلون بأنه تبديلُ ذات، منهم ابن مسعود (١) قال: تبدلُ الأرضُ كلها نارًا يوم القيامة. قال كعبُ الأحبار، وأُبيّ بن كعب (٢): تصير السموات جنات، ويصيرُ مكان البحر نارًا، وتبدل الأرضُ غيرها، أي مما لم يكن بحارًا، فقد ورد: أن ما يصير نارًا من البحر، يعود على بقية الأرض، فيدعها جمرة واحدة من نار. فإن قِيلَ في هذا حجة لمن زعم أن الجناتِ لم تخُلق بعد؛ لأنّ السّموات حيث قلتم إنها هي الجنة، فالجنة غير موجودة الآن، وكذا النار. فَالْجَوَابُ: إن السموات تضاف إلى الجنة كما أن البحار تضاف إلى النار، لا أنّ الجنة هي السموات، بل السموات تصيرُ من جملة الجنة، وأن البحارَ تصيرُ نارًا وتضاف إلى النار، فتكون من جملة النار والله الموفق. وعن على كرم الله وجهه، تُبدل الأرض أرضًا من فضة، والسموات سموات من ذهب (٣). وقال ابن جرير ومحمد بن كعب: تُبدل الأرض خبزة بيضاء يأكل المؤمن من تحت قدميه. (٤) لحديث الشيخين من مرفوع أبي سعيد

стр. 740

الخدري "تكون الأرض يومَ القيامة خُبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده، كما يتكفأ أحدكم خبزته، في السُّفْرةِ (١) -جمع سفرة- نُزُلا لأهل الجنة" (٢) النزل: هو الطعام الذي يُؤتى به الضيف أوّل نزوله، وسيأتي. وفي "الإرشاد": تُبدلُ الأرضُ يومَ القيامة خبزة، فيأكل المؤمن من بين رجليه، ويشرب من الحوض. وقال عكرمة: تبدَّلُ الأرض أرضَا بيضاء مثل الخبزة، يأكل منها أهل الإسلام، حتى يفرغوا من الحساب. قال الحافظ ابن حجر: يُستفادُ منه أن المؤمنين لا يعاقبون بالجوع زمن الموقف (٣). والقائلون بأنه تبديل صفة منهم ابن عباس وغيره قالوا: تبديلُ السموات ذهاب شمسها وقمرها، وانكدار نجومها وتبديل الأرض ذهابُ جبالها وأنهارها وأشجارها. أخرج البيهقيُ عن ابن عباس ﵄، في قوله تعالى:
следующие страницы →