← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 132973

البحور الزاخرة في علوم الآخرة

السفاريني

Полный текст (1 621 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

تتابع. وقوله: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥)﴾ [القارعة: الآية ٥] قال البغوي: كالصوف المندوف (١)، وقال الثعلبي: إنّ أوّلَ ما تتغير الجبال تصيرُ رَملًا مهيلا، ثم عِهنا منفوشا، وهُو الصوف المصبوغ، فلا يُقالُ العِهنُ إلَّا للمصبوغ، ثم هباء منثورا. ومنها قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨] قال العلامة عن بعض المفسرين معناه: أنه إذا كانت الجبالُ هباء منبثا يُسيِّر اللهُ ذلك الغبارَ بينَ السّماء والأرض كالسحاب، قال وظاهر كلام الزمخشري: أنها تسيرُ كالسحاب، فإذا نظرَ إليها الناظرُ حسبها واقفة ثابتة في مكان واحد، وهي تمر مرًا حثيثا كما يمرُ السّحابُ (٢). قال الرازي: وليسَ في الآية ما يَدُلُ إلى أين تسير، فيُحتمل أن يُقال: إن الله يُسيرها إلى الموضع الذي يُريده ولم يُبيِّن ذلك الموضع لخلقه، [قال] (٣) والحقُ أن الله تعالى يسيرُّها إلى العدم؛ لقوله تعالى: ﴿يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: ١٠٥]. قال العلامة: قلت أحسن من هذا وأظهر، أن يستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠)﴾ [النبأ: ٢٠] قال مكي: أي: لا شيء كما أن السراب لا شيء. ومنها قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥)

стр. 737

فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾ [طه: ١٠٥ -١٠٧]. قال الفخر: وصفَ الله الأرضَ بأوصاف أحدها كونها قاعًا وهو المكان المطمئن من الأرض، وقيل منتقع الماء، وثانيها صفصفا: وهو الذي لا نباتَ عليه، وقيل: أن القاع والصفصف الملساء المستوية. وثالثُها، ورابعها: كونها لا ترى فيها عِوَجًا وَلاَ أمتا (١) قال الزمخشري: الأمتُ النّتوّ [اليسير] (٢) والعوج، ظاهر ويحصل بهذه الأربعة أوصاف أن [الأرض] (٣) تكون في ذلك اليومِ ملساء خاليةً من الارتفاع، والانخفاض، وأنواع الانحراف والاعوجاج، وقال في قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧] أي ظاهرة ليس عليها [من العمارات ولا من الجبال والأشجار شيء فبقيت بارزة ظاهرة ليس عليها] (٤) ما يستُرها، وهُو المرادُ بقوله تعالى: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾ [طه: ١٠٧]. فائدة: في تبديل الأرض، وأين يكون الناس يومئذ؟ قال العلاّمة: اختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] الآية المراد بالتبديل: هل هو تبديل ذات أم

стр. 738

تبديل صفات؟ قال البيضاوي: التبديلُ يكون في الذات كقولك: بدلتُ الدراهم بَالدنانير، وعليه قوله: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ (١) قلتُ: قد نص الإمام أحمد نوَّر الله ضريحه في "الأجوبة القرآنية" (٢) ما نصه: قالتِ الزنادقة في قوله ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦] فما بال جلودهم التي قد عصت احترقت، وأبدلهم الله تعالى جلودا غيرها، فلا نرى إلا أن الله يعذب جلودًا لم تُذنب، حيث يقول: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾، فشكوا في القرآن، وزعموا أنه مُتناقض، قال فقلت: إن قول الله ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ ليس يَعني جلودًا غير جلودهم، وإنما معنى ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾، تبديلها: تجديدها؛ لأن جُلودَهم إذا نضَجتْ جددها اللهُ وذلك لأنّ القرآن فيه خاص وعام، ووجوه كثيرة وخواطر، يعلّمها الله العلماء. انتهى بحروفه. ومنه يعلم ما فيما ذكر. قال البيضاوي: وفي الصفة كقولك: بدلت الحلقة خاتما إذا أذبتها وغيرت شكلها، وعليه قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] والآية تحتملهما (٣). قال الجلال السيوطي: اختلفت الأحاديث والآثار في الأرض المبدّلة، وقد وقع الخلاف قديمًا للسلف في ذلك، وهل التبديل تغيير

стр. 739

ذاتِها أو صفاتها فقط. انتهى فالقائلون بأنه تبديلُ ذات، منهم ابن مسعود (١) قال: تبدلُ الأرضُ كلها نارًا يوم القيامة. قال كعبُ الأحبار، وأُبيّ بن كعب (٢): تصير السموات جنات، ويصيرُ مكان البحر نارًا، وتبدل الأرضُ غيرها، أي مما لم يكن بحارًا، فقد ورد: أن ما يصير نارًا من البحر، يعود على بقية الأرض، فيدعها جمرة واحدة من نار. فإن قِيلَ في هذا حجة لمن زعم أن الجناتِ لم تخُلق بعد؛ لأنّ السّموات حيث قلتم إنها هي الجنة، فالجنة غير موجودة الآن، وكذا النار. فَالْجَوَابُ: إن السموات تضاف إلى الجنة كما أن البحار تضاف إلى النار، لا أنّ الجنة هي السموات، بل السموات تصيرُ من جملة الجنة، وأن البحارَ تصيرُ نارًا وتضاف إلى النار، فتكون من جملة النار والله الموفق. وعن على كرم الله وجهه، تُبدل الأرض أرضًا من فضة، والسموات سموات من ذهب (٣). وقال ابن جرير ومحمد بن كعب: تُبدل الأرض خبزة بيضاء يأكل المؤمن من تحت قدميه. (٤) لحديث الشيخين من مرفوع أبي سعيد

стр. 740

الخدري "تكون الأرض يومَ القيامة خُبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده، كما يتكفأ أحدكم خبزته، في السُّفْرةِ (١) -جمع سفرة- نُزُلا لأهل الجنة" (٢) النزل: هو الطعام الذي يُؤتى به الضيف أوّل نزوله، وسيأتي. وفي "الإرشاد": تُبدلُ الأرضُ يومَ القيامة خبزة، فيأكل المؤمن من بين رجليه، ويشرب من الحوض. وقال عكرمة: تبدَّلُ الأرض أرضَا بيضاء مثل الخبزة، يأكل منها أهل الإسلام، حتى يفرغوا من الحساب. قال الحافظ ابن حجر: يُستفادُ منه أن المؤمنين لا يعاقبون بالجوع زمن الموقف (٣). والقائلون بأنه تبديل صفة منهم ابن عباس وغيره قالوا: تبديلُ السموات ذهاب شمسها وقمرها، وانكدار نجومها وتبديل الأرض ذهابُ جبالها وأنهارها وأشجارها. أخرج البيهقيُ عن ابن عباس ﵄، في قوله تعالى:

стр. 741

﴿تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] قال يُزادُ فيها وينقص، وتذهب آكامها من أماكنها، وجبالها وأوديتها وشجرها، وما فيها، وتمدّ مدّ الأديم العكاظي، أرضٌ بيضاء مثل الفضة، لم يسفك فيها دَم، ولم تعمل فيها خطيئة والسموات تذهب شمسها وقمرها [ونجومها] (١)، ويدل لهذا حديث أبي هريرة "تبدل الأرضُ غير الأرض، فيبسطها ويمدّها مَدَّ الأديم العكاظيّ لا ترَى فيها عوجا ولا أمتا، ثم يزجر الله الخلق زجرةً واحدةً فإذا هُم في هذه المبدلة، في مثل مواضعهم الأولى من كان في بطنها كان في بطنها، ومن كان على ظهرها كان على ظهرها" (٢). وهو ظاهرُ ما في حديث مسلم، عن سهل بن سعد "يحُشَر الناس يومَ القيامة على أرض بيضاء عفراء، كقرصة النِقي ليس فيها معلَمٌ لأحد" (٣). قوله "عُفرا" العفر بياض يقرب إلى الحمرة، و"النقي" بكسر القاف هو الحواري، وقوله "ليس فيها معلم لأحد"، أي: ليسَ لأحد فيها علامة أو مسكن أو بناء، أو أثر. وفي "شعب الإيمان" للبيهقي في قوله تعالى: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ

стр. 742

فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤)﴾ [الحاقة: ١٤] قال: "تَصيرُ الأرض غَبرةً في وجوه الكفار" (١). واختلفوا في التبديل هل هو قبل يوم الحساب أم بعده؟ فقيل: قبلَ يومِ الحساب وقيل والناسُ على الصراط لحديث مسلم عن عائشة ﵂ قلت: يا رسول الله أرأيت قول الله تعالى ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] فأين يكونُ الناسُ؟ قال: على الصراط (٢). وفي الترمذي عنها قلتُ أين الناسُ يا رسول الله؟ قال: "على جسر جهنم" (٣). وأخرجَ عنها أيضًا وقال حسن صحيح قالت يا رسول الله صلى الله عليك وسلم، قال الله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] فأين يكون المؤمنون يومئذ؟ قال: "على الصراط يا عائشة" (٤). وأخرج مسلم عن ثوبان، مولى رسول الله ﷺ قال: كنت قائمًا عند رسول الله ﷺ ، فجاءه حَبر من أحْبار اليهود فقال: السلامُ عليكَ يا محمد، وذكر الحديث وفيه فقال: أين يكونُ الناس

стр. 743

يوم تُبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال ﷺ : "في الظلمة دونَ الجسر" (١). قال العلامة: هذا حاصل ما قاله كُلٌ من الفريقين. ووجه الجمع بين القولين: ما أشار إليه صاحبُ "الإفصاح" من أنه لا تعارُضَ بينَ هذه الآثار فإنَّ الأرض والسموات تُبدَّل مرتين الأولى: أنَّه سبحانه يغير صفاتها قَبل نفخة الصعق، فتنتشرُ كواكبها وتكسف كسها وقمرها، وتصيرُ كالمُهل، ثم تكشط عن رؤوسهم ثم تسيرُ الجبالُ، ثم تموجُ الأرض ثم تصيرُ البحارُ نيرانًا ثم تنشق الأرضُ من قُطرٍ إلى قطر، فتصيرُ الهيئة غير الهيئة والبنيةُ غير البنية، ثُمَّ إذا نُفخَ في الصورِ نفخةَ الصعق طُويتِ السماء ودُحيت الأرضُ، وبُدّلتِ السماء سماء أخرى، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: ٦٩] وبُدلت الأرض وتمدُّ مَدَّ الأديم العكاظي، وأعيدت كما كانت، فيها القبورُ والبشرُ على ظهرها، وفي بطنها، وتُبدَّلُ الأرضُ تبديلًا ثانيًا، وذلك إذا وقفوا في المحشر، فتبدَّلُ لهم الأرضُ التي يُقالُ لها الساهرة، يحاسبون عليها، وهي أرضُ عَفراء وهي البيضاء من فضة، لم يُسفك عليها دم حرام قط، ولا جرى عليها ظلم قط، وحينئذ يقومُ الناس على الصراط، وهو لا يسمعُ جميعَ الخلائق، صمان كان قد يُروى (٢) أن مسافته ألف ممنة صعودًا وألف سنة هبوطًا،

стр. 744

وألف سنة استواء لأن الخلق أكثر من ذلك، فيقومُ من فضل منهم عن الصراط على من جهنم، وهي كالهالة الجامدة، وهي الأرض التي قال عبد الله: إنها أرض من نار، يعرقُ فيها البشر فإذا حُوسب الناس عليها، أعني الساهرة، وجاوزوا الصراط، وحصل أهل الجنات من وراء الصراط وأهل النار في النار، وقام الناس على حياض الأنبياء يشربون، بُدلتِ الأرض كقرصة النقي، فأكلوا من تحت أرجلهم، وعند دخولهم الجنة كانت خبزة واحدة أي: قُرصًا واحدًا، يأكلُ منه جميعُ الخلق ممن دَخل الجنة وأدْمُهم زيادة كبد ثور الجنة، وزيادة كبد النون قال الحافظ ابن حجر: لا تَنافي بين أحاديث تبديل الأرض، وأحاديث مَدِّها والزيادة فيها والنقص منها؛ لأنّ ذلك كله يقعُ لأرض الدنيا، لكن أرض الموقف غيرها فإنهم يزجرون من أرض الدنيا بعد تغييرها، بما ذكر إلى أرض الموقف قال: ولا تنافي أيضًا بين أحاديث مصيرها خبزة ونارًا وغبارًا بل يجمع بأن بعضَها يَصيرُ خُبزة، وبَعضها نارًا وبعضَها غبارًا، وأن النار هي: أرض البحر خاصةً، لكن مرّ أن الأرض تصيرُ كلها نارًا يوم القيامة (١). وقد يُجاب كما في البهجة: بأن أرضَ البحرِ تكون نارًا في الابتداء بطريق الأصالة، ثم البقية بالتبعية. انتهى. وتعقب البدر العيني الحافظ ابن حجر: بأن لفظ الحديث تكونُ الأرضُ يومَ القيامة خبزة، وفيما قال: يَعني ابن حجر: ارتكاب المجاز

стр. 745

فلا يصارُ إليه إلّا عند تعذر الحقيقة، ولا تعذر هُنا من كون الأرض خبزة؛ لأن القدرة صالحة لذلك قال: بل الجوابُ الشافي هنا أن "يقالَ أن المرادَ من كون الأرض نارًا هي أرض البحر، كما في حديث أُبيّ ابن كعب ﵁، تصيرُ السمواتُ جنانا - وتصيرُ الأرض خبزة، ويصيرُ مكانُ البحر نارًا (١) والمراد من كونها غبرة الجبال، فإنها بعدَ أن تُدك تصير غبارًا في وجوه الكفار. انتهى (٢) فعلى كلام العيني أنَّ السموات تصيرُ جفانًا كما في الحديث، ولعل المرادُ من ذهب أو كالذهب، ليجمعَ بين الأحاديث والأرض خبزة أي بيضاء كالفضة، والجبالُ غُبارًا، ومكان البحر نارًا. والله أعلم. الأمر الثالث: فيما يُصيبُ السماء وفيها آياتٌ منها قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨)﴾ [المعارج: ٨] قال عكرمة: كالزيت وقيل القار المُذاب، وقيل ما أُذيب من الفضة والنحاس (٣)، وقوله ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩)﴾ [الطور: ٩] قال مُجاهد (٤): تَدورُ دَورًا وقال قتادة: مورها تحركها، والضحاك استدارتها، وقيل تتكفَأ تكفُّؤ السفينة حتى تذهبَ ولا تكون شيئًا وقوله ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧)﴾ [الرحمن: ٣٧] قال بعض المفسرين: انشقاقها في المحشر، وأنها تصيرُ أبوابًا لترول الملائكة، وقال ابن

стр. 746

جرير: تذوبُ السماء فتصيرُ ذائبة حمراءَ كالدهن الذائب، حين يُصيبها حّرَّ جهنَّم. (١) وقال مكي في تفسير ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾ [الانفطار: ١]: وذلك يومَ القيامة يكونُ لونُها لون الورد الأحمر وهو تفسير ابن عباس (٢). وأما الدّهانُ: فقال مجاهد والضحاك الدهان والدهن: شيء واحد. وقيل: الدهان الجِلد الأحمر وقال زيد بن أسلم تكون كعكر الزيت. وقوله: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦)﴾ [الحاقة: ١٦] أي: ضعيفة مسترخية، بعد إحكامها وقوتها، ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ [الحاقة: ١٧] أي: جوانبها، وحافَّاتها واحدة رجا مقصور، وذلك أن السماء مَسكنٌ الملائكة، فإذا انشقَّتِ أنتقلوا إلى جوانبها، وقال الضحاك: تكونُ الملائكة على حافاتها، حين يأمرهم الرب ﷻ ، فيُحيطون بالأرض ومن عليها (٣). الرابع: فيما يُصيب الشمس والقمرَ قال تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾ [التكوير: ١] أي كُسفت وذهب ضوءها (٤). وفي حديث أبي هريرة ﵁، أن ذلك بعد نفخة الفزع وقبل قيام الساعة،

стр. 747

وهوَ قول أُبي بن كعب (١) وبه قال بعضهُم: وظاهرُ كلام جمع من المفسرين أن ذلك يومَ القيامة قال ابن عبّاس تكويرُها إدخالُها في العرش، ولا شك أن ذلك لا يكون إلا في يوم القيامة، فهي موجودةٌ فيه ثُمَّ يذهبُ بها بعدَ ذلك إما إلى إدخالها في العرش كما قال ابن عباس والضحاك (٢)، أو إلى النار كما قال الزمخشري (٣) يُروى في الشمس والنجوم أنها تطرح في جهنّم ليراها من عَبدها كما قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] الآية قال بعضهم: يؤخذ بالشمس والقمر فيلقيان في جهنمَّ. وقال عطاء بنُ يسار: يجمع بينهما يومَ القيامة ثم يقذفان في البحر، فيكونان نارَ الله الكبرى. وقال على وابن عباس، يدخلان في نور الحجب (٤). وفي البغوي عن ابن عباس: يكور الله الشمس والقمر والنجوم يومَ القيامة في البحر، ثم يبعثُ عليها ريحًا دبورا فتضرمها فتصيرُ نارا (٥). فَإِنْ قُلْتَ: قد مرّ أنه يذهب بالشمس والقمر إلى العرش، وأنه يذهبُ بهما إلى البحر، وأنه يذهب بهما إلى الحجب، وأنه يذهب بهما إلى النار، فهل هذا إلا كالتناقض.

стр. 748

قُلْتُ: الأمر دائر أنه يذهب بهما إلى أحد شيئين إمّا إلى النار وإمّا إلى العرش، وأما البحرُ فإنه داخل في النار على رأي من زعم أنه النار، أو يصير نارًا ويضافُ إلى النار وأمّا الحجب فإنَّها داخلة في كونهما يُكوّران، ويُذهبُ بهما إلى العرش، فإنا نعني بالحجب هي ما دون العرش، فظهر ما قلنا أنه يُذهَبُ بهما إمّا إلى العرش، ولا فرق بين أن يُكَوّرا ويدخلا فيه، أو يُدخلا في نور حجبه أو إلى النار. والجمعُ بين القولين: بأن يُكوّرا في النار أولا؛ ليراهما من عَبدهما من دون الله تبكيتا لهم، وصغارًا وهوانا ثم يذهب بهما إلى العرش، هذا ما يظهر والله أعلم. وقد أشار إلى بعضه في البهجة. وذكر الإمام المحقق ابن القيم في كتابه "مفتاح دار السعادة" (١): أنه أجتمع جماعةٌ من الكبراء والفضلاء يومًا فقرأ قارئ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣)﴾ [التكوير: ١، ٢، ٣] حتى بلغَ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)﴾ [التكوير: ١٤] وفي الجماعة الإمام أبو الوفا ابن عقيل، فقال له قائل: يا سيدّي: هب أنه نُشر الموق للبعث والحساب وزُوِّج النفوس بقرنائها للثواب والعقاب، فما الحكمة في هدم الأبنية وتسيير الجبال، ودك الأرض، وفطر السماء، ونز النجوم، وتخريب هذا العالم وتكوير شمسه، وخسف قمره؟ فقال الإمام ابن عقيل على البديهة: إنما بناء لهم الدار للسكنى

стр. 749

والتمتع، وجعلها و [جعل] (١) ما فيها للاعتبار والتفكر، والاستدلال عليه بحسن التأمل والتذكر، فلما انقضت مدة السكنى، وأجلاهم من الدار خَرَّبها لانتقال الساكن عنها، فأراد أن يُعلمهم بأن (٢) في إحالة الأحوال، وإظهار تلك الأهوال [وإبداء ذلك الصنع العظيم، بيانًا لكمال قُدرته ونهاية حِكمته، وعظمة ربوبيَّتِه وعِزّ جلاله وعظمِ شأنه] (٣)، وتكذيبًا لأهل الإلحاد وزنادقة المنجمين، وعباد الكواكب، والشمس، والقمر والأوثان ليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين، فإذا رأوا [مثال] (٤) آلهتهم قد انهدَم، وأن معبوداتهم قد انتثرت، [والأفلاك التي زعموا أنها وما حوته هي الأربابُ المستوليةُ (٥) على هذا العالم، (٦)، قد تشققت وانفطرت، ظهرت [حينئذ] (٧) فضائحهم، وتبين كذبهم، وظهر أن العالَم مربوبٌ محدَثٌّ مُدبر له رب يصرفه كيف يشاء تكذيبًا لملاحدة الفلاسفة القائلين بقدمه، فكم لله من حكمة لهدم هذه الدار، ودلالة على عظيم قدرته وعزته، وسلطانه وانفراده بالربوبية، وانقياد المخلوقات بأسرها لقهره وإذعانها لشأنه فتباركَ اللهُ ربُّ العالمين.

стр. 750

الخامس: فيما يُصيبُ النجومَ قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢)﴾ [التكوير: ٢] ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢)﴾ [الانفطار: ٢] ومعناهما سقوطُ الكواكب إلى الأرض، وقد جاء أنها تسقط عند موت الملائكة الذين كانوا يحبسونها، وهي مُعلقة بين السّماء والأرض وفي حديث أبي هريرة ﵁، إذا صارَت السماء كالمُهل تتناثر النجوم، وتسقط كسُها وقمرها. السادسُ: فيما يُصيبُ البحار قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣)﴾ [الانفطار: ٣] أي: فاضَتْ ومُلئت قال الضحاك والربيع بنُ خثيم وغيرهما: تفجيرُها فيضها (١)، وقال الغزالي: قد تفجر بعضها في بعضٍ حتى امتلأ عالم الهواء ماء. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)﴾ [التكوير: ٦] وهو بمعنى الأوُل عند الضحاك والرَّبيع وقال مجاهد: فُجر بَعضُها على بعض، فاختلطَ العذبُ والمالح، فصارت بحرًا واحدًا وقاله الضحاك أيضًا، ومُقاتل. وقيل: معنى "سُجّرتْ" يَبِسَتْ حتى لم يبقَ من مائها قطرة قاله الحسنُ وقتادة وقيل: معنى "سُجّرت" أُضْرمت نارًا قاله ابن عباس ووهب وسفيان (٢)، وابن عطية وابن زيد، وفي "البهجة" للعلامة: يمكن الجمع بين الأقوال المتقدمة بأن يُقال: إنَّ البحار تفيضُ

стр. 751

أولاً لكثرة فيضها فتصير بحرًا واحدًا، ثم تَنشف (١) حتى لا يَبقى منها قطرة، ثم بعد ذلك يُضرمُ مكانُها نارًا وفي ذلك آياتٌ دالاتٌ على كمال قدرته ووجوب وحدانيته، لا إله إلا هُو الفعال لما يُريد، وفي "تفسير مكيّ" (٢) عن ابن عباس: جَهَنَّمُ في البحر الأخضر تكوَّر الشمسُ والقمرُ فيه. والله أعلم.

стр. 752

الفصل الثاني عشر في نفخة الصعق وفيها هلاك كُل شيء قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] وقد فُسرَ الصَعقُ بالموت. قال الفخر: لا شبهة عند أهل الإسلام في أن الله خَلق قَرنًا يَنفخُ فيه ملكٌ من الملائكة، وذلك القرن يُسمَّى بالصور، على ما ذكرهُ الله في مواضعَ من القرآن. وقال في "التذكرة" (١): والصورُ قرنٌ من نور يُجعَلُ فيه أرواح الخلائق. وقالَ مُجاهد: كالبوق، ذكره البخاري (٢). وأخرج ابن ماجه عن أبي سعيد لخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن صاحِبَي الصور بأيديهما أو في أيديهما قرنان، يُلاحظان النظر متى يؤمران" (٣). وأخرج الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: جاءَ أعرابي إلى النبي ﷺ ، فقال ما الصور؟ قال: "قَرنٌ يُنفخُ فيه" قال الترمذيُّ حديثٌ حسن (٤). وأخرج الترمذي أيضًا وحسنه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله

стр. 753

عنه، عن النبي ﷺ قال: "كيفَ أَنْعَمُ وصاحبُ الصورِ قد التقم القرن؟ واستمع الإذن، متى يؤمر بالنفخ" فكأنَ ذلك ثقل على أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال لهم: "قُولوا حَسْبُنا اللهُ ونعم الوكيل" (١). وروي أيضًا عن أبي هُريرةَ ﵁ مَرفوعًا: "ما أطرف صاحب الصور مُذْ وُكِّلَ به مُستعدًا ينظر نحو العَرش، مخافَةَ أن يُؤمَرَ بالصيحةِ قبل أن يرتدَ طرفهُ، كان عينيه كوكلبان دريّان" خَرَّجَهُ أبو الحسن بن صخر في "فوائده"، وغيرُه (٢). وأخرجَ ابن المبارك ومُؤَمِّلُ بنُ إسماعيل، وعَليُّ بنُ معبد، عن ابن مسعود حديثًا فيه: "ثم يقومُ ملك الصور بينَ السماء والأرضِ، فَيُنفخُ فيه والصورُ قرنٌ فلا يَبقَى خلقٌ في السمواتِ والأرض إلّا مَّاتَ إلا ما شاء ربك" الحديث (٣). وقد قال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، فمقتضى هذه الآية هلاكُ كُل شيء إلا هُوَ سبحانه قال العلامة: وهُوَ قول في المسألة قالوا: إنَّ اللهَ يُفني كُلَّ شيء حَتَّى الجنَّة والنار، ولا يبقى شيء سواه قالوا: وهو مَعنى قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ [الحديد: ٣] قال الغزالي، حدَّثني من لا

стр. 754

أشكُ في علمه ومعرفته، أنَّ الاستثناء في قوله: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: الآية ٦٨] واقعٌ عليه سبحانه خاصة، ولو كانَ ثم أحدٌ لأجابهُ سُبحانَهُ حين يقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] فيقول لك يا واحد يا قهار. وأخرج الشيخانِ عن أبي هريرة مرفوعًا: "يقبضُ اللهُ الأرضَ يومَ القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثُمَّ يقول: أنا الملك أين الملوك" (١). وأخرج مسلمٌ عن ابن عُمرَ ﵄ مرفوعًا: "يطوي الله السموات يومَ القيامة، ثمَّ يأخذهُنَّ بيده اليُمنى، ثُم يقولُ أنا الملك أين الجبارون؟ أينَ المتكبرون؟ ثم يطوي الأرض بشماله، ثم يقولُ: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟) (٢) والحقّ في المسألة: أنَّ ثم أشياء لم تخُلق للفناء"، بل للبقاء وقد نصّ على ذلك إمام السنة: الإمامُ أحمد طيّب الله ثراه، حيثُ قال: خُلقَتِ الجنَّةُ وما فيها، وخُلقَتِ النَّارُ وما فيها، خلقَهُم الله ، ثم خلقَ لهما الخلق، لا يفنيان ولا يفنى ما فيهما أبدًا. قال: فإن احتج محتجٌ بقول الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: الآية ٨٨] ونحوَ هذا مِن مُتشابه القُرآن (٣)؟ فالجواب: إنَّ كل شيء مما كُتب عليه الفناء والهلاكُ فهالك،

стр. 755

والجنَّةُ والنار خلقهما الله للبقاء لا للفناء ولا للهلاك، وهما من الآخرة لا مِنَ الدنيا، والجورُ العينُ خُلِقنَ للبقاء لمْ يكتبْ عليهن الفناء ولا الموتُ قال: فإن قال خلافَ ذلك فهو مبتدع. انتهى. وقد أطالَ في حادي الأرواح في الرد على زاعمي ذلك، فراجِعهُ إن شئت واللهُ أعلم (١).

стр. 756

الكتاب الثالث في المحشر وما يتعلق به إلى أن يدخل أهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ وأهلُ النارِ النَّارَ وفيه ثمانية أبواب:

стр. 757

البابُ الأول في نفخة البعث وقد جاء في الكتاب العزيز آياتٌ كلُّها تدلُّ على نفخة البعث، منها: قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١)﴾ [يس: ٥١] وقوله: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] وقوله ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨)﴾ [المدثر: ٨] قال الكلبي وغيره: هي نفخةُ البَعثِ. والناقور: فاعول من النقر. وقال تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ٤١، ٤٢] الآية (قال المفسرون: المُنادي هُو إسرافيل ﵇، ينفُخُ في الصور) (١)، ويُنادِي: يا أيتها العظامُ البالية والأوصالُ المتقطعة، واللحومُ المتمزقة، والشعورُ المتفرقة، إن الله يأمرُكُنَّ أن تجتمعن لفصل القضاء، وقيل يَنفخُ إسرافيلُ وينادي جبريل، والمكانُ القريبُ صخرةُ بيتِ المقدس، قالَهُ جَماعةٌ من المفسرين (٢)، وهُيَ وسَط الأرضِ، وقيلَ وسطُ الأرضِ مكة المشرفة،

стр. 758

وقال علماء الهيئة: وسطُ الأرض جزيرة أرين، قالوا: هي نُقطَة الأرض كلِّها قفرُها ومعمورُها، وإذا توسَطت الشمسُ الحمل، لمْ يكن في هذه الجزيرة ظلٌ لشيء قائم، وهي أعدل الأرض هواء واعتدالَ ليلُها ونهارُها طول الدهر، لا يزيدُ ولا ينقصُ، ولا ينقصُ من شجرها ورقة. قالوا: وكاد أن لا يموت فيها إنسان إلّا على مائة عام، وفي هذه الجزيرة أعاجيبٌ شتَّى ليسَ هذا محل ذكرها. واللهُ أعلم. وتقدم أنّ بيْن النفختين أربعين عام، قال بعضُهم: اتفقت الروايات على ذلك، وفي مسلم عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "ما بين النفختين أربعون" قالوا: يا أبا هريرة: أربعون يومًا؟ قال أبَيْت قالوا: أربعون شهرا؟ قال: أبَيْت قالوا: أربعون عامًا؟ قال: أبَيْتُ الحديث (١). وقول أبي هريرة (أبيت) فيه تأويلان، فقيل: "أبيت" أي: امتنعت من بيان ذلك لكم، وقيل "أبَيْتُ" أن أسأل النبي ﷺ عن ذلك (٢).

стр. 759

وقال الغزالي: حدثني من لا أشك في علمه ومعرفته، أن سر ذلك وأمره لا يعلمه إلا الله تعالى؛ لأنه سرٌّ من أسرار الربوبية. وفي حديث "إنَّ بيْنَ النفختين أربعين عاما" (١)، وفي تفسير الثعلبي عن أبي هريرة ﵁، في تفسير سورة الزُمر: إن الله تعالى يُرسِلُ مطرًا على الأرض فيترلُ عليها أربعين يوما، حتى يكون فوقَهم اثنى عشر ذِراعًا فيأمر الله الأجساد أن تنبت كنبات البقل، حتى إذا تكاملت أجسادهم، كَما كانَتْ قال الله تعالى: ليحى حملة العرش، ليحيي جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، ثم يأمر الله تعالى إسرافيل فيأخذ الصورَ فيضعه على فيه، ثم يدعو الأرواحَ فيؤتَى بها، تتوهج أرواح المؤمنين نورا، والأخرى ظلمة فيقبضها جميعًا، ثم يُلقيها في الصور، ثم يأمره أن يَنفخَ نفخة البعثِ، فتخرجُ الأرواح كُلُّها كأنها النحل، قد ملأت ما بين السماء والأرض ثم يقول

стр. 760

الله تعالى: وعزتي وجلالي لترجِعَنَّ كل رُوح إلى جَسدِها فتدخُلُ الأرواح من الخياشيم، ثم تمشي مشيَ السُمِّ في اللديغ ثم تشققُ الأرض عنهم سراعًا، فأنا أوَّلُ من تنشقُ عنه الأرض، فتخرجون مِنها إلى ربكم، تنسلون (١). وفي الثعلبي في تفسير سورة الأعراف، وفي تفسير ابن عطية (٢)، عن أبي هريرة وابن عباس ﵃، إذا مات الناسُ كلُّهم في

стр. 761

النفخة الأولى، أمُطر عليهم أربعين عامًا كمني الرجال من ماء تحت العرش، يدعي ماء الحيوان فينبتون من قبورهم، بذلك المطر كما ينبت الزرع من الماء، حتى إذا استُكمِلتْ أجسادهم، نفخَ فيهم الروحُ ثمَّ تلقي عليهم نَومةً فينامون في قبورهم، فإذا نفخَ في الصور [النفخة] (١) الثانية: [قامُوا] (٢) وَهم يجدونَ طعم النوم في أعينهم (٣)، كما يجدُ [هـ] (٤) النائم [إذا] (٥) استيقظ من نومه، فعند ذلك يقولون: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢] [فناداهم المنادي: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ (٦) [يس: الآية ٥٢]. وأما قوله تعالى: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢] ففي كونه من كلام الله على لسان الكفار، أو من كلامه على لسان الملائكة، قولان للمفسرين (٧). قال مجاهد: إن للكافرين هجعة قبل يوم القيامة، يجدون فيها طعم النوم فإذا صيح بأهل

стр. 762

القبور، [يقول الكافر: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا فيقول المؤمن إلى جنبه ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾] (١) قاموا مذعورين عجلين ينظرون ما يراد بهم. تنبيه: اختلف الناسُ هل البعث إعادة بعد تفريق؟ أو إيجاد معدوم؟ قال التفتازاني في "شرح عقائد النسفي": والبعثُ هو أنَّ الله يبعثُ الموق من القبور، بأن يجمعَ أجزاءهم الأصلية ويُعيدُ الأرواحَ إليها حق .. وذكر آيات تدل على ذلك. ثم قال: وأنكره الفلاسفة بناءً على امتناع إعادة المعدوم بعينه، وهو أنه لا دليل لهم عليه يُعتد به، غير مضر بالمقصود؛ لأن مرادنا أن الله تعالى يجمعُ الأجزاء الأصلية للإنسان، ويُعيدُ روحَه إليه سواء سمي إعادة المعدوم بعينه، أو لم يسمّ. وبهذا يسقُطُ ما قالوا إنه لو أكل إنسان إنسانًا بحيث صارَ جزءاً منه فتلك الأجزاء إما أن تُعادَ فيهما وهو محال أو في أحدهما فلا يكون الآخر معادًا بجميع أجزائه، وذلك لأنّ المعاد إنما هو الأجزاء الأصلية، الباقية من أول العُمر إلى آخره، والأجزاء المأكولة فَضلة في الأكل لا أصلية. انتهى وتقدم الكلامُ على ذلك مُبينا قال: عكرمة ﵀: إنَّ الذين

стр. 763

يَغرقونَ في البحر [و] (١) تقتسم لحومهم الحيتان، [ولا] (٢) يبقى [منهم] (٣) شيء إلاَّ العظام (٤) [فتلقيها] (٥) الأمواج [إلى الساحل] (٦)، فتمكثُ [العظام] (٧) حِينا، [ثُمَّ تصيرُ نخرةً] (٨)، ثم [تمر] (٩) بها الإبل فتأكلها، ثم تسيرُ الإبل فتبعر، ثم تجئ (١٠) قوم فيترلون، فيأخذون ذلك البعر فيوقدونه ثم تخمدُ تلك النار، فتجيء الريحُ فتُلقي ذلك الرمادُ على الأرض، فإذا جاءت النفخةُ (١١) ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] [يخرجُ] (١٢) أولئك وأهل القبور سواء (١٣). وقال العلامة: قال العلماء: إن الله تعالى محمع ما تفرق من أجساد الناس من بطون السباع، وحيوانات الماء وبطن الأرض، وما أصابَ (النيرانُ) (١٤) منها بالحرق والمياه بالغرق، وما أبلته الشمسُ

стр. 764

وذَرته الرياحُ، فإذا جمعها وأكمل كُلَّ بدنٍ منها، ولم يبق إلا الأرواح نُفخَ في الصور، وأمر إسرافيل ﵇ فأرسلها بنفخة من ثقب الصور فترجعُ كلُ روح إلى جسدها ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]، هذا وقد دلَّ على قيام الناس من الأجداث الكتاب والسنة، وإجماع الأمة قال تعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين: ٦] والمرادُ: يقومون من مصارعهم، حيث كانوا في سائر أقطار الأرض، وأوّلُ من يَنشقُ عنه القبرُ النبي ﷺ . أخرج مُسلم عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "أنا سيّدُ ولد آدم، وأوّل من ينشقُ عنه القبر، وأوّل شافع وأوّل مشفع" (١)، وفي البخاري: "أنا أوّل من يَرفعُ رأسه بعد النفخة الآخرة، فإذا بموسى ﵇ متعلقٌ بالعرش، فلا أدري أكذلك كان؟ أم بعد النفخة" (٢). وفي بعض ألفاظِ البخاري "فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفَاقَ قبلي أم جُوزي بصعقة الطور؟ ". وأخرج الحكيم الترمذي، عن ابن عمر ﵄، قال خرج النبي ﷺ ، ويمينهُ على أبي بكر، وشماله على عُمر فقال: هكذا

стр. 765

نبعثُ يوم القيامة (١). وفي الثعلبي عن أبي هُريرة ﵁ مرفوعًا: "ثم تنشقُ عنكم الأرض، وأوّل مَن تنشق عنه الأرض أنا فتنسلون سِراعًا إلى ربكم، عن سِنّ الثلاثين، وفي لفظ كأنكم أبناء ثلاث وثلاثين ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ [القمر: ٨]، فتقفون في موقفِ واحد سبعين عامًا حفاةً عُراةً غرلا بهُما، لا يَنُظرُ اللهُ إليكم، ولا يقضي بينكم، فتبكي الخلائقُ حتى تنقطع الدموع، ويلجمهم العرق" الحديث وفي حديث على بن معبد "فتخرجون منها شبابًا كُلكم أبناء ثلاث وثلاثين" (٢). وفي البهجة: للعلاّمة اللسان يومئذ بالسريانية. قُلْتُ: ويحتاج إلى توقيف ثابت عن المعصوم. والله أعلم.

стр. 766

الباب الثاني في الحَشْرِ وهو لغةً: الجمعُ. تقول: حشرتُ الناس إذا جمعتهم، والمراد به: في القيامة جمع الأجزاء بعد التفرُّق مع إحياء الأبدان بعد موتها هذا مذهب الجمهور. وزعم بعضُهم: أن الحشرَ: هو الإيجاد والإحياء بعد الإعدام عند البعث. وأجمع أهل السنة أن الأجساد الدنيوية تعادُ بأعيانها وأعراضها، وتقدمت الإشارة إلى ذلك (١). واعلم أن موضع الحشر: هو الأرض بالكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ [النازعات: ١٣، ١٤] أي: على ظهر الأرض والعربُ تسمى الفلاة وظهر الأرض ساهرة؛ لأن فيها نوم الحيوان وسَهره قال ابن عباس، والحسن وعكرمة: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾، أي: على الأرض. وقال رسول الله ﷺ : "يحُشر الناس يومَ القيامة، على أرضِ بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس فيها عَلَمٌ لأحد" (٢)، أي: ليس فيها سكن أو

стр. 767

بناء أو أثر لأحد وقيل معناه: أنها لم توطأ قبل ذلك، والحديثُ في الصحيحين عن سهل بن سعد وعن ابن عباس ﵄ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يخطب على المنبر يقول: "إنَّكُم مُلاقوا اللهَ حفاةً عراةً غرلًا" (١)، زاد في رواية "مشاة"، وفي رواية قال قام فينا رسول الله ﷺ بموعظة، فقال: "أيها الناس إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلًا، ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: الآية ١٠٤] وإن أوّل الخلائق يُكسى إبراهيم ﵇، وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذاتَ الشمال، فأقول يا رب أصحابي فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبدُ الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾، إلى قوله ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧ - ١١٨] قال: فيقال لي: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم مذ فارقتهم"، زاد في رواية: "فأقول: سُحقًا سُحقًا" رواه الشيخان (٢). ورواه الترمذي والنسائي بنحوه، قال الحافظُ المنذريّ: الغُرْلُ: بضَم الغين المعجمة وإسكان الراء جَمع أغرل الأقلف. وأخرج الشيخان عَن عائشة ﵂ مرفوعًا، يحُشَرُ الناسُ حفاة عُراةً غرلًا فقالت عائشة: فقلتُ الرجالُ والنساءُ جميعًا ينظرُ إلى بعض؟ قال الأمر أشد من أن يهمّهم ذلك، وفي لفظ: من

стр. 768

أن ينظرَ بَعضُهم إلى بعض (١). وأخرج الطبراني في الأوسط بإسناد صحيح عن أم سلمة ﵂ قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "يحشر الناسُ يومَ القيامة عُراةً حفاةً" فقالت أم سلمة: فقلتُ يا رسول الله وا سوءتاهُ!! ينظرُ بعضُنا إلى بعض؟ فقال: "شُغِل الناس"، قلتُ: ما شَغلهم؟ قال: "نَشرُ الصحائف فيها مثاقيل الذر، ومثاقيل الخردل" (٢). وأخرج الطبراني بسند رجالُه ثقاتٌ عن سودةَ بنتِ زَمعة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : "يُبَعثُ الناسُ حفاةً عُراةً غُرلًا قد ألجمهُمُ العرقُ وبلَغ شحوم الآذان" (٣) فقُلتُ: يبصُر بعضُنَا بعضًا؟ فقال: شُغِلَ الناس، ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ [عبس: ٣٧]. واعلم أن الكُفار يُحشرون على وجوههم، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان: ٣٤] الآية وقال: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)﴾ [الملك: ٢٢] وعن أنسٍ ﵁ أن رجُلًا قال: يا رسول الله قال تعالى ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ الآية أيحشر الكافر على وجهه؟ قال ﷺ : "أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدُنيا قادرًا على أن يُمشِيَهُ على

стр. 769

وجهه؟ " قال قتادة حين بلغَهُ: بلى وعزة ربنا. رواه البخاري ومسلم (١). وأخرج الترمذي وحسنه عن أبي هُرَيرةَ ﵁ مرفوعًا: "يحُشرُ الناسُ يومَ القيامة ثلاثة أصنافِ: صِنفَا مُشاةً، وصِنفًا رُكبانًا، وصِنفًا على وجوههم" قيل يا رسول الله: وكَيفَ يمشونَ على وجوههم؟ قال: "إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادرٌ على أن يُمشيهم على وجوههم، أما إنهم يتقون بوجوههم كلَّ حدب وشوك" (٢)، وتقدم الكلام على هذا الحديث (٣). وأخرج البزارُ عن جابر ﵁ مرفوعًا: "يبعَثُ الله يوم القيامة ناسًا في صُور الذر، يطؤهم الناسُ بأقدامهم، فيقُال ما هؤلاء الذي في صور الذر؟ فيُقالُ: هؤلاء المتكبرون في الدنيا" (٤). وعند الترمذي والنسائي، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: "يحُشرُ المتكبرون يومَ القيامة أمثال الذرّ في صور الرجال، يغشاهم الذل من كلل مكان، يُساقونَ إلى سجن في جهنَّمَ يُقالُ له: بولس تعلوهم نارُ الأنيار يُسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال" قال الترمذي: حديث حسن (٥).

стр. 770

ورواه الإمام أحمد في "الزهد" عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ بلفظ: "يجُاء بالجبارين والمتكبرين يومَ القيامة رجال في صورة الذر، تطأهم الناسُ من هوانهم على الله، حتى يقضي بين الناس، قال: ثنَم يُذهَبُ بهم إلى نار الأنيار"، قال قيل يا رسول الله: وما نار الأنيار؟ قال: "عُصارة أهل النار" (١)، ورواه صاحبُ الترغيب والترهيب. وأخرج مسلم (٢) عن ابن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ ، قال: "لا يَدخُل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر"، فقال رجل هو مالك بن الرهاوي: إنَّ الرَجُل يحب أن يكونَ ثوبُه حسنًا ونعلُه حسنًا فقال: "إن اللهَ جميلٌ يحبُ الجمال الكبر بَطَر الحق وغمط الناس" هذا الحديث وإن كان خارجًا عن الباب، إلاَّ أن له مناسبة ظاهرة؛ لأنه في مَعرض النهي عن التكبر؛ ولهذا بَطل تأويل من زعم أن المرادَ بالكبر هنا: الكبرُ عن الإيمان أو أنه إذا ماتَ لا يكونُ في قلبه كبرٌ حين دُخوله الجنة، بل المرادُ بالكبر هو الارتفاع عن الناس، واحتقارهم. ويُجابُ عن مفهوم الحديث بما ذكره القاضي عياض، وغيره من المحققين: أنه لا يدخل الجنة دُونَ مجازاة، أو لا يدخُلُها مع أوّل الداخلين (٣) (٤). وأما قوله ﷺ : "إن اللهَ جميلٌ يحُبُ الجمال" قيلَ جميلُ هنا بمعنى مُجمل ككريم وسميع بمعنى مُكرِم ومُسمع.

стр. 771

وقال القشيري: معناه جليل، وقيل معناه ذو النور والبهجة أي مالكها وقيل: جميل الأفعال بكم والنظر إليكم يكلفكم اليسير، ويُعين عليه، ويثيب عليه الجزيل، ويعفو عن الكثير. وقال النووي: هذا الاسم ورد في هذا الحديث الصحيح. وورَد أيضا في حديث الأسماء وقي إسناده مقال، والمختار جَواز إطلاقه على الله سبحانه، ومن العلماء من منعه وهذا المنع ممنوع. قال العلماء: ما وردَ الشرع بإطلاقه فى أسمائه تعالى وصفاته أطلقناه، وما منع الشرع منعناه، وما لم يَرد فيْه إذن ولا منع لم يقض فيه بحكم، ذكر نحو هذا إمام الحرمين الجويني، ثم قال ولا يُشترطُ في جواز الإطلاق، ورود ما يقطع به في الشرع ولكن: ما يقتضي العمل به (١). وأطال في لأحياة الحيوان". والله أعلم.

стр. 772

فصل واعلم أن العبد يُبعث على ما ماتَ عليه ففي صحيح مسلم عن جابر ﵁ مرفوعًا: "يبعثُ كُل عبدِ على ما مات عليه" (١). وعن أبي سعيد الخدري ﵁: "أنه لما احتضر دعا بثياب جدد يلبَسُها" ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الميت يُبعَثَ في ثيابه التي يموتُ فيها". رواه أبو داود والحاكم وصححه (٢)، وأخرج ابن أبي الدنيا بسند حسن عن معاذ بن جبل ﵁، أنه دَفَنَ أمه في ثياب جُدد وقال: حسنوا أكفان موتاكم؛ فإنهم يُحشرون فيها (٣). وعن عمر بن الخطاب ﵁ نحوه. قال القرطبي: هذه الأحاديث معارضة لحديث الحشر عراة، فبعضهُم قال بظاهره، والأكثر حملوها على الشهيد الذي أمر أن يُدفن بثيابه التي قتل فيها وأن أبا سعيد سمع الحديث في الشهيد، فحمله على العموم (٤). وقال البيهقي: يجمع بأنَ بعضَهُم يُحشر عاريا، وبَعضَهُم بثيابه، أو يخرجون من قبورهم بثيابهم التي ماتوا فيها، ثم تتناثر عنهم عند ابتداء الحشر.

стр. 773

وقال الحافظ المنذري في "الترغيب والترهيب": قد قال كُلُّ من وقفتُ على كلامه من أهل اللغة: أن المرادُ بقوله: يبعث في ثيابه التي مات فيها أيّ: في أعماله. قال الهروي: وهذا كحديثه الآخر يبعث العبدُ على ما مات عليه، قال: وليسَ قول من ذهب إلى الأكفان بشيء لأن الميّتَ إنما يكفَّن بعدَ الموت. انتهى (١). وأخرج الشيخان: أن شاربَ الخمر يُبعثُ والكوز مُعَلَّقٌ في عنقه، والقدح بيده، وهو أنتنُ من كل جيفةَ على الأرض، يلعنهُ كل من يَمرُّ به من الخلق (٢). وفي الصحيح "المقتول في سبيل الله، يأتي يومَ القيامة وجرحه يَشخُبُ دمًا اللونُ لونُ دم، والريحُ ريحُ المسك" (٣). وعن ابن عمر يرفعه "ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة عند الموت، ولا في قبورهم ولا في منشرهم، كأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رؤوسهم، وهم يقولون: الحمدُ لله الذي أذهبَ عنَّا الحزن" (٤). وذكر الفخر في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ [مريم: ٨٥] عن على كرم الله وجهه قال: والذي نفسى بيده إن المتقين إذا خَرجوا من قبورهم استُقبِلوا بنوق

стр. 774

بيض، لها أجنحة عليها رِحالُ الذهب (١). والوفد: القوم الركبان يفدون على الملك. والسوقُ: القوم يساقون على أرجلهم. وقال ابن عباس: يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا قال: ركبانا، ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا قال: عطاشا. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وأبو يعلى وابن حِبّان مرفوعًا: "يبعثُ الله يومَ القيامة قومًا من قبورهم تأجَّجُ أفواههم نارًا" فقيل من هم يا رسول الله؟ قال: "الم تر أن الله يقولُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] (٢). وأخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "ما من أمير عشرة إلا أتى يوم القيامة مغلولا، لا يفكُّه من ذلك الغل إلا العدل" (٣). وأخرج أبو يعلى والطبراني بسند صحيح، عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: "من سئل عن علم فكتمه جاء يوم القيامة ملجمًا بلجام من نار (ومن قال في القرآن بغير ما يعلم جاء يوم القيامة ملجمًا بلجام من نار) (٤) (٥)، وفي الجملة فالناس مُختلفونَ فكُلٌ يُحشر على

стр. 775

حالة بحسب عمله. وروى محمد بن نصر المروزي (١) بإسناده عن أبي هُريَرةَ ﵁، قال: يُحشرُ الناسُ يومَ القيامة على قدر صنيعهم في الصلاة، وفَسَّرهُ بعضُ رُواته بقبض ثِهاله بيمينه، والانحناء هكذا وبإسناده عن أبي صاع السمّان قال: يبُعَثُ الناس يومَ القيامة هكذا. ووضع إحدى يديه على الأخرى، نقله ابن رجَب في كتابه "الذل والانكسار" (٢) والله الموفق.
следующие страницы →