← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 132973

البحور الزاخرة في علوم الآخرة

السفاريني

Полный текст (1 621 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وقال القشيري: معناه جليل، وقيل معناه ذو النور والبهجة أي مالكها وقيل: جميل الأفعال بكم والنظر إليكم يكلفكم اليسير، ويُعين عليه، ويثيب عليه الجزيل، ويعفو عن الكثير. وقال النووي: هذا الاسم ورد في هذا الحديث الصحيح. وورَد أيضا في حديث الأسماء وقي إسناده مقال، والمختار جَواز إطلاقه على الله سبحانه، ومن العلماء من منعه وهذا المنع ممنوع. قال العلماء: ما وردَ الشرع بإطلاقه فى أسمائه تعالى وصفاته أطلقناه، وما منع الشرع منعناه، وما لم يَرد فيْه إذن ولا منع لم يقض فيه بحكم، ذكر نحو هذا إمام الحرمين الجويني، ثم قال ولا يُشترطُ في جواز الإطلاق، ورود ما يقطع به في الشرع ولكن: ما يقتضي العمل به (١). وأطال في لأحياة الحيوان". والله أعلم.

стр. 772

فصل واعلم أن العبد يُبعث على ما ماتَ عليه ففي صحيح مسلم عن جابر ﵁ مرفوعًا: "يبعثُ كُل عبدِ على ما مات عليه" (١). وعن أبي سعيد الخدري ﵁: "أنه لما احتضر دعا بثياب جدد يلبَسُها" ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الميت يُبعَثَ في ثيابه التي يموتُ فيها". رواه أبو داود والحاكم وصححه (٢)، وأخرج ابن أبي الدنيا بسند حسن عن معاذ بن جبل ﵁، أنه دَفَنَ أمه في ثياب جُدد وقال: حسنوا أكفان موتاكم؛ فإنهم يُحشرون فيها (٣). وعن عمر بن الخطاب ﵁ نحوه. قال القرطبي: هذه الأحاديث معارضة لحديث الحشر عراة، فبعضهُم قال بظاهره، والأكثر حملوها على الشهيد الذي أمر أن يُدفن بثيابه التي قتل فيها وأن أبا سعيد سمع الحديث في الشهيد، فحمله على العموم (٤). وقال البيهقي: يجمع بأنَ بعضَهُم يُحشر عاريا، وبَعضَهُم بثيابه، أو يخرجون من قبورهم بثيابهم التي ماتوا فيها، ثم تتناثر عنهم عند ابتداء الحشر.

стр. 773

وقال الحافظ المنذري في "الترغيب والترهيب": قد قال كُلُّ من وقفتُ على كلامه من أهل اللغة: أن المرادُ بقوله: يبعث في ثيابه التي مات فيها أيّ: في أعماله. قال الهروي: وهذا كحديثه الآخر يبعث العبدُ على ما مات عليه، قال: وليسَ قول من ذهب إلى الأكفان بشيء لأن الميّتَ إنما يكفَّن بعدَ الموت. انتهى (١). وأخرج الشيخان: أن شاربَ الخمر يُبعثُ والكوز مُعَلَّقٌ في عنقه، والقدح بيده، وهو أنتنُ من كل جيفةَ على الأرض، يلعنهُ كل من يَمرُّ به من الخلق (٢). وفي الصحيح "المقتول في سبيل الله، يأتي يومَ القيامة وجرحه يَشخُبُ دمًا اللونُ لونُ دم، والريحُ ريحُ المسك" (٣). وعن ابن عمر يرفعه "ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة عند الموت، ولا في قبورهم ولا في منشرهم، كأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رؤوسهم، وهم يقولون: الحمدُ لله الذي أذهبَ عنَّا الحزن" (٤). وذكر الفخر في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ [مريم: ٨٥] عن على كرم الله وجهه قال: والذي نفسى بيده إن المتقين إذا خَرجوا من قبورهم استُقبِلوا بنوق

стр. 774

بيض، لها أجنحة عليها رِحالُ الذهب (١). والوفد: القوم الركبان يفدون على الملك. والسوقُ: القوم يساقون على أرجلهم. وقال ابن عباس: يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا قال: ركبانا، ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا قال: عطاشا. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وأبو يعلى وابن حِبّان مرفوعًا: "يبعثُ الله يومَ القيامة قومًا من قبورهم تأجَّجُ أفواههم نارًا" فقيل من هم يا رسول الله؟ قال: "الم تر أن الله يقولُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] (٢). وأخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "ما من أمير عشرة إلا أتى يوم القيامة مغلولا، لا يفكُّه من ذلك الغل إلا العدل" (٣). وأخرج أبو يعلى والطبراني بسند صحيح، عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: "من سئل عن علم فكتمه جاء يوم القيامة ملجمًا بلجام من نار (ومن قال في القرآن بغير ما يعلم جاء يوم القيامة ملجمًا بلجام من نار) (٤) (٥)، وفي الجملة فالناس مُختلفونَ فكُلٌ يُحشر على

стр. 775

حالة بحسب عمله. وروى محمد بن نصر المروزي (١) بإسناده عن أبي هُريَرةَ ﵁، قال: يُحشرُ الناسُ يومَ القيامة على قدر صنيعهم في الصلاة، وفَسَّرهُ بعضُ رُواته بقبض ثِهاله بيمينه، والانحناء هكذا وبإسناده عن أبي صاع السمّان قال: يبُعَثُ الناس يومَ القيامة هكذا. ووضع إحدى يديه على الأخرى، نقله ابن رجَب في كتابه "الذل والانكسار" (٢) والله الموفق.

стр. 776

البابُ الثالث في الوقوف في المحشر، في شدة ما يلقاهُ الناس من الأهوال في تلك الحال قال الله : ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧] وقال: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الأنعام: ١٢] وقال: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨)﴾ [النبأ: ١٨] أي زمرا زمرا. قال أبو هريرة: إن الله تعالى يحشر الخلق كلهم من دابة وطائر وإنسان (١)، وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير: ٥] يُحشَرُ كل شيء حتى الذُّباب ليحشر (٢). قال العلامة: والحاصلُ أن اللهَ تعالى يجمعُ في ذلك اليوم الأولين والآخرين، حتى لا يدري الشخصُ أين يضع قدمه؟ لشدة الزحام، وفي "تفسير" (٣) مكي: يحشر افاس يومَ القيامة على أرضٍ قد مدَّها اللهُ تعالى مدّ الأديم العكاظي، فهم في ضيق مقامهم فيها كضيق سهام اجتمعت في كنانتها، فالسعيدُ يومئذ من يجدُ لقدمه مقامًا قال: وأكثرُ الأقدام يومئذ بعضها على بعض.

стр. 777

لطيفة ذكر أبو نعيم الحافظ بإسناده عن وهْب بن منبه، قال: إذا قامتِ القيامة (١) صرخت الحجارةُ صراخَ النساء وقطرت العصاة دمًا (٢). فائدة: اختلف العلماء في تسمية يوم البعث والحشر يوم القيامة، على أربعة أقوال. الأول: لوجود أمور المحشر والوقوف ونحوهما فيه. الثاني: لقيام الخلق كلهم من قبورهم إليها قال تعالى ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا﴾ [المعارج: ٤٣]. الثالث: لقيام الناس لرب العالمين، كما روى مسلم (٣) عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين: ٦] قال: يقوم أحدهم في رشحه إلى نصف أذنيه، قال ابن عمر: يقومون مائة سنة، ويروى عن كعب (٤): يقومون ثلاثمائة سنة. الرابع لقيام الروح والملائكة صفًا قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨] قال العُلماءُ رحمهم الله تعالى: اعلم أن كل ميّت مات، فقد قامت قيامته، لكنها قيامة صُغرى.

стр. 778

قال القرطبي: القيامة قيامتان: صُغرى وكُبرى فالصغرى ما تقوم على كُل إنسان في خاصته من خروج روحه، وانقطاع سَعْيه وحُصوله على عمله، والكُبرى: هي التي تعُم الناسَ وتأخُذهُم أخذة واحدة. قال: والدليل على أن كل من مات فقد قامت قيامته، قول المعصوم ﷺ ، لقوم من الأعراب سألوه عن الساعة، فنظر إلى أحدث إنسان فقال: "إن يعيش هذا حتى يُدركه الهرم، قامت عليكم ساعتكم" خرّجه مُسلم (١) وغيره وقال الشاعر: خرجتُ من الدنيا وقامتْ قيامتي ... غداةَ أقَلَّ الحاملونَ جنازتي وعجل أهلي حفر قبري وصيّروا ... خُروجي وتعجيلي إليه كرامتي (كأنهم قَطُّ لم يعرفوا سيرتي) (٢) ... غداة أتى يومي عليّ وساعتي تنبيه: اختلف العلماء رحمهم الله تعالى، في مقدار مدة الوقوف بالمحشر وذلك لورود الآثار في ذلك، تقدم قول ابن عُمر وكعب ﵃، وقال مكي في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين: ٦] رُوِيَ أن الناس (٣) يقومون حتى يُلجمهم العرق، فيقومون مقدار أربعين عامًا. وأخرجه البيهقي من حديث أبي هُريرة. وقال ابن مسعود (٤): يمكثون أربعين سنةً رافعين رؤوسهم إلى

стр. 779

السماء لا يُكلمهم أحد، قد ألجمَهُم العَرقُ كُلَ بر وفاجر، قال فيُنادِي منادٍ: أليسَ عدلاً من ربكيم أنه خلقكم، ثم صوركم، ثم رزقكم، ثم توليتم غيره، إن يولى كل عبد منكم ما تولى في الدنيا فحقولون بلى، وعن أبي هُريرة ﵁ يقومون عاما وقيل مقداره ألف سنة (١). أخرجَ الطبراني أن ابن عمر ﵄، سال النبي ﷺ ، عن ذلك فقال له: "أما مقام الناس بين يدي رب العالمين، فألف سنة، لا يؤذن لهم" (٢). وأخرج البيهقي عنه مرفوعًا: "يمكثون ألف عام في الظلمة، يومَ القيامة، لا يكلمون" (٣)، وقيل مقدارُهُ خمسون ألف سنة. أخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عمرو ﵄ قال. تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين: الآية ٦] قال: "كيفَ بكم إذا جَمعكمُ الله كما يُجمعُ النبل في الكنانة، خمسين ألفَ سنة، لا ينظر إليكم" (٤).

стр. 780

وأخرج الإمام أحمد وأبو يعلى، وابن حبان، والبيهقي بسند حسن عن أبي سعيد الخُدري ﵁، قال: سُئِل رسول الله ﷺ ، ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] ما طول هذا اليوم؟ فقال: "والذي نفسي بيده: إنَّه ليخفف على المؤمن حتى يكون أهون عليه من الصَّلاة المكتوبة، يُصليها في الدُنيا" (١). وابن أبي حاتم عن أبي هريرة ﵁، ما قدرُ طول يوم القيامة على المؤمن إلا كقدر ما بين الظُهر إلى العصر (٢). وأخرجَ ابن المبارك والطبراني وابنُ حبانَ عن ابن [عُمرو] ﵄ مرفوعًا قال: يجُمعون يومَ القيامة، فيقالُ أين فقراء هذه الأُمة ومساكينها؟ فيقومون فيقال لهم: ماذا عملتم؟ فيقولون: رَبَّنا ابتليتنا فصبَرْنا ووليت الأموال والسلطان غيرَنا، فيقول الله صَدَقتم، فيدخُلون الجنَّة قبل الأغنياء بزمن، وتبقى شدة الحساب على ذوي الأموال والسلطان، قالوا: فأين المؤمنون يومئذ قال: يوضَعُ لهم كراسي من نور ويظلَّلُ عليهم بالغَمام، ويكون ذلك، ليوم أقصر على المؤمنين، من ساعة من نهار (٣).

стр. 781

فتحصّل لنا سِتَّةُ أقوال في المسألة: أربعون عاما، أو سبعون، أو ألف، أو خمسون ألفًا، أو مائة عام، أو ثلاثمائة، والظاهرُ أن ذلك يختلفُ باختلاف الأشخاص على حسب الأعمال، بدليل كونه على المؤمن أخفُّ من الصلاة المكتوبة، واللهُ أعلم. لطيفة . سُئل ابن عباس (١) ﵄ عن يوم القيامة، أمن الدّنيا هُو أم من الآخرة قال: صَدْر ذلك اليوم من الدنيا، وآخره من الآخرة، والله الموفّق. وأخرج ابن المبارك عن كعب قال: لو أنّ رَجُلًا كان له مثل عمل سبعين نبيًا لخشي أن لا ينجو من ذلك اليوم (٢). وأخرج الإمام أحمد عن عتبة بن عبد قال: قال رسول الله ﷺ : "لو أن رجُلًا يجُرُ على وجهِه من يوم ولد إلى يوم يموت، هرمًا في مرضاة الله تعالى، لحقَرَّهُ يومَ القيامة" (٣). وأخرج البيهقي عن قتادة في قوله ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] قال تشخصُ فيه فلا ترد إليهم ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ عامدين إليه ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ

стр. 782

وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣)﴾ [إبراهيم: ٤٣] قال: انتزُعت قلوبُهم حتى صارت في حناجرهم، لا تخرج من أفواههم، ولا ترجع إلى أماكنها، وأخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "يَعْرقُ الناس يوم القيامة، حتى يذهبَ عرقُهم في الأرض سبعين ذِراعًا ويلجمهم حتَّى يبلغَ آذانهم"، وفي بعض ألفاظ الصحيح: "سبعين باعا" (١). وأخرج مسلمٌ (٢) عن المقداد ﵁، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ ، يقول: "إذا كانَ يومُ القيامة أدنيت الشمسُ من العباد، حتى تكونَ قيدَ ميل أو ميلين، قال فتصهرهُم الشمس فيكونون في العرق، كقدر أعمالهم منهم، منْ يأخذه إلى عقبيه، ومنهم من يأخذه إلى حقويه، ومن يُلجمه إلجاما". وفي رواية له "تُدَنَّى الشمس يومَ القيامة من الخلق، حتى تكونَ منهم كمقدارِ ميل" قال سُلَيمُ بنُ عامر: واللهِ ما أدري ما يُعنَى بالميل مسافة الأرض؟ أو الميل الذي تكحل به العين؟ قال: "فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهمُ من يكونُ إلى كعبَيهِ، ومنهم من يكونُ إلى ركبتيه، ومنهم من يكونُ إلى حقويه، ومنهم من يُلجمُه العرقُ إلجامًا" وأشارَ رسول الله ﷺ إلى فيه. وأخرج الإمام أحمد والطبراني وابن حبّان في صحيحه،

стр. 783

والحاكم، وقال صحيح الإسناد عن عقبة بن عامر ﵁ قال: حمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "تدنو الشمسُ من الأرضِ، فيعرقُ الناس، فمن الناس من يبلغُ عرقَه عقبيه، ومنهم من يبلُغ نِصفَ الساق، ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه، ومنهم مَن يبلغُ إلى العجز، ومنهم من يَبلغُ الخاصِرة، ومنهم من يبلغُ منكبيه، ومنهم من يبلغ عنقه، ومنهم من يبلغ وسط فيه، وأشار بيده ألجَمَها فَاه"، رأيتُ رسول الله ﷺ يُشير هكذا، "ومنهم من يُغطيه عرقه"، وضَرَب بيده وأشار وأمرَّ يده فوقَ رأسه مِنْ غير أن يُصيبَ الرأسَ دوَّرَ راحتهُ يمينًا وشمالاً (١). وقال ابن مسعود ﵁: الأرض كُلُّها نارٌ يومَ القِيامة والجنَّةُ من ورائها كواعِبُها وأكوابُها، والذي نَفْسُ عبدَ الله بيده، إنَّ الرجلَ ليفيضُ عرقا، حتَّى يَسيحَ في الأرض قامته ثم يرتفعَ حتى يبلغَ أنَفَه، وما مسَّهُ الحساب، قالوا: مما ذاك يا أبا عبد الرحمن قال: مما يَرى النَّاس. رواه الطبراني بإسنادٍ جيد قوي (٢). وعنه مرفوعًا "إنَّ الرجل ليلجمه العرق يومَ القيامة فيقول: يا رب أرحني ولو إلى النَّار" رواه الطبراني في الكبير بإسنادٍ جيد وأبو يعلى وابن حبان بلفظ: "إنَّ الكافرَ ليلجمه العرق" (٣) الحديث.

стр. 784

والحاكم عن جابر وصححه بلفظ: "إنَّ العرق ليلزم المرء في الموقف حَتَّى يقول: يا ربِّ إرسالك ب إلى النَّارِ أهون مما أجد وهو يعلم ما فيها من شدةِ العذاب" (١). وعن أبي هُريرةَ ﵁ مرفوعًا: "يومَ يقومُ النَّاسُ لربِّ العالمينَ مقدارُ نصفِ يومٍ مِنْ خمسِينَ ألفَ سنةِ فيهونُ ذلك على المؤمنِ كتدلِّي الشمسِ للغروبِ إلى أن تغربَ" (٢) رواه أبو يعلى بإسناد صحيح، وابنُ حبان في صحيحه. قُلتُ: وهو سابعُ الأقوالِ لأنَّه أفادَ أنَّ مدّةَ الوقوفِ نصفُ يومٍ من خمسين ألف سنة فيكون مقدارُ الوقوفِ خمس وعشرين ألف سنة والله أعلم. فائدة قال الحافظ المنذري ﵀: قد صَحَّ أنَّ الفقراء يدخلون الجنَّة قبلَ الأغنياءِ بخمسمائة عام انتهى (٣). فيكونون قد سلموا من تلك الأهوالِ الشَّديدة، والأحوال المكيدةِ، وفي ذلك مزية للفقر وأهلِه، ففي مسندِ الإمامِ أحمد عن أسامة بنِ زيد ﵄، عن النبي ﷺ قال: "قمتُ عَلىَ بابِ الجنةِ فإذا عامَّةُ من يَدخلهَا الفقراءِ إلا أنَّ أصحابَ الجدِّ أي: الحظِّ والثروةِ والمَالِ محبُوسونَ إلا أهلَ النَّارِ فقد أُمِرَ

стр. 785

بِهَمَ إلى النَّار" الحديث متفق عليه (١). وأخرجَ مسلمٌ عن عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي ﷺ أنَّه قال: "إن فُقراءَ المهَاجرينَ يسبقونَ الأغنياءَ إلى الجنَّةِ بأربعينَ خريفًا" (٢) وروى أبو هريرة، عن النَّبي ﷺ قال: "يدخلُ فقراءُ المؤمنينَ الجنةَ قبلَ أغنيائهمْ بخمسمائةِ عام"، وقال ﷺ : "الفقرُ أزينُ بالمؤمنِ مِن العُذَارِ الحَسَنِ عَلىَ خَذ الفرسِ" (٣)، وقال ﷺ : "مَا من ذِي غنًى إلّا سيودُ يومَ القيامةِ لو كانَ إنَّما أوتيَ قُوتًا" (٤)، وقال ﷺ : "يُؤتى بالعبدِ يومَ القيامةِ فيعتذرُ الله كَمَا يعتذرُ الرجلُ إلى الرجل في الدُّنيا، فيقول: وعزتي وجلالي ما زَوَيتُ الدُّنيا عنك لهوانِكَ عليَّ ولكن لمِا أعدَدْتُ لَكَ من الكرامةِ، اخرجْ يا عبدِي إلى هذه الصُّفوفِ فمن أطعَمكَ، أو كساكَ يريدُ بذلك وجهي فخُذ بيدهِ فهُوُ لَكَ". ذكر ذلك جميعَه الإمامُ ابن الجوزي في "التبصرة". [وقال فيها: قيل لموسى ﵇: إذا رأيت الفقر مقبلًا فقل: مرحبًا شعار الصالحين] (٥).

стр. 786

وأخرج ابن أبي الدُّنيا، والطبراني من طرقٍ أحدها صحيح واللفظ له، والحاكم، وقال صحيح الإسنادِ عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: "يجمعُ الله الأوّلينَ، والآخرين لميقَاتِ يومٍ معلوم قيامًا أربعينَ سنة، شاخصة أبصارهم ينتظرون فصل القضاء .. " قال: "وينزل " أي: نزولًا يليق بذاته المقدسة عن الشبيه، والمثيل. فمذهبُ أهل الحق التسليمُ بما أخبرَ، لا كما يخطر للبشر، ومرور نحو هذا كما جاء من غيرِ تشبيه، ولا تعطيل، ولا تأويل، ولا تمثيل. كما قال شيخُ الإسلامِ قدَّسَ الله رُوحَه: إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل فالمشبه يعبد صنمًا، والمعطل يعبد عدمًا. انتهى. ... في ظللٍ من الغمام من العرش إلى الكرسي، ثم ينادي منادياً أيها الناس ألم ترضوا من ربكم الذي خلقكم، ورزقكم، وأمركم أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئا أنْ يولي كل أُناسٍ منكم ما كانوا يعبدون في الدنيا أليس ذلك عدلًا من ربكم؟ قالوا: بلى، فينطلق كلُّ قوم إلى ما كانوا يعبدون، ويتولون في الدنيا قال: فينطلقون، وبمثل لهم أشباه ما كانوا يعبدون فمنهم من ينطلق إلى الشمس، ومنهم من ينطلق إلى القمر، والأوثان مِن الحجارة، وأشباه ما كانوا يعبدون. قال: ويمثل لمن كان يعبد عيسى شيطانٌ، ولمن كان يعبد عزيرا شيطانٌ، ويبقى محمد ﷺ وأمّته فيتمثل لهم الربُّ ﵎ فيأتيهم فيقول: ما لكم لا تنطلقون كلما انْطلق النَّاس؟ قال: فيقُولون: إنّ لنا إلها ما رأيناه فيقول: هل تعرفونه إن رأيتموه؟ فيقولون: إن بيننا وبينه علامة إذا رأيناها عرفناه قال: فيقول: ما هي؟ فيقولون:

стр. 787

يكشف عَن سَاقه، فعند ذلك يكشف عن ساقه، فيخر كل من كانَ يسجد للهِ في الدُّنيا، ويبقى قومٌ ظهورهم كصياصي أي: قرون البقرِ يريدونَ السجودَ فلا يستطيعون، وقد كانوا يُدعُون إلى السجودِ وهم سَالمون، ثم يقول: أرفعوا رءوسكم، فيرفعون رءوسهم فيعطيهم نورهم على قدر أعمالهم" الحديث (١). وأخرجَ الإمامُ أحمد، والطبراني بسند جيد عن أنسٍ ﵁، عن النبي ﷺ أنَّه قال: "لمْ يلق ابن آدمَ شيئًا مُنذ خَلقهُ الله أشد عليه من الموتِ، ثم إنَّ الموت أهونُ عليهِ ممّا بعده وإنّهم ليلقون من هولِ ذلك اليوم شدة حَتَّى يلجمهم العرق حَتَّى إنَّ السفنَ لو أجريت فيه لجرت" (٢). وأخرَجَ الشيخان عن أبي هريرة ﵁، عن النّبي ﷺ أنَّه قال: "سَبعة يظلهم الله في ظله يَوم لا ظَل إلا ظله إمام عادل، وشاب نشا في عبادةِ الله، ورجل قلبه مُعَلقٌ بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك، وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجَمال فقال: إنّي أخافُ الله، ورجل تصَدق بِصَدَقَةٍ فأخفاها حَتَّى لا تعلم

стр. 788

شمالُه ما أنفقت يمينه، ورجل ذكرَ اللهَ خَاليًا ففاضت عيناه" (١). وقد نظم بعضهم هذا وأحسنَ فقال: رَوينا حديثًا في الصحيحينِ سَبْعَةٌ ... يُظِلّهم المْولى بخيرِ ظلالِ إمامٌ له عدل وَمَنْ في عبادة ... نشأ بالتُّقَى للهِ لا بضلالِ وَمَن قلبُه يهوَى المساجدَ دائمًا ... تَعَلُّقُه فيها بغير زوالِ وشخصانِ في اللهِ الكريمِ تَحاببا ... بحالِ افتراق منهما ووصالِ ومتصدقٌ أخفى التصدقَ لم يكن ... بما أنفَقَتْ يمناهُ علم شمالِ وإنّي أخافُ اللهَ من قال عندما ... دعتْ ذات مالٍ منصب وجمال ومن ذكر الربَّ المهيمن خَاليًا ... ففاضت به عيناه خوفَ نكمال فأكرم بهم مِنْ سبعة طيب الثنا ... وأكرم بهم في القومِ سبع خصال (٢) وأخرجَ الإمام أحمد، والحاكم عن سهل بن حنيف مرفوعًا: "مَنْ أعانَ مجاهدًا في سبيل الله، أو غارمًا في عسرته، أو مكاتبًا في رقبته أظلَّه الله يومَ لا ظل إلا ظله" (٣). وأخرج الطبراني عن جابرٍ ﵁، عن النبي ﷺ : "مَن أطْعم الجائعَ حَتَّى يشبع أظله الله ﷺ ظلِ

стр. 789

عرشهِ" (١) وفي الحديث: "من أنظر معسرًا أظله الله يومَ القيامة" (٢). أو كما قال، وفي حديث جابر عند الطبراني مرفوعًا: "من كفل يتيمًا، أو أرملة أظلّه اللهُ في ظله يوم القيامة" (٣). وأخرج الطبراني، وابنُ عدي، والأصبهاني عن أبي هريرةَ مرفوعًا: "أوحى اللهُ إلى إبراهيم الخليل ﵇: يا خلِيلي حَسُنَ خُلُقَكَ ولو مع الكفارِ تَدْخُلْ منازِلَ الأبرارِ، وإنّ كلمتي سبقتْ لمن حَسُنَ خُلُقُهُ أن أُظِلَّه تحت عرشي، وأن أسقيه من حظيرةِ قدسي وأدنيه في جَوَارِي" (٤). وأخرجَ الإمامُ أحمد، والبيهقي عن عائشةَ ﵂ مرفوعًا: "أتدرون مَن السَّابِقُون إلى ظلِّ الله يومَ القيامة؟ الَذينَ إذا أعطوا الحق قبلوه، ويحكمون للنَّاس حكمهم لأنفسهم" (٥). وفي الحديث: "الحزين يعني: في الدنيا في ظل الله" (٦) قُلْتُ والمراد الحزين من أجل الله لأن قلبَه محزونٌ، ولبه خاضع لجلالِ الله،

стр. 790

وعظمته، وأما المحزون على الدُّنيا فهو ساخطٌ على الله لأنّه غيرُ راضٍ بما قسم له فنسأل الله أن يرضينا بقضائه فإنّ العبدَ ليس له حيلة في دفعِ القضاء إلا التسليم والرضى ولي في المعنى ما لي على مُرِّ القَضَا ... من حَيلَةٍ غَيرُ الرِّضَا أنا في الهوى عبدٌ وما ... للعبدِ أنْ يتعرضا فنسأل الله الرِّضاء بالقضاء. وفي الحديث: "ثلاثة في ظلّ العرشِ: واصل الرحم يزيدُ الله في رزقه، ويمد في أجله، وامرأة مات زوجها وترك عليها أيتامّا صغارًا فقالت: لا أتزوج أقيم على أيتامي حَتى يموتوا، أو يغنيهم، وعبد صَنع طعامًا فأضاف ضيفه، وأحسن نفقته فدعا عليه اليتيم، والمسكين فأطعمه" (١). وأخرج الطبراني، والدّيلمي عن أبي أمامةَ ﵁ مرفوعًا: "ثلاثة في ظلَّ اللهِ يومَ القيامة رجل حيث توجه علم أنَّ الله تعالى [معه] (٢)، ورجل دعته امرأة إلى نفسِها فتركها مِنْ خشيةِ الله، ورجل يحب الناس لجلالِ الله" (٣). وأخرج الديلمي عن عليّ كرّم اللهُ وجهه مرفوعًا: "حَمَلَةُ القُرْآنِ في ظلّ اللهِ يومَ لا ظلَّ إلاّ ظِلُّه مع أنبيائه وأصفيائه" (٤).

стр. 791

وأخرج الأصبهاني، والديلمي عن أنس مرفوعًا: "التاجر الصدوق تحت ظلِّ العرشِ يومَ القيامة" (١) والديلمي، وابن شاهين، عن عمرَ ابن الخطاب ﵁ مرفوعًا: "يصيح صائح يومَ القيامة أينَ الذين عادوا المرضى في الدنيا؟ فيجلسون على منابر من نور يحُدثون الله والنَّاس في الحساب" (٢). والطبراني عن أبي أمامةَ مرفوعًا: "بشر المدلجين في الظلم بمنابر من نورٍ يومَ القيامة يفزع النّاسُ ولا يفزعون" (٣). ومسلم عن ابن عمرَ مرفوعًا: "إنّ المقسطينَ عند اللهِ يوم القيامة على منابر من نورٍ عن يمينِ العرشِ هم الذين يعدلون في حكمهم، وأهلهم، وما وَلُوا" (٤) وعنده عن أبي هريرةَ مرفوعًا: "يقول اللهُ يومَ القيامة أينَ المْتحابونَ لجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يومَ لا ظلَّ إلا ظلي" (٥).

стр. 792

والإمام أحمد، وابن حبان، والترمذي عن معاذ بن جبل ﵁ مرفوعًا: "المتحابونَ في الله على منابر من نور في ظل العرش يوم لا ظلّ إلا ظلّه يغبطهم بمكانِهم النَّبيون، والشُّهداء" (١). وفي مرفوع ابن عمر: "إذا كانَ يوم القيامة وضعت منابر من نورِ عليها قباب مِن در، ثمّ ينادي منادٍ أين الفقهاء؟ وأينَ الأئمة، والمؤذنون؟ اجلسوا على هذه فلا روعَ عليكم، ولا خوفَ حَتَّى يفرغ الله فيما بينه وبين العبادِ من الحساب" (٢). وأخرج الطبراني، وأبو نعيم عن ابن عمر مرفوعًا: "إنّ لله عبادًا اختصهم لقضاء حَوائج الناس، وآلى اللهُ على نفسه أنْ لا يعذبهم بالنَّار، فإذا كان يوم القيامة أجلسوا على منابر منْ نورٍ يحادثون اللهَ، والنَّاس في الحسابِ (٣). تنبيه: قال صاحبُ "مطامح الأفهام" إِظْلاَلُ اللهِ لهم عبارةٌ عن أنَّه سبحانَهُ يقيهم أهوالَ المحشر، ويعصمهم من حَير الشّمسِ

стр. 793

حينئذ، ويحميهم من شدة العطشِ الذي يصيبُ الخلقَ يومئذَ، والله أعلم (١).

стр. 794

فصلٌ في الشفاعة العظمى قال شيخُ الإسلام في الواسطية: وللنّبي ﷺ ثلاثُ شفاعات. أمّا الشفاعة الأولى: فيشفع في أهل المْوقفِ حَتَّى يقضي بينهم بعد أنْ يتراجع الأنبياء آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى عليهم الصلاة والسلام حتَّى تنتهي إليه ﷺ كما يأتي. والثانية: فيشفع في أهلِ الجنّة أنْ يدخلوا الجنة، فهاتان خاصتان له ﷺ . الثالثة: يشفَع فيمن استحق النَّارَ وهذه الشفاعة له ولسائر النّبيينَ، والصديقين، وغيرهم مِن عِبادِ اللهِ الصالحين، فيشفع فيمن استحق النار أنْ لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرجَ منها (١)، وبعضهم أوصلَ الشفاعات المختص بها ﷺ إلى عشر، والله أعلم. وقد مرّ مقدارُ الوقوفِ، وأنّ الشمسَ تدنو من رءوسِ الخلائقِ مقدار ميل، وما يصيبهم من العرقِ من شدة الهولِ، وعظم حر الشمس يومئذ، وقد قالَ بعضُ السلفِ: لو طلعت الشمسُ على الأرض كهيئتها يوم القيامة لأحْرقت الأرضَ، وأذابت الجوامد، ونشفت الأنهار، فإذا حصل ذلك الكربُ العظيم، والبلاء الجسيم

стр. 795

لجميع الخلقِ من إنسٍ، وجن، ووحْش، وطير، والعقول قد ذهلت، وطال مقامهم، واشتد زحامُهم، وسكبت العبرات، وذهبت الأشارات احتاجوا لشفاعةِ سيد العالمِ، وصفوةِ بني آدمَ، وهي الشفاعة الكبرى التي وعده بها أرحم الراحمينَ وهي تعم الخلائقَ أجمعين، وتنقذهم من طُول الوقوفِ، وشدةِ الحر والزحمة في تلك الصفوفِ، ومن الفزع من ذلك اليوم، والقلق، وعظم العطشِ، وكثرة العرقِ، وهي المشارُ إليها في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] قاله جماعةٌ من علماء التفسيرِ، بل زَعم الواحدي أنّه قد أجمعَ المفسرونَ على أنه مقام الشفاعة (١)، وثَمَّ نزاع طويل لسنا بصدد بيانه إذا علمت ذلك فقد أخرجَ البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرةَ ﵁ قال: أُتِيَ رسول اللهِ ﷺ بلحم، فرفعَ إليه الذّراع، وكانتْ تعجبه فنهشَ مِنها نهشةً ثمَ قَال: "أنا سيدُ النَّاسِ يومَ القيامةِ، وهل تدرونَ مِم ذاك؟ يجمع اللهُ الأولينَ، والآخرينَ في صعيدٍ واحدٍ فيبصرهم النَّاظر، ويسمعهم الدّاعي، وتَدْنو منهم الشَّمسُ فيبلغ الناس مِن الفم، والكربِ ما لا يطيقون، وما لا يحتملون. فيقول بعضُ النّاس لبعض: ألا ترون ما أنْتم فِيه، وما بلغكم؟ ألا تنْظرون إلى مَنْ يشفع لكم إلى ربِّكم؟ فيقول بعضُ الناس لبعض:

стр. 796

أبوكم آدم، فيأتُونه فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر خَلقكَ اللهُ بيده، ونفخَ فيك مِن روحِه، وأمرَ الملائكةَ فسجدوا لك، وأسْكنكَ الجنّة ألا تشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، وما بلغنا؟ فقال -وفي بعضها فيقول-: إنّ ربيِّ غضبَ اليوم غضبًا لم يغضبْ قبلَه مثله، ولنْ يغضب بعده مثله، وإنّه نهاني عن الشجرةِ، فعصيته نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح. فيأتونَ نوحًا فيقولون: يا نُوح: أنت أوّلُ الرسل إلى أهلِ الأرضِ، وقدْ سماك اللهُ عَبْدًا شكورا ألا ترى إلى ما نحن فيه ألا ترى ما بلغنا؟ ألا تشفع لنا إلى ربك؟ فيقول: إنَّ ربي غضبَ اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضبَ بعده مثله، وإنه كان لي دعوة دعوتُ بها على قومي نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيم. فيأتونَ إبراهيمَ فيقولون: أنت نبي اللهِ وخليله مِن أهلِ الأرض اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول: إنَّ ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني كنت كذبتُ ثلاثَ كذبات فذكرها نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى. فيأتون موسى فيقولون: يا موسى أنْتَ رسولُ اللهِ فضلك اللهُ برسالاتِه وبكلامه على النّاسِ اشفع لنا إلى ربكَ ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلتُ نفسًا لم أؤمر

стр. 797

بقتلِها نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى عيسى. فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى أنت رسولُ اللهِ، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، وكلمتَ الناسَ في المهدِ اشفعْ لنا إلى ربّك ألا ترى إلى ما نحنُ فيه؟ ألا ترى ما قد بلفنا؟ فيقول عيسى: إنّ ربي قد غضب اليوم غضبًا لمْ يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر ذنبًا نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمد. فيأتوني فيقولون: يا محمد، أنْتَ رسُولُ اللهِ، وخَاتمُ الأنبياء، وقد غفرَ اللهُ لكَ ما تقدَّمَ مِنْ ذنبك، وما تأخر اشفعْ لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فأنطلق فآتي تحت العرشِ فأخرُّ ساجدًا لربي، ثم يفتح اللهُ على من محامدِه، وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسَك سلْ تعطى، واشفعْ تشفعْ، فأرفع رأسي، فأقول: أمتي يا رب فيقال: يا محمد أدخِل مِن أمّتك مَنْ لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنّة، وهم شركاءُ النَّاسِ فيما سوي ذلك مِن الأبواب، ثُمَّ قَال: والذي نفسي بيده إنَّ ما بين المصراعينِ من مصاريعِ الجنةِ كما بين مكة وهجر، وكما بين مكّة وبُصرَى" (١). تنبيهان الأول: قول إبراهيم ﵇: "وإنّي كذبتُ ثلاث كذباتٍ ليست هي في نفسِ الأمرِ كذبات، ولكن حسناتُ الأبرارِ

стр. 798

سيئاتُ المقربين، ومن ثمّ جاء في بعض الروايات: والله ما جادل بهنَّ إلا عن دين اللهِ هي قوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ (١) وقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وقوله لامرأته حين مرّ على الملك: هي أختي، وهذه ليستْ بكذبات وإنَّما هي صور يخيل لمن لم يمعن النَّظرَ في ذلك أنهَا كذبات، وإلا فقوله: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ إنَّما هو تنبيه لهم لعلهم أنْ يعلموا أنّ ذلك الصنم لا يفعلُ شيئًا وإذا جَزَمَتْ عقولهم أنه لا قدرةَ له على فعلِ شيء بطل أن يكونَ ربَّا يُعْبَدُ بالضرورة فقال سيّدُنا الخليل لهم إنَّ الكبيرَ غضبَ على الصّغار لكوْنها تُعبدُ معه، وذلك ليعتبروا أنّ المعبودَ بحقٍ يغضبُ بعبادةِ غيره مما لا يملك لنفسهِ ضرًا ولا نفعًا، وتأمّل قولَه ﷺ : "فاسألوهم" كما أنه يقول لهم: أنْتم

стр. 799

في غرور بعبادتِكم مَنْ لا يدفع عن نفسِه، ولا قدرة له على النطق ليخبركم عَمّن فعلَ به ما فعل، ويا سبحانَ اللهِ إذا كانَ لا يدفع البأسَ عن نفسِه فكيف يدفعه عن غيره؟! على أنّ الكسائي قرأ ﴿بَلْ فَعَلَهُ﴾، ووقف على ﴿فَعَلَهُ﴾، ثم قال: ﴿كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ أي: فعله من فعله، وأنت خبير أن الوجه في القراءةِ الأولى والله أعلم. وقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ إنما أرادَ الفرارَ من حضورِ عيدهم، ومناكرهم، وعكوفهم على الأصنام، ولو قيل: إن سيدَنا الخليل لمَّا نظر نظرةً في النّجوم فقال: أيُّها الملكُ الكريمُ أنت بحالي عليم، فهؤلاء عبادك ضلُّوا، وأضلُّوا، وعكفوا على أصنامهم، وولوا وما منهم ذو فطنةٍ ولب سليم، وأنا لا أقدرُ على منعهم من عبادةِ الأصنام فإنيِّ سقيم لكان له وجهٌ والله الموفق. وقوله ﵇: لمّا أتاه أعوان ذلك الملك، وكان عادته إذا أعجبته امرأة إنْ كانتْ ذات بعلٍ قتلهُ وأخذها، وإنْ لم تكن ذات بعل أخذها فقالوا: لإبراهيم: ما تكون هذه لك؟ فقال: "هي أختي" وقد صَدَقَ فإنَّها أختُه في الإسلام. وقال البغوي: هذه تأويلاتٌ لا حاجة إليها إذ يجوز أن يكونَ اللهُ أذنَ لهُ في ذلك لقصدِ الصَّلاح، وتوبيخهم، والاحتجاج عليهم كما أذن ليوسفَ ﵇ في قصةِ الصواع ولسنا بصدد تحرير هذا المقام وفي هذه الإشارة ما يفصح عن المرادِ والله أعلم (١).

стр. 800

التنبيه الثاني: زعمَ الغزالي في "الدُّرةِ الفاخرةِ" أنَّ بين إتيانِ أهل الموقفِ آدم، وإتيانهم نوحًا ألف سنة، وكذلك كل في بينه وبين الذي يليه ألف سنة، وهذا باطلٌ ومن ثَمّ قال الحافظ ابن حجر ﵀: لم أقف لذلك على أصلٍ قال: وقد أكثر في هذا الكتابِ من إيرادِ أحاديث لا أصول لها فلا يغتر بشيء منها. انتهى (١). وفي حديث أبي هُريرةَ ﵁ مرفوعًا: "ثم يأتوني فإِذا جاؤني خرجتُ حَتَّى آتي قدامَ العرَشِ فأخرُّ ساجدًا فلا أزالُ ساجدًا حَتَّى يبعثَ اللهُ مَلَكًا فيأخذ بعضدي فيرفعني فيقول اللهُ : أنتَ محمد؟ فأقول: نعم وهو أعلم، فيقول: ما شَأنك؟ فأقول: يا رب وعدتني الشفاعةَ فشفعني في خلقَكَ، واقض بينهم قال: فيقول: قد شفّعْتك ائتهم، واقض بينهم. قال ﷺ : فأنصرف حَتَّى أقف مع النَّاسِ فبينما نحنُ وقوفُ، إذْ سمعْنا حسًا من السّماء شدِيدًا فهالنا، فنزل أهلُ سماء الدنيا بمثل من في الأرضِ من الجِن والإنس حَتَّى إذَا دَنوا مِن الأرضِ أشرَقت الأَرضُ لنورِهم، فأخذوا مصافهم فقلنا: أفِيكم ربنا؟ فقالوا: لا وهو آت. ثم ينزلُ أهلُ السمواتِ على قدرِ ذلك التضعيف حَتَّى ينزل الجبارُ في ظللٍ من الغمامِ والملائكةِ ولهم زجل من تسبيحهم يقولون: سبحانَ المَلِك ذي المَلَكوتِ ربِّ العرشِ والجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائقَ ولا يموت، سبوح قدوس رب

стр. 801

الملائكةِ والروح قدوس قدوس، سبحانَ ربِّنا الأعلى سبحان ذي الجبروتِ والْملكوت والكِبرِياء والسلطان والعظمة سبحانه أبدَا أبدًا. فنزل جلَّ ذكره، ويحمل عرشَه (ثمانية) (١) وهم الآن أربعة أقدامهم على تخومِ الأرض السفلى والسموات في حجرهم والعرش على مناكبهم، فيضع الله جَلَّ ذكره كرسيه حيث شاء من الأرضِ، ثم ينادي نداء يسمعه الخلائق: يا معشرَ الجنِّ والإنْسِ إنيِّ أنصتُ منذُ خلقتكم إلى يومِكم هذا أسمعُ كلامَكم، وأبصرُ أعمالكم فأنْصتوا لي فإنّما هي صحائفكم، وأعمالكم تقرأ عليكم فمن وَجَدَ خيرًا فليحمد اللهَ ومَنْ وجد غيرَ ذلك فلا يلومنَّ إلاَّ نفسه" (٢). تنبيه: أوردَ الفخرُ على نزول الملائكةِ سؤالاً وهو أنّه قد ثبت أنّ الأرضَ بالقياس إلى السماءِ كحلقةٍ في فلاةٍ من الأرضِ فكيفَ بالقياسِ إلى العرشِ، والكرسي فملائكة هذه المواضع بأسرِها أين يسعها؟ وأجاب بعضُ المفسرينَ عن ذلك بأنَّ الملائكةَ تكونُ في الغمام انتهى. قُلْتُ: يرد أنَّ الكرسي يضعه اللهُ جلَّ ذكره حيث شاء من الأرضِ مع أنَّ السموات السبع، والأرضين السبع بالنسبةِ إليه كحلقة ملقاة في فلاة فالأحسن في الجواب ما أجابَ به العلامة أنَّ اللهَ تعالى

стр. 802

يزيدُ في سعةِ الأرض كيْفَ شاء إذ هو على كلِّ شيءٍ قدير، وأمره بينَ الكافِ والنُّون ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ والله أعلم. ثُمَّ يؤتى بالجنةِ والنَّارِ إلى المحشرِ كما قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١)﴾ [الشعراء: ٩٠ - ٩١]، ومعنى أُزلفت: قربت من المحشرِ حَتَّى يراها كلُّ أحدٍ مِنْ أهلِ المحشرِ، وبروز النَّارِ: ظهورها في المحشر وانكشافها، وعندَ ذلك يكون الفزع الأكبر لأنَّ اللهَ تعالى يأمر بالجْنَّةِ فتزخرف، وتزلف، ويؤتى بهَا، ولها نسِيم طيب أعبق ما يكون فيوجد ريحها من مسيرةِ خمسمائة عام كما يأتى، فترد النّفوس، وتحيى القلوب إلاَّ مَنْ كانتْ أعمالهم خبيثة، فيمنعون ريحها، فتوضع عن يمينِ العرشِ. ثمَّ يُؤْمَرُ بإتيان النَّارِ فيؤتى بها تُقَاد بسبْعين ألف زمام في كلِّ زمامٍ سَبْعون ألف حلقة لو جُمعَ حديدُ الدّنيا كله ما عدل منها حلقة واحدة، ولها شهيقٌ وزفير ورعد وشرر ودخان يفور حَتَّى يسد الأْفق ظلمته، وتنفلت من أيدي الخزنةِ ولم يقدر على إمساكها أحدٌ لِعظم شأنها حَتَّى يجثو كلُّ من بالموقفِ على ركبتيه حَتَّى المرسلين، ويتعلق إبراهيمُ، وموسى، وعيسى بالعرشِ، وكل منهم يقولُ: نَفْسي نفسي. وفي تفسير الثعلبي عن أبي سعيدِ ﵁ قال: لمّا نزلتْ ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: ٢٣] تغير لونُه ﷺ ، وعرف ذلك في وجهه حَتَّى اشتد على أصحابه ثمّ قال: أقرأني جبريل ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ

стр. 803

الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ إلى قوله: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: ٢١ - ٢٣] قِيل له: كيفَ يُجاء بها؟ قال: "يجيءُ بها سَبعُون ألف ملك يقودونها بسبعين ألف زمام فتشرد شردةَ لو تُرِكتْ لأحرقتْ أهل الجْمعِ، ثمّ أتعرض لجهنم فتقول: ما لي وما لك يا محمد فقدْ حرَّمَ اللهُ لحمكَ عَليّ فلا يَبْقى أحدٌ إلا قالَ: نفسي نفسي، وإنَّ محمدًا ﷺ يقول: يا رب أمَّتِي أمَّتِي أمَّتِي" أخرَجه ابن أبي حاتم؛ قال الحافظ ابن رجب في كتابِه "صفة النَّارِ": وفيه الوَصَّافي شيخ صالح لا يحفظ الحديثَ فكثرت المناكيرُ في حدِيثه (١). وأخرجَ مسلمٌ عن عبدِ الله بنِ مسعود ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "يؤتى بجهنم لها سبعون ألفَ زمام مع كلِّ زمامِ سبعون ألف ملك يجرونها". قال الحافظ ابن رجب في كتابه "صفةً النار": وخرَّجه الترمذيُّ مَوقوفًا على ابن مسعود، ورجح وقفَه العقيلي، والدارقطني (٢). وأخْرجَ أبو يعلى عن أبي سعيدٍ الخدري مرفوعًا: "إذا جمع اللهُ النَّاسَ فى صعيدٍ واحد يومَ القيامة أقبلت النَّارُ يركب بعضُها بعضا، وخزنتها يكفونها، وهي تقول: وعزة رب ليخلين بيني وبين أزْواجي، أو لأغشين النَّاس عنقا واحدًا، فيقال: مَنْ أزواجك؟ فتقول: كل

стр. 804

متكبرٍ جبار" (١). وأخرجَ الإمامُ أحمد، والترمذي عن أبي هريرةَ مرفوعًا: "يخرج عنق من النارِ يوم القيامةِ لها عينان يبصران، وأذنان يسمعان، ولسان ينطق تقول: إنيِّ وُكِّلْتُ بثلاثةٍ بكل جبارٍ عنيد، وبكلِّ مَنْ دعا مع اللهِ إلهًا آخر، وبالمصورين" (٢). قال الحافظ ابن رجب: صححه الترمذي. وفي رواية عند الإمام أحمد: "ومن قتلَ نفسًا بغير نفسٍ" بدل: "المصورين"، وعند البزار "خرج عنق مِن النَّارِ يتكلم بلسان طلق ذلق لها عينان يبصران، ولها لسان يتكلم فتقول: إنيِّ أمِرت بمن جَعَلَ مع اللهِ إلهًا آخر، وبكل جبارٍ، وبمن قتلَ نفسًا بغير نفسِ، فينطلق بهم قبل سائر النَّاسِ بخمسمائة عام (٣). وخرَّجَ ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة ﵁ قال: "يؤتى بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام آخذ بكلِّ زمام سبعون ألف ملك، وهي تمايل عليهم حَتَّى توقف عن يمينِ العرش، ويلقي اللهُ عليها الذُّل يومئذ فيوحي إليها: ما هذا الذل؟ فتقول: يا رب أخاف أن يكون فيّ نقمة, فيوحي الله إليها: إنَّما خَلقتك نقمة, وليس لي فيكِ نقمة فيوحي الله إليها، فتزفر زفرةً لا تبقي دمعةً في عينٍ إلاّ جرت ثمّ تزفر أخرى فلا يبقى ملكٌ مُقرَّبٌ، ولا نبي مرسل إلاّ صُعِقَ إلاَّ نَبيِّكم نبيَّ

стр. 805

الرَّحمة فيقولُ: "يا ربِّ أمَّتي أُمَّتي" ﷺ (١). ثم إنّ الناسَ يعرضون على ربِّهم كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾ [الحاقة: ١٨] وقال: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ١٨]، وقال: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨]. قال الفخر في تفسيرِ الصّف وجوه أحدها: أنْ تعرض الخلق على اللهِ تعالى صفًّا واحدًا ظاهرين بحيث لا يحجب بعضُهم بعضا. ثانيها: لا يبعد أنْ يكونوا صفوفًا يقف بعضُهم وراء بعضٍ كالصفوف المحيطة بالكعبة التي يكون بعضها خلف، وعلى هذا التقديرِ فالمراد من قوله: ﴿صَفًّا﴾ كقوله: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ (٢) [غافر: ٦٧] قلت: ويدل لهذا أي: كونهم صفوفًا ما مرّ في الحديث السابق: "اخرُج يا عبدي إلى هذه الصفوت فمن أطعمك، أو كساك" الحديث، وبما يأتي "أقيموا عبادي صفوفا". ثالثها: أن يكونوا قياما كقولهِ تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦] أي: قائمة. انتهى. وأخْرجَ ابن ماجه عن أبي موسى الأشعري ﵁ مرفوعًا: "يعرض النَّاس يوم القيامةِ ثلاث عرضات فأمَّا عرضتان: (فجدال) (٣) ومعاذير، وأمَّا العرضة الثالثة: فتطير الصحف في الأيدي

стр. 806

فآخذ بيمينه وآخذ بشماله" (١) وفي لفظ: "فتطاير الكتب في الأيمانِ والشمائل". قال الحكيم الترمذي: الجدال للأعداء أي: الكفار يجادلون لأنّهم لا يعرفون ربَّهم فيظنون أنهم إذا جادلوا نجوا، وقامت حجتهم، والمعاذير لله يعتذر إلى آدم، وإلى أنبيائه، ويقيم حجته عندهم على الأعداء، ثم يبعث بهم إلى النَّارِ، والعرضة الثالثة: للمؤمنين، وهو العرض الأكبر يخلو بهم جلّ ذِكره فيعاتب مَن يريد عتابه في تلك الخلوات حَتَّى يذوق وبالَ الحياء والخجلِ، ثُمّ يغفر لهم، ويرضى عنهم فَيا له مِنْ مقام ما أعظمه، ووبال ما أجسمه! فيا مَنْ إذا وقفَ بين [يدي] (٢) أحد ملوك الأرضِ ارْفَضَّ عرقا، وارتعد فرقا، فكيف حالك إذا وقفت بين يدي ملك الملوكِ، وعاتبكَ بما فعلته حَتَّى على الظنون والشكوكِ؟! فلا هنَّأ الله لعبدٍ عيشا علمَ ذلك فالتذ بمعصية اللهِ، ولقد قلت ارتجالا: إذا ما تذكرتُ الجزاء يوم عرضتي ... على خالقي ضاقتْ عليَّ مذاهبي فلم أدْر ما ردُّ الجوابِ وما الذي ... أقول وربُّ العالمين معاتبي فوا أسَفَي يومَ الحسابِ إذا بدتْ ... قبائح أفْعَالي وكل معايبي وعاتبني ربِّي لديه وقَال لي: ... لك الويل إنِّي كنت لست بغائب أمَا تستحي مني أما كنتَ تختشي ... أما كانَ أولى أنْ تكونَ مراقبي أمَا كُنْت تدْرِي أنني بك عالم ... أما خِفْتَ مِن غضبي وشرِّ عواقبي فما حِيلتي وا خجلتي مِنْ جَرائمي ... إذا كنت فذًّا ندّ عنّي صواحبي

стр. 807

وَصَارَ مَني خِلِّي وملَّ مودَّتي ... ومَرَّ وخلاّني أعزُّ حبايبي سوى المصطفَى ذخري وحصني وبغيتي ... ورحمة ربي ملجئى في معاطبي عليه صلاة اللهِ ما هبت الصبا ... وما ناحَ ولهَان لكثر المصائب كذا الآل والأصحاب ما ناح بلبل ... وغرَّد شحرور بصوت مناسبي وأخْرجَ الإمامُ الحافظ ابن منده في "التوحيد" عن معاذ بنِ جبل ﵁ رفعه قال: "إِنّ اللهَ ينادي يومَ القيامةِ بصوتَ رفيع غير فظَيع: يا عبادي إنِّي أنَا اللهُ لا إله إلاَّ أنا أرحم الراحمين، وأَحكم الحاكمين، وأسرع الحاسبين، أحضروا حجتكم، ويسّروا جوابا فإنكم مسئولون، ومحاسبون، يا ملائكتي أقِيموا عِبَادِي صفوفًا على أطرافِ أنامل أقْدامهم للحساب" (١). وأخْرجَ أبو داود، وابنُ حبان عن أبي الدّرداء ﵁ مرفوعًا: "إنكم تُدْعون يومَ القيامةِ بأَسْمائكم، وأسماءِ آبائكَم فأحْسِنوا أسماءكم" (٢)، وأخرجَ أبو يعلى بسندِ رجاله ثقات عن أبي سعيدٍ ﵁، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إذَا جمُعَ النَّاسُ فيَ صعيدٍ واحدٍ يومَ القيامةِ أقبلت النَّارُ يركب بعضُها بعضا، وخزنتها يكفونها، وهي تقول: وعزة ربي لَتُخَلِّيَنَّ بيني وبين أزواجي، أو لأغْشينَّ الناس عنقا واحدا فيقولون: ومَن أزواجك؟ فتقول: كلُّ متكبرٍ جبّار، فتخرج لسانَها، فتلتقطهم من بين ظهراني النّاس، فتقذفهم في

стр. 808

جوفها، ثم كذلك فيقولون: مَنْ أزواجك؟ فتقول: كلُّ مختالٍ فخور، فتلتقطهم بلسَانهِا، فتقذفهم في جوفها، ثم تتأخّر، ويُقضَى بين الناسِ" (١) وتقدَّم معناه، وظاهر هذا أنّ هؤلاء يلقونَ في النّارِ بغيرِ حسابٍ لأنّهم تكبَّروا على خلق الة في دارِ الدُّنيا. وفي الحديث القدسي: "الكبرياءُ رِدائي، والعظمةُ إزاري فمَنْ نَازعني واحدًا منهما ألْقيته في النار" رواهُ الإمامُ أحمد، وأبو داود، وابنُ ماجه (٢). وعندَ مسلم، وأبي داود، وابن ماجه: "ألقيته في جهنم" (٣) وأخرجَ الحاكمُ: "الكبرياء ردائي فمن نَازعني رِدائي قَصمته" وقال: صحيح على شرطِ مسلم (٤). وأخرجَ الإمامُ أحمد، والحاكم، وابنُ ماجه: "ما مِن رجلٍ يتعاظم في نفسِه، ويختالُ في مشيته إلاّ لَقِيَ الله، وهو عَليه غضبان" (٥). واعلم أنّ التكبر مذموم شرعًا، وعقلاً، فأمَّا الشرع: فقدْ ذكَرنا قطرةً من بحرٍ لجي ممّا وردَ في الكبر، وفي الإشارة مَا يغني عن

стр. 809

العبارةِ، وأمّا العقل: فَإنّ كلّ إنسانٍ يعلم أنّ الكبرَ مذمومٌ وأنّ صاحبه من الأجرِ محروم، ومن ثم قال بعض الفضلاء: الكبر، والخيلاء يكسيان الرذائل، ويسلبان الفضائل، وقالَ الأحنف بن قيسُ: ما تكبّر أحد إلاّ مِن ذلّةٍ يجدها في نفْسه، ورأى أفلاطون رجلاً يختال في مشيته، فقال: جعلني اللهُ مثلك في نفسك، ولا جَعلني مثلك في نفسي، وقال الأحنف بن قيس: عجبتُ لِمَن خرجَ منْ مجرى البول مرتين كيف يتكبر؟! ومرّ بعضُ أولادِ المهلب بمالك بن دينار وهو يختال في مشيته، فقال له مالك: يا بنيّ لو تركت هذا الخيلاء لكان أجمل لك، قال: أوما تعرفني؟ قال: أعرفك معرفةً جيدة أوّلك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة، وبين ذلك تحمل العذرة، فأحْنى الفتى برأْسِه، وكفّ عمّا كان عليه. والكبرُ يوجب المقتَ، ومَن مقته رجاله لمْ يستقم حاله، وقيل: لا يتكبّر إلا كلّ وضيع ولله در القائل: قولا لأحمق يلوي التيه أجذعه ... لو كنت تعلم ما في التيه لم تته التيه مفسدة للدِّين منقصة ... للعقل مهلكة للعرض فانْتبه وقال الآخر: تواضعْ إذا ما كان قدرُكَ عاليًا ... فإنَّ انخفاض المرءِ من شيمة الفضل وَلا تعجبن مِنْ عَالم متواضعٍ ... يخاطبه طفلٌ فيصغي إلى الطفل فإنّ رسولَ اللهِ كلَّم نملةً ... وإن إله العرشِ أوحى إلى النَّحْل ولسْنا بصددِ الكشفِ عنْ قبائح الكبرِ، ولكن ذكرنا ما ذكرنا للمناسبةِ، والشيء بالشيء يذكر، والله أعْلم.

стр. 810

فصل ثم يؤتى بالصحف وتؤخذ باليمين والشمال قال تعالى: وَإِذَا ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠)﴾ [التكوير: ١٠] قال الثعلبي: أي: التي فِيها أعمال بني آدم نشرت لِلْحسابِ، وإنّما يؤتى بالصُّحفِ إلْزامًا للعبادِ، ورفعًا للجدل، والعناد قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣)﴾ [الإسراء: ١٣] قال العلامة: معنى ﴿طَائِرَهُ﴾: عمله، وقال مقاتل، والكلبي: خيره، وشره معه لا يفارقه وهو عين الأوّل. وأخرجَ العقيلي عن أنسٍ ﵁، عن النّبي ﷺ قال: "الكتب كلها تحت العرشِ فإذَا كانَ يوم القيامة يبعث اللهُ ريحًا فتطيرها بالأيمان والشمائل، أوّل خط فيها ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ (١) [الإسراء: ١٤] قال قتادة: سيقرأ يومئذ مَنْ لَمْ يكنْ قارئًا في الدُّنيا وقال تعالى: ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١)﴾ [الإسراء: ٧١] والفتيل: هو القشر الذي في شق النواةِ، وهذا يضرب مثلاً للشيء الحقِيرِ، وذكرَ مجاهد عن ابن عباسٍ أنَّ المرادَ بالفتيل الوسخ الذي يظْهر بفتل الإنسان إبهامه بسبابته.
следующие страницы →