← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 132973

البحور الزاخرة في علوم الآخرة

السفاريني

Полный текст (1 621 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

فآخذ بيمينه وآخذ بشماله" (١) وفي لفظ: "فتطاير الكتب في الأيمانِ والشمائل". قال الحكيم الترمذي: الجدال للأعداء أي: الكفار يجادلون لأنّهم لا يعرفون ربَّهم فيظنون أنهم إذا جادلوا نجوا، وقامت حجتهم، والمعاذير لله يعتذر إلى آدم، وإلى أنبيائه، ويقيم حجته عندهم على الأعداء، ثم يبعث بهم إلى النَّارِ، والعرضة الثالثة: للمؤمنين، وهو العرض الأكبر يخلو بهم جلّ ذِكره فيعاتب مَن يريد عتابه في تلك الخلوات حَتَّى يذوق وبالَ الحياء والخجلِ، ثُمّ يغفر لهم، ويرضى عنهم فَيا له مِنْ مقام ما أعظمه، ووبال ما أجسمه! فيا مَنْ إذا وقفَ بين [يدي] (٢) أحد ملوك الأرضِ ارْفَضَّ عرقا، وارتعد فرقا، فكيف حالك إذا وقفت بين يدي ملك الملوكِ، وعاتبكَ بما فعلته حَتَّى على الظنون والشكوكِ؟! فلا هنَّأ الله لعبدٍ عيشا علمَ ذلك فالتذ بمعصية اللهِ، ولقد قلت ارتجالا: إذا ما تذكرتُ الجزاء يوم عرضتي ... على خالقي ضاقتْ عليَّ مذاهبي فلم أدْر ما ردُّ الجوابِ وما الذي ... أقول وربُّ العالمين معاتبي فوا أسَفَي يومَ الحسابِ إذا بدتْ ... قبائح أفْعَالي وكل معايبي وعاتبني ربِّي لديه وقَال لي: ... لك الويل إنِّي كنت لست بغائب أمَا تستحي مني أما كنتَ تختشي ... أما كانَ أولى أنْ تكونَ مراقبي أمَا كُنْت تدْرِي أنني بك عالم ... أما خِفْتَ مِن غضبي وشرِّ عواقبي فما حِيلتي وا خجلتي مِنْ جَرائمي ... إذا كنت فذًّا ندّ عنّي صواحبي

стр. 807

وَصَارَ مَني خِلِّي وملَّ مودَّتي ... ومَرَّ وخلاّني أعزُّ حبايبي سوى المصطفَى ذخري وحصني وبغيتي ... ورحمة ربي ملجئى في معاطبي عليه صلاة اللهِ ما هبت الصبا ... وما ناحَ ولهَان لكثر المصائب كذا الآل والأصحاب ما ناح بلبل ... وغرَّد شحرور بصوت مناسبي وأخْرجَ الإمامُ الحافظ ابن منده في "التوحيد" عن معاذ بنِ جبل ﵁ رفعه قال: "إِنّ اللهَ ينادي يومَ القيامةِ بصوتَ رفيع غير فظَيع: يا عبادي إنِّي أنَا اللهُ لا إله إلاَّ أنا أرحم الراحمين، وأَحكم الحاكمين، وأسرع الحاسبين، أحضروا حجتكم، ويسّروا جوابا فإنكم مسئولون، ومحاسبون، يا ملائكتي أقِيموا عِبَادِي صفوفًا على أطرافِ أنامل أقْدامهم للحساب" (١). وأخْرجَ أبو داود، وابنُ حبان عن أبي الدّرداء ﵁ مرفوعًا: "إنكم تُدْعون يومَ القيامةِ بأَسْمائكم، وأسماءِ آبائكَم فأحْسِنوا أسماءكم" (٢)، وأخرجَ أبو يعلى بسندِ رجاله ثقات عن أبي سعيدٍ ﵁، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إذَا جمُعَ النَّاسُ فيَ صعيدٍ واحدٍ يومَ القيامةِ أقبلت النَّارُ يركب بعضُها بعضا، وخزنتها يكفونها، وهي تقول: وعزة ربي لَتُخَلِّيَنَّ بيني وبين أزواجي، أو لأغْشينَّ الناس عنقا واحدا فيقولون: ومَن أزواجك؟ فتقول: كلُّ متكبرٍ جبّار، فتخرج لسانَها، فتلتقطهم من بين ظهراني النّاس، فتقذفهم في

стр. 808

جوفها، ثم كذلك فيقولون: مَنْ أزواجك؟ فتقول: كلُّ مختالٍ فخور، فتلتقطهم بلسَانهِا، فتقذفهم في جوفها، ثم تتأخّر، ويُقضَى بين الناسِ" (١) وتقدَّم معناه، وظاهر هذا أنّ هؤلاء يلقونَ في النّارِ بغيرِ حسابٍ لأنّهم تكبَّروا على خلق الة في دارِ الدُّنيا. وفي الحديث القدسي: "الكبرياءُ رِدائي، والعظمةُ إزاري فمَنْ نَازعني واحدًا منهما ألْقيته في النار" رواهُ الإمامُ أحمد، وأبو داود، وابنُ ماجه (٢). وعندَ مسلم، وأبي داود، وابن ماجه: "ألقيته في جهنم" (٣) وأخرجَ الحاكمُ: "الكبرياء ردائي فمن نَازعني رِدائي قَصمته" وقال: صحيح على شرطِ مسلم (٤). وأخرجَ الإمامُ أحمد، والحاكم، وابنُ ماجه: "ما مِن رجلٍ يتعاظم في نفسِه، ويختالُ في مشيته إلاّ لَقِيَ الله، وهو عَليه غضبان" (٥). واعلم أنّ التكبر مذموم شرعًا، وعقلاً، فأمَّا الشرع: فقدْ ذكَرنا قطرةً من بحرٍ لجي ممّا وردَ في الكبر، وفي الإشارة مَا يغني عن

стр. 809

العبارةِ، وأمّا العقل: فَإنّ كلّ إنسانٍ يعلم أنّ الكبرَ مذمومٌ وأنّ صاحبه من الأجرِ محروم، ومن ثم قال بعض الفضلاء: الكبر، والخيلاء يكسيان الرذائل، ويسلبان الفضائل، وقالَ الأحنف بن قيسُ: ما تكبّر أحد إلاّ مِن ذلّةٍ يجدها في نفْسه، ورأى أفلاطون رجلاً يختال في مشيته، فقال: جعلني اللهُ مثلك في نفسك، ولا جَعلني مثلك في نفسي، وقال الأحنف بن قيس: عجبتُ لِمَن خرجَ منْ مجرى البول مرتين كيف يتكبر؟! ومرّ بعضُ أولادِ المهلب بمالك بن دينار وهو يختال في مشيته، فقال له مالك: يا بنيّ لو تركت هذا الخيلاء لكان أجمل لك، قال: أوما تعرفني؟ قال: أعرفك معرفةً جيدة أوّلك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة، وبين ذلك تحمل العذرة، فأحْنى الفتى برأْسِه، وكفّ عمّا كان عليه. والكبرُ يوجب المقتَ، ومَن مقته رجاله لمْ يستقم حاله، وقيل: لا يتكبّر إلا كلّ وضيع ولله در القائل: قولا لأحمق يلوي التيه أجذعه ... لو كنت تعلم ما في التيه لم تته التيه مفسدة للدِّين منقصة ... للعقل مهلكة للعرض فانْتبه وقال الآخر: تواضعْ إذا ما كان قدرُكَ عاليًا ... فإنَّ انخفاض المرءِ من شيمة الفضل وَلا تعجبن مِنْ عَالم متواضعٍ ... يخاطبه طفلٌ فيصغي إلى الطفل فإنّ رسولَ اللهِ كلَّم نملةً ... وإن إله العرشِ أوحى إلى النَّحْل ولسْنا بصددِ الكشفِ عنْ قبائح الكبرِ، ولكن ذكرنا ما ذكرنا للمناسبةِ، والشيء بالشيء يذكر، والله أعْلم.

стр. 810

فصل ثم يؤتى بالصحف وتؤخذ باليمين والشمال قال تعالى: وَإِذَا ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠)﴾ [التكوير: ١٠] قال الثعلبي: أي: التي فِيها أعمال بني آدم نشرت لِلْحسابِ، وإنّما يؤتى بالصُّحفِ إلْزامًا للعبادِ، ورفعًا للجدل، والعناد قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣)﴾ [الإسراء: ١٣] قال العلامة: معنى ﴿طَائِرَهُ﴾: عمله، وقال مقاتل، والكلبي: خيره، وشره معه لا يفارقه وهو عين الأوّل. وأخرجَ العقيلي عن أنسٍ ﵁، عن النّبي ﷺ قال: "الكتب كلها تحت العرشِ فإذَا كانَ يوم القيامة يبعث اللهُ ريحًا فتطيرها بالأيمان والشمائل، أوّل خط فيها ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ (١) [الإسراء: ١٤] قال قتادة: سيقرأ يومئذ مَنْ لَمْ يكنْ قارئًا في الدُّنيا وقال تعالى: ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١)﴾ [الإسراء: ٧١] والفتيل: هو القشر الذي في شق النواةِ، وهذا يضرب مثلاً للشيء الحقِيرِ، وذكرَ مجاهد عن ابن عباسٍ أنَّ المرادَ بالفتيل الوسخ الذي يظْهر بفتل الإنسان إبهامه بسبابته.

стр. 811

قال العلامة: وإنّما خصَّ القراءةَ بمَن أوتي كتابه بيمينه دُون مَنْ أوتيه بشمَالِه؛ لأنَّ أهل الشِّمالِ إذَا طالعوا كتا، وجدوه مشتملاً على المْهلكاتِ العظيمة، والقبائح الكَاملة فيتولى الخوف، والدهش على قلوبهم، ويثقل لسانُهم فيعجزون عن القراءة الكاملةِ، وأمَّا أصْحابِ اليمينِ إذَا طالعوها ألفوها على الكمالِ فيقْرءون كتابَهم على أحسن الوجعوه، وأتمها، ثمَّ لمْ يقنعْ أحدُهم بقراءته، بلْ يقول لأهلِ المحشر: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] قاله الفخر وأخْرجَ الديْلمي مرفوعًا: "عنوانُ كتاب المؤمنِ يومَ القييامة حُسْن ثناء النَّاسِ عليه" وقاله الفخر (١)، (٢). وخرَّجَ مكي في تفسِيره عن عائشةَ ﵂ قالت: يا رسول اللهِ كَيفَ يُحاسب حسابًا يسيرا؟ قال: "يؤتى العبد كتابه بيمينِه فيقرأ سيئاته، ويقرأ النَّاسُ حسنَاته، ثم يحول الصحيفة فيحول الله حسناته فيقرؤها النَّاسُ، فيقولون: ما كان لهذا العبد من سيئة" (٣) فهذا تفسير قولِه تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩)﴾ [الانشقاق: ٧ - ٩] أهله: هم أهلُ الجنَّةِ كما في البهجة.

стр. 812

وأخرجَ الترمذي وحسنه، وابنُ حبان، والبيهقى، والبزار، وابنُ أبي حاتم عن أبي هريرة مرفوعًا في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١] قال: "يدعى الرجل فيعطى كتابه بيمينه، ويمد لهُ في جسمه ستون ذراعًا، ويبيض وجهه، ويجعل على رأسِهِ تاج من لؤلؤ يتلألأ، فينطلق إلى أصحابه فيرونه من بعيدِ فيقولون: اللهمَّ آتنا بهذا، وبارك لنا في هذا حَتَّى يأتيهم فيقول: أبشروا فإنَّ لكلِّ واحد منكم مثل هذا، وأمَّا الكافر فيسود وجهه، ويمد في جسمه، ستون ذراعًا، ويجعل على رأسه تاج من نار فيراه أصحابُه فيقولون: اللهم إنّا نعوذُ بكَ من هذا اللَّهم لا تأتنا بهذا فيأتيهم، فيقولون: اللهم اخزه فيقول: أبعدكم الله فإنّ لكلِّ رجل منكم مثل هذا" (١). وأخرجَ الإمام أحمد عن عائشةَ الصديقة ﵂ قالتْ: قلتُ يا رسولَ اللهِ هل يذكر الحبيبُ حبيبَه يومَ القيامةِ؟ قال: "أمَّا عند ثلاث فلا عند الميزانِ حَتَّى يعلمَ أيثقل أمْ يخف, وعندَ تطاير الكتبِ فإمَّا أنْ يعطى بيمينه أو بشماله، وحين يحرج عنق من النَّارِ" (٢) الحديث.

стр. 813

وقال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١)﴾ [الانشقاق: ١١] سعيرا أي: يدعو بالويْل والثبور، ويصْلى حرَّ السعير وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) [الحاقة: ٢٥ - ٢٦] يتمنى إذْ ذاك أنْ لا يؤتى كتابه لمَا فيه من العظائم والقبائح، ويودّ أنْ لا يدْري ما حسَابه لمَا يلقى منْ شدةِ الخجلِ، وبروزِ الفضائح فنسألُ الله العظيم أنْ يسددنا، ويوفقنا لما يرضيه عنّا. لو تفكرت النُّفوسُ فيما بينَ أيديها أو تذكرتْ حسابَها فيما لهَا، وعليها لبعث حزنها بريد دمعها كل وقت إليها فيا لله العجب من جد عند الأنفسِ كالهزلِ ولقدْ أحسنَ من قال: ومِن عجبِ الأشياء أنكَ تعْلم ... بأنك مأخوذٌ بمَا تتجرمُ وأنتَ على ما أنْتَ فيه مقصر ... ولا مقلع عمَّا عليْكَ يُحَرُّم كأنكَ في يومِ القِيامةِ آمِنٌ ... إذَا برزت للمُجْرمين جهنّم فلا تغتر بالعمر إن طْالَ واعْتبرْ ... فإنكَ لا تدْري متى يتَصَرَّمُ وتسكن بيتًا غيرَ بيتِكَ مظلمًا ... وما فيه مشروبٌ ولا فيه مَطعَمُ وتتركُ ما قدْ كنتَ فيه محكما ... وغيرك فيه لو علمت المحكم وتأتي غدًا منْ بعد يسرك معسرا ... وما لك دينار ولا لك درهم فإنْ كنتَ قد قدّمت من قبل صالحًا ... فإنك مِنْ هولِ القيامة تسْلم فكنْ مقلعًا وارْجعْ إلى اللهِ واغْتنم ... بقاك في الدُّنيا فمحياكَ مغنم أما يحق البكاء لمن قد مضى زمانه، أما يحق البكاء لمن قد ذهبَ أوانُه، أما يحق البكاء لمن طالَ عصيانه؟! نهاره في المعاصي فقدْ زادَ خسرانُه، وليله في الخطايَا فقد خفَّ ميزانُه، وبينَ يديه الحشر العنيف

стр. 814

فيه ذله وهوانه، والحساب العسير ينشر فيه ديوانه، والموقف الطَّويل فيه غمومه وأحزانه، والجحيم الشَّديد فيه من العذابِ ألوانه، ذكر العرض أجرى دموعَ الخائفين وهوْل الحساب قلقل أفئدة التَّائبين. سَأَلَ رجلٌ ذا النونِ (١): ما الذي أنصب العباد وأضناهم؟ فقال: "ذكر المقامِ، وقلة الزادِ، وخوف الحساب". ولِمَ لا تذوبُ أبدانُ العبادِ، وتذهل عقولُهم والعرض على اللهِ تعالى أمامهم، وقراءة كتبهم بين أيديهم، والملائكة وقوف ينتظرون أمر الجبّار في الأخْيار، والأشرارِ؟! فمثل القوم هذا في نفوسهم، وجعلوه نصبَ أعينهم. إخواني قد شملت الغلة الخلائق حَتَّى سترت عنهم وجوه الحقائق فصار اليقينُ عندهم كالظنونِ فالعاقل يفعل فعل المجنون ولله درّ القائل: يا أيُّها الراقد كَمْ ترقد ... قمْ يا حبيبي قد دَنا الموعد وخذْ من الليل وساعاته ... حظا إذَا مَا هجع الرُّقَدُ مَنْ نَامَ حَتَّى ينقضي ليلُه ... لمْ يبلغ المنزل أو يجهد قلْ لذوي الألبابِ أهل التقى ... فنظرة العرض لكم موعد (٢)

стр. 815

فنسأل اللهَ العظيم أنْ يوقظنا، وأحبابنا من سِنَةِ الغفلة، وأن يستعملنا فيما يرضيه كنا بمنه وكرمه. فوائد الأولى: قال ابن المسيب: الذي يأخذ كتابَه بشمالِه تلوى يده خلف ظهرِه، ثم يعطى كتابه، وقيل: تنتزع (١) منْ صدرِه إلى خلفِ ظهرِه، وقال مجاهد في قولِه تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠)﴾ [الانشقاق: ١٠] قال: تجعل شماله وراء ظهرِه فيأخذ بها كتابه (٢). الثانية: يعطى الكافرُ كتابَه بشمالِه من وراءِ ظهره بأنْ تخلع أو يدخلها من صدْرِه أو تلوى، ويعطى المؤمن العاصي كتابه بشمالِه من أمامِه ويعطى المؤمن الطائع كتابه بيمينه من أمامِه. الثالثة: ورد أنّ أوّل مَنْ يأخذ كتابه بيمينه أبو سلمة بنُ عبدِ الأسدِ، واسمه عبد الله، وهو أوّل من يدخل (الجنة) (٣) من هذه الأمّة، وهو أوّل من هاجرَ من مكّة إلى المدينةِ كما بينتُ ذلك في كتابي "تحبيير الوَفا في سيرة المصطفى"، وروي أنَّ أوّلَ من يأخذ كتابه بشماله الأسودُ أخو أبي سلمة المذكور روي أنّه يمد يدَه ليأخذه بيمينِه فيجذبه ملكٌ فيخلع يده فيأخذه بشماله من وراء ظهره. قُلْتُ: وذلك لأنَّ أبا سلمة ﵁ لمَّا أرادَ الهجرةَ رحل لزوجته أم سلمة إحدى أمّهات المؤمنين ﵂ بعيره، ثم حملها

стр. 816

عليه، وحملَ معها ابنها سلمة بن أبي سلمة في حجرها، ثمّ خرجَ بها يقود بها بعيره فرأته رجال بني المغيرةِ فقاموا إليه، وقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها أرأيت صاحبتك هذه علام نتركك تسير بها في البلاد؟! فنزعوا خطامَ البعيرِ من يده فأخذوها منه، وغضبت عند ذلك بنو عبد الأسد رهط أبي سلمة، فقالوا: لا واللهِ لا نترك ابننا عندها إذا نزعتموها من صاحبنا، فتجاذبوا ابنه سلمة بينهم حَتَّى خلعوا يده. القصة بتمامها في السيرة، فجوزي الأسود بأنْ خلعَ اللهُ يدَه كما خلعَ يدَ الغلامِ فالجزاء من جنس العمل ولقدْ أشرتْ لأمرِ هذين الأخوين، والتفاوت بينهما في المرتبتين في قولي: سل الراحم المولى العناية تهتدي ... وقف بباب مولاك الكريم ووحّد وكنْ خائفا من مكره وارج عفوه ... وجد على فعل المكارم تسعد ولا تغترر يا ذا المحامد والنهى ... بأسلافك الماضين أهل التهجد أبو سلمة الأعلا أخو الأسود الشقي ... كذاك أبو لهبٍ قرابة أحمد قال القرطبى في "التذكرة" (١): إذا وقفَ النّاسُ على أعمالِهم من الصحف التي يؤمر بها بعد البعثِ حوسبوا بها قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ [الانشقاق: ٨] فدل على أنّ المحاسبَة تكونُ عند إتيان الكتب لأنّ النّاسَ إذا بُعثوا لمْ يكونوا ذاكرين لأعمالِهم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦] فإذا بُعثوا مِن قبورهم إلى الموقف، وقاموا فيه ما شاء اللهُ، وجاء وقتُ الحساب الذي يريد اللهُ أنْ يحاسبهم فيه أمرَ

стр. 817

بالكتب التي كتبها الكرامُ الكاتبون يذكر أعمال الناس، فيؤتونها فمنهم من يؤتى كتابه بيمينه، وهم السّعداء، ومنهم من يؤتى كتابه بشمالِه، أو وراء ظهره فأولئك هم الأشقياء فعند ذلك يقرأ كتابه، ويعلم خطأه، وصوابه، وأنشدوا في ذلك: مثل وقوفك يوم العرضِ عريانا ... مستوحشًا قلق الأحشاء حيرانا والنّار تلهب من غيظٍ ومن حنقٍ ... على العصاةِ ورب العرشِ غضبانا اقرأ كتابَكَ يا عبدي على مهل ... فهل ترى فيه حرفًا غير ما كانا لما قرأت ولن تنكر قراءته ... إقرار من عرف الأشياء عرفانا نادى الجليلُ: خذوه يا ملائكتي ... وامضوا بعبد عصى للنار عطشانا فالمشركون غدًا فى النَّار [في لهب] (١) ... والمؤمنون بدار الخلد سكانا ومن قصيدة طويلة من كلام الإمام المحقق ابن القيم أودعها في كتابه "طريقُ الهجرتين وباب السّعادتينِ" (٢) وهي عظيمة اشتملت على جُلّ أحكام الموقف فمنها: وَيَا ليْت شعْري كيف حالكَ عندما ... تطاير كتب العالمين وتقسم أتأخذ باليمنى كتَابك أم [ترى] (٣) بِيُسْـ ... رَاكَ خلف الظَّهرِ منك تسلم وتقرأ [فيها] (٤) كل شيء عملته ... فيشرق منك الوجه أو هو يظلم تَقول كِتَابي هاؤم [فاقرءوه] (٥) لي ... يبشر بالْجنان (٦) حقا ويعلم

стр. 818

وإنْ تكن الأخرى فإنك قائل .... ألا ليتني لم أوته فهو مغرم ولعمري إنّ المقام بتلكَ المحال، والزحام بين النساء والرِّجال، وقد اشتد الزّحام، وطالَ المقام، وصفت الأقْدام، وجمع الخاص والعام، إنَّه لمن المصائبِ العظام، والنوائبِ الجسام، وحريٌّ من صور نفسَه في ذلك الجمع الغفير أنْ يتركَ الطعام، ولذيذَ المنام، ويتشبث بذيالِ المصطفى ﵊. فيا مَنْ غفلَ عن آخرته حَتَّى اشتعلَ الرأس شيبًا، وحال سواد لمته، تذكر وقوفك بين يدي الله عريانا وقد ضاقَ بك الفضاء، ونزلَ بكَ مرّ القضاء، وظهرت جرائمك على رءوسِ الأْشهادِ، ونودي ها فلان قدْ خسرَ، وخاب، وسلك به غير طريق العبادِ، فيا لها من خجلة ما أعظمها بين يدي الجبار، فحسبنا الله تعالى ونعم الوكيل، ولقد كنت قلتُ في هذا المعنى مستغيثًا بالنّبي ﷺ من هولِ ذلك، وأشكو لهُ مِنْ أسبابِ تلك المهالك: إليكَ أشكو رسول اللهِ (١) مِنْ وجلي ... نأى شبابي سُدًى واحتاط بي أجلي

стр. 819

نأى الشباب وجاء الشيبُ يخبرني ... بأنّني راحلٌ للقبرِ وا خجلي ضيَّعت عمري سدى في اللهو وا أسفي ... حَتَّى دنا الموتُ منّي وانقضى أمَلي حَتَّى متى أصحبُ التّسويفَ في سفري ... وفي حضوري وعمري باد في مللي إذا عزمت على فعل الرشاد دَنا ... مِن الفؤادِ مُنَاد الهمِّ والكسلِ أشكو لمولاي تقْصيري ولهوي في ... دارِ البلاء ومَا لاقيت من عللي وما اعتراني من الخطبِ العظيم وما ... أحلّ بي منْ ضروبِ الحزنِ والنكل وا خجلتي من مقامٍ لسْتُ أنكره ... إذا بدَا لي على رؤوسِ الملا زللي يا سيدي يا رسولَ اللهِ خذْ بيدي ... إنّي أتيتُ بلا علمٍ ولا عملِ حسبي افتقاري وذلي ثمّ مسكنتي ... وطول حزني وحي سيد الرسلِ محمد المصطفى المبعوث من مضر ... المرتضى سيد الآتين والأولِ صَلىّ عليه إله العرش ما صدحتْ ... ورقُ الحمامِ على الأغصانِ بالزجلِ (١) كذا الصحابة والآل الكرام ومَنْ ... نحا طريقتهم مِنْ سائرِ المللِ وكنْ إلهي معِيني إنّني وجلٌ .. لولا اعتقادي بأنّ الله نعم ولي محمد الحنبلي يرجو الخلاص إذا ... ما حاسب النَّاس ذاك الواحد الأزلي

стр. 820

الباب الرابع في ذكر الحساب، وما يليقاه العالم من شدةِ البأسِ والعقابِ قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣] وقال في حق أعدائه: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ١٨] قال الثعلبي: الحساب تعريعف الله الخلائق مقادير الجزاء على أعمالِهم، وتذكيره إياهم على ما قدْ نسوه منْ ذلك يدلّ على هذا قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦] وقال بعضهم: معنى كونه تعالى محاسبًا لخلقه أنّه يعلمهم ما لهم وما عليهم. أخرجَ التّرمذي عن أبي برزة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا تزول قدما عبد يومَ القيامة حَتَّى يُسأل عن أربعٍ، عن عمرِه فيمَ أفناه؟ وعن علمِه ما عمل به؟ وعن مالِه من أين اكتسبه؟ وفيمَ أنفقه؟ وعن جسمه فيمَ إبلاه؟ " قال الترمذي: حديث حسن صحيح (١). وأخرج مسلمٌ عن أبي هريرةَ ﵁ قال: سمعتُ

стр. 821

رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "إن أول النَّاسِ يقضى يومَ القيامة عليه رجلٌ استشهدَ، فأتى بهِ فعَرَّفه نعمهُ فعرَفها قال: ما عملت فيها؟ قال: قاتلتُ فيكَ حَتَّى استشهدْتُ. قال: كذبتَ، ولكنَّكَ قاتلتَ حَتَّى يقال إنكَ جريء فقدْ قِيل، ثمّ أمر به فسحبَ على وجهه حَتَّى ألقي في النَّارِ، ورجلٌ تعلَّم العلمَ، وعلَّمَهُ، وقرأ القرآنَ فأتي به فعرَّفه نعمه فعرَفها. قال: فما عملتَ فيها؟ قال: تعلمتُ العلمَ، وعلمتُهُ، وقرأت فيك القرآنَ. قال: كذبت، ولكنّكَ تعلمتَ العلم ليقال هو قارئ، فقد قيل، ثمّ أُمرَ به فسحب على وجهه حَتَّى ألقي في النار، ورجلٌ وسّعَ اللهُ عليه، وأعطاه من أصنافِ المالِ كلِّه فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيلٍ تحب أنْ ينفقَ فيها إلا أنفقتا فيها لك. قال: كذبتَ، ولكنَّكَ فعلتَ ليقال هو جوادٌ فقد قيل، ثم أمِرَ به فسحب على وجهه حَتَّى ألقي في النَّار" (١). قال الحافظ ابن رجب في كتابِه "شرح الأربعين النووية": لمّا بلغَ معاوية هذا الحديث بكى حَتَّى غشي عليه فلمّا أفاقَ قال: صدقَ الله ورسوله ﷺ قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ [هود: ١٥، ١٦] انتهى (٢). فدلّ هذا الحديث الشريف أنَّ أوّل مَنْ يحاسب هؤلاء الثلاثة

стр. 822

أشخاص؛ لأنّهم مراءون، ولا شك أنَّ الرياء مذمومٌ، وصاحبه من أبوابِ الخيرِ محروم. أخرجَ الإمام أحمد، وأبو داود، وابنُ ماجه عن أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: "مَنْ تعلم علمًا مما يُبتغى به وجه اللهِ لاَ ينعلمه إلاَّ ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عَرْف الجنَّةِ يومَ القيامة" (١) يعني ريحها. وأخرجَ الترمذي عن كعب بن مالك ﵁، عن النَّبي ﷺ قال: "من طلبَ العلمَ ليماري به السفهاء أَو يجاري به العلماء، أو يصرف به وجوه النَّاس إليه أدخله الله النَّار" (٢). وخرّجه ابن ماجه بمعناه من حديث ابن عمر، وحذيفة، وجابر ﵁ (٣). وأخرج الإمام أحمد عن أبي بن كعب ﵁، عن النَّبي ﷺ قال: "بشر هذه الأمّة بالثناء، والرفعةِ، والدين، والتمكين في الأرضِ فَمَنْ عملَ منهم عملَ الآخرةِ للدُّنيا لم يكنْ لهُ في الآخرةِ نصيب" (٤).

стр. 823

ولسنا بصدد بيان مذام الرياء، ويكفي فيه أنَّه شرك، فإنّه، الشرك الأصغر كما ثبت ذلك، والله الموفق ولنرجع إلى ما نحن بصدده من أمرِ الحسابِ قال ﷺ : "مَنْ نوقش الحسابِ عُذب" قالتْ عائشةُ ﵂: فقلت: "أليس يقول الله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩)﴾ [الانشقاق: ٧ - ٩] فقال: "إنما ذلك العرض، وليس [أحد] (١) يحاسب يوم القيامة إلا هلك" رواه البخاري ومسلم عنها (٢). وعند البزار والطبراني عن ابن الزبير ﵁ نحوه مرفوعًا، وعن عتبة بن عبد الله ﵁، عنَ النبي ﷺ أنّه قال: "لو أنَّ رجلاً يخرُّ علَى وجهِهِ مِنْ يومِ وُلِدَ إلى يومِ يموتُ في مرضاةِ الله لحقَرَه يومَ القيامةِ" (٣) رواه الطبراني: قال الحافظ المنذري: رواته ثقات إلا بقية قُلْتُ: يعضده ما رواه الإمام أحمد ﵁ بإسنادٍ صحيح عن محمد بن أبي عميرة ﵁، وكان من أصحابِ النبي ﷺ رفعه: "لو أنّ رجلاً خرّ عَلى وجهه من يومِ ولِدَ إلى

стр. 824

يوم يموت هرما في طاعة الله لحقره ذلك اليوم ولودّ أنّه لو رُدّ إلى الدّنيا كيما يزداد من الأجرِ والثوابِ" (١). وأخرجَ البزار عن أنس ﵁ مرفوعًا: "يخرج لابنِ آدم يومَ القيامة ثلاثة دواوين: ديوان فَيه العمل الصالح، وديوان فيه ذنوبه، وديوان فيه النعم من الله ، فيقول الله لأصغر نعمة أحسبه قال في ديوان النعم خذي ثمنك من عملِه الصالح، فتستوعب عملَه الصالح فإذا أرادَ اللهُ أنْ يرحم عبدًا قال: يا عبدي قد ضاعفتُ لكَ حسناتك، وتجاوزت عن سيئاتِك أحسبه قال: ووهبت لك نعمي" (٢). وأخرج الحاكم وصححه عن جابرٍ ﵁ قال: خرجَ علينا رسولُ اللهِ ﷺ فقال: "خرجَ من عنديَ خليلي جبريل آنفًا فقال: "يا محمد والذي بَعثك بالحق إنَّ للهِ عبدًا من عبادِه عَبَد الله خمسمائة سنة على رأسِ جبلٍ في البحرِ عرضه وطوله ثلاثون ذراعًا في ثلاثين ذراعًا، والبحر محيط به أربعة آلاف فرسخ من كلِّ ناحية، وأخرجَ له عينًا عذبة بعرض الأصبع تبض بماء عذب فيستنقع في أسْفلِ الجبلِ، وشجرة

стр. 825

رمان تخرج في كل ليلةٍ رمانة يتعبد يومه فإذَا أمسى نزلَ فأصاب من الوضوء، وأخذَ تلكَ الرمانة، فأكلها، ثم قامَ لصلاِته، فسألَ ربَّه عند وقت الأجل أنْ يقبضه ساجدًا، وأن لا يجعل للأرضِ، ولا لشيء يفسد عليه سبيلا حَتَّى يبعثه وهو ساجد قال: ففعل. فنحن نمر عليه إذا هبطنا، وإذا خرجنا فنجد له في العلمِ أنَّه يبعث يومَ القيامة فيوقف بين يدي الله تعالى فيقول له الرب: "دْخلوا عبدي الجنَّة برحمتي" فيقول: ربِّ بل بعملي فيقول: "أدخلوا عبدي الجنَّة برحمتي" فيقول: ربّ بل بعملي فيقول: "قايسوا عبدي بنعمتي عليه، وبعمله" فيوجد نعمة البصر قدْ أحاطتْ بعبادة خمسمائة سنة، وبقيتْ نعمة الجسدِ فضلاً عليه فيقول: "أدخلوا عبدي النّار" فيجر إلى النار فنادى: ربّ برحمتك أدخلني الجنة فيقول: "ردوه"، فيوقف بين يديه فيقول: "يا عبدي من خَلقكَ ولمْ تك شيئا؟ " فيقول: أنت يا رب فيقول: "مَنْ قواكَ لعبادةِ خمسمائة سنة؟ " فيقول: أنت يا رب فيقول: "من أنزلك في جبل وسط اللجةِ، وأخرجَ لكَ الماء العذبَ مِن الماءِ المالح، وأخرج لكَ كل ليلةٍ رمانة وإنّما تخرج مرة في السَّنة، وسألته أنْ يقبضك ساجدًا ففعل؟ " فيقول: أنتَ يا رب، قال: "فذلك برحمتي، وبرحمتي أدخلك الجنة" قال جبريل: إنّما الأشياء برحمةِ الله يا محمد" (١).

стр. 826

ولقد قلتُ مرتجلاً أشير لتقصيري عن شكر نعمه التي منَّ بها علي: عسى رحمة المولى الوسيعة في غدٍ ... تكون لنا حصنًا من النّارِ يا عدي فإنْ لم تكنْ لي رحمة اللهِ ملجأ ... فإنّي في تلك المصارع مرتدي فوا أسفي إنْ لمْ تكنْ لي فإنني ... على فرط تقصيري مع اللهِ معتدي وكم نعمةٍ للهِ ضيَّعْتُ شكرها ... وقابلتها بالبطش بالرجل واليدِ وفي بصري ما لو أقمت مجاهدًا ... مدى الدّهرِ يأكل المنى في تهجدي لما كان هذا غير في جنب شكره ... كما جاء في نص الحديث المسدد روينا حديثًا يا منى العين مسندا ... يشير لهذا فاتبعْ ذاكَ تهتدي وأخرجَ البخاري ومسلم عن عائشة الصديقة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "سَدِّدوا وقَاربُوا وأبشروا فَإنّ لنْ يُدْخِلَ أحدًا الجنةَ عَمَلُهُ" قالوا: ولا أنت يا رسولَ اللهِ؟ قال: "ولا أنا إلاّ أنْ يتغمدني اللهُ برحمته" (١). ورواه الإمام أحمد عن أبي سعيد مرفوعًا بلفظ: "لن يدخل الجنةَ أحد إلا برحمة الله" قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا إلاَّ أن يتغمدني الله برحمته" (٢) وقال بيده فوق رأسه. قُلْتُ: فهم بعض أشياخي من حديث الصحيحين هذا من قول النّبي ﷺ عند إملائه لنا حديث البخاري هذا من صحيحه قال: قوله ﷺ

стр. 827

"إلا أن يتغمدني الله برحمته" أي: فأدخل الجنة بعملي فقلت له: حيث تغمده الله برحمته أي عمل له أدخله الجنة قال: هذا مفهوم الحديث. قلت: بل المراد لنْ أدخل الجنّة إلا أنْ يتغمدني الله برحمته فيكون الاستثناء راجع لدخولِ الجنّة حسب فتكأكأ الشيخُ حفظه الله تعالى، ولم يبد جوابًا مع عدم ارتضاه لما قلنا. وأخرج الإمام أحمد، والترمذي عن عائشةَ ﵂ أنّ رجلاً من أصحابِ رسول الله ﷺ جلس بين يديه فقالَ: يا رسولَ اللهِ إنّي ليء مملوكين يكذبونني، ويخونونني، ويَعْصونني، وأضْربهم، وأشتمهم فكيْفَ أنا منهم؟ فقالَ لهُ رسول اللهِ ﷺ : "يحُسب ما خانوك وعصوك وكذبوك، وعقابك إياهم فإنْ كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلًا لكَ، وإنْ كانَ عقابك لهم بقدرِ ذنوبهم كان كفافا لا لك ولا عليك، وإنْ كان عقابك إياهم فوقَ ذنوبهِم اقتص لهم منك الفضل الذي بقي قِبَلك" فجعلَ الرّجل يبْكي بين يدي رسول اللهِ ﷺ ، ويهتف فقال رسول الله ﷺ : "ما لك ألا تقرأ كتابَ اللهِ ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء: ٤٧] " فقال الرجلُ: يا رسولَ الله ما أجد شيئًا خيرا من فراقِ هؤلاء يعني: عبيده أشهدك أنّهم أحرار (١).

стр. 828

قال الترمذي: حديث غريب، لكن قال الحافظ المنذري: إسناده يعني الترمذي، وإسناد الإمام أحمد متصلان, ورواتهما ثقات, وفيه عبد الرحمن بن غزوان يكنى أبا نوحٍ احتج به البخاري، وبقية رجال الإمام أحمد احتج بهم البخاري ومسلم (١). قُلْتُ: فيكون هذا الحديث صحيحًا والله أعلم. وقال ﷺ لوصيفٍ لهُ: "لولا القصاص لضربتك بهذا السواك" رواه أبو يعلى بإسنادٍ جيد (٢). وأخرج البزار بإسنادٍ حسن عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "منْ ضربَ مملوكَهُ سوطًا ظلمًا اقتص منه يوم القيامةِ" (٣). وأخرجَ الإمامُ أحمد بسند حسن عن عبدِ الله بن أُنيس ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "يحشر العباد يومَ القياَمة" أو قال: "الناس عراة غُرلاً بُهْمَا" قال: قنا: يا رسول اللهِ وما بهما؟ قال: "ليس معهم شيء، ثمّ يناديهم بصوتٍ يسمعه من بَعُد كما يسمعه مَن قَرُب: أنا الديان أنا الملك لا ينبغي لأحدٍ مِنْ أهلِ النَّارِ أنْ يدخل النَّار وله عند أحدٍ مِنْ أهلِ الجنَّة حقٌّ حَتَّى أقصّه منه، ولا ينبغي لأحد

стр. 829

من أهل الجنة أنْ يدخل الجنة ولأحدٍ من أهل النّار عنده حق حَتَّى أقصّه منه، حَتَّى اللطمة" قال: قلنا: كيف وإنّما نأتي عراة غُرلاً بُهْمًا؟ قال: "الحسنات، والسيئات" (١). وأخرجَ مسلمٌ عن أبي هريرة ﵁، عنه ﷺ أنّه قال: "المفلس مِنْ أمّتي مَنْ يأتي يومَ القيامة بَصلاةٍ وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته فإنْ فنيتْ حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خَطاياهم فطرحت عليه، ثمّ طُرحَ في النّارِ" (٢). وأخرج مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قالوا: يا رسولَ الله هل نرى ربَّنا يومَ القيامة؟ فقال: "هل تُضارونَ في رؤيةِ الشمس في الظهيرةِ ليستْ في سحابةٍ؟ " قالوا: لا قال: "فهل تُضارون في رؤيةِ القمرِ ليلةَ البدرِ ليس في سحابة؟ " قالوا: لا قال: "فوالذي نفْسي بيده لا تُضارون برؤية ربّكم إلا كما تُضارون في رؤية أحدهما فيلقى العبد ربّه فيقول: أي فل. -يعني: فلانا بمعنى يا فلان حذفت [منه] (٣) الألف، والنون لغير ترخيم كما قاله الأزهري (٤) وغيره.

стр. 830

انتهى - ألم أُكْرِمك، وأُسَّوِدك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ " - بمثناة فوق، فراء ساكنة فهمزة مفتوحة أي: تصير رئيسًا، وتربع أي: تأخذ ما يأخذه كبير الجيشِ، وهو ربع المغانم، ويقال له: المرباع قاله المنذري (١). فيقول: بلى يا رب فيقول: "أظننت أنكَ مُلاقِيِّ؟ " فيقول: لا يقول: "فإنيّ أنساك كما نسيتني" ثم يلقى الثاني فذكر مثل الأول، وكذا الثالث فيقول للثالث: "أظننت أنكَ مُلاقِي؟ " فيقول: أي يا رب آمنت بك، وبكتابك، وبرسلك، وصليت، وصمت، وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع فيقول: "هاهنا إذًا لا، ثمَّ يقول: "الآن نبعثُ شاهدًا عليك، فيتفكَّرُ في نفسهِ منْ ذا الذي يشهدُ عليَّ؟ فيُخْتَمُ على فيه، ويقالُ لفخذِهِ: "انطقي" فتنطقُ فخذهُ، ولحمهُ، وعظامهُ بعمله، وذلكَ ليعذرَ من نفسهِ وذلك المنافقُ وذلكَ الذي يَسْخَطُ اللهُ عليهِ" (٢). وأخرج البخاري عنه أيضًا قال: إنّ النّاس قالوا: يا رسول الله هل نرى ربَّنا يومَ القيامةِ؟ قال: "هل تمارون في القمرِ ليلة البدرِ ليسَ دونه سحاب؟ " قالوا: لا يا رسول اللهِ قال: "هل تمارون في الشمس ليسَ دونها سحاب؟ " قالوا: لا قال: "فإنكم ترونه، كذلك يحشر النّاس يومَ القيامة فيقول: مَنْ كانَ يعبدُ شيئًا فليتبعهُ، فمنهم مَنْ يتبع الشمسَ، ومنهم مَنْ يتبع القمرِ، ومنهم من يتبع الطواغيت، وتبقى

стр. 831

هذه الأمّةُ فيها منافقوها فيأتيهم اللهُ فيقول: أنا ربُّكم، فيقولون: هذا مكاننا حَتَّى يأتينا رَبُّنا فإذا جَاء ربنا عرفناه فيأتيهم الله فيقول: أنا ربُّكم، فيقولون: أنت ربُّنا فيدعوهم، ويضرب الصِّراط بين ظهراني جهنّم فَأكونُ أوّل من يجوز من الرّسل بأمَّته. ولا يتكلَّمُ يومئذ أحد إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذ: "اللهُمَّ سَلِّم سلِّم، وفي جهنمَ كلاليبُ مثل شوك السّعدان" أي: وهو نبت له شوك معقف فقال ﷺ : "هل رأيتم شوك السّعدان؟ " قالوا: نعم. قال: "فإنّها مثلُ شوكِ السعدان غير أنَّه لا يعلم قدر عظمها إلاَّ الله تخطف النَّاس بأعمالِهم فمنهم من يوبق بعمله، ومنهم من يخردل أي: يصرع وقيل يقطع. قال المنذري: المعنى أنه يقطعه كلاليب الصراط حَتَّى يهوي في النار (١). انتهى. ثمّ ينجو حَتَّى إذا أرادَ الله رحمة من أراد من أهل النارِ أمر الله الملائكةَ أنْ يخرجوا من كان يعبد الله فيخرجونهم فيعرفونهم بآثار السجود. وحرّم الله على النار أن تأكل أثرَ السّجود. فيخرجون من النّار، وقد امتُحشوا - أي: بضم التاء وكسر المهملة فشين معجمة أي: احترقوا، وقال الهيثم: هو أن تذهب ألنار الجلد وتبدي العظم انتهى. فيصب عليهم ماء الحياةِ فينبتون كما تنبت الحبة - أي: بكسر الحاء المهملة هي بزر البقول والرياحين وقيل: بزر العشب وقيل: نبت في الحشيش صغير وقيل: جميع بزور النبات وقيل: بزر ما

стр. 832

ينبت من غير بذر، وما بذر تفتح حاؤه ذكره الحافظ المنذري - في حميل السيل أي: زبد السيل، وما يلقيه على شاطئه، وهو بفتح الحاء المهملة وكسر الميم "ثمّ يَفْرغ اللهُ مِن القضاء بين العبادِ" (١) الحديث. وفي الصحيحين عن أيى سعيدٍ قال: قلنا: يا رسول اللهِ هل نرى ربنا يوم القيامة؟ وذكر الحديث وفيه: "فإذا كان يومُ القيامة أذَّن مؤذِّن: لتتبع كل أمّة ما كانت تعبد. فلا يبقى أحدٌ كان يعبد غيرَ اللهِ من الأصنامِ والأنصابِ إلاَّ يتساقطون في النّارِ حَتَّى إذا لمْ يبقَ إلاّ مَنْ كان يعبد اللهَ مِنْ بر وفاجر وغُبَّرِ أهلِ الكتابِ" أي: بقاياهم، وهو بغين معجمة مضمومة فموحدة مشددة مفتوحة جمع غابر. "فيدعى اليهودُ فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنَّا نعبدُ عُزير ابن اللهِ فيقال لهم: كذبتم ما اتخذ اللهُ مِنْ صاحبة ولا ولدٍ، فماذا تبغون؟ قالوا: عَطِشنا يا ربَّنا فاسقنا فيشار إليهم: ألا تَرِدونَ؟ فيحشرون إلى النَّار كأنها سراب يحْطِمُ بعضُها بعضا، فيتساقطون في النار، ثمَّ يدعى النصارى فيقال لهم ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن اللهِ فيقال لهم: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد فماذا تبغون؟ فيقولون: يا ربنا عطشنا فاسقنا فيشار إليهم: ألا تردون؟ فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضا فيتساقطون في النار. حَتَّى إذا لم يبقَ إلاَّ مَن كان يعبد الله من برّ وفاجر أتاهم الله في أدْنى صورة من التي رأوه فيها. قال: فما تنتظرون؟ تتبع كلُّ أمّةٍ ما

стр. 833

كانتْ تعبد قالوا: يا ربَّنا فارقنا الناسَ في الدنيا أفْقَرَ ما كنا إليهم ولم نصاحبهم. فيقول: أنا ربُّكم. فيقولون: نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئا (مرتين أو ثلاثا) حَتَّى إنّ بعضهم ليكاد أن ينقلبَ فيقول: هل بينكم وبينه آيةٌ فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاءِ نفسه إلا أذنَ له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتِّقَاءَ ورياءً إلا جعلَ ظهره طبقة واحدة. كلّما أرادَ أنْ يسجدَ خرّ على قفاهُ، ثم يرفعون رءوسهم وقد تحوَّل في صورته التي رأوه فيها أوّلَ مرةٍ فقال: أنا ربُّكم فيقولون: أنت ربُّنا ثم يضرب الصراط على جسر جهنم، وتحلّ الشفاعة، ويقولون: اللَّهُمَّ سَلِّم سَلِّم" (١). الحديث. تنبيه: قد تقدم أنّ أوّل مَنْ يحاسب العلماء، والمغازون، وأرباب الأموالِ والسعة، ومما ينبغي أنْ يعلم أنّ أوّل ما يحاسب عليه العبد الصلاة. أخرج ابن المبارك، وأبو داود، والترمذي وحسنه، والحاكم وصححه، والنسائي، وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنَّه قال: "أوّلُ ما يحاسب به العبد يوم القيامَة الصلاة يقول الله لملائكته: "انظروا لِصلاة عبدي أتمها أمْ نقصها فإنْ كانتْ تامة كتبت له تامة، وإنْ كان ينقص منها شيئًا قال الله: انظروا هل لعبدي من تطوع فإن كان له تطوع قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه ثم تؤخذ

стр. 834

الأعمال على ذلك" (١). وأخرج النسائي عن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "أول ما يحاسب عليه العبد صلاته، وأول ما يقضي بين الناس في الدماء" (٢). فإن قيل: قد ورد في التنزيل أن الناس لا يُسألون قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾ [الرحمن: ٣٩]. فالجواب: أنّ هذا معارضٌ بقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢، ٩٣]. ويجاب عن الآية الكريمة بأنّهم لا يسئلون سؤال استفهام لأنّه تعالى عالم بكلِّ أعمالهم، وإنما يُسألون سؤال تقرير فيقال لهم: فعلتم كذا (٣). قال في "البهجة" قال الحسن، وقتادة: لا يُسألون عن ذنوبهم لأن الله تعالى حفظها عليهم، وكتبتها الملائكة وأجيب بأنّهم لا يُسألون سؤال استفهام، بل سؤال تقرير، وقيل سَيُسألون في موطن دون موطن رواه عكرمة عن ابن عبّاس نظيره قوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾ [المرسلات: ٣٦] وفي آية أخرى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾ [الزمر: ٣١]. فللناس يوم القيامة

стр. 835

حالات والآيات مخرجة باعتبار تلك الحالات ومن ثمَّ قال إمام أهل السنة سيدنا الإمام أحمد أعلى الله شأنه في الدارين في أجوبته القرآنية قال في كلامه على هذه الآية الكريمة: أوّل ما تبعث الخلائق على مقدار ستين سنة لا ينطقون، ولا يؤذن لهم في الاعتذار فيعتذرون، ثُم يؤذن لهم في الكلام فيتكلمون (١) فذلك قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [السجدة:]، الآية فإذا أذنَ لهم في الكلامِ تكلموا، واختصموا فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾ [الزمر: ٣١] عند الحساب وإعطاء المظالم، ثم يقال لهم بعد ذلك: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٨] أي: عندي: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ [ق: ٢٨] يعني: في الدّنيا فإنَّ العذاب مع هذا القول كائن انتهى. فائدة: اختلف العلماءُ عن المسؤول عنه، والمسؤول فقال ابن عباس: عن لا إله إلاَّ الله، وقال الضحاك: عن خطاياهم، وقال القرطبي: عن جميع أقوالهم وأفعالهم (٢): ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦] ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣]. قال الفخر: ولا معنى لقولِ من يقول: إن السؤال إنّما يكون عن الكفر والإيمان، بل السؤال واقع عنهما، وعن جميع الأعمالِ لأن اللفظ عام

стр. 836

يتناول الكل (١)، والضمير في قوله: لنسألنهم عائد على جميع المكلفين الأنبياء وغيرهم، ومما يدل على سؤالهم صريحًا قوله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ [الأعراف: ٦]. قال: فهذه الآية تدلّ على أنّه تعالى يحاسب كلّ عبادِه لأنهم لا يخرجون عن أن يكونوا مرسلين أو مرسلاً إليهم، ويبطل قول من زعم أئه لا حساب على الأنبياءِ عليهم الصلاة والسلام ولا الكفار انتهى. قال العلامة رحمه الله تعالى: يمكن الجواب أن يقال لا حساب على الأنبياء حساب مناقشة، قال النسفي في "بحر الكلام": الأنبياء لا حساب عليهم، وكذلك أطفال المؤمنين، والعشرة المبشرون بالجنّة هذا في حساب المناقشة. قُلْتُ: الحديث المارّ يدلّ على أنّ كل من لم يدخل النار لا يناقش في الحساب, فإنّ من نوقش الحساب عُذِّبَ، وأمّا حساب العرضِ فلا يمتنع حَتَّى على الأنبياء وغيرهم، وهو أنْ يقال: فلعلت كذا وعفوت عنك، وحساب المناقشة لم فعلت كذا. وقال القرطبي: وهذا العموم -يعني: عموم الآية- مخصوص بأحاديث: "من يدخل الجنة بغيرِ حساب" كما سيأتي إنْ شاء الله تعالى. وقالَ شيخُ مشايخنا الإمام العلامة المتقن شيخ الإسلامِ محمد الأنصاري الخزرجى الحنبلى المعروف بالبلباني قدّس الله روحه في

стр. 837

"عقيدته" ما نصه: ويحاسب المسلمون المكلفون إلاّ مَنْ شاء الله أنْ يدخل الجنّة بغيرِ حساب، وكلّ مكلف مسئول ويسأل مَنْ شاء مِنَ الرّسل عن تبليغ الرسالةِ، ومَنْ شاء مِنَ الكفارِ عن تكذيب الرّسلِ. قال: فالكفار لا يحاسبون فلا توزن صحائفهم، وإنْ فعلَ كافرٌ قربة من نحو عتق أو صدقةَ، أو ظلمه مسلم رجونا له أن يخفف عنه العذاب انتهى. ولعل مراده غير عذاب الكفر، وأما عذاب الكفرِ فلا (١). وقال شيخُ الإسلامِ قدسَ اللهُ روحَه في عقيدته الواسطية: ويحاسب اللهُ الخلقَ، ويخلو بعبدِه المؤمن، ويقرره بذنوبه كما وصف ذلك في الكتابِ، والسّنة. قال: وأمَّا الكفار فلا يحاسبون محاسبة مَنْ توزن حسناته وسيئاته، فإنَّهم لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم وتحصى فيوقفون عليها، ويقررون بها. انتهى (٢). وعن ابن مسعودٍ ﵁: "ما مِن عبد يخْطو خطوة إلاّ ويسأل عنها مَا أرادَ بها" (٣). وعن أبي هريرةَ مرفوعًا: "إن أول ما يسأل عنه يومَ القيامةِ أنْ

стр. 838

يقالَ لهُ ألمْ أصحح جسمَكَ، وأرويكَ مِنَ الماء الباردِ؟ والذي نفسي بيده من النّعيم الذي تُسألون عنه يومَ القيامة ظل بارد، ورطب طيب، وماء بارد" (١). أخرجه البغوي. وأخرج الإمامُ أحمد، والبيهقي، وأبو نعيم عن الحسن مرفوعًا: "ثلاث لا يحاسب بهن العبد ظل خص يستظل به، وكسرة يشدّ بها صلبه، وثوب يوارى به عورته" (٢) وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود مرفوعًا في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ [التكاثر: ٨] قال: الأمن والصحّة (٣) ويروى: "أشد الناسِ حسابا الصحيح الفارغ، وما كثر مالُ رجلِ إلا كثر حسابه" (٤) والحاصل أنَّ العبدَ يُسْأل عن كلِّ شيء، ولقدْ أحسن من قال في ذلك: ولو أنا إذا متنا تُركنا ... لكَان المْوتُ راحة كلّ حي ولكنا إذا متنا بُعثنا ... ونسأل بعده عن كلِّ شيء (٥) والظاهر أنّه أرادَ بكلِّ شيء لم يرد الشرع باستثنائه والله تعالى أعلم.

стр. 839

فصل في حسَابِ البْهَائم قال يحيى بن جعدة: أوّل خلق اللهِ تعَالى يحاسب يومَ القْيامة الدواب، والهوام حَتَّى يقْضي اللهُ بينها حَتَّى لا يذهب شيء بظلامه، ثُم يَجْعلها ترابًا، ثمّ يبعَث الثقلين الإنس والجن فيحاسبهم، فيومئذ يتمنى الكافر ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠] وذكر نحوه البغوي عن عبد اللهِ بنِ عمرو ﵄، وأخرجه الحاكمُ عن ابن عمرو قال: "إذا كانَ يوم القياَمةِ مُدت الأْرض مَد الأديم، وحشر اللهُ الخلائق الإنس، والجن، والدواب، والوحوش، فإذا كان ذلك اليوم جعل اللهُ القصاص بين الدّواب حَتَّى يقضي للشاةِ الجماء من القرناء بنطحتها، فإذا فرغَ اللهُ من القْصاصِ بين الدّواب قال لها: "كوني ترابَا" فيراها الكافر فيقول: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ (١) [النبأ: ٤]. وأخرجَ ابن جريرٍ، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن أبي هريرة قال: "يحشر الخلق كلهم يومَ القيامة البهائم، والدواب، والطير، وكل شيء فيبلغ من عدلِ الله أنْ يأخذَ للجماء من القرناء، ثمَّ يقول: "كوني

стр. 840

ترابا" (١) فذلك حين يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابا. وقال مقاتل: يجمع الله الوحوشَ، والهوام، والطير، فيقضى بينهم حَتَّى يقضي للجماء من القرناء، ثم يقول لهم: "أنا خلقتكم، وسخرتكم لبني آدم، وكنتم مطيعين أيام حياتكم، فارجعوا إلى الذي كنتم كونوا ترابا" فإذا التفت الكافر إلى شيء صار ترابًا يتمنى فيقول: يا ليتني كنت في الدنيا في صورة خترير، وكنت اليوم ترابا. تنبيه: ذكر البغوي عن عبد الله بن ذكوان قال: إذا قضى اللهُ بين النَّاس، وأمر أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النَّار إلى النار قيل لسائر الأمم، ولمؤمني الجن: عودوا ترابا فيعودون ترابا فحينئذ يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابا. وبه قال ليث بن أبي سليم: مؤمنوا الجنِّ يعودون ترابا (٢): قُلْتُ: والحق أن الجنّ كالإنس يدْخل مؤمنهم الجنة، وكافرهم النار. قال الإمام العلامة شمس الدِّين محمد بن مفلح الراميني الحنبلي (٣)

стр. 841

طيب اللهُ ثراه في كتابهِ الفْروع ما نصه الجنُّ مكلفون في الجملةِ إجماعا، ويدخل كافرُهم النار إجماعا، ويدخل مؤمنهم الجنَّة وفاقا لمالك، والشافعي لا أنَّه يصير ترابا كالبهائم، وثوابه النجاة مِنَ النار خلافا لأبي حنيفة وأطال (١). وقال شيخ مشايخنا العلامة بدر الدين البلباني في عقيدته: والجن مكلفون يدخل مؤمنهم الجنة، وكافرهم في النار (٢) انتهى. وقال العلامة في "البهجة" وبعضهم جعلَ مؤمني الجنِّ كالبهائم في أنَّه إذا حَاسبهم الله تعالى يعودون ترابا، والصواب لا. وقال في موضع آخر: وقال بعضهم: لا ثواب للجنِّ إلاَّ النَّجاة مِنَ النَّارِ، ثم يقال لهم: كونوا ترابًا مثل البهائم، وهو قول أبي حنيفة حكاه عنه ابن حزم إلى أنْ قال: والصواب أنهم يثابون على الطاعةِ، ويعاقبون على المعصيةِ، وهو قول ابن أبي ليلى، ومالك، ونقل عن الأوزاعي، وأبي يوسف، ومحمد، وهو مذهب أحمد، والشافعي، وسئل ابن عباس: هل لهم ثواب؟ فقال: نعم لهم ثواب، وعليهم عقاب، وعن عمر بن عبد العزيز: أن مُؤْمِني الجن حول الجنة. وقال الضحاك: يأكلون في

стр. 842

الجنَّةِ، ويشربون. وقال مجاهد: يدخلونها ولكن لا يأكلون، ولا يشربون، ويلهمون التسبيح والتقديس، فيجدون فيه ما يجد أهل الجنة من لذيذِ الطعام والشراب. وقال بعض العلماء: إنا نراهم في الجنةِ، ولا يرونا عكس الدنيا. انتهى (١). وأخرج الإمام أحمد، وأبو نعيم عن عمران الجوني قال: حدثت أنّ البهائم إذا رأت بني آدم قد تصدعوا من بين يدي الله صنفين صنفًا إلى الجنةِ، وصنفًا إلى النَّارِ تناديهم البهائم الحمد لله الذي لم يجعلنا اليوم مثلكم لا جَنّة نرجو، ولا عقاب تحاف (٢). وأخرجَ البخاري عن ابن عمر مرفوعًا: "دخلت امرأة النَّار في هزة حبستها فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل مِنْ خَشاش الأرضِ حَتَّى ماتت" (٣) فظهر أنه يقتص من الإنسانِ للبهائم. وأخرجَ مسلم، والترمذي عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "لتُؤَدَّنّ الحْقوق إلى أهلها يوم القيامة حَتَّى يقاد لَلشاةِ الجلحاء أي: التي لا قرون لها من الشّاةِ القرناء" (٤) ورواه الإمام أحمد بلفظ أنَّ رسول الله ﷺ قال:

стр. 843

"يقتص للخلق بعضهم من بعض حَتَّى للجماء من القرناء، وحتى للذرة من الذرة" (١). ورواته رواة الصحيح. وأخرج الإمام أحمد أيضًا عن أبي هريرة ﵁، عن النّبي ﷺ أنَّه قال: "ليختصمن كلّ شيء يومَ القيامةَ حَتَّى الشاتان فيما انتطحتا" (٢) وإسناده حسن، ورواه أيضًا هو، وأبو يعلى عن أبي سعيدٍ (٣). إذا علمت ذلك تبين لك أن حشرَ البهائم حقٌ. وقد جرى بين العلماء في ذلك نزاع، وها نحن نذكر طرفًا مِنْ ذلك مبرهنين، ومحققين على ما نعتمد عليه إنْ شاء الله تعالى. قال ابن دحية (٤) في كتابه "الآيات البينات" (٥): اختلف النَّاسُ في حشرِ البهائم، وفي جريان القْصاصِ بينها، فقال الشيخ أبو الحسن الأشعري (٦): لا تجوز المقاصة بين البهائم لأنَّها غيرُ مكلفةٍ، وما ورد في ذلك من الأخبارِ نحو قوله ﷺ : "يقتص للجماء من القرناء ويسأل العود لم خدش العود". فعلى سبيل المثل، والإخبار عن شدة التقصي في

стр. 844

الحساب، وأنّه لابد أنْ يقتص للمظلوم من الظالِم وقال الأستاذ أبو إسحق الإسفراييني: يجري القصاص بينها، ويحتمل أنها كانتْ تعقل هذا القدر فى دار الدنيا. قال ابن دحية: وهذا جار على مقتضى العقل والنقل؛ لأنَّ البهيمة تعرف النفع والضر فتفر من العصا، وتقبل للعلف، وينزجر الكلب إذا زجر، وإذا انشلى استشلى، والمطير والوحش تفر من الجوارح استدفاعًا لشرها. فإنْ قيل: القصاص انتقام، والبهائم ليستْ مكلفة، فالجواب أنها ليستْ بمكلفة لكن الله تعالى يفعل في ملكهِ ما أراد كما يسلط عليهم في الدّنيا التسخير لبني آدم، والذبح لما يؤكل منها، ولا اعتراض عليه سبحانه، وأيضًا فإن البهائم إنَّما يقتص لبعضها من بعض لا أنها لا تطالب بارتكاب نهي ولا مخالفة أمرٍ لأنّ هذا ممَّا خصَّ اللهُ به العقلاء. ولمَّا كثر النّزاع في ذلك وكان فيه نوع إشكال على العقولِ نظرنا فإذا هو يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] فنظرنا في القرآن فإذا فيه ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ [التكوير: ٥] والحشر هو الجمع كما مر ونظرنا في السّنة فإذا هي مشحونة من الأخبار الصحيحةِ، والآثار الصريحة في ذلك ممَّا ذكرناه آنفًا فتحققنا أنَّ الحق الذي لا محيد دنه هو القول بما صرحت به السنة الغراء ولا التفات لِمَنْ خالفها. قُلْتُ: وإذا تأمل العاقل في أحوالِ الحيوان انكشف له عن حقيقة

стр. 845

ذلك، ولاح له البرهان، فانظرْ في حال النملة كيف تحمل قوتها وتدخره لزمن الشتاء؟! وانظر إلى النحلةِ تجد أمرًا يذهل العقول فإنَّها تجني من الأنوارِ والأزهار، وتتنزه عن النجاسات والأقذار، وتطيع لواحد من جملتها وهو أكبرها شخصًا وهو أميرها، ثم انظر إلى ما ألهمهَا الله مِنَ العْدلِ، والإنصاف فإنَّ كبيرها يقتل كلّ من وقعَ على نجاسة، أو خالفَ أمرًا أمر به، ثمَّ تأمل في بنيانها بيتها من الشمع، واختيارها الشّكل المسدس؛ لأنَّه أوسعُ الأشكالِ، وأحواها وكم في ذلك من حكمةٍ تدق على فهم كلّ ذي فهم. وروى أبو نعيم (١) عن ابن مسعود ﵁ قال: كنت عند كعب الأحبار وهو عند عمر بن الخطاب ﵁ فقال كعب: يا أميرَ المؤمنين ألا أخبرك بأغرب شيء قرأتهَ في كتب الأنبياء ﵈ أنَّ هامة جاءت إلى سليمان بنِ داود ﵉ فقالت: السّلام عليك يا نبي اللهِ فقال: وعليكِ السّلام يا هامة أخبريني كيف لا تأكلين من الزرع؟ قالت: يا نبي اللهِ إنّ آدم أخرج مِنَ الجْنةِ بسببه فقال: فكيف لا تشربين الماء؟ قالت: [لأنَّ الله أغرق] (٢) قوم نوح فيه فمن أجل ذلك لا أشربه فقال لها سليمان: كيف تركت العمران، وسكنت الخراب؟ فقالت؛ لأنَّ الخرابَ ميراثُ اللهِ فأنا أسكن ميراثَ اللهِ قال الله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ
следующие страницы →