← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 132973

البحور الزاخرة في علوم الآخرة

السفاريني

Полный текст (1 621 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

طيب اللهُ ثراه في كتابهِ الفْروع ما نصه الجنُّ مكلفون في الجملةِ إجماعا، ويدخل كافرُهم النار إجماعا، ويدخل مؤمنهم الجنَّة وفاقا لمالك، والشافعي لا أنَّه يصير ترابا كالبهائم، وثوابه النجاة مِنَ النار خلافا لأبي حنيفة وأطال (١). وقال شيخ مشايخنا العلامة بدر الدين البلباني في عقيدته: والجن مكلفون يدخل مؤمنهم الجنة، وكافرهم في النار (٢) انتهى. وقال العلامة في "البهجة" وبعضهم جعلَ مؤمني الجنِّ كالبهائم في أنَّه إذا حَاسبهم الله تعالى يعودون ترابا، والصواب لا. وقال في موضع آخر: وقال بعضهم: لا ثواب للجنِّ إلاَّ النَّجاة مِنَ النَّارِ، ثم يقال لهم: كونوا ترابًا مثل البهائم، وهو قول أبي حنيفة حكاه عنه ابن حزم إلى أنْ قال: والصواب أنهم يثابون على الطاعةِ، ويعاقبون على المعصيةِ، وهو قول ابن أبي ليلى، ومالك، ونقل عن الأوزاعي، وأبي يوسف، ومحمد، وهو مذهب أحمد، والشافعي، وسئل ابن عباس: هل لهم ثواب؟ فقال: نعم لهم ثواب، وعليهم عقاب، وعن عمر بن عبد العزيز: أن مُؤْمِني الجن حول الجنة. وقال الضحاك: يأكلون في

стр. 842

الجنَّةِ، ويشربون. وقال مجاهد: يدخلونها ولكن لا يأكلون، ولا يشربون، ويلهمون التسبيح والتقديس، فيجدون فيه ما يجد أهل الجنة من لذيذِ الطعام والشراب. وقال بعض العلماء: إنا نراهم في الجنةِ، ولا يرونا عكس الدنيا. انتهى (١). وأخرج الإمام أحمد، وأبو نعيم عن عمران الجوني قال: حدثت أنّ البهائم إذا رأت بني آدم قد تصدعوا من بين يدي الله صنفين صنفًا إلى الجنةِ، وصنفًا إلى النَّارِ تناديهم البهائم الحمد لله الذي لم يجعلنا اليوم مثلكم لا جَنّة نرجو، ولا عقاب تحاف (٢). وأخرجَ البخاري عن ابن عمر مرفوعًا: "دخلت امرأة النَّار في هزة حبستها فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل مِنْ خَشاش الأرضِ حَتَّى ماتت" (٣) فظهر أنه يقتص من الإنسانِ للبهائم. وأخرجَ مسلم، والترمذي عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "لتُؤَدَّنّ الحْقوق إلى أهلها يوم القيامة حَتَّى يقاد لَلشاةِ الجلحاء أي: التي لا قرون لها من الشّاةِ القرناء" (٤) ورواه الإمام أحمد بلفظ أنَّ رسول الله ﷺ قال:

стр. 843

"يقتص للخلق بعضهم من بعض حَتَّى للجماء من القرناء، وحتى للذرة من الذرة" (١). ورواته رواة الصحيح. وأخرج الإمام أحمد أيضًا عن أبي هريرة ﵁، عن النّبي ﷺ أنَّه قال: "ليختصمن كلّ شيء يومَ القيامةَ حَتَّى الشاتان فيما انتطحتا" (٢) وإسناده حسن، ورواه أيضًا هو، وأبو يعلى عن أبي سعيدٍ (٣). إذا علمت ذلك تبين لك أن حشرَ البهائم حقٌ. وقد جرى بين العلماء في ذلك نزاع، وها نحن نذكر طرفًا مِنْ ذلك مبرهنين، ومحققين على ما نعتمد عليه إنْ شاء الله تعالى. قال ابن دحية (٤) في كتابه "الآيات البينات" (٥): اختلف النَّاسُ في حشرِ البهائم، وفي جريان القْصاصِ بينها، فقال الشيخ أبو الحسن الأشعري (٦): لا تجوز المقاصة بين البهائم لأنَّها غيرُ مكلفةٍ، وما ورد في ذلك من الأخبارِ نحو قوله ﷺ : "يقتص للجماء من القرناء ويسأل العود لم خدش العود". فعلى سبيل المثل، والإخبار عن شدة التقصي في

стр. 844

الحساب، وأنّه لابد أنْ يقتص للمظلوم من الظالِم وقال الأستاذ أبو إسحق الإسفراييني: يجري القصاص بينها، ويحتمل أنها كانتْ تعقل هذا القدر فى دار الدنيا. قال ابن دحية: وهذا جار على مقتضى العقل والنقل؛ لأنَّ البهيمة تعرف النفع والضر فتفر من العصا، وتقبل للعلف، وينزجر الكلب إذا زجر، وإذا انشلى استشلى، والمطير والوحش تفر من الجوارح استدفاعًا لشرها. فإنْ قيل: القصاص انتقام، والبهائم ليستْ مكلفة، فالجواب أنها ليستْ بمكلفة لكن الله تعالى يفعل في ملكهِ ما أراد كما يسلط عليهم في الدّنيا التسخير لبني آدم، والذبح لما يؤكل منها، ولا اعتراض عليه سبحانه، وأيضًا فإن البهائم إنَّما يقتص لبعضها من بعض لا أنها لا تطالب بارتكاب نهي ولا مخالفة أمرٍ لأنّ هذا ممَّا خصَّ اللهُ به العقلاء. ولمَّا كثر النّزاع في ذلك وكان فيه نوع إشكال على العقولِ نظرنا فإذا هو يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] فنظرنا في القرآن فإذا فيه ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ [التكوير: ٥] والحشر هو الجمع كما مر ونظرنا في السّنة فإذا هي مشحونة من الأخبار الصحيحةِ، والآثار الصريحة في ذلك ممَّا ذكرناه آنفًا فتحققنا أنَّ الحق الذي لا محيد دنه هو القول بما صرحت به السنة الغراء ولا التفات لِمَنْ خالفها. قُلْتُ: وإذا تأمل العاقل في أحوالِ الحيوان انكشف له عن حقيقة

стр. 845

ذلك، ولاح له البرهان، فانظرْ في حال النملة كيف تحمل قوتها وتدخره لزمن الشتاء؟! وانظر إلى النحلةِ تجد أمرًا يذهل العقول فإنَّها تجني من الأنوارِ والأزهار، وتتنزه عن النجاسات والأقذار، وتطيع لواحد من جملتها وهو أكبرها شخصًا وهو أميرها، ثم انظر إلى ما ألهمهَا الله مِنَ العْدلِ، والإنصاف فإنَّ كبيرها يقتل كلّ من وقعَ على نجاسة، أو خالفَ أمرًا أمر به، ثمَّ تأمل في بنيانها بيتها من الشمع، واختيارها الشّكل المسدس؛ لأنَّه أوسعُ الأشكالِ، وأحواها وكم في ذلك من حكمةٍ تدق على فهم كلّ ذي فهم. وروى أبو نعيم (١) عن ابن مسعود ﵁ قال: كنت عند كعب الأحبار وهو عند عمر بن الخطاب ﵁ فقال كعب: يا أميرَ المؤمنين ألا أخبرك بأغرب شيء قرأتهَ في كتب الأنبياء ﵈ أنَّ هامة جاءت إلى سليمان بنِ داود ﵉ فقالت: السّلام عليك يا نبي اللهِ فقال: وعليكِ السّلام يا هامة أخبريني كيف لا تأكلين من الزرع؟ قالت: يا نبي اللهِ إنّ آدم أخرج مِنَ الجْنةِ بسببه فقال: فكيف لا تشربين الماء؟ قالت: [لأنَّ الله أغرق] (٢) قوم نوح فيه فمن أجل ذلك لا أشربه فقال لها سليمان: كيف تركت العمران، وسكنت الخراب؟ فقالت؛ لأنَّ الخرابَ ميراثُ اللهِ فأنا أسكن ميراثَ اللهِ قال الله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ

стр. 846

قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (٥٨)﴾ [القصص: ٥٨] فالدُّنيا ميراث الله كلها (١). قال سليمان: فما صياحكِ في الدور إذا مررتِ [عنها]؟ (٢) قالت: أقول: ويل لبني آدم كيف ينامون وأمامهم الشدائد. قال: هما بالكِ لا تخرجين في النَّهار؟ قالت: من ظلم بني آدم (٣) أنفسهم. قال: فأخبريني ما تقولين في صياحك؟ قالت: أقول: تزوّدوا يا غالفين، وتهيّؤا لسفركم سبحان خالق النّور. قال سليمان (٤): ليس في الطيورِ طير أنصح لابن آدم، وأشفق عليه من الهْامة، وما [على] (٥) قلوب الجهال أبغض [منها] (٦). فانظر كيف تعرف أنَّ أمام النَّاس شدائد. وذكر في حياة الحيوان أنّ سيّدنا سليمان ﵇ مرّ على حمامة تغرّد فقال: أتدرون ما تقول هذه الحمامة؟ فقالوا: لا فقال: إنها تقول: يا ليت هذا الخلق ما خلقوا، وليتهم إذ خلقوا علموا لما خلقوا، وليتهم إذ علموا عملوا بما علموا، وأنشدت في ذلك ارتجالاً أبياتًا منها: يا ذا النهى قد جاء في خبر ... نرويه عن من قبلنا سبقوا

стр. 847

إن ابن داود النّبي رأى ... حمامة قد حفّها الوَرَقُ تقول في تغريد نغمتها ... يا ليت هذا الخلق ما خلقوا والحاصل أنَّ الله له حِكَمٌ يدقّ فهمها عن إدراك أولى الألباب فالواجب على كلّ موفق التسليم للنصوص الواردة فى الكتاب العظيم، وفي سنة نبيه الكريم حيث ثبتت عنه ﷺ بالأسانيد المقبولة، فإنْ طابقت العقل فبها ونعمت، وإلا علمنا أنَّ ذلك العقل الذي لم يدرك كنه ذلك إنّما لم يدرك ذلك لانحراف فيه لا أنَّ الحديث الثابت عن حضرة الرسالة يرد لعدم قبول عقل بعض الناس له، والله أعلم.

стр. 848

فصل فى حساب النَّاس والإتيان بالشهود قال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ [الأعراف: ٦] قال ترجمان القرآن ابن عباس ﵄: يسأل النّاس جميعًا عمّا أجابوا المرسلين، والمرسلين عما بلغوا، وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [الزمر: ٦٩] قال المفسرون: يعني: الكتب التي فيها أعمال العباد، وجيء بالنبيين يسألهم ربّهم عمّا أجابتهم به أممهم. وقال ابن عباس ﵄ في الشهداء هنا: هم الذين يشهدون للرسلِ بتبليغ الرَّسالة إذا جحد أممهم. وقيل: الحفظةُ الموكَّلون بالعبدُ، وقيل: الذين يستشهدون في طاعة الله. وقال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١)﴾ [ق: ٢١] قال مكي: المراد به البر والفاجر. وقال الضحاك: المشركون. واختلفوا في السائق فقيل: ملك وهو قول جلّ المفسرين كابن عباس، وغيره. وقيل: قرينها من الشّياطين. وقد يستأنس له بخبر الصّحيح عن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: "ما منكنم من أحد إلاّ وكل به قرينه من الجن". قالوا: وإياك يا رسول الله. قال: "وإياي إلا أنّ الله سبحانه أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير" (١) وأكثر الروايات فأسلمَ

стр. 849

بالنصب أي: فإنَّه أي: قريني أسلم، وقيل: فأسلمُ بالرفع على أنّه فعلٌ مضارع أي: فأسلمُ منه. والأوّل أظهر بدليل تمام الحديث: "فلا يأمرني إلا بخير". وقال ابن عباس، وجمع من المفسرين: المراد بالشهيد العمل. وقال الضحاك: إنّه مِنْ أنفسهم الأيدي، والأرجل. وقال مجاهد: السائق، والشهيد ملكان. إذا علم هذا فذكر العلماء رحمهم الله تعالى أنَّ أول ما يسأل اللوح المحفوظ، فإسرافيل، فجبريل، ثم أصحاب الشرائع. وأخرج أبو الشيخ "أول من يحاسب يوْم القيامة اللوح المحفوظ يُدعى بِه ترعد فرائصه، فيقال له: هَلْ بلّغت؟ فيقول: نعم. فيقول: مَنْ يشهد لك؟ فيقول: إسرافيل، فيُدْعى إسرافيل ترعد فرائصه (١)، فيقال له: هل بلغكَ اللوح؟ فإذا قال: نعم. قال اللوح: الحمدُ لله الذي نجاني من سوء الحسابِ". وأخرج أيضًا قال: "إذا كان يومُ القيامةِ دُعي إسرافيل ترعد

стр. 850

فرائصه، فيقال: ما صنعت فيما أدى إليكَ اللوح؟ فيقول: بلغت جبريل. فيدعى جبريل ترعد فرائصه، فيقال: ما فعلت فيما بلغك إسرافيل؟ فيقول: بلغت الرّسل. فيؤتى بالرّسل، فيقال: ما صنعتم فيما أدى إليكم جبريل؟ فيقولون: بلغنا الناس فذلك قوله تعالى ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ [الأعراف: ٦] (١). وفي رواية "فيقول جبريل بلغتُ محمدا. فيأمر الله أن يقدم محمد بالرفق واللين، فتأتيه الملائكة مع جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، فيقولون: أجبْ ربَّك . فيقول جبريل: يا محمد تداركني فإن محبتي معك إنّما كانتْ لأجلِ هذا اليوم قال: فيأتي النبي ﷺ ، ويسجد بين يدي الله، فيقول الله لي: ارفع رأسك، وسلْ تُعطَه، واشفع تُشَفع فيقول الله: هل بلغكَ جبريل. فأقول: نعم. فيقول الله: وما صنعتَ بها فأقول: بلغتها إلى أمّتي قال: فيأمر الله حتى تقدم أمتي .. " الخبر، وفي النفس منه شيء. وأخرج البخاري، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يُدعَى نوح يومَ القيامة فيقال: هل بلغت؟ فيقول: نعم. فتدعى أمّته، فيقال لهم: هل بلغكم نوح؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، وما أتانا أحد فيقال: من يشهد لك؟ فيقول: محمد ﷺ ، وأمته فذلك قوله ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً

стр. 851

وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (١) [البقرة: ١٤٣] الآية. وأخرجَ ابن جرير، وابن مردوية عن جابر ﵁ مرفوعًا: "أنا وأمّتي يومَ القيامةِ على كوم مشرفين على الخلائق ما من الناس أحد إِلاَّ وَدَّ أي: طلب وتمنى أنَّه منا، وما من نبي كذّبه قومه إلاَّ ونحن نشهد أنَّه بلغ رسالة ربّه" (٢). قوله على كوم: هو الشيء المرتفع. قال المفسرون: تشهد أمّة محمد يوم القيامة للأنبياء على أممهم بالتبليغ، فيقول الله لهم: شهدتم على من لم تحضروا فيقولون: أي ربنا أنت أعلم جاءنا رسولك، ونزل إلينا كتابك، فنحن نشهد بما عهدت إلينا، وأعلمتنا به فيقول الله: صدقتم. وفي خطبته ﷺ في حجة الوداع: "إنكم تسألون عنّي فمَا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنَّكَ قدْ بلغت، وأدّيت، ونصحت فقال: اللهمَّ اشهد" ﷺ (٣).

стр. 852

فصل في شهادة الأعضاءِ والأزمنة والأمكنة . قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾ [يس: ٦٥] وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ﴾ [فصلت: ٢١]. وأخرجَ مسلم، عن أنسٍ ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ فضحك فقال: "تدرون ممّا أَضحك؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم قال: "من مخاطبة العبد ربّه يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم، فيقول: بلى. فيقول: إنيّ لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني. فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا وبالكرام الكاتبين عليك شهودا. فيختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي، فتنطق باعماله، فيقول: بُعدًا [وسحقًا] (١) لكن فعنكنّ كنت أناضل" أي: أجادل، وأخاصم، وأدافع (٢). وأخرج الإمام أحمد، والطبراني عن عقبة بن عامر ﵁ مرفوعًا: "إنّ أوّل عظم من الإنسانِ يتكلم يوم يختم على الأفواه فخذه من الرِّجل الشمال" (٣).

стр. 853

وأخرج ابن جرير عن أبي موسى الأشعري ﵁: "يدعى الكافر والمنافق للحساب، فَيعْرِضُ عليه ربُّهُ عَمَلَهُ فيجحد، ويقول: أي رب، وعزتك لقد كتب على هذا الملك ما لم أعمل فيقول له الملَك: أما عَمِلتَ كذا في يوم كذا في مكان كذا فيقول: لا وعزتك. فإذا فعل ذلك ختم على فيه". قال أبو موسى: فإنّي أحسب أوّل ما ينطق منه فخذه اليمين، ثمّ تلى (١) ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾ [يس: ٦٥]. وأخرج الإمام أحمد عن حكيم بن معاوية، عن أبيه، عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: "تجيئون يومَ القيامة على أفواهكم الفدام (٢)، وإنَّ أوّل ما يتكلم من الآدمي فخذه" (٣) فهذا الحديث لم يبين أيّ فخذي المرء ينطق أوّلا، والذي قبله: "إنّ أوّل ما ينطق من الإنسان فخذه اليمين، والذي قبله الشمال"، ولعل ذلك يختلف باختلاف الأشخاصِ على أنّ حديث عقبة جزم بأنَّ أوّل ما يتكلم من الإنسان فخذه من الرِّجل الشّمال، وحديث أبي موسى لم يجزم بل قال: أحسب، وأيضًا حديث عقبة صرح برفعه إلى النبي ﷺ ، ولا كذلك أبي موسى نعم هو في حكم المرفوع إلا أنَّ حديث عقبة مقدم هنا على حديث أبي موسى لما ذكرنا، ولم أدر ما حكمة نطق الفخذ أولا والله أعلم. فصوّر نفسك أيّها المغرور في ذلك المقام وتأمل في حالتك إذا

стр. 854

اشتد الزحام، ونطق أعضاؤك بما لممت به في غابر الأيام، فيا لها من ساعة ما أفظعها، وهتيكة ما أشنعها، شهدت عليك أعضاؤك بما عملت من الجرائم، ونطقت بذلك أبعاضك بما فعلت من المظالم، وانتهكت من المحارم، فهذه لعمري الحسرة العظيمة، والمصيبة الجسيمة، وأنشدوا: خليلي ما أقضي وما أنا قائل ... إذ جئت عن نفسي (١) بنفسي أجادل وقد وضع الرحمنُ في الحْشرِ عدله ... وسِيق جميع النَّاسِ واليوم باسل (٢) وجيء بجرم النار خاضعة له ... وتلت عروس عندها ومجادل (٣) فيا ليت شعري ذلك اليوم هل أنا ... أسامح أم أجزى بما أنا فاعل فإن أك مجريا فعدل وحجة ... وإن يك غفران ففضل ونايل فيا خير مأمول ويا خير راحم ... ويا خير من ترجى لديه الوسائل تعطف على العاصين واغفر ذنوبهم ... فعفوك مأمول وجودك شامل وصل على خير الأنام محمّد ... صلاة [بها] تعطيه ما هو آمل وقُلْتُ في المعنى: كَفَى حسرة يا نَفْس لو كُنت تعْلمي ... شهادة أعضائي بما كنت تجرمي ونادى منَاد الحق ها أنت شاهد ... عليك وقد ختم العظيمُ على فمي

стр. 855

فوا خجلتي يا نفسُ في ذلك الملأ ... إذَا قِيل هذا قد أتى بمحرم فيا نفس تُوبي واتقي الله وارجعي ... وصومي وصلي واحفظ الله تسلمي وقومي على الطاعات وارعي حدودَ مَنْ ... براكَ [وتوبي] (١) واتقي الله واندمي ونوحي على الذَّنبِ القديم الذي مضى ... لعلك يا نفسي لدى الله تُرحَمِي وإن كنتِ نفسي فاذكري الله واحذري ... محارمه طرا وصلي وسلمي على المصطفى الهادي الأمين وآله ... وأصحابه ما عَنَّ لي في ترنمي قال المفسرون في قوله تعالى حكاية عن المشركين ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]: إنهم إذا رأوا في القيامة مغفرةَ اللهِ تعالى، وتجاوزه عن أهل التّوحيدِ قال بعضهم لبعض: تعالوا نكتم الشركَ لعلنا ننجوا مع أهل التوحيد فيقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] فيقول اللهُ لهم ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢] أنَّهم شركاء ثُمّ يختم على أفواههم، وتشهد جوارحُهم بالكفر. وأخرج أبو يعلى، والحاكم وصححه عن أبي سعيد ﵁ مرفوعًا: "إذا كان يوم القيامة يمر الكافر بعمله فيجحدَ، ويخاصم فيقال: هؤلاء جيرانك يشهدون عليك فيقول: كذبوا، فيقول: أهلك وعشيرتك، فيقول: كذبوا، فيقول: احْلفوا فيحلفون، ويصمتهم الله، ويشهد عليهم ألسنتهم، فيدخلهم النَّار" (٢).

стр. 856

وأخرج الإمام أحمد، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن حبان، والبيهقي عن أبي هريرة ﵁ قال: قرأ رسولُ اللهِ ﷺ هذه الآية: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤)﴾ [الزلزلة: ٤] أي: تشهد على كلِّ عبدٍ وأمة بما عمل على ظهرها تقول: عمل كذا وكذا، يوم كذا وكذا فذلك أخبارها" (١). وأخرج الطبراني أنَّ رسول الله ﷺ قال: "تحفظوا مِنَ الأرضِ فإنّها أمكم، وإنّه ليسَ من أحد عامل عليها خيرًا، أو شرًا إلاَّ وهي مخبرة" (٢). وأخرجَ أبو نعيم (٣) عن معقل بن يسار مرفوعًا: "ليس من يوم يأتي على ابن آدم إلاّ ينادي فيه يا ابن آدم أنا خلقٌ جديد، وأنا فيما تعمل غدًا شهيد، فاعملْ فيّ خيرًا أشهد لكَ به غدًا فإنيّ لو قد مضيت لم ترني أبدًا، ويقول الليل مثل ذلك". وأخرج البخاري عن أبي سعيد الخدري أنَّه قال لعبدِ الرحمن: إني أراك تحب الغنم، والبادية فإذا كنت في غنمك، أو باديتك فأذّنت للصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنّه لا يسمع صوت المؤذن جنٌّ ولا إنس ولا شيء إلاّ شهدَ يوم القيامة (٤).

стр. 857

فائدة: أخرج الأصبهاني في ترغيبه (١) عن أنس ﵁ مرفوعًا: "إذا تابَ العبدُ مِنْ ذنوبه أنسى الله حفظته ذنوبه، وَأنسى ذلك جوارحه، ومعالمه من الأرضِ حَتَّى يلقى الله يومَ القيامة وليس عليه شاهد من الله بذنب" وهذه بشارة عظيمة فنسأل الله سبحانه أن يرزقنا توبةً نصوحا تمحو ما تقدمها من الذّنوب والخطايا بمنه وفضله.

стр. 858

فصل في حساب المؤمِن ومَنْ يكلمه الله، ومن لا يكلمه قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] قال حبرُ القرآنِ ابن عباس ﵄ في هذه الآية: ليس مؤمن، ولا كافر عمل خيرًا، ولَا شرًا في الدّنيا إلا أراه اللهُ إياه، فأما المؤمن فيريه حسناته وسيئاته فيغفر له سيئاته ويثيبه بحسناته وأما الكافر فيريه حسناته وسيئاته فيرد عليه حسناته، ويعذبه بسيئاته. وأخرج مسلم (١) عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " يؤتى بالرَّجلِ يومَ القيامة فيقاَل: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، فيعرض عليه صغارها، ويخبأ عليه كبارها، فيقال: عملت يوم كذا وكذا كذا، وهو يقر ليس ينكر، وهو مشفق من الكبائر أن تجيء فيقال: أعطوه مكان كلّ سيئة عملها حسنة فيقول: إنَّ لي ذنوبًا لا أراها هنا" فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حَتَّى بدت نواجذه. وفي الصحيحين (٢): "يدنو أحدكم من ربِّه حَتَّى يضع كنفه عليه، فيقول: عملتَ كذا وكذا فيقول: نعم. ثم يقول: "إنيّ سَتَرتهُا عليكَ في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم ثم يعطى كتاب حسناته بيمينه.

стр. 859

وأما الكافر والمنافق، فينادى به على رؤسِ الأشْهَادِ: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] وأخرج البيهقي (١) عن أبي موسى ﵁ قال: "يؤتى بالعبدِ يوم القيامة، فيستر ربه بينه وبين النَّاس فيرى خيرا، فيقول: قد قبلت ويرى شرًا، فيقول: قد غفرت. فيسجد عند الخير والشر، فيقول الناس: طوبى لهذا العبد الذي لم يعمل شرًا قط". وعن أبي هريرة (٢) ﵁: "ليأتين ناسٌ يومَ القيامة ودوا أنهم استكثروا من السيئت. قيل: من هم؟ قال: الذين بدل الله سيئاتهم حسنات" (٣). وأخرج أبو نعيم (٤) عن بلال بن سعد قال: "إنَّ الله يغفر الذنوب، ولكن لا يمحوها من الصّحيفة حَتَّى يوقفه عليها يوم القيامة، وإنْ تاب منها". وأخرج الشيخان (٥) عن عدي بن حاتم ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: "ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله يومَ القيامة ليس [بينه] (٦)

стр. 860

وبينه حجاب يحجبه، ولا ترجمان يترجم له، فيقول: أولم أوتك مالا" فيقول بلى فيقول: أولم أرسل إليك رسولا؟ فيقول: بلى. فينظر عن يمينه فلا يرى إلا النار، وينظر عن يساره فلا يرى إلا النار، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النَّار فليتق أحدكم النار ولو بشق تمرة، فإنْ لم يجد فبكلمة طيبة". قال العلماء: ذلك يكون على الصراط والنار محيطة به وأخرج البيهقي (١) عن أبي هريرة زضي اللهُ عَنْهُ أنَّه قال: قال أعرابي: يا رسول الله مَنْ يحاسب الخلق يوم القيامة؟ قال: "الله" قال: نجونا ورب الكعبة. قال: "وكيف يا أعرابي؟ " قال؛ لأنّ الكريم إذا قدر عفا. وما أحسن ما قيل من الحكم المدوّنة: الكريم إذا قدر غفر وإذا زللت معه ستر. ومنها: ليس من عادة الكرام سرعة الغضب والانتقام. فائدة: ذكر القرطبي في "التذكرة" (٢) أن الله يكلِّم المسلمين عند الحساب من غيرِ ترجمان إكرامًا لهم، ولا يكلم الكافرين، بل تحاسبهم الملائكة إهانة لهم وتمييزًا عن أهل الكرامة. وأخرج الشيخان (٣) عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : "ثلاثة لا يكلمهم (٤) الله يوم القيامة، ولَا يزكيهم، ولهم عذابٌ

стр. 861

إليمٌ: رجل على فضل ماء بالطريق (١) يمنع منه ابن السبيل، ورجل بايع إمامًا ما يبايعه إلا لدنيا، فإنْ أعطاه ما يريد وفىّ له وإلاّ لم يف له، ورجل يبايع رجلا سلعة بعد العصر (٢) فحلف بالله لقد أعطى كذا وكذا فَصَدَّقه ولم يُعطَ بها". فشمل هذا الحديث هؤلاء الثلاثة أشخاص، فالأول: في غاية البخل والشح لأنَّه منع فضلَ ماء بالطريق فلا شك أنَّ هذا مِنْ أعداءِ اللهِ حيث مَنَعَ ما لم يحتاج إليه من هو محتاجٌ إليه، والبخيل عدوّ الله من غير شك فقبَّح اللهُ البخلَ وأهلهُ، ورحم الله أم البنين أخت عمر بن عبد العزيز قدس الله روحه حيث قالت: أف للبخل لو كان قميصًا ما لبسته، أو كان طريقًا ما سلكته. والثاني: في الغدر ولا شك أنَّ الغدرَ مذموم، وصاحبه من الخيرات محروم. قال بعض العلماء: رب غادر لا تظفر يداه بغادر، وضاقت عليه من موارد الحركات فسيحات المصادر، وطوّقه غدره طوق خزي فهو على فكه غير قادر، وأوقعه في خِطَئِةِ (٣) خسف وورطة حتف فما له من قوة ولا ناصر.

стр. 862

والثالث: الحلف بالله كذبًا لاسيما بعد العْصرِ، وهذا معلوم قبحه فنسأل الله العافية (١). وأخرج مسلم (٢) عن أبي ذر ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "ثلاثة لا يكلمهم اللهُ يومَ القيامَة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليمٌ: شيخٌ زانِ، ومَلِك كذَّابٌ، وعائلٌ أي: فقير مستكبر". فلا شك أن هؤلاء الثلاثة أشخاص بالغوا في القبح، فإنَّ الزنا من حيث هو قبيح لكن من الشيخ الكبيرِ الذي قد انطفت شهوته، ولم يحمله على فعلِ هذه الكبيرة إلا مجرد العناد والحماقة أقبح، وكذلك الكذب إنما يحمل عليه الحاجة والطمع والخوف ونحو هذه الأمور، ومن المعلوم أنّ الملِك لا يفتقر لشيء من هذه الأشياء؟ فالكذب قبيح ومن الملِك أقبح لكونه إنَّما فعله لعناده وحماقته، وكذلك الكبر قبيح ومن الفقير الذي لم تتوفر له الأسباب الحاملة على الكبر أقبح. نعم إنْ تكبر الفقير على المتكبر بمعنى أنَّه لم ينخفض له من أجل دنياه بل تنزه والتجأ إلى اللهِ فهذا مِنْ مكارم الأخلاقِ التي يحمد عليها مَنْ فعلها. فنسأل الله أنْ يمن علينا بالتوفيق لما يرضيه عنا بمنه وكرمه.

стр. 863

وأخرج الطبراني بسندٍ صحيح عن سلمان ﵁ مرفوعًا: "ثلاثة لا يكلِّمهم اللهُ يومَ القيامةِ، ولا يزكيهم، ولهم عذابٌ أليم: أُشَيْمِطُ (١) زانٍ، وعائل مستكبر، ورجل جعل الله بضاعته لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه". وأخرجَ الإمامُ أحمد، والطبراني بسند جيد عن معاذ بن جبل ﵁، عن النبي ﷺ أنَّه قال: "مَنْ ولي مِنْ أمور النَّاسِ شيئًا فاحتجب عن أولي الضعف والحاجة، احتجب الله عنه يوم القيامة" (٢) ومن هذا كثير والله الموفق.

стр. 864

فصل في سرعة الحساب، وفيمن يدخل الجنَّة بغيرِ حساب قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] روي أنه تعالى يحاسب الخلق في قدر حلب شاة، وفي مقدار فواق ناقة. وروي في مقدار لمحة ذكره الزمخشري في كشافه قال الحسن: حسابه أسرع من لمح البصرِ حكاه الثعلبى عنه. وقيل لعليّ بن أبي طالب ﵁: كيف يحاسب اللهُ الخلائق يومَ القيامة؟ قال: كما يرزَقهم في يوم واحد. وفي الحديث: "لا ينتصف النّهار [يوم القيامة] (١) حَتَّى يستقر أهل الجنةِ في الجنةِ وأهل النَّارِ في النَّارِ". قال بعضهم: من غريب حكم الآخرة أنّ الرجل يؤتى به إلى اللهِ فيوقفه، وتوزن حسناته وسيئاته، وهو يظن أنَّ الله لمْ يحاسب أحدًا سواه، وقد حايسب في تلك اللحظةِ آلاف ألوف، وما لا يمكن حصره. قال العلامة: قلت: لعل السر في هذا وتقريبه للعقول أن معنى الحساب قال المفسرون: تعريف الله الخلائق مقادير الجزاء على أعمالِهم، وتذكيره إياهم على ما قد نسوه. قال: وهذا قريبْ للعقل جدًا بأنْ يخلق الله في قلوبهم العلوم الضرورية بمقادير أعمالهم من الثواب والعقاب في لحظة واحدة انتهى.

стр. 865

قُلْتُ: والحق أنَّه سبحانه يحاسبهم حسابًا حقيقيًا، وتوزن أعمالهم وزنًا حسيًا، ويخلوا البارئ بكلِّ عبد مِنْ عبادِه المؤمنين، ويقرره عن أعماله كما نطق بذلك الحديث الصَّحيح، والنص الصريح الثابت عن المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وأي حساب يصدر من الله لعباده حيث جعلتم الحسابَ مجرد خواطر وأوهام وتخيلات تمر بالأفهام؟! وقد قدمنا أنَّ السماوات والأرض بالنسبة إلى الكْرسي كحلقة ملقاة في فلاة من الأرضِ مع أنّه ينزل البارئ فيضعه حيث شاء مِنَ الأرضِ فهذا العقل قد يرده لعدم تدبره مع أنَّ الحق ما صحَّ به الحديث الثابت، فالذي ندين الله به التسليم لجميع ما صَح عنه ﷺ ، [ولنلقى جميع ذلك بالقبول من غير طعن في شيء مما ثبت عنه ﷺ ] (١) ونحمله على حقيقته، ونكل معنى ما أشكلَ مِنْ ذلك إلى اللهِ، وأمَّا هذه التخيلات، أو أنَّ اللهَ سبحانه إذا حاسب واحدًا من خلقه فقد حاسب جميع الناس، والخلائق فالحامل عليه مجرد قصور عقل من لا يُسَلّم للشريعة المطهرة، وأمَّا من سَلّم لها فقد زال عنه الإشكال، واتضح له الحال فهو إذا سمع حديثَ المصطفى ﷺ هَش له فرحا، ورقص قلبه له طربا؛ لأنَّه كلامُ طبيبِ القلوبِ المرَضَى ﷺ . وأخرجَ البزار، والطبراني بإسناد صحيح عن ابن الزبير ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من نوقش الحساب

стр. 866

هلك" وأخرج البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي (١) عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "من نوقش الحساب عُذَّب" فقلت: ياَ رسول اللهِ أليس يقول اللهُ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩)﴾ [الانشقاق: ٧ - ٩] فقال: "إنَّما ذلك العرض وليس أحد يحاسب يوم القيامة إلاَّ هلك". وأخرج الإمامُ أحمد (٢) بإسنادٍ صحيح عن عائشة ﵂ سمعت رسول الله ﷺ يقول في بعضِ صلاته: "اللهم حَاسبني حسابًا يسيرا" فلمّا انصرف أي: فرغ مِنْ صلاته قلت: يا رسولَ اللهِ ما الحساب اليسير؟ قال: "أنْ ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه إنَّه مَنْ نوقش الحساب يَا عائشة هَلك وكلّ ما يصيب المؤمن يكفر عنه من سيئاته حَتَّى الشوكة يشاكها". وأخرج الإمام أحمد في (الزُّهد): "أوحى اللهُ إلى داود أنذر عبادي الصّديقين فلا يعجبون بأنْفسهم، ولا يتكلمون على أعمالهم فإنَّه ليس أحد مِن عبادي أنصبه للحساب، وأقيم عليه عدلي إلاّ عذبته من غير أنْ أظلمه". وأخرج الشيخان (٣) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال

стр. 867

رسول الله ﷺ : "لنْ يُنجيَ أحدا منكم عملُهُ" قالوا: ولا أنت يا رسولَ اللهِ؟ قال: "ولا أنا إلاَّ أنْ يتغمَّدني اللهُ برحمة منه وفضل". وأخرجا أيضًا عن عائشة (١) ﵂، عنه ﷺ أنَّه قال: "سَدِّدُوا وقاربوا وأبشروا فإنَّه لا يدخَل الجنة أحدًا عملُه" قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "وَلاَ أنا إلا أنْ يتغمدني اللهُ بمغفرة ورحمةٍ". واستشكل هذا بقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] وأجيب بحمل الآية على أن الجنة تنال المنازل فيها بالأعمال، وأمَّا أصل دخلوها والخلود فيها فبرحمة اللهِ بدليل ما روي عن ابن مسعود رَضِي اللهُ عَنْة قال: "تجوزون على الصّراط بعفو الله، وتدخلون الجنة برحمة اللهِ، وتقتسمون المنازل بأعمالكم" فنسأل الله بنور ذاته المقدسة أنْ يدخلنا الجنَّة برحمته، وأن يمن علينا بالنَّظر إلى وجهه من غير سابقة عذاب، ولا محنة إنه جواد كريم رؤوف رحيم. واعلم أنَّ طائفة مِنْ هذه الأمّة الشريفة تدخل الجنة بغير حساب، وذلك قبل حساب الخلق ووضع الموازين وأخذ الصحف فقد أخرجَ الشيخان عن ابن عباس ﵄ قال: خرج إلينا رسول الله ﷺ ذات يوم فقال: "عرضت (٢) عليّ الأمم يمر النبي معه الرجل، والنبى معه الرجلان، والنبي ليس معه أحد، والنبي

стр. 868

معه الرهط فرأيتَ سوادًا كثيرًا فرجوت أن يكون أمتي فقيل: هذا موسى ﷺ وقومه ثم قيل: انظر فرأيت سوادًا كثيرًا فقيل لي: هؤلاء أمّتك ومع هؤلاء سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب". فتفرق الناس، ولم يبين لهم رسول اللهِ ﷺ ، فتذاكر أصحابه، فقالوا: أمّا نحن فولدنا في الشرك، ولكن قد آمنا بالله ورسوله هؤلاء أبناؤنا. فقال رسول الله ﷺ : "هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون" فقام عكاشة بن محصن فقال: أنا منهم يا رسول الله وفي لفظ: (ادعو الله أن أكون منهم) قال: "نعم" ثم قام آخر فقال: أنا منهم، فقال: "سبقك بها عكاشة" (١). قال الإمام المحقق في كتابه "الداء والدواء": قوله ﷺ : "سبقك بها عكاشة" لم يرد أن عكاشة وحده أحق بذلك ممن عداه من الصحابة، ولكن لو دعا له لقام آخر وآخر، وانفتح الباب، وربما قام من لم يستحق أن يكون منهم فكان الإمساك أولى انتهى (٢). فلا يفهم من هذا يعني قوله ﷺ : "سبقك بها عكاشة" أنَّ عكاشة اختص بذلك دون غيره، بل لا يريد أن الرجل الذي سأل المصطفى ﷺ ليس من الذين يدخلون الجنة بغير حساب كيف؟! وهو كما فسره بعض العلماء إنه سعد بن عبادة، وأياديه في الإسلام مشهورة،

стр. 869

ومناقبه أَمَامَ رسول الله ﷺ مأثورة، ومن تأمل حاله لاسيما ما صدر منه يوم أحد، وما تكلف علم أنَّه أحق بذلك من كثير من الناس، بل نظير هذا ما ذكره الإمام المحقق قول سيدنا حذيفة ﵁ لسيدنا عمر بن الخطاب ﵁: أنشدك الله هل سمَاني لك رسول الله ﷺ ؟ يعني: في المنافقَين قال: لا. ولا أزكي بعدك أحدا. قال المحقق في "الداء والدواء": سمعت شيخ الإسلام قدس الله روحه يقول: ليس مراده أي: حذيفة أني لا أبرئ غيرَك من النفاق، بل المراد أني لا أفتح عليَّ هذا الباب فكل من سألني هل سماني لكَ رسول اللهِ ﷺ فأزكيه. انتهى (١). فهذا نظير ما تقدم وإلاَّ فحاشا أنْ يكون حذيفة ﵁ لا يبرئ أكابر الصحابة من النفاق كيف؟! وقد جزم المعصوم لكثير منهم بالجنة كالعشرة، وعبد الله بن سلام، والسبطين، وأبي سفيان بن الحارث، وغيرهم والله أعلم. وأخرج الترمذي وحسنه عن أبي أمامة ﵁ قال: سمعت رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "وعدني ربيِّ أنْ يُدْخَلَ الجنَّةَ من أمَّتي سبعين ألفا لا حسابَ عليهم ولا عذابَ، مع كلِّ ألفِ سبعون ألفًا وثلاثُ حثيات مِنْ حثيات ربي" (٢). قوله: "وثلاث حثيات من حثيات ربّي" قال في مشارق الأنوارِ:

стр. 870

ويروى "حفنات" بالفتح وهو الغرف ملء اليدين، وقيل: الحثية باليد، والحفنة باليدين (١). وأخرجَ الإمام أحمد، والبزار، والطبراني عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّ ربيِّ أعطاني سبعين ألفًا من أَمَّتي يدخلون الجنة بغير حساب" فقال عمر: يا رسول الله هلا استزدته! قال: "قد استزدته [فأعطاني] (٢) مع كل رجل سبعين ألفا" فقال عمر: هلا (٣) استزدته! قال: "قد استزدته فأعطاني هكذا" وفرَّج بين يديه، وبسط باعيه، وحثا. قال هشام: هذا مِنَ اللهِ لا يُدْرَى ما عَدَدُه (٤). وأخرج الطبراني، والبيهقي عن عمرِو بن حزم الأنصاري ﵁ قال: تغيب عنا رسول الله ﷺ ثلاثًا لا يخرج إلاَّ إلى صَلاة مكتوبة، ثم يرجع، فلمَّا كان يوم الرابع خرجَ إلينا فقلنا يا رسول الله: احتبست عنا حَتَّى ظننا أنه حدث حدث قال: "لم يحدث إلا خير إنَّ ربي وعدني أنْ يدخل من أمتي الجنة سبعين ألفا لا حساب عليهم، وإني سألت ربيِّ في هذه الثلاثة أيام المزيد فوجدت ربي ماجدًا

стр. 871

كريما فأعطاني مع كل واحد من السبعين ألفا سبعين ألفا قلت: يا رب وتبلغ أمتي هذا؟ قال: أكمل لك العدد من الأعراب" (١). ففي هذين الحديثين أن مع كلّ واحد من السبعين ألفا سبعين ألفا، وعامة الأحاديث سواهما مع كل ألف من السبعين ألفا سبعون ألفاء وأخرجَ البزارُ عن أنسٍ ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "يدخل الجنَّة من أمَّتي سبعون ألفًا بغير حساب" فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله زدنا. قال: "وهكذا" فقال عمر: يا أبا بكر إَنْ شاء الله أدخلهم الجنة بحفنة واحدة (٢). ومن هنا يعلم أنَّ في هذا الحديث حذف تقديره "وهكذا ثلاثًا" أي ثلاث حثيات بدليل قول عمر إن شاء الله أدخلهم الجنة بحفنة واحدة، وقد جاء ذلك مصرحًا في رواية والله أعلم (٣).

стр. 872

وأخرجَ الطبراني بسند حسن عن أنس مرفوعًا قال: "إذا وقف العباد للحساب جاء قوم واضعي سيوفهم على رقابهم تقطر دما فازدحموا على باب الجنةِ فقيل: مَنْ هؤلاء؟ قيل: الشهداء كانوا أحياء يرزقون، ثم ينادي مناد: ليقم مَنْ أجره على الله فليدخل الجنة، ثم ينادي مناد الثانية: ليقم من أجره على الله فليدخل الجنة. قال: ومن الذي أجره على الله؟ قال: العَافُونَ عن النَّاس. ثم ينادي الثالثة: ليقم من أجره على

стр. 873

الله فليدخل الجنة. فقام كذا وكذا ألفا فدخلوها بغير حساب" (١). وفي مرفوع أسماء بنت يزيد: "يجمع اللهُ [النَّاسَ يومَ القيامة] (٢) في صعيدٍ واحد يسمعهم الداير، وينفذهم البصر، فيقوم مناد ينادي أين الذين كانوا يحمدون الله في السّرّاء والضراء؟ فيقومون وهم قليل فيدخلون الجنَّة بغير حساب، ثم يعود فينادي: أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع؟ فيقومون وهم قليل فيدخلون الجنة بغير حساب، ثم يعود فينادي: ليقم الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله؟ فيقومون وهم قليل فيدخلون الجنة بغير حساب، ثم يقوم سائر الناسِ فيحاسبون" رواه ابن أبي الدنيا، وغيره (٣)، وذكره الإمام الحافظ ابن رجب في كتابه "لطائف المعارف" قال: قد روي أنَّ المتهجدين يَدْخلون الجنة بغيرِ حساب فذكر عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد، عن النبي ﷺ أنَّه قال: "إذا جمعَ اللهُ الأوّلين والآخرين يومَ القيامةِ، جاء مناد ينادي بصوت يسمع الخلائق: سيعلم الخلائق اليوم من أولى بالكرم". فذكر الحديث. قال الحافظ ابن رجب في اللطائف: ويروى يعني: هذا الحديث عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس من قوله ويروى نحوه من حديث أبي إسحاق عن عبدِ اللهِ بن عطاء، عن عقبة بن عامر مرفوعًا وموقوفًا، ويروى نحوه أيضًا عن عبادة بن الصامت، وربيعة الحرشي، والحسن،

стр. 874

وكعب من قولهم. قال في اللطائف: قال بعضُ السَّلفِ: قيامُ الليل يهوّن طول قيام يوم القيامة. قال: وإذا كان أهله يسبقون إلى الجنة بغير حساب فقد استراح أهله من طول الوقوف للحساب. والله أعلم. وأخرجَ البزار عن زيد بن أرقم مرفوعًا: "ما ابتلي عبد بعد ذهاب دينه بأشد من بصره، ومن أبتلي ببصره فصبر حَتَّى يلقى الله، لقي الله ولا حساب عليه" (١). وأخرج البخاري عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ أنَّه قال: "إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه، ثم صبرَ عوضته منهما الجنَّة" يريد: عينيه (٢). وفي حديث جابر: "مَنْ ماتَ في طريق مكة ذاهبًا، أو راجعًا لم يعرض، ولم يحاسب" (٣). وفي حديث أبي هريرة: يا رسولَ الله هَلْ فينا رجل يدخل الجنة بغير حساب؟ قال: "نعم كلّ رحيم صبور". وفي حديث أبي أيوب الأنصاري مرفوعًا: "طالب العلم، والمرأة المطيعة لزوجها، والولد

стр. 875

البار بوالديه يدخلون الجنة بغير حساب" (١). وفي حديث أبي هريرةَ مرفوعًا: "إنَّ شدة الحسابِ لا تصيب الجائع إذا احتسب" (٢). وفي حديث أنس مرفوعًا: "من مشى في حاجة أخيه المسلم كتب الله له بكلِّ خطوة عبادة سبعين سنة، فإن قضيت خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وإن هلك فيما بين ذلك دخل الجنة بغير حساب" (٣). وعائشة مرفوعًا: "من ربى صبيًا حَتَّى يقول: لا إله إلا الله لم يحاسبه الله" (٤). وعطاء مرفوعًا: "ما من مسلم أو مسلمة يموت ليلة الجمعة إلا وقي عذاب القبر، وفتنة القبر، ولقي الله ولا حساب عليه". وتقدم والله أعلم (٥).

стр. 876

الباب الخامس في الميزان قال القرطبي في تذكرته (١): قال العلماء: إذا انقضى الحساب كان بعده وزن الأعمالِ؛ لأنّ الوزن للجزاء فينبغي أنْ يكون بعد المحاسبة فإنَّ الْمحاسبة لتقرير الأعمالِ، والوزن لإظهار مقاديرها ليكون الجزاء بحسبها. قال العلامة البلباني في "عقيدتِه": ونؤمن بأنّ الميزانَ الذي توزن به الحسنات والسيئات حق، وله لسان وكفتان توزن بهما صحائف الأعمال. قال ابن عباس ﵄: توزن الحسنات في أحسن صورة والسيئات في أقبح صورة انتهى. وقال العلامة في "بهجته" (٢): الصَّحيح أنَّ المرادَ بالميزانِ الميزان الحقيقي لا مجرد العْدل خلافًا لبعضهم انتهى. قال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾ [الأنبياء: ٤٧]. وقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧)﴾ [القارعة: ٦, ٧] أي: راض صاحبها (٣) ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ [القارعة: ٨ - ١١] فبئست الأم، وبئس الابن

стр. 877

ابنها فنسأل الله العافية. وقال: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الأعراف: ٩]. وروي أنَّ داود ﵇ سألَ ربّه أنْ يريه الميزان فلمَّا رآه غشي عليه فلما أفاقَ قال: إلهي مَنْ ذا الذي يقدر يملأ كفة حسنته فقال: "إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة واحدة". ذكره الفخر (١)، والثعلبي. وقال عبدُ اللهِ (٢) بن سلام ﵁: إنَّ ميزانَ ربّ العالمين ينصب للجنّ والإنس، يستقبل بَه العرش، إحدى كفتيه على الجنة، والأخرى على جهنم لو وضعت السماوات والأرض في إحداهما لوسعتهن، وجبريل آخذ بعموده ينظر إلى لسانه. قال العلامة (٣): في كلام ابن سلام إنَّ أعْمَال الجنِّ توزن كما توزن أعمال الإنسِ، وهو كذلك ارتضاه الأئمة انتهى. قال القرطبي: المتقون توضع حسناتهم في الكفةِ النّيرة، وصغائرهم في الكفةِ الأخرى، فلا يجعل اللهُ لتلكَ الصغائر وزنا، وتثقل الكفة النيرة حَتَّى لا ترتفع، وترفع المظلمة ارتفاع الفارغة الخالية. قال: وأمَّا الكفار فيوضع كفرهم، وأوزارهم في الكفةِ المظلمة، وإنْ كان لهم أعمال بِر وضعت في الكفةِ الأخرى فلا يقاومها إظهار لفضل المتقين، وذل الكافرين (٤). قُلْتُ: الحق أنَّ الكفارَ لا

стр. 878

يقيم اللهُ (١) لهم وزنًا والله أعلم. وأخرجَ الحاكم وصححه عن سلمان ﵁، عن النّبي ﷺ أنَّه قال: "يوضع الميزان يومَ القيامةِ فلو وزن فيه السّماوات والأرض لوسعهن (٢)، فتقول الملائكة: يا رب لمَنْ يزن هذا؟ فيقول: لمن شئت من خلقي فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك (٣). وأخرجَ البزار، والبيهقي عن أنس ﵁: "أنَّ ملكًا من ملائكة اللهِ موكل يوم القيامة بميزانِ ابن آدم، فيؤتى به حَتَّى يوقف بين كفتي الميزان، فيوزن عمله، فإنْ ثقل ميزانُه نادى الملك بصوت يسمعه الخلاتق باسم الرجل: ألا سعِدَ فلانٌ سعادةً لا يشقى بعدها أبدا، وإنْ خفت ميزانه نادى الملك: ألا شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدا (٤). وذكر الثعلبي، وغيره، وابنُ جرير في "تفسيره"، وابن أبي الدنيا عن حذيفة ﵁ أنَّه قال: "صاحب الميزانِ يومَ القْيامةِ جبريل

стр. 879

عليه السلام" (١). وقال الحسن (٢): هو ميزان له كفتان، ولسان، وهو بيد جبريل ﵇. تنبيه: اختلف العلماء ﵏ هل الميزان واحد أو اْكثر؟ فقال الحسن بن أبي الحسن البصري (٣): لكلِّ واحد ميزان لقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] وقال بعضهم (٤): الأظهر إثبات موازين يوم القيامة لا ميزان واحد لقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾ وقوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ قال: وعلى هذا فلا يبعد أن يكون لأفعالِ القلوب ميزان، وللجوارح ميزان، ولما يتعلق بالقول ميزان. (٥) ورده ابن عطية (٦) وقال: الناس: على خلافه، وإنّما لكلّ واحد وزن مختص به، والميزان واحد. وأجاب بعضهم عن جمع الموازين في الآية فقال: ذلك لكثرة من توزن أعمالهم وهو جمع تفخيم (٧).

стр. 880

واختلف العلماء أيضًا في الموزون فقيل: يوزن العبد مع عمله، وقيل غير ذلك، والحق ما قدمناه عن شيخ مشايخنا (١) البلباني: إنَّما الموزون صحف الأعمال، وصححه ابن عبد البر، والقرطبى، وغيرهما (٢)، وصوبه العلامة في "بهجته"، وقال الفخر: سُئل رسول الله ﷺ عما يوزن يوم القيامة فقال: "الصحف" (٣) وهو مذهب المفسرين لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ فعلى هذا فالثقل الذي يكون في الميزان إنَّما يكون في صحائف الأعمال (٤)، وحكاه ابن عطية (٥) عن أبي المعالي قال: وهذا أقربها. فائدة: أخرج الترمذي، وابن حبان، وابن ماجه (٦)، والحاكم وصححه، والبيهقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النَّبي ﷺ أنه قال: "يصاح برجلٍ مِنْ أمَّتي على رءوسِ الأشهادِ يومَ القيامة" (٧) وفي لفظ عند ابن الجوزي في "التبصرة" (٨) أنّه قال ﷺ : "إنَّ الله عَزَّ
следующие страницы →