← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 132973

البحور الزاخرة في علوم الآخرة

السفاريني

Полный текст (1 621 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

الباب الخامس في الميزان قال القرطبي في تذكرته (١): قال العلماء: إذا انقضى الحساب كان بعده وزن الأعمالِ؛ لأنّ الوزن للجزاء فينبغي أنْ يكون بعد المحاسبة فإنَّ الْمحاسبة لتقرير الأعمالِ، والوزن لإظهار مقاديرها ليكون الجزاء بحسبها. قال العلامة البلباني في "عقيدتِه": ونؤمن بأنّ الميزانَ الذي توزن به الحسنات والسيئات حق، وله لسان وكفتان توزن بهما صحائف الأعمال. قال ابن عباس ﵄: توزن الحسنات في أحسن صورة والسيئات في أقبح صورة انتهى. وقال العلامة في "بهجته" (٢): الصَّحيح أنَّ المرادَ بالميزانِ الميزان الحقيقي لا مجرد العْدل خلافًا لبعضهم انتهى. قال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾ [الأنبياء: ٤٧]. وقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧)﴾ [القارعة: ٦, ٧] أي: راض صاحبها (٣) ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ [القارعة: ٨ - ١١] فبئست الأم، وبئس الابن

стр. 877

ابنها فنسأل الله العافية. وقال: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الأعراف: ٩]. وروي أنَّ داود ﵇ سألَ ربّه أنْ يريه الميزان فلمَّا رآه غشي عليه فلما أفاقَ قال: إلهي مَنْ ذا الذي يقدر يملأ كفة حسنته فقال: "إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة واحدة". ذكره الفخر (١)، والثعلبي. وقال عبدُ اللهِ (٢) بن سلام ﵁: إنَّ ميزانَ ربّ العالمين ينصب للجنّ والإنس، يستقبل بَه العرش، إحدى كفتيه على الجنة، والأخرى على جهنم لو وضعت السماوات والأرض في إحداهما لوسعتهن، وجبريل آخذ بعموده ينظر إلى لسانه. قال العلامة (٣): في كلام ابن سلام إنَّ أعْمَال الجنِّ توزن كما توزن أعمال الإنسِ، وهو كذلك ارتضاه الأئمة انتهى. قال القرطبي: المتقون توضع حسناتهم في الكفةِ النّيرة، وصغائرهم في الكفةِ الأخرى، فلا يجعل اللهُ لتلكَ الصغائر وزنا، وتثقل الكفة النيرة حَتَّى لا ترتفع، وترفع المظلمة ارتفاع الفارغة الخالية. قال: وأمَّا الكفار فيوضع كفرهم، وأوزارهم في الكفةِ المظلمة، وإنْ كان لهم أعمال بِر وضعت في الكفةِ الأخرى فلا يقاومها إظهار لفضل المتقين، وذل الكافرين (٤). قُلْتُ: الحق أنَّ الكفارَ لا

стр. 878

يقيم اللهُ (١) لهم وزنًا والله أعلم. وأخرجَ الحاكم وصححه عن سلمان ﵁، عن النّبي ﷺ أنَّه قال: "يوضع الميزان يومَ القيامةِ فلو وزن فيه السّماوات والأرض لوسعهن (٢)، فتقول الملائكة: يا رب لمَنْ يزن هذا؟ فيقول: لمن شئت من خلقي فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك (٣). وأخرجَ البزار، والبيهقي عن أنس ﵁: "أنَّ ملكًا من ملائكة اللهِ موكل يوم القيامة بميزانِ ابن آدم، فيؤتى به حَتَّى يوقف بين كفتي الميزان، فيوزن عمله، فإنْ ثقل ميزانُه نادى الملك بصوت يسمعه الخلاتق باسم الرجل: ألا سعِدَ فلانٌ سعادةً لا يشقى بعدها أبدا، وإنْ خفت ميزانه نادى الملك: ألا شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدا (٤). وذكر الثعلبي، وغيره، وابنُ جرير في "تفسيره"، وابن أبي الدنيا عن حذيفة ﵁ أنَّه قال: "صاحب الميزانِ يومَ القْيامةِ جبريل

стр. 879

عليه السلام" (١). وقال الحسن (٢): هو ميزان له كفتان، ولسان، وهو بيد جبريل ﵇. تنبيه: اختلف العلماء ﵏ هل الميزان واحد أو اْكثر؟ فقال الحسن بن أبي الحسن البصري (٣): لكلِّ واحد ميزان لقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] وقال بعضهم (٤): الأظهر إثبات موازين يوم القيامة لا ميزان واحد لقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾ وقوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ قال: وعلى هذا فلا يبعد أن يكون لأفعالِ القلوب ميزان، وللجوارح ميزان، ولما يتعلق بالقول ميزان. (٥) ورده ابن عطية (٦) وقال: الناس: على خلافه، وإنّما لكلّ واحد وزن مختص به، والميزان واحد. وأجاب بعضهم عن جمع الموازين في الآية فقال: ذلك لكثرة من توزن أعمالهم وهو جمع تفخيم (٧).

стр. 880

واختلف العلماء أيضًا في الموزون فقيل: يوزن العبد مع عمله، وقيل غير ذلك، والحق ما قدمناه عن شيخ مشايخنا (١) البلباني: إنَّما الموزون صحف الأعمال، وصححه ابن عبد البر، والقرطبى، وغيرهما (٢)، وصوبه العلامة في "بهجته"، وقال الفخر: سُئل رسول الله ﷺ عما يوزن يوم القيامة فقال: "الصحف" (٣) وهو مذهب المفسرين لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ فعلى هذا فالثقل الذي يكون في الميزان إنَّما يكون في صحائف الأعمال (٤)، وحكاه ابن عطية (٥) عن أبي المعالي قال: وهذا أقربها. فائدة: أخرج الترمذي، وابن حبان، وابن ماجه (٦)، والحاكم وصححه، والبيهقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النَّبي ﷺ أنه قال: "يصاح برجلٍ مِنْ أمَّتي على رءوسِ الأشهادِ يومَ القيامة" (٧) وفي لفظ عند ابن الجوزي في "التبصرة" (٨) أنّه قال ﷺ : "إنَّ الله عَزَّ

стр. 881

وَجَلَّ يستخلص رجلاً من أمتي على رؤسِ الخلائقِ يومَ القيامة فينشر له" وعند ابن الجوزي: "عليه تسعة وتسعون سجلاً". ولفظ ابن الجوزي بالبناء للفاعل في ينشر ونصب تسعة وتسعين سجلاً. "كل سجل منها مثل مد البصر فيها خطاياه وذنوبه. فيقول له: أتنكر مِنْ هذا شيئا؟ أظلمَك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: "ألك عذر أو حسنة؟ " فيقول: لا يا رب. فيقول الله: "بلى إنّ لك عندنا حسنة، وإنَّه لا ظلم عليك اليوم" فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فقال: إنك لا تظلم. فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة فتطيش". وفي لفظ: "فطاشت السجلات وتثقل" وفي لفظ: "وثقلت البطاقة، ولا يثقل مع اسم اللهِ شيء". قال شيخ مشايخنا الإمام العلامة المتقن المحدث أوحد عصره، ورئيس أهل الحديث في الدّيار الشّامية مفتي السادة الحنابلة الشيخ تقي الدين عبد الباقى (١) والد سيدي شيخ الإسلام .......................

стр. 882

أبي المواهب (١) رحمهما الله تعالى: هذا حديث جليل له وقع في القلوب. قال: وقال أبو الحسن الحراني: لمَّا أملى علينا حمزة الكناني هذا الحديث صاح غريبٌ من الحلقةِ صيحة فاضتْ فيها نفسه قال وأنا ممن حَفَرَ جنازَته، وصلىَّ عليه، وهو جيد الإسنادِ انتهى. قال العلامة في "بهجته" (٢): ثبت بهذا الحديث الصحيح أنَّ الموزون إنَّما هو صحائف الأعمالِ وهذا هو الحق كما قدمنا. ونقل المفسرون عن مجاهد أنَّ المُرادَ بالميزان العدل (٣). قال الفخر: ويروى مثله عن قتادة، والضحاك قال: وحكاه ابن جبير عن ابن عباس، وبه قال الأعمش، وكثير من المتأخرين، وردَّه الفخر (٤)، وقال: إنَّ حملَ الموازين على مجرد العدل، وصرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز من غير ضرورة غير جائز لاسيما وقد جاءت الأحاديث

стр. 883

الكثيرة بالأسانيد الصحيحة في هذا الباب (١) والمعروف عن ابن عباس خلاف ما ذكره ابن جبير عنه أخرج أبو الشيخ (٢) في تفسيره من طريق الكلبي عن ابن عباس ﵄ قال: "الميزان له لسان وكفتان". فالحاصل أنَّ الميزانَ محمول على الحقيقة وأنَّه واحد وأنَّ الموزون صحائف الأعمالِ فإنْ قيل: قد أخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: "إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القَيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة" (٣) فقد صرح بأن نفس الإنسان هو الموزون. فالجواب: إن هذا ضربه ﷺ مثلا للذي يغتر ببعض الأجسام وهو كناية عن قلة اكتراث الله بالأجسام، فإن اللهَ لا ينظر إلى صوركم وإنَّما ينظر للأعمال والقلوب، فكم من جسم وسيم وهو من أصحاب الجحيم. ومن ثمَّ وَرَدَ "ما أفلح سمين" يروى أنه من كلام سيدنا الإمام الشافعي (٤). قال: ما أفلح سمين إلا محمد الباقر. لأن السمن في الغالب إنما ينشأ عن غفلة القلب، وعدم التفكر في أحوال الدَّنيا والآخرة والعاقل لا ينفك في هذه الدار عن توارد الأخبار والتفكر فيما يقوم بأوده في هذه الدار وما يتزود به لتلكَ الأسفار ومن كانت حالته هذه فأنَّى له بالسمن فنسأل الله العافية.

стр. 884

وقال بعضُ العلماءِ: إنَّ الموزون نفس الأعمال بأنْ تجسد ثم توزن والصواب ما تقدم على أن هذا لا ينافيه والله أعلم. فائدتان: الأولى: قال النسفي: إنَّ الإيمانَ لا يوزن؛ لأنه ليسَ له ضد يوضع في كفةِ الميزان الأخرى؛ لأنَّ ضده الكفر. والإيمان والكفر لا يكونان في الإنسانِ الواحد (١). قُلْتُ: قد تقدم أنَّ كلمة الإخلاص وهي من الإيمان بل هي أس الإيمان ونحن نقول: الذي يوزن ثواب الإيمانِ وثواب العمل الصالح هذا الذي يظهر لي والله أعلم. وقال العلامة: قلت: وورَدَ أنَّ البكاء مِن خشية اللهِ لا يوزن لعظمهِ عند اللهِ. أخرجَ الإمامُ أحمد أنَّ النبي ﷺ نزلَ عليه جبريل وعنده رجل يبكي قال: "من هذا؟ " قال: "فلان" قال جبريل ﵇: "إنا نزن أعمالَ بني آدم كلها إلاَّ البكاء فإنَّ اللهَ يطفي بالدمعة الواحدة بُحُورًا من جهنم" (٢). وأخرجَ البيهقي: "لو أنَّ باكيًا بكى في

стр. 885

أمَّةٍ مِنَ الأممِ لرحموا وما من شيء إلا له مقدار وميزان، إلا الدمعة فإنها يطفئ بها بحار من جهنم" (١). وأخرج البزار، والطبراني، والدارقطني، والأصبهاني عن أنسٍ ﵁، عن النبي ﷺ أنَّه قال: "يؤتى يوم القيامةِ بصحف مختمة فتنصب بين يدي اللهِ تعالى فيقول اللهُ: ألقوا هذه. فتقول الملائكة: وعزتك ما كتبنا إلاَّ ما عملَ فيقول : إنَّ هذا كان لغير وجهي وإنيِّ لا أقبل اليوم إلاَّ ما ابتغي به وجهي" (٢) فهذا الحديث دلنا على أنَّ ما لم يقصد به وجه اللهِ لا يوزن فنسأل الله بمنهِ وكرمه أنْ يرزقنا علمًا، وعملاً، وإخلاصًا فإنَّه لا سبيل لواحدٍ من ذلك إلا بمعونةِ المالك. الثانية: اختلفَ العلماء رحمهم الله تعالى ما الحكمة في وزنِ الأعمالِ مع أنَّ اللهَ عالم بكلِّ شيء على وجه التفصيل والإجمال؟ فقال الثعلبي: قولاً سنيًا. وحاول وجها يصير به اللبيب مرضيًا فقال: ذلك لتعريفِ الله عباده ما لهم عنده مِنَ الجْزاء من خيرٍ أو شرٍ ويعلم كلّ منهم أو امتحانهم بالإيمان في الدَّنيا وجعل ذلك علامة لأهْلِ السعادةِ، والشقاوة في العقبى وإقامة الحجة عليهم وإلا فهو يعلم ما لديهم.

стр. 886

وقال العلامة (١): قلت: الأحسن أنْ يُقالَ: الحكمة فيه إظهار العْدلِ، وبيان الفضلِ حيث إنَّه تعالى يزن مثاقيل الذر مِنْ أعمالِ العْبادِ ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]. انتهى. أيّ عمل لكَ يصلح أنْ يحصل في الميزان أيّ فعل لك إذا ظهر زان. ستعلم من يفتضح إذا نشر له الديوان. ستعرف خبرَك إذا شهدَ الجْلدُ والمكان. بكلِّ قبيح فعل أو كان. فيا مَن اشتغلَ بدنياه عن الآخرةِ. واكتفى بالخزفِ عن الدرر الفاخرة. وباعَ لذة لا تفنى ولا تبيد. بما لا يعدل مثقال حبة منَ الحديد. انتبه يا مسكين قبل أنْ ينصبَ الميزان. وتوقف يا حزين بين يدي الرحمن. فلا ثمَّ صديق ينفع. ولا حميم يشفع. إلاَّ بإذن المنان. من ذا الذي يشفع عنده إلاَّ بإذنه. أم من ذا الذي يأمَن من مكرِه ولعنِه. فكيف بك وقد أتيته فردًا. ونصب الميزان وما ثَم ترجو أحدًا. ولقد أحسن من قال في ذلك: تذكر يومَ تأتي الله فردًا ... وقد نصبت موازين القضاء وهتكت الستور عن المعاصي ... وجاء الذنب مكشوف الغطاء لطيفة: ورَدَ ما يقتضي تضعيف الحسنات إلى عددٍ معلوم قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] وقال: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة:

стр. 887

٢٦١] وذلك يقتضي أنَّ الحسنة تتضاعف إلى سبعمائة حسنة وجاء أيضًا ما لا يقتضي العد كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] وقال: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] ولا شك أنَّ اللهَ يضاعفُ لمَن يشاء ما شاء. وأخرجَ الشيخان عن ابن عباس ﵄، عن رسول اللهِ ﷺ فيما يروي عن ربه ﵎ قال: "إن اللهَ كتب الحسنات والسيئات، ثُمَّ بيّن ذلك فمَنْ همَّ بحسنةٍ فلم يعملها كتبها الله عنده حسنةً كاملةً، وإنْ همَّ بها فعملهَا كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإنْ همّ بسيئةٍ فلم يعملها كتبها الله عنده حسنةً كاملة، وإنْ هتم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة" (١). قال الحافظ ابن رجب في "شرح الأربعين": وفي هذا المعنى أحاديث متعددة. ثم ذكر حديث أبي هريرةَ عند الشيخين مرفوعًا: "يقول الله: إذا أراد عبدي أنْ يعملَ سيئةً فلا تكتبوها عليه حَتَّى يعملها فإنْ عملها فاكتبوها بمثلها، وإنْ تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها لَهُ حسنة فإنْ عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف" (٢). هذا لفظ البخاري.

стр. 888

قُلْتُ: أفادنا هذا الحديث أنَّ ترك السيّئة بعدَ الهَمِّ بها إنَّما يكون حسنةً إذا كان التركُ من أجلِ اللهِ كما نطق به الحديث ومفهومه أنَّه إنْ لم يكن الترك من أجله تعالى فلا يكون ذلك حسنة وهو كذلك واعلم أنَّ الإنسانَ إذا همّ بالحسنةِ يكون ذلك حسنة لأنَّ الهم بالمعروف معروفٌ وقد أحسن من قال: لأشكرنك معروفا هممت به ... فإنَّ همّك بالمعروف معروف ولا ألومك إذ لم يمضه قدر ... فالشيء بالقدر المحتوم مصروف وإذا همَّ الإنسانُ بسيئةٍ فتركها من أجلِ اللهِ كان ذلك حسنة فإنْ عزمَ، وصمم على فعل السيّئة، ثم لم يقدر عليها فلا يكون ذلك حسنة بل سيّئة فإنْ صمم على فعل السيّئة، ثم تركها من أجلِ اللهِ فهذا ربَّما يقال: التصميم على فِعْل السيّئة سيئة، والرجوع عنه من أجل الله كفارة لذلك التصميم. وقد بيَّن الحافظ ابن رجب تفصيل ذلك في كتابهِ "شرح الأربعين" فليراجعه مَنْ شاء والله أعلم. وعن أبي عثمان النهدي قال: قدمتُ إلى مكة حاجًا، أو معتمرًا فلقيتُ أبا هريرةَ ﵁ فقلت: بلغني عنكَ أنك تقول: اللهُ يعطي عبدَه المؤمن بالحْسنةِ الواحدة ألف حسنة. فقال: لم أقل ذلك، ولكني قلتُ: إنَّ الحْسنةَ تضاعف بألفي ألف ضعف. ثم قال: قال الله تعالى: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]. قُلْتُ: خرجه الإمام أحمد وقال: قال أبو هريرة: إذا قال الله

стр. 889

تعالى: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ فمن يقدر قدره (١). وروي عن أبي هريرةَ مرفوعًا، وموقوفًا وقد قال: قال الحسن: وإن تك حسنة يضاعفها أحب إلى من قول العلماء من أنَّ الحسنة الواحدة تضاعف مائة ألف حسنة؛ لأنَّ التضعيف الذي قالوه يكون مقداره معلومًا، وأمَّا على هذه العبارة التي في كتابِ اللهِ فغير معلوم.

стр. 890

فصل قال الله في حق الكافرين: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣] وقال: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧] وقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] وقال فيهم: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] هذا كله بالنسبة إلى الآخرةِ وأمَّا في الدُّنيا فإن الله مجازيهم بها، ففي مسلم عن أنسٍ مرفوعًا: "إنَّ اللهَ لا يظلم مؤمناً حسنة يعطي بها في الدنيا (١) ويجزى بها في الآخرةِ وأمَّا الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا حَتى إذا أفضي إلى الآخرةِ لم تكن له حسنة يجزى بها"، وفي طريق آخر: "إنَّ الكافر إذا عملَ حسنةً أطعم بها طعمة في الدُّنيا، وأمَّا المؤمن فإنَّ اللهَ يؤخر لَهُ حسناته في الآخرةِ، ويعقبه رزقاً في الدُّنيا على طاعته" (٢). قال العلامة (٣): قُلْتُ: لكن لو أسلمَ الكافرُ فإنَّه يعتد بحسناتهِ التي سلفت كما هو ظاهر الحديث. هذا مراده ولعل مراده بحسناته التي لا تحتاج إلى نية وفيه لولا سعة فضل اللهِ ورحمته إشكال.

стр. 891

تنبيهان: الأول: اْختلفَ العلماء هل توزن أعمال الكفار أم الوزن خاص بالمؤمنين؟ فذهبَ بعضُهم إلى الأول مستدلاً بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾ [الأعراف: ٩] أي: يجحدون. قاله مجاهد. وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩)﴾ [القارعة: ٨ - ٩] وأمَّا قوله تعالى: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] بما يستدل به مَنْ قال بعدم وزن أعمالهم وأجاب القائلون بخلافه بأنَّ المرادَ وزناً يعتد به فلا نكرمهم، ولا نعطيهم وهذا مجاز عن عدم الاْعتداد بهم كذا قيل والحق أنَّهم لا يوزن لهم عملٌ والله أعلم. وفي كلام القرطبي: تلويح لوجه الجمع وهو أن بعض الكافرين يعجَّل بهم إلى النارِ فلا يوزن لهم كما أنَّ بعضَ أهْلِ الجنَّةِ يدخلون الجنَّةَ بغير حساب فغير من يعجل به إلى النار لا يقام له وزن (١). الثاني: تقدم عن النسفي (٢): أنَّ الإيمان لا يوزن وقدمنا في معارضته حديث البطاقة وليس فيها إلا كلمة التوحيد وهي أسُّ الإيمان ولا يعلم أنَّ الإنسان يدخل في الإيمان إلاَّ بها في الجملةِ، ثم رأيت القرطبي أجابَ عن ذلك كالمستنصر لكلامِ النسفي تبعًا للحكيم الترمذي فقال: إنَّ كلمةَ التوحيد إنَّما تكون إيمانًا أوّل مرة وبعد ذلك تكون من حسناته قال: ويدل عليه قوله في الحديث: "بلى إن لك عندنا

стр. 892

حسنة" ولم يقل: "إنَّ لك إيماناً". وقد سُئِل رسول الله ﷺ عن لا إله إلا الله أمن الحسنات هي؟ فقال: "من أعظم الحسنات" (١). خرجه البيهقي وغيره فبعدما حصل للإنسان الإيمان فالنطق بلا إله إلا الله إنَّما هو حسنات توضع في الميزان. اْنتهى ملخصًا. وفيه نظر يظهر بالتأمل والله أعلم (٢). لطيفة: حكى القرطبي عن بعضهم أنَّه قال: رأيتُ بعضَهم في المنامِ فقلت: ما فعل اللهُ بكَ؟ قال: وزنت حسناتي فرجحت السيئات على الحسنات فجاءت صرة من السماء فسقطت في كفةِ الحسنات فرجحت فحللت الصرة فإذا فيها كف تراب كنت ألقيته في قبر مسلم (٣).

стр. 893

الباب السادس في ذكر الصراطِ وهو قنطرة جهنَّم بين الجنّةِ والنّارِ وخُلق منْ حين خلقت جهنَّم قال القرطبي: اْعلم رحمك الله أنَّ في الآخرة صراطين أحدهما مجاز لأهْلِ المحشر كلهم ثقيلهم وخفيفهم إلا مَنْ دخلَ الجنَّةَ بغير حساب أو تلتقطه عنق النار فإذا خلص مَن خلص مِن هذا الصراط الأكبر الذي ذكرناه ولا يخلص عنه إلا المؤمنون الذين علم الله منهم أنَّ القصاص لا يستنفذ حسناتهم حبسوا على صراط آخر خاص لهم ولا يرجع إلى النارِ من هؤلاء أحد إن شاء الله تعالى؛ لأنَّهم قد عبروا الصراط الأول المضروب على متن جهنم التي يسقط فيها من أوبقه ذنبه، وأزكى أي: زاد على الحسنات جرمه وغيّه. وأخرجَ البخاري (١) والإسماعيلي في مشيخته عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يخلص المؤمنون مِن النَّارِ فيحبسون على قنطرة بين الجنَّةِ والنارِ فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حَتَّى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى في الجنَّةِ بمنزله منه بمنزله كان في الدُّنيا".

стр. 894

وأخرجَ أبو داود واللفظ له، والحاكم وقال: صحيح على شرطهما لولا إرسال فيه بين الحسن وعائشة ﵂ قالت: ذكرت النَّار فبكيت فقال رسول الله ﷺ : "ما يبكَيك؟ " قلت: ذكرت النار فبكيت فهل تذكرون أهليكم يوم القيامةِ؟ قال: "أمَّا في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحدًا: عند الميزان حَتَّى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل، وعند تطاير الصحف حَتَّى يعلم أين يقع كتابه في يمينه أم في شماله أم وراء ظهره، وعند الصراط إذا وضع بين ظهري جهنم حَتى يجوز" (١). وأخرجَ الترمذي وقال حسن غريب. والبيهقي في البعث عن أنس ﵁ قال: سألتُ رسولَ الله ﷺ أنْ يشفع لي في يوم القيامةِ فَقال: "أنا فاعل إن شاء الله". قلت: فأين أطلبك؟ قال: "أول ما تطلبني على الصراط" قلتُ: فإن لم ألقك على الصراطِ قال: "فاطلبني عند الميزان" قلت: فإنْ لم ألقك عند الميزان. قال: "فاطلبني عند الحوض فإنِّي لا أخطئ هذه الثلاثة المواطن" (٢). وأخرجَ الحاكم وصححه عن سلمان الفارسي ﵁ مرفوعاً: "يوضع الميزان يوم القيامة فلو وزن فيه السموات والأرض لوسعهنّ فتقول الملائكة: يا رب لَمن يزن هذا؟ فيقول الله تعالى: لمن شئتُ

стр. 895

من خلقي. فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حقّ عبادتك. ويوضع الصراط مثل حدّ الموسى فتقول الملائكة: مَنْ يمشي على هذا؟ فيقول: من شئتُ من خلقي. فيقولون: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك" (١). وأخرجَ الطبراني بإسنادٍ حسن عن عبد اللهِ ﵁: "يوضع الصراط على سواء (٢) جهنّم مثل حد السيف الرهف مدحضه أي: مزلقة مزلة أي: لا تثبت عليه قدم بل تزل. عليه كلاليب من نار نحطف أهلها فممسك [هوى فيها] (٣)، ومصروع ومنهم مَنْ يمر كالبرقِ فلا ينشب ذلك أن ينجو، ثم كالريح فلا ينشب ذلك أنْ ينجو، ثم كجري الفرس، ثم كرمل الرجل، ثم كمشي الرجل، ثم يكون آخرهم إنسانًا رجل قد لوحته النار ولقي فيها شرًا حَتَى يدخله الله الجنّةَ بفضل رحمته فيُقال له: تمنّ وَسَلْ. فيقول: أي رب أتهزأ مني وأنت رب العزة، فيقال له: تمنّ وسل حَتَّى إذا اْنقطعت به الأماني قال: لك ما سألت ومثله معه" (٤). قال الحافظ المنذري: وليس في أصلي رفعه. وفي حديث أبي هريرة عند البخاري: "فإذا جَاء ربُّنا عرَفناه فياتيهم اللهُ فيقول: أنا ربُّكم. فيقولون: أنت ربنا فيدعوهم، ويضرب الصراط بين ظهراني جهنَّم فكونُ أوَّلَ مَنْ يجوزُ مِن الرُّسل بأمَّتِهِ ولا

стр. 896

يتكلَّم أحدٌ يومئذ (١) إلا الرسل وكلام الرسل يومئذٍ: اللهُمَّ سَلِّمْ سَلِّم وفي جهنَّم كلاليبُ مثلُ شوكِ السَّعْدان". الحديث. وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا عند الشيخين ولفظه لمسلم (٢): "ثم يضرب الصرَاط على جسر جهنَّم، وتحل - الشفاعة، وتقولون: اللَّهُمَّ سلِّم سلِّم". قيل: يا رسول الله وما الجسر؟ قَالَ: "دحْضٌ مَزلَّة" أي: بإسكان الحاء هو الزلق، والمزلة: المكان الذي لا تثبت عليه القدم إلا زلت كما تقدم. "فيه خطاطيف، وكلاليب، وحسكة تكون بنجدٍ فيها شوكة يقال لها السَّعْدان فيمرُّ المؤمنونَ كطرف العينِ، وكالبرق، وكالرِّيح، وكالطَّيرِ، وكأجَاويد الخيل، والرِّكاب. فناج مُسَلَّمٌ ومخدوشٌ مكردس ومكدوش. أي: مدفوع في نارِ جهنَّم حَتًى إذا خلصَ المؤمنونَ من النَّارِ، فوالذي نفسي بيده ما من أحد منكم بأشد منا شدة في اْستيفاء الحق من المؤمنين للهِ يومَ القْيامةِ لأخوانه الذين في النار" وفي رواية: "فما أنتم بأشد منا شدة في الحق قد تبين لكم من المؤمنين يومئذ للجبار إذا رأوا أنهم قد نجوا في إخوانهم فيقولون: ربَّنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون. فيقال لهم: أخرجوا مَنْ عَرفتم فتحرم صورهم على النار" الحديث. ويأتي تمامه إن شاء الله تعالى. قال القرطبي: معنى يخلص المؤمنون من النارِ أي: يخلصون من الصراط المضروب على النارِ. ودلّ هذا الحديث على أنَّ المؤمنين في

стр. 897

الآخرةِ مختلفو الحال قال مقاتل: إذا قطعوا جسر جهنم حبسوا على قنطرة بين الجنة والنارِ فيقتص لبعضهم من بعض حَتَّى إذا هذبوا وطيبوا قال لهم رضوان وأصحابه: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]. وفي حديث الشفاعة المارّ عند مسلم عن حذيفة، وأبي هريرة (١) ﵄ مرفوعًا وفيه: "فيأتون محمدًا ﷺ فيقوم ويؤذن لهُ وترسل معه الأمانة والرحمة فيقومان جنبتي الصراط يميناً وشمالاً فيمرِّ أوّلُكُم كالبْرقِ" قال: قلْتُ: يا رسولَ الله بأبي أنت وأمي أيُّ شيء كمرِّ البْرْق؟ قال: "ألم تروا إلى البْرقِ كيف يَمُرُّ وَيرْجعُ في طَرْفَةِ عينٍ؟ ثم كمرِّ الريح، ثم كمر الطَّير وشدِّ الرحال (٢) تجري بهم أعمالُهم ونبيكم ﷺ قائم على الصِّراط يقول رَبِّ سلِّمْ سلم حَتَّى يعجز أعمال العباد حَتَّى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفاً. قَالَ: وفي حافتي الصراط كلاليب معلَّقةَ مأمورةٌ بأخْذِ مَنْ أُمِرَتْ به فمخدوش ناج ومكدوش [أي: مدفوع دفعًا عنيفًا] في النارِ" والذي نفْسُ أبي هريرةَ بيده إنَّ قعرَ جهنَّم لسبعون خريفًا. وفي مرفوع ابن مسعود عند ابن أبي الدُّنيا، والطبراني، والحاكم: "والصراط كحد السيف دحض مزلة" قال: "فيقولون: اْنجو على قدر نوركم فمنهم مَنْ يمر كانقضاضِ الكوكب، ومنهم من يمرّ كالطرف، ومنهم من يمر كالرّيح، ومنهم مَن يمر كشد الرجل ويرمل رملا

стр. 898

فيمرون على قدر أعمالهم حَتَّى يمرّ الذي نوره على إبهام قدميه تخرّ يدٌ وتعلق يدٌ وتخرّ رِجل وتعلق رجل فتصيب جوانبه النار" (١). وعن عبيد بن عمير، عن النَّبي ﷺ قال: "الصراط على جهنم مثل حرف السيف بجنبتيه الكلاليب، والحسك فيركبه الناس فيختطفون فوالذي نفسي بيده إنَّه ليؤخذ بالكلوب الواحد أكثر من ربيعة ومضر". رواه البيهقي مرسلاً وموقوفًا على عبيد بن عمير أيضًا (٢). وأخرجَ الحاكم وصححه وقال: على شرط مسلم عن أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: "يلقى رجلٌ أباه يومَ القيامةِ فيقول: يا أبت أي ابن كنت لك؟ فيقول: خير ابن فيقول: هل أنت مطيعي اليوم؟ فيقول: نعم فيقول: خذ بإزرتي فيأخذ بإزرته، ثم ينطلق حَتَّى يأتي الله تعالى وهو يعرض بين الخلق فيقول: يا عبدي اْدخل من أي أبواب الجنة شئت. فيقول: أي ربي وأبي معي فإنكَ وعدتني أن لا تخزني. قال: فيمسخ أباه ضبعا فيهوي في النَّارِ فيأخذ بأنفه، فيقول الله: يا عبدي أبوك هو؟ فيقول لا وعزتك" (٣). قال الحافظ المنذري: وهو في

стр. 899

البخاري إلا أنَّه قال: يلقى إبراهيم أباه آزر. فذكر القصة. اْنتهى. قُلْتُ: في صحيح البخاري (١) في موضعين في أحاديث الأنبياء، وفي التفسير عن إسماعيل بن عبد الله قال: حَدَّثَنَي أخي عبد الحميد عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، عن النَّبي ﷺ قال: "يلقى إبراهيمُ أبَاهُ آزَرَ يوْمَ القيامةِ، وعلى وجْهِ آزرَ قترةٌ، وغبرةٌ، فيقول لهُ إبراهيمُ: ألم أقلْ لك لا تعصني؟ فيقول: أبوه فاليوم لا أعصيكَ، فيقول إبراهيم: يا ربّ إنكَ وعدْتني أنْ لا تخزُني يومَ يبعثون فأيُّ خزي أخزى مِنْ أن يكون أبي في النارِ؟ فيقول الله: إنِّي حرَّمتُ الجنَّةَ على الكافرين ثم يُقال يا إبراهيمُ ما تحتَ رجليك؟ فينظر فإذا هو بذيخِ متلطخِ فيؤخذُ بقوائمه ويلقى في النَّار". قال العلماء: والحكمة في كونه مسخ ضبعاً دون غيره من الحيوان أنَّ الضبع أحمق الحيوان ومن حمقه أنَّه يغفل عمَّا يجب له التيقظ ولذلك قال عليّ ﵁: لا أكون كالضبع يسمع الكدم فيخرج له حَتَّى يصاد والكدم الضرب الخفيف فلمَّا لم يقبل آزر النصيحة مِنْ أشفق النَّاس عليه وقبل خديعة عدوّه الشيطان أشبه الضبع الموصوفة بالحمق؛ لأنّ الصيادين إذا أرادوها رموا في جحرها بحجر فتحسبه شيئاً تصيده فتخرج لتأخذه فتصاد عند ذلك ويقال لها وهي في جحرها: اْطرقي أم طريق خامري أمّ عامر اْستتري بجراد عَطْلى وشاة هَزْلى فلا يزال يقال لها ذلك حَتَّى يدخل عليها الصياد

стр. 900

فيربط يديها ورجليها ثم يجرها، وحمق الضبع أشهر من أن يذكر والله أعلم. قال القرطبي: روي عن بعض أهْل العلم أنَّه قال: لن يجوز أحدٌ الصراط حَتَّى يسأل عن سبع قناطر فأمَّا القنطرة الأولى فيسأل عن الإيمان باللهِ وهي شهادة أن لا إله إلا الله فإنْ جاء بها مخلصًا، والإخلاص قول وعمل جاز. ثم يسأل على القنطرة الثانية عن الصلاةِ فإنْ جاء بها تامة جاز. ثم يسأل في القنطرة الثالثة عن صوم شهر رمضان فإنْ جاء به تامًا جاز ثم يسأل في الرابعة عن الزكاة فإنْ جاء بها تامة جاز. ثم يسأل في الخامسة عن الحج، والعمرة فإنْ جاءَ بهما تامين جاز إلى القنطرة السادسة، فيسأل عَن الغَسلِ، والوضوء فإنْ جاءَ بهما تامين جاز ثم يسأل في السابعة وليس في القناطر أصعب منها فيسأل عن ظلامات النَّاس فيا مَنْ غرّه طول الأمل. ولم يتزوّد لمعادِه مِنَ العمل اْفتكر يا مسكين فيما أمامك. واغتنم في الحياةِ أوقاتك وأيامك وانظرْ إذا صرت على الصراط. هل تكون مِنْ أهْلِ الفوزِ أو الاْنحطاط؟ وإذا نظرت إلى جهنَّم تحتك سوداء مدلهمة هل يبقى لك من همه؟ والحال أنه قد لظى سعيرها، وعلا لهيبها وزفيرها، وأنت على متنها ودمعك مجرى، تمشي تارة وتزحف أخرى ولله در القائل حيث قال: ابت نفسي تتوب فما اْحتيالي ... إذا برزَ العبادُ لذي الجلالِ وقاموا مِنْ قبورهم سكارى ... بأوزار كأمثالِ الْجبالِ قد نصب الصراط لكي تجوزوا ... فمنهم من يكب على الشمال

стр. 901

ومنهم من يسير لدار عدن ... تلقاه العرائس بالغَوَالِي (١) يقول له المهيمن يا وليّي ... غفرتُ لك الذّنوبَ فما تبالي وقال الآخر: إذا مدّ الصراط على جهنّم ... تصول (٢) على العْصاةِ وتستطيل فقوم في الجحيم له ثبور ... وقوم في الجنان لهم مقيل وبانَ الحقُّ وانكشف الغطاءُ ... وطال الويل واتصل العويل وجاء في الحديث الشريف: "أنَّه إذا صار النَّاس على طرف الصراط نادى ملكٌ مِنْ تحت العْرشِ: يا فطرةَ الملك الجبار جوزوا على الصراط وليقف كل عاص منكم وظالم (٣). فيا لها مِنْ ساعة ما أعظم خوفها (٤). وما أشد حرها. يتقدم فيها مَن كان في الدُّنيا ضعيفاً مهينا. [ويدحض] (٥) من كان عظيما مكينا. ثمَّ [يؤمر] (٦) بجميعهم بعد ذلك بالجْوازِ على الصراطِ على قدرِ أعمالهم في ظلمتهم وأنوارهم، فإذا عصف بأمَّتي نادوا: وامحمداه وامحمداه. فأبارز من شدة إشفاقي عليهم، وجبريل آخذ [بحجزى] (٧) فأنادي رافعاً صوتي: ربّ أمّتي لا أسألك اليومَ نفسي ولا فاطمة ابنتي والملائكة قيام عن يمين الصراط، ويساره

стр. 902

ينادُون: رب سلِّمْ (١) وقدْ عظمت الأهوال، واشتدت الأوجال، والعصاة يتساقطون عن اليمين وعن الشّمالِ، والزبانية يتلقونهم بالسلاسل والأغلال وينادونهم: أما نهيتم عن كسب الأوزار، أمَا خوّفتم عذاب النارِ، أما أنذرتم كلّ الإنذار، أما جاءكم النبي المختار. ذكر ذلك الإمام ابن الجوزي في كتابه "روضة المشتاق" (٢). فائدة: في قول الرسل عليهم الصلاة والسلام على الصراط "ربّ سلم" إشارة إلى عظم شأن السلامة لاسيما يومئذ، فمن سلم حينئذ فقد فاز، ومن ثَمّ قال بعضهم العاقل لا يعدل بالسلامة شيئًا. ومن ثَمَّ قيل: وقائلة: ما لي أراكَ مجانبًا ... أمورًا فيها للتجارةِ مربح فقلت لها: ما لي بربحك حاجة ... فنحن أناس بالسلامةِ نفرح فالرسل عليهم الصلاة والسلام اْقتصروا على طلب السلامة؛ لأنَّها عينُ الغنيمةِ، والكرامة. تنبيه: زعمَ بعضُ النَّاسِ أنَّ كون الصراط أدقّ من الشعرة، وأحدّ من السيف راجع إلى اليسرِ والعسر على قدر الطاعات والمعاصي وأنكرَ أنْ يكون الصراط بهذه الصفة، واستدلَّ على ذلك بما وصف مِنْ أنَّ الملائكة يقومون بجنبيه، وأنَّ فيه كلاليبًا وحسكا، وأنَّ مَنْ يمر عليه يقع على بطنه ومنهم مَن يبرك ثُمَّ يقوم.

стр. 903

وهذا مردودٌ والإيمانُ بما وصفنا من صفات الصراط بأنَّه أدقُ مِنَ الشّعرة، وأحدّ منَ السيفِ واجب. والقادر على إمساك الطير في الهواء قادر أنْ يمسك عليه المؤمن فيجريه أو يمشيه وهذا بساط سيدنا سليمان ﵇ كان يجلس عليه الملأ مِنْ جنده، وهو بين السَّماءِ والأرضِ وأي وجه يلجئنا إلى العْدولِ عن الحقيقة إلى المجازِ مع اْعترافنا بأنَّ القْدرةَ صالحةٌ ولا شيء يكثر على الله، كيف وهو الفاعل المختار؟ فالله قادر على كلِّ شيء فمنْ اْعترف بأنَّ اللهَ على كلِّ شيء قدير علمَ أنَّ ذلك حق وإنَّما يخيل لبعضِ النفوسِ اْستحالة ذلك لعدم إلفها ذلك مع قلة معرفتها لله سبحانه فنسأل الله أنْ يرزقنا علمًا ربانيًا يقذفه في قلوبنا، ومعرفةً تامة، ومحبة كاملة، فمنْ رُزقَ ذلك فاز، ومَنْ لا فله الويل والثبور ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]. قال ابن اليمان: رأيتُ رجلاً نامَ وهو أسود الرأس واللحية، شاب يملأ العينَ، فرأى في منامِه كأنَّ النَّاسَ قدْ حُشروا وإذا بنهر من نارٍ، وبجسر يمر النَّاسُ عليه، فدعي فدخل الجسر فإذا هو كحد السيف يمور به يمينًا وشمالاً، فأصبح أبيضَ الرأسِ واللحية. فيا مَنْ أعجبه اللهو والانبساط هلا اْفتكرتَ في شدة المرور على الصراطِ، ويا مَن نامَ ليله الطويل، ولم يرض من دنياه بالقليل هلا تزوّدت ليومٍ تشخص فيه القلوب والأبصار، واتخذت لكَ مساعدًا على ركوب تلك الأسفار فإنَّه ليس ثم مساعد ولا رفيق موادد سوى

стр. 904

تقوى العزيز الغفار اْنتبه لتلك الأوقات. واعتبر بمَن قبلكَ قد ماتَ هل بلغ منهم أحد الأوطار، وهل نجا منهم من الموت من أحد هدى أوطاره؟ كلا واللهِ لولا الغفلة والأمل لمَا قر لذي لب قرار وأنشدوا: اجنب جيادًا مِنَ الدُّنيا مضمرة ... للسبق يوم يفوز النَّاسُ بالسبق تمرُّ مرَّ الرياح الهوج (١) عاصفة ... أو لمحة البرقِ إذْ يلتاح بالأفق واركضْ إلى الغايةِ القصوى وخل لها ... عنان صدق رمى في الفتنة الصدق كم جل عزمك منْ دنيا معوجة ... بقصدك اليوم عن مسلوكة الطرق وفازَ مَنْ فاز لا حزن ولا فرق ... وخلفوك حليف الحزنِ والفرق يا غافلاً والمنايا منه في فكر ... وضاحكًا والرَّدى يبغيه في حنق قطعتَ عمركَ في لهو وفي سنة ... ومن أمامك ليل دائم الأرق وربّ رأي تراه اليوم من سفه ... عقلا تراه غدا في غاية الخرق (٢) فاضرعْ إلى اللهِ واطلب عفوه فعسى ... ينجيكَ عند اْشتمال الخوف والقلق واسأله أزكى تحيات مضاعفة ... على النبي الوفي الطيب الخلق عليه خير صلاة لا نفاد لها ... يزري بقطرها بالمندَل العبق فائدة: أخرجَ الترمذي من حديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال: "شعار المؤمنين على الصراط: سَلِّم سلم". وقال: حَديث غريب (٣).

стр. 905

وذكر الحافظُ عبد الحق الإشبيلي في "العاقبة" أنَّه ذكره الحارث بن أبي أسامة من حديث أبي هريرة ﵁، عن النَّبي ﷺ . وذكرَ ابن عساكرَ عن الفَضل (١) بن عياض قال: "بلغنا أنَّ الصّراط مسيرة خمسة عشر ألف سنة خمسة آلات صعودًا، وخمسة آلآف هبوطًا، وخمسة آلاف مستوى أدق من الشعرة وأحدّ من السيف على متن جهنَّم لا يجوز عليه إلا ضامر مهزول منْ خشيةِ اللهِ (٢) ". قالت المعتزلة: هذا لا يمكنُ العبور عليه وإنْ أمكن فهو تعذيب للمؤمنين. قلنا: أمَّا عدم إمكان المرور عليه فمردود بما مرّ، وأمَّا كونه تعذيبًا للمؤمنين فباطل إذ المؤمن لا يحصل له بذلك ألم، ولا عذاب وإنَّما العذاب على مَنْ رفض السّنَّة والكتاب، ورجعَ إلى رأيه، ونبذ السّنّة إلى ورائه. والذي أضل هؤلاء عقولهم القاصرة عن معرفة ربّهم، وقدرته الباهرة، فنسأل الله سبحانه التمسك بالكتاب والسنة، ومعرفة تمازج قلوبنا، حَتَّى يسكنَ القلبُ له لا لغيره. وأخرج الطبراني بسند حسن عن أبي أمامة مرفوعًا: "يجر الظالم يوم القيامة حَتَّى إذا كان على جسرِ جهنَّم بين الظلمة والوعرة لقيه المظلوم فعرفه، وعرت ما ظلمه به، فما برح الذين ظُلِموا يقتصون من الذين ظَلمَوا حَتَّى ينزعوا ما في أيديهم مِنَ الحْسنات، فإنْ لمْ يكن لهم حسنات

стр. 906

رد عليهم من سيئاتهم، حَتَّى يوردوا الدرك الأسفل من النارِ" (١). وأخرجَ ابن المبارك، وأبو نعيم، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود: "يؤتى بالعْبدِ والأمةِ يومَ القْيامةِ فينصبان على رءوسِ الأولين والآخرين فينادي مناد: هذا فلان ابن فلان مَن كان لَهُ حق فليأت إلى حقه فترجو المرأةُ أنْ يدورَ لها الحق على ابنها وأخيها ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] فيغفر اللهُ ما شاء من حقه، ولا يغفر مِنْ حقوق النَّاسِ شيئا فيقول: رب فنيت الدُّنيا مِنْ اْين أوتيهم حقوقهم؟ فيقال: خذوا من أعماله الصالحة فأعطوا كل ذي حق بقدرِ طلبته، فإنْ كان وليًا للهِ ففضل له مثقال ذرة ضاعفها اللهُ له حَتَّى يدخلَ الجنةَ ثم قرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٥] وإنْ كان عبدًا شقيًا قال الملَك: رب فنيتْ حسناته، وبقى طالبون كثيرون قال خُذوا مِنْ سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته، ثُم صكوا له صكًا إلى النَّارِ" (٢). وقال ابن مسعود ﵁ أيضًا: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "إنَّه ليكون للوالديَن على ولدهما دين فإذا كان يوم القيامة يتعلقان به فيقول: إنِّي ولدكما فيوَدّان أو يتمنّيان لو كان أكثر من ذلك" رواه أبو نعيم (٣).

стр. 907

وعن أبي هريرةَ ﵁ قال: "كنَّا نسمعُ أنَّ الرَّجلَ يتعلق بالرَّجلِ يومَ القيامةِ وهو لا يعرفه فيقول: مالك إلى وما بيني وبينك معرفة. فيقول: كُنتَ تراني على الخطايا وعلى المنكرِ ولا تنهاني" (١) فانظرْ رحمك الله في هذا الحديث الذي يكاد أنْ يقصم ظهر مَنْ لهُ لبّ ويعضد هذا الخبر ما رواه أبو بكر الصديق ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ أنه قال: "إنَّ الناسَ إذا رأوا المنكرَ فلم يغيروه أوشك أنْ يعمّهم اللهُ بعقابهِ" (٢). وفي حديث عن أبي هريرةَ عنه ﷺ أنه قال: "لتأمرن بالمعروف، ولتنهن عن المنكر أو ليسلطن الله شراركم على خياركم فيدعوا خياركم فلا يستجاب لهم" (٣). وقال مالك بن دينار: قرأتُ في التوراة مَنْ كان له جار يعمل بالمعاصي فلم ينهه فهو شريكه. وقال مسعر: أُمِر مَلَكٌ أنْ يخسف بقريةٍ فقال: يا رب فيها فلان العابد فأوحى الله تعالى إليه أنْ به فابدأ فإنَّه لم يتمعّر وجهه فيّ ساعةً

стр. 908

قطّ. فهذا يدلّ لما ذكر والله أعلم. وأخرجَ ابن ماجه عن جابر ﵁ قال: لمَّا رجعت إلى رسولِ الله ﷺ مهاجرة البحر قال: "ألا تحدثوني بأعاجيب ما رأيتم بأرضِ الحبشة؟ ". فقال فتية منهم: بَلى يا رسول الله بينما نحن جلوس مرَّتْ بنا عجوزٌ منْ عجائز رهابينهم تحملُ على رأسها قلة مِنْ ماء فمرَّت بفتى منهم فجعلَ إحدى يديه بين كتفيها، ثُمَّ دفعها فخرت على ركبتيها فانكسرت قلتها فلمَّا اْرتفعت التفتت إليه فقالت: سوف تعلم يا عدوّ اللهِ إذا وضِع الكرسي، وجُمع الأوّلين والآخرين، وتكلّمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده. قال: يقول رسول الله ﷺ : "صدقت كيف يقدس الله أمة لا يؤخذ لضعيفهم مِنْ سيدهم" (١). تنبيه: أنكرَ بعضُ المغفلة المتبعون هواهم بغير هدى من الله إعجابًا بآرائهم، ومحكماً على كتاب اللهِ، وسنة رسوله ﷺ لخساسة عقولهم الضعيفة، وقلة أفَهامهم السخيفة القْصاصَ حيث زعموا أنَّه لا يجوز في حكمِ اللهِ، وعدله أنْ يضعَ سيئات من كتبها على مَنْ لم يكتبها، وتؤخذ حسنات مَنْ عملها فتعطى لمَنْ لم يعملها مع قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] فقالوا: كيف تصح هذه الأحاديث مع مخالفتها الكتاب العزيز، والعقل الذي كالذهب الإبريز.

стр. 909

والجواب: كما في "التذكرة" (١) وما قبله أنَّ الله لم يبن أمورَ الدّين على مقتضى عقول العبادِ، ولم يوعد على ما تحملته عقولهم فيدركونها بأفهامهم بل أوعدو وعد بمشيئته، وإرادته وأمرَ ونهى بحكمتِهِ ولو كان كلُّ ما لا تدركه العقولُ مردودًا لكان أكثر الشرائع مستحيلاً على موضوع عقول العبادِ وذلك أنَّ اللهَ سبحانه أوجبَ الغسلَ بخروجِ المني الذي هو طاهر عند بعضَ الصّحابة وكثير مِنَ الأئمةِ كالإمامِ أحمد، والإمام الشافعي، وغيرهما أوجب غسل الأطراف مِنَ الغائطِ الذي لا خلاف في نجاسته، وقذارته إلى أنْ قال: وكذلك القصاص بالحسنات والسيئات يعني: لا يدرك بالعقل وقد قال وقوله الحق: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء: ٤٧] وقال: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] وهذا يبين معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] أي: لا تحمل حاملة ثقل أخرى إذا لم تتعد فإذا تعدت، واستطالت بغير ما أمرت به فإنَّها تحمل عليها ويؤخذ منها بغير اْختيارها. اْنتهى.

стр. 910

قُلْتُ: أيّ عقل يرد مثل هذا القصاص أفليس هذا عين العدل؟! وإلا فالعدل أن يسفكَ الدّماء، ويأخذ الأموالَ، وينتهك الْمحارم، ويظلم الضعيف ويؤلمه ثُمَّ لا يؤخذ بمثل هذه الجرائم هذا ممَّا تأباه العقولُ، وتباينه النقولُ فالعدل كلّ العدلِ في الحْسابِ والقصاص، ومن ثمَّ جعله اللهُ بين عبادِه ولولا ذاك لأكلَ القويُّ الضعيفَ إذ لا يخشى في هذه الدُّنيا مِنْ ضعفِه، ولا يخاف يومَ القيامةِ من ذنبه، فويل لأهْلِ الإفك، والابتكار من غضبِ الجبارِ ما أجرأهم على أحاديث المصطفى بالردِ، والتزييف، والطعن، والتضعيف، سبحان الله عمَّا يصفون! فليتربصوا فسوف يعلمون فعلى العاقل أنْ يحاسبَ نفسَهُ قبلَ يوم الحْسابِ، ويعاتبها قبل أنْ لا ينفع العتاب ومِنْ ثَمَّ قال سيدنا عمر بن الخطاب رضوان الله عليه: حاسبوا أنفسَكم قبل أنْ تُحاسبوا، وزنوها قبل أنْ توزنوا. وحساب النفسِ هو التوبة النصوح، وتدارك ما فرط من تقصير في أداءِ الفرائض، ويرد المظالم إلى أهلها حبة حبة، ويستحل ما يمكنه اْستحلاله. والله الموفق.

стр. 911

الباب السابع في الحوضِ، والكوثرِ وهما ثابتان بالكتابِ والسُّنّةِ وإجماع أهْل الحق قالَ الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ [الكوثر: ١] وقال الجلال السيوطي في كتابه "البدور السافرة" (١): قد وَرَدَ ذكر الحوض من رواية بضع وخمسين صحابيًا منهم الخلفاء الأربعة، وأبيّ بن كعب، وأنس، والبراء بن عازب، وجابر، وأبي هريرة، وعائشة، وأم سلمة. وذكر بقيتهم. قال في "التذكرة" (٢): ذهَبَ صَاحبُ "القوت" إلى أنَّ الحْوض بعد الصراط والصحيح أنَّه قبله. وهكذا قال الغزالي: ذهبَ بعضُ السلفِ إلى أنَّ الحْوضَ يورد بعد الصراط وهو غلط من قائله. قال: القرطبي والمعنى يقتضي تقديم الحوض على الصراط فإنَّ النَّاسَ يخرجون عَطاشا مِنْ قبورِهم كما تقدم فناسب تقديمه. قال ابن عباس ﵄: سُئل رسول الله ﷺ عن الوقوف بين يدي ربّ العَالمين: هل فيه ماء؟ قال: "إي والذي نفسي بيده إنَّ فيه لماء، وإنَّ أولياءَ اللهِ ليردون إلى حياض الأنبياء ﵈" (٣).

стр. 912

وأخْرَجَ الشيخان عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "حوضي مسيرة شهر ماؤه أبيَض من اللبن، وريحهْ أطيب مِنَ المْسك، وكيزانه كنجومِ السَّماءِ، مَنْ شرب منه لا يظمأ أبدًا" وفي رواية-: "حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء (١)، وماؤه أبيض من الوَرِق". وهي عندهما أيضا. وأخرجَ الإمامُ أحمد بسند صحيح، وابن حبان في صحيحه واللفظ للإمام أحمد عن أبي أمامة ﵁ أنَّ رسُولَ اللهِ ﷺ قال: "إنَّ اللهَ وعَدَني أنْ يُدخِلَ مِنْ أمَّتي سبعين ألفًا بغيرِ حسابٍ" فقال يزيد بن الأخنس: واللهِ ما أولئك في أمَّتِكَ إلا كالذُّبابِ الأصهب (٢) في الذباب. فقال رسول الله ﷺ : "قد وعدني سَبْعِينَ ألفًا مع كُلً أَلفٍ سبعون ألفا، وزادني ثلاثَ حثيات". قال: فما سعة حوضك يا رسول الله؟ قال: "كما بين عَدَنَ إلى عُمَان، وأوسع وأوسع" يشير بيده قال: "فيه مُثعُبان" بضم الميم والعين المهملة بينهما مثلثة وآخره موحدة هو مسيل الماء قاله الحافظ المنذري: "مِنْ ذهب" أي ذلك المثعبان من ذهب: "وفضَّةٍ" قال: فما حوضك يا نبيَّ اللهِ؟ قال: "أشدُّ بياضاً منَ اللبنِ، وأحْلىَ مِنَ العسلِ، وأطيب رائحة من المسك، مَنْ شربَ منه شربة لم يظمأْ بعدها أبدًا، ولم يسود وجهه أبداً (٣) ".

стр. 913

وأخرجَ مسلم عن ثوبان ﵁، عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: "إني لبِعُقْرِ حوضي" أي: مؤخره وهو بضم العين وإسكان القاف "أذودُ النَّاسَ لأهْل اليمنِ" أي: أطردهم وأدفعهم ليرد أهل اليمن قاله ابن المنذر "أضربُ بعصاي حَتَّى يرفض عليهم" فسُئِل عن عَرضِه؟ فقال: "من مقامي إلى عمان". وسُئِل عن شرابه؟ فقال: "أشدُّ بياضاً مِنَ اللَّبَن، وأحْلى مِنَ العْسلِ يَغُت" أي: بغين معجمة مضمومة ثم مثناة فوق أي: يجريان "فيه ميزابانِ يمدَّانِهِ مِنَ الجْنَّةِ، أحدُهمُا من ذهبِ، والآخر من وَرِقٍ" (١). وروى الترمذي، وابن ماجه، والحاكم وصححه عن أبي سلام الحبشي قال: بعث إليّ عمر بن عبد العزيز فَحُمِلت على البريد فلمَّا دخلت إليه قلت: يا أمير المؤمنين لقد شق عليّ مركبي البريد فقال: يا أبا سلام ما أردتُ أنْ أشق عليكَ ولكن بلغني عنك حديثٌ تحدثه عن ثوبان، عن رسولِ اللهِ ﷺ في الحوض فأحببتُ أن تشافهني به فقلت: حَدَّثَنَي ثوبان أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "حوضي مثل ما بين عدن إلى عمان البلقاء ماؤه أشد بياضاً من الثلج، وأحلى منَ العْسل، وأكوابه عدد نجوم السماء، مَن شربَ منه شربةً لم يظمأ بعدها أبداً، أوّل النَّاسِ

стр. 914

وروداً عليه فقراء المهاجرين الشعث رءوساً" أي: البعيد عهدا بدهن رأسه، وغسله، وتسريح شعره. "الدنس ثياباً" أي: الوسخ ثيابًا وهو بضم الدال والنون جمع دنس. "الذين لا ينكحون المنَعَّمَات، ولا تفتح لهم الأبواب السدد". فقال عمر: قد نكحت المنعمات فاطمة بنت عبد الملك، وفتحت لي الأبواب السدد ولا جرم لا أغسل رأسي حَتَّى يشعث، ولا ثوبي الذي يلي جسدي حَتَّى يتسخَ (١). وأخرجَ الإمام أحمد بإسنادٍ حسن عن ابن عمر ﵄ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "حوضي كما بين عدن وعمان أبَرد من الثلج، وأحلى منَ العْسل، وأطيب ريحًا من المسك أكوابه مثل نجوم السماء، مَنْ شربَ منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً، أوّل الناسِ عليه وروداً صعاليك المهاجرين". قال قائل: من هم يا رسول اللهِ؟ قال: "الشعثة رؤوسهم الشحبة" أي: بفتح الشين المعجمة وكسر المهملة بعدها موحدة المتغيرة "وجوهم" وذلك من جوع أو هزال أو تعب "الدنسة" أي: الوسخة ثيابهم "ثيابهم لا تفتح لهم السدد" أي: الأبواب المغلقة وذلك لإهانتهم عند الناس وعدم اْكتراثهم بهم "ولا ينكحون المنعمات الذين يعطون كلّ الذي عليهم ولا يأخذون كلّ الذي لهم" (٢).

стр. 915

وعند الطبراني بإسنادٍ حسن في المتابعات عن أبي أمامة ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "حوضي كما بين عَدَن وعمَان فيه أكاويب" جمع كوب وهو كوز لا عروة له، وقيل: لا خرطوم له. فإذا كان له خرطوم فهو إبريق. "عدد نجوم السماء، مَن شرب منه لم يظمأ بعده أبداً" (١) الحديث. وعن أنس ﵁ أنَّ رسول اللهِ ﷺ قال: "ما بين ناحيتي حوضي كما بين صَنعاء والمدينة" وفي رواية: "مثل المدينة وعمان". وفي رواية "يرى (٢) فيه أباريق الذهب والفضة كعدد نجوم السماء". زاد في رواية: "وأكثر من عدد نجوم السماء" رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما (٣). وفي صحيح البخاري من حديث همام عن قتادة عن أنس ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "بينا أنا أسير في الجْنةِ إذ أنا بنهر حاَفتاه قباب اللؤلؤ المجوف فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربّك. قال: فضرب الملك فإذا طينه مسك أذفر" (٤). وفي صحيح مسلم عنه مرفوعًا: "الكوثر نهر في الجنة وَعَدَنِيه ربِّي " (٥). وفي "حادي الأرواح" للإمام المحقق ابن القيم قدس الله روحَه
следующие страницы →