← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 132973

البحور الزاخرة في علوم الآخرة

السفاريني

Полный текст (1 621 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

الباب السابع في الحوضِ، والكوثرِ وهما ثابتان بالكتابِ والسُّنّةِ وإجماع أهْل الحق قالَ الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ [الكوثر: ١] وقال الجلال السيوطي في كتابه "البدور السافرة" (١): قد وَرَدَ ذكر الحوض من رواية بضع وخمسين صحابيًا منهم الخلفاء الأربعة، وأبيّ بن كعب، وأنس، والبراء بن عازب، وجابر، وأبي هريرة، وعائشة، وأم سلمة. وذكر بقيتهم. قال في "التذكرة" (٢): ذهَبَ صَاحبُ "القوت" إلى أنَّ الحْوض بعد الصراط والصحيح أنَّه قبله. وهكذا قال الغزالي: ذهبَ بعضُ السلفِ إلى أنَّ الحْوضَ يورد بعد الصراط وهو غلط من قائله. قال: القرطبي والمعنى يقتضي تقديم الحوض على الصراط فإنَّ النَّاسَ يخرجون عَطاشا مِنْ قبورِهم كما تقدم فناسب تقديمه. قال ابن عباس ﵄: سُئل رسول الله ﷺ عن الوقوف بين يدي ربّ العَالمين: هل فيه ماء؟ قال: "إي والذي نفسي بيده إنَّ فيه لماء، وإنَّ أولياءَ اللهِ ليردون إلى حياض الأنبياء ﵈" (٣).

стр. 912

وأخْرَجَ الشيخان عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "حوضي مسيرة شهر ماؤه أبيَض من اللبن، وريحهْ أطيب مِنَ المْسك، وكيزانه كنجومِ السَّماءِ، مَنْ شرب منه لا يظمأ أبدًا" وفي رواية-: "حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء (١)، وماؤه أبيض من الوَرِق". وهي عندهما أيضا. وأخرجَ الإمامُ أحمد بسند صحيح، وابن حبان في صحيحه واللفظ للإمام أحمد عن أبي أمامة ﵁ أنَّ رسُولَ اللهِ ﷺ قال: "إنَّ اللهَ وعَدَني أنْ يُدخِلَ مِنْ أمَّتي سبعين ألفًا بغيرِ حسابٍ" فقال يزيد بن الأخنس: واللهِ ما أولئك في أمَّتِكَ إلا كالذُّبابِ الأصهب (٢) في الذباب. فقال رسول الله ﷺ : "قد وعدني سَبْعِينَ ألفًا مع كُلً أَلفٍ سبعون ألفا، وزادني ثلاثَ حثيات". قال: فما سعة حوضك يا رسول الله؟ قال: "كما بين عَدَنَ إلى عُمَان، وأوسع وأوسع" يشير بيده قال: "فيه مُثعُبان" بضم الميم والعين المهملة بينهما مثلثة وآخره موحدة هو مسيل الماء قاله الحافظ المنذري: "مِنْ ذهب" أي ذلك المثعبان من ذهب: "وفضَّةٍ" قال: فما حوضك يا نبيَّ اللهِ؟ قال: "أشدُّ بياضاً منَ اللبنِ، وأحْلىَ مِنَ العسلِ، وأطيب رائحة من المسك، مَنْ شربَ منه شربة لم يظمأْ بعدها أبدًا، ولم يسود وجهه أبداً (٣) ".

стр. 913

وأخرجَ مسلم عن ثوبان ﵁، عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: "إني لبِعُقْرِ حوضي" أي: مؤخره وهو بضم العين وإسكان القاف "أذودُ النَّاسَ لأهْل اليمنِ" أي: أطردهم وأدفعهم ليرد أهل اليمن قاله ابن المنذر "أضربُ بعصاي حَتَّى يرفض عليهم" فسُئِل عن عَرضِه؟ فقال: "من مقامي إلى عمان". وسُئِل عن شرابه؟ فقال: "أشدُّ بياضاً مِنَ اللَّبَن، وأحْلى مِنَ العْسلِ يَغُت" أي: بغين معجمة مضمومة ثم مثناة فوق أي: يجريان "فيه ميزابانِ يمدَّانِهِ مِنَ الجْنَّةِ، أحدُهمُا من ذهبِ، والآخر من وَرِقٍ" (١). وروى الترمذي، وابن ماجه، والحاكم وصححه عن أبي سلام الحبشي قال: بعث إليّ عمر بن عبد العزيز فَحُمِلت على البريد فلمَّا دخلت إليه قلت: يا أمير المؤمنين لقد شق عليّ مركبي البريد فقال: يا أبا سلام ما أردتُ أنْ أشق عليكَ ولكن بلغني عنك حديثٌ تحدثه عن ثوبان، عن رسولِ اللهِ ﷺ في الحوض فأحببتُ أن تشافهني به فقلت: حَدَّثَنَي ثوبان أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "حوضي مثل ما بين عدن إلى عمان البلقاء ماؤه أشد بياضاً من الثلج، وأحلى منَ العْسل، وأكوابه عدد نجوم السماء، مَن شربَ منه شربةً لم يظمأ بعدها أبداً، أوّل النَّاسِ

стр. 914

وروداً عليه فقراء المهاجرين الشعث رءوساً" أي: البعيد عهدا بدهن رأسه، وغسله، وتسريح شعره. "الدنس ثياباً" أي: الوسخ ثيابًا وهو بضم الدال والنون جمع دنس. "الذين لا ينكحون المنَعَّمَات، ولا تفتح لهم الأبواب السدد". فقال عمر: قد نكحت المنعمات فاطمة بنت عبد الملك، وفتحت لي الأبواب السدد ولا جرم لا أغسل رأسي حَتَّى يشعث، ولا ثوبي الذي يلي جسدي حَتَّى يتسخَ (١). وأخرجَ الإمام أحمد بإسنادٍ حسن عن ابن عمر ﵄ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "حوضي كما بين عدن وعمان أبَرد من الثلج، وأحلى منَ العْسل، وأطيب ريحًا من المسك أكوابه مثل نجوم السماء، مَنْ شربَ منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً، أوّل الناسِ عليه وروداً صعاليك المهاجرين". قال قائل: من هم يا رسول اللهِ؟ قال: "الشعثة رؤوسهم الشحبة" أي: بفتح الشين المعجمة وكسر المهملة بعدها موحدة المتغيرة "وجوهم" وذلك من جوع أو هزال أو تعب "الدنسة" أي: الوسخة ثيابهم "ثيابهم لا تفتح لهم السدد" أي: الأبواب المغلقة وذلك لإهانتهم عند الناس وعدم اْكتراثهم بهم "ولا ينكحون المنعمات الذين يعطون كلّ الذي عليهم ولا يأخذون كلّ الذي لهم" (٢).

стр. 915

وعند الطبراني بإسنادٍ حسن في المتابعات عن أبي أمامة ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "حوضي كما بين عَدَن وعمَان فيه أكاويب" جمع كوب وهو كوز لا عروة له، وقيل: لا خرطوم له. فإذا كان له خرطوم فهو إبريق. "عدد نجوم السماء، مَن شرب منه لم يظمأ بعده أبداً" (١) الحديث. وعن أنس ﵁ أنَّ رسول اللهِ ﷺ قال: "ما بين ناحيتي حوضي كما بين صَنعاء والمدينة" وفي رواية: "مثل المدينة وعمان". وفي رواية "يرى (٢) فيه أباريق الذهب والفضة كعدد نجوم السماء". زاد في رواية: "وأكثر من عدد نجوم السماء" رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما (٣). وفي صحيح البخاري من حديث همام عن قتادة عن أنس ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "بينا أنا أسير في الجْنةِ إذ أنا بنهر حاَفتاه قباب اللؤلؤ المجوف فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربّك. قال: فضرب الملك فإذا طينه مسك أذفر" (٤). وفي صحيح مسلم عنه مرفوعًا: "الكوثر نهر في الجنة وَعَدَنِيه ربِّي " (٥). وفي "حادي الأرواح" للإمام المحقق ابن القيم قدس الله روحَه

стр. 916

عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "دخلتُ الجنَّةَ فإذا بنهر يجري حَافتاه خيام اللؤلؤ فضربت بيدي إلى ما يجري فيه من (١) الماء فإذا أنا بمسك أذفر فقلت: لمن هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاكه الله " (٢). وفي سنن الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "الكوثر نهر في الجنةِ حافتاه (٣) من ذهب، ومجراه على الدر والياقوت، تربته أطيب مِنَ المْسكِ، وماؤه أحلى من العسلِ، وأبيض من الثلج" قال الترمذي: حديث حسن صحيح (٤). تنبيه: قال في التذكرة (٥): الصحيح أنَّ للنَّبي ﷺ حوضين أحدهما: في الموقف قبل الصراط والثاني في الجنةِ (٦) وكلاهما يسمى كوثرًا والكوثر (٧) في كلامِ العرب الخير الكثير.

стр. 917

قال الجلال السيوطي (١): وقد وَرَدَ التصريحُ في حديث صحيح عند الحاكم وغيرِه بأن الحوضَ بعد الصراط ورجحه القاضي عياض قال السيوطي: فإنْ قيلَ: إذا خلصوا من الموقف دخلوا الجنةَ فلم يحتج إلى الشرب منه. قلتُ: كلا بل هم محبوسون هناك لأجل المظالم فكان الشرب في موقف القصاص. ويحتمل الجمع بأنْ يقعَ الشربُ مِنَ الحْوضِ قبل الصراط لقوم وتأخيره بعده لآخرين بحسب ما عليهم من الذنوب حَتَّى يهذبوا منها على الصراط ولعل هذا أقوى. اْنتهى. قال العلامة في "البهجة لا: هذا كلام في غاية التحقيق جامع للقولين وهو دقيق. اْنتهى. قال القرطبي في التذكرة (٢): ولا يخطر ببالِكَ أو يذهبُ وهمك إلى أنَّ هذا الحوضَ يكون على وجه هذه الأرض وإنَّما يكون وجودُه على الأرض المبدلة على مسافات هذه الأقطار، وفي المواضع التي تكون بدلاً من هذه المواضع في هذه الأرض، وهي أرض بيضاء كالفضة لم يُسفك عليها دمٌ، ولم يظلم على ظهرها أحد قط كما تقدم. لطيفة: أخرجَ ابن أبي الدُّنيا (٣) عن ابن مسعود ﵁: "يحشر النَّاسُ يومَ القيامةِ أعرى ما كانوا قط، وأجوع مَا كانوا قط، وأظمأ ما كانوا قط، وأنصب ما كانوا قط فمن كسا لله كساه اللهُ، ومن

стр. 918

أطعم لله أطعمه الله، ومن سقا لله أسقاه الله، ومَنْ عملَ للهِ أغناه الله، ومن عفا لله أعفاه الله". وأخرجَ ابن خريمة (١)، والبيهقي عن سلمان مرفوعًا: "مَنْ يسقي صائماً للهِ سقاه اللهُ مِنْ حوضي شربةً لا يظمأ حَتَّى يَدْخل الجنة". وأخرجَ الحاكمُ (٢) عن أبي هريرةَ مرفوعًا: "مَنْ أتاه أخوه منتصلاً" أي: معتذرًا. "فليقبل (٣) ذلك منه محقاً كان ذلك أو مبطلا فإنْ لم يفعلْ لم يرد الحْوضَ". وأخرجَ الطبراني عن أمّ المؤمنين عائشة ﵂ مرفوعًا: "مَنْ أعتذر إلى أخيه المسلم فلم يقبل عذرَه لم يرد على الحوض" (٤). تنبيه: قال القرطبي (٥): ظن بعض النَّاسِ أن هذه التحديدات في أحاديث الحوض اْضطراب واختلاف. قال: وليس كذلك وإنَّما تحدث النبي ﷺ بحديث الحوض مرات عديدة وذكرَ فيها تلك الألفاظ المختلفة مخاطبًا لكلِّ طائفة بما كانت تعرف من مسافات مواضعها فيقول لأهْلِ الشَّامِ: ما بين أدرج وحرباء، ولأهلِ اليمنِ: من صنعاء إلى عدن. وتارة يقدر بالزمان فيقول: مسيرة شهر والمقصود

стр. 919

أنَّه حوضٌ كبير متسع الجوانب والزوايا وكان ذلك التحديد بحسب من [حضره] (١) ممن يعرف تلك الجهات فيخاطب كلّ قومٍ بالجهةِ التي يعرفونها اْنتهى. وسيأتي للكلامِ على الحْوضِ تتمة في صفات الجنَّةِ إنْ شاء الله تعالى. تتمة: اعلمْ أنَّ لكل نبي حوضًا كما ورد ذلك في الأخبارِ، والأحاديث، والآثار فقد أخرجَ الترمذي عن سمرةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ لكلِّ نبي حوضًا، وأنَّهم يَتباهون أيهم كثر واردا، وإنِّي أرجو أنْ أكون أكثرهم واردا" قال الترمذي: حديث حسن غريب (٢). وَوَرَدَ في بعضِ الأخبارِ: "لكلِّ نبي حوض إلا صالحا فإنَّ حوضَه ضرُع ناقته". وفي حديث ابن عباس ﵄: "وإنَّ أولياءَ اللهِ ليردون إلى حياضِ الأنبياءِ" (٣).

стр. 920

الباب الرابع (١) في الاْنصراف مِنَ الموقفِ، وذكر شفاعة النَّبي ﷺ الخاصة، وشفاعة بقية الأنبياء، والعلماء، والصالحين قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ [الزلزلة: ٦] قال المفسرون: يصدرون مِنْ موقفِ الحْسابِ فيأخذ أهْل الجنةِ ذات اليمين، وأهل النار ذات الشمال. وذكر الثعلبي في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ [مريم: ٨٥]: عن عليّ ﵁، عن النَّبي ﷺ : "إذا حان الاْنصراف من بين يدي اللهِ تعاَلى تلقت الملائكة المؤمنين بنوقٍ بيض رحالها وأزمتها الذهب على كلِّ مركبٍ حلة لا تساويها الدُّنيا فيلبس كلُّ مؤمنٍ حلتَهُ ثُمَّ يستوون على مراكبهم فتهوي بهم النوق حَتَّى تنتهي بهم إلى الجنةِ فتتلقاهم الملائكة: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]. وقد ورد من قول [(٢) على ﵁: ما يحشرون والله عَلَى أرجلهم ولكن عَلىَ نوقٍ رحالها ذهب ونجائب سرجها يواقيت إن هَمُّوا بها سارت وإن نَهِمُوها صَارت. وأما ما يجدون من ريح الجنة قبل الوصل إليها ففي حديث أبي

стр. 921

هريرة: "إن ريحها يوجد من مسيرة خمسمائة عام" (١). وعن جابر ﵁: "ألف عام" (٢). وعن على ﵁: إن أهل الجنة يجدون على باب الجنة شجرة يخرج من تحت ساقها عينان يعمدون إلى أحدهما فيتطهرون فيجري عليهم نضرة النعيم فلن تتغير نضارتها بعدها أبدًا كأنما دهنوا بالدهن ثمَّ يعمدون إلى الأخرى فيشربون منها فيذهب ما في بطونهم من أذى وقذى وتتلقاهم الملائكة عَلىَ أبواب الجنة يقولون: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الزمر: الآية ٧٣] أو كما قَالَ (٣). وهل يجدون أبواب الجنة مفتحة أو لا؟ فيه خلاف بين العلماء، فقيل: مفتحة واحتجوا بقوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠)﴾ [ص: الآية ٥٠] فظاهر هذه الآية أنَّ أبوابها مفتحة. وقيل: بل مغلقة لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾

стр. 922

وظاهر هذه الآية أنهم يجدونها مغلقة ثمَّ تنفتح لهم. قَالَ أهل القول الأول: بل يجدونها مفتحة حتَّى لا يقفوا هناك؛ لأن دار الفرح والسرور لا تغلق بخلاف أهل النار فإنهم يجدونها مغلقة الأبواب كما هو حال السجون فيقفون هناك حتَّى تفتح لهم مهانة لهم قَالَ بعضهم: يرد عَلىَ هذا قوله ﷺ "أنا أول من يفتح باب الجنة" (١). وفي الحديث: "آتي باب الجنة فأستفتح فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد. فيقول: لك أمرت ألا أفتح لأحدِ قبلك" (٢). رواه الإمام أحمد ومسلم عن أنس ﵁. والجواب أنه ﷺ يسبقهم إلى الجنة فيفتحها لهم، فيأتي أهلها بعد ذلك فيجدونها مفتحة، ثمَّ إنهم يزدحمون عَلىَ أبواب الجنة، وفي الترمذي عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "باب أمتي الذي يدخلون منه عرض مسيرة الراكب المجد ثلاًثا ثمَّ إنهم ليضغطون عليه

стр. 923

حتَى تكاد مناكبهم تزول" (١). وفي صحيح مسلم (٢) عن عتبة بن غزوان قَالَ: ذكر لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين سنة وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام فتتلقاهم الغلمان. قَالَ الثعلبي (٣) عن على كرم الله وجهه: إنهم إِذَا اْغتسلوا تلقتهم الملائكة قَالَ: وتلقى كل غلمان صاحبهم يطوفون به ويقولون: أبشر فقد أعدّ الله لك كذا وكذا، فينطلق غلام من غلمانه يسعى إلى أزواجه من الحور العين فيقول: هذا فلان -باسمه الذي كان في الدنيا- قَدْ قدم فيستخعنهن الفرح حتَّى يخرجن إلى أسكفة فيجيء فيدخل الدار فإذا سرر موضوعة -أي منسوجة- كما توضن حلق الدرع فيدخل بعضها في بعض. قَالَ المفسرون: منسوجة بالذهب والجواهر. وقال الضحاك: موضونة مرصوفة. وقال في "شرح غريب القرآن العظيم": موضونة منسوجة باليواقيت والجواهر وأكواب موضوعة هو جمع كوب الإبريق الذي لا عروة له ونمارق أي: وسائد ومرافق مصفوفة بعضها بجنب بعض وزاربي أي: بسط عريضة، وقال ابن عباس ﵄: هذا الطنافس التي لها خمل ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ أي: مبسوطة ممهدة وقيل: مفرقة في المجالس ثمَّ ينظر إلى تأسيس بناينه فإذا هو قد أسس عَلَى جبل

стр. 924

من اللؤلؤ ما بين أخضر وأصفر وأبيض ثمَّ يتكئ عَلىَ أريكة أي: سرره التي في الحجال فلا تكون أريكة إلا إِذَا اْجتمعا ثمَّ يرفع طرفه إلى سقفه فيراه كالبرق، فيقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ قَالَ: فتناديهم الملائكة ﴿تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣] وسنذكر إن شاء الله ما يشفي ويكفي في صفة الجنة. وأما أهل النار فقد قَالَ تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ أي: عطاشًا مشاة عَلىَ أرجلهم قَدْ تقطعت أعناقهم] (١). من العطش. والوِرد: جماعة يردون الماء. وقال الفخر: يُساقون إلى النَّارِ إهانةً لهم، واستخفافًا بهم كَنعَمٍ عطاشٍ تُساق إلى الماءِ. وقال الواحدي: يُساقون إليها وهم ظمأ والورد: الجماعة التي ترد الماء، ولا يرد أحدٌ الماءَ إلا بعد العطش اْنتهى. وقال الثعلبي في قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧١] أي: يساقون سوقًا عنيفًا يسحبون عَلَى وجوههم إلى النَّارِ زمرًا أفواجًا بعضها على أثر بعض كلّ أمّة على حدة بعد أنْ يقفوا على بابها حَتَّى تفتحت أبوابها؛ لأنَّها لا تفتح إلاَّ بعد مجيئهم وفي وقوفهم ثم مذلة ومهانة وهكذا حال السجون في الدُّنيا ولا ريب أنَّ النَّارَ سجنُ الآخرةِ نسألُ الله أنْ يعافينا منها بمنّه وكرمه. وأمَّا أهْلُ الجْنَّةِ: فلا يقفون على أبوابها بل يجدون الأبوابَ

стр. 925

مفتحة على ما يأتي تحريره إن شاء الله تعالى. ثم إذا دخلوا النارَ دفعتهم الزبانيةُ إليها كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣)﴾ [الطور: ١٣] أي: يدفعون دفعًا فإذا وقفوا على النَّارِ قالوا: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ والواحد من خزنة النار يسوق الأمّة وحده وعلى رقبته جبل يرميهم في النارِ ويرمي الجبل عليهم. قال عمرو بن دينار: إنَّ الواحدَ منهم يدفع بالدفعة الواحدة في جهنّم أكثر من ربيعة ومضر. وقال الثعلبي وغيره في قولِهِ تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢)﴾ [الفرقان: ١٢] (١): أي: صوتًا بالغيظ، وزفيرًا: غليانًا يفور كالغضبانِ إذا غلى صدره مِنَ الغضبِ. قال مطرفٍ: التغيظ لا يسمع والمعنى رأوا لها تغيظًا، وسمعوا لها زفيرًا. وقال الواحدي: ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ مسيرة مائة عام ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا﴾ هو الغضب. ﴿وَزَفِيرًا﴾ قال عبيد بن عمير: إنَّ جهنَّم لتزفر زفرة لا يبقى نبي مرسل، ولا ملك مقرب إلا خر لوجهه وقال في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا﴾ من جهنم ﴿مَكَانًا ضَيِّقًا﴾ (٢) قال المفسرون: تضيق

стр. 926

عليهم كما يضيق الزجُّ في الرمح وقال رسول الله ﷺ في هذه الآية: "والذي نفسي بيده إنَّهم ليستكرهون كما ليستكره الوتد في الحائط" (١) ﴿مُقَرَّنِينَ﴾: موثقين في الحديد قرنوا مع الشياطين (٢) ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾: دعوا بالويل على أنفسهم، والهلاك كما يقول القائل: واهلاكاه. نكتة: أخرج الواحدي (٣) بسنده عن أنس بن مالك ﵁، عن رسولِ الله ﷺ أنَّه قال: "أوّل مَنْ يكسى يومَ القيامة إبليس يعني: من أهل الفار -يكسى حلة من النَّارِ بضعها على حاجبيه فيسحبها من خلفه وذريته من خلفه وهو يقول: واثيبوراه. وهم ينادون: يا ثبورهم حتَّى يقفوا عَلَى النار فينادي: يا ثيبوراه وينادون: يا ثبورهم فيقول الله تعالى: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤)﴾ [الفرقان: ١٤]. قال الزجاج (٤): أي: هلاككم أكثر مِنْ أدن تدعوا مرة واحدة. وقال البغوي (٥): في قوله تعالى: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا﴾ [الملك: ٧] هو أول نهيق الحمار وذلك أقبح الأصواتِ ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾

стр. 927

تغلي بهم كغلي المرجل أي: القدر. وقال مجاهد: تفور كما يفور الماء الكثير بالحب القليل ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ﴾ [الملك: ٨] أي: تتقطع مِنَ الغْيظِ أي: من تغيظها عليهم. وقال ابن قتيبة (١): تكاد تنشق غيظًا على الكفار. وقال العلامة: أي: تكاد جهنّم تتفرق وتتقطع من الغيظ على الكفارِ. وسيأتي الكلام على صفة النَّارِ مستوفيًا إن شاء الله تعالى.

стр. 928

فصل في الشفاعة الخاصة وهي فيمن اْستحق النار مِنَ المؤمنين أن لا يدخلها وفيمن دخلها منهم أنْ يخرجَ منها كما تقدم عن شيخ الإسلام قدّس الله روحَه وهي التي تنكرها المبتدعة فأرجو أن يحرموها ومِنْ حججهم على ذلك قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨] وقوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]. وزعمت أنَّ مَنْ دخلَ جهنَّم يخلد فيها؛ لأنَّه إمَّا كافر، أو صاحب كبيرة مات بلا توبة هذا رأي المعتزلة ومَنْ وافقهم مِنْ أهْلِ الأهواءِ وهو رأي فاسد، ومذهب باطل لا ينظر إليه، ولا يعول عليه بإجماع أهْلِ السنةِ والْجماعةِ أيدهم الله بعلو الكلمة والشفاعة إنَّه على ذلك قدير وبالإجابة جدير. أخرجَ البخاري (١) في صحيحه عن سيدنا عمر ﵁ أنَّه خطبَ فقال: إنَّه سيكون في هذه الأمّة قوم يكذبون بالدجال، ويكذبون بالشفاعةِ، ويكذبون بقوم يخرجون من النارِ بعدما اْمتحشوا. قال في النهاية: ويكذبون بقوم يخرجون من النار أي: بعدما اْحترقوا والمحش اْحتراق الجلد، وظهور العظم ويروى: امتحشوا مبنيا لما لم

стр. 929

يسم فاعله. اْنتهى. وعن أنس ﵁ أنَّه قال: من كذب بالشفاعةِ فلا نصيب له فيها، ومَنْ كذب بالحوضِ فليس لهُ فيه نصيب. وقيل له: إنَّ قومًا يكذبون بالشّفاعة فقال: لا تجالسوا أولئك (١). وأخرجَ البيهقي قال: ذكروا عند عمران بن حصين ﵁ الشفاعة فقال رجل يا أبا نجيد إنكم لتحدثونا أحاديث لمَ نجدْ لها أصلاً في القرآن. فغضب عمران بن حصين وقال للرجل أقرأتَ القرآن؟ قال: نعم قال: فهل وجدت صلاةَ العشاءِ أربعًا، وصلاة المحربِ ثلاثا، وصلاة الفجر ركعتين، والظهر أربعًا، والعصر أربعا؟ قال: لا. قال: فعن مَن أخذتم هذا؟ ألستم عنا أخذتموه؟ وأخذناه عن النَّبي ﷺ ؟! ووجدتم في كلِّ أربعين درهمًا درهمًا، وفي كلّ كذا شاة كذا، وفي كلّ كذا بعير كذا أوجدتم في القرآن هكذا؟ قال: لا. قال: ووجدتم في القرآن ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] أوجدتم طوفوا سبعا، واركعوا ركعتين خلف المقام؟ أوجدتم هذا في القرآن؟ عمن أخذتموه؟ ألستم أخذتموه عنا؟! وأخذناه عن رسول الله ﷺ ؟! قالوا: بلى إلى أنْ قال: فإنَّ اللهَ قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وإنا قد أخذنا عن النَّبي ﷺ أشياء ليس لكم بها علم.

стр. 930

وأخرجَ الطبراني في الكبير والصغير بإسنادٍ حسن عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ مرفوعا: "يدخل مِنْ أهْلِ هذه القبلة النار مَن لَا يحصى عددهم إلا الله بما عصوا الله، واجترءوا على معصيته، وخالفوا طاعته فيؤذن لي في الشفاعةِ فأثني على اللهِ ساجدًا كما أثني عليه قائماً فيقال لي: اْرفعْ رأسَكَ، وسل تعطه، واشفع تشفع" (١). وأخرجَ البزار، والطبراني، وأبو نعيم بسند حسن عن عليّ كرم الله وجهه، عن النبي ﷺ أنَّه قال: "أشفع لأمَّتي حَتَى يناديني ربيِّ ﵎: أرضيت يا محمد؟ فأقول: أي رب رضيت" (٢). وأخرجَ الإمام أحمد، والطبراني، والبزار بسندٍ جيد عن معاذ، وأبي موسى الأشعري ﵄، عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: "إن ربي خيرني بين أنْ يدخل نصف أمَّتي الجنَّة، أو الشفاعة فاخترتُ لهم الشفاعة، وعلمتُ أنَّها أوسعُ لهم وهي لمَنْ ماتَ لا يشرك باللهِ شيئا". وأخرجَ الطبراني مثله عن أنس ﵁ (٣). وأخرجَ الإمامُ أحمد، والطبراني، والبيهقي بسندٍ صحيح عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "خُيِّرْتُ بين الشفاعةِ، وبين أن يَدْخلَ نصف أمَّتي فاخترت الشفاعة؛ لأنَّها أعم

стр. 931

وأكفى وإنَّها ليست للمتقين ولكنَّها للمذنبين الخاطئين المتلوثين" (١). وأخرج أبو داود، والبزار، والطبراني، وابن حبان في صحيحه، والبيهقي عن أنسٍ ﵁، وابن حبان، والبيهقي عن جابر ﵁ قالا: قَال رسول الله ﷺ : "شفاعتي لأهلِ الكبائر من أمتَي" (٢). وأخرجَ الحاكم، والبيهقي وصححاه عن أم حبيبة ﵂، عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: "أُريت ما تلقى أمّتي مِن بعديَ وسفك بعضهم دماء بعض فأحزنني وسبق ذلك من الله كما سبق في الأمم قبلهم فسألته أنْ يوليني فيهم شفاعة يوم القيامة ففعل" (٣). وأخرج الإمام أحمد، والبيهقي، والطبراني عن بريدة ﵁، عن النبي ﷺ : "إني أشفع يومَ القيامةِ لأكثر مما عَلى وجه الأرضِ من شجر ومدر" (٤). وأخرجَ الطبراني عن أبي هريرةَ ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "آتي جهنَّم فأضرب بابها (٥)، فتفتح لي، فأدخلها، فأحمدُ اللهَ

стр. 932

بمحامد ما حمد أحد قبلي مثله ولا يحمده أحد بعدي، ثُم أُخرِج منها مَنْ قال: لا إله إلا الله مخلصًا. فيقوم إليَّ أناسٌ مِنْ قريش فينتسبون [إليَّ] (١) [فأعرف نسبَهم، ولا أعرف وجوههم فأتركهم في النارِ"] (٢) (٣). وأخرج البخاريّ عن عمران بن حصين ﵁، عن النبي ﷺ : "يخرج قومٌ من النارِ بشفاعة محمد ﷺ ، ويدخلون الجنة ويسمون الجهنميين" (٤) (٥). وأخرجَ الطبراني، وأبو نعيم عن أبي أمامة ﵁، عنه ﷺ أنَّه قال: "نعم الرجل أنا لشرار أمّتي" قيل: وكيفَ يا رسول الله؟ قال: "أمَّا شرار أمّتي فيدخلهم الجنة بشفاعتي، وأما خيارهم فيدخلهم الجنة بأعمالهم" (٦).

стр. 933

قُلْتُ: المراد يدخلهم الجنة بفضلهِ، ويقتسمون المنازل بأعمالهم أو يدخلهم الجنة بسبب أعمالهم وعلى كلّ حال إنَّما يدخلون الجنَّة بفضله تعالى كيفَ وهو الذي وفقهم للعمل الصالح، وقبله منهم بفضله والله الموفق. وأخرج ابن أبي عاصم عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ أنَّه قال: "ما زلت أشفع إلى ربِّي ويشفعني، وأشفع ويشفعني حَتَّى أقول: أي رب شفعني فيمن قال: لا إله إلا الله. فيقول: هذا ليس لك يا محمد ولا لأحدِ هذه لي وعزتي وجلالي ورحمتي لا أدع في النارِ أحدًا يقول: لا إله إلا الله" (١). لطيفة: أخرج البيهقي بسند جيد عن عثمان بن عفان رَضي اللهُ تعالى عنه، عن النبي ﷺ أنَّه قال: "مَنْ غش العربَ لم يدخَل في شفاعتي" (٢) أي: مَن لم ينصح العرب؛ لأنَّ الغشَ عدم النصح فأمَّا أنْ يقالَ مَنْ عامل العرب بضد النصيحة بل بالغش بأن يزين لهم غير المصلحة ومنه حديث: "مَن غشّنا فليس منا" (٣). قال في النهاية: أي: ليس مِنْ أخلاقنا، ولا على سنتنا أو يقال: من لم ينصحهم والثاني: أشد كما يفهمه مَن له دقة والعرب: اْسم مؤنث ولذا يوصف

стр. 934

بالمؤنث فيقال: العرب العاربة وهم الذين يتكلمون بلسان يعرب بن قطحان وهو اللسان القديم والمراد هنا بنو إسماعيل ﵊ ومَن والاهم. وفي نهاية ابن الأثير: السرب اْسم لهذا الجيل المعروف من الناسِ ولا واحد له من لفظه وسواء أقام بالبادية أو المدن (١). اْنتهى. ومن ثم قال العلماءُ: ونعرفُ للْعربِ حقها وفضل لسان العرب على غيره لكونه ﷺ عربياً، ولكون القرآن نزل به، ولكون لسان أهل الجنة به ويأتي إن شاء الله تعالى ولذا يشفع النبى ﷺ في العرب قبل غيرهم. أخرجَ الطبراني عن [ابن] عمر ﵁، عن رسولِ الله ﷺ أنَّه قال: "أوّل مَن أشفعُ له من أمتي أهَل بيتي، ثم الأقرب، فالأقرب من قريش والأنصار، ثم مَنْ آمن بي واتبعني من أهْلِ اليمن، ثم سائر العرب، ثم الأعاجم وأوَّل مَنْ أشفع له أولو الفضل" (٢) وفى رواية: "أوّل مَنْ أشفع له من أمّتي أهْل المدينةِ، وأهل مكة، وأهل الطائف" (٣).

стр. 935

تنبيه: المراد بشفاعته ﷺ للعرب قبل العجم الشفاعة لهذا الجنس قبل هذا الجنس ولا يمنع أنْ يشفعَ لبعضِ أفرادِ العجم قبل بعض أفراد العرب قطعًا وهذا كما تقول: الرجل خير منَ المْرأةِ أي: هذا الجنس خير من هذا الجنس وإنْ كان بعضُ أفراد النّساءِ خير مِنْ بعضِ أفراد الرِّجال، ولذا قال ﷺ : "وأول مَن أشفع له أولو الفضل" فتأمل فإني لم أر من صرح به والله أعلم. والجواب عن شبهة أهل الاْعتزال، والزيغ، والضلال: أنَّ المراد بقوله: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨] الكفار للآيات الواردة، والأخبار الثابتة في الشفاعة. قال البيضاوي: قد تمسكت المعتزلة بهذه الآية على نفي الشفاعة لأهْل الكبائر وأجيب: بأنَّها مخصوصةٌ بالكفارِ ويؤيد هذا أنَّ الخطاب معهم والآية نزلت ردًا لما كانت اليهود تزعم أن أباهم شفع لهم. اْنتهى. وقوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨، المراد بالظالمين الكافرين. قالوا: قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] وقال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ وقال: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم: ٢٦] قالوا: ومن اْرتضاه الله لا يخزيه. قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [التحريم: ٨] الآية.

стр. 936

قلنا: الجواب (١) عن الآية الأولى ما قال سيدنا أنس ﵁ خادم رسول الله ﷺ : معنى ﴿تُدْخِلِ النَّارَ﴾ من تخلد. وقالَ قتادة: تدخل مقلوب تخلد ولا نقول كما قالت أهل حروراء فعلى هذا قوله: قد أخزيته على بابه من الهلاك أي: أهلكته، وأبعدته، ومقته ولهذا قال سعيد بن المسيب: الآية جاءت خاصة في قوم لا يخرجون من النار دليله قوله في آخر الآية: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [آل عمران: ١٩٢] أي: للكفار. وإنْ سَّلم أنَّ الآية في عصاة الموحدين فالمراد بالخزي: الحياء. يقال: خزي يخزى خزاية إذا اْستحيى فهو خزيان، وامرأةٌ خزياء كذا قَالَ أهل المعاني: فخزي المؤمنين يومئذ اْستحياؤهم من دخول النارِ مع أهْلِ الكفرِ والاحتقار، ثم يخرجون منها بشفاعة النبي الكريم، ورحمة الرءوف الرحيم، وأمَّا خزي (٢) الكفار فهو هلاكهم فيها من غير موت، وأمَّا المؤمنون فإنَّهم يموتون فيها كما سنذكره بعد إن شاء الله تعالى فافترق الخزي والخسارة كما فهم ذلك

стр. 937

من العبارة فالمؤمنون يخرجون من النارِ بشفاعة الشافعين ورحمة أرحم الراحمين، والكافرون يخلدون فيها والحمد لله رب العالمين. وأمَّا قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ أي: لا (١) يعذبه ولا يعذب الذين آمنوا معه وإن عذَّب العصاةَ وأماتهم فإنَّه يخرجهم بالشفاعة، وبرحمته الواسعة والحاصل أنَّ الإيمانَ بالشفاعةِ واجبٌ ومَنْ أنكرها حُرِمَها ويكون من إخوان الشياطين مِنَ الفرقةِ المعتزلةِ الضالةِ عن سواء السبيل فنسأل الله أنْ يجعلنا مِنْ أهْل الشفاعةِ، وأنْ يوفقنا بمنه للطاعةِ، وأنْ يرينا وجه نبينا محمد ﷺ من غير سابقة عذاب إنَّه ولي ذلك، وأنْ يعافينا مِنْ جميع أنواع العقابِ وأسباب المهالك.

стр. 938

فصل في شفاعةِ الأنبياءِ، والملائكة، والعلماء والشهداء، والصالحين، والمؤذنين، والأولاد أخرجَ البيهقي عن ابن مسعود ﵁: "لا يشفع أحدٌ في أكْثر ممَّا يشفع فيه يعني: النَّبيُّ ﷺ ، ثم الملائكة، ثم النبيون، ثم الصديقون، ثم الشهداء". وعنه: "يشفع نبيكم رابع أربعة جبريل، ثم إبراهيم، ثم موسى أو عيسى، ثم نبيكم ﷺ ، ثم الملائكة، ثم النبيون، ثم الصديقون، ثم الشهداء ويبقى قومٌ في جهنّم. فقال (١) لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣)﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٣] إلى قوله: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر: ٤٨] قال القرطبي (٢): قد قيل: إنَّ هذا المقام المحمود لنبينا ﷺ . خرجه أبو داود الطَّيالسيُّ (٣) عن ابن مسعود، قال: ثم يأذن اللهُ في الشفاعةِ فيقوم روح القدس جبريل ﵇، ثم يقوم عيسى أو موسى ﵉ بالشك، ثم يقوم نبيكم ﷺ رإبعًا فيشفع لا يشفع لأحدٍ بعده في أكثر مما يشفع وهو

стр. 939

المقام المحمود الذي قال الله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩]. وأخرج ابن ماجة، والبيهقيّ عن عثمان بن عفَّان ﵁ مرفوعًا: "يشفع يوم القيامة الأنبياء، ثم العلماء ثم الشَهداء" (١). وأخرجه البزار أيضاً وزادَ في آخره: "ثم المؤذنون". وأخرجَ الديلمي عن ابن عمر ﵄ مرفوعاً: "يقال للعالم: اشفع في تلامذتك ولوَ بلغت عدد نجوم السماء". وأخرجَ أبو داود (٢)، وابن حبان عن أبي الدرداء مرفوعًا: "الشهيد يشفع في سبعين مِنْ أهْلِ بيته" وأخرجَ الإمام أحمد (٣) عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "إنَّ الرَّجلَ مِنْ أمَّتي ليشفع للفئَام من النَّاسِ فيدخلون الجنَّةَ بشفاعته، وإنَّ الرَّجلَ ليشفع في الرجل، وأهل بيته فيدخلون الجنَّة بشفاعته". قوله: "الفئام من النَّاس" الفئام مهموز الجماعة الكثيرة ذكره ابن الأثير في "نهايته" (٤).

стр. 940

وأخرجَ الإمام أحمد بسندٍ جيد عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الرجلَ ليشفع للرجلين والثلاثَة" وروى ابن حبان (١) في صحيحه بإسنادٍ قال الحافظ ابن المنذر (٢): لا أعلم فيه مطعنًا عن حذيفة ﵁ مرفوعًا: "يقول إبراهيم يوم القيامةِ: يا رباه فيقول الرب جل وعلا: يا لبيكاه. فيقول إبراهيم: يا رب أحرقت بني فيقول: أخرجوا مِن النارِ مَن كان في قلبه ذرة، أو شعيرة من إيمان". وأخرجَ الطبراني (٣) عن يزيد الرقاشي عن أنسٍ ﵁ مرفوعًا: "يُشفعُ الله ﵎ آدم يوم القيامة من جميع ذريته في مائة ألف ألف وعشرة آلاف ألف" وأخرجَ الإمامُ أحمد (٤) باسنادٍ جيد عن أبي أمامةَ ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "ليدخلن الجنة بشفاعةِ رجل ليس بنبي مثل الحيين ربيعة ومضر" فقال رجل: يا رسول الله وما ربيعة من مضر؟ قال: "إنَّما أقول (٥) ما أقولُ". وأخرج ابن حبان (٦) في صحيحه، وابن ماجه أنَّ النَّبي ﷺ قال:

стр. 941

"ليدخلن الجنَّةَ بشفاعةِ رجل من أمتي أكثر من بني تميم" قيل: سواك يا رسول الله؟ قال: "سواي" قال بعضُ النَّاسِ إنَّ ذلك عثمان (١) بن عفَّان ﵁ (٢). وأخَرجَ الحاكم وصحَّحه: "إن مِنْ أمتي مَنْ يدخل الجنة بشفاعته أكثر من مضر، وإن مِنْ أمتي مَن سيعظم للنار حَتَّى يكون أحد زواياها" (٣) وقال ابن مسعود ﵁ فيما رواه الطّبرانيّ: لا تزال الشفاعة بالنَّاس وهم يخرجون مِن النَّارِ حَتَّى إنَّ إبليس الأبالس ليتطاول لها رجاء أن تصيبه (٤). وعنده عن جابر ﵁ مرفوعًا: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأوَّل داخل الجنَّة ولاَ فخر، وإني لأشفع فأشفع حَتَّى أن مَن أشفع له فيشفع، حَتَّى أن إبليس ليتطاول في الشفاعة" (٥). وأخرجَ أبو يعلى، والبيهقيّ عن أنس ﵁ مرفوعاً: "أن رجلاً مِنْ أهْلِ الجنةِ يشرف يوم القيامة على أهَلِ النَّارِ فيناديه رجل مِنْ أهْل النَّارِ: يا فلان أما تعرفني؟ فيقول: لا والله لا أعرفك من أنت؟

стр. 942

فيقول: أنا الذي مررت بي في الدُّنيا فأستقيتني شربة من ماء فسقيتك قال: قد عرفت. قال: فاشفعْ لي بها إلى ربك فيسأل الله فيشفعه فيه ويخرج من النَّارِ" (١). وأخرجَ ابن ماجة عن أنس مرفوعاً: "يمر الرجلُ على الرجل فيقول: يا فلان أما تذكّر يوم بعثتني بحاجة كذا وكذا فذهبت لكَ فيشفع له" (٢). وأخرجهَ أبو يعلى بلفظ: "تعرض أهل النَّارِ يوم القيامة صفوفا فيمر بهم المؤمنون فيرى الرجلُ مِنْ أهِل النَّارِ الرجلَ مِن المؤمنين قد عرفه في الدنيا فيقول: يا فلان أما تذكّر يوم استعنتني في حاجةِ كذا وكذا فيذكر ذلك المؤمن فيشفع له إلى ربَّه فيشفعه فيه" (٣) وأخرجه البيهقي بلفظ: "أما تذكّر يوم اصطنعت إليك في الدُّنيا معروفا" (٤). وفي مسند إسحاق بن راهوية مرفوعًا: "ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة مِنَ الولدِ أطَفال لم يبلغوا الحلم إلَّا جيء بهم حَتَّى يوقفوا على باب الجنَّةِ فيقال لهم: ادخلوا الجنَّة فيقولون: أندخل ولم يدخل أبوانا؟ فيقال لهم في الثَّانية أو الثَّالثة: ادخلوا أنتم وأباؤكم" (٥).

стр. 943

قلتُ: ورواه الإمام أحمد طيب الله ثراه قال: أخبرنا إسحق، أخبرنا عوف عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا مِنْ مسلمين يموتُ لهما ثلاَثةُ أولادٍ لم يبلغوا الحِنْثَ إلَّا أدخلهم اللهُ الجنَّة وأباءهم بفضل رحمته" (١) قال: يقال لهم: أدخلوا الجنَّةَ قال: يقولون: حتَّى يجيء أبوانا قال: ثلاث مرات، فيقولون مثل ذلك قال: فيقال لهم: ادخلوا الجْنةَ أنتم وآباؤكم" (٢) والحنث: هو البلوغ بأنْ لم يبلغوا الحلم وكأنَّه مأخوذ من الذنب؛ لأنَّه لا يكتب عليه إلَّا بعد بلوغه الحلم. فقوله: "لم يبلغوا الحنث" أي: لم يبلغوا أن يكتبَ عليهم الحنث وهو الذنب (٣). وأخرجَ أحمد من حديث المغيرة، ثنا جرير، ثنا شرحبيل بن شفعة، عن بعضِ الصحابةِ أنَّه سمع النَّبيّ ﷺ يقول: "يقال للولدان يوم القيامة: أدخلوا الجنَّةَ. فيقولون: يا ربنا حَتَّى يدخل آباؤنا وأمهاتنا قال: فيقول الله تعالى: ما لي أراكم مخبطين ادخلوا الجنَّةَ أنتم وآباؤكم" (٤). وأخرجَ أيضاً من حديث شرحبيل بن شُفْعَة قال: سمعتُ عتبة بن عبد السلمي قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "ما مِنْ رجل مسلم

стр. 944

يتوفى له ثلاثة مِنَ الولدِ لم يبلغوا الحنث إلَّا تلقوه من أبواب الجنَّة الثمانية من أيّها دَخَل" (١). وأخرجَ ابن ماجةُ عن على بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن السقْطَ (٢) ليراغم (٣) ربَه إذا أدخل أبويه النَّارَ فيقال: أيُّها السقط المراغمُ (٤) ربهُ أدْخِلْ أبويك الجنَّة (٥) " (٦). وأخرجَ ابن شاهين، والحافظ ابن عساكر عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم القيامة نودي في أطفَالِ المسلمينَ أن اخرجوا مِنْ قبورِكم فيخرجون من قبورِهم ثمَّ ينادى أن امضوا إلى الجنَّةِ زمرًا فيقولون: ربنا ووالدانا معنا. فينادى فيهم الثَّانية أن امضوا إلى الجنَّة زمرا. فيقولون: يا ربنا ووالدانا معنا. قال: فيتبسم الرب جلَّ وعلا في الرابعة فيقول: ووالداكم معكم فيثبُ كلُّ طفل إلى

стр. 945

أبويه فيأخذون بأيديهم فيدخلونهم (١) الجنَّة لهم أعرف بأبائهم وأمهاتهم يومئذٍ من أولادكم الذين في بيوتكم". تنبيه: قد وردت الأحاديث الصحيحة، والأخبار الصريحة بشفاعة الإسلام، والقرآن، والأعمال الصالحة أخرجَ مسلم عن النواس بن سمعان: "يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمهم سورة البقرة، وآل عمران كأنهما غمامتان أو غيابتان أو ظلتان سوداوان بينهما شرق أو كأنهما حِزْقَان (٢) من طير صوات يحاجان عن صاحبهما" (٣). وأخرجَ الحاكم، وابن خزيمة عن أبي موسى الأشعري مرفوعًا: "إن اللهَ يبعث الأيَّام يوم القيامةِ على هيئتها، ويبعث الجمعة زهرًا منيرة أهلها يحفون بها كالعروسِ تهدى إلى كريمها تضيء لهم يمشون في ضوئها كالثلج بياضًا، وريحهم يسطع كالمسكِ يخوضون في جبالِ الكافورِ ينظر إليهم الثقلان لا يطرفون تعجبَا حَتَّى يدخلوا الجنَّةَ لا يخالطهم أحد إلَّا المؤذنون المحتسبون" (٤).

стр. 946

والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًا منها حديث المنام الطَّويل (١) الذي يقول فيه: "رأيتُ رجلًا مِنْ أمتي قَد بسط عليه عذاب القبر فجاءه وضوءه فاستنقذه مِنْ ذلك، ورأيتُ رجلاً مِنْ أمتي قد احتوشته الشياطين فجاءه ذكرُ اللهِ فطردَ الشياطين عنه، ورأيت رجلاً منْ أمَّتي قد احتوشته ملائكة العذابِ فجاءته صلاتهُ فاستنقذته من أيديهم، ورأيت رجلاً مِنْ أمتي يلتهبُ عطشا كلَّما دنا مِنْ حوضِي منع منه وطرد فجاءه صيامه شهر رمضان فأسقاه وأرواه، ورأيتُ رجلًا من أمتي ورأيت النبيين حلقا حلقا كلّما دنا إلى حلقة طرد فجاءه غسله مِنَ الجنابةِ فأخذ بيده فأقعدَه إلى جنبي، ورأيتُ رجلاً من أمتي مِن بين يديه ظلمة ومِن خلفِه ظلمة وعن يمينه ظلمة وعن شماله ظلمة ومن فوقه ظلمة وهو متحير فجاءه حجه وعمرته فاستخرجاه من الظلمة وأدخلاه في النّورِ، ورأيتُ رجلًا مِنْ أمتي يتقي بيده وجهة وهج النَّارِ وشررها فجاءته صدقته فصارت سترة بينه وبين النَّارِ وظلاً على رأسه، ورأيتُ رجلًا من أمتي يكلّم المؤمنين ولا يكلمونه فجاءته صلته لرحمه فقالت: يا معشرَ المؤمنين إنَّه كان واصلاَ لرحمه فكلموه فكلمه المؤمنون

стр. 947

وصافحوه وصار فيهم، ورأيتُ رجلًا من أمَّتي قد احتوشته الزبانية فجاءه أمره (بالمعروفِ) ونهيه عن المنكر فاستنقذه من أيديهم وأدخله في ملائكة الرحمةِ، ورأيتُ رجلًا من أُمَّتي جاثيا على ركبتيه وبينه وبين اللهِ حجاب فجاءه حسن خلقِه فأخذه بيده فأدخله على اللهِ ، ورأيتُ رجلًا من أمتي قد هوت صحيفتُه من قبل شماله فجاءه خوفه من الله فأخذَ صحيفتَه فوضعها في يمينه، ورأيتُ رجلًا من أمتي خف ميزانُه فجاءه أفراطه فثقلوا ميزانه، ورأيتُ رجلًا مِنْ أمَّتي [قائم] (١) على شفير جهنم فجاءه رجاؤه من اللهِ فاستنقذه من ذلك ومضى، ورأيت رجلاً من أمتي قد هوى في النَّارِ فجاءته دمعته التي بكى من خشية اللهِ فاستنقذه من ذلك، ورأيتُ رجلًا من أمتي قائمًا على الصراطِ يرعد كما ترعد السعفة في ريح عاصف فجاءه حسن ظنه باللهِ فسكن رعدته ومضى، ورأيت رجلاً من أمتي يزحف على الصراطِ ويحبو أحيانًا ويتعلق أحيانًا فجاءته صلاته في فأنقذته وأقامته على قدميه، ورأيت رجلًا من أمتي انتهى إلى أبواب الجنةِ فغلقت الأبواب دونه فجاءت شهادة أن لا إله إلَّا الله ففتحت له أبواب الجنَّة وأدخلته الجنَّة". هذا الحديث أخرجه أبو القاسم الحافظ ابن عساكر قال: أخبرنا

стр. 948

أبو العز أحمد بن عبيد الله العكبري ببغداد، ثنا أبو محمَّد الحسن بن على الجوهري، ثنا أبو الحسن على بن محمَّد الورَّاق، ثنا أبو حفص عمر بن أيوب السقطي، ثنا أبو الوليد بشر بن الوليد القاضي، ثنا الفرح بن فضالة، ثنا هلال أبو جبلة عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: خرجَ علينا رسولُ الله ﷺ يومًا ونحنُ في صفة بالمدينة فقام علينا فقال: "إني رأيتُ البارحة عجبًا رأيتُ رجلاً مِنْ أُمَّتي أتاه ملك الموت ليقبض روحه فجاءه برّ (١) والديه (٢) فطرد ملكَ الموت عنه" (٣) وساق جميع ما ذكرنا. قُلْتُ: وهذا الحديث ذكر غير واحد من الحفَّاظ أن لوائح الصحة ظاهرة عليه، وأنَّ القلب يركن إلى متنه (٤) وفيه بشارة عظيمة للأمةِ عامة فإن قيل: هذه المذكورات أعراض فكيف تصح شفاعتها؟ وكيف تصدر الشفاعة من عرض وهو مفتقر لمحل يقوم فيه؟ قلنا: لا جرم أنَّ هذه (٥) الأعمال والمعاني مخلوقةٌ للهِ تعالى ولها

стр. 949

صور عند الله سبحانه وإنْ كنا لا نشاهد تلك الصور وقد نص أربابُ الحقيقة على أنَّ مِنْ أنواع الكشف الوقوف على حقائق المعاني وإدراك صورها بصورة الأجسام. والأحاديث (١) شاهدة لذلك هذا محصل جواب العلامة. ملخصاً. قلْتُ: وهذا ليس بشيء والتحقيق عندي أن الله يخلق من ثواب القرآن ملائكة يأتون مع أهْلِ القرآن وقد جاء في الخبرِ: مَنْ قرأ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] خلق اللهُ سبعين ألف ملك يستغفرون له إلى يوم القيامة (٢). وهنا كذلك يخلقُ الباري جلّ شأنه، وتعالى سلطانه من ثواب القرآن والصيام وكذلك سائر الأعمال الصالحة ملائكة يشفعون له ثُمَّ رأيت القرطبي ذكره في

стр. 950

"التذكرة" (١) عن الإمام عبد الله بن المبارك قدس الله روحه في "دقائقه". والحاصل أن الصور نفس ثواب القرآن كبقية الأعمالِ لا أنَّ القرآن نفسه يتصور ولعلّه مراد العلامة بل هو مراده قطعًا وإنْ أوهم خلافه فتنبه والله أعلم (٢).
следующие страницы →