والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًا منها حديث المنام الطَّويل (١) الذي يقول فيه: "رأيتُ رجلًا مِنْ أمتي قَد بسط عليه عذاب القبر فجاءه وضوءه فاستنقذه مِنْ ذلك، ورأيتُ رجلاً مِنْ أمتي قد احتوشته الشياطين فجاءه ذكرُ اللهِ فطردَ الشياطين عنه، ورأيت رجلاً منْ أمَّتي قد احتوشته ملائكة العذابِ فجاءته صلاتهُ فاستنقذته من أيديهم، ورأيت رجلاً مِنْ أمتي يلتهبُ عطشا كلَّما دنا مِنْ حوضِي منع منه وطرد فجاءه صيامه شهر رمضان فأسقاه وأرواه، ورأيتُ رجلًا من أمتي ورأيت النبيين حلقا حلقا كلّما دنا إلى حلقة طرد فجاءه غسله مِنَ الجنابةِ فأخذ بيده فأقعدَه إلى جنبي، ورأيتُ رجلاً من أمتي مِن بين يديه ظلمة ومِن خلفِه ظلمة وعن يمينه ظلمة وعن شماله ظلمة ومن فوقه ظلمة وهو متحير فجاءه حجه وعمرته فاستخرجاه من الظلمة وأدخلاه في النّورِ، ورأيتُ رجلًا مِنْ أمتي يتقي بيده وجهة وهج النَّارِ وشررها فجاءته صدقته فصارت سترة بينه وبين النَّارِ وظلاً على رأسه، ورأيتُ رجلًا من أمتي يكلّم المؤمنين ولا يكلمونه فجاءته صلته لرحمه فقالت: يا معشرَ المؤمنين إنَّه كان واصلاَ لرحمه فكلموه فكلمه المؤمنون
стр. 947
وصافحوه وصار فيهم، ورأيتُ رجلًا من أمَّتي قد احتوشته الزبانية فجاءه أمره (بالمعروفِ) ونهيه عن المنكر فاستنقذه من أيديهم وأدخله في ملائكة الرحمةِ، ورأيتُ رجلًا من أُمَّتي جاثيا على ركبتيه وبينه وبين اللهِ حجاب فجاءه حسن خلقِه فأخذه بيده فأدخله على اللهِ ، ورأيتُ رجلًا من أمتي قد هوت صحيفتُه من قبل شماله فجاءه خوفه من الله فأخذَ صحيفتَه فوضعها في يمينه، ورأيتُ رجلًا من أمتي خف ميزانُه فجاءه أفراطه فثقلوا ميزانه، ورأيتُ رجلًا مِنْ أمَّتي [قائم] (١) على شفير جهنم فجاءه رجاؤه من اللهِ فاستنقذه من ذلك ومضى، ورأيت رجلاً من أمتي قد هوى في النَّارِ فجاءته دمعته التي بكى من خشية اللهِ فاستنقذه من ذلك، ورأيتُ رجلًا من أمتي قائمًا على الصراطِ يرعد كما ترعد السعفة في ريح عاصف فجاءه حسن ظنه باللهِ فسكن رعدته ومضى، ورأيت رجلاً من أمتي يزحف على الصراطِ ويحبو أحيانًا ويتعلق أحيانًا فجاءته صلاته في فأنقذته وأقامته على قدميه، ورأيت رجلًا من أمتي انتهى إلى أبواب الجنةِ فغلقت الأبواب دونه فجاءت شهادة أن لا إله إلَّا الله ففتحت له أبواب الجنَّة وأدخلته الجنَّة".
هذا الحديث أخرجه أبو القاسم الحافظ ابن عساكر قال: أخبرنا
стр. 948
أبو العز أحمد بن عبيد الله العكبري ببغداد، ثنا أبو محمَّد الحسن بن على الجوهري، ثنا أبو الحسن على بن محمَّد الورَّاق، ثنا أبو حفص عمر بن أيوب السقطي، ثنا أبو الوليد بشر بن الوليد القاضي، ثنا الفرح بن فضالة، ثنا هلال أبو جبلة عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: خرجَ علينا رسولُ الله ﷺ يومًا ونحنُ في صفة بالمدينة فقام علينا فقال: "إني رأيتُ البارحة عجبًا رأيتُ رجلاً مِنْ أُمَّتي أتاه ملك الموت ليقبض روحه فجاءه برّ (١) والديه (٢) فطرد ملكَ الموت عنه" (٣) وساق جميع ما ذكرنا.
قُلْتُ: وهذا الحديث ذكر غير واحد من الحفَّاظ أن لوائح الصحة ظاهرة عليه، وأنَّ القلب يركن إلى متنه (٤) وفيه بشارة عظيمة للأمةِ عامة فإن قيل: هذه المذكورات أعراض فكيف تصح شفاعتها؟ وكيف تصدر الشفاعة من عرض وهو مفتقر لمحل يقوم فيه؟ قلنا: لا جرم أنَّ هذه (٥) الأعمال والمعاني مخلوقةٌ للهِ تعالى ولها
стр. 949
صور عند الله سبحانه وإنْ كنا لا نشاهد تلك الصور وقد نص أربابُ الحقيقة على أنَّ مِنْ أنواع الكشف الوقوف على حقائق المعاني وإدراك صورها بصورة الأجسام. والأحاديث (١) شاهدة لذلك هذا محصل جواب العلامة. ملخصاً.
قلْتُ: وهذا ليس بشيء والتحقيق عندي أن الله يخلق من ثواب القرآن ملائكة يأتون مع أهْلِ القرآن وقد جاء في الخبرِ: مَنْ قرأ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] خلق اللهُ سبعين ألف ملك يستغفرون له إلى يوم القيامة (٢). وهنا كذلك يخلقُ الباري جلّ شأنه، وتعالى سلطانه من ثواب القرآن والصيام وكذلك سائر الأعمال الصالحة ملائكة يشفعون له ثُمَّ رأيت القرطبي ذكره في
стр. 950
"التذكرة" (١) عن الإمام عبد الله بن المبارك قدس الله روحه في "دقائقه". والحاصل أن الصور نفس ثواب القرآن كبقية الأعمالِ لا أنَّ القرآن نفسه يتصور ولعلّه مراد العلامة بل هو مراده قطعًا وإنْ أوهم خلافه فتنبه والله أعلم (٢).
стр. 951
فصل في سعة رحمة الله تعالى
قال : ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] وقال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩)﴾ [الحجر: ٤٩] ثم قال: ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: ٥٠] إلى غير ذلك من الآيات القرآنية.
ومما ينبغي أن يعلم أنَّ الله أرحم بعبده من الأم الشفوقة على ولدها وأنَّه تعالى أرحم بنا من أنفسنا كيف وهو الذي أفاض على العباد مِنْ هذه البركات، وأتى بهذه الخيرات، وامتن بهذه النعم التي ملأت ما بين الأرضِ والسماوات، واستخرج عبادَه مِنْ ظلمات الكفرِ، واستنقذهم من غمرات الجهلِ وهو الذي يغفرُ الذنوبَ جميعاً، ويستر العيوبَ، وينفس عن المكروب، ويجيبُ المضطر إذا دعاه وإنْ كان قد أكَلَ رزقه وعصاه وعتا عن ذكر ربه وتولى سواه سبحانه مِنْ إله ارتدى بالعظمةِ، وتسربل بالكبرياء فلا يُحَدُّ كرمه، ولا تعد نعمه وللهِ در القائل:
حَدثْ عن الجودِ وعن فيضه ... فالأمر مبني على الجودِ
واذكرْ لنا بعض أعاجيبه ... فلست تحصيه بتعديد
стр. 952
هيهات ما جود مليك الورى ... وخالق الخلق بمجدود (١)
حدث عن البحرِ وما البحر في ... بعض أياديه بموجود
أخرجَ الشيخان عن أبي هريرةَ ﵁ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "إن اللهَ خلقَ الرحمة (٢) - أي: قَدَّرَها- يوم خلقها مائة رحمة فأمسكَ عنده تسعة وتسعين رحمة، وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة ولو يعلم الكافرُ (٣) بكلِّ الذي عند الله من الرحمةِ لم ييأس مِنَ الجنةِ، ولو يعلم المؤمنُ بكلِّ الذي عند اللهِ مِنَ العْذابِ لم يأمن من النَّارِ" (٤)(٥).
стр. 953
وأخرج الإمام أحمد (١)، والبزار، وأبو يعلى بسند صحيح عن أنس رَضي اللهُ عَنْة قال: مَرَّ علينا رسول اللهِ ﷺ ونفر من أصحابه وصبيٌّ في الطَريقِ فلمَّا رأت أمّ الصبي القوم خشيت على ولدها أن يطأ فأقبلت تسعى، وتقول: ابني ابني. وسعت فأخذته فقال القوم: يا رسول الله ما كانت هذه لتلقي ابنها في النَّارِ فقال ﷺ : "ولا الله لا يلقي حبيبه في النَّار" وأخرجه الشيخان (٢) من حديث عمر بن الخطاب ﵁ وفيه: وقال رسول الله ﷺ : "اللهُ أرحم بعبادِه مِن هذه بولدَها".
وأخرجَ البزار (٣) بسندٍ صحيح عن عمر ﵁ أن رسُولَ اللهِ ﷺ كان في بعضِ مغازيه فبينما هم يسيروَن إذ أخذوا فرخَ طير فأقبلَ أحدٌ أبويه حَتَّى سقط في يد الذي أخذه فقال رسول الله ﷺ : " [أ] (٤) لا [تعجبون] (٥) فإن هذا الطير أخذ فرخه فأقبل حَتَّى سقط في أيديهم [واللهِ] (٦) لله أرحم بخلقه من هذا الطير بفرخه".
وفي سنن أبي داود (٧) في أوائل كتاب الجنائز من حديثِ عامر
стр. 954
الرام أخي الخضر [بفتح الخاء] (١)، وإسكان الضَّاد المعجمة فرد في الأسماء وقال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ أقبلَ رجل عليه كساء وفي يده شيء قد التفَّ عليه، فقال: يا رسول الله، إنِّي لما رأيتك أقبلت فمررت بغيضة شجر فسمعت فيها أصوات فراخ طائر، فأخذتهن فوضعتهنَّ في كسائي، فجاءت أمُّهن فاستدارت على رأسي فكشفت لها عنهن [فوقعت عليهن] (٢) معهن، فلففتهن بكسائي، فهنَّ أولاء معي (٣) [قال: "ضعهن] (٤) عنك" فوضعتهن، [وأبت] (٥) أمُّهُنَّ إلَّا لزومهنَّ فقال رسول الله ﷺ : "أتعجبون [لرحمةِ أمَّ أم الأفراخ] (٦)؟ " قالوا: نعم يا رسول الله. قال: "فوالذي بعثني بالحق لله أرحم بعباده مِنْ أمَّ الأفراخِ بفراخها، ارجع بهنَّ حَتَّى تضعهنَّ من حيث أخذتهنَّ وأمهن معهن". فرجع بهنَّ.
تنبيه: في هذا الحديث أَنَّه ﷺ أمرَ الرَّجل الذي أتى بالفراخ وأمهن أن يرجعها بفراخها إلى موضعهن، وقد نص الفقهاء أَنَّه لا يجوز إعتاق الطيور. قال إمام الحنابلة، ومحققهم سيدنا الإمام العلامة
стр. 955
ابن عقيل طيب الله ثراه: لا يجوز أعتقتك في حيوان مأكول؛ لأنَّه فعلُ الجاهليةِ وفي "الفروع" وتبعه في "الإقناع": وإذا أرسل صيدًا وقال: أعتقتك لم يزل ملكه عنه كما لو أرسل البعير أو البقرة. انتهى.
وفي "حياة الحيوان": لا يجوز عتقها: يعني: الطيور، على الأصح وقيل: يجوز لما روى الحافظ أبو نعيم عن أبي الدرداء أنَّه كان يشتري العصافير، ويرسلها. قال ابن الصلاح: والخلاف فيما يملك بالاصطياد أما البهائم الإنسية فإعتاقها من قبيل السوائب الجاهلية وذلك باطل قطعًا. (١) انتهى.
وأخرجَ مسلم (٢) عن أبي هريرة ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إنَّ لله مائة رحمة قسم منها رحمة في دارَ الدُّنيا فمن ثم يعطف الرجلُ على ولده، والطير على فراخه فإذا كان يوم القيامة صيرها مائة رحمة فعاد بها على الخلق".
وقال أيوب السختياني: إنَّ رحمة الله ما هو أكثر من ذلك إن شاء الله.
وأخرج أبو القاسم (٣) عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: "إذا فرغَ اللهُ مِنَ القضاء بين خلقه أخرجَ كتابًا مِن تحت العرشِ: إنَّ رحمتي سبقت غضبي وأنا أرحمُ الراحمين. قال: فيخرج من النَّارِ مثل أهْل الجنَّةِ قال: وكثر ظني أنَّه قال: مثلي أهل
стр. 956
الجنَّة مكتوباً بين أعينهم عتقاء الله" (١).
وعند البيهقي (٢) عن أبي هريرةَ مرفوعًا: "أمرَ اللهُ بعبد إلى النَّارِ فلمَّا وقفَ على [شفتها] التفت فقال: أما والله يا رب إن كان ظني بك لحسنا. فقال: ردوه أنا عند ظن عبدي بي".
وأخرجَ الحاكم (٣) وصحَّحه، والطبراني عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تحشر هذه الأمّة يوم القيامةِ علَى ثلاثةِ أصناف: صنف يدخلون الجنَّة بغيرِ حساب، وصنف يحاسبون حسابًا يسيراً ويدخلون الجنَّة، وصنف يجيئُون على حمائلهم كأمثالِ الجبال الراسية فيقول الله للملائكة وهو أعلم بهم: مَنْ هؤلاء؟ فيقولون: من (٤) عبيدك كانوا يعبدونك لا يشركون بك شيئًا وعلى ظهورهم الخطايا، والذنوب. فيقول الله: حطوها عنهم، وضعوها على اليهود والنصارى، وأدخلوهم الجنَّةَ برحمتي".
وعند البيهقي، وابن ماجة عن أنس ﵁ مرفوعًا: "إذا كان يوم القيامة دفع إلى كل رجلِ مِنَ المسلَمين رجل من المشركين فيقال: هذا فداؤك من النَّار".
وأخرجَ مسلم (٥) عن أبي موسى ﵁ رفعه: "يجيء يوم القيامة ناسٌ من المسلمين بذنوب أمثال الجَبال يغفرها اللهُ لهم، ويضعها على اليهود".
стр. 957
وأخرجَ مسلم (١) أيضاً من وجه آخر: "إذا كان يوم القيامة دفع إلى كلِّ مسلم يهودي، أو نصراني فيقول: هذا [فكاكك] من النَّارِ" وأو هنا ليست للشك بل للتخيير، والتنويع أي: يدفع له رجل من اليهود أو النصارى قال القرطبي في "التذكرة" (٢): ومعنى وضع ذنوب المذنبين من المسلمين على اليهودِ والنصارى أَنَّه فيضاعف عليهم عذاب كفرهم، وذنوبهم بقدر جرمهم، وجرم مذنبي المسلمين لو أخذوا بذلك؛ لأنَّه لا يؤاخذ أحدًا بذنب أحد كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وله أن يضاعف لمن يشاء العذاب، ويخفف عن من شاء بحكم إرادته ومشيئته وهو الفاعل المختار.
لطيفة: سمعَ أعرابي ابن عباس ﵄ يقرأ ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣] فقال الأعرابي: والله ما أنقذهم منها وهو يريد أن يوقعهم فيها فقال ابن عباس ﵄: خذوها من غير فقيه بشارة.
أخرجَ مسلم عن عبادة بن الصَّامت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "منْ شهد أن لا إله إلّا الله وأن محمدًا رسول الله حرمَ الله عليه النَّارَ" (٣) وسنذكر تحقيق هذا الباب بعد إنْ شاء الله تعالى.
стр. 958
البحور الزاخرة في علوم الآخرة
تأليف
الإمام العالم العلامة محمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفاريني الحنبلي
رحمة الله تعالى عليه (١١١٤ هـ - ١١٨٨ هـ)
حققه وضبط نصه وعزا آياته وخرج أحاديثه ووثق نقوله وعلق عليه
عبد العزيز أحمد بن محمد بن حمود المشيقح
غفر الله له ولوالديه ولذريته ولمشائخه ولجميع المسلمين
[المجلد الثالث]
стр. 959
الكتاب الرابع في ذكر الجنَّة وصفاتها، وذكر نعيمها ولذاتها
جعلنا الله تعالى مِن أهلِها من غير سابقة عذاب، ولا مناقشة حساب قد تقدم أنَّ الجنَّةَ لا تدخل بالأعمال وإنَّما تدخل برحمة الكريم المتعال، وفضل ذي المنة والنوال، وقد ذكرنا أيضاً أنَّها موجودةٌ الآن ولكن لابد من زيادة هذا المقام توضيحًا وتحريرًا وتنقيحًا.
قال الإمام المحقق ابن القيِّم في كتابه "حادي الأرواح" إلى منازلِ الأفراح (١): لم يزل أصحاب رسول الله ﷺ ، والتابعون، وتابعوهم، وأهل السُّنةِ والحديث قاطبة، وفقهاء الإسلام، وأهل التصوف والزهد على اعتقاد ذلك وإثباته مستندين في ذلك إلى نصوص الكتابِ والسنَّةِ وما علم بالضرورة من أخبارِ الرسل عليهم الصَّلاة والسلام كلهم من أولهم إلى آخرهم فإنَّهم دعوا الأمم إليها، وأخبروا بها إلى أَنْ نبعَت نابعَة من القدرية والمعتزلة فأنكرت أن تكون الجنَّة الآن مخلوقة قالت: بل الله ينشئها يوم القيامة والمعاد وحملهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة فيما يفعله الله وأنَّه ينبغي له أن يفعلَ كذا، ولا ينبغي له أن يفعل كذا وقاسوه على خلقه في أفعالهم (٢) فهم
стр. 960
مشبهة في الأفعالِ، ودخل التجهم فيهم فصاروا مع ذلك معطلة في الصفات وقالوا: خَلق الله الجنَّةَ قبل الجزاء عبث فإنَّها تفسير معطلة مُدَدًا متطاولة ليس فيها سكانها.
قالوا: ومن المعلوم أنّ مَلِكا لو اتخذ دارًا وأعدَّ فيها ألوانَ الأطعمة، والآلات، والمصالح وعطلها من النَّاسِ، ولم يمكّنهم مِنْ دخولها قرونًا متطاولة لم يكن ما فعله واقعًا على وجه الحكمة، ووجد العقلاء سبيلاً إلى الاعتراض عليه.
قال المحقق قدس الله روحه: هؤلاء حجروا على الرب بعقولهم الفاسدة وآرائهم الباطلة، وشبهوا أفعاله تعالى بأفعالهم، وردّوا من النصوص ما خالف هذه الشريعة [يعني: شريعتهم الباطلة] التي وضعوها، وحكموا ببدعةِ وضلالِ مَن خالفهم فيها، والتزموا لها لوازم أضحكوا عليهم فيها العقلاء.
ولهذا يذكر السلف في عقائدهم أن الجنَّةَ والنَّار مخلوقتان
ويذكر (١) من صنف في المقالات (٢) أنَّ هذه مقالة أهْل السُّنة والحديث قاطبة لا يختلفون فيها، ثم ذكر عقائد أهل السنة ومقالاتهم، ثم ذكرَ الأحاديث والآيات الواردة الدّالة على أنَّ الجنَّة كالنَّار موجودتان الآن وأطالَ بما لم أر في سائر كتب الإسلام أغزر منه تحقيقًا، ولا أظهر منه تدقيقًا فجزاه اللهُ خيرًا (٣).
стр. 961
احتج المخالفُ أنَّها لو كانت الآن مخلوقة لوجب أن تفنى، وأنْ يهلك كلُّ ما فيها ويموت لقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] و ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] قال: فتموت الحور العين التي فيها، والولدان. قالوا: والدار دار خلود وقد أخبرَ سبحانه بأنَّها دارُ خلودِ فلا يموت من فيها، ولا يبيد وخبره لا يجوز خلفه ويستحيل نسخه أي؛ لأنَّه خبر محض وهو غير جائز. وقد أخرجَ التِّرمذيُّ عن ابن مسعود ﵁ أنَّه ﷺ قال: "لقيتُ إبراهيم ليلةَ أسري بي فقال: يا محمَّد أَقرئ أمتك مني السَّلام، وأخبرهم أنَّ الجنَّةَ طيبةُ التربةِ عذبة الماءِ، وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلَّا الله، والله أكبر" قال التِّرمذيُّ: حديثٌ حسنٌ غريب (١).
وأخرجَ أيضاً عن جابر ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ أَنَّه قال: "مَنْ قالَ: سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنَّة" قال: حديث حسن صحيح (٢).
стр. 962
قال المخالف: فلو كانت الجنةُ مخلوقةً مفروغًا منها لم تكن قيعانًا، ولم يكن لهذا الغراس معنى وقد قال تعالى حاكيًا عن امرأة فرعون أنَّها قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١] ومحال أن يقولَ قائلٌ: لِمَنْ نسجَ ثوبًا أو بنى له بيتًا: انسجْ لي ثوبًا، وابن لي بيتًا. وأصرح من هذا قوله ﷺ : "من بنى للهِ مسجدًا بنى اللهُ له بيتًا في الجنةِ" متَّفقٌ عليه (١). وهذه جملة مركبة من شرطٍ وجزاء تقتضي وقوع الجزاء بعد الشرط بإجماع أهْل العربيَّة وهذا ثابت عن النَّبيِّ ﷺ من رواية عثمان بن عفَّان، وعلي بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وعمرو بن عنبسة ﵃.
قال المخالف: وقد جاءت آثارٌ بأنَّ الملائكةَ تغرس فيها، وتبني للعبدِ ما دام يعمل فإذا فتر فترت الملائكةُ عن العملِ. قال: وقد روى ابن حبان في صحيحه، والإمام أحمد في مسنده من حديث أبي موسى
стр. 963
الأشعري ﵁ مرفوعًا: "إذا قبض اللهُ ولداً لعبد قال: يا ملك الموت قبضت قرة عينه وثمرة فؤادِه؟ قال: نعم. قال: فما قال عبدي؟ قال: حمدك، واسترجع. قال: ابنوا له بيتًا في الجنةِ وسموه بيت الحمد" (١).
وفي المسند أيضاً من حديثه أيضاً قال ﷺ : "مَنْ صَلَّى في يوم وليلة اثنتي عشرة ركعة سوى الفريضة بنى له بيت في الجنَّة" (٢).
قال المخالف: وليس هذا من أقوال أهل البدع والاعتزال كما زعمتم فهذا ابن مزين قد ذكر في "تفسيره" عن نافع وهو من أئمة السنة أنَّه سئل عن الجنةِ: أمخلوقة هي؟ فقال: السكوت عن هذا أفضل.
هذه شبه أهل الاعتزال والزيغ والضلال والجواب مع ما تقدم عن هذه الشبه أن نقول لهم: ما تعنون بقولكم لم تخلق بعد؟ أتريدون أنَّها الآن عدم محض لم تبرز إلى الوجودِ كالنفخِ في الصورِ، وقيام النَّاس من القبور؟ فهذا باطلٌ مردود وقائله مدحوض مبعد بالأحاديث الصحيحة، والأخبار الصريحة وهو قول مخترع لم يقله أحد
стр. 964
من السلف، ولا من أهْلِ السنة وهو رأي أهل البدع وبرده وتزييفه أئمة السنة والجماعة، والأكابر قطعام تريدون أنَّها لم تخلق بكمالها لها، وجميع ما أعد الله لأهلها من نسائها ورجالها، وأنَّها لا يزال الله يحدث فيها شيئًا بعد شيء وإذا دخلها المؤمنون أحدث الله فيها عند دخولهم أمورًا أخرى فهذا حق لا يمكن رده، وأدلتكم إنَّما تدل على هذا القدر، وحديث ابن مسعود، وحديث جابر (١) صريحان في أن أرضها مخلوقةٌ، وأنَّ الذكرَ الذي ينشئ الله لقائله منه غراسًا في تلك الأرض، وكذا بناء البيوت بالأعمال المذكورة، والعبد كلَّما وسع في الأعمالِ الصالحةِ وسع اللهُ له في الجنةِ، وكلَّما عمل خيرًا غرس له هناك غراس وبني له بيت وأنشئ له من العمل أنواع مما يتمتع به وهذا لا يدل على أنَّ الجنَّةَ لم تخلق بعد ولا يسوغ إطلاق ذلك أبداً.
وأمَّا احتجاجكم بقوله تعالى ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ فإنَّما أوتيتم ذلك من عدم فهمكم معنى الآية واحتجاجكم بها على عدم وجود الجنَّةِ والنَّار الآن نظير احتجاج إخوانكم بها على فنائهما وخرابهما وموت أهلهما فلا أنتم وفقتم لفهم معناها، ولا إخوانكم، وإنَّما وفق لذلك السلف الصالح وأئمة الإسلام.
قال البُخاريّ في صحيحه: قوله ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾
стр. 965
أي: إلَّا ملكه ويقال إلَّا ما أريد به وجهه وقال إمام السنة (١) سيدنا الإمام أحمد طيب الله ثراه في رواية ابنه عبد الله: فأمَّا السماء والأرض فقد زالتا؛ لأنَّ أهلهما صاروا إلى الجنَّةِ، وإلى النَّارِ وأمَّا العرش فلا يبيد ولا يذهب؛ لأنَّه سقف الجنَّةِ والله عليه فلا يهلك ولا يبيد، وأمَّا قوله تعالى: وذلك أن الله تعالى أنزل: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦)﴾ [الرحمن: ٢٦] فقالت الملائكة: هلك أهلُ الأرضِ وطمع أهلُ السماء في البقاء فأخبرَ سبحانه من أهْلِ السماوات، وأهل الأرض أنَّهم يموتون فقال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ لأنَّه حي لا يموت فأيقنت الملائكة عند ذلك بالموت وقال في رواية أبي العباس قال: قال أبو عبد الله الإمام أحمد بن حنبل ﵁: هذه مذاهب أهل العلمِ وأصحاب الأثر، وأهل السنة المتمسكين بعروتها المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب نبينا ﷺ إلى يومنا هذا، وأدركت مَن أدركت من أهلِ الحجازِ والشام وغيرهم على ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] ها فمنْ خالفَ هذه المذاهب أو طعنَ فيها أو عاب قائلَها فهو مخالف مبتدع خارج عن الجماعة زائل عن منهج أهلِ السُّنةِ وسبيل الحق فَسَاقَ أقوالَهم إلى أن قال وقد خلقت الجنَّة وما فيها، وخلقت النَّار وما فيها خلقهما الله وخلق كل شيء أنخلق لهما فلا يفنيان، ولا يفنى ما فيهما أبدًا فإنْ احتج مبتدع، أو زنديق بقول اللهِ : ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وبنحو هذا من
стр. 966
متشابه القرآن قيل له: كل شيءٍ مما كتب عليه الفناء والهلاك هالك والجنة والنار خلقتا للبقاءِ لا للفناء والهلاك وهما من الآخرة لا مِن الدُّنيا والحور العين لا يمتن عند قيام الساعة، ولا عند النفخة، ولا يذقن الموت أبداً؛ لأنَّ الله خلقهن للبقاءِ لا للفناء ولم يكتب عليهن الموت فمن قال خلاف هذا فهو مبتدع وقد ضل عن سواء السبيل.
قال: وخلق سبع سموات بعضها فوق بعض، وسبع أرضين بعضها أسفل من بعض وبين الأرض العليا والسَّماء الدُّنيا مسيرة خمسمائة عام وبين كلِّ سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة عام والماء فوق السماء السابعة وعرش الرحمن فوق الماء والله على العرشِ والكرسي موضع قدميه وهو يعلم ما في السماوات، والأرضين السبع، وما بينهما، وما تحت الثرى، وما في قعرِ البحرِ، ومنبت كل شعرة، وشجرة، وزرع، وكل نبات، ومسقط كل ورقة، وعدد كل كلمة، وعدد الرمل والحصى والتراب، ومثاقيل الجبال، وأعمال العباد، وآثارهم، وكلامهم، وأنفاسهم، ويعلم كل شيءٍ لا يخفى عليه من ذلك شيء وهو على العرشِ فوق السَّماء السابعة ودونه حجب من نار، ونور، وظلمة وما هو أعلم بها.
قال: فإن احتج مبتدعٌ ومخالف بقول اللهِ : ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] (١) وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤] ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧] وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] ونحو هذا من متشابه القرآن
стр. 967
فقل: إنَّما يعني بذلك العلم؛ لأنَّ الله على العرشِ فوق السَّماءِ السابعة العليا يعلم ذلك كله وهو بائن من خلقه لا يخلو من علمه مكان.
وقال الإمام أحمد ﵁ أيضاً في رواية أبي جعفر الطَّائي محمَّد بن عوف بن سفيان الحمصي (١) قال الخلال في حقه: حافظ إمام في زمانه معروف بالتقدم في العلم والمعرفة كان الإمام أحمد ﵁ يعرف له ذلك، ويقبل منه، ويسأله عن الرجال من أهَل بلده قال: أملى عليَّ الإمام أحمد بن حنبل فذكر من "رسالته في السنة" (٢) ثم قال في أثنائها: وأنَّ الجنَّةَ والنارَ مخلوقتان قد خلقتا كما جاء في الخبر قال النَّبيُّ ﷺ : "دخلتُ الجنَّةَ فرأيت فيها قصراً ورأيت الكوثر (٣)، واطلعت في النَّارِ فرأيت "أكثر أهلها كذا وكذا" (٤) فمنْ قال: إنَّهما لم
стр. 968
يخلقا فهو مكذب لرسولِ اللهِ ﷺ ، وبالقرآن كافر بالجنَّةِ والنَّار يستتاب فإن تاب وإلا قُتِلَ.
وقال في رواية عبدوس بن مالك العطار (١) وذكر رسالة في السنة إلى أن قال (٢): والجنة والنَّار مخلوقتان كما جاء عن رسول الله ﷺ : "اطلعت في الجنَّة -فرأيت أكثر أهلها كذا وكذا، واطلعت في النَّارِ فرأيت أكثر أهلها كذا وكذا" (٣). فمنْ زعم أنَّهما لم يُخلقا فهو مكذب بالقرآن، وأحاديث رسول الله ﷺ ولا أحسبه يؤمن بالجنةِ والنَّار لخصت هذا كله من كلام الإمام المحقق في حادي الأرواح وقد أجاد وأفاد قدس الله روحه ونور ضريحه.
تنبيه: لا يذهب وهمك من كلام الإمام أحمد ﵁ إلى نوع تشبيه أو تمثيل معاذ الله فهو ﵁ أبعد خلق الله من ذلك ولكن نؤمن بأنَّ الله كما أخبر لاَ كما يخطر للبشرِ فهو
стр. 969
مستو على عرشِه استواء يليق بذاته من غير تشبيه، ولا تعطيل، ولا تأويل، ولا تمثيل وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك والله أعلم. إذا علمت أن الجنَّةَ مخلوقةٌ، وأنَّها موجودة الآن فلنتكلم على صفتها في خمسة عشر باباً.
стр. 970
الباب الأول في ذكر أبوابها وما يتعلق بذلك
قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣)﴾ [الزمر: ٧٣] وقال في صفة النَّار: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧١] بغير واوٍ فزعمت طائفةٌ أنَّ هذه الواو واو الثمانية دخلت في أبواب الجنَّة لكونها ثمانية بخلاف أبواب النَّار فإنَّها سبعة وذكره الإمام ناصر السنة ابن الجوزي في "التبصرة" وانتصر له.
قال في "التبصرة" عند قوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ في هذه الواو ثلاثة أقوال:
أحدها: إنَّها زائدة، قاله الفراء في جماعة.
والثَّاني: إن الواو زيدت؛ لأنَّ أبواب الجنةِ ثمانية، وأبواب النَّار سبعة والعرب تعطف في العدد بالواو على ما فوق السبعة فيقولون: خمسة ستة سبعة وثمانية، ومثله قوله تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] فلمَّا ذكر سبع خصال قال: ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ١١٢] وكذلك: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢].
والثالث: إنَّها واو الحال فالمعنى جاءوها وقد فتحت أبوابها فدخلت الواو لبيان أنَّ الأبواب كانت مفتحة قبل مجيئهم وحذفت الواو من قصَّة أهل النَّارِ لبيان أنَّها كانت مغلقة قبل مجيئهم قال: ووجه الحكمة في ذلك من ثلاثة أوجه: أحدها: إنَّ أهْلَ الجنةِ لمَّا رأوا
стр. 971
أبوابها مفتحة استعجلوا السرور، وأهل النَّارِ يأتونها والأبواب مغلقة ليكون أشد لحرها.
والثَّاني: أن الوقوف على الباب المغلق ذُلٌّ فَصِينَ عنه أهل الجنَّة دون أهل النَّار.
والثالث: أنَّه لو وجَدَ أهل الجنَّة بابًا مغلقًا لأثَّر انتظار فتحه في كمالِ الكرمِ ومن كمال الكرم غلق أبواب النَّار إلى مجيء أصحابها؛ لأنَّ الكريم يعجل المثوبة ويؤخر العقوبة. انتهى كلامه.
والإمام المحقق لا يرتضي ذلك كله بل قال: هذا قول ضعيف لا دليل عليه، ولا تعرفه العرب؛ ولا أئمة العربيَّة وإنَّما هذا من استنباط بعض المتأخرين. وقال عن القول بأنَّها زائدة: هو ضعيف أيضاً فإن زيادةَ الواو غير معروفة في كلامهم، ولا يليق بأفصح الكلام أن يكون فيه حرف زائد بغير معنى، ولا فائدة. واختار بأن الواو عاطفة عَلىَ قوله تعالى: ﴿جَاءُوهَا﴾ وأن الجواب محذوف.
قال: وهو اختيار أبي عبيدة، والمبرد، والزجاج، وغيرهم، قال المبرد: وحذف الجواب أبلغ عند أهل العلمِ. قال أبو الفتح ابن جني: وأصحابنا يدفعون زيادة الواو، ولا يجيزونه، ويرون أنَّ الجوابَ محذوفٌ للعلم به فإن قيل: ما السر في حذف الجواب في آية أهْلِ الجنةِ، وذكره في آية أهل النَّار؟ فالجواب: إنَّ هذا أبلغ في الموضعين فإنَّ الملائكةَ تسوق أهْلَ النَّار إليها وأبوابها مغلقة حَتَّى إذا جاءوها فتحت في وجوههم ففجئهم العذاب بغتة فحين انتهوا إليها فتحت أبْوابها بلا مهلة، فإنًّ هذا شأن الجزاء المرتب على الشرط أن يكونَ عقيبه فإنَّها دارُ الإهانةِ والخزي فلم يستأذن لهم في دخولها، وأمَّا الجنَّة
стр. 972
فدار كرامته تعالى، ومحل خواصه وأوليائه فإذا انتهوا إليها صادفوها مغلقة فيرغبون إلى صاحبها ومالكها أن يفتحها لهم، ويستشفعون إليه بأولي العزم من رسله فكلهم يتأخر عن ذلك حَتَّى تقع الدلالة على خاتمهم، وسيدهم، وأفضلهم فيقول: "أنا لها" (١) فيأتي تحت العرش، ويخر ساجدًا لربِّه فيدعه ما شاء أن يدعه ثم يأذن له في رفع رأسه، وأن يسأل حاجته فيشفع إليه سبحانه في فتح أبوابها فيشفعه، ويفتحها تعظيمًا لخطرها وإظهارًا لمنزلة رسوله وكرامته عليه وإن مثل هذه الدار التي هي دار ملك الملوك إنَّما يدخل إليها بعد تلك الأهوال العظيمة التي أولها من حين عقل العبد في هذه الدار إلى أن ينتهي إليها وما ركبه من الأطباق طبقًا فوق طبق (٢).
قال ابن عباس (٣) ﵄ في قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ [الانشقاق: ١٩]: يعني الشدائد والأهوال والموت، ثم البعث، ثم العرض.
стр. 973
وقال عكرمة (١): حالًا بعد حال رضيعًا، ثم فطيما، ثم غلاماً، ثم شابا، ثم شيخاً هذا معنى الآية الكريمة.
وقيل غير ذلك من الشدائد، والمصائب شدة بعد أخرى حَتَّى يأذنَ اللهُ سبحانه لنبيه وخاتم رسله أن يشفعَ إليه في فتحها لهم وهذا أبلغ واعظ في تمام النعمةِ، وحصول الفرح والسرور ولئلا يتوهم الجاهلُ أنَّها بمنزلةِ الخان الذي يدخله من شاء فجنة غالية، ومنزلة عالية بين النَّاسِ وبينها من العقاب، والمفاوز، والأخطار ما لا تنال إلَّا به فمَا لمن أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني ولهذه الدار فليعد عنها إلى ما هو أولى به وقد خلق لها وهي له.
قُلْتُ: وكلامه كله في الاحتجاج على أنَّ أبواب الجنةِ يصادفها أهلها مغلقة كما أنَّ أبوابَ النَّارِ يصادفها أهلها كذلك وهذا فيه نزاع مشهور بين العلماء والذي ذهبَ إليه ابن الجوزي، وغيرها وتلاهم العَلامة في "بهجته" خلاف ما نحاه الإمام المحقق.
فَإِنْ قُلْتَ: ما الذي تختاره؟ قُلْتُ: كلام المحقق أبلغ، وكلام الجمهور أظهر وأنا أختار ما قاله المحقق فإنا إذا قلنا: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ﴾ [الزمر: ٧٣] دلالة ظاهرة على ما نحاه، وتقدير الكلام حَتَّى إذا جاءوها وفتحت أبوابها سعدوا، وفازوا، ونعموا وقال لهم خزنتها وأمَّا قوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠)﴾ [ص: ٥٠] أي:
стр. 974
بعد دخولهم كما نقرره إن شاء الله تعالى وتأمل ما في سوق الفريقين إلى الدارين زمرًا من فرحة هؤلاء بإخوانهم، واستبشارهم، وقوة قلوبهم، وخزي أولئك وغمهم يساقون إلى النَّارِ زمرًا يلعن بعضُهم بعضًا فإن ذلك أبلغ في الخزي والفضيحة مِنْ أن يُساقوا واحدًا واحدًا فلا تهمل تدبر قوله تعالى: ﴿زُمَرًا﴾ وتأمل قول خزنة الجنَّة لأهلها: ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا﴾ أي: سلامتكم ودخولها يطيبكم، فإن الله حرمها إلَّا على الطيبين فيبشرونهم بالسلامة والطيب والدخول والخلود، وأمَّا أهل النَّار فإنهم لما انتهوا إليها على تلك الحالة من الهم والغم والخزي والحزن فتحت لهم أبوابها فوقفوا عليها وزيدوا على ما هم عليه من الخزي والنكال توبيخ خزنتها وتبكيتهم بقولهم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ فاعترفوا و ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١].
وكلمة العذاب قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣].
وحقت بمعنى وجبت، فيبشرونهم حينئذ بدخولها والخلود فيها وأنها بئس المأوى لهم، وتأمل قول خزنة الجنَّة لأهلها: ادخلوها وقول خزنة النَّار لأهلها: ادخلوا أبواب جهنمَّ تجد تحته سًرا لطيفًا ومعنى بديعًا ظريفًا وهو أنَّها لما كانت دار العقوبة فأبوابها أفظع كل شيء وأشده حرًا وأعظمه غمًا يستقبل الداخل في العذاب ما هو أشد منها ويدنو من الغم والخزي بدخول الأبواب فقيل: ادخلوا أبوابها صغارًا لهم وإذلالاً وخزيًا ثم قيل لهم: لا يقتصر بكم على مجرد ذلك
стр. 975
ولكن وراء ذلك الخلود في النَّار.
وأمَّا الجنَّة فهي دار الكرامة والمنزل الذي أعبد الله لأوليائه فيبشرون من أول وهلة بالدخول إلى المقاعد والمنازل والخلود فيها، وتأمل قوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (٥١)﴾ كيف تجد تحته معنى بديعًا، وهو أنهم إذا دخلوا الجنَّة لم تغلق أبوابها عليهم بل تبقى مفتحة كما هي خلاف النَّار فإذا دخلوها أغلقت عليهم كما قال تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨)﴾ أي: مطبقة ومنه سمى الباب وصيدًا وهي مؤصدة في عمد ممدة قد جعلت العمد ممسكة للأبواب من خلفها كالحجر العظيم الذي يجعل خلف الباب.
قال مقاتل: يعني أبوابها عليهم مطبقة فلا يفتح لها باب ولا يخرج منها غم ولا [يدخل فيها روح] (١) ولا يدخل فيها نسيم آخر الأبد، وأيضًا فإِنَّ في فتحِ الأَبوابِ إشارةً إلى تصرف أهل الجنَّة وذهابهم وإيابهم وتبوئهم من الجنةِ حيث شاءوا ودخول الملائكة عليهم من كلِّ باب في كلّ وقت بالتحف والألطافِ من ربهم وأيضًا إشارة إلى أنَّها دار من لا يحتاج إلى غلق الأبواب كما في الدُّنيا.
هذا ملخص كلام الإمام المحقق مختصرًا. وهو صريح في أنَّ الجنَّةَ يصادفها أهلها مغلقة الأبواب وقد علم الجواب عن قوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠)﴾ وهو أنَّها تكون كذلك بعد دخولهم
стр. 976
واستقرارهم ويؤيده قوله ﷺ : "آتي بابَ الجنةِ فاستفتح". وقول الخازن: "بك أمرت ألا أفتح لأحدٍ قبلك" (١). هذا ظاهر والله الموفق.
وأخرجَ الشيخانِ عن سهلِ بن سعد ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "في الجنةِ ثمانية أبواب: باب منها يسمى الريان لا يدخله إلَّا الصائمون" (٢).
وفيهما عن أبي هريرةَ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "مَن أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله دعي من أبواب الجنَّة: يا عبدَ اللهِ هذا خير، فمَنْ كان مِن أهْلِ الصلاةِ دُعي من باب الصَّلاة، ومَن كان من أهل الجهادِ دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان". فقال أبو بكر ﵁: والله يا رسول الله ما على أحد من ضرورة من أيها
стр. 977
دعي، فهل يدعى منها كلها أحد يا رسولَ اللهِ؟ قال: "نعم، وإني لأرجو أن تكونَ منهم" (١) قال القرطبي: قيل الدعاء من جميعها دعاء تنويه وإكرام ثم يدخل من الباب الذي غلب عليه العمل (٢).
وأخرج مسلم عن عمرَ ﵁ عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: "ما منكم من أحد يتوضّأ فَيبلِغُ -أو فيسبغُ- الوضوء ثمّ يقول: أشهد ألا إله إلَّا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله اللَّهم اجعلني من التوابين. إلَّا فتحت له أبواب الجنَّة الثمانية يدخل من أيها شاء" (٣). زاد التِّرمذيُّ: "واجعلني من المتطهرين" (٤). زاد الإمام أحمد وأبو داود: "ثم رفع نظره إلى السماء فقال: اللَّهم أجعلني ... " (٥) الحديث.
стр. 978
وعند الإمام أحمد عن أنسٍ ﵁ يرفعه: "من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال ثلاث مرات: أشهد ألا إله إلَّا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. إلَّا فتح له ثمانية أبواب الجنَّة من أيها شاء دخل" (١).
وأخرجَ عبدُ الله بن الإمام أحمد، وابن ماجة عن عتبة بن عبد الله السلمي مرفوعًا: "ما من مسلم يتوفى له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلَّا تلقوه من أبواب الجنَّة الثمانية من أيها شاء دخل" (٢).
وأخرج الشيخان عَن أبي هريرةَ ﵁ قال: وضعت بين يدي رسول الله ﷺ قصعة من ثريد ولحم فتناول الذراع وكانِ أحب الشَّاةِ إليه فنهس نهسة وقال: "أنا سيد النَّاس يوم القيامة" ثم نهس أخرى، وقال: "أنا سيدُ النَّاسِ يوم القيامةِ" فلمَّا رأى أصحابه لا يسألونه قال: "ألا تقولون: كيف؟ " قالوا: كيف يا رسول الله ﷺ ؟ قال: "يقوم النَّاسُ لرب العالمين فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر .. " فذكر حديثَ الشّفاعة بطولهِ وفي آخره: "فأنطلق فآتي العرش فأقع ساجدًا لربي فيقيمني رب العالمين مقامَا لم يقمه أحدًا قبلي، ولن يقيمه أحدًا بعدي، فأقول: يا رب أمتي. فيقول: يا محمَّد أدخل من أمتك من
стр. 979
لا حساب عليهم من الباب الأيمنِ، وهم شركاءُ الناسِ فيما سوى ذلك من الأبواب، والذي نفس محمدِ بيده إن مَا بين مصراعين مِن مصاريع الجنَّةِ لكما بين مكّة وهجر، أو هجر ومكة" وفي لفظ: "كما بين مكّة وهجر أو كما بين مكّة وبصرى" (١).
وفي لفظ خارج الصَّحيح بإسناد: "إن ما بين عضادتي الباب كما بين مكّة وهجر".
قوله: "ينفذهم البصر" هو بالذال المعجمة كما في "النهاية" ويقال: نفذني بصره إذا بلغني وجاوزني.
قال في النهاية: قيل: المرادُ به ينفذهم بصر الرحمنِ حتى يأتي عليهم كلهم. وقيل: ينفذهم بصر الناظر لاستواءِ الصّعيد (٢).
قال أبو حاتم: أصْحابُ الحديث يروونه بالذَالِ المعجمةِ وإنمَّا هو بالمهملةِ أي: يبلغ أولهم وآخرهم حتى يراهم كلهم ويستوعبهم من نفد الشيء وأنفدته، وحمل الحديث على بصِر المبصر أولى من حمله على بصر الرحمن؛ لأنَّ اللهَ سبحانَه يجمعُ النَّاسَ يومَ القيامةِ في أرضٍ يشهد جميع الخلائق فيها محاسبة العبدِ الواحد على انفرادِه ويبصرون ما يصير إليه. انتهى.
стр. 980
وأخرج الإمامُ أحمد عن حكيم بن معاوية عن أبيه أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "أنتم توفون سبعين أمة أنتم آخرها وأكرمها على الله وما بين مصراعين من مصاريع الجنَّة مسيرة أربعين عامًا وليأتين عليه يوم وله كظيظ" (١).
فهذا الحديث إنْ صحَّ فحمول على أحد الأبواب وهو أعظمها.
وأخرج أبو الشَّيخ عن ابن عمرَ ﵄ مرفوعًا: "الباب الذي يدخل منه أهلُ الجنَّةِ مسيرة الراكبِ المجد ثلاثاً ثم إنهم ليضغطون عليه حتَّى تكاد مناكبهم تزول" (٢). ورواه أبو نعيم عنه أيضاً.
قال الإمام المحقق: وهذا مطابق للحديثِ المتفق عليه أنَّ ما بين المصراعين كما بين مكّة وبصرى. فإنَّ الراكبَ المجود غاية الإجادة على أسرع هجين لا يفتر ليلاً ولا نهارًا يقطع هذه المسافة في هذا القدرِ أو قريب منه. كذا قال وهو بعيد جدًا.
تنبيه: حديث حكيم بن معاوية مضطرب. قال المحقق:
стр. 981
والصحيح هو المتفق على صحته والله أعلم (١).
روى ابن مسلم عن خليد عن الحسن في قوله تعالى: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ ترى أي: تشاهد وتنظر وذكر أيضاً عن قتادة قال: "أبواب يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، تتكلم وتكلم وتفهم ما يقال لها: انفتحي انغلقي" (٢). وأخرج أبو الشَّيخ عن عبد الله أن غياث الفَزَاريُّ قال: "لكل مؤمن في الجنَّة أربعة أبواب: فباب يدخل عليه زواره من الملائكة، وباب يدخل عليه أزواجه من الحور العين، وباب مقفل فيما بينه وبين أهل النار يفتحه إذا شاء ينظر إليهم لتعظم النعمة عليه وباب فيما بينه وبين دار السَّلام يدخل فيه على ربه إذا شاء" (٣).
قلت: ومراده قطعًا أبواب منزله في الجنَّة لا أبواب الجنَّة كما لا يتشبه على ذي فهم والله أعلم. ومن "حادي الأرواح" عن أنس مرفوعًا "أنا أول من يأخذ حلقة باب الجنَّة ولا فخر" (٤) وفي حديث الشفاعة عنه أيضاً أن رسول الله ﷺ قال: "يأخذ بحلقة باب الجنَّة فأقعقعها" (٥).
قال المحقق: وهذا صريح في أنَّها حلقة حسية تقعقع وتحرك قال:
стр. 982
ويُذكر عن على كرم الله وجهه: من قال: لا إله إلَّا الله الملك الحق المبين في كل يوم مائة مرَّة كان له أمان من الفقر وأؤمن من وحشة القبر واستجلب بها الغناء واستقرع به باب الجنَّة (١).
قال: ولما كانت الجنان درجات بعضها فوق بعض كانت أبوابها كذلك وباب الجنَّة العالية أوسع من باب الجنَّة التي تحتها وكلما علت الجنَّة اتسعت فعاليها أوسع مما دونه وَسعت الجنان بحسب وسع الجنَّة قال: ولعل هذا وجه الخلاف الذي جاء في مسافة ما بين مصراعي الباب. قال: ولهذه الأمة باب مختص بهم يدخلونها منه دون سائر الأمم.
أخرج الإمام أحمد عن عمر ﵄: أن النَّبيَّ ﷺ قال: "باب أمتي الذي يدخلون منه الجنَّة عرضه مسيرة الرَّاكب ثلاًثا ثم إنهم يضغطون عليه حتَّى تكاد مناكبهم تزول" (٢).
قوله: يضغطون أي يزدحمون حتَّى يحصل لهم بسب ذلك ضيق وقهر من شدة الزحمة والمراد أنَّه مع سعته يكون عليه ازدحام والله أعلم.
وأخرج الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁: عن النَّبيِّ أنَّه قال: "أتاني جبريل فأخذ بيدي فأراني باب الجنَّة الذي تدخل منه أمتي" (٣).
стр. 983
الحديث. قال: في "حادي الأرواح" (١): روينا في "معجم الطبراني" أن لقيط بن عامر خرج وافدًا إلى رسول الله ﷺ قال: قلت: يا رسول الله فما الجنَّة والنَّار؟ قال: "لعمر إلهك إن للنار سبعة أبواب ما منهن بابان إلَّا يسير الراكب بينهما سبعين عامًا وأن للجنة ثمانية أبواب ما منهن بابان إلَّا يسير الراكب بينهما سبعين عامًا" (٢). وذكر الحديث بطوله ثم قال: وهذا الظاهر منه أن هذه المسافة بين الباب والباب لأنَّ ما بين مكّة وبصرى لا يحتمل التقدير بسبعين عامًا. ولا يمكن حمله على باب معين لقوله: ما منهن بابان. قلت: وإلى هذا أشار المحقق في النونية بقوله:
أبوابها حقاً ثمانية أتت ... في النَّصُّ وهي لصاحب الإحسان
باب الجهاد وذاك أعلاها وباب ... الصوم يدعى الباب بالريان
ولكل سعي صالح باب ورُب السعي ... منه داخل بأمان
ولسوف يدعى المرء من أبوابها ... جميعاً إذا وافى حلي الإيمان
منهم أبو بكر هو الصِّديق ذاك ... خليفة المبعوث بالقرآن
وسبعون عامًا بين كل اثنين منها ... قدرت بالعدو إلحان
هذا حديث لقيط المعروف بالخبر ... خبر الطويل وذا عظيم الشأن
وعليه كل جلالة ومهابة ... ولكم حواه بعد من عرفان
لكن بينهما مسيرة أربعين ... رواه حبره الأمة الشيباني
ومسند بالرَّفع وهو لمسلم ... وقف كمرفوع بوجه ثاني
стр. 984
ولقد روى تقديره بثلاثة ... أيَّام لكن عند ذي العرفان
أعني البُخاريّ الرضى هو منكر ... وحديث راويه فذو نكران (١)
فبين ﵀ ورضي عنه أن بين كل بابين مسيرة سبعين عامًا، وبين كل مصراعين من تلك الأبواب مسيرة أربعين يومًا، وبين أن البُخاريّ ينكر حديث تقدير ما بين المصراعين بثلاثة أيَّام راويه يروي الحديث المنكرات والله أعلم.
стр. 985
فصل في مفتاح الجنَّة
وأعلم أن الباب لابد له من مفتاح، وأن مفتاح الجنَّة هي كلمة الإخلاص وهي شهادة أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا ﷺ عبده ورسوله. أخرج الإمام أحمد عن معاذ بن جبل ﵁ مرفوعًا: "مفتاح الجنَّة شهادة أن لا إله إلَّا الله" (١). قال الحافظ ابن رجب في كتابه "التوحيد": إسناده منقطع وسنده صحيح.
البُخاريّ عن وهب بن منبه: أنَّه قيل له: أليس مفتاح الجنَّة لا إله إلَّا الله؟ قال: بلى ولكن ليس من مفتاح إلَّا له أسنان فإن أتيت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح (٢).
وأخرج أبو نعيم عن أنس ﵁ قال: قال أعرابي: يا رسول الله ما مفتاح الجنَّة؟ قال: "لا إله إلَّا الله" (٣).
وأخرج أبو الشَّيخ عن مجاهد عن يزيد بن شجرة قال: "إن