فصل: الدعاء عند الركن اليماني
روي عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "عَلَى الرُّكْنِ اليَمَانِيّ ملَكٌ مُوكَلٌ به منذُ خلَقَ الله السماواتِ والأرضَ، فإِذا مَرَرْتُمْ به فقولوا: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ الآية (١) فإِنه يقول آمين (٢) ".
وروي عنه ﷺ : "أنَّه وُكِلَ بِهِ سبْعُون ألف ملَك يؤمِّنونَ علَى الدُّعَاءِ عندَهُ" (٣).
стр. 142
فصل: استلام الحجر الأسود
عن ابن عمر ﵄ قال: "استقبل رسول الله ﷺ الحجر، ثم وضع شفتيه عليه يبكي طويلًا، ثم التفت فإِذا هو بعمر ﵁ يبكي، فقال: يا عُمر، هَا هُنَا تُسْكَبُ العَبَرَاتُ". رواه ابن ماجه (١) والحاكم وصحح إِسناده (٢).
وذكر ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "لَيُبْعَثَنَّ الحَجَرُ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَهُ عَيْنَانِ يُبصِر بهمَا ولسَانٌ ينطقُ به يشهَدُ علَى منِ استلَمَهُ بحقٍّ" (٣).
стр. 143
قال ابن الجوزي (١): ورُوي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: الحجرُ يَمِينُ الله في الأرضِ، فمنْ لم يُدركْ بيعةَ رسول الله ﷺ ، فمسح الحجرَ؛ فقد بايعَ الله ورسولَه (٢).
وفي لفظ آخر: يمين الله في الأرض يصافح بها عباده (٣) كما يصافح أحدُكم أخاه (٤).
وقيل: إِن الله تعالى لمّا أخذ الميثاق كتب كتابًا على الذرية، فألقمه الحجر الأسود.
قال العلماءُ: ولهذه العلة يقول لامسه: اللَّهُمَّ إِيمَانًا بكَ، وتصديقًا بِكتَابِكَ، ووفاء بعَهْدِكَ (٥).
стр. 144
فصل: الشرب من ماء زمزم
قال ابن عباس ﵄: "مَاء زمْزَمَ لِمَا شُرِبَ له (١)، إِن شربتَهُ تريدُ به الشفاءَ شفَاك الله، وإنْ شَرِبْتَه لظمإِ أرواك الله، وإن شَرِبْتَهُ لجُوعٍ أشْبَعَكَ الله".
ورُوي عنه أيضًا أنه قال: "اشْرَبُوا مِنْ شَرَابِ الأبْرَارِ، وصَلُّوا في مُصَلَّى الأخْيَار، قيل: وما شرابُ الأبْرَار؟ قال: زمزم. قيل: وما مُصَلَّى الأخيارِ؟ قال: تحت الميزاب" (٢) *.
وجاء أنه لا يعمد إِليها امرؤٌ يتضلَّع (٣) منها ريًّا ابتغاء بركَتِهَا إِلَّا أخرجَتْ
стр. 145
منه مثل ما شرب من الداء، وأحدثت له شفاء (١).
ورُوي عنه ﷺ أنه قال: "النَّظَرُ إِلَيْهَا عِبَادَةٌ، والطَّهُورُ منها يَحْبِطُ الخَطَايَا، ومَا امتَلأ جوفُ عبدٍ من زَمْزَم إِلَّا ملأهُ الله عِلْمًا وَبِرًّا".
ومن ها هنا كان عبد الله بن عباس ﵄ إِذا دعا قومًا عنده سقَاهم منها.
تنبيه:
قوله ﷺ : "والطَّهُورُ منها يحبطُ الخَطايَا" يريد: الوضوء خاصة (٢) إِذا كانت أعضاءُ الوضوء طاهرةً (٣). وأما الاستنجاء به فقد شُدِّد في الكراهة فيه، وجاء أنه يُحدث البواسير، وكذلك غسل النجاسات التي على البدن أو غيره.
قال ابن شعبان - من أصحابنا -: ولا يغسل به نجس (٤)، وهو طعام
стр. 146
طعم (١) وشفاء سقم (٢)، وهو لما شرب له، وهي مباركة (٣).
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يتضلع منها منافق" (٤).
وروى الحميدي: "أن رسول الله ﷺ استهدى سهيل بن عمرو (٥) من
стр. 147
ماء زمزم، فبعث إِليه بَراوِيَة من ماء زمزم وجعل عليها كرًّا غَوْطيًّا" (١).
مسألة:
قال ابن الحاج: يُستحب لمن حج أن يكثر من ماء زمزم، تبركًا ببركته. فيكون منه شربه ووضوؤه ما أقام بمكة، ويستكثر من الدعاء عند شربه.
وروى مجاهد عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إِذا شربتَ من ماء زمزم فقل: اللهم اجعله لي علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وشفاءً من كل داءٍ (٢)، واغسل به قلبي، واملأه من خَشْيَتِك (٣).
стр. 148
مسألة:
قال ابن حبيب: يُستحب لمن حجّ أن يتزوَّد منه إِلى بلده، فإِنه شفاءٌ لمن استشفى به (١).
الترغيب في دخول الكعبة
ثبت في الصحيح أنه ﷺ دخل الكعبة وصلى فيها (٢).
وذكر البخاري أنَّ عُمر ﵁ كان كثيرًا ما يحج ولا
стр. 149
يدخلها (١).
وذكر ابن الجوزي عن مجاهد أنه قال: دخول البيت دخولٌ في حسنة، وخروج منه خروج من سيئة (٢)، ويعني: أنه يخرج من سيئاته عند خروجه منه.
مسألة:
قال ابن حبيب: وأخبرني مطرِّف عن مالك ﵀ أنه سُئل عن الصلاة في البيت وعن دخوله كلَّمَا قدَر عليه؟ فقال: ذلك واسع حسن (٣).
قال: وقد سئل مالك عن دخول البيت المرتين والثلاث في اليوم؟ فقال: لا بأس به (٤).
стр. 150
مسألة:
ومن صلَّى في البيت الحرامِ، واستقبل أيَّ نواحيه (١) شاء شرقًا أو غربًا، فلا بأس بذلك (٢).
قال مالك ﵀: وأحبُّ إِليَّ أنْ يَجعلَ البابَ خلف ظهره، وهو الوجه الذي صلَّى إليه رسولُ الله ﷺ (٣) *.
مسألة:
قال ابن حبيب: واخلع نعلَيْك إِذا دخلتَ الكعبة (٤)، واجتنب أن
стр. 151
تبصقَ فيها أو تمخط، ونزهها ما استطعت، فإِنها بقعة مكرمة شرفها تعالى على بقاع الأرض، وألح في الدعاء والرغبة إِذا دخلتها فإِنه مقام عظيم.
تنبيه:
قوله: "شرفها الله على بقاع الأرض" مستثنى من ذلك ما ضمَّ أعضاءَه الكريمة ﷺ ، فقد أجمعوا على أفضليته على ما سواه (١).
قال ابن حبيب: وكان عمر بن عبد العزيز ﵁، - فيما أخبرني ابن عبد الحكم - (٢) إِذ دخل الكعبة قال: اللهم إِنك وعدتَ الأمان داخلَ بيتك وأنت خير منزول به، اللهم اكفني مؤونة الدنيا وكلَّ هولٍ دونَ الجنة، حتَّى تُبلغنيها برحمتك (٣).
стр. 152
مسألة:
قال مالك: ولا يعتنق شيئًا من أساطينه. وقد دخله رسول الله ﷺ ولم أسمع أنه اعتنق من أساطينه شيئًا (١).
مسألة:
قال أبو عبد الله بن الحاج: وأجمع العلماء على أن من حج واعتمر ولم يدخل الكعبة، أنَّ نسكه تام ولا شيء عليه.
تنبيه:
من أراد دخول البيت فتعذَّر عليه فليدخل الحِجْر، فإِنه لا فرق بينهما، لأنه بعضُ البيت وإِنما أُخرج منه.
قالت عائشة ﵂ كنت أحبُّ أن أدخل البيت، فأصلي فيه، فأخذ النبي ﷺ بيدي وأدخلني الحِجْر وقال: "صلِّي في الحِجر، إِن أردتِ دخولَ البيتِ، فإِنّهُ قطعةٌ منه، وإِن قومكِ اقتصروا حين بنوا الكعبة فأخرجوه من البيت"، خرجه أبو داود (٢) والترمذي (٣).
стр. 153
ولذلك ترك مُحَجَّرًا ومنع من صلاةِ الفريضة في الحِجْر، كما منع من إيقاع الفريضة في البيت (١)، والأخبار متواترة في أنه من البيت، والقدر الذي قُطع من البيت نحو ستة أذرع والباقي في المسجد (٢) والله أعلم.
فصل: يوم عرفة
روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "مَا رُئِيَ الشيطَان فِي يَوْمٍ هوَ أصغر ولا أدْحَرَ (٣) ولا أحْقَرَ منهُ يومَ عرَفة، وما ذاكَ إِلَّا لمِا يُرَى من تنزُّلِ الرَّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ
стр. 154
الله عنِ الذنُوبِ العظامِ" (١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الله يُبَاهِي بأهْلِ عَرَفَات وأهْلِ المَشْعَر ملائكته (٢) فيقول: انظُرُوا إِلَى عِبَادِي جَاؤُوا شُعْثًا غُبْرًا، أشْهِدُكُمْ أني قَدْ غَفَرتُ لَهُمْ" (٣).
وذكر قاسم بن أصبغ (٤) من حديث جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ : "إِذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفة ينزلُ الله تعالى إِلَى سماءِ الدّنْيَا، فيقول *: انظروا إِلَى عبادِي أتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا منْ كُلِّ فجٍّ عميق، أشهدُكُمْ أنِّي قدْ غَفَرْتُ لَهُمْ. قال: فتقول الملائكة: يا رب فيهم فُلان وفلان،
стр. 155
قال: فيقول : قد غَفَرْتُ لَهُمْ أجْمَعِينَ (١)، ومَا مِنْ يومٍ أكثَرَ عِتْقًا من النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَة" (٢).
وقال أبو محمد عبد الحق الأزدي في منسكه: ذكر ابن المبارك (٣) من
стр. 156
حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "وَقَفَ رسولُ الله ﷺ بعرفَاتٍ، وقدْ كادت الشمس أن تغرب، فقال: يا بلال! أنصت لِي النَّاسَ، فقام بلال ﵁ فقال: أنصتوا لرسول الله ﷺ ، فأنصت الناس فقال: يا معشر الناس! أتاني جبريل آنفًا فأقرأني من ربي السلام، وقال: إِنَّ الله غَفَرَ لأهْلِ عَرَفَاتٍ وأهْلِ المَشْعَرِ وضمِنَ عنهمُ التَّبِعَات، فقام عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا رسول الله، لنا خاصَّةً؟ فقال: هَذا لكمْ، ولِمَنْ أتَى بعدَكُمْ إِلَى يْومِ القيَامَةِ" فقال عمر ﵁ كَثُر خيرُ الله وَطاب (١).
وروى ابن جُريج (٢).
стр. 157
عن محمد بن المنكدر (١) عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "المَغْفِرَةُ تَنْزِلُ مع الحَرَكَةِ الأولَى، فإِذا كانتِ الدّفْعَةُ العُظْمَى فَعِنْدَ ذَلِك يضعُ إِبليس التُّرَابَ علَى رَأسِهِ ويدْعُو بالوَيْلِ والثُّبُور فتجتَمِعُ إِليه شَيَاطِينُه فيقُولُون: مَالَكَ؟ فيقول: قومٌ فَتَنْتُهم منذ ستين وسبعين سنة غُفِرَ لهُم في طَرفَةِ عيْن" (٢).
стр. 158
الباب الثاني: في بيان آداب سفر الحج وفيه فصول:
الفصل الأول: في الاستخارة (*) في سفر الحج
إِذا عزم على السفر صلى ركعتين ينوي بهما الاستخارة (١)، ويستحب أن يقرأ في الأولى بقل يا أيها الكافرون، وفي الثانية بقل هو الله أحد، فإِذا سلم صلى على النبي ﷺ ، ثم قال:
стр. 159
اللَّهُمَّ إِنِّي أستَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ واستَقْدِرُكَ بقدرتك، وأسألُك من فضلك العظيم، فإِنَّكَ تقدِرُ ولَا أقْدِر وتعلم ولا أعلم وأنت علّام الغيوب، اللهمّ إِن كنت تعلم أن لي في سَفَرِي هَذا في هذا الوقت خيرًا لي في ديني ودنيايَ، ومعاشي وعاجل أمري وآجله فاقدره لي، ويسره في وبارك لي فيه، وإن كنتَ تَعْلَمُ أنَّ لِي في سفري هذا في هذا الوقت شرًّا لي في ديني ودُنياي ومَعَاشي وعَاجِلِ أمري وآجله، فاصْرِفْهُ عنِّي واصرفْنِي عنه، واقدُرْ لي الخير حيث كان، ثم رضِّنِي به، يا أرْحَمَ الراحمين.
стр. 160
الفصل الثاني: فيما يجوز صرفه من المال في الحج
قال ابن معلى السبتي في منسكه: قال العلماء: يجب على مريد الحج أن يحرص على أن تكون نفقته حلالًا * لا شبهة فيها، فإِن الله ﵎ لا يقبل إِلا طيبًا.
وقال ابن عطاء الله (١) في منسكه: وإِنما أُتِيَ على كثير من الناس، في عدم قبول عباداتهم وعدم استجابة دعواتهم، لعدم تصفية أقواتهم عن الحرام والشبهات (٢).
стр. 161
مسألة:
وقال سَنَد بن عِنَان (١) المالكي في كتابه الطَّرَازِ (٢): إِذا حج بمال مغصوب ضمنه وأجزاه حجه، وهو قول الجمهور (٣).
وعن الإِمام أحمد بن حنبل: أنه لا يجزئه وحجه باطل (٤).
стр. 162
وقال التَّادلي (١) في منسكه وفي شرح الرسالة لعبد الصادق ونقله من كتاب جمل من أصول العلم لابن رشد (٢) قال: وسألته: عمن حج بمال حرام أترى ذلك مجزيًا عنه ويغرم المال لأصحابه؟
قال: أما في مذهبنا فلا يجزئه ذلك، وأما في قول الشافعي: فذلك جائز ويرد المال ويطيب له حجه (٣)؛ وقول الشافعي هذا أقرب إِلى مذهب مالك
стр. 163
ابن أنس (١).
فرع:
فإِذا قلنا بالإِجزاء، فقد أشار جماعة من العلماء المالكية والشافعية إِلى عدم القبول، منهم: القرافي (٢) والقرطبي من أصحابنا والغزالي والنووي (٣) من الشافعية.
стр. 164
قلت: ورأيت في بعض الكتب، ولم يحضرني الآن، عن مالك ﵀ عدم الإِجزاء، وأنه وقف في المسجد الحرام في الحاج (١). ونادى: يا أيها الناس، من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا مالك بن أنس، من حج بمال حرام فليس له حج، أو كلام هذا معناه (٢).
تنبيه:
قال التادلي: وجدت بخط الشيخ الفقيه الصالح أبي إِسحاق إِبراهيم بن يحيى المعروف بابن الأمين القرطبي (٣)، من تلامذة ابن رشد، على ظهر شرحه لكتاب الموطإِ، ما نصه: قال أحمد بن خالد (٤). قال ابن وضاح: يستحب لمن حج بمال فيه شبهة شيء أن ينفقه في سفره وما يريد من حوائجه، ويتحرَّى
стр. 165
أطيب ما يجد فينفقه من حين يحرم بالحج فيما يأكل ويلبس من ثياب إِحرامه وشبه هذا. ورأيته يستحب هذا ويعجبه (١) أن يعمل به، وذكره عن بعض السلف (٢).
ومن هذا المعنى ما نقله ابن المعلى عن الغزالي ﵀ أن من خرج لحج واجب بمال فيه شبهة فليجتهد أن يكون قوته من الطيِّب، فإِن لم يقدر فمن وقت الإِحرام إِلى التحلل، فإِن لم يقدر فليجتهد يومَ عرفة (٣)، فإِن لم يقدر فليلزِمْ قلبه مما هو مضطر إِليه من تناول ما ليس بطيب، فعساه سبحانه أن ينظر إِليه بعين الرحمة ويتجاوز عنه بسبب حزنه وخوفه وكراهيته (٤) *.
стр. 166
مسألة:
ونقل ابن الحاج عن كتاب ابن المواز (١) والعتبية (٢) قال ابن القاسم: قال مالك ﵀: لا بأس أن يحج بثمن ولد الزنى.
стр. 167
الفصل الثالث: فيما يفعله عند إرادة الخروج إلى الحج من منزله
قال عز الدين بن جماعة في منسكه عن بعض العلماء: إِنه يُستحب أن يتصدق بشيء عند سفره وأن يصل رحمه بما أمكن (١).
قال النووي: وإِذا أراد الخروج من منزله صلى ركعتين، لما روي أن رسول الله ﷺ قال: "ما خلف أحدٌ عند أهْله أفْضل من ركْعتين يْركعُهُما عنْدهُمْ حين يُريدُ سفرًا" رواه الطبراني (٢).
стр. 168
وقال بعض الشافعية: إِنه يستحب أن يقرأ في الأولى بعد فاتحة الكتاب قل يا أيها الكافرون، وفي الثانية قل هو الله أحد (١).
وقال النووي: ويستحب أن يقرأ بعد سلامه آية الكرسي ولإِيلاف قريش لآثار فيها عن بعض السلف (٢).
ومن الآثار: أن من قرأ آية الكرسي قبل خروجه من منزله لم يصبه شيء يكرهه حتى يرجع (٣).
واستحب بعضهم أن يقرأ: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ (٤).
قال: فإِذا فرغ من هذه القراءة يستحب له أن يدعو بإِخلاص ونيه.
ومن أحسن ما يقول:
"اللَّهُمَّ بك أسْتَعِينُ وعليك أتَوَكَّلُ، اللَّهُمَّ ذلِّلْ لي صعوبةَ أمرِي وسهِّلْ
стр. 169
علَيَّ مشقَّةَ سَفَري، وارزُقْنِي من الخيْرِ أكْثَر ممَّا أطْلُب، واصرف عنّي كل شرّ، ربّ اشرح لي صدري ونوّر قلبي ويسّر لي أمري، اللهمّ إِنّي أستحفظك وأستودعك نفسي وديني وأهلي وأقاربي، وكل ما أنعمتَ به عليّ وعليهم من آخرة ودنيا، فاحفظنا أجمعين من كل سوء يا كريم" (١).
ويفتتح دعاءه ويختتمه بالتحميد لله تعالى. والصلاة على سيّدنا رسول الله ﷺ (٢).
ورُوي أيضًا عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إِذا أراد أن يخرج إِلى سفر قال:
"اللهمّ أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهمّ إِنِّي أعُوذ بك من الضيعَةِ في السَّفَر، والكآبةِ في المُنْقَلَب، اللهمّ اقبض لنا الأمرض وهوِّنْ علينا السفر" (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "مَنْ أراد سفَرًا
стр. 170
فليقل لمن يخلف: أستوْدِعُكُم الله الذِي لا يُضَيِّعُ وَدَائِعَه" (١). رواه ابن السِّنِّي.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: لم يرد رسول الله ﷺ سفرًا إِلا قال حين ينهض من جلوسه: "اللهمّ بك انتشرتُ، وإِليك توجَّهْتُ *، وبك اعتَصَمْتُ، أنت ثقتِي ورجائي، اللهمّ اكْفِنِي مَا أهَمَّنِي وَمَا لَا أهْتَمُّ به، ومَا أنْتَ أعْلَمُ بِهِ منِّي، اللهُمّ زَوَّدْنِي التقْوَى واغْفِرْ لِي ذَنْبِي، ووَجِّهْنِي إِلَى الخَيْرِ حيْثُما تَوَجَّهْتُ" (٢).
فإِذا خرج من منزله وودع أهله فليقل ما صح عن النبي ﷺ من ذلك (٣).
стр. 171
وهو ما روته أم سلمة (١) ﵂ أن النبي ﷺ كان إِذا خرج من بيته قال:
"بسم الله، توكلت على الله، اللهمّ إِنّا نعوذ بك من أن نزلّ أو نضلَّ، أو نَظلم أو نجهَل أو يُجهَل علينا" (٢). رواه الأربعة.
وما رواه أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إِذَا خَرجَ الرَّجُلُ منْ بيتِهِ فقال: بسم الله، توكَّلْتُ على الله، لَا حَوْلَ ولَا قُوَّةَ إِلَّا بالله،
стр. 172
قال: يقالُ حِينَئِذٍ: هُدِيتَ وكُفِيتَ ووُقِيتَ (١)، فَيَتَنَحَّى له الشيْطانُ، قال: فيقول له شيْطانٌ آخَر: كيف لكَ برجُلٍ قد هُدِيَ وكُفَي ووُقَي". رواه أبو داود (٢) والترمذي (٣) والنسائي وابن حبان وابن ماجه (٤).
وما رواه أبو هريرة ﵁ قالَ: كان رسول الله ﷺ إِذا خرج من منزله يقول: "بسم الله لَا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إِلَّا بالله العَليِّ العَظيمِ، التكْلَانُ عَلَى الله" (٥)، رواه الحاكم.
стр. 173
ثم يقصد أقاربه وأصدقاءه فيودعهم ويسْتَحِل منهم، ويسألهم الدعاء.
قال النووي: فقد روي أن الله تعالى جاعل له في دعائهم خيرًا.
стр. 174
تنبيه:
فإِن كان في مدينة النبي ﷺ فليجعل آخر عهده بالسلام على النبي ﷺ (١) والابتهال عنده والاستمداد فيما يقصده من خيري الدارين، وإن كان في غير المدينة وفي بلده من تُرجى بركتُه، فليقصده ويسأله الدعاء.
وينبغي لقرابة المسافر وأصدقائه أن يُشَيِّعُوه. وكذلك إِن كان المسافر رجلًا عالمًا أو من الصالحين أن يُشَيَّعَ عند خروجه بالمشي معه والدعاء له.
ويدل على مَشْرُوعية ذلك ذكرُ ثَنِيَّات الوداع.
قال العلماء - رحمهم الله تعالى -: هذا الموضع بالمدينة سُمِّي بذلك لأن الحاج من المدينة يُودِّع بها مشيّعه.
وقيل: سميت بذلك؛ لأن النبي ﷺ ودع فيها بعض المسلمين.
فائدة:
وثنيات الوداع: خارج المدينة النبوية في طريق الركب الشامي (٢) قريبًا من قبر النفس الزكية (٣)، وهي كذا على يمين الذاهب إِلى طريق الشام، وعلى
стр. 175
يسار الطريق متصل بجبل سَلْع (١) وهو موضع مشهور.
قال القاضي عياض في "المدارك" (٢) *: ولما انصرف عيسى بن دينار (٣) من عند ابن القاسم (٤) شيّعه ثلاثة فراسخ، وهي تسعة أميال.
стр. 176
فرع:
وصفة الموادعة على ما رواه الترمذي (١) والنسائي (٢) وابن خزيمة (٣) أن ابن عمر ﵄ كان يقول للرجل إِذا أراد سفرًا: ادن منِّي أودعك، كما كان رسول الله ﷺ يودعنا فيقول: "أسْتَوْدِعُ الله دِينَكَ وأمَانَتَكَ وخوَاتِيمَ عمَلِكَ".
وفي كتاب ابن السني عن ابن عمر ﵄ عنه ﷺ أنه ودع غلامًا فقال له: "زَوَّدَكَ الله التَّقْوَى (٤) وَوَجَّهَكَ فِي الخَيْرِ وَكَفَاكَ الهَمَّ".
ويستحب أن يقول (٥) للمسافر إِذا ولّى: "اللَّهمّ اطو له البَعِيدَ، وهَوِّنْ عليه السَّفرَ"، لحديث أبي هريرة ﵁ المروي في ذلك (٦).
стр. 177
فصل: فيما جاء في المصافحة والمعانقة وتقبيل الرأس واليد وغيرهما والسلام عند الانصراف
ولم أقف على مشروعية المصافحة عند الوداع بخلاف القدوم، والظاهر الجواز؛ لأن المصافحة جائزة بل مستحَبَّةٌ، كلما لقي الرجل أخاه، لقوله ﷺ : "تَصَافَحُوا يذْهَبِ الغِلُّ" (١) وكرهها مالك في حكاية أشهب (٢). حكاه ابن
стр. 178
شاس (١) وغيره.
قال (٢) ابن يونس (٣)، وسئل مالك عن المصافحة؟ فقال: إِن الناس ليفعلون ذلك، وأما أنا فلا أفعله (٤).
وروي عن مالك في المصافحة غير هذا، وأنه صافح سفيان بن عيينة (٥)
стр. 179
وقال: لولا أنها بدعة لعانقتك، فاحتج عليه سفيان بمعانقة رسول الله ﷺ لجعفر ﵁ (١)، حين قدم من أرض الحبشة، فقال مالك: ذلك خاص بجعفر، ورآه سفيان عامًا (٢).
وأجاز مالك في رسالته (٣) لهارون الرشيد (٤) أن يعانق قريبه، إِذا قدم من سفره (٥).
стр. 180
وقيل: إِن هذه الرسالة لم تثبت لمالك (١).
قال الشارمساحي (٢): وفي المصافحة عن مالك ثلاث روايات:
إِحداها: أنها مكروهة دون كراهة المعانقة، والأخرى: جوازها.
والثالثة: استحبابها، وهو مقتضى مذهبه في الموطإِ بإِدخاله حديث الأمر بها (٣).