← Фикх малики

Фикх малики · id 132974

إرشاد السالك إلى أفعال المناسك

ابن فرحون، برهان الدين

Полный текст (875 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

فرع: وأما حكم الرعاة في الرمي فقد رخص لهم أن ينصرفوا لرعي الإِبل، إِذا رموا جمرة العقبة، وأن يخرجوا عن منى في رعيهم، ويقيموا ليلتهم وغدهم، وهو اليوم الثاني، وليلة اليوم الثالث من أيام الرمي (١) ويأتون إِلى منى يوم النفر الأول فيرمون اليومين ثم يتعجلون إِن شاؤوا أو يقيمون (٢). فصل وأهل مكة في التعجيل حكمهم كأهل الآفاق، على الأصح. وروى ابن القاسم عن مالك: ليس ذلك لهم، إِلا أن يكون لهم عذر من تجارة أو مرض (٣).

стр. 457

فرع: وهل لمن تعجل من أهل الآفاق أن يبيتوا بمكة ويمضوا على تعجيلهم؟ المذهب أن لهم ذلك. وقال ابن الماجشون وابن حبيب: لا يصح لهم التعجيل إِلا بشرط أن لا يبيتوا في مكة، وذلك خاص بمن تعجل من أهل مكة، فمن بات من أهل الآفاق بمكة وجب عليه أن يرجع إِلى منى حتى يرمي مع الناس في اليوم الثالث. وعلى قولهما إِن لم يرجع لزمه الدم. فرع: ومن نوى أن يتعجل وغربت عليه الشمس، وهو بمنى، فليس له أن يتعجل فإِن تعجل لزمه الدم بترك المبيت والرمي. تنبيه: ويُستثنَى من ذلك من تعجل وطاف للوداع، وخرج مسافرًا، فكان ممره على منى، فغربت عليه الشمس، وهو بمنى، فليمض ولا دم عليه (١).

стр. 458

فرع: أما إِن أقام المتعجل بمكة حتى أمسى، فقال مالك: لا أرى عليه شيئًا. تنبيه: التعجيل لا يحتاج إِلى نية يحدثها في منى، فلو أفاض من منى إِلى مكة في اليوم الثاني من أيام الرمي، ثم بدا له أن يتعجل ويسافر من مكة قبل أن تغرب الشمس، فذلك له، فإِن غربت عليه الشمس بمكة قبل أن يبدو له فليرجع إِلى منى حتى يرمي من الغد، حكاه ابن رشد عن مالك. فرع: ويلزم الحاج المبيت بمنى ليالي منى ثلاث ليال والمتعجل (١) ليلتين. وقال ابن عبد الحكم عن مالك وابن حبيب عن ابن الماجشون: من أقام بمكة أكثر ليلة ثم أتى منى فبات فيها باقي ليله فلا شيء عليه إِلا أن يبيت ليلة كاملة فيلزمه الدم، ولو كان له عذر من مرض أو غيره لم يسقط عنه الدم حكاه الباجي (٢).

стр. 459

وما حكاه عن ابن عبد الحكم وابن حبيب خلاف ما في المدونة (١). والمشهور: لزوم الدم إِذا بات بغير منى جل ليلته. ومن بات وراء العقبة التي * عندها الجمرة ليلة أو جلها فليهد. رواه ابن المواز عن مالك (٢). والجل ما زاد على النصف. فصل قال مالك: لا ينبغي لإِمام الحاج أن يتعجل؛ وذلك لأنه يقتدى به، فيقتدي به في التعجيل من لم تكن له نية فيه، وإِقامة شعائر الحج مطلوبة وهو أولى من إِقامها. وأما تقديم الأثقال إِلى مكة فلا بأس به في حق كل أحد من الحجاج، كتقديم الأثقال إِلى عرفة قبل يومها.

стр. 460

فصل: في الرجوع من منى للسفر إلى بلده ويستحب لمن رجع من منى ممن لم يتعجل أن ينزل بأبطح مكة حيث المقبرة، وهو المحصب أيضًا، فيصلي فيه أربع صلوات: الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم يدخل مكة بعد العشاء للسنة (١). ووسع مالك لمن لا يقتدى به في تركه، وكان يفتي بالترك سرًّا (٢) لئلا يشتهر ذلك، فتترك السنة، وكان هذا شيء يفعل ثم ترك. قاله ابن الحاج. قال القرافي: وليس بنسك (٣). والجمهور (٤) على أن النزول به ليلة الرابع غير مستحب (٥)، واستحبه مالك لمن يُقتَدَى به.

стр. 461

فصل (١) فإِذا دخلت مكة وقد كنت طفت للإِفاضة وأنت تريد الرحيل فطف للوداع، وإن كنت تريد الإِقامة فأنت في الطواف بالخيار. فصل: في طواف الوداع ويسمى طواف الصَّدَر (٢). وطواف الوداع مندوب إِليه ولا دم في تركه، وهو آخر نسك يفعله الحاج (٣)، والنسك: العبادة. وحكمه أن يتصل بالخروج؛ لأن هذا حكم الوداع، ولو اشتغل بعده بشراء أو بيع أو شغل (٤) بجهاز السفر ساعة من نهاره فذلك مغتفر له، وإِنما

стр. 462

يعد فصلًا طويلًا إِذا أقام يومًا وليلة على ما في المدونة (١). وقال سند: وروي عن مالك أن من ودع وأقام إِلى الغد فهو في سعَةٍ. وقال ابن القاسم: إِن أقام يومًا أو بعض يوم أعاد (٢). وقال ابن الماجشون: إِن بات لتجديد كراء أو يعد مريضًا لم يُعِدْ. فرع: وإِذا طاف للوداع وخرج من المسجد لم يمش إِلى خلفه. فرع: ومن طاف للإِفاضة وخرج من فوره، أو أتى بالعمرة بعد الحج فطاف لها وسعى وحلق وأراد السفر، فالطواف في هاتين الصورتين بجزئ عن طواف الوداع إِذا خرج من فوره على ما تقدم.

стр. 463

فرع: قال الباجي: ويجزئ من الخروج في ذلك الخروج إِلى ذي (١) طوى أو إِلى الأبطح، فمن ودع وأقام بها يومًا وليلة لم يلزمه الرجوع؛ لأنه قد انفصل (٢). فرع: ومن نسي أو جهل فسافر ولم يطف، ثم ذكر أو علم بما جهل، فإِن كان قريبًا رجع، وإِن كان ممن تلحقه المشقة بالرجوع فلا شيء عليه. فرع: ومن خرج من مكة ليعتمر من نحو الجحفة ودع، وإن كان من نحو التنعيم أو الجعرانة لم يودع، وإِذا فرغ من عمرته * فإِن خرج بإِثر فراغه فلا وداع عليه، وإِن أقام بعد عمرته اليوم أو اليومين ودع، والمكي إِذا أراد سفرًا فعليه أن يودع. فرع: قال مالك: وطواف الوداع مستحب للنساء والصبيان والعبيد (٣).

стр. 464

تنبيه: إِذا طاف طواف الإِفاضة قبل يوم النفر، ونوى أن لا يعود إِلى مكة لأجل ما يلحقه من المشقة بمفارقة الجمال، إِذا كان ممن لا ينزل بمكة ولا بالقرب منها بل ينزل في التنعيم أو قريبًا منه (١)، ثم عاد إِلى منى فرمى الجمار ونفر من منى مع الكري وخشي فوات الرفقة إِن طاف للوداع، أو خشي على رحله، فالظاهر أن ذلك يجزئ على الخلاف في طواف الوداع: هل هو نسك يختم به أفعال الحج أو هو نسك مستقل لوداع البيت خاصة؟ وهو ظاهر كلام ابن القاسم أنه لوداع البيت. وكلام أشهب يدل على أنه نسك، يختم به أفعال الحج. انظر كلام التادلي في منسكه. فرع: ولطواف الوداع ركعتان، ومن نسيهما حتى تباعد أو بلغ بلده ركعهما ولا شيء عليه. وإِن كان بالقرب وهو على طهارته رجع فركعهما، وإِن انتقض وضوؤه ابتدأ الطواف وركعتيه. وإِن كان توديعه بعد العصر فله أن يركع الركعتين إِذا حلت النافلة في الحرم أو خارجًا عنه.

стр. 465

فرع: وإِذا حاضت المرأة بعد الإِفاضة تركت طواف الوداع (١). قال سند: فلو طهرت بالقرب رجعت كناسي الطواف (٢). ويستحب له إِذا فرغ من طواف الوداع أن يقف بالملتزم بين الركن والباب أو حيث أمكنه، فيحمد الله تعالى ويشكره على ما منّ به عليه وهداه إِليه، ويكثر من الدعاء فيما شاء من خيري الدنيا والآخرة، فإِنه موضعُ رغبة ومكان إِجابة. وليقل إِن شاء: اللهُمَّ إِنِّي عبدُكَ حملتني على ما سخَّرت بنعمتك حتى بلغتني بيتك الحرام، وقضيت عني المناسك، فإِن كنت يا ربّ قبلتَ مني ورضيت عني فازدد عني رضًا وإلا فأسألك أن ترضى عني الآن برحمتِك قبل مفارقة بيتك ومحل أمنك، اللهم قني شرَّ نفسي وشر كل ذي شر وكل ما ينقص أجري أو يحبط عملي، واجمع لي خيري الدنيا والآخرة، واطو لي بعد السفر، وأصلح لي الرفيق، وهوّن علي الطريق، وأقدمني سالمًا مع المسلمين يا أرحم الراحمين (٣).

стр. 466

ثم تصلي على النبي ﷺ وتنصرف. تنبيه: تقدم أنه إِذا أراد الخروج من المسجد للسعي قبّل الحجر الأسود ثم يخرج، ولم يذكروا أنه يقبل الحجر بعد طواف الوداع وقبل الخروج من المسجد، وهو حسن فتأمله. وإِذا أخذ في السفر فيستحب له التكبير على كل شرف. ففي الموطإِ: أن رسول الله ﷺ * كان إِذا قفل من حج أو غزو يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات، ثم يقول: لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون لربّنا حامدون، صدق الله وعده ونصر عبده (١) وهزم الأحزاب وحده (٢).

стр. 467

الباب الرابع: في التمتع [معنى التمتع] وهو مأخوذ من المتَاع (١)، ومعناه: أنه انتفع بسبب اعتماره في أشهر الحج، وذلك أنّه يحلُّ من العمرة ويفعل ما يفعله الحلال إِلى أن يحرم بالحج يوم التروية من مكة، ولا يحتاج إِلى أن يخرج إِلى أُفْقِهِ، فقد انتفع بسقوط السفر إِلى أُفْقِهِ والإِحرام من ميقاته. فهذه المدة التي تحلل فيها مع توفر سفر الحج، والإِحرام هو المتاع، ولا يقال: إِن التمتع هو سقوط سفره من الميقات، بل سقوط السفر من بلده. ولو قيل: إِن التمتُّع (٢) هو سقوط السفر من الميقات، لزم عليه أن مَن اعتمر في غير أشهر الحج، ثم أقام حتى حج، أنْ يُسمَّى مُتَمَتِّعًا لسقوط (٣) السفر عنه من ميقاته، وهذا لا يقوله أحد. وصفته: أن يعتمر في أشهر الحج، ثم يحل منها ثم يحج من عامه (٤).

стр. 468

ولوجوب الدم سبعة شروط (١). الأول: أن يجمع بين الحج والعمرة في سفر واحد قبل أن يرجع إِلى أفقه أو مِثْل أُفقِه في البُعْد. والأُفْقُ: البلد. فلو عاد ثم حج من عامه لم يكن متمتِّعًا، لأنه أنشأ لكل نُسك سفرًا. تنبيه: أطلق المؤلفون هذا الشرط وقيَّده أبو محمد بما إِذا كان يمكنه أن يصل إِلى أفقه ثم يعود من عامه، فلو كان أفقه بإِفريقية فرجع إِلى مصر ثم حج سقط عنه دم التمتع، لأنه لا يمكنه العود إِلى أُفْقِهِ (٢). أما لو رجع الآفاقي فأحرم بالحج من ميقاته، لم يسقطْ عنه الدم للتمتُّعِ (٣).

стр. 469

الثاني: أن يكون ذلك في عام واحد. فإِن قلت: فعله العمرة في أشهر الحج يُوجب أن يكونا في عام واحد؟ قلت: لا يوجد ذلك لاحتمال أن لا يحج في ذلك العام ويحج عن غيره، فيسقط عنه الدم في حجه عن غيره على المشهور. الثالث: أن يقدم العمرة على الحج، فلو اعتمر بعد فراغ الحج في أشهر الحج لم يكن متمتعًا (١). الرابع: أن يفعل العمرة أو شيئًا منها في أشهر الحج، ما خلا حلق الرأس في العمرة، فإِنه إِذا فعله وحده بعد هلال شوال فليس بمتمتع، ولا هدي عليه. الخامس: أنْ يحل من العمرة قبل الإِحرام بالحج؛ لأنه لوْ أحرم بالحج قبل تمام العمرة كان قارنًا لا متمتعًا.

стр. 470

السادس: أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام، وهو المكيُّ ومن في حكمه؛ لأن المكيَّ لا يربح ميقاتًا. وبيان ذلك: أن الآفاقي حقُّه أن يخرجَ إِلى أُفْقِه أو إِلى مثل أُفقه، فيحرم من ميقاته؛ فإِذا أحرم من مكة فقد ربح عدم الخروج فيلزمه الدم، وأما المكي * فحكمه أن يحرم من مكة ولا يلزمه الخروج، فهذا معنى قولهم: لأن المكي لا يربح ميقاتًا (١)، وكذلك من كان من أهل (٢) ذي طوى فليس عليهم هدي لتمتع ولا قِرَان. قاله مالك وابن القاسم وأشهب. وكذلك من ترك أهله بمكة من أهل الآفاق وخرج لغزو أو تجارة، فليس عليه هدي لتمتعه ولا لقرانه، إِذا رجع ونيته الإِقامة. وقيل: إِنما يسقط عن أهل مكة ومن في حكمهم دم التمتع خاصة، وأمَّا دمُ القِرَانِ فلا، وهو قولُ ابن الماجشون، وقاله محمد بن عبد الحكم.

стр. 471

تنبيه: واعلم أن المُرَاعَى في كونه من حاضري المسجد الحرام أنه يكون مستوطنًا (١) بمكة وقت العمرة، وإِن كان آفاقيًّا كما لو قدم آفاقي بعمرة في شهر رمضان وحل منها في شهر رمضان، ثم استوطن مكة ثم اعتمر في شوال، فحكمه حكم المكي في سقوط الدم. السابع: أن تكون العمرة والحجُّ عن نفسه، أو يكونا عمَّن استنابه. أمّا إِن كان أحدهما عن نفسه والآخر عن غيره فالمشهور سقوط الدم (٢)؛ لأن كل واحد منهما عن شخص معين يوجب أن يكون الآتي بهما كرجلين، فكما لا يلفق (٣) التمتع من فعل رجلين فكذلك لا يلفق (٣) من فعل واحد عن رجلين أو عنه وعن غيره، واعتبر في القول الآخر اتحاد الآتي بهما لا تعدد المفعول عنه. تنبيه: وهذا التشهير ذكره ابن الحاجب (٤) وتعقبه ابن راشد وقال (٥): هذان

стр. 472

القولان ذكرهما ابن شاس (١) ولم يشهر منهما واحدًا. والذي حكاه ابن يونس وابن أبي زيد في النوادر أنه متمتع (٢) فانظره. تنبيه: زاد الباجي شرطين آخرين. أحدهما: أن تكون العمرة صحيحة. والثاني: أن يكون مقصوده التمتع (٣). فكرهما في حصر المرض. فهذه تسعة شروط يتداخل منها الخامس مع الثالث؛ لأن الإِحلال من العمرة قبل الإِحرام بالحج يستلزم تقديم العمرة على الحج، وأهل المذهب كلهم يعدونهما شرطين متباينين وليس كذلك، قاله التادلي. تنبيه: وما ذكره الباجي من اشتراط كون العمرة صحيحة نص ابن يونس على خلافه.

стр. 473

ونصه: ومن اعتمر في أشهر الحج فأفسد عمرته بالوطء ثم حل منها ثم حج من عامه قبل قضاء عمرته فهو متمتع وعليه قضاء عمرته بعد أن يحل من حجه وحجه تَامٌّ. فرع: ويجب دم التمتع بإِحرام الحج بعد تمام عمرته في أشهر الحج، وأما إِحرامه بالعمرة فى أشهر الحج فلا يوجب عليه دمًا. ويجوز له تعيينُ هدي التمتع بالتَّقْلِيدِ والإِشْعَارِ. فرع: ولا يجوز نحرُ هديِ التمتع والقِرَان قبل يوم النحر. فرع: وإذا مات المتمتع قبل أن يرمي جمرة العقبة فلا هدي عليه على المشهور (١) *، وأما بعدها فقال ابن القاسم: الهدي من رأس ماله، وقال سحنون: لا يكون في رأس ماله ولا في ثلثه، إِلا أن تشاء الورثة ذلك من عندهم.

стр. 474

تم بعون الله تعالى الجزء الأول من كتاب إِرشاد السالك إِلى أفعال المناسك لابن فرحون ويليه الجزء الثاني، ومبدؤه الباب الخامس في صفة القرآن

стр. 475

إرشاد السالك إلى أفعال المناسك تأليف برهان الدين إبراهيم بن فرحون المدني المالكي (المتوفى سنة ٧٩٩ هـ - ١٣٩٧ م) دراسة وتحقيق الدكتور محمد بن الهادي أبو الأجفان أستاذ بكلية الشريعة قسم الدراسات العليا الشرعية جامعة أم القرى - مكة [الجزء الثاني]

стр. 476

الباب الخامس: في صفة القرآن [معنى القِران] وهو أن يَقْرنَ العمرةَ بالحجِّ معًا في إِحرامٍ واحد ينويهما (١) جميعًا، ويكون عملُه لهما واحدًا، ويقدم العمرة في نيته قبل الحج، والنية تكفيه وإِن لم يسمهما، وإِن سمَّاهُمَا قدَّم العمرة في اللفظ وقال: لبيك اللهم بعمرةٍ وحجةٍ. وعليه طوافٌ واحدٌ وسعيٌ واحد. وإِن أصاب صيدًا أو فعل ما يلزمه به الفدية فجزاءٌ واحدٌ وفديةٌ واحدة (٢): وله صفةٌ أخرى تُسمى الإِردَافَ، وهو أن يُدْخِل الحج على العمرة قبل طوافها، فتندرج العمرة في الحج، ومعنى اندراجها أنه يَستغني بطوافِ الحج وسعيِه وحلاقِه عن الطواف للعمرة والسعي والحلاق.

стр. 477

فرع: فإِن أردف الحج بعد أن طاف وقبل أن يركع ارتدف، على كراهية لذلك. وقيل: يرتدف ولو ركع، وقيل: يرتدف ما لم يتم السعي، وعلى هذا القول فيبطل السعي ويقطعه. وقال أشهب: إِذا شرع في الطواف وأكمل شوطًا لم يرتدف، ولا يكون قارنًا. فرع مرتب: وإِذا قلنا: يرتدف بعد الشروع في الطواف، فإِن كان قبل إِكمال الطواف لم يلزمْهُ إِتمامُه، وإِن كان بعده ركع؛ لأن الركوع من تمام الطواف، وإِن كان قد ركع لم يَسْع. فرع: قال ابن زرقون: ولا خلاف في إِباحةِ الإِفراد والتمتع والقِران، وإِنما اختلفوا في الأفضل من ذلك. وفي التهذيب: الإِفراد أفضل (١).

стр. 478

واختلف فيما بين التَّمتُّع والقِران (١) على أربعة أقوال: أحدها: القِران أفضل، وهو لمالك في المجموعة، لشبهه بالإِفراد. الثاني: التمتع أفضل: وهو من المعونة (٢) والتلقين (٣)، لاشتماله على العملين. الثالث: أنه يختلف باختلاف الأحوال. قال أشهب: القران أحب إِليّ، ومن قدم وبينه وبين الحج زمن طويل، يشق عليه فيه الإِحرام، ويخاف قلة الصبر، فالتمتع أحبّ إِلي. الرابع: لا يجوز تفضيل بعضها على بعض؛ لأنه ﷺ شرعها ولم يفضل بينها. يريد: الإِفراد والقِرَان والتمتع. فرع: قال اللخمي: من أردف الحج من الحِلِّ طاف للقدوم إِذا دخل مكة، وإِن كان أردفه بعد أن دخل الحرم لم يطف، وأخَّر ذلك حتى يقدم من عرفة؛ لأنها

стр. 479

حِلٌّ؛ وشبهه بالمكي الذي يحرم بالحج من مكة. فرع: ولا يرتدف حجٌّ على عمرة فاسدةٍ ولا يلزمه إِن فعل (١)، وقال عبد الملك: يرتدف الحجُّ على العمرة الفاسدة. وسيأتي بيانُه في حكم الوطء. فرع: ومن المدونة قال مالك: وإِذا أحرم مكي بعمرة من مكة، ثم أضاف إِليها حجة؛ لزماهُ وصارَ قارنًا (٢) ويخرج إِلى الحل فإِن الحرم ليس بميقات للعمرة، ولا دم عليه للقران، لأنه مكي. وقال ابن الماجشون: عليه دم القران.

стр. 480

فصل وشرط وجود دم القران (١): أن يحج من عامه؛ لأنه نقص طوافًا وسعيًا للعمرة، واندرجا له في الحج. تنبيه: هذا الشرط لا يحتاج إِليه إِذا تأملته، وقد نصَّ عليه المتأخرون، لأن مرادهم الاحترازُ عمَّن فاته الحجُّ، لأنه حينئذ يتحلَّل بعمرةٍ وبحج من العام الثاني، فيسقط عنه دمُ القران الذي لزمه في العام الأول، فإِن لم يتحلل فقد نقص طوافًا وسعيًا، كما ذكرناه، فيجبر بالدم، قاله ابن عبد السلام. وله شرط ثان: وهو أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام ولا من ذي طوى، فإِن الحاضر لا دم عليه، كما تقدم على المشهور (٢). وقال عبد الملك: يلزمهم (٣) الدم؛ لأن القِران أسقط عنهم أحد العملين. وللحاضر أن يفعل في القران، في الاكتفاء بطواف واحد وسعي واحد، مَا يفعلُه غيرُ الحاضر.

стр. 481

فرع: ولا يُشترط في وجوب دم القران الإِحرامُ به في أشهر الحج، كما يشترط في دم التمتع؛ بل لو أحرم به قبل أشهر الحج كان قارنًا؛ لأن موجبَ الدم إِسقاطُ أحدِ العملين، فمتى وُجدَ، وُجد الوجوب. فرع: لو أحرمَ بالحج، ثم أدخل العمرةَ عليه، لم ينعقد، وكان إِحرامه بها لغوًا؛ ولا يجب قضاؤها؛ لأن الأضعف لا يدخل على الأقوى، وكذلك لو أدخل حجًا على حج لم ينعقد الثاني؛ والله أعلم.

стр. 482

الباب السادس: في صفة العُمْرة المفردة [حكم العمرة] قال مالك ﵀: العُمْرَةُ سنَّةٌ، ولا نعلمُ أحدًا من المسلمين أرخص في تركها. يريد: أنها سنّةٌ مؤكّدةٌ (١) وليست بفرض كالحج (٢). وقال ابن حبيب وأبو بكر بن الجهم: هي فرض كالحج (٣).

стр. 483

وبه قال الشافعي (١) وجماعة من أهل المدينة. فمن أراد العمرة عمل في غسله وإِحرامه وتلبيته وغير ذلك من اجتناب ما يجتنبه المحرم بالحج، كما يعمل الحاج. فرع: قال ابن المواز: فإِن أحرم بالعمرة (٢) من الميقات قطع التلبية إِذا دخل أوائل

стр. 484

الحرم؛ لأن زمانَه قد طال في التلبية، وإِن أحرم بها من الجعرّانة قطع التلبية إِذا دخل بيوتَ مكة، وإِن أحرم بها من أدنى الحِلِّ، وهو التنعيم، قطعها إِذا رأى البيت أو دخل المسجد، وهو الذي ذكره ابن الجلاب (١). وساوى في المدونة وغيرها بين التنعيم والجِعِرَّانَة (٢). ثم لا يعاود التلبية بعد دخوله، ثم يطوف ويركع في غير الحجر والبيت، ويسعى كما يفعله الحاج، ثم يحلق (٣) * أو يقصر، وقد كملت عمرته بذلك (٤). فرع: قال ابن القاسم: قال مالك: ولا بأس أن يلبي الحاج بين الصفا (٥) والمروة،

стр. 485

وأما المعتمر فلا، سواء أحرم من ميقاته أو من التنعيم، ولا يلبي في الطواف ولا السعي. فرع: فمن كان معه هدي فمِنْ حُكْمِهِ (١) أنْ يسوقَهُ من الحل إِلى الحرم وينحره بمكة، وكل فجاج مكة وطرقها منحر لهذا الهدي، وأفْضَلُ ذلك المَرْوُة. ومن كان معه هدي أخر الحلاق والتقصير حتى ينحر هديه؛ ثم يحل له ما حرم عليه في الإِحرام. فرع: فإِن تطيَّبَ المعتمرُ أو لبس بعد السعي والنحر وقبل الحلاق، فلا شيء عليه ويكره له. مسألة: فإِنْ جَامَع بعد السعْيِ وقبْلَ الحِلاق، فعليه هديٌ وعمرتُه تامَّةٌ على المشهور. وروي عن مالك: أنها تفسد ويجب قضاؤها مع الهدي. وعلى هذا القول يكون الحلق ركنًا.

стр. 486

وإِن جامعَ قبل الركوع فسدت عمرته، ووجب عليه القضاء والهدي، وكذا قبل السعي؛ لأنه ركْنٌ كالطواف. فرع: [متى تكره العمرة] . لم يكن مالك ﵀ يكره العمرة في شيء من أيام السنة كلها إِلا لأهل مِنى الحُجَّاج، فكان يكره لهم (١) أن يعتمروا في يوم النحر وأيام التشريق، حتى تغيب الشمس من آخر أيام التشريق (٢)، وهو الرابع من يوم النحر، وهذه الكراهة للحاج على المنع (٣)، فإِن أحرموا في آخر أيام التشريق قبل أن تغرب الشمس بعد الرمي والإِفاضة لزمهم الإِحرام، وسواء في ذلك منْ تعَجَّل في يومين أو تأخر، قاله ابنُ المَوَّاز. ولا يعمل منْ عَمَلِ العمرة شيئًا حتى تغيبَ الشمسُ، وما عمل من ذلك فعمله باطل، وهو على إِحرامه. فإِن وطئ بعده (٤) أفسد عمرته، ووجب عليه قضاؤها بعد تمامها وأهدى. وقال ابن القاسم: إِن أحرم المتعجل بالعمرة لم ينعقد إِحرامه.

стр. 487

فرع: وقال ابن حبيب: تُكرهُ العمرة في شوال وذي القعدة وعشر من (١) ذي الحجة لمن أراد أن يقيم بمكة حتى يحج من فوره ذلك، وقد نهى عنه عمر بن الخطاب ﵁، وذكر الأثر في ذلك في مختصر الواضحة. فرع: وأما غيرُ الحاج فلا تكره له العمرة في أيَّامِ مِنى، وإِن كان يحل منها قبل انقضاء أيام التشريق في أي بلد كان. وهل له أن يعتمر يوم النحر؟ فحكى القاضي أبو محمد على قواعد المذهب أنه ليس له ذلك؛ لأن يومَ النحرِ يوم الحج الأكبر، ويحتمل أن يكون حكم يوم النحر في ذلك حكم أيام التشريق. فرع: قال مالك: لا أرى لأحدٍ أن يعتمرَ في السنةِ مرارًا (٢) وقد تقدم ذلك (٣). وأجاز ذلك مطرف وابن المواز (٤).

стр. 488

فرع: وليس على المعتمر طوافُ قدوم، وإنما عليه طواف العمرة، وكذا من أحرم بالحج من مكة مفردًا كان أو قارنًا. فرع: [أفضل شهور السنة للعمرة] قال ابن حبيب: أفضل شهور السنة للعمرة رجب * ورمضان، وقد جاء أنه ﷺ قال: "عُمْرَةٌ في رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً" وقد تقدم ذلك في فضل العمرة (١). واعتمر ﷺ أربع عمر (٢) إِحداهن في رجب (٣)، نقله ابن الحاج. وكوْنُ

стр. 489

إِحداهن في رجب شاذ (١). فرع: [حيض المعتمرة]: فإِذا حاضت المعتمرةُ قبلَ أن تطوف وتسعى وقد قاربها وقت الحج وتخاف فواته فإِنها تُحْرِم بالحج وتكون كمن قرن الحج والعمرة، وعليها طواف واحد وسعي واحد وهدي.

стр. 490

قال مالك: عليها أن تعتمر عمرة واحدة أخرى إِذا حلت أحب إِلي كما فعلت عائشة (١) ﵂، وإن اقتصرت على قرانها أجزأها عن حجها وعمرتها (٢). وإِن حاضت بعد أن طافت وصلَّتْ الركعتين فإِنها تسعى وتتم عمرتها، ولو قدمِتْ هذه المعتمرةُ مكة ثم حاضت، والوقتُ واسعٌ لا تخشَى الفوات فإِنها تنتظر حتى تطهر وتطوف وتسعى، وتحلّ من عمرها. فإِن طافت وسَعَتْ في أشهر الحج، ثم أحرمت بالحج من عامها (٣) كانت متمتعة، وعليها الهدي للعمرة تنحره بمنى.

стр. 491

الباب السابع: في حج الصبي والمرأة والعبد والكافر يسلم [حج الولي بالصبي] وللولي أن يحج بالصبيِّ (١)، ويلبي الطفل الذي يتكلم، والطفل الذي لا يتكلم لا يلبِّي عنه. وكيفية إِحرامه: أن يَنويَ الوليُّ إِدخالَ الصبيِّ في الإِحرام، ولا يلزمُهُ أن ينويَ إِدخالَه عند الميقات، بل له أن يؤخر إِحرامه حتى يدنُوَ من الحرم، وإِذا

стр. 492

نوى إِدخالَه في الإِحرام جرَّدَهُ من المخيط، فينعقد إِحرامه بذلك (١) الفعل. فرع: وفي الموازية: لا يحج بالرضيع. وهو محمول على الكراهة. قال ابن الجلاب: والرضيع ونحوه (٢) لا يجرد للإِحرام، ويجرد غيره من المتحركين (٣). فرع: ويطوف الولي (٤) بالطفل ويسعى به محمولًا، إِن لم يقو على السعي، ويرمي عنه إِن لم يحسن، ويُحضره المشاعِرَ بعرفةَ والمزدلفةَ والمشعرِ الحرام (٥) ومِنى، ولا يركع عنه ركعتيْ الطواف على المشهور (٦)، لقوله ﷺ : "لا يركع أحد عن أحد" (٧).

стр. 493

ونقل ابن عبد الحكم: أنه يركع عنه؛ لأنه ينوب عنه في النية وهي كالصلاة، لا ينوب فيها أحد عن أحد (١). وأما من عقل الصلاة فيأمره وليه بالركوع. فرع: وإِذا كان الوليُّ مأمورًا بتجريد الطفل، فلا بأس أن يُبْقيَ عليه الخلاخيل الفضةَ ونحوها (٢). فرع: وأما الصبيُّ المميزُ والعبدُ فيحرمان عن أنفسهما، ويفعلان ما يفعله الكبير، إِذا أحرما بإِذن الولي والسيد (٣).

стр. 494

فرع: وإِذا لم تَدْعُ ضرورةٌ إِلى الحجِّ بالمولى عليه من يتيم ونحوه فزيادة نفقة السفر تلزم الولي، إِلا أن يخاف عليه (١) * ضيعةً في غيبته، ولا يجد من يكفله، فالنفقة كلها في مال الصبي (٢). فرع: وما لزم الصبي من الفدية وجزاء الصيد فعلى وليه؛ لأنه المتسبب في لزوم ذلك له (٣). وقيل: هو في مالِ الصَّبِيِّ؛ لأنه المباشر، والمباشرُ مقدم في الضمان على المتسبب، فأشبه الجناية.

стр. 495

وقيل: حكمها حكم زيادة النفقة، فيفرق بين خروجه مختارًا أو خشية الضيعة. فرع: ولا يطوف بالصبي إِلا من طاف عن نفسه (١) وجائز أن يسعى به من لم يَسْعَ لنفسه. ومن سعى بصبيٍّ ينوي السعيَ عن نفسه وعن الصبي أجزأهما عند مالك، وذلك إِذا طاف بالصبي غيره، حتى لا يفصل الذي يسعى به بين طوافه وسعيه بطواف الصبي (٢) ذكره في الطرر لأبي إِبراهيم الأعرج. ولو فعل ذلك به في الطواف أعاد الطائف عن نفسه استحبابًا، وقيل: إِيجابًا. وأما الصبي فقيل: يجزيه، وقيل: يعيد عنه استحبابا، وقيل: إِيجابًا وقيل: يجزئ عنهما. فرع: وإِذا طاف به غير محمول رمل به الأشواط الثلاثة في بطن المَسيل. وإِن
следующие страницы →