فرع:
وفي تقلد السيف لغير ضرورة، قيل: تجب الفدية، وقيل: لا.
وكذا لو تقلده لضرورة جرى فيه القولان، والقول بالفدية في الجلاب (١).
فرع:
لا يشد المحرم مئزرًا على مئزره؛ لأن الأسفل يشتد ويستمسك بالأعلى، فهو كربط الهميان فوقه، فإِن فعل فعليه الفدية، وله أن يبسط أحدهما على الآخر، ويشد وسطه بهما جميعًا، فيكونان بمنزلة مئزر واحد، وله أن يرتدي برداء فوق رداء لانتفاء العقد والربط فيهما.
فرع:
وفي لبس السراويل الفدية، وإِن لم يجد إِزارًا.
فرع:
قال ابن حبيب في المريض يضطر لأجل مرضه إِلى لبس القميص والسراويل والخف والقلنسوة (٢) والعمامة وتغطية المحمل ومن الشمس
стр. 527
والتداوي بدواء فيه طيب، فتداوى بدواء بعد دواء، ولبس لبسًا فوق لبس (١)، وتعمم عمامة بعد عمامة ولبس خفًا مرة بعد مرة وستر (١) المحمل يومًا بعد يوْمٍ: أنه إِذا فعل ما فعل من ذلك أو لا مُجْمعًا على ما فعل منه آخرًا لأجل علته ومرضه، فليس عليه فيه أجمع، وإِن اختلفت أصنافه وأوقاته، إِلا فدية واحدة؛ وإِن انفردت النية في شيء منه دون شيء، ثم حدثت النية في فعله فعليه لكل واحد من ذلك فدية، وإِن كانت العلة واحدة إِلا ما كان من ذلك بعضه من بعض مثل: القميص يلبسه ثم يلبس الفروة والجبة والسراويل من بعد ذلك فليس عليه في هذا أجمع، وإِن لبسه (٢) شيئًا بعد شيء، إِلا فدية واحدة إِذا كانت العلة واحدة؛ لأن القميص يأتي على الفروة والجبة والسراويل ويستر الجميع، ولو اضطر أولًا إِلى لبس السراويل فلبسه وحده ثم احتاج بعد ذلك في تلك العلة إِلى لبس القميص فلبسه كانت عليه فديتان؛ لأن القميص يستر ما لا يستره السراويل وكذلك إِذا اضطر ولبس القلنسوة ثم احتاج في علته تلك إِلى العمة ثم احتاج إِلى تغطية المحمل، فليس عليه في هذا كله، وإِن لم تجمعه نية واحدة، إِلا فدية واحدة؛ لأن بعضه من بعض، قال: ومن اضطر لعلة فلبس قميصًا، ثم صحَّ من علته تلك، ثم اعتل علة أخرى، فلبس قميصًا آخر، فإِنَّ عليه في كل لبسة فدية، وإنما الذي وصفنا
стр. 528
قبل هذا في علة واحدة إِذا افترقت فيه النية أو اجتمعت (١).
قال: هكذا سمعت ابن الماجشون يقول في هذا كله.
فرع:
قال ابن الماجشون: وإِذا لبس المحرم ما لا يلبسه * المحرم من غير علة ثم اعتل فمضى على لبسه ذلك لعلته ثم صحَّ ومضى عليه لم يكن عليه إِلا فدية واحدة؛ لأنه فعلٌ واحدٌ متصلٌ.
قال: ولو لبسه أولًا وهو مريض فدام عليه صح فلم ينزعه، كان عليه فديتان: فدية للبسه حين اضطر إِليه أولًا وفدية في دوامه عليه بعد صحته، وليس عليه في دوامه في مرضه الثاني فدية، وكأنه مرضٌ متصلٌ بالمرض الأول.
فرع:
قال ابن رشد: سئل مالك عن المحرم يتخذ الخِرقة لفرجهِ فيجعلها فيه عند منامه؟ قال: لا بأس بذلك، وليس هذا يشبه الذي يلف خرقة على فرجه للبول والمذي، ذلك يفتدي (٢).
وقيل: لا فدية عليه، وإِنما أوجب الفدية في ذلك لأنه يزيل الشعث عن الجسد بثبوته عليه قياسًا على المخيط؛ والقول بنفيها لأن تلك الخرقة لا تدخل في معنى النهي عن لباس المخيط.
стр. 529
قال ابن رشد: ولو اتخذ خرقة لفرجه فجعلها على فرجه (١) ولم يلفها عليه لم يكن عليه فدية.
فرع:
قال ابن الحاج: ومن عصب على بطنه أو رأسه من وجع يجده، فعليه فديةٌ، وإِذا عصب على الجراح (٢) افتدى.
ولم يفرق في المدونة في التعصيب أو الربط بين خرق صغار أو كبار (٣) وجعل في المدونة قدر الدرهم كثيرًا.
فرع:
ومن جعل قطنة في أذنيه لوجع يجده فيهما فعليه فدية، كان في القطنة طيبٌ أوْ لا، لأنَّ ذلك موضعُ الإِحرام الذي لا يجوز للمحرم ستره.
فرع:
وفي العتبية: إِذا كان في أصبعه قطع سكين فإِن كان يسيرًا، وجعل عليه
стр. 530
حناء، وربطه بخرقة، فلا شيء عليه؛ وإن كان كثيرًا افتدى (١).
فرع:
ولو جعل قرطاسًا على صُدغيه لعلَّةٍ افتدى؛ لأنه يستر (٢) ما أُمِر بكشفه (٣).
فرع:
وفي الخاتم قولان: بلزوم الفدية، وهو المشهور (٤)؛ لأنه محيط، وبعدمها لأنه يسير.
فرع:
قال ابن الحاج: وإِذا وضع على الدمل رقعة قدر الدرهم فهو كثير ويفتدي.
стр. 531
فصل
ولا يجوز للمحرم لبس الخفين والقفازين والشمشكين (١) فإِن عدم النعلين أو وجدهما غاليين قطع الخفين من أسفل الكعبين.
وإِذا لم يجد المحرم النعلين ووجد الخفين فقطعهما أسفل من الكعبين (٢)، فروى ابن القاسم: أنهُ لا شْيء عليه.
وذكر ابن حبيب أنه سمع ابنَ الماجشون يقول: إِن عليه الفدية؛ لأن النعال قد كثرت اليوم، وإِنما كانت الرخصة فيما مضى لقلتها.
وفي كلام سند، من كتاب الحج من الطراز، ما يقتضي أنَّ على المحرم أن يعد النعلين إِذا علم أنهما لا يوجدان في الميقات، وكان واجدًا لثمنهما (٣).
فرع:
فإِن وجد نعلين واحتاج إِلى لبس الخفين لضرورة بقدميه، وقطعهما من أسفل الكعبين *، لزمته الفدية؛ رواه ابن القاسم عن مالك.
стр. 532
فرع:
روي عن مالك أنه كره لبس الجرموقين.
تنبيه:
انظر قوله: كره لبس الجرموقين، وقد قالوا (١) في باب المسح على الخفين: الجرموقان: هما الخفان الغليظان اللذان ليس لهما ساقان.
وفسره ابن الحاجب بتفسير آخر، فقال: وهما جروب مجلد (٢).
وكلامه يدل على أنه يستر الكعبين وعلى هذا فالكراهة ليست على ظاهرها.
والشمسك: هو المسمى بالقرق من لباس أهل البادية في بلاد المغرب، وهو يُعملُ من الجلود ويشدونها بالسيور.
والقفازان: شيء يعمل من جلد أو غيره، تستر به اليد.
فصل
ولا يلبس المحرم ثوبًا مزعفرًا ولا مورسًا (٣) كان فيه رائحة منهما أو لم
стр. 533
تكن، فإِن فعل افتدى، وإِن لم يجد غيره فيغسله فإِن خرج صبغُه أحرم فيه، وإِلا صبغه بمشق أو مدر حتى يتغير لونه.
والمشق: المغرة، وهو طين أحمر يصبغ به.
فرع:
فإِن لبس المحرم ثوبًا مصبوغًا بزعفران أو ورس فنزعه مكانه فلا فدية عليه (١)، وإِلا فعليه الفدية عامدًا أو جاهلًا أو ناسيًا.
وسئل مالك عن الرجل يحرم في الثوب فيه اللمعة من الزعفران؟ فقال: أرجو أن يكون خفيفًا.
فرع:
وليس على المحرم شُعوثةُ اللباس، بل له تجديدُ الملبوسِ فيغيرهما، أعني: المئزر والرداء، بغيرهما ويبالغ في تنظيفهما إِذا أمن قتل الدواب (٢).
стр. 534
فرع:
ولا يجوز للمحرم لبس الثوب المعصفر المفدم (١) المشبع (٢) الصبغ (٣).
وكره مالك للرجال أن يحرموا فيما انتفض صبغُه أو لم ينتفض، وهذا هو المشهور (٤).
وروى أشهب عن مالك سقوط الفدية عن الرجل إِذا لبس المصبوغ المفدم.
قال اللخمي: ولم يره من الطيب المؤنث، قاله غير واحد، وهو على هذه الرواية مكروه، وأجازه للنساء ما لم ينتفض صبغه. حكاه عنه ابن حبيب.
وروى عنه ابن القاسم في المدونة كراهية المفدم المعصفر للرجال والنساء أن يحرموا فيه؛ لأنه ينتفض (٥). وكره أيضًا للرجال في غير الإِحرام.
ولا بأس بلبس الثياب السود والكحليات والدكن والخضر ولم يكن يرى بالمورّد من المعصفر ولا بالمشق (٦) بأسًا أن يحرم فيه الرجال.
стр. 535
ويكره للإِمام ومن يقتدي به أن يلبس ممشقًا.
وأما المرأة فتلبس القميص والدرع والخمار والسراويلات والعمامة والخفين، وهي في ذلك بخلاف الرجل (١) ولا بأس لها أن تلبس الحرير والخز والحلي.
وإِذا غطتْ وجهها فعليها الفديةُ إِلا أن تسدل رداءها من فوق رأسها، تريد بذلك ستره، وإِلا فلا ترفعه تحت ذقنها وتضعه على رأسها ولا تشده على رأسها, ولا تغرزه بإِبرة وما أشبهها.
ويكره للنساء الحرائر والجواري لبس القَبَاءِ (٢) في الإِحرام وغيره *؛ لأنه يصفهن، وكراهية لبسه للحرائر أشد (٣).
ويكره للمحرمة لبس القفازين (٤) فإِن فعلت فعليها الفدية على
стр. 536
المشهور (١)، وكذلك لا تُبرقع، فإِن تَبَرقَعَتْ فعليها الفديةُ (٢).
وأجمع العلماء على أن للمرأة أن تستظل في حال إِحرامها، سائرة كانت أو راكبة، وأنها بخلاف الرجل في ذلك.
القسم الثاني: التطيب (٣).
والموجب للفدية التطيب بالطيب المؤنث ومس الزعفران والوَرْس والمسك والكافور ونحوه عمدًا أو سهوًا أو اضطرارًا أو جهلًا قليلًا كان أو كثيرًا.
والمؤنث من الطيب: ما يظهر ريحه وأثره، والذكر: ما يظهر ريحه وليس له أثر يلتصق بالبدن كالرياحين، وأما ماء الورد ففيه الفدية؛ لأن أثره يبقى في البدن.
стр. 537
فالمؤنث يجب أن يجتنب استعماله أو لمسه أو شمه، وإِن لم يلمسه (١)، ولمس الطيب كله أشد على المحرم من شمه، وشربه أشد من مسه (٢).
فمن مس الطيب الطيب وهو محرم، لصق بيده أو لم يلصق، أو شرب شيئًا فيه طيب فعليه الفدية.
وإِنما يجتنب المحرم (٣) لمس الطيب واستعماله أو الطعام الذي يكون فيه وأكله وشربه، ما لم تمسه النار، فلو طبخته النار حتى ذهب ريحه زعفرانًا كان أو غيره فصار لا يتعلق باليد عند مسه ولا بالشفة عند أكله، مثل الخشكنان (٤) الأصفر والخبيص (٥) وما أشبهه، فلا بأس بأكله؛ لأنه بالطبخ خرج عن أن يكون طيبًا، وصار في حكم المأكولات (٦).
стр. 538
وأما الفالوذج (١) ونحوه فلا يأكله، لما فيه من الزعفران؛ لأنه (٢) ربما صبغ اليد والشفة (٣)؛ فإِن فعل افتدى.
وفي الفدية في كل ما خلط بالطيب من غير طبخ روايتان. قال ابن الحاجب: وفي مس الطيب ولم يعلق أو إِزالته سريعًا قولان (٤). ولو بطلت رائحة الطيب لم يبح.
ولا بأس بشرب التِّريَاقِ (٥) فيه قليل من الزعفران.
فرع:
ولا يتطيب المحرم قبل الإِحرام بما تبقى رائحته بعده.
فرع:
فلو طيب محرم محرمًا نائمًا، فاختلف فيما يلزمه؟
стр. 539
فقال ابن القاسم: عليه فديتان: واحدة عن نفسه في لمسه الطيب، وواحدة عن النائم.
وقال ابن أبي زيد: فدية واحدة (١)، والأول أصح.
ولا يصحب المحرمُ أعدالًا فيها طيب يجد رائحته.
ولا يتطيب بعد رمي جمرة العقبة وقبل الإِفاضة، فإِن فعل فلا فدية عليه (٢).
القسم الثالث: الترفه بإِزالة الشعث بالدهن والتزين بالكحل والخضاب.
ولا يدهن المحرم بشيء من الدهن، لا رأسه ولا جلده (٣).
стр. 540
ويحرم على المحرم ترجيل الرأس واللحية بالدهن بعد الإِحرام لا قبله، بخلاف أكله، والأصلع وغيره سواء، فإِن دهن باطن يديه أو أسفل رجليه لعلة بغير طيب فلا فدية، وإِن كان في الدهن طيب فعليه الفدية ولو كان به علة *.
وأما ما كان على ظهر الكف أو ظهر القدم والساق أو الذراع أو على شيء من بدنه فعليه فيه الفدية (١)، وإِن كانت به علة, لأنه وإِن كان مما يجوز له أكله، فهو مما يحسّن جسده.
قال ابن الحاجب: ولا بأس إِذا اشتكى أذنيه أن يقطر فيهما من البان (٢) غير الطيب أو الزيت، وكذلك لو استَعَطَ (٣) بهما أو بالسمن؛ لأن هذا باطن فهو بمنزلة أكله.
فرع:
ولا يكتحل المحرم بالإِثمد (٤) كان فيه طيب أو لم يكن، والمرأة في ذلك بمنزلة الرجل، فإِن اضطر إِلى الكحل بالإِثمد لحر أو غيره فلا فدية عليه، إِلا
стр. 541
أن يكون فيه طيب فيفتدي على الأشهر، وإِن اكتحل به للزينة (١) فعليه الفدية، كان فيه طيب أو لم يكن.
قال ابن الحاج: وروي عن مالك في المرأة، لا تكتحل بالإِثمد إِلا من ضرورة، وعليها الفدية وإِن لم يكن فيه طيب.
قال ابن عبد السلام: وإِذا لم يكن الكحل مطيبًا واستعمل للضرورة فلا خلاف في سقوط الفدية حينئذ، وهذا خلاف الرواية التي حكاها ابن الحاج.
وإِن اكتحل المحرم بسائر الأكحال من العقاقير كالصبر (٢) والمر وغير ذلك لضرورة فلا شيء عليه، إِلا أن يكون فيه طيب فيكون عليه الفدية (٣)، وكذلك إِذا اكتحل بها للزينة من غير ضرورة.
وقال عبد الملك: ليس على الرجل في الكحل فدية، وإِن اكتحل لغير ضرورة.
فرع:
والحناء عند مالك، رحمه الله تعالى، من الطيب فلا يخضب المحرم رأسه
стр. 542
بالحناء ولا بالوسمة (١) فلو فعل فعليه الفدية، وكذلك المحرمة إِذا خضبت رأسها أو يديها أو رجليها وإِن طَرَّفت أصابعها بالحناء (٢) فعليها الفدية (٣). أما لو خضب الرجل أصبعه من جر برقعة صغيرة فلا فدية، وإِن كانت كبيرة فعليه الفدية (٤).
والقسم الرابع: الترفه بالحلق والتقليم وإِلقاء الدرن، وإِزالة الشعث (٥) وإِلقاء التفث (٦).
ويحرم حلق الرأس وتقصيره في أيام الإِحرام، فإِن فعل افتدى (٧).
стр. 543
وإِن حلق محرم رأس حلال، فقال مالك: يفتدي، وقال ابن القاسم عليه حفنة لمكان الدواب.
وإِن حلق رأس محرم بإِذنه فالفدية على المفعول به، وإِن أكرهه على ذلك أو حلق رأسه في نومه فالفدية على الفاعل به.
ولا يبين المحرم شيئًا من شعره مطلقًا (١).
فرع:
والحجامة حرامٌ إِذا لم تدع إِليها ضرورة وحلق بسببها شعرًا، ومكروهةٌ إِذا لم يحلق لها شعرًا.
وقال ابن الجلاب: لا بأس أن يحتجم إِذا لم يحلق موضع محاجمه، ولا بأس أن يفتصد [ويبط] جرحه (٢) ويفقأ دمله ويقلع ضرسه ويكتوى.
وإِذا حلق موضع المحاجم وجبت * عليه الفدية، دعت إِليها ضرورةٌ أو كان مختارًا، وفيها خلاف، قيل: مكروهة. وقيل: تجوز من غير كراهة. انظر جامع المنتقى للباجي (٣).
стр. 544
أما تساقط الشعر بالتخليل في الوضوء والغسل أو بحلق الركاب أو السرح للشعر. أو بإِدخال الإِصبع في الأنف، فلا فدية فيه (١).
ولا يغمس رأسه بالماء خيفة قتل الدواب.
وجائز أن يبدل ثوبه، وإِن كان فيه تعريض لقتل القمل؛ لأنه قد يضطر إِلى ذلك وليس قصده قتل القمل، كما إِذا أبدله بأنظف منه أو أكثف أو أرق. للحاجة إِلى ذلك.
وأما غسل ثوبه فإِنه مكروه لغير ضرورة.
وفي كتاب ابن المواز: جواز غسله لأجل الوسخ (٢).
стр. 545
ولا بأس إِذا آذاه القمل في إِزاره أن يضعه ويلبس غيره.
واختلف ابن القاسم وسحنون في بيعه (١).
فقال سحنون: في بيعه تعريض لقتل القمل.
وقال ابن القاسم ببيعه.
فإِن اضطر لغسله لجنابة أو نجاسة، فيغسله بالماء وحده (٢)، ولا يجوز له أن يغسله بالحرض (٣) أو الصابون خيفة قتل الدواب.
ولا يجوز له أن يغسل ثوب غيره من محل أو محرم خيفة قتل الدواب، ولأنه لا ضرورة تدعو إِلى ذلك، كثياب نفسه، وتجب عليه الفدية إِذا فعل ما يترفه به ويزيل به أذى، كحلق العانة ونتف الإِبط أو حلقهما بالنورة، وقص الشارب، أو نتف شعر، أو نتف من عينيه أو حواجبه ما أماط به عنه أذى افتدى (٤).
стр. 546
وكذا (١) لو حلق عن شجة في رأسه افتدى، أما لو نتف شعره أو شعرات أو قتل قملة أو قملات أو طرحها أو قتل جرادة أطعم حفنة بيد واحدة، ولو سقط شيء من شعر رأسه يحمل متاعه فلا شيء عليه، وكذا إِن جر (٢) يده على لحيته فسقط منها شعرة أو شعرات (٣).
قال ابن القاسم: ولو اغتسل فتساقط من ذلك شعر كثير فلا شيء عليه، وإِن كان متبردًا، وإِن قتل بذلك قملًا من رأسه فلا شيء عليه في الجنابة، وعليه الفدية في التبرد (٤).
قال أصبغ: وهذا إِذا تناثر من الدواب شيء له بال، وأما مثل الواحدة فليطعم تمرات أو قبضات سويق أو كسيرات، ولو طرح برغوثًا أو قرادًا فلا شيء عليه، لأنها مما يعيش في الأرض بخلاف القملة.
وحكى بعضهم قولًا آخر لمالك - رحمه الله تعالى - في البرغوث مثل القملة.
أما إِن تعلق القراد وشبهه ببدن الإِنسان فلا خلاف أن له طرحه، وظاهر كلامهم أنه لا يقتله.
стр. 547
وقال مالك في محرم لدغته ذرة فقتلها، وهو لا يشعر: أرى أن يطعم شيئًا:
ولا يقتل المحرم من دواب الأرض إِلا ما يخافه على نفسه، وله أن ينقل دواب بدنِه من مكانٍ إِلى مكان هو أخفى منه، وإِذا أقْردَ بعيرُهُ أطعم (١)، ولو رمى عن بعيره العلق وما أشبهه مما يخلق في غير بدن الحيوان وهو مضرة على الحيوان فلا شيء عليه *.
قال مالك ﵀ في رواية ابن أبي أويس (٢): يحك المحرم رأسه حكًّا رفيقًا لا يقتل به شيئًا من الدواب.
قال ابن عبد السلام: يريد ولا ينتف شعرًا.
стр. 548
قال ابن الجلاب: ولا يشتد في حك ما خفي من جسده، ولا بأس بذلك فيما يرى من جسده (١).
وإِنما منع من ذلك فيما خفي من جسده خيفة قتل الدواب.
فرع:
ولم يجز مالك فيما دون إِماطة الأذى أكثر من حفنة.
مسألة:
ولو قلم ظفرًا واحدًا لإِماطة الأذى افتدى (٢) وإِن لم يكن لإِماطة الأذى فحفنة، أما لو انكسر ظفره فقلمه فلا شيء عليه (٣).
وقال ابن الحاج: وقيل ليس في الظفر الواحد إِلا أن يطعم شيئًا من طعام، وقيل: مسكينًا واحدًا، ولو فعل الحلال بالحرام ما يوجب الفدية بإِذنه فعلى المحرم الفدية، وإِن كان مكرهًا أو نائمًا فعلى الحلال.
قال ابن عبد السلام: وفي معناه عندي أن لا يأمره المحرم، ويفتدي ذلك الحلال من نفسه فيتركه المحرم اختيارًا وهو قادر على منعه، وفعل الحلال بالحرام أعم من الحلاق والطيب ونحوهما.
стр. 549
ولَوْ قلم المحرم أظفارًا لحلال أو قص شاربه فلا شيء عليه.
ولو حجم محرم محرمًا فحلق موضع المحاجم فالفدية على المحجوم، وعلى الحالق حفنة لمكان الدواب فإِن أيقن أن لا دواب فلا شيء عليه.
ولا يدخل المحرمُ الحمَّام قاصدًا لانتقاءِ درنه، فإِن فعل وأنقى الوسخَ افتدى (١).
وفي الفدية في مجرد دخول الحمام، وإِن لم يتدلك، قولان (٢).
وألحق بعضهم بالتدلك صب الماء فيه بعد العرق، وأطلق بعضهم الجواز على دخوله لأجل التدفي.
قال ابن عبد السلام: والأقرب أن دخول الحمام مظنة إِزالة الوسخ التي هي موجب الفدية.
قال ابن الحاجب: وفي إِزالة الوسخ الفدية، وذلك أعم من إِزالته في الحمام وغيره (٣).
стр. 550
قال ابن عبد السلام: ولا أعلم في ذلك خلافًا في المذهب.
ولا بأس أن ينقي ما تحت أظفاره من الوسخ ولا فدية عليه، رواه ابن نافع عن مالك.
وقال ابن القاسم مثله.
ولا يغسل رأسه إِلا لغسل جنابة فيغسله بالماء وحده ولا يغسله بما ينقي الرأس كالخمطِّي والسدر وشبههما، فإِن فعل فعليه الفدية (١).
ولا يفلي المحرم رأسه ولا ثوبه، فإِن جهل وفلى رأسه أو ثوبه حتى انتفع بذلك، أو نشر ثوبه في الشمس، فعليه الفدية.
وإِن أمر المحرم غلامه ففلى ثوبه فإِن كان الغلام محرمًا فعليه فديتان, لأنه أكرهه بعزيمة الأمر، وإِن كان المأمور أجنبيًّا فإِن كان محرمًا فعلى كل واحد منهما فدية، وإِن كان حلالًا فلا شيء على المأمور، وإِن عمل في رأسه زيبقًا بعد الإِحرام * أو عند إِرادته الإِحرام افتدى؛ لأنه يقتل القمل.
стр. 551
فرع:
متى تعددت موجبات الكفارة فلبس قميصًا، وطيب لحيته، وحلق رأسه، وقلم ظفره (١)، وذلك كله في فور واحد، فعليه فدية واحدة (٢) ولو تراخت تعددت، كما لو قلم أظفار يده اليمنى اليوم واليسرى غدا.
ولو تداوى لقرحة بدواء مطيب مرارًا تعددت الفدية، إِلا أن ينوي التكرار عند الفعل الأول ففدية واحدة تجزئه، وإِن تراخى التكرار، أمَّا لو تداوى لقرحة أخرى تعددت، وقد تقدم بيانه.
قاعدة:
قال ابن عبد السلام: اعلم أن لا فرق في هذا الباب بين العذر وعدمه إِلا في ترتب الإِثم في حق عديم العذر وسقوطه في حق المعذور؛ نص عليه في المدونة (٣).
فذلك إِذا تطيب الصحيح ثم مرض ثم صح والطيب بأن عليه ففدية واحدة؛ لأن ابتداء استعماله في الصحة قرينة في إِرادة الدوام، وإِن ابتدأ استعماله وهو مريض ثم صح وهو باق، فقال بعض الشيوخ - تخريجًا: عليه
стр. 552
فديتان؛ لأن الظاهر من حاله أنه إِنما استعمله لأجل المرض، وبقاؤه بعد ذلك في الصحة لم يكن منويًّا أولًا فصار كفعلين، والثاني منهما متراخ عن الأول.
قاعدة:
اعلم أن موجبات الفدية يشترط فيها أن يحصل للمحرم بلبسها الانتفاعُ، وذلك أن منها ما لا يقع إِلا منتفعًا به كحلق الشعر ومس الطيب، ومنها ما لا ينتفع به إِلا بطول مَّا، كلبس المخيط.
فالأول: تحب فيه الفدية على أي وجه صدر.
والثاني يفصل فيه، فحيث قلنا: تجب الفدية بلبس ثوب أو خف، فيعتبر انتفاعه من دفع حر أو برد أو دوام كاليوم، فإِن نزعه مكانه فلا فدية.
فرع:
لا إِثم على ذي عذر من مرض (١) أو حرٍّ أو برد، وعليه الفدية (٢).
تنبيه:
فعلُ العمدِ والسهو والضرورة والجهل في الفدية سواء، إِلا في حرج عام كما لو غطى رأسه نائما أو ألقت الريحُ الطيبَ عليه، فإِنه في هذا وشبهه لا فدية عليه، فلو تراخى في إِزالته لزمته.
стр. 553
ولو ألقاه عليه غيره فكذلك، وتلزم الفدية الملقي حيث قلنا: لا تلزم الملقَى عليه، ولكن بغير الصيام، بالإِطعام أو النسك؛ لأن الكفارة لم تجب عليه إِلا من حيث إِنه تسبب في وجوبها على غيره (١)، فلو أبحنا له الصيام صار كمن صام عن غيره، بخلاف الإِطعام وذبح النسك، فإِنه حق مالي تصح النيابة فيه، هذا إِذا كان الفاعل قادرًا على ذلك فإِن لم يجد فهل يجب على المحرم أن يفتدي حينئذ؟
قال ابن الحاجب: فيه قولان (٢) * (٣).
قال ابن عبد السلام: ولا أذكر هنا نصًّا، لكن بعض الشيوخ أجرى ذلك على الخلاف فيمن وطئ زوجته المحرمة مكرهة، ولم يجد ما يحجها به، هل يجب عليها أن تحج ثم ترجع عليه؟ وهو إِجراء صحيح.
ثم هذا المحرم إِن افتدى بالصيام، فلا رجوع له على الفاعل، وإِن افتدى بالإِطعام أو بالنسك رجع عليه بالأقل منهما.
стр. 554
الباب العاشر: في فضائل الحج، وما ندب إلى الإتيان به وإن لم يكن في تركه (١) دم
وهي أزيد من ستين فضيلة:
أولها: الغسل للإِحرام. وهو أحد أغسال الحج (٢).
الثانية: أن يكون إِحرامه بعد صلاة نافلة.
الثالثة: أن يكون إِحرامه من أول الميقات (٣).
وأول الميقات في المدينة مسجد ذي الحليفة ورابغ أول ميقات الجحفة.
الرابعة: مقارنة التلبية لإِحرامه عند استواء راحلته، وأخذه في الذهاب. وقد تقدم بيانه (٤).
الخامسة: تكرار التلبية دبر الصلوات وكلما على شرفًا وهبط واديًا أو سمع ملبيًا.
стр. 555
السادسة: أن يسمع بها نفسه ومن يليه، والمرأة تسمع نفسَهَا فقط.
السابعة: الغسل لدخول مكة، والأفضلُ فعلُه بذي طوى.
الثامنة: أن يدخل مكة من أعلاها، من ثنية كَداء (بالفتح والمد).
التاسعة: أن يقطع التلبية في الطواف والسعي.
العاشرة: أن يقطع التلبية إِذا أحرم من الميقات عند وصوله (١) الحرم، وإِن أحرم من الجِعِرَّانِة ونحوها، فإِذا وصل بيوت مكة.
وإِذا أحرم من التنعيم فإِذا دخل المسجد الحرام.
الحادية عشر: أن يبادر إِلى المسجد الحرام قبل أن يشتغل بغيره.
الثانية عشر: أن يدخل المسجد الحرام من باب (٢) بني شيبة (٣).
الثالثة عشر: أن يبدأ بتقبيل الحجر الأسود قبل الطواف إِن قدر وإِلا لمسه بيده أو بعود، ثم يضعها على فيه من غير تقبيل.
الرابعة عشر: أن يستلمه كما مر به في طوافه.
الخامسة عشر: أن يستلم الركن اليماني، كما مر به أو يكبر إِن عجز.
стр. 556
السادسة عشر: أن يرمل في الأشواط الثلاثة الأول في الطواف الأول، وهو سعي خفيف، ولا ترمل المرأة. وقيل: في تركه دم.
السابعة عشر: الإِقبال في الطواف على الذكر والدعاء، دون القراءة.
الثامنة عشر: تقبيل الحجر الأسود بعد ركعتي الطواف، عند الخروج إِلى السعي.
التاسعة عشر: أن يصل الطواف بالسعي.
العشرون: أن يصعد على الصفا حيث يرى البيت. وكذا المروة يرقى عليها، وإِن كان البيت لا يرى منها لارتفاع الدور.
الحادية والعشرون: أن يستقبل الكعبة فوق الصفا، ويدعو كما تقدم بيانه (١).
الثانية والعشرون: الرمَل في بطن المسيل للرجال دون النساء.
الثالثة والعشرون: أن يكون سعيه متطهرًا.
стр. 557
الرابعة والعشرون: أن يخرج إِلى مِنى يوم التروية فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، ويقيم بها حتى تطلع الشمس فيغدو إِلى عرفة.
الخامسة والعشرون: جمع الصلاتين مع الإِمام بعرفة ومزدلفة إِن أمكن.
السادسة والعشرون: الغسل للوقوف بعرفة عند الزوال، لا قبله بكثير.
السابعة والعشرون: أن يقف مع الإِمام راكبًا، إِن وجد مركوبًا، أو قائمًا إِن كان ماشيًا أو بدابته علة. ولا يجلس إِلا للكلال، ثم يقوم.
الثامنة والعشرون: كثرة الذكر والدعاء، وحسن التوجه كما تقدم (١).
التاسعة والعشرون: أن يدفع مع الإِمام إِذا غربت الشمس.
الثلاثون: أن يكون طريقه من بين المأزمين في ذهابه إِلى عرفة ورجوعه.
الحادية والثلاثون: أن يجمع بين الصلاتين مع الإِمام بالمزدلفة.
الثانية والثلاثون: لقط الجمار من المزدلفة. وقيل: من وادي محسّر وهو مشكلٌ؛ لأن محلٌ السنة أن يسرع الراكب والماشي في السير فيه ليخرج منه، فكيف يقيم للقط الجمار؟ ! .
الثالثة والثلاثون: الوقوف بالمشعر، كما تقدم بيانه (٢).
стр. 558
الرابعة والثلاثون: الدفع من المشعر قبل طلوع الشمس.
الخامسة والثلاثون: الإِسراع في بطن محسِّر.
السادسة والثلاثون: أن يرمي جمرة العقبة بعد طلوع الشمس قبل أن يشتغل بالنزول إِن أمكن.
السابعة والثلاثون: أن يؤخر النحر عن الرمي.
الثامنة والثلاثون: أن يحلق بعد النحر.
التاسعة والثلاثون: أن يطوف طواف الإِفاضة يوم النحر بعد النحر والحَلق.
الأربعون: أن يغتسل لطواف (١) الإِفاضة.
الحادية والأربعون: الرمي قبل الصلاة.
الثانية والأربعون: الوقوف عند الجمرتين للدعاء والذكر، كما تقدم (٢).
الثالثة والأربعون: المشي لرمي الجمار في الأيام الثلاثة بعد يوم النحر.
الرابعة والأربعون: رفع الصوت بالتكبير في أيام مِنى، وقتًا بعد وقت.
الخامسة والأربعون: التكبير عقب خمسة عشر مكتوبة، أولها ظهر يوم النحر، كما تقدم بيانه (٣).
стр. 559
السادسة والأربعون: الحلق بمِنى في أيام مِنى، وعند العقبة أفضل.
السابعة والأربعون: نحو الهدي بمِنى.
الثامنة والأربعون: نزول الأبطح لمن لم يتعجل ودخول مكة بعد صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء.
التاسعة والأربعون: (١) *: طواف الوداع إِذا عزم على الخروج من مكة للسفر إِلى بلده.
الخمسون: الشرب من ماء زمزم والتضلع منه، والصلاة والدعاء في المواضع المتقدم ذكرها (٢)، والصلاة في المقام بعد فراغ الطواف. والخروج من مكة من ثنية كُدى نعيم (٣) - بضم الكاف والقصر - وهذا لمن قصد المدينة ومصر.
وأن يكون الحصى مما لم يُرم به.
ومن سنن الحج: الإِفرادُ به، ذكره القاضي وغيره (٤).
ومن فضائله: الإِحرام في البياض، وأن يكون أشعث، وأن يكون في جميع عمله على طهارة، وهي شرط في الطواف، والحلاق للرجال دون
стр. 560
التقصير، وأن يَلَي نحو هديه بيده، وترك المراء والجدال ومحادثة النساء وقربهن وحملهن في المحامل.
وكذا يستحب له أن يحضر مع الإِمام الصلاة (١) بمسجد الخيف ثاني يوم النحر ويحضر الخطبة معه بعد الصلاة.
وغير ذلك مما تقدم بيانه في الأبواب المتقدمة.
стр. 561
الباب الحادي عشر: في بيان الفدية وأنواعها
وتسمى الكفارة أيضًا، وهي ثلاثة أنواع (١):
صيام ثلاثة أيام، أو إِطعام ستة مساكين: مُدّين لكل مسكين بمُدّ النّبي (٢) ﷺ ، أو ذبح شاة (٣).
وهي على التخيير مع العسر واليسر (٤).
وليس لشيء منها مكان مخصوص، وجائز أن يفعلها حيث شاء بمكة وغيرها (٥)، والاختيار أن يأتي بالكفارة حيث وجبت عليه، فإِن أتى بها في غيره أجزأت عنه.
стр. 562
فإِن اختار في الفدية الصيام فاتفقوا أنه يصوم حيث شاء، وفي إِباحة أيام مِنى قولان.
وإِن اختار الإِطعام فأطعم الذرة، نظر مجراها من مجرى القمح، فيزيد في الذرة مثل ذلك (١).
قال في المختصر: وكذلك في الشعير.
وقال في المدونة: إِنما عليه لكل مسكين مدان من عيش البلد من شعير أو بُرٍّ، وإِن غَدَّى ستة مساكين وعشاهم شبعًا لم يجزه (٢).
قال أشهب: إِلا أن يبلغ ذلك مُدّين فأكثر لكل مسكين (٣).
وإِن اختار النسك بشاة ذبحها حيث شاء من بلده وغيره، وله أن يذبح نعجة أو كبشًا أو بقرةً أو ينحر بعيرًا إِن أحب، فإِن كان نسكه من المعز أو
стр. 563
البقر أو الإِبل فلا يكون إِلا ثَنيًّا فما فوقه، وإِن كان من الضأن فلا يكون إِلا جَذَعًا فما فوقه.
وقال في المختصر: ولا يجزئ في الفدية جَذَعٌ (١).
وله أن يذبح نسكه هذا ليلًا أو نهارًا ولا يأكل منه شيئًا.
فرع:
فإِن أراد أن يجعل نسك الأذى هديًا يُقلِّده ويُشْعِره فذلك له.
قال مالك في الحج الثالث من المدونة: وإِن قلد نسك فدية الأذى فلا يجزئه أن ينحره إِلا بمنى بعد طلوع الفجر (٢).
قال في كتاب ابن المواز: أو بمكة إِن أدخله في الحل.
تنبيه:
قال مالك: ولا ينبغي أن يفعل ما فيه الفدية من غير ضرورة ليسارة الفدية عليه، وأنا أعظه، فإِن فعل فليفتد (٣) *.
стр. 564
الباب الثاني عشر: فيما يُكره للمحرم فعله فإن فعله أطعم شيئًا من طعام
وقد تقدم منها جملة مثل: نتف شعره أو شعرات، ولم يمط عنه بذلك أذًى، ناسيًا كان أو جاهلًا، وتقدم تقليم ظفر واحد، وأن لا يغمس رأسه في الماء (١).
وروى ابن القاسم وأشهب عن مالك: أنه كره ذلك له.
وقال ابن القاسم: إِن فعل أطعم شيئًا من طعام.
وقال أشهب: لا أكره له غمس رأسه في الماء.
وما يخاف منه بالغمس ينبغي أن يخاف في مثله بصب الماء على الرأس أنه يكره له غسل رأسه بالماء وحده لغير جنابة.
ومن ذلك أن يطأ برجليه (٢) على ذباب أو نمل أو ذَرّ (٣) فيقتلهن، فيتصدق بشيء من طعام - ليلًا كان أو نهارًا (٤) - وكذلك إِن كان يقول
стр. 565
بعيره أو هو راكبه أو يسوقه فوطئ البعير على شيء من ذلك فقتله (١)، وقد تقدم طرحه القراد عن البعير (٢) ومثله الحَلَمة (٣) والحَلَمتان، ولم يأخذ مالك في ذلك بفعل عمر بن الخطاب ﵁ في نزع القراد عن بعيره، من أجل أن القراد من دواب الإِبل كالقمل التي هي من دواب بني آدم.
وكان ابن عباس ﵄ لا يرى بتقريد المحرم بعيره بأسًا.
وروي عن ابن عمر أنه كان يكره ذلك، وبه أخذ مالك وأصحابه.
ولا يقتل المحرم الوزغ وإِن كان النبي ﷺ أمر بقتله (٤)، فحمل مالك ذلك