← Тараджим

Тараджим · id 13297

سيرة السيدة عائشة أم المؤمنين

سليمان الندوي

Полный текст (367 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

مما لا شك فيه أن ذكر محاسن الأموات ومآثرهم يمنح حياتهم الخلقية الدوام والسرمدية وعائشة (ض) كانت خير مثال لذكر محاسن ضرائرها وقريناتها، تقول (ض): قال رسول الله ﷺ لأزواجه: أسرعكن لحاقا بي أطولكن يدا، قالت: فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة الرسول ﷺ نمد أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ وكانت امرأة قصيرة ولم تكن أطولنا، فعرفنا حينئذ أن النبي ﷺ إنما أراد بطول اليد الصدقة، وكانت زينب امرأة صناعة اليد، فكانت تدبغ وتخرز وتتصدق في سبيل الله. (١). وقد سبق أن ذكرنا ما حدث ذات مرة بين عائشة وزينب (ض) ووصل الأمر إلى غاية الضيق والكره والاستياء، وها هي عائشة (ض) تحكي لنا تلك القصة المرة بأسلوب حلو غني بالحب والإخلاص، لا يشوبه شيء من الحقد أو الكره أو الاشمئزاز، فهي تسرد القصة وتمدحها، تقول (ض): ((فأرسل أزواج النبي ﷺ زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله ﷺ ، ولم أر امرأة قط خيرا في الدين من

стр. 107

زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالا لنفسها في العمل الذي تصدق به وتقرب به إلى الله تعالى، ما عدا سورة من حد كانت فيها، تسرع منها الفيئة ...)) (١) الحديث. ٧ - أما أم المؤمنين أم حبيبة (ض)، فلم تسجل لنا كتب الأحاديث عنها شيئا في تعاملها مع عائشة (ض) بالموافقة أو بالمخالفة، إلا أن كتب أسماء الرجال تنص على أنها استدعت عائشة (ض) عند وفاتها فقالت: قد كان ويكون بيننا وبين الضرائر، فغفر الله لي ولك ما كان من ذلك، فقلت (القائلة هي عائشة): غفر الله لك ذلك كله، وتجاوز، وحللك من ذلك، فقالت (أم حبيبة): سررتني سرك الله (٢). ٨ - وكذلك أم المؤمنين ميمونة (ض) لم تذكر لنا كتب الأحاديث شيئا من تعاملها مع عائشة (ض)، وقد ثبت في كتب الرجال أنها لما ماتت قالت عنها عائشة (ض): أما إنها كانت من أتقانا لله وأوصلنا للرحم (٣). ٩ - أما صفية بنت حيي (ض) فقد نالت شرف صحبة النبي ﷺ وحظيت بالبقاء في كنفه لمدة ثلاث سنوات فقط، وكانت مختلفة عن بقية أمهات المؤمنين، لأنها كانت من خيبر ومن أسرة يهودية، تزوجها رسول الله ﷺ في خيبر، فلما دنوا من المدينة دفع رسول الله ﷺ فعثرت الناقة العضباء وندر رسول الله ﷺ فقام فسترها، وقد أشرفت النساء فقلن: أبعد الله اليهودية (٤).

стр. 108

فلما قدم رسول الله ﷺ من خيبر ومعه صفية أنزلها في بيت من بيوت حارثة بن النعمان، فسمع بها نساء الأنصار وبجمالها فجئن ينظرن إليها، وجاءت عائشة متنقبة حتى دخلت، فعرفها، فلما خرجت خرج رسول الله ﷺ على إثرها، فقال: كيف رأيتها يا عائشة؟ قالت: رأيت يهودية، قال: لا تقولي هذا يا عائشة، فإنها قد أسلمت وحسن إسلامها (١). وقد عرفت أم المؤمنين صفية (ض) بجودة الطهي فنفست عليها السيدة عائشة هذه الإجادة، ولم تكتم غيرتها عليها، بل هي التي روتها، ومن حديثها عنها عرفناها، قالت: ما رأيت صانعة طعام مثل صفية، أهدت إلى النبي ﷺ إناء فيه طعام، فما ملكت نفسي أن كسرته، فسألت النبي ﷺ عن كفارته فقال: ((إناء كإناء وطعام كطعام)) (٢). وفي رواية البخاري: فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم بقصعة فيها طعام، فضربت بيدها فكسرت القصعة، فضمها وجعل فيها الطعام، وقال: كلوا، وحبس الرسول القصعة حتى فرغوا، فدفع القصعة الصحيحة وحبس المكسورة (٣). كانت صفية (ض) قصيرة القامة، فذات مرة قالت عائشة لرسول الله ﷺ : حسبك من صفية كذا وكذا - تعني قصيرة - فقال ﷺ ((لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته، قالت: وحكيت له إنسانا، فقال: ما أحب أني حكيت إنسانا وأن لي كذا وكذا)) (٤). والدليل على أن هذه المشاعر تجاه الضرة كانت

стр. 109

مؤقتة زائلة أن صفية (ض) كانت من حزب عائشة (ض) ومؤيدة لها في كل الأمور. هذا وقد تبين لنا في ضوء ما قدمنا مدى اهتمام عائشة (ض) بصواحبها وضرائرها واحترامها إياهن وتوقيرهن، والنظر إليهن بنظرة العزة والإكرام والتعامل معهن بأقصى درجات اللطف والإخلاص والعدل، كما عرفنا كيف كانت تستقبلهن برحابة الصدر وسعة القلب، وتذكرهن بالخير، وتثني عليهن وعلى محاسنهن، وتسرع إلى التوبة والرجوع إلى الله إذا صدر منها خطأ نظرا إلى الطبيعة البشرية، ولم يكن من عادتها أنها هي التي تبدأ الهجوم على ضرائرها في أمر ما، نعم إذا بادرت واحدة بالهجوم عليها فإنها كذلك لا تلزم الصمت، ومع ذلك كله فإنها تثني على كل واحدة وتمدحهن. تنبيه على بعض الروايات الضعيفة: كل منا يعلم أن الإخلاص والحب والوفاء بين الضرائر أصبح من الأشياء العزيزة النادرة والقليلة الوجود في مجتمعنا اليوم، إلا أن شأن أمهات المؤمنين في هذا الأمر كان مختلفا عن غيرهن من نساء العالم، فقد كن على أعلى مستوى وأرفع مكانة في الخصائص والمميزات مما كان توقعه منهن العالم البشري، وقد حققن تلك الأحلام التي رأتها دنيا النساء تجاههن، ولم يخيبن آمالهن في شيء والحمد لله على ذلك. فكن يغرن ويتنافسن لا محالة كما تغار النساء في كل مكان، ولكنهن لم ينسين قط أنهن نساء نبي، يتأدبن بأدبه، ويتطلعن إلى رضاه، ويفزعن من غضبه. أما ما يوجد من بعض الصور المشوهة غير اللائقة بهن، فإنها في واقع الأمر إما من صنع المنافقين ونسيجهم ومكرهم، أو أنها محاولات من بعض الفرق والطوائف التي تجهل مصيرها، وتغفل عن عواقبها، مثل المرأة التي كانت في عهد النبي ﷺ وتحرش بين الأزواج المطهرات، وتعترف بخطئها هذا، فسألها الناس كيف كن يثقن بقولك؟ فقالت: لو لم يكن موثوقا بها

стр. 110

عندهن ما قبلن منها (١). ورغم أن معظم الأحاديث والروايات التاريخية التي سبق أن ذكرناها هي مستقاة من كتب الصحاح، إلا أنه يوجد فيها بعض من نقاط الضعف، أو تشويه للصورة الأصلية، ولو قمنا بعملية الفحص والتحقيق والدراسة سيتضح لنا ذلك بكل وضوح وفي صورة مشرقة. ١ - مثلا عندنا قصة كسر القصعة، فهذه القصة موجودة في سائر كتب الأحاديث تقريبا، إلا أن البخاري ومسلم لم ينصا على أن التي كسرت القصعة هي عائشة (ض)، بينما الأحاديث الواردة في السنن والمسانيد تنص على أنها كانت عائشة، مثل سنن أبي داود، سنن النسائي ومسند الإمام أحمد بن حنبل وغيرها، والغريب في الأمر أنهم يروون ذلك عن عائشة نفسها، وأول راوية لهذا السند هي جسرة بنت دجاجة، وهي وإن وثقها العجلي (٢) وابن حبان (٣) لكن يقول عنها البخاري: عند جسرة عجائب (٤)، وزعم ابن حزم أن حديثها باطل (٥). والراوي الثاني هو أفلت العامري، وهو وإن وثقه بعض المحدثين إلا أن معظمهم على تضعيفه. قال الإمام أحمد: ما أرى به بأسا (٦) (وهذا دليل الضعف)، ونقل الخطابي عن أحمد قوله: إن أفلت راو مجهول، وقال البغوي في شرح السنة:

стр. 111

ضعف أحمد هذا الحديث، لأنه من رواية أفلت، وهو مجهول (١)، وقال ابن حزم: مشهور ولا معروف بالثقة، وحديثه هذا باطل (٢). ٢ - وأما ما حدث بين عائشة وزينب (ض) من التقاول والتشدد في الكلام في الليل، فإن هذه الرواية مع أنها أخرجها الإمام مسلم في صحيحه، لكن تبين لنا بعد إمعان النظر والتأمل فيها ما يلي: ١ - الراوي الأول لهذا الحديث هو الصحابي الجليل أنس بن مالك، الذي توقف عن التردد على حجرات أمهات المؤمنين من عام ٥هـ، وهذه الحادثة وقعت بعد السنة الخاسة من الهجرة. ٢ - إن هذه الواقعة وقعت داخل حجرة عائشة (ض) حيث لم يكن أنس (ض) موجودا في الحجرة، وبالتالي فاحتمال وقوع الانقطاع بين أنس والراوي الذي قبله وارد. ٣ - لو سلم أن أنسا (ض) كان في المسجد النبوي الشريف، وكانت أصوات امهات المؤمنين تقرع أذنيه، فكيف أمكته مشاهدة ما يجري في داخل الحجرة، من مد النبي ﷺ يده وما إلى ذلك، مع أن البيوت يومئذ لم يكن فيها مصباح، والأغرب من ذلك كله أنه كيف اطلع على ما في خاطر عائشة (ض)، أنها خافت من أبيها، وأنه سوف يزجرها، ونظرا إلى هذه الأسباب فإن هذه الرواية فيها شيء من قبيل عدم الأخذ بالحيطة والتحري (٣).

стр. 112

٣ - وفي سنن الترمذي عن صفية بنت حيي (ض) قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وقد بلغني عن حفصة وعائشة كلام، فذكرت ذلك له، فقال: ((ألا قلت: فكيف تكونان خيرا مني؟ وزوجي محمد وأبي هارون وعمي موسى، وكان الذي بلغها أنهم قالوا: نحن أكرم على رسول الله ﷺ منها، وقالوا: نحن أزواج النبي ﷺ وبنات عمه)) (١) قال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث صفية إلا من حديث هاشم الكوفي، وليس إسناده بذلك القوي. هذه الرواية تناقلتها كل كتب السير ولكنها لم تذكر تعليق الإمام الترمذي على الرواة، وفيما يأتي نذكر أقوال المحدثين في هاشم الكوفي الذي عليه مدار الإسناد: قال الإمام أحمد: لا أعرفه (٢)، وقال ابن معين: ليس بشيء (٣)، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث (٤)، وقال ابن عدي: مقدار ما يرويه لا يتابع عليه (٥)، ومع ذلك كله فإن رواية أنس (ض) ليس فيها ذكر عائشة. ٤ - وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل عن علي بن زيد عن أم محمد امرأة أبيه عن عائشة قالت: كانت عندنا أم سلمة، فجاء النبي ﷺ ثم جنح الليل، قالت: فذكرت شيئا صنعه بيده، قالت: وجعل لا يفطن لأم سلمة، قالت: وجعلت أومئ إليه حتى فطن، قالت أم سلمة: أهكذا الآن، أما كانت

стр. 113

واحدة منا عندك إلا في خلابة كما أرى، وسبت عائشة وجعل النبي ﷺ ينهاها، فتأبى، فقال النبي ﷺ سبيها، فسبتها حتى غلبتها، فانطلقت أم سلمة على علي وفاطمة، فقالت: إن عائشة سبتها وقالت لكم وقالت لكم .... الحديث (١). والراوي الثاني لهذا الحديث هو علي بن زيد، يقول فيه ابن سعد: ولد وهو أعمى، وكان كثير الحديث وفيه ضعف ولا يحتج به، وقال صالح بن أحمد عن أبيه: ليس بالقوي، وقد روى عنه الناس، وقال أحمد: ليس شيء، وقال حنبل عن أحمد: ضعيف الحديث، وقال يحيىى: ضعيف، وفي رواية: ضعيف في كل شيء، وقال الجوزجاني: واهي الحديث، ضعيف، وفيه ميل عن القصد، لا يحتج بحديثه، وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالمتين عندهم، وقال أبو زرعة: ليس بالقوي، وقال البخاري: لا يحتج به، وقال سليمان بن حرب عن حماد بن زيد: حدثنا علي بن زيد وكان يقلب الأحاديث، وفي رواية: كان يحدثنا اليوم بالحديث ثم يحدثنا غدا، فكأنه ليس كذلك (٢). هذا وكتب السير غنية بعدد كبير من هذه الوقائع، ومعظمها مستقاة من رواية الواقدي والكلبي، وفيما يأتي نذكر مثالا واحدا للتوضيح: ٥ - روى أصحاب الصحاح قصة زواج النبي ﷺ من ابنة رئيس قبيلة، فأنزلت في بيت في نخل في بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل، ومعها دايتها حاضنة لها، فلما دخل عليها النبي ﷺ قال: ((هبي نفسك لي، قالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة؟ قال: فأهوى بيده يضع يده عليها لتسكن، فقالت: أعوذ بالله منك، فقال: قد عذت بمعاذ، ثم خرج علينا فقال: يا أبا أسيد اكها رازقيتين وألحقها بأهله)) (٣).

стр. 114

كانت هذه رواية صحيح البخاري، أما رواية ابن سعد ففيها زيادات، وقد رواها بسنده من طريق هشام بن محمد ... قال: تزوج رسول الله ﷺ أسماء بنت النعمان الجونية فجئت بها، فقالت حفصة لعائشة أو عائشة لحفصة: اخضبيها أنت وأنا أمشطها، ففعلن، ثم قالت لها إحداهما: إن النبي ﷺ يعجبه من المرأة إذا دخلت عليه أن تقول: أعوذ بالله منك، فلما دخلت عليه وأغلق الباب وأرخى الستر مد يده إليها فقالت: أعوذ بالله منك ... الحديث (١). وهشام بن محمد هذا (راوي الحديث) هو الكلبي نفسه، والذي قال فيه العلماء: متروك، غير ثقة، رافضي، يقول الإمام أحمد: إنما كان صاحب سمر ونسب ما ظننت أن أحدا يحدث عنه، وقال الدارقطني وغيره: متروك، وقال ابن عساكر: رافضي ليس بثقة (٢). ورواية البخاري ثتبت أن هذه المرأة (التي قالت أعوذ بالله منك) لم تكن تعرف النبي ﷺ وها هو نص الحديث: عن سهل بن سعد (ض) قال: ذكر للنبي ﷺ امرأة من العرب. فأمر أبا أسيد الساعدي أن يرسل إليها، فأرسل إليها، فقدمت فنزلت في أجم بني ساعدة، فخرج النبي ﷺ حتى جاءها فدخل عليها، فإذا امرأة منكسة رأسها، فلما كلمها النبي ﷺ قالت: أعوذ بالله منك، فقال: قد أعذتك مني، فقالوا لها: أتدرين من هذا؟ قالت: لا، قالوا: هذا رسول الله ﷺ جاء ليخطبك، قالت: كنت أنا أشقى من ذلك ... الحديث (٣).

стр. 115

وهذه السيدة عائشة (ض) تروي لنا قصة هذه المرأة (١) ولا تقول إنها هي التي علمتها أن تقول ما قالت، مع أن حريتها في البيان والاعتراف بالخطأ إذا صدر منها أمر معروف ومشهور. علاقتها الوطيدة بالسيدة فاطمة (ض): كان لرسول الله ﷺ أربع بنات كلهن من خديجة أم المؤمنين (ض) وهن: السيدة زينب، رقية، أم كلثوم، وفاطمة الزهراء ﵅، وكلهن قد كن تزوجن وانتقلن إلى بيوت أزواجهن قبل بناء الرسول ﷺ بعائشة (ض)، إلا فاطمة الزهراء (ض)، أما السيدة رقية (ض) فقد وافتها المنية قبل سنة من بناء الرسول ﷺ بعائشة، وأما السيدة زيب وأم كلثوم (ض) فقد عاشتا حوالي سبعة أو ثمانية أعوام مع زوجة أبيهما عائشة (ض)، ثم استأثرت بهما رحمة الله تعالى في السنة الثامنة والتاسة من الهجرة على التوالي، ولم يحدث بينهن خلال هذه الفترة شيء يعكر صفو علاقتهن، وهذه السيدة زينب (ض) أكبر بنات الرسول ﷺ وقد استشهدت في سبيل الله، تروي لنا عنها عائشة (ض) قول النبي ﷺ قال: ((هي أفضل بناتي أصيبت في)) (٢) وكانت لها بنت تسمى أمامة، يحبها النبي ﷺ ، ومن حبه لها أنه كان يصلي وهو حاملها، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها (٣). وذات مرة

стр. 116

أهديت للرسول ﷺ هدية فيها قلادة من جزع فقال: ((لأدفعنها إلى أحب أهلي إلي)). فقالت النساء: ذهبت بها ابنة أبي قحافة، فدعا النبي ﷺ أمامة بنت زينب فعلقها قي عنقها)) (١). أما السيدة فاطمة الزهراء (ض) فإنها كانت بكرا عندما بنى الرسول ﷺ بعائشة (ض)، لكنها كانت أكبر سنا منها بحوالي خمس أو ست سنوات، وقد عاشت مع عائشة (ض) سنة أو أقل، لأنها تزوجت في وسط السنة الخامسة للهجرة، وكانت عائشة من اللاتي قمن بتجهيزها للعرس، وإعداد أغراض البيت وترتيب أمور الزواج، تقول (ض): أمرنا رسول الله ﷺ أن نجهز فاطمة حتى ندخلها على علي، فعمدنا إلى البيت، ففرشنا ترابا لينا من أعراض البطحاء، ثم حشونا مرفقتين ليفا فنفشناه بأيدينا، ثم أطعمنا تمرا وزبيبا، وسقينا ماء عذبا، وعمدنا إلى عود فعرضناه في جانب البيت ليلقى عليه الثوب ويعلق عليه السقاء، فما رأينا عرسا أحسن من عرس فاطمة (٢) والبيت الذي نزلت فيه فاطمة (ض) بعد الزواج كان يفصله جدار من حجرة عائشة (ض)، وكان بينهما مشربة تتكلمان منها. هذا ولم تسجل لنا كتب الأحاديث واقعة صحيحة تدل على أن واحدة منهما تحمل شيئا من الكراهية أو البغض في قلبها تجاه الأخرى، بل أجمع أصحاب السير وكتب الأحاديث على أن الصلة بين عائشة (ض) وبين فاطمة كانت على أكمل ما ترضاه السجية الإنسانية في كل صلة من قبيلها، وكانتا شريكتين في قلب واحد تتنافسان عليه ولكنها شركة بين

стр. 117

كريمتين، وها هي فاطمة (ض) تأتي إلى النبي ﷺ تشكو إليه ما تلقى في يدها من الرحى وقد بلغها أنه جاءه رقيق فلم تصادفه فذكرت ذلك لعائشة ... الحديث (١). ومن أثر هذه المنافسة أن أمهات المؤمنين أوفدن السيدة فاطمة إلى النبى ﷺ ينشدن العدل في ابنة أبي قحافة، لكن لنرى كيف كان موقفها من ذلك، تقول: فكلمته فقال: يا بنية ألا تحبين ما أحب؟ قالت: بلى، فرجعت إليهن فأخبرتهن فقلن: ارجعي إليه، فأبت أن ترجع (٢). وهذه عائشة (ض) تثتي على فاطمة (ض) قائلة: ما رأيت أحدا أحسن من فاطمة غير أباها ﷺ (٣). ويقول جميع بن عمير التيمي: دخلت مع عمتي على عائشة فسئلت: أي الناس كان أحب إلى رسول الله ﷺ ؟ قالت: فاطمة (٤). تقول عائشة (ض): ((ما رأيت أحدا أشبه سمتا ودلا وهديا برسول الله ﷺ في قيامها وقعودها من فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، قالت: وكانت إذا دخلت على النبي ﷺ قام إليها فقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان ﷺ إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبلته وأجلسته في مجلسها)) (٥).

стр. 118

كما أن عائشة هي التي روت حديث فضل أهل البيت الذي يعتبر من أعظم مناقب فاطمة (ض). والحديث الآتي يبين لنا مدى علاقتها الوطيدة مع فاطمة (ض)، وثنائها عليها في الوقت نفسه، تول: كن أزواج النبي ﷺ عنده لم يغادر منهن واحدة، فأقبلت فاطمة تمشي ما تخطئ مشيتها من مشية رسول الله ﷺ شيئا، فلما رآها رحب بها فقال: مرحبا بابنتي، ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم سارها فبكت بكاء شديدا فلما رأى جزعها سارها الثانية، فضحكت، فقلت لها: خصك رسول الله ﷺ من بين نسائه بالسرار ثم أنت تبكين، فلما قام رسول الله ﷺ سألتها ما قال لك رسول الله ﷺ ؟ قالت: ((ما كنت أفشي على رسول الله ﷺ سره، قالت: فلما توفي رسول الله ﷺ قلت: عزمت عليك بما لي عليك من الحق لما حدثتني ما قال لك رسول الله ﷺ ، فقالت: أما الآن فنعم، أما حين سارني في المرة الأولى فأخبرني أن جبريل كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة أو مرتين، وإنه عارضه الآن مرتين، وإني لا أرى الأجل إلا قد اقترب، فاتقي الله واصبري، فإنه نعم السلف أنا لك، قالت: فبكيت بكائي الذي رأيت، فلما راى جزعي سارني الثانية فقال: يا فاطمة أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة، قالت: فضحكت ضحكي الذي رأيت)) (١). هذا الحديث خير دليل على حسن علاقتهما الوطيدة، وكما نعلم أن هذا الحادث جرى في آخر عمر فاطمة (ض)، فاتضح من ذلك أن قضايا الميراث وفدك لم تؤثر شيئا على علاقتهما الطيبة، ولم تدفع إلى حدوث أي توتر في الصلة التي تجمعهما بكل صدق وإخلاص، كما أنه لم يعهد منهما شيء من

стр. 119

المضايقات حتى في الشؤون المنزلية والداخلية يعكر صفو علاقتهما القلبية والروحية. تنبيه على بعض الروايات الواهية والضعيفة: أورد الإمام أحمد بن حنبل في مسنده رواية عن طريق الراوي نفسه الذي روى حديث تشاجر عائشة مع أم سلمة في بيت عائشة (ض) بشيء من الزيادة ونصها: فانطلقت أم سلمة إلى علي وفاطمة فقالت: إن عائشة سبتها، وقالت لكم وقالت لكم، فقال علي لفاطمة: اذهبي إليه فقولي إن عائشة قالت لنا وقالت لنا، فأتته فذكرت ذلك له فقال النبي ﷺ : إنها حبة أبيك ورب الكعبة، فرجعت إلى علي فذكرت له الذي قال لها، فقال: أما كفاك إلا أن قالت لنا عائشة وقالت لنا حتى أتتك فاطمة فقلت لها: إنها حبة أبيك ورب الكعبة (١). فظاهر هذا الحديث فيه منقبة لعائشة (ض) والثناء عليها، ولكن يبدو بعد إمعان النظر وتدقيقه أن الراوي قام بتقديم صورة مشوهة مستكرهة لأخلاق أمهات المؤمنين، ومصدر هذه البلية هو علي بن زيد التيمي الذي ضعفه العلماء، وهو رافضي (٢). وأخرج يحيى في مسنده عن عمر بن علي بن عمر بن علي بن الحسين قال: كان بيت فاطمة في موضع الزوار مخرج النبي (ض)، وكانت فيه كوة إلى بيت عائشة (ض)، فكان رسول الله ﷺ إذا قام إلى المخرج اطلع من الكوة إلى فاطمة فعلم خبرهم وأن فاطمة قالت لعلي: إن ابني أمسيا عليلين فلو نظرت لنا أدما نستصبح به، فخرج علي إلى السوق فاشترى لهم أدما وجاء به إلى فاطمة فاستصبحت، فدخلت عائشة المخرج في جوف الليل فأبصرت المصجاح عندهم، وذكر كلاما وقع بينهما فلما

стр. 120

أصبحوا سألت فاطمة النبي ﷺ أن يسد الكوة، فسدها رسول الله ﷺ (١). وعبد الحميد وعيسى بن عبد الله ضعيفان ومن أهل التشيع، ورغم أن علماء الحديث لا يعتبرون التشيع من أسباب الضعف، إلا أن شهادتهم لا تقبل في عائشة (ض). ...

стр. 121

الفصل الرابع حديث الإفك ومشروعية التيمم إن المصائب والمحن التي واجهها المسلمون بعد هجرتهم إلى المدينة المنورة كانت متباينة تماما مما أصابهم في مكة المكرمة، وقد نشأ في المدينة رهط من المنافقين، كان شغلهم الشاغل التآمر ضد المسلمين ونسج خيوط المكر والدهاء للإيقاع في المسلمين. ولا شك أن العرض والناموس هو رأس مال الإنسان وأغلى متاع عنده، والهجوم على أعراض الناس والطعن فيها والنيل من نواميسهم لا يجترئ على ذلك إلا العدو اللئيم الحقير الخسيس، وكما أن المدينة المنورة كانت مأوى ومستقرا للمؤمنين الصادقين المتفانين في سبيل الله، أصحاب الإخلاص والوفاء، أولي الهمم العالية والتضحيات الجليلة العظيمة، كذلك نشأت هناك طائفة من الأعداء الخائنين الخاتلين الذين كانوا يكتمون النفاق في قلوبهم، وكان جل اهتمامهم الغدر والخيانة بالمسلمين والتآمر ضدهم بسائر الطرق المتاحة لديهم، وكان سلاحهم الأقوى والأكبر هو بث الإشاعات الكاذبة ونشر الأخبار المزورة التي تنال من حرمات المسلمين وأعراضهم، وتهتك حرماتهم، كما أنها تهيئ الأسباب والدوافع لإشعال الحروب الأهلية، وتوفر مناخا مناسبا وجوا ملائما لها. ولو لم يكن توفيق الله سبحانه وتعلى حليفا للمسلمين، والعناية الإلهية حافة بالنبي ﷺ لتكللت جهودهم السيئة هذه بالنجاح، وأثاروا الفتن في المجتمع الإسلامي، ليس عن طريق التفريق بين الصحابة وتشتيت شملهم فحسب، بل بإيجاب أسباب ودوافع للتقاتل والتحارب وإسالة الدماء. هذا ومن أسوأ وأقبح الأمثلة لهذه الجهود التي قامت بها القلوب الحاقدة ضد المسلمين حادثة الإفك، ولما كان سيدنا أبو بكر الصديق (ض)

стр. 122

وسيدنا عمر الفاروق (ض) من أكبر أعداء هذه القلوب الحاقدة المنافقة، صرفت هذه الطائفة الماكرة قسطا كبيرا من مساعيها وجهودها الفاشلة إلى توجيه الطعن إلى حرم النبوة أمهات المؤمنين السيدة عائشة وحفصة (ض). أولا - حديث الإفك: كانت غزوة المريسيع في شعبان سنة خمس فنزل النبي ﷺ على بئر لبني المصطلق يقال له ((المريسيع)) قريبا من نجد، فقاتلوا المشركين، وقد خرج معهم جماعة من المنافقين لم يخرجوا قط في غزاة قبلها، لأنهم ظنوا أنه لا يحدث شيء، ولا تنشب معركة دامية، يقول ابن سعد: ((وخرج معهم بشر كثير من المنافقين لم يخرجوا في غزاة قط مثلها)) (١). وقبل الخروج أقرع النبي ﷺ بين أزواجه حسب عادته فأيهن خرج سهمها خرج بها الرسول ﷺ ، تقول عائشة (ض): ((فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله ﷺ . وكانت عائشة قد استعارت عقدا من أختها أسماء، وكان في عنقها وكانت سموطه تسقط وتتقطع، فانقطع هذا العقد، وهي يومئذ في الرابعة عشرة من عمرها، فقلقت عليه كما هي عادة البنات في مثل هذا العمر وهي تحسب وتعتبر الحلية المتواضعة البسيطة من أغلى الأشياء عندها، وتستعد لتحمل أي مشقة في سبيل الحصول عليها. تقول (ض): ((فأقبل الذين يرحلون لي، فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلن ولم يغشهن اللحم، وإنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقل الهودج، فاحتملوه، وكتت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وسارو)).

стр. 123

هذا وخلال رحلة العودة إلى المدينة المنورة قام المنافقون بإيقاد نار من الاضطرابات، وإحداث الغوغاء بين المهاجرين والأنصار، وكادوا أن يشهروا السلاح ويتقاتلوا فيما بينهم. وكان المنافقون يحثون الأنصار على أن لا ينفقوا على المهاجرين والإسلام والمسلمين، ويتخلوا عن مؤازرتهم ويتركوا مساعدتهم، فقال عبد الله بن أبي رئيس المنافقين: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]. ولما سمع النبي ﷺ هذه الغوغاء بين المهاجرين والأنصار خرج فقال: ((ما بال دعوى الجاهلية؟ ثم قال: ما شأنهم؟ فأخبر بما حصل بين المهاجرين والأنصار فقال: دعوها فإنها منتنة، ثم أمر بالرحيل وخرج بالناس، فقدم عبد لله بن عبد الله بن أبي حتى وقف لأبيه على الطريق، فلما رآه أناخ به وقال: لا أفارقك حتى تزعم أنك الذليل ومحمد العزيز (١). تقول عائشة: ((لما فرغ رسول الله ﷺ من غزوته وقفل دنونا من المدينة قافلين آذن ليلة بالرحيل فقمث حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه)) - وكانت على يقين تام أنها ستجد ضالتها قبل رحيل السفر ولذلك لم تخبر أحدا ولم تطلب منهم أن ينتظروها - قالت: ((وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلوني فاحتملوا

стр. 124

هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب عليه، وهم يحسبون أني فيه ... ، قالت: ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها منهم داع ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت به وظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان فعرفني حين رآني، وكان رآني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي ووالله ما تكلمنا بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها فقمت إليها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش موغرين في نحر الظهيرة وهم نزول)) (١). هذه هي الصورة الحقيقية للواقعة، والتي تحدث في معظم الأحوال عندما يكون واحد في السفر، حتى في زمننا هذا الذي وصل فيه الرقي التكنولوجي إلى قمة التطور والنمو، وأبدعت شتى أنواع وسائل السفر والمواصلة والتنقل. ثم ما حدث لعائشة (ض) وما قام به أصحاب القلوب الحاقدة ذوات الشحناء والبغضاء نحو هذه المحصنة الغافلة التقية الزكية، ليس ذلك الوحيد من نوعه، وإنما هذا إعادة لما حدث من قبل لمريم البتول (س) في بني إسرائيل، ولـ ((سيتا)) المرأة الطاهرة في الديانة الهندوسية. فوجد الخبيث عدو الله عبد الله بن أبي متنفسا، فتنفس من كرب النفاق والحسد الذي بين ضلوعه، فجعل يحيك الإفك ويوشيه، ويشيعه ويذيعه، ويجمعه ويفرقه، وكان أصحابه يتقربون به إليه. ولما سمع المسلمون الصادقون وسادات الصحابة قالوا: هذا بهتان عظيم، وهذا أبو أيوب (ض) قالت له امرأته أم أيوب: يا أبا أيوب ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلى، وذلك الكذب أكنت يا أم أيوب فاعلة؟ قالت: لا والله ما كنت

стр. 125

لأفعله، قال: فعائشة خير منك (١). وقد شارك عبد الله بن أبي ابن سلول في هذه المؤامرة ثلاثة آخرون وهم حسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، ومسطح بن أثاثة (ض)،، مع أن حسان بن ثابت وحمنة بنت جحش لم يكونا مع المسلمين في هذه الغزوة، ولم يشاهدا الحادث بأم أعينهم، إلا أن حسان (معاذ الله) كان فرحا شامتا بصفوان وفضيحته، وكان قلقا على ما حصل للمهاجرين من عزة وسعادة في المدينة أكثر من أهلها، وقد قال شعرا يعرض بصفوان فيه: ((أمسى الجلابيب قد عزوا وقد كثروا ... وابن الفريعة أمسى بيضة البلد)) (٢) أما حمنة شقيقة أم المؤمنين زينب بنت جحش (ض) فقد أرادت أن تضار عائشة (ض) بهذه الطريقة لكي تعظم من شأن أختها وعزتها عند الرسول ﷺ . وأما مسطح فأمره غريب، وكل واحد يستغرب ذلك، كيف قام بذلك مع أن أبا بكر (ض) هو الذي كان يتكفله وينفق عليه لقرابته منه وفقره. وليس أشد على نفس الفتاة خاصة ولا أوجع لضميرها من مطعن يهدم سمعتها، ويعصف بهناءتها، ويفقدها الرجل الذي تحبه، والمكانة التي تبوأتها، وأشد ما يكون ذلك على البريئة العزيزة التي يهولها الأمر على قدر ظلمها فيه وعلى قدر نكبتها بما تفقده من العزة والسمعة، لم تكن عاشة (ض) مطلعة على هذا الخبر المفجع المؤلم، ولم تشعر بالشر إذ خرجت مع أم مسطح قبل المناصع، تقول (ض): ((فخرجت مع أم مسطح قبل المناصع وكان متبرزنا، وكنا لا نخرج إلا ليلا .... فانطلقت أنا وأم مسطح، إذ عثرت في مرطها فقالت: تعس مسطح، قالت: قلت: بئس - لعمر الله - ما قلت لرجل

стр. 126

من المهاجرين قد شهد بدرا، قالت: أو ما بلغك الخبر يا بنت أبي بكر؟ قالت: قلت: وما الخبر؟ فأخبرتني بالذي كان من قول أهل الإفك، قالت: قلت: أو قد كان هذا؟ قالت: نعم والله فقد كان، قالت: فوالله أني ما قدرت على أن أقضي حاجتي، ورجعت)) (١) قالت: فلما تيقنت بالخبر جئت إلى بيت أمي، فقلت لأمي: يغفر الله لك، تحدث الناس بما تحدثوا به وبلغك ما بلغك، ولا تذكرين لي من ذلك شيئا، قالت: أي بنية خففي الشأن، ثم جاءت أنصارية فحكت لي كل القصة، حتى لم يبق هناك أي مجال للشك، فلما سمعت خررت مغشيا علي، ودخلت في بيتي، ووعكت وعكا شديدا، ورسول الله ﷺ كان يدخل علي ولكن لا أعرف منه اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل علي رسول الله ﷺ فيسلم ثم يقول: كيف تيكم؟ ثم ينصرف، فذلك يريبني، فقلت له: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ فأذن لي رسول الله ﷺ قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، فأصبح عندي أبواي وقد بكيت ليلتين ويوما حتى أظن أن البكاء فالق كبدي، وتقول أمي: يا بني هوني على نفسك الشأن، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها (٢). وذات مرة أرادت أن تلقي نفسها في البئر نظرا إلى الغيرة الشديدة. فلما سمع صفوان بالشعر الذي هجاه فيه حسان حلف بالله وقال: سبحان الله ما كشفت ثوبا عن أنثى (٣)، واعترضه بالسيف وضربه ثم قال: ((تلق ذباب السيف عني فإنني ... غلام إذا هوجيت لست بشاعر)) فلما ضربه صفوان بسيفه جيء به إلى الرسول ﷺ ، فدعا حسان وصفوان بن المعطل، فقال ابن المعطل: يا رسول الله إنه آذاني وهجاني فاحتملني الغضب فضربته فقال رسول الله ﷺ لحسان: أحسن يا حسان

стр. 127

أتشوهت على قومي أن هداهم الله للإسلام، ثم قال: أحسن يا حسان في الذي أصابك، قال: هي لك يا رسول الله، قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن إبراهيم أن رسول الله ﷺ أعطاه عوضا منها بيرحاء، وهي قصر بني جديلة اليوم بالمدينة، وكانت مالا لأبي طلحة بن سهل تصدق بها على آل رسول الله ﷺ ، فأعطاها رسول الله ﷺ حسان في ضربته (١). ومما لا شك فيه أن أم المؤمنين كانت مبرأة من كل الاتهامات براءة كاملة، إلا أن الحاجة كانت داعية إلى التحقيق والتمحيص لتسكيت ألسنة الناس والمتحدثين بالأقاويل، فدعا رسول الله ﷺ عليا وأسامة (ض) يستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة (ض) فأشار على رسول الله ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود، فقال: أهلك ولا نعلم إلا خيرا، وأما علي (ض) فقال: يا رسول الله لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك، فدعا رسول الله ﷺ بريرة، فقال: أي بريرة هل رأيت شيئا يريبك؟ (وبريرة لم تستوعب سؤال النبي ﷺ ، لأن الواقع كان أصلا مستبعدا ومستحيلا وظنت أنهم يستفسرونها عن الأمور المنزلية) فردت: والذي بعثك بالحق ما رأيت عليها أمرا قط أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله، ثم سألها الرسول ﷺ بألفاظ صريحة فقالت: أحمي سمعي وبصري، والله لعائشة أطيب من طيب الذهب (٢). وزادت بعض الروايات: أن عليا (ض) ضرب الجارية وهو يقول: أصدقي رسول الله ﷺ وزعم بعض الناس نظرا إلى ضربه الجارية أن عائشة (ض) تأذت بفعل علي هذا، وقد كان ذلك من ضمن الاتهامات التي اتهم بها بنو أمية عليا (ض)، ولكن فندها الإمام الزهري (ح) في حينها. أما من الضرائر فكانت زينب بنت جحش (ض) هي التي تسامي

стр. 128

عائشة (ض) من أزواج النبي ﷺ ، (وقد شاركت أختها حمنة المتآمرين في هذه القضية) فسألها الرسول ﷺ عن أمر عائشة فقال: يا زينب ما علمت ما رأيت؟ فقالت: ((يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عليها إلا خيرا)). ثم قام رسول الله ﷺ من يومه فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول فقال رسول الله ﷺ ((من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، وقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي، فقام سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله أنا والله أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه - وكانت العداوة بين الأوس والخزرج مستمرة من زمن بعيد، فلما أشرق فجر الإسلام قضى على هذه الفتنة، ولكن رماد هذه النار لم يخمد كليا، فكلما هبت ريح ولو خفيفة توقد هذه النار وتشتعل أشعتها وتحيط بهاتين القبيلتين - فلما سمع ذلك سعد بن عبادة (رئيس الخزرج) ساءه ذلك، ورأى أن ما قاله سعد بن معاذ هو تدخل منه في غير قبيلته من غير حق. فقام وقال: كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على ذلك، فقام أسيد بن حضير - وهو ابن عم سعد بن معاذ - فقال: كذبت لعمر الله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا، ورسول الله ﷺ على المنبر، فنزل فخفضهم حتى سكتوا وسكت)). ثم دخل رسول الله ﷺ على عائشة (ض)، وهي كانت مضطجعة على فراش المرض وأبواها جالسان عندها، لا يرقأ لها دمع، إذ جلس عندها ثم قال: يا عائشة إنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب، تاب الله عليه، فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته، تقول (ض): قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، وقلت لأبي: أجب عني رسول الله ﷺ ، قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ ، فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله ﷺ فيما قال: فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ ، قالت عائشة: وأنا

стр. 129

جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن، فقلت: إني والله لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس، ووقر في قلوبكم وصدقتم به ولئن قلت لكم إني بريئة والله يعلم أني بريئة لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني بريئة لتصدقنني، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف إذ قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] (١). أهداف المنافقين من وراء حادث الإفك: هذا وكان المنافقون قد استهدفوا من وراء هذه الفتنة العظيمة ما يأتي: ١ - إهانة وتشويه سمعة أهل بيت النبي ﷺ ، وبيت الصديق والنيل من أعراضهما، والطعن في حرماتهما. ٢ - التفريق والتشتيت في الأسرة النبوية الكريمة. ٣ - تمزيق شمل المسلمين وجمعهم، وإحداث خلل في قوتهم ووحدتهم وغرس بذور الفرقة في وحدة الأخوة الإسلامية. وظاهرا قد نجحوا في تخطيطهم هذا، وحققوا أهدافهم، وتحققت أحلامهم وآمالهم، إلا أن البيان الرباني كان بانتظارهم يترقبهم، وآن الأوان أن يتكلم ويزيح الستار عن الواقع ويكشف الغمة عن الحقيقة الأصلية، تقول عائشة (ض): فوالله ما رام مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في يوم شات، فلما سري عن رسول الله ﷺ وهو يضحك فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لي: يا عائشة أحمدي الله فقد برأك الله فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ * لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ * لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ * وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ

стр. 130

عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ * وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ * يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١١ - ١٩] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٣ - ٢٤]. فقالت لها أمها: قومي إلى رسول الله ﷺ ، فقالت عائشة: ((والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله)). ثم نفذ الحد في أولئك الثلاثة الذين شاركوا في هذه المؤامرة، فجلدوا ثمانين جلدة (١). هذا وقد أنشد حسان بن ثابت (ض) شعرا يمدح فيه عائشة، ذكره ابن إسحاق في سيرته (٢)، وروى البخاري عن مسروق قال: دخلنا على عائشة (ض)

стр. 131

وعندها حسان بن ثابت ينشدها شعرا يشبب بأبيات له وقال: حصان ززان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل فقالت له عائشة: لكنك لست كذلك (١)، (تشير إلى أنه كان أحد الخائضين في حديث الإفك). موقف المستشرق ((وليم موير)) من حديث الإفك: هذا وقد وقع الكاتب المؤرخ المستشرق ((وليم موير)) فريسة أخطاء فادحة وفظيعة أدبية وتاريخية في حكايته لحديث الإفك. ولا يسعني في هذا الكتاب الموجز أن أستعرض جملة أخطائه التاريخية والأدبية، وسأكتفي بذكر مثال واحد لكل من الخطأ التاريخي والأدبي. يقول وليم موير: ((لما قفل المسلمون من بني المصطلق ووصلوا المدينة، حملوا معهم هودج عائشة (ض)، فوضعوه عند الباب قرب المسجد النبوي أمام النبي ﷺ ، فلما فتحوه لم يجدوا فيه عائشة، وبعد وقت قليل ظهر صفوان بن المعظل (الصحابي المهاجر) فكانت عائشة جالسة على البعير وهو يقودها)). ثم يقول: ((لقد أسرع صفوان بن المعطل لكي يلحق بالجيش، لكنه لم يقدر عليه، فلما نزل الناس وضربوا الخيام جاءت عائشة ودخلت المدينة على مرأى من الناس، يقودها صفوان بن المعطل)). وكل من هذين التصريحين يخالف ما ورد في سائر كتب الأحاديث والسير، ولا شك أن غرض ((وليم موير)) من ذلك لهو بعينه غرض كل متشبث بحديث الإفك ليتخذ منه سبيلا إلى الطعن في الإسلام، وتشويه صورة الواقعة بشكل أسوأ وأفضح، لأنه قد ثبت باتفاق علماء السير والتاريخ أن صفوان قد أدرك الجيش في الظهيرة قبل الوصول إلى المدينة، فلا علاقة للموضوع بالمدينة المنورة.

стр. 132

كان الناس يطعنون في حسان بن ثابت ويسبونه، لكن عائشة (ض) لم تسبه قط بلسانها فحسب بل إنها كانت تمنع الناس أن يسبوه. عن هشام عن أبيه قال: ذهبت أسب حسان عند عائشة فقالت: ((لا تسبه فإنه كان ينافح عن النبي ﷺ ) (١). وهذه عائشة (ض) تبين لنا سبب الامتناع عن سب حسان بن ثابت (ض) كما في الحديث الآتي: عن مسروق قال: دخل حسان بن ثابت على عائشة فشبب وقال: حصان رزان ما ترى بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل قالت: لست كذاك، قال مسروق: فقلت لها: لم تأذنين له يدخل عليك وقد أنزل الله ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ ...﴾ فقالت: فأي عذاب أشد من العمى، وقالت: إنه كان ينافح أو يهاجي عن رسول الله ﷺ (٢). إلا أن السير وليم موير يرى سببا آخر لمنع عاشة (ض) عن سب حسان فيقول: ((لقد أنشد حسان قصيدة رائعة مدح فيها عائشة وعفتها وحسنها وذكاءها وفطنتها وجمالها الجسمي، وأدى هذا المدح الغني بالتملق والمجاملة إلى إيجاد علاقة بينهما)). ويا ليت لو بين لي هذا المستشرق كلمة واحدة في قصيدة حسان التي تثني على حسن عائشة وروعتها وبهائها ورقة بدنها ووضاءتها، ولعله فاته أن حسان بن ثابت (ض) حينما أنشد هذه الأبيات عند عائشة (ض) كان أعمى، وكانت هي قد بلغت من عمرها أربعين عاما، فمن أين لها الجسم الرقيق في مثل هذا العمر، وقد سبق أن ذكرنا أنها قد سمنت وبدنت وعمرها خمسة عشر عاما (٣).

стр. 133

وأغرب من ذلك كله مما يدعو إلى الاستعجاب والضحك قوله: ((كانت تلك القصيدة تتضمن الثناء على جسم عائشة الرقيق النحيف، وكانت تتأذى بالهجاء للجسم النحيف الرقيق، فلما بلغ حسان إلى الفقرة التي تشير إلى جسمها النحيف، أوقفته لبرهة من الزمن بالتدلل وذمته على سمنته)). وقد استعرضت سائر دفاتر التاريخ الإنساني واستطلعت كل السجلات والصحائف، وتصفحت الكتب، ومع كل هذا التتبع لم أجد لها هذه الأوصاف الخلقية والخلقية أبدا. وفي الأخير بدأت أبحث في الموضوع على منهج المستشرق وليم نفسه وطريقه التي سلكها فبدا لي أن التقصير لم يكن في الصورة، وإنما كان مترشحا وناتجا عن ذلك الذهن والنظر الذي يزعم أنه أعرف الأوروبيين باللغة العربية، وأبرعهم فيها وأقدرهم على تعيين فحواها ومرادها. وواقع الأمر أن سوء فهمه أتى من تفسيره للخبر فقد ورد أن البيت الثاني من القصيدة هو ((وتصبح غرثى من لحوم الغوافل)) فقالت له عائشة: ((ولكنك لست كذلك)). وأكل لحم الغير يطلق في اللغة العربية على الغيبة، وذكر أحد بما يكرهه، وكان غرض حسان من هذا الشعر أن عائشة (ض) لا تغتاب أحدا، ولا تطعن في أحد، فقالت له عائشة تعريضا: ولكنك لست كذلك، تعني: أنه يغتاب، وتشير بذلك إلى أن حسان كان أحد الخائضين في حديث الإفك، فلم تقصد أبدا أنها كانت نحيفة الجسم وهو متين وسمين (وحاشاها من ذلك) ولا شك أن مثل هذه الجهالة الجهلاء، وعدم الإلمام بمعاني وفحوى الكلمات، وتحميل اللفظ ما لا يحتمله هذا كله لا يوجد إلا في غرائب أوروبة وعجائبها. وفي النهاية نشكره على أنه قد استبعد حديث الإفك حيث قال بعد الإشارة إليه: ((إن سيرة عائشة قبل الحادث وبعده لتوجب علينا أن نعتقد

стр. 134

براءتها من التهمة)) (١). ثانيا - مشروعية التيمم: خرجت عائشة (ض) مع رسول الله ﷺ في إحدى أسفاره، وكان في عنقها نفس العقد الذي كان في غزوة بني المصطلق، فلما قفل المسلمون ووصلوا إلى ذات الحبيش انسل العقد من عنقها وذلك من السحر (٢)، فحبس رسول الله ﷺ لالتماسه. تقول عائشة (ض) وهي تحكي لنا القصة بتمامها: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الحبيش انقطع عقد لي، فأقام رسول الله ﷺ على التماسه وأقام الناس معه، وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله ﷺ وبالناس، وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر الصديق، ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله ﷺ والناس، وليسوا على ماء وليس معهم ماء، قالت عائشة: فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي ولا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله ﷺ على فخذي، فقام رسول الله ﷺ حتى أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم فتيمتوا (٣). إن من خصائص الشريعة الإسلامية وميزات أحكامها أن الله قد أنزلها في أوقات مناسبة وحسب الحاجات الإنسانية والمصالح البشرية، فالوضوء كان فرضا للصلاة، لكن واجه المسلمون مشكلات في عشرات المواضع حيث لم يتوفر فيها الماء، وهذا المكان كان من تلك المواضع التي لم يجد فيها المسلمون الماء، فأنزل الله تعالى حكم التيمم نظرا لحاجتهم

стр. 135

الشديدة ورحمة بهم وشفقة عليهم لكي يقيموا أكبر شعائر الإسلام وأهم فرائضه ألا وهي الصلاة، ونزلت الآية الكريمة: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣] فلما نزلت هذه الآية سرعان ما تحول جو المعاتبة والغضب إلى جو من الفرح والسرور والبهجة والحبور، وبدأ المسلمون يرفعون أيديهم إلى فاطر السماوات والأرض داعين لأم المؤمنين عائشة (ض)، حيث أكرم المسلمون بهذه النعمة الإلهية العظمى من أجلها، وقام أسيد بن حضير ووجهه متهلل بمعالم الفرح يقول: ((ما هي أول بركتكم يا آل أبي بكر)) (١) وهذا أبو بكر الصديق (ض) الذي لقيت منه عائشة (ض) ما الله به عليم من التعنيف والتأنيب، بدأ يقول حين جاء من الله ما جاء من الرخصة للمسلمين: ((والله ما علمت يا بنية أنك لمباركة، ماذا جعل الله للمسلمين في حبسك إياهم من البركة واليسر)) (٢) ثم وجدوا العقد الذي افتقدته عائشة (ض) وكان تحت البعير. ...

стр. 136

الفصل الخامس وقائع التحريم والإيلاء والتخيير أولا - التحريم: سبق أن ذكرنا أن أزواج النبي ﷺ كن حزبين، وكان الحزب الأول يضم عائشة وحفصة وسودة وصفية ﵅، والحزب الآخر يضم زينب وبقية الأزواج المطهرات، وكان من عادته ﷺ أن يزور سائر أزواجه ويقضي معهن شيئا من الوقت بعد صلاة العصر، ويعدل في الجلوس عندهن حتى لا يمكن أن ترجح كفة واحدة على الأخرى، إذا به يجلس عند أم المؤمنين زينب (ض) فوق العادة، وظلت بقية الأزواج ينتظرنه في أوقاتهن المحددة والمعتادة، فأرابهن ذلك، وسألت عائشة النبي ﷺ عن سبب التأخير، فقال ﷺ : إن امرأة من قوم زينب أهدت لها عكة من العسل -وكان العسل من أحب الأشياء إلى رسول الله ﷺ - وهي تسقيه منه كل يوم، فيتناوله ولا يرفض حتى لا ينكسر خاطرها، وهذا هو سبب التأخير، فتواطأت عائشة وحفصة وسودة أن يحتلن له، وقلن: أيتنا دخل عليها النبي ﷺ فلتقل له: ماذا شربت؟ وما هذه الريح التي أجد منك؟ - وكان الرسول ﷺ يكره أن توجد منه الريح (١) - فإن قال: شربت عسلا، فلتقل: جرست نحله العرفط (شجر الطلح)، ولعله عسل المغافير - والمغافير شيء ينضحه شجر العرفط حلو كالناطف، وله ريح منكرة - وهكذا وقع، فقال النبي ﷺ : لا، ولكني كنت أشرب عسلا عند زينب بنت جحش، فلن أعود له وقد حلفت (٢). وهكذا بدأ النبي ﷺ يكره العسل وحلف أن لا يشربه.

стр. 137

ولو صدر ذلك الحلف من إنسان عادي لم تكن له أية أهمية، ولكنه صدر من الشارع العظيم الذي يكون كل قول مما نطق به لسانه سببا لتشريع الشرائع وتأصيل الأصول. ولذلك أنزل الله تعالى العتاب ونزلت آيات من سورة التحريم: ﴿يا يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ١ - ٢]. وأثناء هذه الفترة أسر النبي ﷺ إلى حفصة شيئا، فأخبرت عائشة بذلك، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ * إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٣ - ٤]. إذن ما هو السر الذي طلب من حفصة أن تخفيه؟ وقد ورد في صحيح البخاري أن ذلك كان حادث تحريم العسل (١)، كما ورد في بعض الروايات الضعيفة أن رسول الله ﷺ كانت له أمة تسمى مارية يطؤها فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرمها على نفسه، وأكد على حفصة أن تحافظ على هذا السر ولا تفشيه عند أحد، فأخبرت بها عائشة فنزلت هذه الآية (٢).

стр. 138

ولكن هنا ينشأ السؤال أنه لما لم يكن قصد النبي ﷺ بالتحريم إرضاء عائشة وحدها كما هو منصوص في الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ فلا معنى لإخفاء هذا السر فقط عن عائشة. لأنه قد أمكن الحصول على رضاها بعدما اطلعت على هذه الواقعة، كما أن الآية الكريمة تدل على أن ما حرمه الرسول ﷺ ليس له أي علاقة بالأمة، لأننا حنى لو سلمنا بصحة هذه الرواية، فإنها تدل على أن حفصة هي التي طلبت من النبي ﷺ ذلك. بينما الآية تستوجب أن يكون ذلك رغبة مشتركة من ثلاثة من الأزواج على الأقل. وليس من واحدة فقط. ثم سر الاحتراز عن طعام أو أمة ليس بذاك الأهمية حتى يتطلب مؤازرة المسلمين في الأرض والملائكة في السماء، لأنه ﷺ لو لم يتناول العسل ولم تبق له علاقة ظاهرية مع الأمة لعرف الناس أنه ﷺ فعل كذا، مثل ما كان الأمر في الضب، حيث كان العرب كلهم يأكلونه، لكن النبي ﷺ لا يعجبه ذلك، كما أنه ﷺ كان قد طلق بعض أزواجه أو فكر بذلك، ولكن لم يكن شيء من ذلك سرا مخفيا عن الناس، والذين لديهم إلمام بأساليب القرآن الكريم العامة ومناهجه في البيان والتوضيح، واطلاع على اللغة العربية وقواعدها، يعرفون حق المعرفة أن الكلمة التي تأتي بعد ((إذ)) تكون جملة مستأنفة وقصة جديدة، فالآية السابقة تناولت موضوع التحريم، ثم استأنفت موضوعا جديدا، وما هو هذا الموضوع؟ قد بينه القرآن الكريم في آية أخرى ألا وهو ((الظهار)) (١) وسوف نذكر تفاصيل موضوع الظهار لاحقا.

стр. 139

إن منافقي المدينة المنورة الذين سبق أن ذكرنا بعض نماذج من خبثهم ومكرهم وحقدهم على الإسلام والمسلمين لم تسنح لهم فرصة أغلى وأثمن لإبداء كراهيتهم والضغينة الدفينة في قلوبهم تجاه النبي ﷺ من هذه الفرصة، ولا عجب أن غرسوا بذورا من المؤامرة الخطيرة، ولا نقول ذلك قياسا أو استنباطا، وإنما يدل عليه آيات من القرآن الكريم، والآية السابقة بما لها من الأهمية البالغة تشير إلى هذا الواقع، والآية بعدما بينت وأرشدت الناس إلى أن لا يكون حب الأهل والأولاد عائقا لهم دون الصراط المستقيم جاء قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التحريم: ٩] ثم في الخطاب نفسه ساقت الآية قصة أزواج نوح ولوط (س) ووضحت أنهما لو لم يتبعا طريق الحق، وانحرفتا عن سواء السبيل فماذا أضرتا بالأنبياء، أو بدعوتهم؟ وهكذا أنتم ياأيها المنافقون ماذا بوسعكم أن تؤذوا النبي ﷺ أو تضروه بشيء بموجدة زوجاته المؤقتة عليه؟ كما يدل على صحة هذا القياس ما نزل من الآيات ضمن هذه القصة (١) وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]. تفنيد بعض الشبهات: لقد أخطأ بعض المفسرين فى تفسير قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم: ٤] إذ قالوا إن معنى قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ إن رجعتما إلى الله فهو واجب، لأن قلوبكما قد زاغت، وهذا المعنى لا يصح لثلاثة وجوه:

стр. 140

١ - لأن هذه جملة شرطية حذف جزاؤها، والجزاء المحذوف في تقديري كلمة ((فلا بأس)) لا كما قدره المفسرون وهو ((فهو واجب)) والملمون بقواعد اللغة العربية يعرفون تمام المعرفة أنه إذا حذف الجزاء بعد ((إن)) الشرطية، وذكرت علة الجزاء بـ ((فقد)) فيكون الجزاء المقدر دائما هو كلمة ((لا بأس)) أو ((لا حرج)) أو ((لا ضير)) أو ((فهو هين)) وقد ورد في شعر العرب، وفي القرآن الكريم نفسه أمثلة كثيرة من ذلك (١). ٢ - ولا يصح أن تترجم كلمة ((صغت)) بـ ((زاغت)) لأن عائشة (ض) وبقية أمهات المؤمنين حاشاهن أن تزيغ قلوبهن أو تضل. هذا ويوجد في اللغة الأردية مفهومان: ١ - الانحراف عن الشيء. ٢ - الميلان إلى الشيء. أما في اللغة العربية فيعبر عن هذين المفهومين ثلاثة أنواع من الكلمات: الأول: الذي يدل على المعنى الأول مثل: انحرف، زاغ، حاد. الثاني: الذي يدل على المعنى الثاني مثلا: زاغ؛ تاب، التفت، توجه. الثالث: الذي يدل على المعنى الأول والثاني معا مثلا: مال، شغل، عدل، رجع. فكلمة ((صغى)) استعملت للمعنى الثاني، إلا أن بعض المفسيرين قد أرادوا به المعنى الثالث، ومعظمهم استخدموه للمعنى الأول، وهذا من الأخطاء الأدبية الفادحة، التي لا تستند إلى أي دليل أو برهان في أساليب

стр. 141

اللغة العربية واستعمالاتها (١)، وقد وردت هذه الكلمة في موضع آخر من القرآن الكريم: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١١٣] وليس معناها الانحراف ولا الزيغ. ٣ - لم تنص الآية الكريمة ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ على الشيء الذي مالت إليه قلوب عائشة وحفصة (ض)، وقد ذكر بعض المفسيرين أن قلوبهما - نعوذ بالله- مالت إلى إيذاء الرسول ﷺ ، بينما القاعدة تقول: إن الكلمة المحذوفة تكون موجودة حوالي الجملة إما قبلها أو بعدها، أو تدل عليها القرائن الغالبة، وقد ذكرت كلمة ((التوبة)) من قبل، فيغلب الظن أن هذه هي الكلمة المقدرة والمحذوفة، ولو أظهرنا ما حذف من الآية تكون العبارة كالآتي: ((إن تتوبا إلى الله (فهو هين) فقد صغت قلوبكم ((إلى التوبة إلى الله))). ثانيا - الإيلاء: وقعت قصة الإيلاء عندما وقع التحريم، وذلك في العام التاسع الهجري، وكانت قد اتسعت رقعة الدولة المسلمة آنذاك، واستولى المسلمون على مناطق بعيدة، فكانت المدينة تردها الخيرات بقدر وافر بين فينة وأخرى، وكثرت الغتيمة والفيء إثر الفتوحات الإسلامية، في مشارق الأرض ومغاربها، ورغم كل هذه السعة في الخيرات والكثرة في الأموال وامتلاء خزائن بيت مال المسلمين بالثروات، ما زالت حياة النبي ﷺ في وضعها السابق لم تتغير، فكانوا يعيشون عيشة الشدة والشظف والعسرة، وعلى قمة من الزهد والقناعة.

стр. 142

وبعدما فتح الله خيبر للمسلمين فرض النبي ﷺ للأزواج المطهرات قدرا معلوما من الأطعمة والتمور سنويا، وهذا القدر من المال كان أقل من حوائجهن السنوية، زد على ذلك ما أكرمهن الله تعالى من الكرم والجود وطول اليد للإنفاق في سبيل الله، والبذل والعطاء في سبيل الخير، فتمضي أيام ولا توقد النار في بيوت أزواج النبي ﷺ ، وكما هو المعلوم أن الأزواج المطهرات منهن من كانت بنت شيخ قبيلة أو رئيس أو ثري، والبعض منهن كن عشن سابقا مع أزواجهن أو بيوت آبائهن عيشة الترف وفي التنعم والهناء، لم تمسهن العسرة ولا الشدة في العيش لا من قريب ولا من بعيد، فلما رأين هذه السعة في الأموال التي حصلت للمسلمين إثر الفتوحات الإسلامية طالبن الرسول ﷺ بالمزيد من النفقة والزينة، فلما سمع عمر بذلك أصابه القلق والاضطراب فدخل على حفصة، وفهمها الأمر وقال: ((لا تسأليه شيئا وسليني ما بدا لك))، والله لولا أنا لطلقك الرسول ﷺ ، ثم ذهب إلى أخرى ونصحها، فقالت له أم سلمة: عجبا لك يا ابن الخطاب قد دخلت في كل شيء حتى تبتغي أن تدخل بين رسول الله ﷺ وأزواجه، يقول عمر بن الخطاب (ض): ((فأخذتني أخذا كسرتني عن بعض ما كنت أجد فخرجت من عندها)) (١). وذات مرة دخل أبو بكر وعمر (ض) على رسول الله ﷺ فوجدا النبي ﷺ جالسا حوله نساؤه واجما ساكتا يطلبن منه النفقة، فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها كلاهما يقول: ((تسألن رسول الله ﷺ ما ليس عنده؟ فقلن: والله لا نسأل رسول الله ﷺ شيئا أبدا ليس عنده)) (٢). أما بقية الأزواج فبقين على طلبهن، وفي هذه الفترة ((ركب رسول الله ﷺ فرسا بالمدينة فصرعه على جذم نخلة فانفكت قدمه (٣) فجلس في مشربة له

стр. 143

واعتزل فيها وآلى من نسائه شهرا، وشهر المنافقون وشاع بين المسلمين أن النبي ﷺ طلق نساءه)). وكان لهذه الإشاعة بين المسلمين رجة أي رجة، فاجتمع الصحابة (ض) في المسجد يبكي بعضهم، وبدأت أمهات المؤمنين يبكين، ولا ريب أن نساء النبي أنفسهن كانت بينهن للنبأ رجة أشد عليهن من بقية المسلمين، وكان لهذه العقوبة - التي لم يعاقبن بمثلها من قبل - في قلوبهن أبلغ الأثر، ولم يتجرأ أحد أن يستفسر من الرسول ﷺ عن الحادث، وبوسعنا أن نتخيل تلك الرجة بين الصحابة إذا علمنا أن صاحبا لعمر بن الخطاب سمع بالنبأ ليلا فأسرع إلى بابه يدقه دقا شديدا، ويسأل عنه في فزع، فقال صاحبه: حدث أمر عظيم، يقول عمر بن الخطاب (ض): فجئت إلى المنبر فإذا حوله رهط يبكي بعضهم فجلست معهم قليلا ثم غلبني ما أجد فجئت المشربة التي فيها النبي ﷺ فقلت لغلام له أسود: استأذن لعمر، فدخل الغلام فكلم النبي ﷺ ثم رجع، فقال: كلمت النبي ﷺ وذكرتك له فصمت، ثم في المرة الثالثة لما وليت منصرفا إذا الغلام يدعوني فقال: قد أذن لك النبي ﷺ فدخلت على رسول الله ﷺ وهو مضطجع على حصير فجلست فأدنى عليه إزاره وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر في جنبه، فنظرت ببصري في خزانة رسول الله ﷺ فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع ومثلها قرظا في ناحية الغرفة، وإذا أفيق معلق قال: فابتدرت عيناي ... فقلت: يا رسول الله أطلقتهن؟ قال: لا، قلت: يا رسول الله إني دخلت المسجد، والمسلمون ينكتون بالحصى، يقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه، أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن؟ قال: نعم، إن شئت، فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق رسول الله ﷺ نساءه (١). وهذا الشهر كان تسعا وعشرين ليلة، وكانت عائشة (ض) تنتظر استيفاء الثلاثين، وقد عدتهن يوما يوما، وعلمت ساعة دخول النبي ﷺ كم مضى وكم

стр. 144

بقي، تقول (ض): فلما مضت تسع وعشرون ليلة دخل على عائشة فقالت عائشة: يا رسول الله إنك كنت قد أقسمت أن لا تدخل علينا شهرا، وإنما أصبحت مع تسع وعشرين ليلة أعدها عدا، فقال: الشهر تسع وعشرون ليلة (١). ثالثا - التخيير: وبما أن عامة الأزواج كن قد طلبن الزيادة في النفقات، ولم يكن للنبي ﷺ أن يلطخ يده بالزخارف الدنيوية وزينتها وبهائها تلبية لرغبات أزواجه، فقد غضب من نسائه لكثرة منازعاتهن، وإلحافهن عليه بطلب المزيد من النفقة والزينة، وكان خير درس لهن يعلمهن أن يصبرن على ضرورات العيش كما يصبر النبي ﷺ عليها، لأنهن قدوة في القناعة ومغالبة الهوى، ولسن بقدوة في الترف ونعمة العيش، وقد خيرن بعد هذا الدرس بين التسريح والصبر على نصيبهن، فاخترن أجمل النصيبين بهن، ونزلت آية التخيير. ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (*) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩]. تقول عائشة (ض): لما مضى تسع وعشرون ليلة دخل علي رسول الله ﷺ بدأ بي فقلت: يا رسول الله إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرا وإنك دخلت مع تسع وعشرين أعدهن، فقال: إن الشهر تسع وعشرون، ثم قال: يا عائشة إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك، ثم قرأ علي الآية ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ حتى بلغ ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ قالت عائشة: قد علم والله أن أبوي لم يكونا ليأمراني بفراقه، قالت: فقلت: أو في هذا أستأمر أبوي، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، ثم قالت: لا تخبر نساءك أني اخترتك، فقال لها النبي ﷺ : ((إن الله أرسلني مبلغا ولم يرسلني متعنتا)) (٢).

стр. 145

الفصل السادس وداع الحبيب في السنة الحادية عشرة للهجرة وها نحن الآن ندخل في المرحلة العصيبة النهائية، والنقطة الأخيرة من مصائب الحياة التي تعاني منها المرأة، ألا وهي وداع الحبيب ومفارقة الزوج. كانت عائشة (ض) في السنة الثامنة عشرة من عمرها عندما التحق المصطفى ﷺ بالرفيق الأعلى، وكانت ملامح الحب والوفاء ومعالم الإخلاص والمودة تلمس بينهما بكل جلاء، وفي كل مكان ومناسبة، فكان يوما من شهر صفر عام ١١ هـ إذ دخل رسول الله ﷺ على عائشة فقالت: وارأساه، فقال رسول الله ﷺ : بل أنا وارأساه (١). ومنذ ذلك الحين ابتدأ به ﷺ وجعه في بيت ميمونة، وكان وجعا في رأسه الكريم، وكان أكثر ما يعتريه ﷺ الصداع، فجعل مع هذا يدور على نسائه فما إن شعر بالمرض حتى أخذ يسأل: أين أنا غدا؟ أين أنا غدا؟ استبطاء ليوم عائشة، فأذن له أزواجه يكون حيث شاء، فكان في بيت عائشة حتى مات عندها (٢). سبب رغبته ﷺ في التمريض في بيت عائشة: وربما يفهم البعض أن سبب رغبته ﷺ في التمريض في بيت عائشة (ض) هو حبه لها، ولكننا ذكرنا سابقا أن الله قد خص السيدة عائشة (ض) بكثير من الفضائل والمزايا الفطرية ووهبها حظا وافرا من كمال العقل وقوة الذاكرة وسرعة الفهم والذكاء المتوقد والبديهة الواعية وقدرة التحصيل والإحاطة بكل
следующие страницы →