← Тараджим

Тараджим · id 13297

سيرة السيدة عائشة أم المؤمنين

سليمان الندوي

Полный текст (367 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

كانت أرضى من عائشة (ض) عن حياتها، فنرى أنه في طوال هذه السنين لم تمتزج هذه الحياة قط بكدر أو مساءة، ولم يعكر صفاء علاقتها بالنبي ﷺ طيلة حياتها في كنفه سوى واقعة الإيلاء، فكانت الحياة يسودها أسمى معاني الحب، وجو المودة واللطف والمؤانسة والوفاء العالي، ولا سيما إذا تصورنا ما كانت عليه الأسرة النبوية من عسر وشدة وشظف في العيش، والصبر على ضروراته، والقناعة، ومغالبة الهوى، والبعد عن الترف ونعمة العيش، فتزداد قيمة هذا الإخلاص والمودة وتسمو مكانة الحب والوفاء. الزوجة الحبيبة: كانت عائشة (ض) من أحب الناس إلى رسول الله ﷺ ، وكان الصحابة (ض) أجمعين قد علموا حبه إياها وأقروا لها بذلك، فإذا كانت عند أحدهم هدية يريد أن يهديها إلى رسول الله ﷺ كانوا يتحرون يوم عائشة (ض) (١)، وقد أثار ذلك غيرة أمهات المؤمنين، ووقعت الغيرة التي لا محيص منها بين الزوجات، فدعون فاطمة بنت رسول الله ﷺ فأرسلنها إلى رسول الله ﷺ فقالت له: إن نساءك ينشدنك العدل في بنت أبي بكر، فكلمته، فقال: ((يا بنية ألا تحبين ما أحب؟ قالت: بلى، فرجعت إليهن فأخبرتهن، فقلن: ارجعي إليه فأبت أن ترجع)) (٢). ثم توسلن بأم سلمة (ض) أن تكلم النبي ﷺ ، فلما دار عليها كلمته، فقال: ((لا تؤذيني في عائشة، فإنه لم ينزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن إلا في لحاف عائشة)) (٣). أهديت للنبي ﷺ ذات مرة هدية فيها قلادة من جزع، فقال: ((لأدفعنها

стр. 72

إلى أحب أهلي إلي))، فقالت النساء: ذهبت بها ابنة أبي قحافة، لكن حب النبي ﷺ الزكي الطاهر الخالص لم يظهر قط في لمعان الزينة الظاهرية وروعة المجوهرات الغالية، فدعا أمامة بنت زينب فعلقها في عنقها (١). وهذا عمرو بن العاص (ض) قد بعثه النبي ﷺ على جيش ذات السلاسل، فلما أتى سأل: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، فقال: من الرجال؟ فقال: أبوها (٢). دخل مرة عمر (ض) على حفصة فقال: ((يا بنية لا يغرنك هذه التي أعجبها حسنها حب رسول الله ﷺ إياها، يريد عائشة)) (٣). ومرة شرد بها الجمل أثناء الطريق، فقلق النبي ﷺ وهو يقول: ((واعروساه)) (٤). ودخل النبي ﷺ في بيتها فقالت: وارأساه! فقال رسول الله ﷺ : ((بل أنا وارأساه))، ومنذ ذلك الحين بدأ مرض النبي ﷺ الذي توفي فيه (٥). وكان ﷺ يتفقد في مرض موته - وفي رواية ((ليتعذر)) - أين أنا اليوم، أين أنا غدا، استبطاء ليوم عائشة (ض) (٦)، فأذن له أزواجه يكون حيث شاء، فكان

стр. 73

في بيت عائشة حتى مات عندها، قالت عائشة: ((فمات في اليوم الذي كان يدور علي أي بيتي، فقبضه الله وإن رأسه لبين نحري وسحري)) (١). كان النبي ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: ((اللهم هذه قسمتي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك)) (٢) (يعني به حب عائشة). سبب حبه ﷺ لعائشة: ويظن عامة الناس أن لحب النبي ﷺ لعائشة (ض) كان لحسنها وجمالها وهذا مرفوض إطلاقا، لأن غيرها من الأزواج المطهرات أمثال زينب وجويرية وصفية ﵅، أيضا كن ذوات حسن وجمال، وكتب الأحاديث والآثار والسير والتاريخ غنية بذكر محاسنهن وجمالهن، ولكن لا يوجد فيها شيء عن حسن عائشة (ض) وجمالها، إلا ما ذكر في موضع أو موضعين، ويستثنى من ذلك ما قاله عمر (ض) لحفصة (ض): ((لا يغرنك هذاه التي أعجبها حسنها حب رسول الله ﷺ إياها)) (٣) فلما سمع النبي ﷺ ذلك تبسم، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على أن عائشة (ض) قد احتلت في قلب النبي ﷺ منزلة في المحبة لم يصل إليها غيرها من أمهات المؤمنين. غير أن الأصل في هذا الباب هو ما روته عائشة (ض) نفسها (٤)، ورواه أبو هريرة (ض) كما في صحيح مسلم وسنن أبي داود أن الرسول ﷺ قال:

стр. 74

((تنكح المرأة لأربع، لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك)) (١). وبالتالي فأحب نساء النبي ﷺ هي: من تكون أنفع لخدمة الدين ونشر الإسلام من غيرها. والشيء الذي يميز أم المؤمنين عائشة (ض) على غيرها من أمهات المؤمنين هو بلوغ علمها ذروة الإحاطة والنضج في كل ما اتصل بالدين من قرآن وتفسير وحديث وفقه، والنضج في الاجتهاد، والنظر في دقائق المسائل، واستنباط الأحكام للوقائع الجديدة، والاضطلاع فيه، فكان من الطبيعي أن تكون هي أحب إلى رسول الله ﷺ من غيرها. وقد فصل القول في هذا الموضوع العلامة ابن حزم (ح) في كتابه ((الفصل في الملل والأهواء والنحل)) (٢) وأثبت ذلك بالدلائل القاطعة. روى أصحاب الكتب الستة عن أبي موسى الأشعري (ض) أن رسول الله. قال: ((كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء غير مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد

стр. 75

على سائر الطعام)) (١). وهذا الحديث خير دليل على الباعث الحقيقي والسبب الواقعي الذي من أجله كان النبي ﷺ يحب عائشة (ض) ويكرمها، ويرفع من مكانتها، هل كان ذلك من أجل الحسن والجمال الظاهري، أو بسبب الفضل والكمال الباطني، والتي تلي عائشة (ض) في الكمالات الداخلية والفضائل والمناقب هي أم سلمة (ض)، ولهذا فإنها كانت محبوبة لدى الرسول ﷺ رغم كبر سنها، وها هي خديجة (ض) قد توفيت وهي بنت ستين سنة، لكنها شغلت قلب النبي ﷺ بعد وفاتها، فلم يزل يذكرها، وهو شديد الكلف بها والتطلع إليها، حتى أثار ذلك غيرة عائشة (ض) (٢)، وكان رسول الله ﷺ - على حلمه -ربما يغضب أحيانا من ثورتها على ذكرى خديجة (٣). الزوج الحبيب ﷺ -: لم تكن عائشة (ض) ممن تحب النبي ﷺ فحسب، وإنما كانت تعشقه وتعجب به إلى أقصى درجة، لقد كانت تحبه حب المسلمة لنبيها وحب الزوجة لزوجها، والمرأة لرجلها، معجبة بجماله، كما كانت معجبة بأدبه وعظمة قدره، بحيث لو ادعى أحد غيرها مثل حبها له كانت تأسى عليه.

стр. 76

هذا وقد اعترفت أمهات المؤمنين لعائشة (ض) بهذه المكانة العالية رغم مشاعر الغيرة، لأن الحب الذي يبدو من فطنة عائشة لأسرار النبي أعمق وأقوى، فما منهن من لصقت بنفسه كما لصقت بها، ومن نفذت إلى معانيه كما نفذت إليها، ومن عاشرته في روحه وطويته، كما عاشرته بروحها وطويتها. ومن شدة حبها له ﷺ أنها لو استيقظت من النوم ولم تجده جنبها يصيبها القلق والاضطراب، تقول: كنت نائمة إلى جنب رسول الله ﷺ ففقدته من الليل - والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح -فلمسته بيدي، فوضعت يدي على قدميه وهو ساجد يقول: ((أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)) (١). كما تحكي لنا قصة أخرى من نفس النوعية فتقول: فقدت رسول الله ﷺ ذات ليلة، فظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه، فتجسسته فإذا هو راكع أو ساجد يقول: ((سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت، فقالت: بأبي أنت وأمي، إني لفي شأن وإنك لفي آخر)) (٢). نماذج من غيرة عائشة على ضرائرها: كذلك فقدته ذات ليلة وقد مضى من الليل نصفه، فبدأت تبحث عنه، حتى وجدته في البقيع، وهو رافع يديه يدعو ربه، فانحرفت، فلما أصبحت

стр. 77

أخبرته بما حدث، فقال ﷺ : ((فأنت السواد الذي رأيت أمامي؟ فقالت: نعم)) (١). وكان النبي ﷺ إذا أراد السفر أقرع بين نسائه، فمرة طارت القرعة لعائشة وحفصة. وكان النبي ﷺ إذا كان بالليل سار مع عائشة يتحدث، فقالت لها حفصة: ألا تركبين الليلة بعيري؟ وأركب بعيرك؟ تنظرين وأنظر؟ فقالت: بلى، فركبت، فجاء النبي ﷺ إلى جمل عائشة وعليه حفصة، فسلم عليها ثم سار، حتى نزلوا، وافتقدته عائشة، فلما نزلوا جعلت رجلها بين الإذخر، وتقول: ((يا رب سلط علي عقربا، أو حية تلدغني، رسولك ولا أستطيع أن أقول له شيئا)) (٢). وإذا تأملنا في الفقرة الأخيرة من الحديث تبين لنا مدى غيرتها الشديدة، والأنوثة التي فيها، والمنافسة القوية التي كانت فيما بين الضرائر. ولما آلى النبي ﷺ من نسائه لمدة شهر وأقام في مشربة له عند حجرة عائشة، واعتزلهن، كان لهذا أثر عميق على أمهات المؤمنين، وإذا هن يبكين

стр. 78

من شدة ما أصابهن من حزن وقلق، حتى لم تستطع إحداهن أن تدخل عليه من دون إذن، وعائشة (ض) كانت تعد الشهر عدا تنتظر انتهاءه، فلما كمل الشهر أول ما بدأ النبي ﷺ بدأ بعائشة (ض) (١). هذا وقد كانت أمهات المؤمنين على درجات متفاوتة من الناحية الاقتصادية في بيوت آبائهن، فبعضهن كن من الأسر الثرية ذات الأموال والخيرات، وكن تربين في الترف ونعمة العيش، فنازعن النبي ﷺ ، وألحفن عليه بطلب المزيد من النفقة والزينة، فنزلت آية التخيير (٢)، فخيرهن النبي ﷺ بين التسريح والصبر على نصيبهن، فاخترن أجمل النصيبين بهن، وهو الصبر على سنة الأنبياء وأمهات المؤمنين، ورضين بهذه الحياة النبوية بكل فرح وسرور وسعادة، فبدأ النبي ﷺ بعائشة أول امرأة من نسائه كلهن (٣)، فاختارته وقالت: ((يا رسول الله لا تخبر أزواجك أني اخترتك)) (٤)، وهنا تظهر غيرتها واستئثارها به ﷺ دون غيرها، وذلك لكي تنال فضل التقدم في الاختيار، وفي كلامها هذا إيحاء إلى الطبيعة النسائية وفطرة المرأة التي جبلت عليه. وفي نهاية أيام هذا الحادث نزلت آية الإرجاء (٥)، حيث خير النبي ﷺ بإبقاء من أراد من أزواجه في كنفه، ومفارقة الأخريات، إلا أنه ﷺ لم يرض بمفارقة أي واحدة منهن، نظرا لما كان يحمل ﷺ بين جنبيه من الرحمة والشفقة

стр. 79

والحب والوفاء للأزواج المطهرات. وكانت عائشة (ض) تقول: ((إن كان ذاك إلي فإني لا أريد يا رسول الله أن أوثر عليك أحدا)) (١). ولما أتى النبي ﷺ نعي جعفر الطيار (ض) غزوة مؤتة حزن حزنا شديدا، فأتاه رجل فقال: يا رسول الله إن شاء جعفر ... وذكر بكاءهن، فأمره بأن ينهاهن، فذهب الرجل ثم أتى فقال: قد نهيتهن، وذكر أنهن لم يطعنه، فأمره الثانية أن ينهاهن، فذهب ثم أتى فقال: والله لقد غلبنني أو غلبننا، فقال النبي ﷺ : ((فاحث في أفواههن التراب، وعائشة (ض) كانت تطلع عليه من شق الباب، فقالت: أرغم الله أنفك فوالله ما أنت بفاعل، وما تركت رسول الله ﷺ من العناء)) (٢). وغالبا ما ينام النبي ﷺ ويضع رأسه على فخذ عائشة، وذات مرة جاءها أبو بكر (ض) ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذها قد نام، فعاتبها وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعنها بيده في خاصرتها، تقول عائشة: ((فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله ﷺ على فخذي)) (٣). مداراة الزوجة: لقد جعل الله من حياة النبي ﷺ أسوة حسنة للمجتمع الإنساني بأكمله، وكان ﷺ خير الأزواج وألطفهم بأهله، لم يعهد عنه ﷺ أنه عنفهن أو اشتد عليهن، بل كان بهن رفيقا رحيما، يترضاهن إذا غضبن، ويعاملهن معاملة كريمة بأقصى غاية من المودة والمحبة، ولم يكن ذلك كله إلا لكي يعلم أمته كيف يتعامل الأزواج مع زوجاتهم. سبق أن ذكرنا أنه ﷺ كان يتعهد عائشة بما يسرها، ويفرح حتى بلعبتها،

стр. 80

كانت عائشة قد ربت في حضنها جارية من الأنصار، فلما حان عرسها زوجتها عائشة (ض) بكل بساطة دون أي غناء أو لهو، فلما رأى النبي ﷺ ذلك قال: ((يا عائشة ما كان معكم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهوا)) (١). وكان الأحباش يلعبون بحرابهم بمناسبة أفراح العيد، فأرادت عائشة (ض) أن تنظر إلى لعبهم، فسترها النبي ﷺ بردائه وهي تشاهد لعبهم، تقول (ض): ((رأيت النبي ﷺ يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد حتى أكون أنا التي أسأم)) (٢). وربما مر أبوها (ض) بالبيت فيسمع صوتها عاليا في حضرة النبي ﷺ ، فيدخل غاضبا يتناولها ليلطمها وينهرها قائلا: لا أراك ترفعين صوتك على رسول الله ﷺ ، فجعل النبي ﷺ يحجزه، وخرج أبو بكر مغضبا، فقال النبي ﷺ حين خرج أبو بكر: ((كيف رأيتني أنقذتك من الرجل)) (٣)؟! وجاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقال: ((يا عائشة تعرفين هذه؟ قالت: لا، يا نبي الله، قال: هذه قينة بني فلان، تحبين أن تغنيك؟ قالت: نعم، فأعطتها طبقا، فغنتها، فقال النبي ﷺ : قد نفخ الشيطان في منخريها)) (٤) ومعنى ذلك أن النبي ﷺ كره مثل هذه الأغاني.

стр. 81

الملاطفة والمؤانسة: من لطفه ﷺ بعائشة (ض) وعطفه عليها أنه كان يمازحها ويفاحكها ويسمر معها مستمعا إلى أحاديثها ملاطفة لقلبها، وإرضاء لخاطرها، وذات مرة ذكر ((خرافة)) أثناء الحديث، فسألها النبي ﷺ : ((أتدرين ما خرافة؟ إن خرافة كان رجلا من أهل عذرة، أسرته الجن في الجاهلية، فمكث فيهم دهرا طويلا، ثم ردوه إلى الإنس، فكان يحدث الناس بما رأى فيهم من الأعاجيب، فقال الناس: حديث خرافة)) (١). تستخدم صيغة الجمع ((الخرافات)) في اللغة الأردية بنفس المعنى. سمره ﷺ معها: وكان ﷺ يسمر معها مستمعا إلى أحاديثها، وذات مرة حدثته عائشة (ض) حديث أم زرع قالت: جلس إحدى عشرة امرأة فتعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئا، قالت الأولى: زوجي لحم جمل غث على رأس جبل، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل، قالت الثانية: زوجي لا أبث خبره، إنى أخاف أن لا أذره، إن أذكره أذكر عحره وبجره، قالت الثالثة: زوجي العشنق، إن أنطق أطلق، وإن أسكت أعلق، قالت الرابعة: زوجي كليل تهامة لا حر ولا قر، ولا مخافة ولا سآمة، قالت الخامسة: زوجي إن دخل فهد، وإن خرج أسد، ولا يسأل عما عهد، قالت السادسة: زوجي إن أكل لف، وإن شرب اشتف، وإن اضطجع التف، ولا يولج الكف ليعلم البث، قالت السابعة: زوجي غياياء أو عياياء طباقاء، كل داء له داء، شجك أو فلك أو جمع كلا لك، قالت الثامنة: زوجي المس مس أرنب، والريح ريح زرنب، قالت التاسعة: زوجي رفيع العماد، طويل النجاد، عظيم الرماد، قريب البيت

стр. 82

من الناد، قالت العاشرة: زوجي مالك، وما مالك؟ مالك خير من ذلك، له إبل كثيرات المبارك، قليلات المسارح، واذا سمعن صوت المزهر أيقن أنهن هوالك، قالت الحادية عشرة: زوجي أبو زرع، وما أبو زرع؟ أناس من حلي أذني، وملأ من شحم عضدي، وبجحني فبجحث إلي نفسي، وجدني في أهل غنيمة بشق، فجعلني في أهل صهيل وأطيط ودائس ومنق، فعنده أقول فلا أقبح، وأرقد فأتصبح، وأشرب فأتفنح، أم أبي زرع، فما أم أبي زرع؟ عكومها رداح، وبيتها فساح، ابن أبي زرع، فما ابن أبي زرع؟ مضجعه كمسل شطبة، ويشبعه ذراع الجفرة، بنت أبي زرع، فما بنت أبي زرع؟ طوع أبيها وطوع أمها، وملء كسائها وغيظ جارتها، جارية أبي زرع، فما جارية أبي زرع؟ لا تبث حديثنا تبثيثا، ولا تنقث ميرتنا تنفيثا، ولا تملأ بيتنا تعشيشا، قالت: خرج أبو زرع والأوطاب تمخض، فلقي امرأة معها ولدان لها كالفهدين، يلعبان من تحت خصرها برمانتين، فطلقني ونكحها، فنكحت بعده رجلا سريا، ركب شريا وأخذ خطيا، وأراح علي نعما ثريا، وأعطاني من كل رائحة زوجا، وقال: كلي أم زرع وميري أهلك، قالت: فلو جمعت كل شيء أعطانيه ما بلغ أصغر آنية أبي زرع، قالت عائشة: قال رسول الله ﷺ ((كنت لك كأبي زرع لأم زرع)) (١). هذا وفي الوقت الذي يكون ﷺ مشغولا في السمر مع أهله إذا سمع النداء كان يسرع إلى الصلاة، تقول عائشة (ض): ((كان يكون في مهنة أهله، فإذا سمع الأذان خرج)) (٢) وفي رواية: قالت عائشة: ((كان رسول الله ﷺ يحدثنا ونحدثه فإذا حضرت الصلاة فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه)) (٣).

стр. 83

المؤاكلة: كان النبي ﷺ وعائشة (ض) يتناولان الطعام على مائدة واحدة بل من قصعة واحدة، تحكي لنا عائشة ذلك قائلة: ((كنت آكل مع النبي ﷺ حيسا، فمر عمر فدعاه فأكل، فأصابت يده إصبعي ... الحديث)) (١)، وكان ذلك قبل نزول الحجاب. والحديث الآتي يوضح لنا مدى حبه ﷺ لعائشة حتى في الأكل، تقول (ض): ((كنت أتعرق العظم وأنا حائض فأعطيه النبي ﷺ ، فيضع فمه في الموضع الذي فيه وضعته، وأشرب الشراب فأناوله، فيضع فمه في الموضع الذي كنت أشرب منه)) (٢). وذات ليلة كان النبي ﷺ يتعشى مع عائشة ﷺ في حجرتها إذ دخلت عليه أم المؤمنين سودة بنت زمعة (ض) وهي تشكو عمر، أنه يمنعها من الخروج حتى لقضاء الحوائج (٣). وكانا يمسكان معا قطعة واحدة من اللحم، لأنه لم يكن مصباح في البيوت يومئذ (٤).

стр. 84

كان لرسول الله ﷺ جار فارسي وكان طيب المرق فصنع لرسول الله ﷺ ثم جاء يدعوه، فقال: وهذه - لعائشة -؟ فقال: لا، فقال رسول الله ﷺ : لا فعاد يدعوه، فقال رسول الله ﷺ : وهذه؟ قال: لا، قال رسول الله ﷺ : لا، ثم عاد يدعوه، فقال رسول الله ﷺ : وهذه؟ قال: نعم في الثالثة، فقاما يتدافعان حتى أتيا منزله (١). الصحبة في السفر: كان من الصعب أن تصحب جميع أمهات المؤمنين النبي ﷺ في السفر، كما أن ترجيح بعضهن على بعض أيضا يكون خلاف العدل الذي أمر به الله تعالى، ولذا فإن النبي ﷺ إذا أراد السفر أقرع بين نسائه، فأيتهن يخرج سهمها خرج بها النبي ﷺ (٢). وعلى هذا نالت عائشة (ض) شرف صحبة النبي ﷺ في عدد من أسفاره، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أنها تشرفت بصحبة النبي ﷺ في غزوة بني المصطلق (٣)، ومن الأسفار كذلك السفر الذي حدث فيه قصة ركوب حفصة على بعير عائشة وركوب عائشة على بعير حفصة.

стр. 85

كما ثبت في الحديث السفر الذي سابقت فيه عائشة رسول الله ﷺ (١). وكان في غزوة بني المصطلق من الحوادث قصتان عجيبتان، وكلتاهما كانت شرفا سرمديا وسعادة أبدية، أكرم الله تعالى بهما عائشة (ض)، فالأولى منهما كانت سببا لنزول حكم التيمم، والأخرى فيها قانون براءة المحصنات الغافلات من النساء - كما سيأتي في الفصل الرابع وتدل رواية الإمام أحمد في (المسند) أن عائشة (ض) كانت خرجت مع النبي ﷺ في سفر الحديبية، أما حجة الوداع فمعظم أمهات المؤمنين كن مع النبي ﷺ فيها، ومنهن عائشة (ض). المسابقة: كان النبي ﷺ يحب الرمي وسباق الخيل، ويحض الصحابة عليه ويعلمهم ذلك، وأحيانا يسابق زوجته الحبيبة عائشة (ض)، تقول عائشة: خرجن مع النبي ﷺ في بعض أسفاره، وأنا جارية لم أحمل اللحم، فقال للناس: تقدموا، ثم قال لي: تعالي حتى أسابقك، فسابقته فسبقته، فسكت عني، حتى إذا حملت اللحم وبدنت ونسيت، وخرجت معه في بعض أسفاره فقال للناس: تقدموا، ثم قال لي: تعالي حتى أسابقك فسابقته فسبقني، فجعل يضحك وهو يقول: ((هذه بتلك)) (٢). الدلال: إن خصائص المرأة ومميزاتها النسوية تحمل في طياتها بحرا زاخرا تتبلور فيه موجات الحب والمودة والوفاء والملاطفة بأسمى معانيها وأحلى

стр. 86

أشكالها، ومما لا شك فيه أن من الأنثويات الخالدة في طبيعة المرأة دلالها ومغاضبتها، وهي أشوق ما تكون إلى المصالحة وتقصير أمد المغاضبة، وقد يشكل ذلك على عامة الناس حيث إنهم ينظرون إلى ما ورد في كتب الأحاديث مما يدل على الدلال والمغاضبة، ويرون في مخاطبة الرسول أزواجه بهذا الأسلوب أنه خطاب من الرسول لأمته، وينسون أن زوجة تخاطب زوجها، أو زوجا يخاطب زوجته، ولذا فينبغي بل يجب أن تدرس أمثال هذه الوقائع التي سجلتها كتب الأحاديث في بطونها، بالطريقة الصحيحة، وتحمل على محملها الصحيح. ومن هذا النوع قول عائشة (ض): كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ ، وأقول: أتهب المرأة نفسها، فلما أنزل الله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥١] قلت: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك (١). فلم يكن قصد عائشة (ض) من ذلك الاعتراص أو الإشكال، وإنما كان ذلك نوعا من التدلل والدعابة والانبساط من الزوجة لزوجها. والخواص يعرفون معنى كلام عائشة (ض)، وهو أن الله يحقق كل ما يتمناه حبيبه ويشتهيه، ويكون الهدف من وراء ذلك هو تثبيت قلبه وإحكامه على عمل الدعوة. إلا أننا رأينا أن النبي ﷺ لم تتغير عادته حتى بعد آية التخيير، فكان ﷺ يستأذن أزواجه كلهن في نوبتهن ودورهن، تقول عائشة: ((إن الرسول ﷺ كان يستأذن في يوم المرأة منا بعد أن أنزلت هذه الآية: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ...﴾ (٢).

стр. 87

غيرتها على خديجة ونماذج من تدللها: كان النبي ﷺ يذكر أم المؤمنين خديجة (ض) كثيرا، نظرا للمقام الرفيع الذي كانت تحتله في قلب الرسول ﷺ ، ولم يعرف أنه حزن على أحد قط أشد من حزنه عليها، ولا أطال الذكرى لأحد قط بعد وفاته كما أطال ذكرها، وسمى عام وفاتها عام الحزن، لأن الحزن لم يفارقه طوال أيامه وإن سكنت سورته مع الأيام كما تسكن كل سورة لاعجة مع ذلك العزم الصادق والقلب الصبور. وذات مرة كان النبي ﷺ يذكرها فقالت عائشة: ((كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة، فيقول: إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد)) (١). وفي رواية عند أحمد قالت عائشة (ض): ((كان النبي ﷺ إذا ذكر خديجة أثنى عليها فأحسن الثناء، قالت: فغرت يوما فقلت: ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدق، قد أبدلك الله بها خيرا منها، قال: ما أبدلني الله خيرا منها، قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقتي الله ولدها، إذ حرمني أولاد النساء)) (٢). وأصيبت عائشة (ض) مرة بالصدع في رأسها فقالت: وارأساه، فقال النبي ﷺ : بل أنا وارأساه - فكان ذلك ابتداء الوجع الذي توفي فيه - ثم قال النبي ﷺ : ما ضرك لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك، قالت: لكني أو لكأني والله لو فعلت ذلك لقد رجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك، قالت: فتبسم النبي ﷺ (٣).

стр. 88

وجيء مرة بأسير فحجزه النبي ﷺ في حجرة عائشة (ض) وعندها نسوة فلهينها عنه، فذهب الأسير، فجاء النبي ﷺ فقال: يا عائشة ما فعل الأسير؟ فقالت: لهوت عنه مع النسوة، فخرج، فقال: ما لك قطع الله يدك أو يديك، فخرج فآذن به الناس فطلبوه فجاؤوا به، فدخل علي وأنا أقلب يدي، فقال: مالك أجننن؟ قلت: دعوت علي فأنا أقلب يدي أنظر أيهما يقطعان، فحمد الله وأثنى عليه ورفع يديه مدا وقال: ((اللهم إني بشر أغضب كما يغضب البشر، فأيما مؤمن أو مؤمنة دعوت عليه فاجعله له زكاة وطهورا)) (١). وكانت (ض) تفتخر بكونها البكر الوحيدة بين سائر أزواج النبي ﷺ وتدل أحيانا - إدلال الحبيب - أمام النبي ﷺ فتقول: يا رسول الله أرأيت لو نزلت واديا فيه شجرة قد أكل منها ووجدت شجرا لم يؤكل منها، في أيها كنت ترتع بعيرك؟ قال: ((في الذي لم يرتع منها)) (٢). تعني أن النبي ﷺ لم يتزوج بكرا غيرها. وفي واقعة الإفك - التي سيأتي ذكرها لاحقا - لما أنزل الله تعالى براءتها بالوحي قالت لها أمها: قومي إليه (تقصد النبي ﷺ )، فقالت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله الذي أنزل في براءتي وحيا يتلى إلى يوم القيامة (٣). وذات مرة قال لها الرسول ﷺ : إني لأعلم إذا كنت عني راضية وإذا كنت علي غضبى، قالت: فقلت: من أين تعرف ذلك؟ فقال: أما إذا كنت

стр. 89

عني راضية فإنك تقولين: لا ورب محمد، وإذا كنت علي غضبى، قلت: لا ورب إبراهيم، قالت: قلت: أجل والله يا رسول الله، ما أهجر إلا اسمك (١). وفيما يأتي نرى كيف يعبر المؤلف الغربي ((مارغوليوث)) عن هذه الواقعة، يقول: ((فإذا أغضب محمد زوجته عائشة، فإنها كانت ترفض أن تقول له رسول الله، وتعترض على الوحي الذي ينزل عليه، اعتراضا شديدا)) (٢). وهذا نموذج حي ومدهش لمعرفة الأوربيين باللغة العربية، وصدق مقالهم وعدم التعصب المذهبي!! (٣). القيام بالأعمال المنزلية: رغم وجود الخادم في البيت فإن عائشة (ض) كانت تقوم بنفسها بخدمة الدار كلها وسائر حاجات النبي ﷺ فكانت تطحن الدقيق (٤) بيدها، وتطبخ بنفسها (٥)، وتفرش (٦) المفارش، وتحضر له (٧) الوضوء، وتفتل (٨) قلائد هدي

стр. 90

النبي ﷺ بيديها، وترجله (١) بيدها، وتطيبه (٢)، وتغسل ثيابه (٣)، وتعد له السواك (٤) عند المبيت، وتغسل سواكه اهتماما بنظافته (٥). كما أنها كانت تقري الضيوف القادمين عليه ﷺ في البيت، وتقوم بواجبهم، يقول الصحابي الجليل قيس الغفاري (ض) - وكان من أصحاب الصفة - قال رسول الله ﷺ : انطلقوا بنا إلى بيت عائشة (ض) فانطلقنا، فقال: يا عائشة أطعمينا، فجاءت بحشيشة، فأكلنا، ثم قال: يا عائشة أطعمينا، فجاءت بحيسة مثل القطاة فأكلنا، ثم قال: يا عائشة اسقينا، فجاءت بعس من لبن فشربنا، ثم قال: يا عائشة اسقينا، فجاءت بقدح صغير فشربنا (٦).

стр. 91

الطاعة واتباع الأحكام: مما لا شك فيه أن طاعة الزوج واتباع أوامره من أهم وآكد الواجبات على الزوجة، وحياة عائشة (ض) خير أسوة وأحسن قدوة لذلك، فإنه لم تعهد منها أية مخالفة لأي حكم من أحكام النبي ﷺ طوال الفترة التي عاشتها في كنف النبي ﷺ التي امتدت إلى تسع سنين، لدرجة أنه لو خطر على بالها أو عرفت ولو بالتلميح أن الشيء الفلاني يغضب الرسول ﷺ لتوقفت عنه فورا وامتنعت منه كليا، تقول عائشة (ض): ((استترت نمرقة فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله ﷺ قام على الباب، فلم يدخل، فعرفت في وجهه الكراهة، قالت: يا رسول الله أتوب إلى الله وإلى رسوله ماذا أذنبت؟ قال: ما بال هذه النمرقة؟ فقالت: اشتريتها لتقعد عليها وتوسدها، فقال رسول الله ﷺ : إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم، وقال: إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة)) (١). وها هو الصحابي الجليل ربيعة الأسلمي (ض) قد تزوج، ولم يجد ما يولم به فجاء رسول الله ﷺ حزينا، فقال: يا ربيعة ما لك حزين؟ فقلت: يا رسول الله ما رأيت قوما ... حديث طويل وفيه ... فقال لي رسول الله اذهب إلى عائشة فقل لها: فلتبعث بالمكتل الذي فيه الطعام، قال: فأتيتها فقلت لها ما أمرني به رسول الله ﷺ ، فقالت: هذا المكتل فيه تسع آصع شعير، لا والله إن أصبح لنا طعام غيره، خذه، فأخذته ... الحديث (٢). هذا وقد كانت جميع أمهات المؤمنين يقمن بهذه الطاعة وتنفيذ أوامره ﷺ مثل ما كانت تقوم به عائشة (ض) في حياته ﷺ ، إلا أن الطاعة الحقيقية والانقياد التام الأصلي هو القيام بهذا الواجب بعد وفاة النبي ﷺ ، فيجب أن تنفذ كل أوامره وسائر أحكامه ﷺ بعد وفاته مثلها في حياته.

стр. 92

النبي ﷺ رباها على السخاء والكرم: وقد سبق أن ذكرنا أن النبي ﷺ قد علمها الجود، ورباها على السخاء والكرم، فكان من فضل هذه التربية العظيمة والتعليم النبوي المبارك أنها عضت بنواجذها على هذا الواجب الكبير ولم تتخل عنه حتى أتاها اليقين. كما مر بنا أنها استأذنت من الرسول ﷺ في الجهاد فقال لها الرسول ﷺ : ((جهاد النساء الحج))، فلما سمعت بهذا التعليم النبوي قلما مضى عام ولم تحج فيه (١). بعث إليها عبد الله بن عامر مرة بنفقة وكسوة، فقالت لرسوله: يا بني إني لا أقبل من أحد شيئا، فلما خرج قالت: ردوه علي، فردوه، فقالت: إني ذكرت شيئا قاله لي رسول الله ﷺ ؛ قال: ((يا عائشة من أعطاك عطاء بغير مسألة فاقبليه، فإنما هو رزق عرضه الله لك)) (٢). ودخل عبد الرحمن بن أبي بكر يوم عرفة على عائشة وهي صائمة يرش عليها، فقال لها: أفطري، فقالت: أفطر وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن صوم يوم عرفة يكفر العام الذي قبله)) (٣). ولما رأت عائشة رسول الله ﷺ يصلي الضحى، بدأت تواظب عليها، ولم تتركها قط، وكانت تقول: ((لو أن أبي نشر فنهاني عنها ما تركتها)) (٤).

стр. 93

وجاءتها امرأة تسألها عن الحناء فقالت عائشة (ض): ((كان حبيبي رسول الله ﷺ يعجبه لونه ويكره ريحه)) (١). التعايش الديني: كان بيت أم المؤمنين عائشة (ض) مسكنا ومأوى لسيد المرسلين محمد ﷺ ، حيث لم تكن الثروات الكبيرة ولا الأموال الهائلة ولا أغراض التنعم والعيش الهنيء الرغيد، ولا هي كانت تبالي بهذه الأشياء الزائلة. ومعلوم أن الإسلام دين يجمع بين الدين والدنيا، فما سبق في الصفحات الماضية من ذكر بعض الحقائق، وصور للجود والكرم والسخاء كانت علاقته بالفطرة البشرية والجبلة الإنسانية. ونتحول الآن لكي نعيش حياته ﷺ ونطلع على صور واقعية منها في ضوء الحقائق التالية: تقول أم المؤمنين عائشة (ض): كان رسول الله ﷺ إذا دخل البيت تمتثل: ((لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا، ولا يملأ فمه إلا التراب، وما جعلنا المال إلا لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ويتوب الله على من تاب)) (٢). كان غرضه ﷺ من تكرار هذه الكلمات يوميا هو تذكير أهل البيت بفناء هذه الدنيا الزائلة، وعدم ثباتها واستقرارها، والحط من مكانة وأهمية المال في القلوب وتقليل قيمته. وكان ﷺ يدخل في الحجرة بعد صلاة العشاء فيستاك ثم ينام مباشرة،

стр. 94

فإذا كان وسط الليل يستيقظ من النوم ويتهجد، فإذا كان آخر الليل يوقظ عائشة (ض) فتصلي معه ثم توتر (١)، وإذا تبين له الفجر يصلي ركعتي الفجر ويضطجع على شقه الأيمن (٢)، ويتحدث مع عائشة (٣)، حتى يأتيه المؤذن للإقامة. وأحيانا كانت (ض) تقوم الليل كاملا مع النبي ﷺ تعبد ربه، تقول (ض): كنت أقوم مع الرسول ﷺ ليلة التمام فكان يقرأ سورة البقرة وآل عمران والنساء، فلا يمر بآية فيها تخوف إلا دعا الله واستعاذ، ولا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا الله ورغب إليه (٤). كما إنها كانت تقوم تصلي مع الرسول ﷺ في الحالات الطارئة؛ مثل الكسوف وغيره وكانت تقتدي بالرسول ﷺ في حجرته (٥) والرسول ﷺ يؤم الناس في المسجد. وكانت تواظب على الصلوات الخمس وقيام الليل، وكذلك صلاة الضحى، وتكثر من الصوم، وأحيانا يصومان معا، وحينما ترى النبي ﷺ يعتكف في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، قد تشاركه في هذه العبادة، وتضرب الخيمة في المسجد فيصلي الرسول ﷺ الصبح ثم يدخله (٦).

стр. 95

وقد صحبت النبي ﷺ في حجة الوداع سنة ١١هـ، فلما قدمت مكة حاضت فلم تطف بالبيت، فشكت ذلك إلى النبي ﷺ فقال: انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة، فلما قضت مناسك الحج، أرسلها النبي ﷺ مع شقيقها عبد الرحمن إلى التنعيم فأحرمت من هناك للعمرة واعتمرت، فقال ﷺ : ((هذه مكان عمرتك)) (١). القيام بواجب النبوة في الببت: هذا هو المبحث الأخير في باب العلاقات الزوجية، وما مر معنا من القصص والوقائع التي تدل على غاية الحب والمودة، ربما يخطر منها على بال البليد القليل الفطنة أن النبي ﷺ كان يغفل عن واجب النبوة في بيته، وحسبنا في الرد على ذلك قول عائشة (ض): كان في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة (٢). ولما رجع الرسول ﷺ من غزوة تبوك فاتحا استقبلته عائشة (ض) وعلقت درنوكا فيه تماثيل فأمرها ﷺ أن تنزعه فنزعته (٣). وذات ليلة كان ﷺ عند عائشة إذ خرج فجأة فانطلقت عائشة (ض) في إثره حتى جاء البقيع، فرفع يديه ثلاث مرات فأطال ثم انصرف، فانصرفت عائشة (ض)، تقول: فأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر فأحضرت وسبقته فدخلت، فليس إلا أن اضطجعت، فدخل فقال: مالك يا عائشة حشيا رابية؟ قالت: لا، قال: لتخبرينني أو ليخبرني اللطيف الخبير، قلت:

стр. 96

يا رسول الله بأبي أنت وأمي، فأخبرته الخبر (١). وذات مرة استأذن رهط من اليهود على رسول الله ﷺ فقالوا: السام عليكم، فقالت عائشة: بل عليكم السام واللعنة، فقال رسول الله ﷺ : يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله (٢)، وفي رواية لمسلم: ((يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه)) (٣). هذا وبالرغم من أن الإسلام قد أباح الحرير والذهب للنساء، لكن النبي ﷺ لا تعجبه مظاهر التنعم والعيش الهنيء والتزين الفاخر، فيكره أن يرى مثل هذا التنعم في بيته، تقول عائشة: ((إن رسول الله ﷺ رأى عليها مسكتي ذهب فقال: ألا أخبرك بما هو أحسن من هذا، لو نزعت هذا، وجعلت مسكتين من ورق ثم صفرتهما بزعفران، كانتا حسنتين)) (٤). وتقول (ض): نهانا رسول الله ﷺ عن خمس: لبس الحرير والذهب (٥) والشرب في آنية الذهب والفضة، والميثرة الحمراء، ولبس القسي، فقالت له: يا رسول الله شيء رقيق من الذهب يربط به المسك أو يربط به، قال: ((لا،

стр. 97

اجعليه فضة وصفريه بشيء من زعفران)) (١). كان النبي ﷺ دائما يعلم أهله الخلق الحسن ويربيهم على الصفات الفاضلة والأخلاق الطيبة النبيلة، وقد سبق أن ذكرنا بعض الأمثلة على ذلك، وها هي أم المؤمنين عائشة (ض) تحكي لنا قصة شاة أكلت رغيفها، فماذا كان تعليم النبي ﷺ لها، تقول: إنه كانت ليلتي معه، فطحنت شيئا من شعير فجعلت له قرصا، فدخل فرد الباب، وكان إذا أراد أن ينام أغلق الباب وأوكأ القربة وأكفأ القدح وأطفأ المصباح، فانتظرته أن ينصرف فأطعمه القرص، فلم ينصرف حتى غلبني النوم، وأوجعه البرد فأتاني فأقامني ثم قال: أدفئيتي أدفئيتي، فقلت له: إني حائض، فقال: وأن اكشفي عن فخذيك، فكشفت له عن فخذي، فوضع خذه ورأسه على فخذي حتى دفئ، فأقبلت شاة لجارتنا داجنة، فدخلت ثم عمدت إلى القرص فأخذته، ثم أدبرت به، قالت: وقلقت عنه واستيقظ النبي ﷺ ، فبادرتها إلى الباب، فقال النبي ﷺ : ((خذي ما أدركت من قرصك ولا تؤذي جارك في شاته)) (٢). وكان العرب قد تعودوا على أكل الضب، ولكن النبي ﷺ كان يكرهه، فأهدي إليه لحمه ذات مرة فلم يأكله فقالت عائشة (ض): ألا نطعمه المساكين؟ قال: لا تطعموهم مما لا تأكلون (٣). ...

стр. 98

الفصل الثالث معاملتها مع الضرائر والأقارب لا يوجد شيء في حياة امرأة أشد مرارة وأنكى جرحا من وجود ضرة لها، وكانت عائشة (ض) لها ثماني ضرائر، ولكن حياتهن كلها كانت صافية نظيفة، لم يعكر صفوها شيء من الحقد أو الشحناء، وذلك لما أكرمهن الله تعالى بنبيه محمد ﷺ ورفع من مكانتهن وأعظم من شأنهن. وكان جملة من تزوج بهن الرسول ﷺ بعد أم المؤمنين خديجة الكبرى (ض) عشر نساء، وقد كان زواجه ﷺ بهؤلاء النسوة في مناسبات مختلفة، ولعدد من الأسباب والمصالح. ومن ضمنها كانت أم المساكين زينب بنت خزيمة (ض)، التي تشرفت بالزواج بالنبي ﷺ في سنة ٣هـ، وعاشت شهرين أو ثلاثة أشهر فقط، أما التسع البواقي فقد قدر لهن العيش إلى ما بعد وفاة النبي ﷺ ، والجدول الآتي يوضح سنوات زواج أمهات المؤمنين بالنبي ﷺ ، وبهذا تتبين لنا الفترة التي عايشت فيها عائشة (ض) صويحباتها وضرائرها. أسماء أمهات المؤمنين ............................... سنة زواجهن ١ - سودة بنت زمعة ................................ السنة العاشرة من البعثة. ٢ - حفصة بنت عمر الفاروق ....................... السنة الثالثة من الهجرة. ٣ - أم سلمة ....................................... السنة الرابعة من الهجرة. ٤ - جويرية (من أثرياء قبيلة بني المصطلق) .......... السنة الخامسة من الهجرة. ٥ - زينب بنت جحش القرشية ...................... السنة الخامسة من الهجرة. ٦ - أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان ................... السنة السادسة من الهجرة. ٧ - ميمونة ......................................... السنة السابعة من الهجرة. ٨ - صفية .......................................... السنة السابعة من الهجرة. ١ - أم المؤمنين خديجة (ض) هذا وقد كان النبي ﷺ رزق حب أم

стр. 99

المؤمنين خديجة (ض)، وكان لها مكانة رفيعة في قلبه ﷺ ، وكان دائما يذكرها بالخير عند عائشة (ض) - رغم أنها انتقلت إلى رحمة الله تعالى قبل زواجه ﷺ بعائشة (ض) - فكانت تغار عليها غيرة لم تنطو على مثلها لشريكاتها اللواتي يعشن معها، لأنها شغلت قلب النبي ﷺ بعد وفاتها، فلم يزل يذكرها ويحب لحبها من كان يزورها أو يراها، وكان شديد الكلف بها والتطلع إليها، تقول عائشة (ض): ((ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة، هلكت قبل أن يتوزجني، لما كنت أسمعه يذكرها، وأمره الله أن يبشرها ببيت من قصب، وإن كان ليذبح الشاة فيهدي في خلائلها منها ما يسعهن)) (١). وكل ما سجلته لنا كتب الأحاديث من مآثر وخدمات أم المؤمنين خديجة (ض) الدينية والدعوية؛ من مواساتها للنبي ﷺ ومساعدتها له ومؤازرتها إياه، كل ذلك مروي عن طريق عائشة (ض). ٢ - سودة (ض): وقد تزوج الرسول ﷺ عائشة وسودة في الوقت نفسه تقريبا، بفارق يسير من التقديم والتأخير، إلا أن دخوله بعائشة (ض) قد تأخر إلى ما بعد الهجرة، حيث إنها بقيت في بيت أمها بمكة لمدة ثلاث سنوات ونصف سنة تقريبا، وفي هذه الفترة (فترة تأخير بنائه بعائشة) كانت سودة (ض) هي الزوجة الوحيدة للنبي ﷺ . فلما بنى الرسول ﷺ بعائشة (ض) في سنة ١هـ كانت سودة (ضرتها) موجودة، وكان من المتوقع أن تكون هذه الفترة فترة المنافسة بينهما، ونيل الحقوق دون مشاركة غيرها، إلا أن الواقع يثبت عكس ذلك كليا، فكل ما حدث في هذه الفترة يدل على وحدتهما ومودتهما وإخلاصهما ووفائهما، بل كانت سودة (ض) صديقة لعائشة ورفيقتها في الأمور المنزلية (٢)،

стр. 100

ولما كبرت سودة (ض) وأسنت فرقت أن يفارقها الرسول ﷺ وضنت بمكانها منه، وعرفت من حب رسول الله ﷺ لعائشة فوهبت يومها لها، فقبل ذلك رسول الله ﷺ منها (١). كانت عائشة (ض) تمدح سودة كثيرا وتقول: ما رأيت امرأة أحب إلي أن أكون في سلاخها من سودة بنت زمعة من امرأة فيها حدة (٢). ٣ - حفصة (ض): وأم المؤمنين حفصة (ض) دخلت في كنف الرسول ﷺ في السنة الثالثة من الهجرة، وعاشتا معا في ظل حبيبهما المصطفى ﷺ حوالي ثماني سنوات، فإحداهما كانت فلذة كبد أبي بكر الصديق (ض)، والأخرى كانت قرة عين عمر الفاروق (ض)، كانت حياتهما نموذجا حيا صادقا للتوادد والتلاطف والتحابب، يكون لهما رأي (٣) واحد في الأمور المنزلية، وكانتا أصدق صديقتين تتفقان وتتكاشفان كلما وقع الخصام في بيت النبي ﷺ ، وتؤيد إحداهما الأخرى في كل الأمور بإزاء غيرهما من أزواج النبي ﷺ ، ومع ذلك كله فبسبب نطاق الحب ودائرة العشق لا تكاد تتحمل فيه الواحدة الأخرى ولا ترضى بقسمة هذا الجوهر الغالي في غيرها، لما فيها من المنافسة والغيرة على أترابها كما قال الشاعر:

стр. 101

((باسايه ترانمي بسندم)) ((حتى ظلك فإني أغار عليه)) وما كانت تتوقف هذه المنافسة بينهما حتى في السفر، وإلى هذا يشير حديث عائشة الآتي: ((إن النبي ﷺ كان إذا خرج أقرع بين نسائه، فطارت القرعة لعائشة وحفصة، وكان النبي ﷺ إذا كان بالليل سار مع عائشة يتحدث، فقالت حفصة: ألا تركبين الليلة بعيري وأركب بعيرك، تنظرين وأنظر؟ فقالت: بلى، فركبت، فجاء النبي ﷺ إلى جمل عائشة وعليه حفصة، فسلم عليها، ثم سار حتى نزلوا، وافتقدته عائشة، فلما نزلوا جعلت رجلها بين الإذخر وتقول: يا رب سلط علي عقربا أو حية تلدغني، رسولك ولا أستطيع أن أقول له شيئا)) (١). ٤ - أما أم سلمة (ض): فكانت هي التي امتازت بصفات عالية من العقل وقوة الإدراك وملكة في الفهم وبعد في النظر بين أزواج النبي ﷺ بعد عائشة (ض)، ومشورتها التاريخية التي أشارت بها على النبي ﷺ في صلح الحديبية بخصوص (٢) نحر الهدي لتستحق أن تسجل بأحرف من الذهب،

стр. 102

وتبقى تذكارا رائعا في تاريخ النساء. ودرجتها في فهم المسائل، ومكانتها في استنباط الأحكام الفقهية بعد عائشة (ض) (١)، ولذلك نراها قد احتلت مرتبة رفيعة لدى النبي ﷺ رغم كبر سنها، ولم يعكر صفاء علاقتها مع عائشة طوال هذه الفترة إلا حادث واحد بسيط فقط، وهو ما حكته لنا عائشة (ض) تقول: اجتمع صواحبي إلى أم مسلمة، فقلن: يا أم سلمة والله إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، وإنا نريد الخير كما تريده عائشة، فمري رسول الله ﷺ أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيثما كان، أو حيثما دار، قالت: فذكرت ذلك أم مسلمة للنبي ﷺ قالت (أم مسلمة): فأعرض عني، فلما عاد إلي ذكرت له ذلك، فأعرض عني، فلما كان في الثالثة ذكرت له، فقال: ((يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها)) (٢). ٥ - وأما جويرية (ض): فلم تذكر لنا كتب الأحاديث والسير أي خلاف بينها وبين عائشة (ض)، سوى أن عائشة قد انبهرت بجمالها لما رأتها لأول وهلة، ولنسمع وصفها بلسان عائشة تقول: وكانت امرأة حلوة لا يكاد يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فبينا النبي ﷺ عندي إذ دخلت عليه جويرية تسأله في كتابتها، فوالله ما هو إلا أن رأيتها فكرهت دخولها على النبي ﷺ ، وعرفت أنه سيرى منها مثل الذي رأيت .... الحديث (٣). فخافت عائشة على نفسها علها تسبب نقصان مرتبتها، والتقليل من مكانتها وأهميتها، وسرعان ما زاحت هذه الفكرة وزالت هذه الوسوسة، وثبت أن ذلك كان خطأ، إذ لم تكن أسباب مكانتها العالية، وعظم مرتبتها وسمو درجتها ورفعتها ذاك الجمال الظاهري أو الحسن الرائع الذي يبهر العقول ويجلب النفوس.

стр. 103

٦ - أم المؤمنين زينب بنت جحش (ض): كانت بنت عمة الرسول ﷺ ، أبية، أنوفة، فيها شيء من الحدة من أجلها فارقها زوجها الأول، كانت (ض) أقرب النساء قرابة من رسول الله ﷺ ، ولذلك فإنها كانت تعتبر نفسها أحق وأجدر بالاحترام، والاهتمام من غيرها من الأزواج. تقول عائشة (ض) وهي تصفها: ((وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله ﷺ )) (١) وقد أرسلها بعض الأزواج إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن أزواجك أرسلتني يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، قالت (عائشة): ثم وقعت بي، فاستطالت علي، وأنا أرقب رسول الله ﷺ ، وأرقب طرفه، هل يأذن لي فيها، قلت: فلم تبرح زينب حتى عرفت أن رسول الله ﷺ لا يكره أن أنتصر، قالت: فلما وقعت بها لم أنشبها حتى أنحيت عليها، قالت: فقال رسول الله ﷺ إنها ابنة أبي بكر (٢). ولما كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان يضرب له الخباء، فيدخله ﷺ ، وكانت عائشة أيضا يضرب لها الخباء في فناء المسجد، وذات مرة ضرب لها الخباء، فاستأذنت حفصة عائشة أن تضرب خباء فأذنت لها، فضربت خباء، فلما رأته زينب بنت جحش ضربت خباء آخر، فلما أصبح النبي ﷺ رأى الأخبية، فقال: ما هذا؟ فأخبر، فقال: آلبر تردن؟ فترك الاعتكاف ذلك الشهر، ثم اعتكف عشرا من شوال وفي رواية مسلم ((فأمر بخبائه فقوض، وترك الاعتكاف في شهر رمضان ....)) (٣).

стр. 104

وذات ليلة جاءت زيب إلى بيت عائشة - ولم يكن يومئذ مصباح في البيوت - إذ دخل النبي ﷺ فمد يده إليها، فقالت عائشة (ض): هذه زينب، فكف النبي ﷺ يده فتقاولتا، حتى استخبتا وأقيمت الصلاة، فمر أبو بكر على ذلك فسمع أصواتهما فقال: اخرج يا رسول الله إلى الصلاة، واحث في أفواههن التراب، فخرج النبي ﷺ ، فقالت عائشة: الآن يقضي النبي ﷺ صلاته فيجيء أبو بكر فيفعل بي ويفعل، فلما قضى النبي ﷺ صلاته أتاها أبو بكر فقال لها قولا شديدا، وقال: أتصنعين هذا (١)؟. ولا يظنن ظان من هذه القصص أن قلوبهن لم تكن صافية تجاه ضرائرهن وصواحبهن، فكانت العلاقات بينهن على أحسن ما تتسنى العلاقات بين أناس تجمعهم معيشة واحدة، فعائشة وزميلاتها كن يغرن ويتنافسن لا محالة كما تغار النساء في كل مكان، ولكنهن لم ينسين قط أنهن نساء نبي يتأدبن بأدبه، ويتطلعن إلى رضاه، وكل ما روي لنا من غيرة زوجات النبي إن ذكرنا أنهن نساء من طينة الأنوثة الخالدة، فلن ينسينا أنهن نساء نبي يتأدبن بأدبه ولا يجاوزن بالغيرة ما يجمل بهن في كنفه ورعايته، وإن تسع أخوات شقيفات من أب واحد وأم واحدة ليقع بينهن من شحناء الغيرة إذا اجتمعن في بيت أسرتهن أضعاف ما روي لنا من غيرة زوجات النبي ﷺ في عشرتهن الطويلة. ومما لا مراء فيه أن شرف الصحبة يجعل الإنسان يحتل مكانة عالية مرموقة ودرجة سامية، ولكنه لا يغير من طبيعته وجبلته شيئا، كذلك حال المرأة فإنها بطبيعتها وفطرتها لا ترضى بأن تشاركها واحدة أخرى في حبها، ولا تقبل فيه أية قسمة، لكن حال زوجات النبي ﷺ تختلف عن عامة النساء، فكن يحمن حول حمى المصباح الوحيد - وهو مصباح حب النبي ﷺ - بينما قلوب جميعهن كانت تستضيء من سراج واحد، وتستنير من مصباح واحد، ورغم ذلك كله كن نموذجا رائعا ومثالا نادرا للملاطفة والمداراة والتحابب فيما بين الضرائر، سوى

стр. 105

ما روي عنهن في بعض الأحوال الاستثنائية والمواضع العاطفية. وهذه زينب بنت جحش (ض) لما بنى بها النبي ﷺ هنأتها عائشة (ض) وباركتها (١). ولما حاولت بعض القلوب المنافقة الحاقدة اتهام عائشة (ض) في حادث الإفك شاركتهم حمنة بنت جحش - شقيقة زينب - في هذه المؤامرة، إلا أن زينب (ض) لم تزل قدماها عن طريق الصواب قيد شبر لأية لحظة، وظلت على موقفها ثابتة، ولما سألها الرسول ﷺ عن أمر عائشة (ض): يا زينب ماذا علمت أو رأيت؟ فاستعاذت بالله وقالت: ((أحمي سمعي وبصري؛ والله ما علمت إلا خيرا))، وقد كان بوسعها أن تقول في هذه المناسة ما تقوله الضرة المحنقة، وتسقط قرينتها وتخسرها بكلمة واحدة، لكن شرف صحبة المصطفى ﷺ جعلها أعلى وأرفع بكثير من هذه الدنايا، فلم ينبس فمها بكلمة باطل، ولذلك نرى عائشة (ض) كانت تذكرها بكلمات من الشكر والامتنان، وتقول: ((فعصمها الله بالورع)) (٢). ومرة كان رسول الله ﷺ في سفر فاعتل بعير لصفية، وفي إبل زينب فضل من الإبل، فقال رسول الله ﷺ لزينب: ((إن بعير صفية قد اعتل فلو أنك أعطيتها بعيرا؟ قالت: أنا أعطي تلك اليهودية، فغضب رسول الله ﷺ فتركها شهرين أو ثلاثا حتى رفعت سريرها، وطنت أنه لا يرضى عنها، قالت: فإذا أنا بظله يوما بنصف النهار، فدخل رسول الله ﷺ ، فأعادت سريرها)) (٣).

стр. 106

مما لا شك فيه أن ذكر محاسن الأموات ومآثرهم يمنح حياتهم الخلقية الدوام والسرمدية وعائشة (ض) كانت خير مثال لذكر محاسن ضرائرها وقريناتها، تقول (ض): قال رسول الله ﷺ لأزواجه: أسرعكن لحاقا بي أطولكن يدا، قالت: فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة الرسول ﷺ نمد أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ وكانت امرأة قصيرة ولم تكن أطولنا، فعرفنا حينئذ أن النبي ﷺ إنما أراد بطول اليد الصدقة، وكانت زينب امرأة صناعة اليد، فكانت تدبغ وتخرز وتتصدق في سبيل الله. (١). وقد سبق أن ذكرنا ما حدث ذات مرة بين عائشة وزينب (ض) ووصل الأمر إلى غاية الضيق والكره والاستياء، وها هي عائشة (ض) تحكي لنا تلك القصة المرة بأسلوب حلو غني بالحب والإخلاص، لا يشوبه شيء من الحقد أو الكره أو الاشمئزاز، فهي تسرد القصة وتمدحها، تقول (ض): ((فأرسل أزواج النبي ﷺ زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله ﷺ ، ولم أر امرأة قط خيرا في الدين من

стр. 107

زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالا لنفسها في العمل الذي تصدق به وتقرب به إلى الله تعالى، ما عدا سورة من حد كانت فيها، تسرع منها الفيئة ...)) (١) الحديث. ٧ - أما أم المؤمنين أم حبيبة (ض)، فلم تسجل لنا كتب الأحاديث عنها شيئا في تعاملها مع عائشة (ض) بالموافقة أو بالمخالفة، إلا أن كتب أسماء الرجال تنص على أنها استدعت عائشة (ض) عند وفاتها فقالت: قد كان ويكون بيننا وبين الضرائر، فغفر الله لي ولك ما كان من ذلك، فقلت (القائلة هي عائشة): غفر الله لك ذلك كله، وتجاوز، وحللك من ذلك، فقالت (أم حبيبة): سررتني سرك الله (٢). ٨ - وكذلك أم المؤمنين ميمونة (ض) لم تذكر لنا كتب الأحاديث شيئا من تعاملها مع عائشة (ض)، وقد ثبت في كتب الرجال أنها لما ماتت قالت عنها عائشة (ض): أما إنها كانت من أتقانا لله وأوصلنا للرحم (٣). ٩ - أما صفية بنت حيي (ض) فقد نالت شرف صحبة النبي ﷺ وحظيت بالبقاء في كنفه لمدة ثلاث سنوات فقط، وكانت مختلفة عن بقية أمهات المؤمنين، لأنها كانت من خيبر ومن أسرة يهودية، تزوجها رسول الله ﷺ في خيبر، فلما دنوا من المدينة دفع رسول الله ﷺ فعثرت الناقة العضباء وندر رسول الله ﷺ فقام فسترها، وقد أشرفت النساء فقلن: أبعد الله اليهودية (٤).

стр. 108

فلما قدم رسول الله ﷺ من خيبر ومعه صفية أنزلها في بيت من بيوت حارثة بن النعمان، فسمع بها نساء الأنصار وبجمالها فجئن ينظرن إليها، وجاءت عائشة متنقبة حتى دخلت، فعرفها، فلما خرجت خرج رسول الله ﷺ على إثرها، فقال: كيف رأيتها يا عائشة؟ قالت: رأيت يهودية، قال: لا تقولي هذا يا عائشة، فإنها قد أسلمت وحسن إسلامها (١). وقد عرفت أم المؤمنين صفية (ض) بجودة الطهي فنفست عليها السيدة عائشة هذه الإجادة، ولم تكتم غيرتها عليها، بل هي التي روتها، ومن حديثها عنها عرفناها، قالت: ما رأيت صانعة طعام مثل صفية، أهدت إلى النبي ﷺ إناء فيه طعام، فما ملكت نفسي أن كسرته، فسألت النبي ﷺ عن كفارته فقال: ((إناء كإناء وطعام كطعام)) (٢). وفي رواية البخاري: فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم بقصعة فيها طعام، فضربت بيدها فكسرت القصعة، فضمها وجعل فيها الطعام، وقال: كلوا، وحبس الرسول القصعة حتى فرغوا، فدفع القصعة الصحيحة وحبس المكسورة (٣). كانت صفية (ض) قصيرة القامة، فذات مرة قالت عائشة لرسول الله ﷺ : حسبك من صفية كذا وكذا - تعني قصيرة - فقال ﷺ ((لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته، قالت: وحكيت له إنسانا، فقال: ما أحب أني حكيت إنسانا وأن لي كذا وكذا)) (٤). والدليل على أن هذه المشاعر تجاه الضرة كانت

стр. 109

مؤقتة زائلة أن صفية (ض) كانت من حزب عائشة (ض) ومؤيدة لها في كل الأمور. هذا وقد تبين لنا في ضوء ما قدمنا مدى اهتمام عائشة (ض) بصواحبها وضرائرها واحترامها إياهن وتوقيرهن، والنظر إليهن بنظرة العزة والإكرام والتعامل معهن بأقصى درجات اللطف والإخلاص والعدل، كما عرفنا كيف كانت تستقبلهن برحابة الصدر وسعة القلب، وتذكرهن بالخير، وتثني عليهن وعلى محاسنهن، وتسرع إلى التوبة والرجوع إلى الله إذا صدر منها خطأ نظرا إلى الطبيعة البشرية، ولم يكن من عادتها أنها هي التي تبدأ الهجوم على ضرائرها في أمر ما، نعم إذا بادرت واحدة بالهجوم عليها فإنها كذلك لا تلزم الصمت، ومع ذلك كله فإنها تثني على كل واحدة وتمدحهن. تنبيه على بعض الروايات الضعيفة: كل منا يعلم أن الإخلاص والحب والوفاء بين الضرائر أصبح من الأشياء العزيزة النادرة والقليلة الوجود في مجتمعنا اليوم، إلا أن شأن أمهات المؤمنين في هذا الأمر كان مختلفا عن غيرهن من نساء العالم، فقد كن على أعلى مستوى وأرفع مكانة في الخصائص والمميزات مما كان توقعه منهن العالم البشري، وقد حققن تلك الأحلام التي رأتها دنيا النساء تجاههن، ولم يخيبن آمالهن في شيء والحمد لله على ذلك. فكن يغرن ويتنافسن لا محالة كما تغار النساء في كل مكان، ولكنهن لم ينسين قط أنهن نساء نبي، يتأدبن بأدبه، ويتطلعن إلى رضاه، ويفزعن من غضبه. أما ما يوجد من بعض الصور المشوهة غير اللائقة بهن، فإنها في واقع الأمر إما من صنع المنافقين ونسيجهم ومكرهم، أو أنها محاولات من بعض الفرق والطوائف التي تجهل مصيرها، وتغفل عن عواقبها، مثل المرأة التي كانت في عهد النبي ﷺ وتحرش بين الأزواج المطهرات، وتعترف بخطئها هذا، فسألها الناس كيف كن يثقن بقولك؟ فقالت: لو لم يكن موثوقا بها

стр. 110

عندهن ما قبلن منها (١). ورغم أن معظم الأحاديث والروايات التاريخية التي سبق أن ذكرناها هي مستقاة من كتب الصحاح، إلا أنه يوجد فيها بعض من نقاط الضعف، أو تشويه للصورة الأصلية، ولو قمنا بعملية الفحص والتحقيق والدراسة سيتضح لنا ذلك بكل وضوح وفي صورة مشرقة. ١ - مثلا عندنا قصة كسر القصعة، فهذه القصة موجودة في سائر كتب الأحاديث تقريبا، إلا أن البخاري ومسلم لم ينصا على أن التي كسرت القصعة هي عائشة (ض)، بينما الأحاديث الواردة في السنن والمسانيد تنص على أنها كانت عائشة، مثل سنن أبي داود، سنن النسائي ومسند الإمام أحمد بن حنبل وغيرها، والغريب في الأمر أنهم يروون ذلك عن عائشة نفسها، وأول راوية لهذا السند هي جسرة بنت دجاجة، وهي وإن وثقها العجلي (٢) وابن حبان (٣) لكن يقول عنها البخاري: عند جسرة عجائب (٤)، وزعم ابن حزم أن حديثها باطل (٥). والراوي الثاني هو أفلت العامري، وهو وإن وثقه بعض المحدثين إلا أن معظمهم على تضعيفه. قال الإمام أحمد: ما أرى به بأسا (٦) (وهذا دليل الضعف)، ونقل الخطابي عن أحمد قوله: إن أفلت راو مجهول، وقال البغوي في شرح السنة:
следующие страницы →