← Тараджим

Тараджим · id 13297

سيرة السيدة عائشة أم المؤمنين

سليمان الندوي

Полный текст (367 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

اللغة العربية واستعمالاتها (١)، وقد وردت هذه الكلمة في موضع آخر من القرآن الكريم: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١١٣] وليس معناها الانحراف ولا الزيغ. ٣ - لم تنص الآية الكريمة ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ على الشيء الذي مالت إليه قلوب عائشة وحفصة (ض)، وقد ذكر بعض المفسيرين أن قلوبهما - نعوذ بالله- مالت إلى إيذاء الرسول ﷺ ، بينما القاعدة تقول: إن الكلمة المحذوفة تكون موجودة حوالي الجملة إما قبلها أو بعدها، أو تدل عليها القرائن الغالبة، وقد ذكرت كلمة ((التوبة)) من قبل، فيغلب الظن أن هذه هي الكلمة المقدرة والمحذوفة، ولو أظهرنا ما حذف من الآية تكون العبارة كالآتي: ((إن تتوبا إلى الله (فهو هين) فقد صغت قلوبكم ((إلى التوبة إلى الله))). ثانيا - الإيلاء: وقعت قصة الإيلاء عندما وقع التحريم، وذلك في العام التاسع الهجري، وكانت قد اتسعت رقعة الدولة المسلمة آنذاك، واستولى المسلمون على مناطق بعيدة، فكانت المدينة تردها الخيرات بقدر وافر بين فينة وأخرى، وكثرت الغتيمة والفيء إثر الفتوحات الإسلامية، في مشارق الأرض ومغاربها، ورغم كل هذه السعة في الخيرات والكثرة في الأموال وامتلاء خزائن بيت مال المسلمين بالثروات، ما زالت حياة النبي ﷺ في وضعها السابق لم تتغير، فكانوا يعيشون عيشة الشدة والشظف والعسرة، وعلى قمة من الزهد والقناعة.

стр. 142

وبعدما فتح الله خيبر للمسلمين فرض النبي ﷺ للأزواج المطهرات قدرا معلوما من الأطعمة والتمور سنويا، وهذا القدر من المال كان أقل من حوائجهن السنوية، زد على ذلك ما أكرمهن الله تعالى من الكرم والجود وطول اليد للإنفاق في سبيل الله، والبذل والعطاء في سبيل الخير، فتمضي أيام ولا توقد النار في بيوت أزواج النبي ﷺ ، وكما هو المعلوم أن الأزواج المطهرات منهن من كانت بنت شيخ قبيلة أو رئيس أو ثري، والبعض منهن كن عشن سابقا مع أزواجهن أو بيوت آبائهن عيشة الترف وفي التنعم والهناء، لم تمسهن العسرة ولا الشدة في العيش لا من قريب ولا من بعيد، فلما رأين هذه السعة في الأموال التي حصلت للمسلمين إثر الفتوحات الإسلامية طالبن الرسول ﷺ بالمزيد من النفقة والزينة، فلما سمع عمر بذلك أصابه القلق والاضطراب فدخل على حفصة، وفهمها الأمر وقال: ((لا تسأليه شيئا وسليني ما بدا لك))، والله لولا أنا لطلقك الرسول ﷺ ، ثم ذهب إلى أخرى ونصحها، فقالت له أم سلمة: عجبا لك يا ابن الخطاب قد دخلت في كل شيء حتى تبتغي أن تدخل بين رسول الله ﷺ وأزواجه، يقول عمر بن الخطاب (ض): ((فأخذتني أخذا كسرتني عن بعض ما كنت أجد فخرجت من عندها)) (١). وذات مرة دخل أبو بكر وعمر (ض) على رسول الله ﷺ فوجدا النبي ﷺ جالسا حوله نساؤه واجما ساكتا يطلبن منه النفقة، فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها كلاهما يقول: ((تسألن رسول الله ﷺ ما ليس عنده؟ فقلن: والله لا نسأل رسول الله ﷺ شيئا أبدا ليس عنده)) (٢). أما بقية الأزواج فبقين على طلبهن، وفي هذه الفترة ((ركب رسول الله ﷺ فرسا بالمدينة فصرعه على جذم نخلة فانفكت قدمه (٣) فجلس في مشربة له

стр. 143

واعتزل فيها وآلى من نسائه شهرا، وشهر المنافقون وشاع بين المسلمين أن النبي ﷺ طلق نساءه)). وكان لهذه الإشاعة بين المسلمين رجة أي رجة، فاجتمع الصحابة (ض) في المسجد يبكي بعضهم، وبدأت أمهات المؤمنين يبكين، ولا ريب أن نساء النبي أنفسهن كانت بينهن للنبأ رجة أشد عليهن من بقية المسلمين، وكان لهذه العقوبة - التي لم يعاقبن بمثلها من قبل - في قلوبهن أبلغ الأثر، ولم يتجرأ أحد أن يستفسر من الرسول ﷺ عن الحادث، وبوسعنا أن نتخيل تلك الرجة بين الصحابة إذا علمنا أن صاحبا لعمر بن الخطاب سمع بالنبأ ليلا فأسرع إلى بابه يدقه دقا شديدا، ويسأل عنه في فزع، فقال صاحبه: حدث أمر عظيم، يقول عمر بن الخطاب (ض): فجئت إلى المنبر فإذا حوله رهط يبكي بعضهم فجلست معهم قليلا ثم غلبني ما أجد فجئت المشربة التي فيها النبي ﷺ فقلت لغلام له أسود: استأذن لعمر، فدخل الغلام فكلم النبي ﷺ ثم رجع، فقال: كلمت النبي ﷺ وذكرتك له فصمت، ثم في المرة الثالثة لما وليت منصرفا إذا الغلام يدعوني فقال: قد أذن لك النبي ﷺ فدخلت على رسول الله ﷺ وهو مضطجع على حصير فجلست فأدنى عليه إزاره وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر في جنبه، فنظرت ببصري في خزانة رسول الله ﷺ فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع ومثلها قرظا في ناحية الغرفة، وإذا أفيق معلق قال: فابتدرت عيناي ... فقلت: يا رسول الله أطلقتهن؟ قال: لا، قلت: يا رسول الله إني دخلت المسجد، والمسلمون ينكتون بالحصى، يقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه، أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن؟ قال: نعم، إن شئت، فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق رسول الله ﷺ نساءه (١). وهذا الشهر كان تسعا وعشرين ليلة، وكانت عائشة (ض) تنتظر استيفاء الثلاثين، وقد عدتهن يوما يوما، وعلمت ساعة دخول النبي ﷺ كم مضى وكم

стр. 144

بقي، تقول (ض): فلما مضت تسع وعشرون ليلة دخل على عائشة فقالت عائشة: يا رسول الله إنك كنت قد أقسمت أن لا تدخل علينا شهرا، وإنما أصبحت مع تسع وعشرين ليلة أعدها عدا، فقال: الشهر تسع وعشرون ليلة (١). ثالثا - التخيير: وبما أن عامة الأزواج كن قد طلبن الزيادة في النفقات، ولم يكن للنبي ﷺ أن يلطخ يده بالزخارف الدنيوية وزينتها وبهائها تلبية لرغبات أزواجه، فقد غضب من نسائه لكثرة منازعاتهن، وإلحافهن عليه بطلب المزيد من النفقة والزينة، وكان خير درس لهن يعلمهن أن يصبرن على ضرورات العيش كما يصبر النبي ﷺ عليها، لأنهن قدوة في القناعة ومغالبة الهوى، ولسن بقدوة في الترف ونعمة العيش، وقد خيرن بعد هذا الدرس بين التسريح والصبر على نصيبهن، فاخترن أجمل النصيبين بهن، ونزلت آية التخيير. ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (*) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩]. تقول عائشة (ض): لما مضى تسع وعشرون ليلة دخل علي رسول الله ﷺ بدأ بي فقلت: يا رسول الله إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرا وإنك دخلت مع تسع وعشرين أعدهن، فقال: إن الشهر تسع وعشرون، ثم قال: يا عائشة إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك، ثم قرأ علي الآية ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ حتى بلغ ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ قالت عائشة: قد علم والله أن أبوي لم يكونا ليأمراني بفراقه، قالت: فقلت: أو في هذا أستأمر أبوي، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، ثم قالت: لا تخبر نساءك أني اخترتك، فقال لها النبي ﷺ : ((إن الله أرسلني مبلغا ولم يرسلني متعنتا)) (٢).

стр. 145

الفصل السادس وداع الحبيب في السنة الحادية عشرة للهجرة وها نحن الآن ندخل في المرحلة العصيبة النهائية، والنقطة الأخيرة من مصائب الحياة التي تعاني منها المرأة، ألا وهي وداع الحبيب ومفارقة الزوج. كانت عائشة (ض) في السنة الثامنة عشرة من عمرها عندما التحق المصطفى ﷺ بالرفيق الأعلى، وكانت ملامح الحب والوفاء ومعالم الإخلاص والمودة تلمس بينهما بكل جلاء، وفي كل مكان ومناسبة، فكان يوما من شهر صفر عام ١١ هـ إذ دخل رسول الله ﷺ على عائشة فقالت: وارأساه، فقال رسول الله ﷺ : بل أنا وارأساه (١). ومنذ ذلك الحين ابتدأ به ﷺ وجعه في بيت ميمونة، وكان وجعا في رأسه الكريم، وكان أكثر ما يعتريه ﷺ الصداع، فجعل مع هذا يدور على نسائه فما إن شعر بالمرض حتى أخذ يسأل: أين أنا غدا؟ أين أنا غدا؟ استبطاء ليوم عائشة، فأذن له أزواجه يكون حيث شاء، فكان في بيت عائشة حتى مات عندها (٢). سبب رغبته ﷺ في التمريض في بيت عائشة: وربما يفهم البعض أن سبب رغبته ﷺ في التمريض في بيت عائشة (ض) هو حبه لها، ولكننا ذكرنا سابقا أن الله قد خص السيدة عائشة (ض) بكثير من الفضائل والمزايا الفطرية ووهبها حظا وافرا من كمال العقل وقوة الذاكرة وسرعة الفهم والذكاء المتوقد والبديهة الواعية وقدرة التحصيل والإحاطة بكل

стр. 146

ما يقع في متناول ذهنها، وملكة في الاستنباط والاستخراج، وقوة نادرة للاجتهاد، إذن فلا غرابة أن يكون غرض الرسول ﷺ من التمريض في بيت عائشة والاستقرار فيه أن تقوم عائشة بحفظ كل الأقوال والأفعال الصادرة من النبي ﷺ في أيامه الأخيرة، والحق الذي لا مراء فيه أن المسلمين قد عرفوا الكثير من أمر نبيهم وأمر دينهم، وأحواله ﷺ عند الاحتضار، من أحاديث عائشة عن زوجها المحبوب ﵊. هذا واشتد المرض بالنبي ﷺ على مر الأيام حتى لم يسعه أن يصلي بالناس في المسجد، وكانت هناك أدعية كان النبي ﷺ إذا مرض نفث بها على نفسه، فعائشة (ض) كذلك كانت تنفث عليه بتلك المعوذات والأدعية وتمسح بيده (١)، وكان الناس عكوفا ينتظرون النبي ﷺ في المسجد لصلاة الصبح، فكلما ذهب لينوء أغمي عليه، فقال: ((مروا أبا بكر فليصل بالناس))، قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه، فلو أمرت غير أبي بكر، قالت: والله ما بي إلا كراهية أن يتشاءم الناس بأول من يقوم في مقام رسول الله ﷺ ، قالت: فراجعته مرتين أو ثلاثا، فقال: ((ليصل بالناس أبو بكر، فإنكن صواحب يوسف)) (٢). وكان ﷺ قد ترك شيئا من الذهب عند عائشة (ض) قبل مرضه الذي مات فيه، فتذكره في مرضه فقال لعائشة: يا عائشة ما فعلت بالذهب؟ فجاءت ما بين الخمسة إلى السبعة أو الثمانية أو التسعة، فجعل يقلبها بيده ويقول: ما

стр. 147

ظن محمد بالله عز جل لو لقيه وهذه عنده، أنفقيها (١). وحانت اللحظة الأخيرة من حياة سيد المرسلين ﷺ ، وكانت عائشة (ض) مسندة رسول الله ﷺ ، تقول: دخل علي عبد الرحمن وبيده السواك وأنا مسندة رسول الله ﷺ ، فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فتناولته فاشتد عليه، وقلت: ألينه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فلينته فأمره (٢) وفي رواية: ((فاستن بها كأحسن ما رأيته مستنا قط)) (٣). فكانت عائشة (ض) تعتز وتفتخر بما نالت من هذه الفضيلة والكرامة وتقول: إن من نعم الله تعالى علي أن رسول الله ﷺ توفي في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته (٤). فلما ثقل رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه أخذت عائشة (ض) بيده وجعلت تمسحه وتقول: أذهب الباس رب الناس اشف وأنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما، قالت: فنزع يده مني ثم قال: ((اللهم الرفيق الأعلى)) (٥). وكانت (ض) تقول: كان رسول الله ﷺ وهو صحيح يقول: ((إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة، ثم يحيا أو يخير، فلما اشتكى وحضره القبض ورأسه على فخذ عائشة غشي عليه فلما أفاق شخص بصره نحو سقف البيت ثم قال: اللهم في الرفيق الأعلى، فقلت: إذا لا يجاورنا، فعرفت أنه

стр. 148

الحديث الذي كان يحدثنا وهو صحيح)) (١). وتقول: ((وقد قبض رسول الله ﷺ وهو في حجري فذهبت أنظر إلى وجهه، فإذا بصره قد شخص، ثم وضعت رأسه على وسادة وقمت ألتدم مع النساء وأضرب وجهي)) (٢). ومما لا شك فيه أن من أعظم الفضائل وأعلى السعادة وأهم المناقب للسيدة عائشة (ض) أن حجرتها الشريفة كانت المسكن الأخير للنبي ﷺ ، ومكان دفنه ووفاته. ((إنا لله وإنا إليه راجعون)). خبر منام عائشة (ض): وكانت عائشة (ض) قد رأت في المنام أن ثلاثة أقمار سقطت في حجرتها، قالت: فسألت أبا بكر (ض) فقال: يا عائشة إن تصدق رؤياك، يدفن في بيتك خير أهل الأرض ثلاثة، فلما قبض رسول الله ﷺ ودفن قال لي أبو بكر: يا عائشة هذا خير أقمارك، وهو أحدها (٣). وقد أثبتت الوقائع القادمة أن القمرين الآخرين هما أبو بكر وعمر بن الخطاب (ض)، والآن صارت السيدة عائشة (ض) أرملة، وقضت من عمرها أربعين عاما على هذه الحالة، لزمت حجرتها طول حياتها تعزي نفسها بجوار قبر المصطفى ﷺ ، وذات مرة رأت النبي ﷺ في المنام فتركت ذلك المكان (٤) وما برحت منذ تلك اللحظة تلازم البقعة الخالدة لا تفارقها إلا للعمرة أو الحج أو لزيارة قريبة، واتخذت سكنها في الحجرة المجاورة

стр. 149

لقبره، وهي لا تحسب أنها قد فارقت منه غير مشهد جثمانه، فقد كانت تزوره زيارة الأحياء. كما أنها كانت تزور القبر الشريف من دون حجاب ثلاث عشرة سنة متوالية إلى أن توفي عمر بن الخطاب (ض) (١)، فلما دفن عمر معهما جعلت بعدها تنتقب وتلبس ملابس الحجاب، وهي تزور أولئك الأصحاب المتجاورين كأنهم على قيد الحياة. هذا وقد حرم الله تعالى على أزواج النبي ﷺ أن يتزوجن بعد وفاة النبي ﷺ . قال رجل من سادات قريش: ((لو توفي رسول الله ﷺ لتزوجت عائشة)) (٢) فلما كان هذا الأمر مخالفا للمصالح الدينية والسياسية، وحطا من شأن النبوة أنزل الله تعالى قوله: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣]. والأصل في هذا أن الأزواج المطهرات اللاتي أكرمهن الله تعالى بصحبة نبيه الحبيب ﷺ في حله وترحاله، عشن في كنفه حاملات لتعاليمه، حافظات لسنته، وبخاصة سنته ﵊ في بيته، التي لم يطلع عليها في الأغلب أحد سواهن لم تكن بقايا حياتهن إلا لكي يقمن بواجب نشر وإشاعة الدروس والتعليمات التي تلقينها من الحبيب المصطفى الزوج المبارك المعظم طول حياتهن، وألا يصرفن شيئا من حياتهن إلا في تأدية هذا الواجب، كن أمهات المؤمنين، فكانت مسؤوليتهن تعليم أبنائهن وتربيتهم، وكن المرجع الأول فيما حفظ عندهن من آي القرآن، وما حفظنه من السنن والأحاديث، حتى كانت بيوتهن مثابة الزوار من أبنائها وبناتها.

стр. 150

يقول الله : ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (*) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (*) يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (*) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (*) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٠ - ٣٤]. والحياة المتبقية لعائشة (ض) هي تفسير عملي بمعنى الكلمة لهذه الآيات الربانية. ***

стр. 151

الفصل السابع عائشة بعد رحيل الحبيب ﷺ - عهد أبي بكر الصديق (ض): كان أبو بكر الصديق (ض) هو الذي رشحه النبي ﷺ لكي يلي أمور المسلمين ويكون الخليفة الراشد الأول، وبعدما فرغ المسلمون من مراسم دفن الرسول ﷺ وصار أبو بكر الصديق (ض) خليفة المسلمين، أرادت أزواج النبي ﷺ أن يرسلن عثمان (ض) إلى أبي بكر (ض) يسألنه ميراثهن من رسول الله ﷺ ، فقالت لهن عائشة (ض) مذكرة إياهن بقول الحبيب المصطفى في حياته: ((لا نورث ما تركناه صدقة)) (١) فلما سمعن ذلك توقفن عنه. والواقع أن النبي ﷺ لم يخلف شيئا بعد وفاته حتى يوزع بين الورثة، ففي صحيح البخاري عن عمرو بن الحارث قال: ما ترك رسول الله ﷺ عند موته درهما ولا دينارا ولا عبدا ولا أمة ولا شيئا (٢) إلا ما خصه الله تعالى في الفيء، فكانت خالصة لرسول الله ﷺ ، وكان ﷺ ينفق على أهله من هذا المال نفقة سنته، ثم يأخذ ما بقي فيجعله في مال الله، فعمل بذاك رسول الله ﷺ حياته، فلما توفى الله نبيه، وولي أبو بكر فقبضها وعمل بما عمل به رسول الله ﷺ ، وهكذا جرى الأمر في هذا المال طوال الخلافة الراشدة (٣).

стр. 152

وما فعلته عائشة (ض) في موضوع الميراث يدل على مكانتها الرفيعة في الجود والسخاء والكرم وطول يدها في البذل والعطاء، وخاصة إذا عرفنا أنه توفي رسول الله ﷺ وما في بيتها شيء يأكله ذو كبد سوى البركة (١). وفاة أبي بكر الصديق (ض): ولم تطل خلافة الصديق (ض)، إلى مدة طويلة، وإنما انتهت بعد استكمال سنتين فقط، حيث توفي الخليفة الراشد الصديق في عام ١٣هـ. وكانت السيدة عائشة (ض) تشرف على تمريضه عند الاحتضار، وقد نحلها أبو بكر الصديق (ض) شيئا من المال والأراضي، فقال لها: أي بنية! قد علمت أنك كنت أحب الناس إلي وأعزهم. وإني كنت نحلتك الأراضي التي تعلمين بمكان كذا وكذا، وأنا أحب أن تردي بها إلي، فيكون ذلك قسمة بين ولدي على كتاب الله، فألقى ربي حين ألقاه، ولم أفضل بعض ولدي على بعض (٢)، فقالت عائشة (ض): على الرأس والعين، ثم سألها في كم كفنتم رسول الله ﷺ ؟ قالت: في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة، وقال لها: في أي يوم توفي الرسول ﷺ ؟ قالت: يوم الإثنين، قال: فأي يوم هذا؟ قالت: يوم الإثنين، قال: أرجو فيما بيني وبين الليل، فنظر إلى ثوب عليه كان يمرض فيه به ردع من زعفران، فقال: اغسلوا ثوبي هذا وزيدوا عليه ثوبين، فكفنوني فيها، فقالت: إن هذا خلق، فقال: إن الحي أحق بالجديد من الميت، وإنما هو للمهلة، فلم يتوف حتى أمسى من ليلة الثلاثاء (٣). فلما توفي حفر له في حجرة عائشة (ض) وجعل رأسه عند كتفي رسول الله ﷺ ، وألصق اللحد بقبر رسول الله ﷺ . وهكذا أصبحت هذه الحجرة مجمعا لقمر الخلافة مع قمر النبوة، ومرت عائشة (ض) بهذه المرحلة العصيبة الثانية من نوعها. وتحملت هذه الصدمة

стр. 153

صدمة وفاة الوالد، رابطة الجأش ثابتة القلب في سنها المبكر، وذلك بعد سنتين فقط مما مرت به من الحادثة حيث ودعت حبيبها المصطفى ﷺ . عهد عمر بن الخطاب (ض): يتميز عهد الفاروق (ض) من حيث التنظيم والتنسيق تميزا ملموسا، وكان قد فرض (ض) عطية نقدية لكل المسلمين من بيت المال في عهده الميمون، أما ما فرضه لأمهات المؤمنين فقد ذكر لنا الإمام أبو يوسف (ح) (١) روايتين في كتابه ((الخراج)) (٢)، الأولى: أنه فرض لأمهات المؤمنين كل واحدة منهن اثني عشر ألف سنويا، والثانية: أن عمر (ض) فرض لأمهات المؤمنين عشرة آلاف، وزاد عائشة ألفين، وقال: إنها حبيبة رسول الله ﷺ . (وقد أخرجها الحاكم في المستدرك، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) (٣). وكان (ض) قد جعل تسع صحاف، عدد أزواج النبي ﷺ ، فلا تكون فاكهة ولا طريفة إلا جعل منها في تلك الصحاف، فيبعث بها إلى أزواج النبي ﷺ (٤).

стр. 154

وأكبر دليل على اهتمامه البالغ بأمهات المؤمنين وشدة التفقد لأحوالهن أنه كان يبعث إليهن باللحوم كلما نحرت النعم، كما تقول عائشة (ض): ((كان عمر بن الخطاب يرسل إلينا بأحظائنا - حصصنا - حتى من الرؤوس والأكارع (١))). ولما فتح المسلمون العراق جاء درج إلى عمر (ض) وفيه جوهر فقال لأصحابه: ((تدرون ما ثمنه؟ قالوا: لا، ولم يدروا كيف يقسمونه، فقال: تأذنون أن أبعث به إلى عائشة لحب رسول الله ﷺ إياها؟ فقالوا: نعم، فبعث به إليها، ففتحته فقالت: ماذا فتح علي ابن الخطاب بعد رسول الله ﷺ ، اللهم لا تبقني لعطيته لقابل (٢))). وكان (ض) يتمنى أن يدفن في حجرة عائشة (ض) تحت أقدام الرسول ﷺ ، لكنه لم يتمكن من تقديم طلبه هذا نظرا إلى الأدب والاحترام، وكان مضطربا قلقا من هذا الموضوع وهو في سياقة الموت وحالة الاحتضار، حتى قال لابنه عبد الله: انطلق إلى عائشة أم المؤمنين (ض) فقل: يقرأ عليك عمر السلام، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه، فمضى فسلم واستأذن ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي، فسلم عليها وقال كما أوصاه، قالت: كنت أريده لنفسي، ولأوثرنه به اليوم على نفسي (٣). وحتى بعد هذا الإذن من عائشة (ض) قال عمر (ض): ((يا عبد الله بن عمر انطر، فإذا أنا قبضت فاحملوني على سريري، ثم قف بي على الباب، فقل: يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذنت لي فأدخلني، وأن ردتني فردني إلى مقابر

стр. 155

المسلمين، فإني أخشى أن يكون إذنها لي لمكان السلطان))، ففعل كما أمر به، وأذنت السيدة عائشة (ض) مرة ثانية، ثم دفن هناك مع صاحبيه (١). وأخيرا أفل هذا القمر الثاني للخلافة في نفس الحجرة المقدسة. عهد عثمان بن عفان (ض): امتد عهد خلافة عثمان (ض) إلى اثني عشر عاما، والنصف الأول من هذا العهد كان يسوده الأمن والسكون والاستقرار، بينما النصف الثاني من عهده أصيب بأنواع من الاضطرابات، وحدثت فيه بعض الخلافات نحو الخليفة، واشتكى طائفة من الناس الخليفة عثمان (ض)، وها هي عائشة (ض) تروي لنا وصية الرسول ﷺ التي أوصى بها عثمان: ((يا عثمان إن الله لعله أن يقمصك قميصا فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه، ثلاث مرات)) (٢). لقد احتلت السيدة عائشة (ض) مكانة سامية مرموقة في قلوب عامة الناس (٣)، فكانوا يقصدونها متعلمين مستفتين، فكانت تهدي الحائر، وتعلم الجاهل، وتحمي الملتجئ، وتنجد المستغيث، فكانت أم المؤمنين بمعنى الكلمة، والناس في الحجاز والعراق والشام ومصر يعتبرونها أما لهم بواقع الأمر، والوقائع التي سوف نتحدث عنها لاحقا تدل على ذلك بكل وضوح، كما أن الناس يقبلون عليها، يعرضون عليها شكاواهم فهي تؤازرهم

стр. 156

وتواسيهم، ومن المعروف تاريخيا أن كبار الصحابة وأصحاب الإفتاء والمشورة كانوا على قيد الحياة في عهدي الصديق والفاروق (ض) وكذلك في بداية عهد عثمان، فكان الخلفاء يستشيرونهم في مهمات الأمور ومعضلات القضايا، وهم كانوا حائزين على مناصب جليلة رفيعة المستوى حسب مواهبهم ومؤهلاتهم التي أكرمهم الله تعالى بها، وميزهم على غيرهم، وكان نظام الحكومة والترتيبات المتعلقة بالسلطة التي أقامها الشيخان غاية في العدل والإنصاف، لا يشوبها شيء من الحيف أو الظلم، ولذا ضمن لهم ذلك النظام استقرار البلاد أمنا وسكونا فلم تشهد أي توتر أو اضطراب أو خلل في الأمن، ولم يجد كبار الصحابة أي سبب لتقديم الشكاوى على إساءة التنظيم أو خلل في الأمن. أما الشباب أمثال عبد الله بن الزبير، ومحمد بن أبي بكر، ومروان بن الحكم، ومحمد بن أبي حذيفة، وسعيد بن العاص (ض)، فكلهم كانوا يهابون الخليفة، ويقدرون للخلافة قدرها، ويعتبرونها فوق مصالحهم. ***

стр. 157

الفصل الثامن نشوء الفتن ومعركة الجمل إن عبد الله بن الزبير (ض) حواري رسول الله ﷺ وابن عمته، سبط أبي بكر الصديق (ض)، كان يعتبر نفسه أحق بالخلافة، وأنه وارث للخلافة، أما محمد بن أبي بكر فكان أصغر أبناء الصديق (ض) وهو أخو عائشة (ض) من الأب، وقد تزوج أمه - بعد وفاة أبي بكر الصديق (ض) - علي (ض)، ولذلك فإنه قد ترعرع ونشأ في حضن علي (ض)، وكان يحبه مثل أبنائه (١)، ومحمد بن أبي حذيفة تربى وترعرع في كنف عثمان (ض)، ولما بلغ أشده طالب بمنصب كبير فرفض عثمان (ض) أن يسلمه، فارتحل إلى مصر غاضبا. وأما مروان بن الحكم وسعيد بن العاص فكانا من الأمويين ومن الشباب حديثي السن، من أبناء المهاجرين القدامى وأخلاقهم، وكانوا من مقدمي طلاب المناصب الرفيعة، وذلك نظرا إلى ما كان يحوزه آباؤهم وأسلافهم من مناصب رفيعة، والخليفة الراشد عثمان (ض) كذلك كان من الأمويين، وكان يثق بأفراد أسرته، ولذا فكان المرشحون والمختارون للمناصب معظمهم من بني أمية. ولذلك نرى أن مروان وسعيد بن العاص قد فازا بمناصب كبيرة رفيعة المستوى، الأمر الذي أدى إلى إثارة الغضب والسخط لدى بعض شباب قريش تجاه بني أمية، وكان هذا هو السبب الذي دفع محمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة ليشاركا في الثورة ضد عثمان بن عفان (ض) أكثر من الآخرين، مع العلم بأن هؤلاء الشباب ما كان فيهم من صفات الصبر والعدل والصدق

стр. 158

والأمانة والزهد والورع مثل ما كان في آبائهم من كبار الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فوصل الأمر إلى غضبهم وثورتهم ضد الخليفة. وفوق ذلك كله فإن العرب كانوا يعتبرون الاستعباد العجمي وصمة عار على جبين شرفهم وسعادتهم، إذ إنهم قد نشؤوا وترعرعوا في بيئة تتمتع بالحرية والاستقلال، فلما جاء الإسلام نفخ فيهم روحا جديدة، وجعل كل القبائل في ميزان واحد وتحت قوة واحدة. وكبار الصحابة الذين كانوا هم رعاة تعاليم الإسلام وتربيته الأصيلة كانوا يراعون هذا الجانب دائما، ولما جاء من حلفهم من المسؤولين وأصحاب المناصب الرفيعة والمراتب العالية، تناسوا هذا الدرس العظيم، وبدؤوا يتظاهرون علنا بشرفهم القبلي والأسرى ويتفاخرون به ويتباهون باستقلالهم الشيخصي في مجالسهم وزواياهم، فشق ذلك على القبائل العربية الأخرى، فزعموا أن الفتوحات التي حصلت بعد العهد النبوي في كل من إيران والشام ومصر وبلاد أفريقية، كلها كانت بسبب سيوفهم، ولذا بإنهم يستحقون نصيبهم وسهامهم بالتساري والتعادل. أما الأعاجم الذين كانوا حديثي العهد بالإسلام فهم على طبيعتهم السابقة، لم يكونوا راضين بحكم قريش أو بني أمية فحسب، بل كانوا لا يعجبهم أن تكون السلطة بيد العرب أساسا وهم يحكمون عليهم، ولذا فإنهم كانوا يحبون أن يساهموا في كل فتنة أو ثورة تثار ضد الحكومة، والموقع الجغرافي لبلاد الكوفة كان نقطة اتصال بين العرب والعجم، ومن ثمة بدأت الفتنة، وكانت هناك أكبر المجتعات للقبائل العربية، كان واليها سعيد بن العاص، وكان سادات معظم القبائل الموجودة في البلد يجتمعون في ديوانه بالليل، حيث يتحدثون حول موضوع الحروب التي خاضتها العرب، كما يتطرق حديثهم إلى موضع أنساب العرب ومفاخر الآباء والأجداد، وكل قبيلة تزعم نفسها أعلى وأرفع من الأخرى، وتكون نهاية الحديث مؤلمة، فينهون كلامهم وسمرهم بالتشاجر والتهاوش والتجادل والسب والشتم، وسعيد بن العاص يغتنم هذه الفرصة لإظهار مفاخر قريش، الأمر الذي يزيد الطين بلة، فاشتكى سادات القبائل أخلاقه وسلوكه، وأدت هذه الظاهرة السيئة إلى نشوء

стр. 159

فتنة، وأثناء هذه الفترة، اعتنق ابن سبأ اليهودي الإسلام. اعتناق عبد الله بن سبأ اليهودي الإسلام: ومن عادة اليهود - أصحاب الدسائس والمكر والخداع - أنهم لو لم يتمكنوا من الانتقام من أعدائهم بإظهار العداوة، سرعان ما يتحولون ظاهرا إلى أصدقاء حميمين، وينسجون خيوط المؤامرات الخفية، مثل اليهود لما سقطوا في إفشال دعوة سيدنا عيسى (س) وإزاحة تأثيرها، فاعتنق أحد زعمائهم - بولس - النصرانية، وتستر بستارها، ومن ثم بدأ في استئصال جذور تعاليمها، والقضاء على حقيقتها. فقام ابن سبأ يشيع بين الناس أن عليا (ض) هو خليفة الرسول ﷺ ووصيه، يعني أن النبي ﷺ كان قد أوصى بخلافته، وكان ابن سبأ يعتقد نفس هذه العقيدة تجاه هارون (س)، عندما كان يهوديا، فنادى في الناس: انهضوا بهذا الأمر فحركوه، وابدأوا بالطعن على أمرائكم، وادعوا الناس إلى هذا الأمر، فبث دعاته، وكاتب من كان في الأمصار، ودعوا في السر إلى ما عليه رأيهم، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعلوا يكتبون إلى الأمصار بكتب يضعونها في عيوب ولاتهم، ويكاتبهم إخوانهم بمثل ذلك، حتى تناولوا بذلك المدينة، وأوسعوا الأرض إذاعة، وبذل ابن سبأ أقصى ما في وسعه في نسج شبكات من المؤامرة والمكر على نطاق واسع استنادا إلى الإصلاح السياسي، وقام بجولة لكل من بلاد الكوفة والبصرة ومصر، حيث كانت هذه البلاد مشحونة بالسلاح والرجال، منذ أن أمر عمر بن الخطاب بتأسيسها، لتكون ثكنات عسكرية لجند المسلمين، ينطلقون منها لنشر الإسلام. وكان طبيعيا وجود بعض العناصر من محبي الثورة والانقلاب في القوات العسكرية، فاتخذ ابن سبأ مصر مقرا ومركزا لهؤلاء الثوار، وبدأ يجمع أولئك الشراذم المتفرقين في سلك واحد، وعلى رصيف واحد، فسموا هؤلاء فيما بعد بالسبئية. هذا وكانت الحروب جارية مستمرة في مختلف مناطق أفريقية وبلاد الجزائر والروم زمن خلافة عثمان (ض)، ولهذا السبب كان معظم الجيوش

стр. 160

الإسلامية موجودين هناك، ومحمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة كانا يلتقيان بالجيوش ويجلسان عندهم بكل حرية بزعم المشاركة في الجهاد، ويؤلبانهم على عثمان (ض)، فأدى ذلك إلى أن تحولت مصر إلى مركز للثوار ومعارضي السلطة والخارجين على الخليفة، وكان والي مصر حينذاك هو عبد الله بن أبي سرح، فبدأ محمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة بحركة معادية لعبد لله بن أبي سرح وعثمان بن عفان (ض)، وهكذا تزعما حزبا سياسيا جديدا في مصر، وعظم ذلك كان مسندا إلى محمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة حتى استنفرا نحو ألف راكب من كل من الكوفة والبصرة ومصر، يذهبون إلى المدينة بصفة حجاج، ليشغبوا على عثمان (ض)، فساروا إليها وأقاموا قرب المدينة، فلما اقتربوا من المدينة، أمر عثمان (ض) علي بن أبي طالب (ض) أن يخرج إليهم ليردهم إلى بلادهم قبل أن يدخلوا المدينة، فانطلق علي بن أبي طالب إليهم وهم بالجحفة، وكانوا يعظمونه ويبالغون في أمره، فردهم وأنبهم وشتمهم، فرجعوا على أنفسهم بالملامة، ورجع كل فريق منهم إلى قومهم، وأظهروا للناس أنهم راجعون إلى بلدانهم، وساروا أياما راجعين، ثم كروا عائدين إلى المدينة، فما كان غير قليل حتى سمع أهل المدينة التكبير وإذا القوم قد زحفوا على المدينة وأحاطوا بها، وذهب الصحابة إلى هؤلاء يؤنبونهم حتى قال علي لأهل مصر: ما ردكم بعد ذهابكم ورجوعكم عن رأيكم؟ فقالوا: لما رجعنا إلى بلادنا وجدنا في الطريق شخصا فإذا معه في إداوة كتاب على لسان عثمان فيه الأمر بقتل طائفة منهم، وبصلب آخرين، وبقطع أيدي آخرين منهم وأرجلهم، وكان على الكتاب طابع بخاتم عثمان. هذا وظنوا أن الكتاب كتبه مروان بن الحكم بيده، فحاصروا بيت عثمان (ض) واشترطوا عليه شرطين: إما أن يسلم إليهم مروان بن الحكم أو يعتزل عن الخلافة، فرفض عثمان (ض) هذين الشرطين. واستدعت عائشة (ض) أخاها محمد بن أبي بكر، وطلبت منه أن يمتنع من هذا لكنه رفض، حتى حان موعد الحج، فخرجت إلى الحج وأرادت أن تأخذ معها أخاها محمدا لكنه رفض.

стр. 161

استشهاد الخليفة عثمان بن عفان (ض) وبيعة علي بن أبي طالب: واستمر حصار الدار ثلاثة أسابيع، وأخيرا قتل الخليفة عثمان بن عفان (ض) شهيدا بيد البغاة والخوارج، ((إنا لله وإنا إليه راجعون)) وبعدما استشهد عثمان (ض) لم يبق للخلافة إلا أربعة من الصحابة الذين يستأهلونها وهم طلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعلي (ض)، أجمعين. وكان الكوفيون يطلبون الزبير فلا يجدونه، والبصريون يطلبون طلحة فلا يجيبهم، والمصريون يلحون على علي وهو يهرب منهم إلى الحيطان، فمضوا إلى سعد بن أبي وقاص فقالوا: إنك من أهل الشورى، فلم يقبل منهم، فرجعوا إلى علي فألحوا عليه، وأخذ الأشتر النخعي بيده فبايعه وبايعه الناس، وكان من مقدمي أصحاب علي (ض) الأشتر النخعي وعمار بن ياسر ومحمد بن أبي بكر، وكان بعض الناس رشحوا عبد الله بن عمر (ض)، أما بنو أمية فرشحوا للخلافة أبان بن عثمان، كما أن هناك من كانوا يذكرون عبد الرحمن بن أبي بكر. ثم بعد ثلاثة أيام بايعه جمهور أهل المدينة، إلا بعض الأشخاص. وهذا ما حدث في الحجاز، أما الوضع السياسي في بلاد الشام فكان معاوية (ض) يحلم باستقلاله وحريته، كما أن محمد بن أبي حذيفة أعلن استقلاله بمصر، وكان الناس مذهولين بسبب حادث امستشهاد الخليفة الراشد الثالث في رحاب الحرم النبوي، وبأيدي المسلمين، تلك الحادثة المفجعة التي لم يرض بها حتى معارضو عثمان ومخالفوه، وكانت من هؤلاء عائشة أم المؤمنين (ض) كما في (١) رواية، وحاشاهم أن يتعمدوا ذلك. وقبل هذا الحادث المدهش المذهل جاء الأشتر النخعي فقال: ((يا أم المؤمنين ما تقولين في قتل هذا الرجل؟ يعني عثمان، فقالت: معاذ الله أن آمر بسفك دم إمام المسلمين)) (٢)، وقد أذاع بعض الأعداء أن السيدة عائشة (ض) كانت متورطة في هذه الحادثة. ولعلهم يبررون زعمهم الباطل هذا بما فعله

стр. 162

أخوها محمد بن أبي بكر في هذه الحادثة، لأنه كان من كبار الثائرين على عثمان والمؤلبين عليه، لكن سبق أن ذكرنا أن عائشة (ض) قد غضبت على أخيها لموقفه من عثمان وسمته مذمما، وظلت تدعو عليه من كبد حرى وعلى بقية الساعين في قتل عثمان دعاء حارا، كما أعربت السيدة عائشة عن انطباعاتها نحو الخليفة الراشد عثمان (ض) ذات مرة قائلة: ((والله ما أحببت أن ينتهك من عثمان أمر قط إلا قد انتهك مني مثله، حتى والله لو أحببت قتله لقتلت، يا عبيد الله بن عدي لا يغرنك أحد بعد الذي تعلم، فوالله ما احتقرت أعمال أصحاب النبي ﷺ حتى تهجم النفر الذين طعنوا في عثمان، فقالوا له قولا لا يحسن قوله، وقرؤوا قراءة لا يحسن مثلها، وصلوا صلاة لا يصلى مثلها، فلما تدبرت الصنيع إذا هم والله ما يقاربون أعمال أصحاب رسول الله ﷺ (١). ولا شيء أدل على تفنيد ما زعمه الزاعمون وأذاعه المرجفون من أكاذيب حول نجوم خلاف بين السيدة عائشة وعثمان (ض)، ودحض مزاعمهم الباطلة من هذا التصريح والإعلان الواضح الصريح من السيدة عائشة (ض). عهد علي بن أبي طالب (ض): وبالجملة فإن أوضاع المسلمين كلها كانت مصابة بالتوتر والاضطراب، وكانوا يعانون من ظروف حرجة وقاسية من الناحية السياسية في تلك الفترة، فلما رآى جماعة من الصحابة هذا المنظر المؤلم وجدوا أن الحديقة التي سقوا أزهارها ورووها بدمائهم، وبذلوا فيها النفائس، وضحوا من أجلها بكل نفس ونفيس وغال ورخيص، قد بدأت تتعرض للانهيار والضياع، ورأوا بأم أعينهم أن مجهوداتهم أصبحت تروح سدى ومن دون جدوى، فلما واجهوا ذلك كله قاموا ورفعوا علم الإصلاح، وكان من أهم أعضاء هذه الجماعة طلحة والزبير وعائشة (ض). طلحة (ض): هو طلحة بن عبيد الله بن عثمان القرشي، أبو محمد أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، كان فاتح

стр. 163

المعارك في عهد النبوة، وصهر الخليفة الأول أبي بكر الصديق (ض)، ونسيب النبي ﷺ . الزبير (ض): هو الزير بن العوام بن خويلد بن أسد القرشي أبو عبد الله، كان حواري رسول الله ﷺ وابن عمته، ونسيبه، وصهر الخليفة الأول، وكان من شجعان الإسلام، وهذان الاثنان كانا من أولئك الذين اختارهم عمر بن الخطاب (ض) للخلافة. وقد سبق أن ذكرنا أن السيدة عائشة (ض) خرجت من المدينة قاصدة مكة لأداء الحج حسب عادتها، وذلك بعد أن غلب الثائرون والغوغاء على المدينة المنورة وحاصر البغاة بيت عثمان (ض)، وعلمت السيدة عائشة بمقتل عثمان وهي في طريق العودة إلى المدينة، فلما تقدمت لقيها طلحة والزبير (ض) هاربين من المدينة، فقالت: ((ما وراءكما؟ فقالا: ((وراءنا أنا تحملنا بقليتنا هرابا من المدينة من غوغاء وأعراب، وفارقنا قوما حيارى، لا يعرفون حقا ولا ينكرون باطلا، ولا يمنعون أنفسهم)) فقالت عائشة (ض) فائتمروا أمرا ثم انهضوا إلى هذه الغوغاء))، وتمثلت: ((ولو أن قومي طاوعتني سراتهم ... لأنقذتهم من الحبال أو الخبل)) (١) ثم عادت إلى مكة المكرمة، ولما علم عامة الناس بهذا الحادث، بدأوا يقصدونها من كل النواحي وجميع الأطراف، وطلبوا منها أن تنهض بعمل إصلاح الأمة ورأب الصدع الذي أحدثه مقتل عثمان (ض) في صفوفها، تروي لنا عمرة بنت عبد الرحمن عن أم المؤمنين (ض) قولها: ((ما رأيت مثل ما رغبت هذه الأمة عنه، من هذه الآية (٢): ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات: ٩])).

стр. 164

الإصلاح وواجبات المرأة المسلمة: تحكي لنا عائشة (ض) قصة فتاة فتقول: إن فتاة دخلت عليها فقالت: إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته، وأنا كارهة، قالت: اجلسي حتى يأتي النبي ﷺ ، فجاء رسول الله ﷺ فأخبرته فأرسل إلى أبيها فدعاه، فجعل الأمر إليها، فقالت: يا رسول الله قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء (١). فطلوع عائشة (ض) على منصة السياسة لدليل على أن نطاق حقوق المرأة المسلمة لا ينحصر فيما يظنه العامة، لقد أصيبت السيدة عائشة (ض) بصدمة عنيفة إثر هذا الحادث المفجع، وتألمت كثيرا بما رأته من أوضاع المسلمين وأحوالهم التي وصلت إلى أسوأ درجة، ولا سيما لما عرفت بأنه لا يوجد من ينهض للإصلاح فيما بينهم ويقوم بحل هذه العقدة التي وقعوا فريستها إبان مقتل عثمان (ض)، وكما نعرف أن أم المؤمنين عائشة كانت ذات جرأة نادرة، رابطة الجأش، ثابتة القلب والنفس، لم تزعزعها شدة المصيبة، ولم تهز كيانها المشاكل والمصائب، ومن مظاهر جرأتها العديمة المثال أنها استأذنت من النبي ﷺ أن تشارك في الجهاد، فقال لها النبي ﷺ : ((جهادكن الحج)) (٢). وكانت قد شاركت في بعض الغزوات قبل أن ينزل الحجاب، وفي رواية أنها شاركت في غزوة بدر الكبرى كذلك. أما في غزوة أحد فكان لها سهم وافر في نصرة المجاهدين، فكانت تسقي الجرحى، وتحمل قرب الماء على عاتقها لتفرغها في أفواه المجاهدين، يقول أنس (ض): ((ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم لمشمرتان أرى خدم سوقهما تنقلان القرب على متونهما ثم

стр. 165

تفرغانه في أفواههم ثم ترجعان فتملآنها ثم تجيئان تفرغانه في أفواه القوم)) (١). وفي غزوة الخندق لما كان المسلمون شبه محصورين نزلت من الحصن الذي وضع فيه النبي ﷺ النساء والأطفال، وتقدمت إلى الصفوف الأمامية (٢). ولا ينكر أحد أن الإمارة والولاية لا تتفق مع تكوين المرأة النفسي والعاطفي والطبيعي، كما أن الشروط اللازمة للإمامة والإمارة لا يمكن أن يتحملها هذا الجنس اللطيف الرقيق، ولذلك لم تكلفها الشريعة بحمل هذا العبء العظيم والثقل الكبير على أكتافها، ولكن لا يحتج بذلك على عدم جواز توليها وظائف أخرى، ومساهماتها في شتى ميادين السياسة، من القيام بأعمال إصلاحية، وإرشادية في الجمهور، ولا سيما في الأوضاع الطارئة التي تسود فيها نيران الفتن والفساد كل المجتمع، ولا يوجد أحد غيرها يقوم بإخماد هذه النار، والقضاء على تلك الفتن والاضطرابات واجتثاث جذورها من المجتمع البشري. وقد ذهب الإمام مالك، والطبري، وأبو حنيفة في رواية، وآخرون إلى جواز منح المرأة الإمارة وولاية القضاء (٣). وكانت شفاء العدوية (ض) قد استعملها عمر (ض) على السوق (٤)، وهذه عائشة (ض) ربما اجتمع عندها

стр. 166

النساء، فأمتهن وقامت بينهن في الوسط (١). عائشة (ض) ترفع راية الإصلاح وتغادر إلى البصرة: وعلى كل فإن عائشة (ض) لما أعلنت نهوضها بأعمال الإصلاح ورفعت رايته لبى ندائها حوالي سبعمئة شخص من الحرم فقط، وتبرع ابن عامر وابن أمية - من أغنياء العرب - بمئات الآلاف من الدراهم، والبعير، وأناخوا بالأبطح معسكرا، ثم استشاروا في بيت عائشة (ض) لتقرير اتجاه مسير العسكر، فأشارت عليهم أن يتجهوا إلى المدينة حيث يوجد السبئيون والثوار - ولو كانوا اتجهوا إلى المدينة لكان الأمر مختلفا - لكن بعد مداولات الآراء ومناقشتها استقام لهم الرأي على أن يتجهوا إلى البصرة، فلما قالوا لها ذلك ولم يكن ذلك مستقيما إلا بها، قالت: نعم. وقد كان أزواج النبي ﷺ معها على قصد المدينة. فلما تحول رأيها إلى البصرة تركن ذلك. وانطلق القوم إلى حفصة فقالت: رأيي تبع لرأي عائشة. قال يعلى بن أمية: معي ستمئة ألف، وسبعمئة بعير فاركبوها، وقال ابن عامر: معي كذا وكذا، فتجهزوا به، فنادى المنادي أن أم المؤمنين وطلحة والزبير شاخصون إلى البصرة، فمن كان يريد إعزاز الإسلام وقتال المحدثين والطلب بثأر عثمان، ومن لم يكن عنده مركب ولم يكن له جهاز، فهذا جهاز وهذه نفقة، وتجهزوا بالمال ونادوا بالرحيل واستقلوا ذاهبين، فخرجوا في سبعمئة رجل من أهل المدينة ومكة، ولحقهم الناس حتى وصل عددهم إلى ثلاثة آلاف رجل، وخرج معها أمهات المؤمنين إلى ذات عرق يودعنها، فودعنها بالدموع والنحيب، ولم ير يوم كان أكثر باكيا على الإسلام منه. ولم تتهيأ لشباب بني أمية فرصة أحسن من هذه لإثارة الفتن والغوغاء فكانوا قد لجأوا إلى الحرم المكي فارين هاربين مختفين، ولما سمعوا أن أم

стр. 167

المؤمنين خرجت تطلب ثأر دم عثمان انضموا معها، وشارك معظم الناس في هذه الجماعة، لأنهم أخبروا أن أم المؤمنين هي التي تقود هذا الجيش، فلحقوا به حتى وصلوا إلى ثلاثة آلاف لما انتهوا إلى المنزل. هذا ولم يكن الهدف الأساسي لبعض بني أمية من وراء هذه الجهود طلب ثأر دم عثمان، والعمل من أجل الإصلاح، وإنما كان غرضهم الزيادة في مشكلات علي (ض)، ولذا فإنهم لما رأوا أن هناك قوة سياسية ثالثة بدأت تنشأ بقيادة السيدة عائشة (ض). ويمكن أن تكون هذه القوة حليفهم الثاني، بدأوا ينسجون شبكات من المؤامرات الخفية والدسائس الباطنية في داخل العساكر، وبما أن هذا العسكر كان فيه العديد من مدعي الخلافة، فأول سؤال طرح عن الخليفة، من يتولى الخلافة؟ هل طلحة أو الزبير؟ فقامت عائشة (ض) بإنهاء هذه القضية، ثم ثارت فتنة أخرى حول الإمامة، من يؤم الناس؟ ومن هو أحق بالإمامة؟ فقررت عائشة (ض) لأبناء كل من طلحة والزبير أن يتناوبوا في الإمامة يوما بعد يوم. قصة ماء الحوأب وعزم عائشة على الرجوع: ولما وصلوا مياه بني عامر طرقوا ماء الحوأب ونبحت الكلاب فقالت: أي ماء هذا؟ فقالوا: ماء الحوأب، فصرخت فقالت: ما أظن إلا راجعة، وتذكرت قول الرسول ﷺ لما خاطبها قائلا: ((كيف بإحداكن تنبح عليها كلاب الحوأب؟)) (١) فأناخت وأناخوا حولها وهم على ذلك وهي تأبى حتى كانت الساعة التي أناخوا فيها من الغد، وفي نهاية الأمر شهد خمسون شخصا من القرية أن هذا ليس بماء الحوأب، فاطمأنت عائشة (ض)، فلما وصل الخبر إلى علي (ض) بخروج طلحة والزبير وأم المؤمنين أمر على المدينة تمام بن العباس، وبعث إلى مكة قثم بن العباس، وخرج وهو يرجو أن يأخذهم

стр. 168

بالطريق، وأراد أن يعترضهم، وخرج معه من نشط من الكوفيين والبصريين. فجاءها ابن الزبير فقال: النجاء النجاء، فقد أدرككم والله علي بن أبي طالب، فارتحلوا. هذه رواية الطبري (١) وما شاكله من كتب التاريخ. وقد أخرج الإمام أحمد هذه القصة بلسان عائشة (ض) نفسها أنها أتت على الحوأب وسمعت نباح الكلاب، فقالت: ما أظنني إلا راجعة، إن رسول الله ﷺ قال لنا: ((أيتكن تنبح عليها كلاب الحوأب))؟ فقال لها الزبير: ترجعين؟ عسى الله ، أن يصلح بك بين الناس (٢)، وفي رواية أخرى: ((فقال بعض من كان معها بل تقدمين فيراك المسلمون فيصلح الله ذات بينهم)) (٣) وهذه الروايات خير دليل على أن مسيرة عائشة (ض) كان الغرض الأساسي منها هو الإصلاح بين الناس لا غير. أوضاع المسلمين في الكوفة: كانت الكوفة أكبر بلاد المسلمين بعد مكة والمدينة والبصرة، وكان واليها أبو موسى الأشعري (ض)، وزعماء الفريقين يحاولون إقناع العامة بما يرونهم، ودعوتهم إليهم كل على حدة، فجاء الناس إلى أبي موسى الأشعري (ض) يستشيرونه في الخروج، فقال أبو موسى: ((كان الرأي بالأمس

стр. 169

ليس باليوم، إن الذي تهاونتم به فيما مضى هو الذي جر عليكم ما ترون، وما بقي إنما هما أمران: القعود سبيل الآخرة والخروج سبيل الدنيا)). وكتبت عائشة (ض) إلى الكوفة مع رسولهم، وأرسل علي (ض) عمارا ومعه الحسن (ض) إلى الكوفة، فخطب عمار في جامع الكوفة حول الأوضاع الراهنة، وبين مناقب أم المؤمنين (ض)، ثم قال: هذا ابن عم رسول الله ﷺ إلى زوجة رسول الله ﷺ وإلى طلحة والزبير، وإني أشهد أنها زوجته في الدنيا والآخرة، فانظروا ثم انظروا في الحق، فقاتلوا معه، ثم قام الحسن بن علي فقال: ياأيها الناس أجيبوا دعوة أميركم، وسيروا إلى إخوانكم، فأجيبوا دعوتنا على ما ابتلينا به وابتليتم، فسامح الناس وأجابوا ورضوا به، وأثر فيهم هذا الخطاب تأثيرا عجيبا، ونفر معهم تسعة آلاف، فأخذ بعضهم البر وأخذ بعضهم الماء. إلا أن الناس كانوا مترددين إلى أي جانب يميلون ومع من يروحون، لأنهم وجدوا أم المؤمنين وحبيبة رسول الله ﷺ في جانب، وابن عم الرسول وصهره في جانب آخر. ولما وصلت عائشة (ض) قرب البصرة، أرسلت بعض الناس لكي يخبروا الناس بالواقعة، كما كتبت إلى رؤساء وسادات العرب في البلاد، وذهبت إلى بعض الرؤساء، وقد امتنع رئيس من قبيلة ما، فذهبت إليه عائشة (ض) بنفسها وأقنعته فقال: أنا أستحيي أن أرفض أمي ولا أطيع أمرها (١)، وكان عثمان بن حنيف قد ولاه علي (ض) البصرة، فدعا عثمان عمران بن حصين وألزمه بأبي الأسود الدؤلي فقال: انطلقا إلى هذه المرأة فاعلما علمها وعلم من معها، فخرجا فانتهيا إليها وإلى الناس فاستأذنا فأذنت لهما، فسلما وقالا: إن أميرنا بعثنا إليك نسألك عن مسيرك فهل أنت مخبرتنا؟ فقالت (ض): ((والله ما مثلي يسير بالأمر المكتوم ولا يغطي لبنيه الخبر، إن الغوغاء من

стр. 170

أهل الأمصار ونزاع القبائل، غزوا حرم رسول الله، وأحدثوا فيه الأحداث، وآووا فيه المحدثين، واستوجبوا فيه لعنة الله ولعنة رسوله، مع ما نالوا من قتل إمام المسلمين بلا ترة ولا عذر، فاستحلوا الدم الحرام فسفكوه، وانتهبوا المال الحرام، وأحلوا البلد الحرام والشهر الحرام، ومزقوا الأعراض والجلود، وأقاموا في دار قوم كانوا كارهين لمقامهم، ضارين مضرين، غير نافعين ولا متقين، لا يقدرون على امتناع ولا يأمنون، فخرجت في المسلمين، أعلمهم ما أتى هؤلاء القوم، وما فيه الناس وراءنا، ولا ينبغي لهم أن يأتوا في إصلاح هذا، وقرأت: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤] ننهض في الإصلاح ممن أمر الله ، وأمر رسول الله ﷺ الصغير والكبير والذكر والأنثى، فهذا شأننا إلى معروف نأمركم به ونحضكم عليه، ومنكر ننهاكم عنه ونحثكم على تغييره)) (١). فخرج أبو الأسود وعمران من عندها، فأتيا طلحة، فقالا: ما أقدمك؟ قال: الطلب بدم عثمان، قالا: ألم تبايع عليا؟ قال: بلى، والعج في عنقي وما أستقيل عليا، إن هو لم يحل بيننا وبين قتلة عثمان، ثم أتيا الزبير وسألاه نفس السؤال، فأجابهما الزبير بما أجاب طلحة، فرجعا إلى أم المؤمنين فودعاها فودعت عمران وقالت: ((يا أبا الأسود إياك أن يقودك الهوى إلى النار، ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٨])). وقد أثر كلام عائشة (ض) في عمران، واعتزل عن المعركة، وقال لعثمان: والله لتعركنكم عركا طويلا، ثم لا يساوي ما بقي منكم كثير شيء، فقال له عثمان: فأشر علي يا عمران! قال: إني قاعد فاقعد، فقال عثمان: بل أمنعهم حتى يأتي أمير المؤمنين علي وانصرف إلى بيته، ثم نادى في الناس، وأمرهم بالتهيؤ، ولبسوا السلاح، واجتمعوا إلى المسجد الجامع. وأقبل عثمان على الكيد، فكاد الناس لينظر ما عندهم وأمرهم بالتهيؤ، وأمر رجلا ودسه إلى الناس خدعا كوفيا قيسيا فقام فقال: ياأيها الناس أنا

стр. 171

قيس بن العقدية الحميسي، إن هؤلاء القوم الذين جاؤوكم، إن كانوا جاؤوكم خائفين فقد جاؤوا من المكان الذي يأمن فيه الطير، وإن كانوا جاؤوا يطلبون بدم عثمان (ض) فما نحن بقتلة عثمان، أطيعوني في هؤلاء القوم فردوهم من حيث جاؤوا (١). وقد وقع سهم الخطيب في موقعه، وتأثر العامة بكلامه، إذ قام الأسود بن سريع السعدي فقال: أو زعموا أنا قتلة عثمان (ض)؟ فإنما فزعوا إلينا يستعينون بنا على قتلة عثمان منا ومن غيرنا، فإن كان القوم أخرجوا من ديارهم كما زعمت، فمن يمنعهم من إخراجهم الرجال أو البلدان (٢). ولم تكن هذه الكلمات أقل تأثيرا مما سبق، وكان الناس يستمعون إلى هذه الخطب إذ دخلت عائشة (ض) فيمن معها حتى إذا انتهو إلى المربد ودخلوا من أعلاه أمسكوا ووقفوا حتى خرج عثمان فيمن معه، وخرج إليها من أهل البصرة من أراد أن يخرج إليها، ويكون معها، فاجتمعوا بالمربد وجعلوا يثوبون حتى غص بالناس فتكلم طلحة ثم تكلم الزبير وتحاثى الناس وتحاصبوا وأرهجوا. خطبة عائشة (ض) في البصرة: فتكلمت عائشة وكانت جهورية الصوت، يعلو صوتها كثرة، كأنه صوت امرأة جليلة، فحمدت الله وأثنت عليه وقالت: ((كان الناس يتجنون على عثمان (ض)، ويزرون على عماله، ويأتوننا بالمدينة يستشيروننا فيما يخبروننا عنهم، ويرون حسنا من كلامنا في صلاح بينهم، فننظر في ذلك فنجده برا تقيا وفيا، ونجدهم فجرة كذبة، يحاولون غير ما يظهرون، فلما قووا على المكاثرة كاثروه، فاقتحموا عليه داره، واستحلوا الدم الحرام والمال الحرام والبلد الحرام بلا ترة ولا عذر، ألا إن مما ينبغي لا ينبغي لكم غيره، أخذ قتلة عثمان (ض)، وإقامة كتاب الله (٣) ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ

стр. 172

يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [آل عمران: ٢٣]. خطبة أخرى لعائشة (ض): وينسب إلى أم المؤمنين عائشة (ض) خطبة أخرى بهذه المناسبة، وهي تفوق الخطبة المذكورة من حيث البلاغة والفصاحة ورصانة في الأسلوب ورشاقة في البيان ونصها: ((إن لي عليكم حرمة الأمومة (١)، وحق الموعظة، لا يتهمني إلا من عصى ربه، قبض رسول الله ﷺ بين سحري ونحري (٢)، وأنا إحدى نسائه في الجنة، له ادخرني ربي وحصنني من كل بضع، وبي ميز مؤمنكم من منافقكم (٣)، وبي أرخص الله لكم في صعيد الأبواء وفي نسخة ((ثم أبي ثاني اثنين الله ثالثهما)) وأبي رابع أربعة من المسلمين (٤)، وأول من سمي صديقا (٥)، قبض رسول الله ﷺ وهو عنه راض. وقد طوقه وهف الإمامة (٦)، ثم اضطرب حبل الدين، فأخذ بطرفيه، ورتق لكم أثناءه (٧)، فوقد النفاق، وأغاض نبع (٨) الردة، وأطفأ ما تحش يهود، وأنتم يومئذ جحظ العيون، تنظرون العدوة وتستمعون الصيحة (٩)، فرأب الثأي وأوزم العطلة (١٠)، وامتاح

стр. 173

من المهواة (١)، واجتحى دفين الداء، ثم انتظمت طاعتكم بحبله، فولى أمركم رجلا شديدا في ذات الله ، مذعنا إذا ركن إليه، بعيدا ما بين اللابتين (٢) عركة للأذاة بجنبه، فقبضه الله وأطا على هامة النفاق، مذكيا نار الحرب للمشركين، يقظان الليل في نصرة الإسلام، صفوحا عن الجاهلين، خشاش المرآة والمخبرة، فسلك مسلك السابقية، تبرأت إلى الله من خطب جمع شمل الفتنة، ومزق ما جمع القرآن، أنا نصب المسألة عن مسيري هذا، ألا وإني لم أجرد إثما أدرعه، ولم أدنس فتنة أوطئكموها، أقول قولي هذا صدقا وعدلا واعتذارا وتعذيرا، وأسأل الله أن يصلي على محمد عبده ورسوله وأن يخلفه في أمته بأفضل خلافة المرسلين)) (٣). وكانت هذه الخطبة قمة في البلاغة والفصاحة، ذات تأثير عميق، فبهرت فصاحتها السامعين وسحرتهم بلاغتها، وأدهشتهم عارضتها، لم يسمع الناس أفخم ولا أحسن منها، وقد وقعت موقع السهم في هدفه، وافترق أصحاب عثمان بن حنيف فرقتين، فقالت فرقة: صدقت والله وبرت، وجاءت والله بالمعروف، وقال الآخرون: كذبتم، والله ما نعرف ما تقولون، فتحاثوا وتحاصجوا وأرهجوا، فلما رأت ذلك عائشة انحدرت وانحدر أهل الميمنة مفارقين لعثمان، حتى وقفوا في المربد، وبقي أصحاب عثمان على حالهم يتدافعون حتى تحاجزوا، ومال بعضهم إلى عائشة، وبقي بعضهم مع عثمان. وفي اليوم الثاني بدأت المعركة بين الفريقين حيث أقبل حكيم بن جبلة، وقد خرج وهو على الخيل، فأنشب القتال، وأشرع أصحاب عائشة (ض)

стр. 174

رماحهم وأمسكوا ليمسكوا فلم ينته ولم يثن، فقاتلهم، وأصحاب عائشة كافون إلا ما دافعوا عن أنفسهم، وحكيم يذمر خيله ويركبهم بها، ويقول: إنها قريش ليردينها جبنها، واقتتلوا على فم السكة، وأشرف أهل الدور ممن كان له في واحد من الفريقين هوى، فرموا باقي الآخرين بالحجارة. وأمرت عائشة أصحابها، فتيامنوا حتى انتهوا إلى مقبرة بني مازن، فوقفوا بها مليا، وثار إليهم الناس، فحجز الليل بينهم، فرجع عثمان إلى القصر، ورجع الناس إلى قبائلهم، وجاء أبو الجرباء أحد بني عثمان بن مالك بن عمرو بن تميم إلى عائشة وطلحة والزبير فأشار عليهم بأمثل من مكانهم، فاستنصحوه وتابعوا رأيه، فساروا من مقبرة بني مازن، فأخذوا على مسناة البصرة من قبل الجبانة، حتى انتهوا إلى الزابوقة، فباتوا يتأهبون، وبات الناس يسيرون إليهم، وأصبح عثمان بن حنيف فغاداهم، وغدا حكيم بن جبلة وهو يبربر، وفي يده الرمح، فقال له رجل من عبد القيس: من هذا الذي تسب وتقول له ما أسمع؟ قال: عائشة، قال: يا ابن الخبيثة! ألأم المؤمنين تقول هذا؟ فوضع حكيم السنان بين ثدييه فقتله، ثم مر بامرأة وهو يسبها يعني عائشة، فقالت: من هذا الذي ألجأك إلى هذا؟ قال: عائشة، قالت: يا ابن الخبيثة! ألأم المؤمنين تقول هذا؟ فطعنها بين ثدييها فقتلها، وقد كثر القتلى في أصحاب ابن حنيف، وفشت الجراحة في الفريقين، ومنادي عائشة يناشدهم ويدعوهم إلى الكف، فيأبون، حتى إذا مسهم الشر وعضهم، نادوا أصحاب عائشة إلى الصلح فأجابوهم، وتواعدوا وكتبوا بينهم كتابا على أن يبعثوا رسولا إلى المدينة، وحتى يرجع الرسول إلى المدينة، فإن كانا أكرها (طلحة والزبير) خرج عثمان عنهما وأخلى لهما البصرة، وإن لم يكونا أكرها خرج طلحة والزبير. فخرج كعب حتى يقدم المدينة، فاجتمع الناس لقدومه، وكان قدومه يوم الجمعة، فقام كعب وقال: يا أهل المدينة إني رسول أهل البصرة إليكم، أأكره هؤلاء القوم هذين الرجلين على بيعة علي أم أتياها طائعين؟ فلم يجبه أحد من القوم، إلا ما كان من أمامة بن زيد، فإنه قام فقال: اللهم إنهما لم يبايعا إلا

стр. 175

وهما كارهان، فواثبه سهل بن حنيف والناس، وثار صهيب بن سنان وأبو أيوب بن زيد في عدة من أصحاب رسول الله ﷺ ، فيهم محمد بن مسلمة حين خافوا أن يقتل أسامة، فقال: اللهم نعم، فانفرجوا عن الرجل فانفرجوا عنه، وأخذ صهيب بيده حتى أخرجه، فأدخله منزله، وبلغ عليا الخبر الذي كان بالمدينة من ذلك، فبادر بالكتاب إلى عثمان يعجزه، ويقول: والله ما أكرها إلا كرها على فرقة، ولقد أكرها على جماعة وفضل، وقدم كعب فأرسلوا إلى عثمان أن اخرج عنا فاحتج عثمان بالكتاب، وقال: هذا أمر آخر غير ما كنا فيه، فجمع طلحة والزبير الرجال في ليلة مظلمة باردة ذات رياح وندى، ثم قصدا المسجد فوافقا صلاة العشاء، وكانوا يؤخرونها فأبطأ عثمان بن حنيف فقدما عبد الرحمن بن عتاب، فشهر الزط والسيابجة السلاح، ثم وضعوه فيهم، فأقبلوا عليهم فاقتتلوا في المسجد، وصبروا لهم، فأناموهم وهم أربعون، وأدخلوا الرجال على عثمان ليخرجوه إليهما، فلما وصل إليهما توطؤوه، وما بقيت في وجهه شعرة، ثم بعثت (ض): لا تحبسا عثمان ودعاه، ففعلا، فخرج عثمان، وقالت عائشة (ض): لا تقتلوا إلا من قاتلكم. ونادوا من لم يكن من قتلة عثمان (ض) فليكفف عنا، فإنا لا نريد إلا قتلة عثمان، ولا نبدأ أحدا، فأنشب حكيم القتال ولم يرع للمنادي. مكاتبة عائشة لأهل الكوفة: وكتبت عائشة (ض) إلى أهل الكوفة مع رسولهم: ((أما بعد فإني أذكركم الله والإسلام، أقيموا كتاب الله بإقامة ما فيه، اتقوا الله واعتصموا بحبله وكونوا مع كتابه، فإنا قدمنا البصرة فدعوناهم إلى إقامة كتاب الله بإقامة حدوده، فأجابنا الصالحون إلى ذلك، واستقبلنا من لا خير فيه بالسلاح، وقالوا: لنتبعنكم عثمان، ليزيدوا الحدود تعطيلا، فعاندوا فشهدوا عليا بالكفر وقالوا لنا المنكر، فقرأنا عليهم ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ٢٣])) فأذعن لي بعضهم واختلفوا بينهم فتركناهم وذلك، فلم يمنع ذلك من كان منهم على رأيه

стр. 176

الأول من وضع السلاح في أصحابي، وعزم عليهم عثمان بن حنيف إلا قاتلوني حتى منعني الله بالصالحين، فرد كيدهم في نحورهم، فمكثنا ستا وعشرين ليلة ندعوهم إلى كتاب الله وإقامة حدوده، وهو حقن الدماء أن تهراق دون من قد حل دمه، فأبوا واحتجوا بأشياء فاصطلحنا عليها، فخافوا وعذروا وخانوا، فجمع الله لعثمان ثأرهم، فأقادهم، فلم يفلت منهم إلا رجل، وأردأنا الله ومنعنا منهم بعمير بن مرثد ومرثد بن قيس ونفر من قيس ونفر من الرباب والأزد، فالزموا الرضا إلا عن قتلة عثمان بن عفان، حتى يأخذ الله حقه، ولا تخاصموا الخائنين، ولا تمنعوهم، ولا ترضوا بذوي حدود الله فتكونوا من الظالمين (١). وكتبت عائشة (ض) إلى رجال بأسمائهم خاصة وفيما يأتي نص الرسالة: ((فثبطوا الناس عن منع هؤلاء القوم ونصرتهم، واجلسوا في بيوتكم، فإن هؤلاء القوم لم يرضوا بما صنعوا بعثمان بن عفان (ض)، وفرقوا بين جماعة الأمة، وخالفوا الكتاب والسنة، حتى شهدوا علينا فيما أمرناهم به وحثثناهم عليه من إقامة كتاب الله وإقامة حدوده، بالكفر وقالوا لنا المنكر، فأنكر ذلك الصالحون، وعظموا ما قالوا، وقالوا ما رضيتم أن قتلتم الإمام حتى خرجتم على زوجة نبيكم أن أمرتكم بالحق لتقتلوها، وأصحاب رسول الله وأئمة المسلمين، فعزموا وعثمان بن حنيف معهم على من أطاعهم من جهال الناس، وغوغائهم على زطهم وسيابجهم، فلذنا منهم بطائفة من الفساط، فكان ذلك الدأب ستة وعشرين يوما، ندعوهم إلى الحق وألا يحولوا بيننا وبين الحق، فغدروا وخانوا، فلم نقايسهم، واحتجوا ببيعة طلحة والزبير، فأبردوا بريدا فجاءه بالحجة فلم يعرفوا الحق ولم يصبروا عليه، فغادوني في الغلس ليقتلوني والذي يحاربهم غيري، فلم يبرحوا حتى بلغوا سدة بيتي ومعهم هاد يهديهم إلي، فوجدوا نفرا على باب بيتي منهم عمير بن مرثد ومرثد بن قيس ويزيد بن عبد الله بن مرثد ونفر من قيس ونفر من الرباب والأزد، فدارت عليهم

стр. 177

الرحى، فأطاف بهم المسلمون فقتلوهم، وجمع الله كلمة أهل البصرة على ما أجمع عليه الزبير وطلحة، فإذا قتلنا بثأرنا وسعنا العذر، وكانت الوقعة لخمس ليال بقين من ربيع الآخر سنة ست وثلاثين)) (١). معركة الجمل: خرج علي (ض) من المدينة ومعه مبعمئة شخص، فلما وصل إلى الكوفة اجتمع معه سبعة آلاف، وأهل البصرة كانوا ينتظرونهم، فلما وصلوا إلى البصرة كانوا حوالي عشرين ألفا. أما عائشة (ض) فاجتمع حواليها ثلاثون ألف شخص تقريبا، وتواجه الفريقان في ساحة المعركة والتقوا، فنزلت القبائل إلى قبائلهم، مضرهم إلى مضرهم، ربعيهم إلى ربعيهم، يمانيهم إلى يمانيهم، فوضعوا فيهم السلاح. فثار أهل البصرة، وثار كل قوم في وجوه أصحابهم الذين بهتوهم. كانت هذه المأساة المروعة تعتبر من أعظم المآسي في تاريخ المسلمين، وهذا اليوم المشؤوم المفجع الذي لم ير المسلمون أسوأ منه في تاريخهم، وبالرغم من أن القلوب كانت عامرة بالحب والمودة، إلا أن الفكرة السياسية قد فرقت بين الأشقاء، وفلذات أكباد أم واحدة، فواحد هنا والآخر هناك، كل واحد يرى الحق في مكان دون مكان، وكان الشوق إلى البحث عن الحق والوصول إليه مرتبطا بالحب الأخوي، وقلب كل مسلم يبكي دما لما يعاني من هذا الموقف العصيب الشديد، ويواجه هذه المأساة الأليمة، ويرى أن تلك السيوف التي كانت تصيب رؤوس المشركين وتقضي على الباطل، سوف تستخدم الآن لإصابة أيدي وصدور الأصدقاء والإخوان من المسلمين، ولما رأى الزبير (ض) هذا المنظر المفجع لم يلبث إلا أن قال: لما أصبح المسلمون مثل الجبال الراسيات في القوة والطاقة يريدون أن يحطم بعضهم بعضا.

стр. 178

وكان كلا الفريقين يعتبر نفسه على الحق دون الآخر، ولا يرضى أن يتزعزع من موقفه، ويتنازل عنه ولو قيد شبر. وأرسل بعض بني عدي فيمن أرسل، فأقبل رسوله حتى نادى على باب مسجدهم: ألا إن أبا نجيد عمران بن الحصين يقرئكم السلام ويقول لكم: والله لأن أكون في جبل حضن مع أعنز وضأن، أجز أصوافها وأشرب ألبانها، أحب إلي من أن أرمي في شيء من هذين الصفين بسهم، فقالت بنو عدي جميعا بصوت واحد: إنا والله لا ندع ثقل رسول الله ﷺ لشيء، يعنون أم المؤمنين. هذا وكان كلا الفريقين على يقين أن هذه المعركة لا تطول إلى المواجهة والمحاربة، وإنما تنحل بالصلح والإصلاح، فأرسل علي القعقاع بن عمرو إلى طلحة والزبير فخرج القعقاع حتى قدم البصرة، فبدأ بعائشة (ض) وقال: أي أمه ما أشخصك وما أقدمك هذه البلدة؟ قالت: أي بني، إصلاح بين الناس، فسأل طلحة والزبير: ما تقولان أنتما: أمتابعان أم مخالفان؟ قالا: متابعان، قال: فأخبراني ما وجه هذا الإصلاح؟ فوالله لئن عرفنا لنصلحن، ولئن أنكرناه لا نصلح، قالا: قتلة عثمان (ض)، فإن هذا إن ترك كان تركا للقرآن، وإن عمل به كان إحياء للقرآن، فقال: قد قتلتما قتلة عثمان من أهل البصرة، وأنتم قبل قتلهم أقرب إلى الاستقامة منكم اليوم، قتلتم ستمئه إلا رجلا، فغضب لهم ستة آلاف، واعتزلوكم وخرجوا من بين أظهركم، فلما سمعوا ذلك أثر فيهم هذا الكلام وقالوا: نعم إذا قد أحسنت، وأصبت المقالة، فارجع، فإن قدم علي وهو على مثل رأيك صلح هذا الأمر، فرجع إلى علي فأخبره فأعجبه ذلك، وأشرف القوم على الصلح، فكره ذلك من كرهه ورضيه من رضيه (١). مجهودات القعقاع للإصلاح بين الفريقين: هذا وقد أثمرت مساعي القعقاع التي بذلها للإصلاح بين الفريقين،

стр. 179

وأيقن الجميع ان الصلح قريب، ولكن أدرك الثائرون على عثمان (ض) أن الصلح ليس في صالحهم، وأن الدائرة ستدور عليهم، وأن كل ما بذلوه من الجهود طوال السنوات الماضية سيذهب سدى في لحظة واحدة، وكان أكثر السبئية مع علي (ض)، وبات الفريقان على الصلح، وبات الذين أثاروا أمر عثمان بشر ليلة، وباتوا يتشاورون، ثم اتفقوا على إنشاب الحرب في السر، واستسروا ذلك خشية أن يفطن بما حاولوا من الشر، فغذوا مع الغلس، وما يشعر بهم جيرانهم، وانسلوا إلى ذلك الأمر انسلالا، وعليهم ظلمة، فخرج مضريهم إلى مضريهم، وربعيهم إلى ربعيهم، ويمانيهم إلى يمانيهم، فوضعوا فيهم السلاح، فثار أهل البصرة، وثار كل قوم في وجوه أصحابهم الذين بهتوهم (١). وهكذا قامت الحرب على قدم وساق، وتبارز الفرسان وجالت الشجعان، وكان علي (ض) ينادي: أيها الناس كفوا فلا شيء، فلا يسمع أحد، وثار كل فريق إلى سلاحه، وقام الناس من منامهم إلى السلاح فقالوا: طرقتنا أهل الكوفة ليلا وبيتونا وغدروا بنا، وأصبحوا على القتال، فلما سمعت عائشة (ض) بالغوغاء سألت: ما هذا؟ فقالوا: ضجة العسكر، وأقبل كعب بن سور حتى أتى عائشة (ض) فقال: أدركي، فقد أبى القوم إلا القتال، لعل الله يصلح بك، فركبت وألبسوا هودجها الأدرع ثم بعثوا جملها. تذكير علي طلحة والزبير بمقالة الرسول ﷺ ورجوعهما عن المعركة، وشهادة الزبير: وطلب علي طلحة والزبير ليكلمهما، فاجتمعوا حتى التقت أعناق خيولهم، وذكرهما بمقالة الرسول ﷺ وفيها: أن النبي ﷺ مر عليهما فقال لعلي: ما يقول ابن عمتك؟ ((ليقاتلنك وهو لك ظالم)) (٢). فانصرف عنه الزبير

стр. 180

وقال: اللهم نعم، ولو ذكرت ما سرت مسيري هذا، ووالله لا أقاتلك (١). ومضى الزبير (ض) متجها إلى المدينة المنورة، فرآه عمرو بن جرموز وتبعه، وحضرت الصلاة، فقال ابن جرموز: الصلاة، فقال الزبير: الصلاة، فنزلا، واستدبره ابن جرموز فطعنه من خلفه في حربان درعه فقتله، وأخذ فرسه وخاتمه وسلاحه، ودخل على علي (ض) فأخبره، فدعا بالسيف فقال: سيف طالما جلى الكرب عن وجه رسول الله ﷺ (٢). وكان طلحة يريد أن ينصرف، إذ رآه مروان بن الحكم وكان يعتقد أن حياته هي الحاجز الأكبر في سبيل الأمويين، فرماه بسهم غرب نظم ركبته بصفحة الفرس حتى امتلأ جرموقه دما، ثم مات (ض)، فأخذ كعب بن سور مصحف عائشة فبدر بين الصفين يناشدهم الله ، في دمائهم وأعطي فرمى بها تحته وأتى يترسه فتنكبه فرشقوه رشقا واحدا فقتلوه (ض). ووقف الناس للقتال، فكان القتال نصف النهار مع عائشة، وتزاحف الناس، فهزمت يمن البصرة يمن الكوفة، وأفلت الأمر من يد عائشة (ض)، المتقاتلون كلهم كانوا إخوانا، كانوا يضربون على الأيدي والأرجل، ويتجنبون الصدور والرؤوس، وجعلوا يبترون الأطراف الأيدي والأرجل، فما رئيت وقعة قط قبلها ولا بعدها، ولا يسمع بها أكثر يدا مقطوعة ورجلا مقطوعة منها لا يدرى من صاحبها. وحاول السبئية أنهم لو حصلوا على عائشة (ض) ليعاملنها معاملة سيئة، وتقدم أهل الكوفة بعد طلحة والزبير إلى هودج عائشة (ض) أكثرهم ضبة والأزد، فقالت لمن عن يسارها: من القوم؟ قالوا: صبرة بن شيمان بنوك
следующие страницы →