الأول من وضع السلاح في أصحابي، وعزم عليهم عثمان بن حنيف إلا قاتلوني حتى منعني الله بالصالحين، فرد كيدهم في نحورهم، فمكثنا ستا وعشرين ليلة ندعوهم إلى كتاب الله وإقامة حدوده، وهو حقن الدماء أن تهراق دون من قد حل دمه، فأبوا واحتجوا بأشياء فاصطلحنا عليها، فخافوا وعذروا وخانوا، فجمع الله لعثمان ثأرهم، فأقادهم، فلم يفلت منهم إلا رجل، وأردأنا الله ومنعنا منهم بعمير بن مرثد ومرثد بن قيس ونفر من قيس ونفر من الرباب والأزد، فالزموا الرضا إلا عن قتلة عثمان بن عفان، حتى يأخذ الله حقه، ولا تخاصموا الخائنين، ولا تمنعوهم، ولا ترضوا بذوي حدود الله فتكونوا من الظالمين (١).
وكتبت عائشة (ض) إلى رجال بأسمائهم خاصة وفيما يأتي نص الرسالة:
((فثبطوا الناس عن منع هؤلاء القوم ونصرتهم، واجلسوا في بيوتكم، فإن هؤلاء القوم لم يرضوا بما صنعوا بعثمان بن عفان (ض)، وفرقوا بين جماعة الأمة، وخالفوا الكتاب والسنة، حتى شهدوا علينا فيما أمرناهم به وحثثناهم عليه من إقامة كتاب الله وإقامة حدوده، بالكفر وقالوا لنا المنكر، فأنكر ذلك الصالحون، وعظموا ما قالوا، وقالوا ما رضيتم أن قتلتم الإمام حتى خرجتم على زوجة نبيكم أن أمرتكم بالحق لتقتلوها، وأصحاب رسول الله وأئمة المسلمين، فعزموا وعثمان بن حنيف معهم على من أطاعهم من جهال الناس، وغوغائهم على زطهم وسيابجهم، فلذنا منهم بطائفة من الفساط، فكان ذلك الدأب ستة وعشرين يوما، ندعوهم إلى الحق وألا يحولوا بيننا وبين الحق، فغدروا وخانوا، فلم نقايسهم، واحتجوا ببيعة طلحة والزبير، فأبردوا بريدا فجاءه بالحجة فلم يعرفوا الحق ولم يصبروا عليه، فغادوني في الغلس ليقتلوني
والذي يحاربهم غيري، فلم يبرحوا حتى بلغوا سدة بيتي ومعهم هاد يهديهم إلي، فوجدوا نفرا على باب بيتي منهم عمير بن مرثد ومرثد بن قيس ويزيد بن عبد الله بن مرثد ونفر من قيس ونفر من الرباب والأزد، فدارت عليهم
стр. 177
الرحى، فأطاف بهم المسلمون فقتلوهم، وجمع الله كلمة أهل البصرة على ما أجمع عليه الزبير وطلحة، فإذا قتلنا بثأرنا وسعنا العذر، وكانت الوقعة لخمس ليال بقين من ربيع الآخر سنة ست وثلاثين)) (١).
معركة الجمل:
خرج علي (ض) من المدينة ومعه مبعمئة شخص، فلما وصل إلى الكوفة اجتمع معه سبعة آلاف، وأهل البصرة كانوا ينتظرونهم، فلما وصلوا إلى البصرة كانوا حوالي عشرين ألفا.
أما عائشة (ض) فاجتمع حواليها ثلاثون ألف شخص تقريبا، وتواجه الفريقان في ساحة المعركة والتقوا، فنزلت القبائل إلى قبائلهم، مضرهم إلى مضرهم، ربعيهم إلى ربعيهم، يمانيهم إلى يمانيهم، فوضعوا فيهم السلاح. فثار أهل البصرة، وثار كل قوم في وجوه أصحابهم الذين بهتوهم.
كانت هذه المأساة المروعة تعتبر من أعظم المآسي في تاريخ المسلمين، وهذا اليوم المشؤوم المفجع الذي لم ير المسلمون أسوأ منه في تاريخهم، وبالرغم من أن القلوب كانت عامرة بالحب والمودة، إلا أن الفكرة السياسية قد فرقت بين الأشقاء، وفلذات أكباد أم واحدة، فواحد هنا والآخر هناك، كل واحد يرى الحق في مكان دون مكان، وكان الشوق إلى البحث عن الحق والوصول إليه مرتبطا بالحب الأخوي، وقلب كل مسلم يبكي دما لما يعاني من هذا الموقف العصيب الشديد، ويواجه هذه المأساة الأليمة، ويرى أن تلك السيوف التي كانت تصيب رؤوس المشركين وتقضي على الباطل، سوف تستخدم الآن لإصابة أيدي وصدور الأصدقاء والإخوان من المسلمين، ولما رأى الزبير (ض) هذا المنظر المفجع لم يلبث إلا أن قال: لما أصبح المسلمون مثل الجبال الراسيات في القوة والطاقة يريدون أن يحطم بعضهم بعضا.
стр. 178
وكان كلا الفريقين يعتبر نفسه على الحق دون الآخر، ولا يرضى أن يتزعزع من موقفه، ويتنازل عنه ولو قيد شبر. وأرسل بعض بني عدي فيمن أرسل، فأقبل رسوله حتى نادى على باب مسجدهم: ألا إن أبا نجيد عمران بن الحصين يقرئكم السلام ويقول لكم: والله لأن أكون في جبل حضن مع أعنز وضأن، أجز أصوافها وأشرب ألبانها، أحب إلي من أن أرمي في شيء من هذين الصفين بسهم، فقالت بنو عدي جميعا بصوت واحد: إنا والله لا ندع ثقل رسول الله ﷺ لشيء، يعنون أم المؤمنين.
هذا وكان كلا الفريقين على يقين أن هذه المعركة لا تطول إلى المواجهة والمحاربة، وإنما تنحل بالصلح والإصلاح، فأرسل علي القعقاع بن عمرو إلى طلحة والزبير فخرج القعقاع حتى قدم البصرة، فبدأ بعائشة (ض) وقال: أي أمه ما أشخصك وما أقدمك هذه البلدة؟ قالت: أي بني، إصلاح بين الناس، فسأل طلحة والزبير: ما تقولان أنتما: أمتابعان أم مخالفان؟ قالا: متابعان، قال: فأخبراني ما وجه هذا الإصلاح؟ فوالله لئن عرفنا لنصلحن، ولئن أنكرناه لا نصلح، قالا: قتلة عثمان (ض)، فإن هذا إن ترك كان تركا للقرآن، وإن عمل به كان إحياء للقرآن، فقال: قد قتلتما قتلة عثمان من أهل البصرة، وأنتم قبل قتلهم أقرب إلى الاستقامة منكم اليوم، قتلتم ستمئه إلا رجلا، فغضب لهم ستة آلاف، واعتزلوكم وخرجوا من بين أظهركم، فلما سمعوا ذلك أثر فيهم هذا الكلام وقالوا: نعم إذا قد أحسنت، وأصبت المقالة، فارجع، فإن قدم علي وهو على مثل رأيك صلح هذا الأمر، فرجع إلى علي فأخبره فأعجبه ذلك، وأشرف القوم على الصلح، فكره ذلك من كرهه ورضيه من رضيه (١).
مجهودات القعقاع للإصلاح بين الفريقين:
هذا وقد أثمرت مساعي القعقاع التي بذلها للإصلاح بين الفريقين،
стр. 179
وأيقن الجميع ان الصلح قريب، ولكن أدرك الثائرون على عثمان (ض) أن الصلح ليس في صالحهم، وأن الدائرة ستدور عليهم، وأن كل ما بذلوه من الجهود طوال السنوات الماضية سيذهب سدى في لحظة واحدة، وكان أكثر السبئية مع علي (ض)، وبات الفريقان على الصلح، وبات الذين أثاروا أمر عثمان بشر ليلة، وباتوا يتشاورون، ثم اتفقوا على إنشاب الحرب في السر، واستسروا ذلك خشية أن يفطن بما حاولوا من الشر، فغذوا مع الغلس، وما يشعر بهم جيرانهم، وانسلوا إلى ذلك الأمر انسلالا، وعليهم ظلمة، فخرج مضريهم إلى مضريهم، وربعيهم إلى ربعيهم، ويمانيهم إلى يمانيهم، فوضعوا فيهم السلاح، فثار أهل البصرة، وثار كل قوم في وجوه أصحابهم الذين
بهتوهم (١).
وهكذا قامت الحرب على قدم وساق، وتبارز الفرسان وجالت الشجعان، وكان علي (ض) ينادي: أيها الناس كفوا فلا شيء، فلا يسمع أحد، وثار كل فريق إلى سلاحه، وقام الناس من منامهم إلى السلاح فقالوا: طرقتنا أهل الكوفة ليلا وبيتونا وغدروا بنا، وأصبحوا على القتال، فلما سمعت عائشة (ض) بالغوغاء سألت: ما هذا؟ فقالوا: ضجة العسكر، وأقبل كعب بن سور حتى أتى عائشة (ض) فقال: أدركي، فقد أبى القوم إلا القتال، لعل الله يصلح بك، فركبت وألبسوا هودجها الأدرع ثم بعثوا جملها.
تذكير علي طلحة والزبير بمقالة الرسول ﷺ ورجوعهما عن المعركة، وشهادة الزبير:
وطلب علي طلحة والزبير ليكلمهما، فاجتمعوا حتى التقت أعناق خيولهم، وذكرهما بمقالة الرسول ﷺ وفيها: أن النبي ﷺ مر عليهما فقال لعلي: ما يقول ابن عمتك؟ ((ليقاتلنك وهو لك ظالم)) (٢). فانصرف عنه الزبير
стр. 180
وقال: اللهم نعم، ولو ذكرت ما سرت مسيري هذا، ووالله لا أقاتلك (١). ومضى الزبير (ض) متجها إلى المدينة المنورة، فرآه عمرو بن جرموز وتبعه، وحضرت الصلاة، فقال ابن جرموز: الصلاة، فقال الزبير: الصلاة، فنزلا، واستدبره ابن جرموز فطعنه من خلفه في حربان درعه فقتله، وأخذ فرسه وخاتمه وسلاحه، ودخل على علي (ض) فأخبره، فدعا بالسيف فقال: سيف طالما جلى الكرب عن وجه رسول الله ﷺ (٢).
وكان طلحة يريد أن ينصرف، إذ رآه مروان بن الحكم وكان يعتقد أن حياته هي الحاجز الأكبر في سبيل الأمويين، فرماه بسهم غرب نظم ركبته بصفحة الفرس حتى امتلأ جرموقه دما، ثم مات (ض)، فأخذ كعب بن سور مصحف عائشة فبدر بين الصفين يناشدهم الله ، في دمائهم وأعطي فرمى بها تحته وأتى يترسه فتنكبه فرشقوه رشقا واحدا فقتلوه (ض).
ووقف الناس للقتال، فكان القتال نصف النهار مع عائشة، وتزاحف الناس، فهزمت يمن البصرة يمن الكوفة، وأفلت الأمر من يد عائشة (ض)، المتقاتلون كلهم كانوا إخوانا، كانوا يضربون على الأيدي والأرجل، ويتجنبون الصدور والرؤوس، وجعلوا يبترون الأطراف الأيدي والأرجل، فما رئيت وقعة قط قبلها ولا بعدها، ولا يسمع بها أكثر يدا مقطوعة ورجلا مقطوعة منها لا يدرى من صاحبها.
وحاول السبئية أنهم لو حصلوا على عائشة (ض) ليعاملنها معاملة سيئة، وتقدم أهل الكوفة بعد طلحة والزبير إلى هودج عائشة (ض) أكثرهم ضبة والأزد، فقالت لمن عن يسارها: من القوم؟ قالوا: صبرة بن شيمان بنوك
стр. 181
الأزد، قالت: يا آل غسان حافظوا اليوم جلادكم الذي كنا نسمع به، وقالت لمن عن يمينها: من القوم؟ قالوا: بكر بن وائل، وأقبلت على كتيبة بين يديها
فقالت: من القوم؟ قالوا: بنو ناجية، ثم أطافت بها بنو ضبة، وكانت بنو الأزد ترتجز بهذه الأبيات:
يا أمنا يا خير أم نعلم ... أما ترين كم شجاع يكلم
وتختلى هامته والمعصم
عقر جمل عائشة (ض) لإيقاف المعركة:
وأدرك علي (ض) أن القتال لن يتوقف حتى يعقر الجمل، فنادى: اعقروا الجمل، فإنه إن عقر تفرقوا، وكانت بنو ضبة محيطة بالجمل، لا يمر أحد من حواليه إلا قضوا عليه، وكانوا يحضضون قومهم، وقد تعاوروا الخطام ويرتجزون:
((نحن بنو ضبة لا نفر ... حتى نرى جماجم تخر
يخر منها العلق المحمر
يا أمنا يا عيش لا تراعي ... كل بنيك بطل شجاع
يا أمنا يا زوجة النبي ... يا زوجة المبارك المهدي
وكانوا أكثر ما يرتجزون به من الأبيات هي:
((نحن بنو ضبة أصحاب الجمل ... الموت أحلى عندنا من العسل
نحن بنو الموت إذا الموت نزل ... ننعى ابن عفان بأطراف الأسل
ردوا علينا شيخنا ثم بجل
وقد استبسلت بنو ضبة حول جمل السيدة عائشة (ض) فقاتلوهم، فقتل يومئذ سبعون رجلا، كلهم يأخذ بخطام الجمل، وحمل الأشتر فاعترضه عبد الله بن الزبير فاختلفا ضربتين، ضربه الأشتر فأمه وواثبه عبد الله فاعتنقه فخر به وجعل يقول:
اقتلوني ومالكا، وكان الناس لا يعرفونه بمالك، ولو قال والأشتر وكانت له ألف نفس ما نجا منها شيء.
ورأى رجل من بني ضبة أنه لو لم يعقر الجمل سيقضى على قبيلته، ولن
стр. 182
يبقى لها أي أثر، فجاء من الخلف وعقر الجمل فسقط الجمل، ثم أتى محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر إلى عائشة وقد عقر الجمل فقطعا غرضة الرحل، واحتملا الهودج فنحياه، وأمر علي محمد بن أبي بكر فضرب عليها قبة، وقال: انظر هل وصل إليها شيء، فلما وضعاه أدخل محمد يده وقال: أخوك محمد، فقالت: مذمم، قال: يا أخية هل أصابك شيء؟ قالت: ما أنت من ذاك؟ قال: فمن إذا الضلال؟ قالت: بل الهداة.
توديع علي عائشة وتشييعها بكل الإجلال والتوقير:
وانتهى إليها علي فقال: كيف أنت يا أمه؟ قالت: بخير، قال: يغفر الله لك، قالت: ولك (١).
ولما كان من آخر الليل خرج محمد بن أبي بكر بعائشة حتى أدخلها البصرة فأنزلها في دار عبد الله بن خلف الخزاعي على صفية بنت الحارث، وجهز علي عائشة بكل شيء ينبغي لها من مركب أو زاد وأخرج معها كل من نجى ممن خرج معها إلا من أحب المقام، واختار لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات.
وقال لأخيها: تجهز يا محمد فبلغها، فلما كان اليوم الذي ترتحل فيه جاءها حتى وقف لها، وحضر الناس فخرجت على الناس، وودعوها وودعتهم وقالت: يا بني تعتب بعضنا على بعض استبطاء واستزادة، فلا يعتدن أحد منكم على أحد بشيء بلغه من ذلك، إنه والله ما كان بيني وبين علي في القديم، إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وإنه عندي - على معتبتي - لمن الأخيار. وقال علي: صدقت والله وبرت ما كان بيني وبينها إلا ذلك، وإنها لزوجة نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة، وشيعها علي أميالا وسرح بنيه معها يوما (٢). وارتحلت (ض) قاصدة مكة، وأقامت فيها إلى الحج، ثم رجعت إلى المدينة المنورة بعد طول غياب.
стр. 183
تأسف عائشة (ض) على خطئهما الاجتهادي:
وكانت تتأسف طول عمرها على ما صدر منها م الخطأ الاجتهادي في اختيارها المنهج الإصلاحي، وكانت تقول حين حضرتها الوفاة: يا ليتني لم أخلق، يا ليتني كنت شجرة، أسبح وأقضي ما علي. وكانت تقول: يا ليتني كنت شجرة، يا ليتني كنت مدرة، يا ليتني كنت حجرا (١).
روى الطبري في تاريخه أن كوفيا دخل على عائشة (ض) بالمدينة فقالت: من أنت؟ فقال: رجل من الأزد، أسكن الكوفة، قالت: أشهدتنا يوم الجمل؟ قال: نعم، قالت: ألنا أم علينا؟ قال: عليكم، قالت: أفتعرف الذي يقول: ((يا أمنا يا خير أم نعلم))؟ قال: نعم، ذاك ابن عمي، فبكت حتى ظننت أنها لا تسكت (٢). وقد أوصت (ض) أن لا تدفن مع الرسول ﷺ ، بل مع غيرها من أزواج النبي ﷺ في البقيع، ((عن عائشة (ض) أنها أوصت عبد الله بن الزبير (ض): لا تدفني معهم، وادفني مع صواحبي بالبقيع، لا أزكى به أبدا)) (٣).
وفي رواية ((فإني أكره أن أزكى)) (٤) وفي رواية للحاكم ((قالت عائشة وكانت تحدث نفسها أن تدفن في بيتها مع رسول الله ﷺ وأبي بكر، فقالت: إني أحدثث بعد رسول الله ﷺ حدثا، ادفنوني مع أزواجه، فدفنت بالبقيع)) (٥). وكانت (ض) إذا قرأت قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣١] بكت حتى تبل خمارها (٦).
стр. 184
الرد على القول بالجفاء في علاقة علي بعائشة (ض):
لقد زعم بعض المؤرخين من ذوي العصبيات السياسية والأفكار المريضة أن السبب الحقيقي لمشاركة أم المؤمنين عائشة (ض) في معركة الجمل يرجع إلى حديث الإفك الذي سبق ذكره، وذلك أن عليا (ض) حينما استأمره النبي ﷺ في فراق أهله بعد أن استلبث الوحي عليه قال: ((يا رسول الله لم يضيق الله عليك))، والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك (١) ولذا فإن عائشة (ض) لم تنس له تلك البادرة التي كادت تعصف بروحها عصفا لولا لطف الله بنبيه وبها، فأنزل عليه براءتها.
ولكن الواقع يرفض هذا التصور من كل الوجوه، ويكفينا لبيان بطلان هذه المزاعم ما سردناه من تفاصيل المعركة، وهذا ما دفعنا إلى ذكر سائر الرسائل التي كتبت، والخطب التي ألقيت، ومن أمعن النظر فيها لا يجد أمرا يوحي ويؤشر إلى تعكير صفو العلاقة بين علي وعائشة (ض)، بل كانت المعركة مصادفة، وكان الفريقان بريئين إلا الذين تعمدوا هذه الجريمة وأشعلوا نيران الفتن من الثائرين على عثمان (ض).
وصحيح أن عائشة (ض) ردت مزاعم السبئية القائلة بأن عليا وصي رسول الله ﷺ للخلافة، وكانت تقول: ((متى أوصى إليه وقد كنت مسندته إلى صدري أو قالت حجري، فدعا بالطست، فلقد انخنث في حجري وما شعرت أنه قد مات، فمتى أوصى إليه)) (٢).
ولكن لا يدل ذلك على أنه نجم خلاف بينهما أو ساءت علاقتهما،
стр. 185
وإنما غاية ما فيه هو بيان تاريخي لواقعة لا أكثر ولا أقل.
وقد سألها عقبة بن صهبان الهنائي عن تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢] فقالت له: يا بني كل هؤلاء في الجنة، فأما السابق إلى الخيرات فمن مضى على عهد رسول الله ﷺ ، شهد له رسول الله ﷺ بالحياة والرزق، وأما المقتصد فمن تبع وجاء من أصحابه حتى لحق به، وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلكم (١).
وأتى عمار ومعه الأشتر إلى عائشة (ض) يستأذن عليها، قال: يا أمه، فقالت: لست لك بأم، قال: بلى وإن كرهت، قالت: من هذا معك؟ قال: هذا الأشتر، قالت: أنت الذي أردت قتل ابن أختي؟ قال: قد أردت قتله وأراد قتلي، قالت: أما لو قتلته ما أفلحت أبدا، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاثة: رجل قتل فقتل، أو رجل زنى بعد ما أحصن، أو رجل ارتد بعد إسلامه))، وفي رواية الطيالسي: ((قالت لعمار: أما أنت يا عمار فقد علمت ما قال رسول الله ﷺ : لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل فيقتل)) (٢).
وفي هذا الحديث دليل صريح على أن عائشة (ض) لم يكن هدفها من وراء هذه الجنود والجيوش وإعداد العدة والعتاد هو سفك الدماء، والتقاتل ومحاربة الناس الأبرياء، وإنما وضعت نصب عينيها منذ خرجت من مكة
стр. 186
العمل من أجل إصلاح الأمة والمطالبة بالقصاص من قتلة عثمان وإيقاع العقوبة بهم، وقد أثيرت هذه الشبهة من قبل بعض بني أمية الذين استغلوا قول علي (ض): ((يا رسول الله لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير))، واستخدموه لغرضهم السيئ، بينما كان قصد علي (ض) من ذلك هو أنه ﷺ إذا فارقها سكن ما عنده من القلق بسببها إلى أن تتحقق براءتها فيمكن مراجعتها، وهؤلاء لما لم يتمكنوا من الحصول على مستند قوي وبرهان قاطع للإساءة إلى علي ﵁ وأكرم وجهه - وتشويه شخصيته وسمعته، أدخلوا هذه القصة في مثالبه، والسبب في ذلك أن الله تعالى وصف الذين تولوا كبره منهم أنهم أصحاب النار.
رد الإمام الزهري على الوليد بن عبد الملك:
يقول الإمام الزهري: كنت عند الوليد بن عبد الملك ليلة من الليالي وهو يقرأ سورة النور مستلقيا، فلما بلغ هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ ... حتى بلغ ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ جلس، ثم قال: يأ أبا بكر من تولى كبره منهم؟ أليىس علي بن أبي طالب؟ قال: قلت في نفسي لقد عودني الله على الصدق، فقلت: أصلح الله الأمير ليس الأمر كذلك، أخبرني عروة عن عائشة (ض) أنها نزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول (١).
وفي رواية البخاري: عن الزهري قال: قال لي الوليد بن عبد الملك: أبلغك أن عليا كان فيمن قذف عائشة، قلت: لا، ولكن قد أخبرني رجلان من قومك: أبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث أن عائشة قالت لهما: ((كان علي مسلما في شأنها)) فراجعوه فلم يرجع (٢).
стр. 187
وكان النبي ﷺ أمر أبا بكر أن يصلي بالناس في مرضه الذي مات فيه، ثم وجد من نفسه خفة فخرج بين رجلين أحدهما العباس والآخر علي (ض)، فعائشة لما كانت تحدث هذه الواقعة لا تذكر اسم علي وكانت تقول: فخرج النبي ﷺ بين رجلين، بين عباس ورجل آخر (١) واستنتج من هذا الحديث بعض أهل الأهواء وأصحاب الظنون السيئة والأفكار الخاطئة أن عائشة (ض) لم تذكر عليا لأنها لم تطب نفسها له بخير، مع أن الواقع أن العباس (ض) كان في جانب واحد أما الجانب الآخر فقد يكون هناك علي، ويمكن أسامة بن زيد، ومن أجل عدم تأكدها من الأمر لم تسم شخصا وقالت: ((رجل آخر)).
كما يرد على هذا الزعم الباطل ما أورده الإمام الطبري في تاريخه من كلام عائشة (ض) في علي وكلام علي في عائشة يبديان فيه انطباع كل منهما نحو الآخر بسعة قلب ورحابة صدر وأن علاقته معها كانت قائمة على المودة والاحترام المتبادلين بينهما.
تقول عائشة (ض): ((إنه والله ما كان بيني وبين علي في القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وإنه عندي - على معتبتي - لمن الأخيار، فقال علي: صدقت والله وبرت، ما كان بيني وبينها إلا ذلك، وإنها لزوجة نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة (٢))).
كما يدل على ذلك أنها لما سئلت أي الناس كان أحب إلى رسول الله ﷺ ؟ قالت: ((فاطمة، فقيل: من الرجال؟ قالت: زوجها، إن كان ما علمت صواما قواما)) (٣). كما أن معرفتنا بكون علي من أهل البيت مستندها
стр. 188
عائشة (ض) نفسها، وإن أهل السنة والجماعة لم يعرفوا ذلك إلا عن طريق عائشة (١).
عائشة (ض) ترشد المستفتين إلى علي (ض):
وقد حدث مرات أن المستفتي جاء عائشة (ض) يستفتيها في مسألة من أمور الدين فأرشدته أن يذهب إلى علي (ض) (٢)، كما أنها كانت تقريه لما يقدم من السفر (٣)، ولما قتل علي (ض) شهيدا بيد الخوارج في الكوفة، حكى لها الناس قصته، فجاء عبد الله بن شداد فسألته: يا عبد الله بن شداد هل أنت صادقي عما أسألك عنه؟ حدثني عن هؤلاء القوم الذين قتلهم علي، فقال: وما لي لا أصدقك، قالت: فحدثني عن قصتهم، فحكى لها عبد الله كل التفاصيل، من مصالحة معاوية وعلي وتحكيمه، ثم مخالفة الخوارج، وإفهام علي لهم، وعدم إطاعتهم لعلي وكل الموضوعات التي صارت، فلما سمعت عائشة (ض) كل ذلك قالت: أجل صدق الله ورسوله، يرحم الله عليا (ض)، إنه
стр. 189
كان من كلامه لا يرى شيئا يعجبه إلا قال: صدق الله ورسوله، فيذهب أهل العراق يكذبون عليه ويزيدون عليه في الحديث (١).
...
стр. 190
الفصل التاسع
أم المؤمنين في عهد معاوية
﵄
كانت مدة خلافة علي (ض) أربع سنين فقط، ثم أقبل معاوية وتولى سلطة الحكم، وحكم البلاد الإسلامية لمدة طويلة امتدت إلى عشرين سنة متوالية، وقد توفيت عائشة (ض) قبل انتهاء زمن حكمه بسنتين، وأمضت ثماني عشرة سنة من عمرها في عهد معاوية (ض)، بكل هدوء وسكوت تام، إلا في بعض الأحوال.
وذات مرة أقبل معاوية ودخل على عائشة (ض) فقالت له: أما خفت أن أقعد لك رجلا فيقتلك؟ فقال: ما كنت لتفعلين وأنا في بيت أمان، وقد سمعت النبي ﷺ يقول: يعني الإيمان قد الفتك، كيف أنا في الذي بيني وبينك؟ وفي حوائجك؟ قالت: صالح، قال: فدعينا وإياهم حتى نلقى ربنا (١).
كان حجر بن عدي (ض) من أصحاب علي (ض) ورئيس الفرقة العلوية في الكوفة. وأعظم القضايا التي اشتد فيها إنكار عائشة (ض) على معاوية، هي قضية قتل حجر بن عدي وأصحابه، وقد أرسل والي الكوفة سائر أفراد هذه الفرقة إلى دمشق وكان منهم حجر، وهو من قبيلة كندة اليمنية، ورغم وجود هذه الفرقة في الكوفة لم ينهض أحد منهم لمساعدة حجر ومؤازرته وإنقاذه من أيدي الأعداء، وكان (ض) يوقره العلماء والصلحاء ويجلونه ويحترمونه، فشق عليهم ذلك، وسمعت عائشة فبعثت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام إلى معاوية في حجر وأصحابه فقدم عليه، وقد قتلهم، وقالت: لولا أنا لم نغير شيئا إلا آلت بنا الأمور إلى أشد مما كنا فيه لغيرنا قتل حجر، أما والله إن كازما علمت لمسلما حجاجا معتمرا.
стр. 191
ولما حج معاوية مر على عائشة فاستأذن عليها فأذنت له، فلما قعد قالت له: أأمنت أن أخبئ لك من يقتلك؟ قال: بيت الأمن دخلت، قالت: يا معارية أما خشيت الله في قتل حجر وأصحابه؟ قال: لست أنا قتلتهم، إنما قتلهم من شهد عليهم (١).
وفي رواية أخرى: قالت: يا معاوية أين كان حلمك عن حجر؟ فقال لها: يا أم المؤمنين لم يحضرني رشيد (٢).
وروى مسروق التابعي عن عائشة (ض) قالت: ((أما والله لو علم معاوية أن عند أهل الكوفة منعة ما اجترأ على أن يأخذ حجرا وأصحابه من بينهم حتى يقتلهم بالشام. ولكن ابن آكلة الأكباد علم أنه قد ذهب الناس، أما والله إن كانوا لجمجمة العرب عزا ومنعة وفقها، ولله در لبيد حيث قال:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب
يتأكلون مغالة وملاذة ... ويعاب قائلهم وإن لم يشغب (٣)
رأي عائشة في الخوارج:
كان أهل العراق ومصر يسبون عثمان (ض)، وأهل الشام كانوا يسبون عليا، أما الخوارج فيسبونهما، فلما أخبرت عائشة (ض) بذلك قالت: ((أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ فسبوهم)) (٤).
قال الإمام النووي: قولها ((أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ فسبوهم)) الظاهر أنها قالت هذا عندما سمعت أهل مصر يقولون في عثمان ما قالوا، وأهل الشام في علي ما قالوا، والحرورية في الجميع ما قالوا (٥). وكانت الخوارج لما اعتزلوا عليا (ض) نزلوا في موضع ((حروراء)) وتعاقدوا عندها على قتال أهل
стр. 192
العدل، فسموا حرورية، (وحروراء بفتح الحاء والمد قرية بالعراق).
جاءت امرأة إلى عائشة (ض) وقالت: أتقضي إحدانا صلاتها أيام محيضها؟ فقالت: ((أحرورية أنت)) (١)؟ فدل على أنها كانت تكره هذه الطائفة.
كتب معاوية (ض) إلى عائشة أم المؤمنين يستنصحها: اكتبي إلي كتابا توصيني فيه ولا تكثري علي، فكتبت عائشة (ض) إلى معاوية: ((سلام عليك أما بعد فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس، والسلام عليك)) (٢). إن هذه الكلمات الجامعة من عائشة (ض) هي بمثابة تعليق موجز منها على حياة معاوية (ض).
كان مروان قد استعمله معاوية على الحجاز، فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئا، فقال: خذوه، فدخل بيت عائشة فلم يقدروا؛ فقال مروان: إن هذا الذي أنزل الله فيه ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي﴾، فقالت عائشة من وراء الحجاب: ((ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن إلا أن الله أنزل عذري)) (٣)، وهذا يوحي بأن عائشة (ض) لم تكن راضية بتولية يزيد بن معاوية.
واقعة دفن الحسن بن علي ريحانة رسول الله ﷺ -:
توفي الحسن بن علي (ض) بالمدينة عام ٤٩هـ في إمارة معاوية (ض). وقد كان عهد إلى أخيه الحسين (ض) أن يدفن مع الرسول ﷺ في الموضع الخالي جنب قبر النبي ﷺ ، وإن خاف أن يكون في ذلك قتال أو شر فليدفن بالبقيع، فأبى مروان أن يدعه، وكان معزولا يومئذ ويريد أن يرضي معاوية، ولم يزل عدوا لبني هاشم، فلبس الحسين السلاح ومعه بنو هاشم،
стр. 193
وتسلح بنو أمية بقيادة مروان وقالوا: لا ندعه يدفن مع رسول الله ﷺ ، وكادت الفتنة تقع بين الحسين بن علي ومروان بن الحكم، فخرج أبو هريرة (ض)، وأشار على الحسين أن لا يقاتل، فامتثل، وذكره عهد الحسن حيث إنه أوصى إذا خيفت الفتنة والشر فادفنوني مع أمي، وفي النهاية دفنوه بالبقيع قريبا من قبر أمه (ض).
موقف عائشة (ض):
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن ماذا كان موقف عائشة (ض) من هذه الواقعة؟ ذكر بعض المؤرخين من الشيعة أن عائشة (ض) خرجت بنفسها على بغلة بيضاء ومعها بعض الجنود، تمنع جنازة الحسن من الدفن في بيتها قرب قبر النبي ﷺ ، إذ أقبل أخوها فلما واجهها قال: ما زالت وصمة العار التي خلفتها معركة الجمل باقية على جبين أسرتنا، وأنت تريدين أن تخوضي معركة أخرى؟ فرجعت عائشة (ض).
هذه الرواية موجودة في نسخة مترجمة إلى اللغة الفارسية من تاريخ الطبري، المطبوعة في الهند، وأما النسخة العربية وهي الأصل فلا توجد فيها هذه الرواية، والواقع أن هذه الترجمة الفارسية لتاريخ الطبري مليئة بالإضافات والزيادات، والحذوفات التي لا توجد في النسخة العربية، وقد صرح بذلك المترجم نفسه في المقدمة، إلا أن اليعقوبي (المؤرخ الشيعي من القرن الثالث الهجري) قد نقل هذه القصة دون أن يسوق لها إسنادا، وذكرها بكلمة ((قيل)) كما أنه لم يذكر القتال أو رمي السهام، وذكر أبو الفداء أنه لما تنازعت بنو أمية وبنو هاشم، وتسبب ذلك في القتال بينهما بلغتهم عائشة (ض): ((أن هذه الدار ملكي ولا آذن لأحد أن يدفن فيها)) إلا أن هذه الرواية كذلك غير صحيحة، وإنما الصحيح من ذلك ما صرح به ابن الأثير وغيره من المؤرخين الثقات، قال الإمام ابن الأثير في (الكامل): ووصى أن يدفن عند النبي ﷺ إلا أن تخاف فتنة، فينقل إلى مقابر المسلمين، فاستأذن الحسين عائشة فأذنت له، فلما توفي أرادوا دفنه عند النبي ﷺ ، فلم يعرض لهم سعيد بن العاص،
стр. 194
وهو الأمير، فقام مروان بن الحكم، وجمع بني أمية وشيعتهم ومنع عن ذلك، فأراد الحسين الامتناع، فقيل له: إن أخاك قال: إذا خفتم الفتنة ففي مقابر المسلمين، وهذه فتنة فسكت، وصلى عليه سعيد بن العاص، فقال له الحسين: لولا أنه سنة لما تركتك تصلي عليه (١).
وقد روى كل من الإمام ابن عبد البر وابن الأثير في (أسد الغابة) والسيوطي في (تاريخ الخلفاء)، بعبارة واحدة ونصها:
((قد كنت طلبت إلى عائشة إذا مت أن تأذن لي فأدفن في بيتها مع رسول الله ﷺ ، فقالت: نعم، وإني لا أدري لعل ذلك كان منها حياء، فإذا أنا مت، فاطلب ذلك إليها، فإن طابت نفسها فادفني في بيتها، وما أظن إلا القوم سيمنعونك إذا أردت ذلك، فإن فعلوا فلا تراجعهم في ذلك، وادفني في بقيع الغرقد، فإن فيمن فيه أسوة، فلما مات الحسن أتى الحسين عائشة فطلب ذلك إليها فقالت: نعم وكرامة، فبلغ ذلك مروان، فقال مروان: كذب وكذبت، والله لا يدفن هناك أبدا، منعوا عثمان من دفنه في المقبرة ويريدون دفن الحسن في بيت عائشة (٢).
...
стр. 195
الفصل العاشر
وفاة عائشة ﵂
إن نهاية إمارة معاوية (ض) كانت آخر أيام حياة عائشة (ض). وكانت قد بلغت من العمر سبعا وستين سنة، ومرضت في شهر رمضان المبارك سنة ثمان وخمسين من الهجرة، فإذا سئلت: كيف أصبحت؟ قالت: صالحة الحمد لله (١)، وكل من يعودها يبشرها فترد عليه قائلة: يا ليتني كنت حجرا، يا ليتني كنت مدرة.
واستأذن عليها ابن عباس (ض) في مرضها فأبت أن تأذن له، فقال لها بنو أخيها: ائذني له، فإنه من خير ولدك، قالت: دعوني من تزكيته، فلم يزالوا بها حتى أذنت له، فلما دخل عليها قال: إنما سميت أم المؤمنين لتسعدي، وإنه لاسمك قبل أن تولدي، إنك كنت من أحب أزواج النبي ﷺ إليه، ولم يكن رسول الله ﷺ يحب إلا طيبا، وما بينك وبين أن تلقي الأحبة إلا أن تفارق الروح الجسد، ولقد سقطت قلادتك ليلة الأبواء، فجعل الله للمسلمين خيرة في ذلك، فأنزل الله ﵎ آية التيمم، ونزلت فيك آيات من القرآن، فليس مسجد من مساجد المسلمين إلا يتلى فيه عذرك آناء الليل وآناء النهار، فقالت: دعني من تزكيتك لي يا ابن عباس، فوددت أني كنت نسيا منسيا (٢).
وقالت عند وفاتها: ((لا تدفني معهم وادفني مع صواحبي بالبقيع، لا
стр. 196
أزكى به أبدا)) (١)، وفي رواية ابن سعد: ((إني قد أحدثت بعد رسول الله ﷺ ، فادفنوني مع أزواج النبي ﷺ )) (٢) كما أمرت أن تدفن من ليلتها.
وأخرج الإمام محمد في (الموطأ) قيل لعائشة (ض): لو دفنت معهم؟ قال: قالت: ((إني إذا لأنا المبتدأة بعملي)) (٣).
توفيت (ض) سنة ثمان وخمسين، ليلة سبع عشرة من شهر رمضان بعد الوتر، الموافق يونيو عام ٦٧٨م، فاجتمع الناس وحضروا فلم تر ليلة أكثر ناسا منها.
عن عثمان بن أبي عتيق عن أبيه قال: ((رأيت ليلة ماتت عائشة ورأيت النساء بالبقيع كأنه عيد)) (٤) وسمعت أم سلمة (ض) الصرخة فقالت لجارية: اذهبي فانظري، فقالت: وجبت، فقالت أم سلمة: والذي نفسي بيده لقد كانت أحب الناس إلى رسول الله ﷺ إلا أباها (٥)، وفي رواية الطيالسي: سمعت أم سلمة الصرخة على عائشة فأرسلت جاريتها: انظري ماذا صنعت؟ فجاءت فقالت: قد قضت، فقالت: يرحمها الله، والذي نفسي بيده لقد كانت أحب الناس كلهم إلى رسول الله ﷺ إلا أباها (٦). وكان أبو هريرة (ض) والي المدينة بالنيابة فصلى على عائشة (ض)، ونزلها في القبر كل من القاسم بن محمد بن أبي بكر، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن عتيق، وعروة بن الزبير، وعبد الله بن الزبير، ودفنت بالبقيع (٧)، وقامت القيامة في المدينة المنورة لأفول شمعة من شموع المدينة. يقول
стр. 197
مسروق (التابعي الجليل): لولا بعض الأمر لأقمت المناحة على أم المؤمنين (١).
سئل رجل من أهل المدينة كيف كان وجد الناس على عائشة؟ فقال: كان فيهم وكان، قال: أما إنه لا يحزن عليها إلا من كانت أمه (٢).
وقد تركت عائشة (ض) مما تركت غابة، فورثتها أختها أسماء (ض) ثم اشتراها منها معاوية (ض) بمئة ألف درهم، فوزعتها أسماء في القاسم بن محمد وابن أبي عتيق (٣).
كنية عائشة (ض):
لم تحمل عائشة (ض) قط ولم تلد ولدا، ومع ذلك لم يكن أصابها حزن أو تأسف على ذلك، ولا هي اشتكت طول حياتها، وكان من عادة أشراف العرب أنهم كانوا يكتنون بأسماء أولادهم، فلا يناديهم أحد بأسمائهم الأصلية، بل كانوا يخاطبون بكناهم، فقالت عائشة (ض) لرسول الله ﷺ : كل صواحبي لهن كنى، قال: ((فاكتني بابنك عبد الله، يعني ابن أختها، فكانت تكنى بأم عبد الله)) (٤) وقد أشكلت هذه الكنية على ابن الأعرابي، فروى أنها أسقطت ولدا سماه النبي ﷺ عبد الله، فكانت لهذا تكنى بأم عبد الله (٥) ولكن هذه الرواية واهية، في غاية الضعف سندا، والصحيح الثابت الذي نصت عليه الأحاديث أنها لم تلد (٦).
والمراد بعبد الله هو ابن أختها عبد الله بن الزبير أول مولود في الإسلام
стр. 198
بعد الهجرة، وكانت اليهود تقول: قد أخذنامم فلا يولد لهم ولد ذكر، فكبر أصحاب رسول الله ﷺ حين ولد عبد الله، ولما ولد أخذه الرسول ﷺ فوضعه في حجره وأتى بتمرة فمصها ثم مضغها ثم وضعها في فيه فحنكه بها، فكان أول شيء دخل بطنه ريق رسول الله ﷺ (١)، وقد تبنته عائشة (ض)، وكانت تحبه حبا شديدا، وهو كذلك يحبها أكثر من أمه، كما أن عائشة (ض) كانت تربي أيتاما آخرين في حضنها وتحت رعايتها، روى عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أنه قال: كانت عائشة تليني وأخا لي يتيمين في حجرها، فكانت تخرج من أموالنا الزكاة (٢). وقصة تربيتها لبنت أنصارية وتزويجها مذكورة في الأحاديث، تقول (ض): كانت في حجري جارية من الأنصار فزوجتها، قالت: فدخل علي رسول الله ﷺ يوم عرسها فلم يسمع لعبا فقال: ((يا عائشة إن هذا الحي من الأنصار يحبون كذا وكذا)) (٣).
وإليك قائمة بأسماء أولئك العباقرة الذين تخرجوا من مدرسة أم المؤمنين، ربتهم في حجرها وعلمتهم فصنع الله منهم على يدها حفظة الإسلام ونقلته إلى الأجيال اللاحقة، وهؤلاء هم مسروق بن الأجدع، عمرة بنت عائشة بنت طلحة، عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عروة بن الزبير، القاسم بن محمد وأخوه عبد الله بن يزيد (٤)، كما أنها هي التي ربت بنات محمد بن أبي بكر الصديق (ض) وزوجتهن (٥).
стр. 199
الباب الثاني
عائشة ﵂
شمائلها ومناقبها ومكانتها العلمية
* الفصل الأول: شمائلها (ض).
* الفصل الثاني: مناقبها (ض).
* الفصل الثالث: مكانتها العلمية (ض).
** البحث الأول: علمها بالقرآن الكريم.
** البحث الثاني: علمها بالحديث الشريف.
** البحث الثالث: علمها بالفقه والقياس وأصولها في الاجتهاد.
** البحث الرابع: علمها بالتوحيد أو العقيدة.
** البحث الخامس: علمها بأسرار الدين.
** البحث السادس: معرفتها بالطب والتاريخ والخطابة والشعر.
* الفصل الرابع: دور عائشة في التعليم والإفتاء والإرشاد.
* الفصل الخامس: فضل عائشة ومننها على نساء العالمين.
стр. 200
الفصل الأول
شمائلها ﵂
هيئتها ولباسها:
كانت عائشة (ض) من أولئك السيدات التي تنمو وترعرع بسرعة هائلة من حيث النمو الجسمي، فكانت لما بلغت التاسعة أو العاشرة من عمرها سمنت كأحسن سمنة (١)، أما في باكورة عمرها فكانت نحيفة الجسم خفيفة لم يغشها اللحم (٢)،ثم مالت بعد سنوات إلى شيء من السمنة، ولما كبرت بدنت ورهقها اللحم (٣)، وجملة ما يفهم من وصفها على التحقيق أن لونها كان أبيض يميل إلى الحمرة (٤)، كانت وضيئة بهية المنظر رائعة الجمال (٥)، وكانت على أقصى غاية من الزهد والقناعة، لم تكن تملك إلا ثوبا واحدا، فإذا أصابه شيء تغسله ثم تلبسه (٦). وكان عندها قميص ثمين غال ثمنه خمسة دراهم، وكانت النساء
стр. 201
تستعيره منها ليلبسنه عرائسهن ليلة زفافهن (١)، كما أنها كانت تلبس ثوبا مصبوغا بزعفران في بعض الأحيان (٢). وكانت تتزين بالحلي والمجوهرات، وكانت في عنقها قلادة من جزع أظفار (٣)، وتلبس الخاتم من الذهب (٤).
خلقها (ض):
مما لا شك فيه أن أم المؤمنين عائشة (ض) نالت شرف صحبة المصطفى ﷺ منذ نعومة أظفارها إلى مرحلة الشباب، وقضت هذه الفترة الطويلة تحت ظلال وفي رعاية ذلك النبي المقدس الذي بعثه فاطر السماوات والأرض في هذا الكون ليكمل مكارم الأخلاق، وقد وصفه قائلا: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] فأوصلتها هذه التربية العظيمة والصحبة الكريمة إلى أوج الخلق الحسن، والمكانة العالية الرفيعة التي تعتبر قمة الترقية الروحانية ونهاية مطاف العلو المعنوي للإنسانية الحائرة.
ولذا كانت عائشة (ض) قد احتلت مكانة سامية مرموقة في الأخلاق الحسنة النبيلة الرفيعة، وكان الزهد والورع والعبادة والسخاء والجود والشفقة على الناس من أهم وأكبر معالم شخصيتها (ض).
المرأة والقناعة صفتان متضادتان ومفهومان متغايران، وقد صدق الصادق المصدوق ﷺ : ((إني أريتكن أكثر أهل النار))، فقلن: بم يا رسول الله؟ قال:
стр. 202
((تكثرن اللعن وتكفرن العشير)) (١) ولكن عبقرية عائشة (ض) جمعت بين هذين الوصفين بأتم وجه وأكمل صورة، وقد مر بنا سابقا أنها عاشت حياتها في كنف النبي ﷺ ، وثبتت على شظف العيش وعسره وقسوته، ولم يسمع على لسانها كلمة شكوى قط، ورغم أنها كانت تشاهد ما يرد بيت المال من الخزائن والأموال والخيرات بالكثرة الكاثرة لكنها لم تتقدم قط بأي طلب لزيادة نفقة ولم يخطر على بالها، وعاشت حياتها حياة زهد وقناعة، لم تتيسر لها الملابس القيمة والمجوهرات الثمينة الغالية، والقصور الفاخرة الفخمة والنعم اللذيذة، والعيش الرغيد الهنيء.
يقول مسروق: دخلت على عائشة بعد وفاة النبي ﷺ فدعت لي بطعام وقالت: ما أشبع من طعام فأشاء أن أبكي إلا بكيت، قال: قلت: لم؟ قالت: ((أذكر الحال التي فارق عليها الرسول ﷺ الدنيا، والله ما شبع من خبز ولحم مرتين في يوم)) (٢). كانت (ض) محرومة من نعمة الأولاد، فكانت تربي أولاد المسلمين واليتامى منهم، تلي أمورهم وترعاهم وتعلمهم وتقوم بواجب زواجهم.
مساعدة النساء:
كانت (ض) حرم بيت النبوة وزوجة أعظم وأرفع رجل ﷺ ، فكان لديها شعور كامل بعظم هذه المسؤولية، ولذا فإنها تهتم كل اهتمام بأداء هذه المسؤولية والقيام بها خير قيام، وكلما تأتيها امرأة لحاجة تمد إليها يد العون والمساعدة، وتقضي حاجتها، وتعرض قضاياها على الحبيب المصطفى ﷺ (٣).
стр. 203
طاعة الزوج:
كانت (ض) تصرف كل جهودها صباح مساء في طاعة الرسول ﷺ وتنفيذ أوامره ونواهيه، والبحث عن رغباته ومرضاته (١)، ولو شعرت من وجهه ﷺ بسمة الحزن وعلامة القلق والكراهية تضطرب له ويشق عليها ذلك. كما أنها كانت تراعي أقارب رسول الله ﷺ ولا ترد لهم طلبهم، وذات مرة قالت: علي نذر إن كلمت عبد الله بن الزبير، فاستشفع إليها ابن الزبير برجال من قريش وبأخوال رسول الله ﷺ خاصة، فامتنعت (٢) وكانت توقر أصدقاء النبي ﷺ وأصحابه وتحترمهم ولا ترفض طلباتهم (٣).
الاحتراز من الغيبة:
وكان من شيمتها أنها لم تكن تغتاب أحدا، وقد بلغ عدد مروياتها الآلاف لكننا لم نحصل في هذه الذخيرة الكبيرة حرفا واحدا قصدت به إهانة شخص أو إساءة إلى أحد، إن التقاول على الضرائر، وشدة الكلام بينهن من خصائص النساء وطبيعتهن الأنثوية، لكن مر بنا كيف كانت عائشة (ض) تحدث بمناقب ضرائرها برحابة الصدر وسعة القلب وتذكرهن، بأوصاف حميدة، وهذا حسان بن ثابت (ض) الذي انصدمت منه عائشة صدمة عنيفة في حادث الإفك كان يستأذن عليها فتأذن له بكل رضا، ومرة دخل عليها حسان بن ثابت ينشدها شعرا يشبب بأبيات له وقال:
((حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل))
فتذكرت (ض) حادثة الإفك فقالت: ((لكنك لست كذلك) ((٤).
стр. 204
وعن عروة قال: ذهبت أسب حسان عند عائشة (ض) فقالت: لا تسبه فإنه كان ينافح عن النبي ﷺ . وذات مرة ذكر رجل عند عائشة فلعنته أو سبته، فقيل لها: إنه قد مات، فقالت: أستغفر الله له، فقيل لها: يا أم المؤمنين لعنته ثم استغفرت له؟ فقالت: إن رسول الله ﷺ قال: ((لا تذكروا موتاكم إلا بالخير)) (٢).
التورع من قبول الهدايا:
قلما كانت تقبل هدايا الآخرين، وإن قبلتها فتكافئ عليها في أقرب وقت، وقد قدم درج إلى عمر (ض) من العراق وفيه جوهر، فقال لأصحابه: تدرون ما ثمنه؟ قالوا: لا، ولم يدروا كيف يقسمونه، فقال: تأذنون أن أبعث به إلى عائشة لحب رسول الله ﷺ إياها؟ فقالوا: نعم، فبعث به إليها، ففتحته فقالت: ماذا فتح علي ابن الخطاب بعد رسول الله ﷺ ؟ اللهم لا تبقي لعطيته لقابل (٣).
تقول عائشة بنت طلحة: كان الناس يأتونها من كل مصر، فكان الشيوخ ينتابوني لمكاني منها، وكان الشباب يتآخوني فيهدون إلي ويكتبون إلي من الأمصار، فأقول لعائشة: يا خالة هذا كتاب فلان وهديته، فتقول لي عائشة: أي بنية فأجيبيه وأثيبيه، فإن لم يكن عندك ثوب أعطيتك، فقالت. فتعطيني (٤). وقد بعث إليها عبد الله بن عامر بنفقة وكسوة فقالت للرسول: أي بني لا أقبل من أحد شيئا، فلما خرج قالت: ردوه علي، فردوه، قالت: إني ذكرت
стр. 205
شيئا، قال لي رسول الله ﷺ : ((يا عائشة من أعطاك عطاء بغير مسألة فاقبليه فإنما هو رزق عرضه الله لك)) (١).
تجنب المدح والإطراء:
كانت (ض) تكره الثناء عليها بنفسها، كما لا تحب أن يثني عليها أحد عند حضورها، وقد استأذن عليها ابن عباس (ض) في مرضها الذي ماتت فيه، لكنها عرفت أنه يأتي يمدحها ويثني عليها فرفضت أن تأذن له، ثم أذنت له بعدما شفع فيه بعض الناس، فلما دخل عليها ابن عباس بدأ يثني عليها فقالت: ((وددت أني كنت نسيا منسيا)) (٢).
الإباء والأنفة:
ومع هذا التواضع وانكسار النفس فإنها كانت أبية النفس، وقد تشتد فيها هذه الصفة بإزاء الآخرين، وتتحول إلى تدلل الحبيب إلى حبيبه عند النبي ﷺ ولنذكر هنا موقفها (ض) في حادث الإفك لما نزلت براءتها من فوق سبع سماوات كان أول كلمة تكلم بها النبي يا عائشة أما الله فقد برأك، وتلا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
قالت لها أمها: قومي إليه، فقالت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله الذي أكرمني بإنزال براءتي (٣).
وكذلك نذكر موقفها الأبي من النبي ﷺ حينما تغضب عليه فلا تحلف بـ
стр. 206
((ورب محمد)) وإنما كانت تحلف فتقول: ((لا ورب إبراهيم)) (١) كل ذلك من أنواع وطرق التدلل للحبيب، ينبغي أن ينظر إليه بنظرة العلاقة الزوجية.
كان عبد لله بن الزبير يخدم عائشة (ض) ومن أحب البشر إليها وأبر الناس بها، وكان من عادتها (ض) أنها لا تمسك شيئا مما جاءها من رزق الله إلا تصدقت به، فقال لها ابن الزبير: ينبغي أن يؤخذ على يديها، فقالت: أيؤخذ على يدي؟ علي نذر إن كلمته، فاستشفع إليها برجال من قريش وبأخوال الرسول ﷺ خاصة فامتنعت (٢).
قلما يوجد شخص يكون أبيا صاحب غيرة وأنفة، ويكون عادلا منصفا في الوقت نفسه، فاجتماع صفة الإباء والعدل في وقت واحد في شخص يعد من النوادر، ولا ينالها إلا من حاز أعلى درجات الأخلاق النبيلة وقمة السلوك الطيب، إلا أن عائشة (ض) التي ربتها اليد النبوية الكريمة، كان من أهم خصائصها ومميزاتها الجمع بين تلك الصفات وأنواع الأخلاق التي ظاهرها التضاد ويصعب على كل من هب ودب أن يجمعها، وبالتالي فكانت (ض) تتصف بصفة العدل والإنصاف مع كونها أبية النفس، فقد أخرج الإمام مسلم (ح) في صحيحه عن عبد الرحمن بن شماسة قال: أتيت عائشة أسألها عن شيء، فقالت: ممن أنت؟ فقلت: رجل من أهل مصر، فقالت: كيف كان صاحبكم لكم في غزاتكم هذه؟ فقال: ما نقمنا منه شيئا، إن كان ليموت للرجل منا البعير فيعطيه البعير، والعبد فيعطيه العبد، ويحتاج إلى النفقة فيعطيه النفقة، فقالت: اما إنه لا يمنعني الذي فعل في محمد بن أبي بكر أخي أن أخبرك ما سمعت من رسول الله ﷺ يقول في بيتي هذا: ((اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به)) (٣).
стр. 207
الشجاعة والمجاهدة:
كانت (ض) من ذوات الشجاعة النادرة، رابطة الجأش، ثابتة القلب، جريئة، تمشي إلى البقيع في الليل دون أن يصدها خوف أو تردد، تنزل في ساحة المعارك، وفي غزوة أحد لما ساد المسلمين الاضطراب خرجت مع النساء تسقي الجرحى وتحمل القرب على متنها لتفرغها في أفواه المجاهدين (١)، وفي غزوة الخندق نزلت من الحصن الذي وضع فيه النبي ﷺ النساء والأطفال، وتقدمت إلى الصفوف الأمامية، تقول (ض): خرجت يوم الخندق أقفو آثار الناس، فسمعت وئيد الأرض ورائي يعني حس الأرض ... الحديث (٢)، وقد استأذنت من النبي ﷺ في الجهاد فقال لها النبي ﷺ ((جهادكن الحج)) (٣). ومجيئها في معركة الجمل بالقوات والعساكر بطريقة مثالية دليل على شجاعتها النادرة وبطولتها العظيمة.
السخاء والكرم:
إن الجود والكرم والبذل والعطاء من أهم معالم أخلاقها النبيلة الفاضلة، والجوهر الغالي فيها، وهي فيه إلى النجدة أقرب منها إلى السخاء، وهي فيه على آسال من أبيها العظيم (ض)، وقد أعانها على هذا الخلق السمح أنها رزقت القدوة القريبة بسيد المواسين للضعفاء ومعلم الجابرين لكسر القلوب. وهكذا شقيقتها أسماء بنت أبي بكر الصديق (ض)، كلتاهما كانت كريمة النفس وعلى أعلى درجات الفضل والعطاء.
يقول عبد الله بن الزبير (ض): ما رأيت امرأتين أجود من عائشة وأسماء، وجودهما مختلف، أما عائشة فكانت تجمع الشيء إلى الشيء حتى إذا اجتمع عندها قسمت، وأما أسماء فكانت لا تمسك شيئا لغد (٤).
стр. 208
وكانت تستقرض في أكثر الأحيان وتدان، فقيل لها: ما لك وللدين؟ فقالت: إن رسول الله ﷺ قال: ((ما من عبد كانت له نية في أداء دينه إلا كان له من الله عون)) فأنا ألتمس ذلك العون (١)، إنها كانت تتصدق بكل مال يصل إلى يدها، سواء كان قليلا أو كثيرا وتنفقه في السائلين.
ذات مرة دخلت عليها امرأة معها ابنتان لها تستطعم، قالت: فسألتني فلم تجد عندي إلا تمرة واحدة، فأعطيتها فقسمتها بين ابنتيها، ثم قامت فخرجت، فدخل النبي ﷺ فحدثته، فقال: ((من يلي من هذه البنات شيئا فأحسن إليهن كن له سترا من النار)) (٢).
وذات مرة كان استطعمها مسكين وبين يديها عنب، فقالت لإنسان: خذ حبة فأعطه إياها، فجعل ينظر إليها ويعجب، فقالت: أتعجب؟ كم ترى في هذه الحبة من مثقال ذرة (٣)؟ كأنها تشير إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧].
وعن عروة (ض) قال: رأيتها تصدق بسبعين ألفا وإنها لترقع جانب درعها (٤).
стр. 209
وقد بعث معاوية (ض) إلى عائشة بمئة ألف فقسمتها حتى لم تترك منها شيئا، فقالت بريرة: أنت صائمة فهلا ابتعت لنا بدرهم لحما؟ فقالت عائشة: لو أني نكرت لفعلت (١). كذلك بعث إليها ابن الزير (ض) بمال في غرارتين يكون مئه ألف، فدعت بطبق فجعلت تقسم في الناس، فلما أمست قالت: هاتي يا جارية فطوري، فقالت أم ذرة: يا أم المؤمنين أما استطعت أن تشتري لنا لحما بدرهم، قالت: لا تعنفيني لو ذكرتيني لفعلت (٢).
كانت (ض) تؤثر السائل على نفسها بما تفطر عليه في صيامها، فذات مرة جاءها مسكين فسألها وهي صائمة، وليس في بيتها إلا رغيف، فقالت لمولاة لها: أعطيه إياه، فقالت: ليس لك ما تفطرين عليه، فقالت: أعطيه إياه، قالت: فعلت، فلما أمسينا أهدى لنا أهل بيت أو إنسان ما كان يهدي لنا شاة وكفها، فدعتني عائشة أم المؤمنين فقالت: كلي من هذا، هذا خير من قرصك (٣).
وقد باعت (ض) مسكنها لمعاوية (ض) بمئة وثمانين ألف درهم، ويقال بمئتي ألف درهم، وحمل إليها المال فما رامت من مجلسها حتى قسمته (٤) , كان عبد الله بن الزبير ابن أختها، وكان أحب البشر إليها وأبر الناس بها، وكانت لا تمسك شيئا مما جاءها من رزق الله إلا تصدقت، فقال ابن الزبير: ينبغي أن يؤخذ على يديها، فقالت: أيؤخذ على يدي؟ علي نذر إن كلمته، فاستشفع إليها برجال من قريش وبأخوال الرسول ﷺ خاصة فامتنعت (٥).
стр. 210
وكانت (ض) بمكانة سامية من الخشية والورع، رقيقة القلب لا تملك نفسها من البكاء، ولما أصابها في حجة الوداع ما يصيب بنات آدم، فلم تقدر أن تعتمر، بدأت تبكي، فدخل عليها النبي ﷺ وهي تبكي، فأمر أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر أن يأخذها لتهل بعمرة من التنعيم، فقر قرارها وهدأ خاطرها (١).
وذات مرة تذكرت الدجال فبكت بكاء شديدا فدخل عليها الرسول ﷺ وهي تبكي، فقال لها: ((ما يبكيك))؟ قالت: يا رسول الله ذكرت الدجال (٢).
وتذكرت عند الاحتضار بعض أخطائها الاجتهادية فقالت: يا ليتني لم أخلق، يا ليتني كنت شجرة أسبح وأقضي (٣) ما علي.
وذات مرة نذرت أن لا تكلم ابن الزير، فلما أكثروا عليها كلمت ابن الزبير، وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة، وكانت تذكر نذرها ذلك فيما بعد وتبكي حتى تبل دموعها خمارها (٤).
وقد مرت معنا قصة بكائها لما علمت بالبهتان العظيم الذي افتراه عليها المنافقون حيث كانت لا يرقأ لها دمع ولا تكتحل بنوم، حتى ظن أبواها أن البكاء فالق كبدها (٥).
وها هي عائشة (ض) تحكي لنا قصة سائلة ومعها ابنتان لها: دخلت علي سائلة ومعها ابنتان لها فأمرت لها بثلاث تمرات، فأطعمتهما تمرة تمرة،
стр. 211
ورفعت تمرة إلى فيها لتأكلها، ثم لحظا إلى أمهما فأخرجت التمرة من فيها فشقتها بينهما، قالت: فدخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك يا عائشة؟ قلت: يا رسول الله الوالدة ورحمتها، وأخبرته (١).
العبادة:
كانت عائشة (ض) تداوم على العبادة، وتواظب على التطوع والنوافل، وكل وقتها في الذكر والتسبيح، كانت تصلي الضحى وتقول: صليت صلاة كنت أصليها على عهد النبي ﷺ لو أن أبي نشر فنهاني عنها ما تركتها (٢).
وتقوم في الليل مع النبي ﷺ ((كنت أقوم مع النبي ﷺ ليلة التمام، فكان يقرأ سورة البقرة وآل عمران والنساء، فلا يمر بآية فيها تخوف إلا دعا الله واستعاذ، ولا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا الله ورغب إليه)) (٣). وإذا نامت عن صلاة أو نسيت قيام الليل صلته قبل صلاة الفجر. وذات مرة نامت عن صلاتها فدخل عليها القاسم بن محمد قبل صلاة الفجر وهي تصلي، فقال لها: ما هذه الصلاة؟ قالت: نمت عن جزئي الليلة فلم أكن لأدعه (٤).
كانت تهتم بصلاة التراويح اهتماما بالغا، فإذا صار رمضان تأمر مولاها ذكوان فهو يؤمها ويقرأ من المصحف (٥)، وكانت تصوم معظم الأيام، وتقول بعض الروايات أنها كانت تصوم الدهر (٦)، وذات مرة دخل عليها عبد الرحمن بن أبي بكر يوم عرفة، وهي صائمة يرش عليها، فقال لها عبد الرحمن: أفطري، فقالت: أفطر وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن
стр. 212
صوم يوم عرفة يكفر العام الذي قبله))؟ (١).
وأما الحج فلا تدعه يفوتها أي سنة، فقد حجت واعتمرت مرات كثيرة، تقول (ض): قلت: يا رسول الله ألا نغزو ونجاهد معكم؟ فقال: لكن أحسن الجهاد وأجمله الحج، حج مبرور، فقالت عائشة: فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله ﷺ (٢)، ولما استأذنت من عمر (ض) للحج أرسل معها عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف (٣).
هذا وكانت قد حددت أماكن إقامتها أيام الحج، ففي بداية أمرها كانت تنزل في آخر حدود عرفة بنمرة، اتباعا للنبي ﷺ ، فلما رأت زحمة الناس هناك ضربت خيمتها بعيدا عن ذلك، وانتقلت إلى الأراك، وأحيانا كانت تقف مجاورة لجبل ثبير (٤).
وكانت (ض) تهل ما كانت في منزلها ومن كان معها، فإذا ركبت فتوجهت إلى الموقف تركت الإهلال، وكان من عادتها أنها كانت تعتمر بعد الحج من مكة في ذي الحجة، ثم تركت ذلك، فكانت تخرج قبل هلال محرم حتى تأتي الجحفة فتقيم بها حتى الهلال، فإذا رأت الهلال أهلت بعمرة (٥).
وكانت تصوم يوم عرفة ثم تقف حتى يبيض ما بينها وبين الناس من الأرض ثم تدعو بشراب فتفطر (٦).
стр. 213
الاحتراز من الأشياء التافهة:
وكانت (ض) تجتنب حتى الأشياء التافهة والأمور البسيطة من المنهيات، عن مجاهد أن مولى لعائشة أخبره: أنه كان يقود بها وأنها كانت إذا سمعت الجرس أمامها قالت: قف بي، فيقف حتى لا تسمعه، وإذا سمعته ورآها قالت: أسرع بي حتى لا أسمعه (١).
وقد بلغها أن أهل بيت في دارها كانوا سكانا فيها عندهم نرد، فأرسلت إليهم: لئن لم تخرجوها لأخرجنكم من داري، وأنكرت ذلك عليهم (٢).
وذات مرة قتلت جانا فأريت فيما يرى النائم فقيل لها: والله لقد قتلت مسلما، فقالت: والله لو كان مسلما ما دخل على أزواج النبي ﷺ ، فقيل لها: وهل كان يدخل عليك إلا وأنت متجلببة أو مخمرة؟ فأصبحت وهي فزعة، فتصدقت وأعتقت رقابا (٣).
الرحمة بالأرقاء والموالي والرفق بهم:
كانت (ض) كثيرة الرفق بالأرقاء، وقد أعتقت في كفارة يمين واحدة أربعين رقبة (٤). وبلغ عدد المعتقين على يدها سبعا وستين رقبة (٥)، وكانت عندها جارية من قبيلة تميم فسمعت من الرسول ﷺ أن هذه القبيلة من ولد إسماعيل فأعتقتها (٦)، وكذلك بريرة جاءتها تستعينها في كتابتها، ولم تكن
стр. 214
قضت من كتابتها شيئا، فاشترتها وأعتقتها (١).
وذات مرة أصابها مرض، وبعض أولاد أخيها ذكروا شكواها لرجل من الزط يتطبب وأنه قال لهم: إنهم ليذكرون امرأة مسحورة سحرتها جارية في حجرها صبي، في حجر الجارية الآن صبي، قد بال في حجرها، فقال: ائتوني بها، فأتي بها، فقالت عائشة (ض): سحرتيني؟ قالت: نعم، قالت: لم؟ قالت: أردت أن أعتق، وكانت عائشة (ض) قد أعتقتها عن دبر منها، فقالت: إن لله علي أن لا تعتقي أبدا، انظروا شر البيوت ملكة فبيعوها منهم، ثم اشتروا بثمنها رقبة فأعتقوها (٢). فكأنها أرادت أن تعاقبها، لكن تأمل كيف كان العقاب؟.
إعانة الفقراء وأصحاب الحاجة على قدر مراتبهم:
إن مساعدة الفقراء والمساكين ينبغي أن تكون حسب درجاتهم وعلى قدر منازلهم، فإذا جاء شخص مسكين من الدرجة المتدنية فيكفي أن تقضي حوائجه، ولكن لو جاء أحد أرفع منه درجة وأعظم مكانة فإنه يستحق الاحترام والتوقير أكثر من الأول، كانت عائشة (ض) تراعي هذا الترتيب دائما، فذات مرة جاءها سائل فأعطته كسرة من الخبز، فأخذها الفقير ومضى، ثم مر بها رجل عليه ثياب وهيئة فأقعدته، فأكل، فقيل لها في ذلك: فقالت: قال رسول الله ﷺ : ((أنزلوا الناس منازلهم)) (٣).
стр. 215
الاهتمام البالغ بالحجاب:
كانت (ض) تهتم بالحجاب اهتماها بالغا، وقد تأكد ذلك الأمر بعد نزول آية الحجاب (١)، وإذا أرادت أن يدخل عليها أحد من تلاميذها الخواص تأمر إحدى قريباتها - أختها أو بنت أختها - فترضعه، وذلك استنادا إلى حديث خاص من رسول الله ﷺ (٢)، وبالتالي فتكون جدة لذلك التلميذ من الرضاعة، فيدخل عليها (٣)، وإلا فيكون هناك حجاب بينها وبين تلاميذها (٤)، ومن شدة اهتمامها وعنايتها البالغة بأمور الحجاب أنها لم تكن تخالط الرجال في الطواف، ((وكانت تطوف حجرة من الرجال، لا تخالطهم، فقالت امرأة: