← Тараджим

Тараджим · id 13297

سيرة السيدة عائشة أم المؤمنين

سليمان الندوي

Полный текст (367 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ورفعت تمرة إلى فيها لتأكلها، ثم لحظا إلى أمهما فأخرجت التمرة من فيها فشقتها بينهما، قالت: فدخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك يا عائشة؟ قلت: يا رسول الله الوالدة ورحمتها، وأخبرته (١). العبادة: كانت عائشة (ض) تداوم على العبادة، وتواظب على التطوع والنوافل، وكل وقتها في الذكر والتسبيح، كانت تصلي الضحى وتقول: صليت صلاة كنت أصليها على عهد النبي ﷺ لو أن أبي نشر فنهاني عنها ما تركتها (٢). وتقوم في الليل مع النبي ﷺ ((كنت أقوم مع النبي ﷺ ليلة التمام، فكان يقرأ سورة البقرة وآل عمران والنساء، فلا يمر بآية فيها تخوف إلا دعا الله واستعاذ، ولا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا الله ورغب إليه)) (٣). وإذا نامت عن صلاة أو نسيت قيام الليل صلته قبل صلاة الفجر. وذات مرة نامت عن صلاتها فدخل عليها القاسم بن محمد قبل صلاة الفجر وهي تصلي، فقال لها: ما هذه الصلاة؟ قالت: نمت عن جزئي الليلة فلم أكن لأدعه (٤). كانت تهتم بصلاة التراويح اهتماما بالغا، فإذا صار رمضان تأمر مولاها ذكوان فهو يؤمها ويقرأ من المصحف (٥)، وكانت تصوم معظم الأيام، وتقول بعض الروايات أنها كانت تصوم الدهر (٦)، وذات مرة دخل عليها عبد الرحمن بن أبي بكر يوم عرفة، وهي صائمة يرش عليها، فقال لها عبد الرحمن: أفطري، فقالت: أفطر وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن

стр. 212

صوم يوم عرفة يكفر العام الذي قبله))؟ (١). وأما الحج فلا تدعه يفوتها أي سنة، فقد حجت واعتمرت مرات كثيرة، تقول (ض): قلت: يا رسول الله ألا نغزو ونجاهد معكم؟ فقال: لكن أحسن الجهاد وأجمله الحج، حج مبرور، فقالت عائشة: فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله ﷺ (٢)، ولما استأذنت من عمر (ض) للحج أرسل معها عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف (٣). هذا وكانت قد حددت أماكن إقامتها أيام الحج، ففي بداية أمرها كانت تنزل في آخر حدود عرفة بنمرة، اتباعا للنبي ﷺ ، فلما رأت زحمة الناس هناك ضربت خيمتها بعيدا عن ذلك، وانتقلت إلى الأراك، وأحيانا كانت تقف مجاورة لجبل ثبير (٤). وكانت (ض) تهل ما كانت في منزلها ومن كان معها، فإذا ركبت فتوجهت إلى الموقف تركت الإهلال، وكان من عادتها أنها كانت تعتمر بعد الحج من مكة في ذي الحجة، ثم تركت ذلك، فكانت تخرج قبل هلال محرم حتى تأتي الجحفة فتقيم بها حتى الهلال، فإذا رأت الهلال أهلت بعمرة (٥). وكانت تصوم يوم عرفة ثم تقف حتى يبيض ما بينها وبين الناس من الأرض ثم تدعو بشراب فتفطر (٦).

стр. 213

الاحتراز من الأشياء التافهة: وكانت (ض) تجتنب حتى الأشياء التافهة والأمور البسيطة من المنهيات، عن مجاهد أن مولى لعائشة أخبره: أنه كان يقود بها وأنها كانت إذا سمعت الجرس أمامها قالت: قف بي، فيقف حتى لا تسمعه، وإذا سمعته ورآها قالت: أسرع بي حتى لا أسمعه (١). وقد بلغها أن أهل بيت في دارها كانوا سكانا فيها عندهم نرد، فأرسلت إليهم: لئن لم تخرجوها لأخرجنكم من داري، وأنكرت ذلك عليهم (٢). وذات مرة قتلت جانا فأريت فيما يرى النائم فقيل لها: والله لقد قتلت مسلما، فقالت: والله لو كان مسلما ما دخل على أزواج النبي ﷺ ، فقيل لها: وهل كان يدخل عليك إلا وأنت متجلببة أو مخمرة؟ فأصبحت وهي فزعة، فتصدقت وأعتقت رقابا (٣). الرحمة بالأرقاء والموالي والرفق بهم: كانت (ض) كثيرة الرفق بالأرقاء، وقد أعتقت في كفارة يمين واحدة أربعين رقبة (٤). وبلغ عدد المعتقين على يدها سبعا وستين رقبة (٥)، وكانت عندها جارية من قبيلة تميم فسمعت من الرسول ﷺ أن هذه القبيلة من ولد إسماعيل فأعتقتها (٦)، وكذلك بريرة جاءتها تستعينها في كتابتها، ولم تكن

стр. 214

قضت من كتابتها شيئا، فاشترتها وأعتقتها (١). وذات مرة أصابها مرض، وبعض أولاد أخيها ذكروا شكواها لرجل من الزط يتطبب وأنه قال لهم: إنهم ليذكرون امرأة مسحورة سحرتها جارية في حجرها صبي، في حجر الجارية الآن صبي، قد بال في حجرها، فقال: ائتوني بها، فأتي بها، فقالت عائشة (ض): سحرتيني؟ قالت: نعم، قالت: لم؟ قالت: أردت أن أعتق، وكانت عائشة (ض) قد أعتقتها عن دبر منها، فقالت: إن لله علي أن لا تعتقي أبدا، انظروا شر البيوت ملكة فبيعوها منهم، ثم اشتروا بثمنها رقبة فأعتقوها (٢). فكأنها أرادت أن تعاقبها، لكن تأمل كيف كان العقاب؟. إعانة الفقراء وأصحاب الحاجة على قدر مراتبهم: إن مساعدة الفقراء والمساكين ينبغي أن تكون حسب درجاتهم وعلى قدر منازلهم، فإذا جاء شخص مسكين من الدرجة المتدنية فيكفي أن تقضي حوائجه، ولكن لو جاء أحد أرفع منه درجة وأعظم مكانة فإنه يستحق الاحترام والتوقير أكثر من الأول، كانت عائشة (ض) تراعي هذا الترتيب دائما، فذات مرة جاءها سائل فأعطته كسرة من الخبز، فأخذها الفقير ومضى، ثم مر بها رجل عليه ثياب وهيئة فأقعدته، فأكل، فقيل لها في ذلك: فقالت: قال رسول الله ﷺ : ((أنزلوا الناس منازلهم)) (٣).

стр. 215

الاهتمام البالغ بالحجاب: كانت (ض) تهتم بالحجاب اهتماها بالغا، وقد تأكد ذلك الأمر بعد نزول آية الحجاب (١)، وإذا أرادت أن يدخل عليها أحد من تلاميذها الخواص تأمر إحدى قريباتها - أختها أو بنت أختها - فترضعه، وذلك استنادا إلى حديث خاص من رسول الله ﷺ (٢)، وبالتالي فتكون جدة لذلك التلميذ من الرضاعة، فيدخل عليها (٣)، وإلا فيكون هناك حجاب بينها وبين تلاميذها (٤)، ومن شدة اهتمامها وعنايتها البالغة بأمور الحجاب أنها لم تكن تخالط الرجال في الطواف، ((وكانت تطوف حجرة من الرجال، لا تخالطهم، فقالت امرأة:

стр. 216

انطلقي نستلم يا أم المؤمنين، قالت: عنك، وأبت)) (١). وإذا أرادت الطواف في النهار يخلى المطاف من الرجال (٢)، وفي رواية أنها كانت تخمر وجهها بالجلباب أثناء الطواف، ودخل عليها مكاتب لها ببقية مكاتبته فقالت له: ما أنت بداخل مرتك هذه فعليك الجهاد في سبيل الله (٣). كذلك من ورعها وشدتها في أمر الحجاب أنها كانت احتجبت من إسحاق التابعي وكان ضريرا، فقال لها: أتحتجبين مني ولست أراك! قالت: إن لم تكن تراني فإني أراك (٤). لم تفرض الشريعة الإسلامية الاحتجاب من الأموات لكن عائشة (ض) من شدة ورعها، واهتمامها بالحجاب، والأخذ بالحيطة الكاملة لم تكن تدخل بيتها بعد دفن عمر (ض) إلا مشدودة عليها ثيابها. تقول (ض): ((كنت أدخل البيت الذي دفن فيه رسول الله ﷺ وأبي (ض) واضعة ثوبي، وأقول: إنما هو زوجي وأبي، فلما دفن عمر (ض) والله ما دخلت إلا مشدودة علي ثيابي، حياء من عمر (ض)) (٥). ...

стр. 217

الفصل الثاني مناقبها ﵂ قال الرسول ﷺ : ((أنا تارك فيكم الثقلين أولهما كتاب الله ..... وأهل بيتي)) (١) ومقصوده ﷺ أن كتاب الله العظيم بالرغم من أن الله قد يسره وجعله سهل البيان متيسر الفهم بحيث لا يحتاج إلى من يقوم بالتطبيق العملي، إلا أن الحاجة ظلت دائما ماسة إلى أولئك العباقرة الذين يحلون رموزه ويكشفون عن أسراره، ويوضحون للعالم فحواه العلمي والعملي، والآن بعد ما استأثرت رحمة الله تعالى بالرسول ﷺ ينبغي لنا أن نبحث عن هؤلاء العباقرة في أهل بيته ﷺ ، وقد مر معنا في تفسير سورة الأحزاب من هم المقصودون بأهل البيت. ونظرا إلى العناية الفائقة والاهتمام البالغ الذي أولاه النبي ﷺ لعائشة (ض)، وما توفر لها من إمكانات وفرص للاستفادة من صحبة النبي ﷺ وتلقي العلوم من فم الرسول الكريم مباشرة، وما أكرمها الله تعالى من البراعة والجوهر الطبيعي والمواهب والصلاحيات، لا يبقى لأحد مجال للشك أن أم المؤمنين عائشة (ض) قد احتلت مكانة مرموقة متميزة سامية في أهل بيت النبي ﷺ وعلى هذا فمن يكون أحسن ترجمان للقرآن الكريم وأعرف بتأويل سنن المصطفى ﷺ ، وأنجح معلم للأمة جمعاء بأحكام الشريعة الإسلامية من عائشة (ض)؟ كان الناس يرون النبي ﷺ خارج المنزل فقط، لكن عائشة (ض) سنحت لها الفرصة أن تعيش مع النبي ﷺ خارج المنزل وداخله، وإذا كان الأمر كما

стр. 218

أسلفنا فحكم الصادق المصدوق ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى كان حكما في غاية من العدالة عندما قال: ((فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)) (١) وقد أريها النبي ﷺ في المنام وبشر بأنها زوجته، يقول ﷺ لعائشة (ض): ((أريتك في المنام مرتين، أرى أنك في سرقة من حرير ويقول هذه امرأتك فاكشف عنها، فإذا هي أنت، فأقول: إن يك هذا من عند الله يمضه)) (٢) ولم ينزل عليه وحي في لحاف واحدة من أمهات المؤمنين غيرها (٣)، وكان جبريل (س) يقرأ ﵍، قالت: قال ﷺ يوما: يا عائش هذا جبريل يقرئك السلام، فقالت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، ترى ما لا أرى، تريد رسول الله ﷺ (٤) وقد رأت جبريل (س) مرتين بأم عينيها، وقد شهد الباري تعالى على عفافها وبراءتها من فوق سبع سماوات، وبشرها الصادق المصدوق ﷺ بكونها أحب أزواجه في الآخرة (٥). كانت (ض) تقول: ((خلال لي تسع لم تكن لأحد من النساء قبلي، ما أقول هذا أني أفخر على أحد من صواحباتي، قالت: جاء الملك بصورتي إلى رسول الله ﷺ ، وتزوجني رسول الله ﷺ وأنا ابنة سبع سنين، وأهديت إليه وأنا ابنة تسع سنين، وتزوجني بكرا لم يكن في أحد من الناس، وكان يأتيه الوحي وأنا وهو في لحاف واحد، وكنت من أحب الناس إليه، ونزل في آيات

стр. 219

من القرآن كادت الأمة تهلك فيه، ورأيت جبريل ﷺ ولم يره أحد من نسائه غيري، فأتى في بيت لم يله الملك إلا أنا)) (١) وفي رواية ((ومات في يومي وليلتي وبين سحري ونحري)) (٢). ...

стр. 220

الفصل الثالث مكانتها العلمية ﵂ تمهد: لم تكن مكانتها العلمية وتفوقها العلمي أرفع وأسمى من عامة النساء فحسب، بل لا نحسبها قصرت عن شأو واحد من معاصريها بين الرجال والنساء على السواء في سرعة الفهم وقدرة التحصيل. والذكاء المتوقد والبديهة الواعية، باستثناء عدد من كبار الصحابة فقط، ولا يقصر علمها على وعي الكلمات والعبارات، قال أبو موسى الأشعري (ض): ما أشكل علينا أصحاب محمد ﷺ حديث قط، فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها منه علما (١). وهذا الإمام محمد بن شهاب الزهري الذي ترعرع في حضن كبار الصحابة رضوان الله عليهم يقول: ((كانت عائشة أعلم الناس، يسألها الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ )) (٢). وقال عطاء بن أبي رباح والذي قد نال شرف التتلمذ على يد عديد من صحابة رسول الله ﷺ ((كانت عائشة أفقه الناس وأعلم الناس وأحسن الناس رأيا في العامة)) (٣). وقال التابعي الجليل أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف: ((ما رأيت أحدا أعلم بسنن رسول الله ﷺ ولا أفقه في رأي إن احتيج إليه، ولا أعلم بآية

стр. 221

فيما نزلت ولا فريضة، من عائشة)) (١). وذات مرة قال معاوية: يا زياد أي الناس أعلم؟ قال: أنت يا أمير المؤمنين، قال: أعزم عليك، قال: ((أما إذا عزمت علي فعائشة)) (٢). وقال عروة بن الزبير بن العوام حواري رسول الله ﷺ ((ما رأيت أحدا أعلم بالحلال والحرام والعلم والشعر والطب من عائشة أم المؤمنين)) (٣). وفي رواية أخرى: ((ما رأيت أحدا أعلم بالقرآن ولا بفريضة ولا بحرام ولا بحلال ولا بفقه ولا بشعر ولا بطب ولا بحديث العرب ولا نسب من عائشة)) (٤). وقد سئل مسروق التابعي الجليل وكان قد تربى في حضن عائشة (ض) هل كانت أم المؤمنين تحسن الفرائض فقال: أي والذي نفسي بيده لقد رأيت مشيخة أصحاب رسول الله ﷺ يسألونها عن الفرائض (٥). لقد كان غيرها من أمهات المؤمنين كذلك يقمن بواجب حفظ السنة وإشاعتها وتبليغها إلا أن المكانة التي وصلت إليها عائشة (ض) لم يصل إليها أحد غيرها، يقول محمود بن لبيد: ((كان أزواج النبي ﷺ يحفظن من حديث النبي ﷺ كثيرا ولا مثلا لعائشة وأم سلمة)) (٦) وقال محمد بن شهاب الزهري: ((لو جمع علم الناس كلهم ثم علم أزواج النبي ﷺ لكانت عائشة أوسعهم علما)) (٧).

стр. 222

وقد روى بعض المحدثين حديث ((خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء)) (١) في مناقب عائشة (ض) وقد أورده ابن الأثير في النهاية والديلمي في مسند الفردوس باختلاف في اللفظ، لكنه حديث موضوع لا يصح، ولو أن معناه صحيح. العلم والاجتهاد: هذا الفصل من أهم أبواب حياة أم المؤمنين عائشة (ض)، والذي تتميز فيه شخصيتها تميزا مسلموما ليس في صنف النساء فحسب، وإنما في صنف الرجال على السواء. ونظرا إلى مكانتها الرفيعة ودرجتها السامية في معرفة الكتاب والسنة والاطلاع على معانيها وإدراك فحواها لاستنباط الأحكام، إنها تستحق أن يذكر اسمها في عداد علماء الصحابة الأجلاء، أمثال عمر الفاروق، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس (ض). وها نحن نستهل هذا العمل بذكر مكانتها في معرفة كتاب الله تعالى وتفسيره وتأويله وآرائها القيمة في علوم التفسير. ...

стр. 223

البحث الأول علمها بالقرآن الكريم الكل يعرف أن القرآن الكريم قد تم نزوله في مدة ثلاث وعشرين سنة، وعائشة (ض) زفت إلى الرسول ﷺ في التاسعة من عمرها، فيكون ذلك السنة الرابعة عشرة من نزول القرآن الكريم، أو من البعثة، وعلى هذا فإنها قد عاشت مع النبي ﷺ زهاء عشر سنوات، ونستوحي من ذلك أن أكثر من نصف القرآن الكريم يكون قد نزل قبل بلوغ عائشة (ض) سن الرشد. وبالرغم من هذا السن المبكر فلم يثبت أنها فوتت فرصة من فرص الاستفادة حتى أيام طفولتها - أيام اللهو واللعب - وتركتها تذهب سدى دون أن تغتنمها، وخاصة أنه لم يمر يوم إلا ويأتي فيه النبي ﷺ بيت أبي بكر طرفي النهار بكرة وعشية (١). وكان أبو بكر الصديق (ض) قد ابتنى مسجدا بفناء داره، فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن (٢)، وكانت عائشة (ض) تنتهز هذه الفرصة السانحة فتحفظ ما يقرع سمعها من آيات الكتاب الحكيم، وتعيها وتخزنها في ذاكرتها القوية التي وهبها الله تعالى إياها. تقول (ض): ((لقد أنزل على محمد ﷺ بمكة وإني لجارية ألعب ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦])) (٣).

стр. 224

لم تكن عائشة (ض) تحفظ الشيء الكثير من كتاب الله حتى الثالثة عشرة من عمرها، وقد اعترفت بذلك وصرحت به قائلة عندما وقعت حادثة الإفك: ((وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ من القرآن كثيرا)) (١) ومع ذلك فإنها كانت تستدل بالآيات القرآنية، والقرآن الكريم لم يتم تدوينه كتابة في شكل كتاب حتى وفاة النبي ﷺ إلى أن جاء الخليفة الراشد أبو بكر الصديق (ض) فقام بتدوينه في عهده المجيد، وخلال هذه الفترة قام بعض الصحابة بتدوينه على حدة للتلاوة اليومية، ولم يكن هناك اختلاف في التدوين إلا ما كان في تقديم سورة أو تأخيرها، كان أبو يونس مولى لعائشة (ض) وهو يعرف الكتابة فأمرته عائشة (ض) أن يكتب لها مصحفا (٢)، ومعظم الاختلافات في القراءة كان في بلاد العراق، وذلك نظرا للاختلاط بالعجم هناك (٣). جاء عراقي إلى عائشة (ض) فقال: أريني مصحفك، قالت: لم؟ قال: لعلي أولف القرآن عليه، فإنه مؤلف، قالت: وما يضرك أية آية قرئت قبل، إنما نزل أول ما نزل منه ..... فأخرجت له المصحف فأملت عليه آي السور (٤). وقد وهبها الله تعالى لسانا سؤولا فلا يهدأ لها بال إذا أشكل عليها شيء من معاني القرآن حتى أن تشفي غليلها بالاستفسار من النبي ﷺ . وقد ورد في الأحاديث أنها كثيرا ما كانت تستفسر من الرسول ﷺ عن تفاسير الآيات ومعانيها وتأويلاتها، كيف لا وقد أمرهن الباري فقال: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] فكان تنفيذ هذا الأمر واجبا عليهن، وذلك لا يكتمل إلا بمعرفة معاني الذكر

стр. 225

الحكيم. كما أنها كانت تقوم مع رسول الله ﷺ ليلة التمام، وتستمع لما يقرأه ﷺ من سور طوال المفصل: البقرة وآل عمران والنساء (١)، ولم ينزل القرآن الكريم على الرسول ﷺ في لحاف واحدة غير عائشة (ض) (٢)، فكانت أول من تلقى القرآن مباشرة من فم النبوة فور نزوله، تقول (ض): ((وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده)) (٣). وبالجملة فإن هذه هي الأسباب التي مكنت عائشة (ض) من فهم معاني كل آية من الآيات القرآنية، وتحديد فحواها الحقيقي، واختلاف الأحرف السبعة، وإدراك مواضع الاستدلال فيها، وطرق الاستنباط منها، وجعلتها تحتل مكانة رفيعة، وتنال براعة كاملة وملكة كبيرة في هذا الموضوع. ولذلك نراها ترجع إلى كتاب الله العزيز قبل كل شيء في حل كل مشكلة صغيرة أو كبيرة والكشف عن عقدة تفسيرية، أو رد سؤال موجه إليها في هذا الصدد. فهو المرجع الأول لها في كل الأمور، وإنها لم تكن تراجع القرآن الكريم في قضايا العقائد والفقه والأحكام الشرعية فحسب، بل في كل الأمور حتى في موضوع سيرة النبي ﷺ وبيان أخلاقه وسلوكه، وكذلك في المسائل ذات الصلة بالتاريخ والأخبار. وقد جاءها ذات مرة ناس يسألونها عن خلق الرسول ﷺ قالت: ألست تقرأ القرآن؟ فإن خلق رسول الله ﷺ كان القرآن، قالوا: حدثيني عن قيام الليل؟ قالت: ألت تقرأ ياأيها المزمل (٤). وسوف نتحدث لاحقا بالتفصيل عن طرق ومناهج استنباطاتها

стр. 226

واستخراجاتها وسعة نطاق البحث الذي كان سمة رئيسة بارزة لأم المؤمنين (ض). إن عدد الروايات الصحيحة عن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين التي تتناول تفسير الآيات القرآنية قليل جدا، فنرى صحيح الإمام البخاري الذي يتضمن كتابا كبيرا ومفصلا عن تفسير الآيات القرآنية، إلا أن معظمه روايات عن التابعين في حل اللغات، أو سرد مختلف القصص والوقائع ضمن تفسير الآيات لوجود مناسبة ولو بسيطة بينهما، كما هو عادة الإمام البخاري (ح)، وإلا فإن التفسير الحقيقي منه قليل جدا، كذلك الإمام الترمذي فكتابه ((السنن)) يحتوي على كتاب كبير من التفسير، لكن عليه ملاحظت آتية: ١ - لم يراع فيه صحة الأسانيد إلا قليلا. ٢ - يعزو فيه تفسير الآية بمعنى الكلمة. أما الإمام مسلم (ح) فإنه جمع كتابا خاصا بتفسير القرآن الكريم في آخر صحيحه، لكنه لم يأت بالشيء الكثير، ومعظم ما فيه من الروايات فهي مروية عن ابن عباس وعائشة (ض)، وعلى كل فإن ما روي عن عائشة (ض) حول تفسير الآيات القرآنية ليس بقليل، وفيما يأتي نقتصر على ذكر تلك الروايات التفسيرية التي توجد فيها نكتة خاصة بينتها عائشة (ض). ١ - إن السعي بين الصفا والمروة من شعائر الحج، وقد ورد فيه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]. قال عروة: سألت عائشة (ض) فقلت: أرأيت قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ فوالله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة. قالت: بئس ما قلت يا ابن أختي، إن هذه لو كانت كما أولتها عليه كانت ((لا جناح عليه أن لا يتطوف بهما)). ولكنها أنزلت في الأنصار، كانوا

стр. 227

قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلل، فكان من أهل يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك قالوا: يا رسول الله إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ قالت عائشة (ض): وقد سن رسول الله ﷺ الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما، ثم أخبرت أبا بكر بن عبد الرحمن فقال: إن هذا لعلم ... (١). ولا شك أن هذا هو الواقع. إن عائشة (ض) كانت على علم كاف وبصيرة تامة، وقد كشفت عن عقدة معقدة لأصول التفسير، ولا بد أن تراعى هذه الأصول في كل تفسير، وهي أن فحوى الآية ومقصودها الحقيقي يحدد في ضوء ما يتبادر إلى الذهن من معاني الألفاظ حسب استعمالات العرب، والأمثال العربية، وإلا -كما تقول أم المؤمنين - لكان من الممكن أن يعبر الله تعالى عن ذلك بعبارة أخرى يكون معناها المتبادر واضحا جليا. ٢ - قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف: ١١٠]. قال عروة وهو يسأل عائشة (ض) عن هذه الآية: قلت: أ ((كذبوا)) أم ((كذبوا)) قالت عائشة: كذبوا، قلت: فقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم، فما هو بالظن؟. قالت: أجل لعمري، لقد استيقنوا بذلك، فقلت لها: وظنوا أنهم قد كذبوا، قالت: معاذ الله، لم تكن الرسل تظن ذلك بربها، قلت: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم، فطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر، حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم

стр. 228

وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم جاءهم نصر الله عند ذلك (١). ٣ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]. والظاهر عدم وجود المناسبة والمطابقة بين هذه الآية والتي قبلها، فالأولى تحدثت عن الجور في حقوق الأيتام، والثانية تحدثت حول إذن النكاح. وقد سأل عائشة أحد تلاميذها عن هذه الآية وانسجامها مع سابقتها فقالت: ((اليتيمة تكون عند الرجل وهو وليها فيتزوجها على مالها ويسيء صحبتها ولا يعدل في مالها، فليتزوج ما طاب له من النساء سواها مثنى وثلاث ورباع)) (٢). ٤ - قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]. فسئلت عائشة (ض) عن هذه الآية فقالت: والذي ذكر الله تعالى أنه ﴿يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ (لآية الأولى التي قال الله فيها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ قالت عائشة: وقول الله في الآية الأخرى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رغبة أحدكم عن اليتيمة التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن (٣). ٥ - اختلفوا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦].

стр. 229

فقالت عائشة (ض): ((أنزلت في ولي اليتيم الذي يقيم عليه ويصلح في ماله إن كان فقيرا أكل منه بالمعروف)) (١) وروي عن ابن عباس (ض) أن هذا الإذن نسخه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] لكن ظاهر الآية يدل على أن مستحقي هذا العقاب هم أولئك الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما، تقول عائشة (ض): إن الآية الأولى التي فيها إذن بالأكل هي لولاة الأيتام إذا كانوا فقراء، فإنهم يأكلون منه مكان قيامهم عليهم بالمعروف، فإن كان ولاة الأيتام من الموسرين فلا يجوز لهم أن يأخذوا منه شيئا، مكان قيامه عليهم، وإن كانوا فقراء فلهم ذلك. ٦ - آية نشوز الزوج: قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]. فالرجوع إلى الصلح لدفع الغضب وإزالة سوء التفاهم أمر طبيعي، إذن ما فائدة هذا الحكم؟ تجيب عائشة (ض) عن هذا السؤال قائلة: ((الرجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها، فيريد طلاقها ويتزوج غيرها فتقول له: أمسكني ولا تطلقني ثم تزوج غيري فأنت في حل من النفقة علي والقسمة لي، فذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾)) (٢). ٧ - الآيات التي تدل على الخوف أو فيها ذكر المشاهد المفزعة والمناظر المرعبة، يربطها المفسرون بالقيامة، لكن الصحابة الكرام بموجب معرفتهم بمجمل سائر الآيات القرآنية، كان بإمكانهم أن يحددوا مفهوم الآية على أكمل وجه وأحسن طريق، مثلا قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] يقول عبد الله بن مسعود (ض) في تفسير هذه الآية وسبب نزولها: ((إنما كان هذا لأن قريشا لما استعصوا على النبي ﷺ دعا عليهم بسنين كسني يوسف،

стр. 230

فأصابهم قحط وجهد، حتى أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد، فأنزل الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (*) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: ١٠ - ١١])) (١). كذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب: ١٠] تقول عائشة (ض) عن هذه الآية: ((كان ذاك يوم الخذدق)) (٢) تعني أن هذا تصوير لاضطراب المسلمين وابتلائهم يوم الخندق. ٨ - تفسير ((الصلاة الوسطى)) في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]. اختلفت أقوال الصحابة (ض) في تفسير ((الصلاة الوسطى)) فروى الإمام أحمد في مسنده عن زيد بن ثابت وأسامة (ض) أنها صلاة الظهر (٣)، وروي عن البعض منهم أنها صلاة الصبح، بينما ترى عائشة (ض) أنها صلاة العصر، وكانت تقول ذلك بغاية من الثقة والاعتداد، حتى إنها سجلت هذا التفسير على هامش المصحف الذي كتبه لها مولاها أبو يونس (٤). وهذا هو التفسير

стр. 231

المعتمد لدى كبار الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، ومنهم سيدنا علي بن أبي طالب (ض) وعبد الله بن مسعود وسمرة بن جندب (ض) (١)، وهو ما يقتضيه العقل، لأن صلاة العصر هي في وسط النهار بين الظهر والمغرب. ٩ - تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]. ظاهر الآية أن الإنسان يحاسب بما تحدث به نفسه ولا يدري ما يغفر منه وما لا يغفر منه، ولا شك أن الإنسان إذا حوسب بما يخطر على باله من الأحاديث والوساوس يشق عليه ذلك وتضيق عليه الحياة. قال علي وابن عباس (ض): نسختها الآية التي بعدها وهي قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢) وهذا هو رأي ابن عمر (ض) (٣). ١٠ - أما عائشة (ض) فإنها لما سئلت عن تفسير هذه الآية وكذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] فقالت: ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله ﷺ فقال: هذه معاتبة الله العبد فيما يصيبه من الحمى والنكبة، حتى البضاعة يضعها في كام قميصه فيفقدها فيفزع لها، حتى إن العبد ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير (٤). هذا وقد روي عن عائشة (ض) تفسير الآيات الأخرى كذلك، إلا أننا

стр. 232

اقتصرنا على هذا القدر، وتفسير هذه الآيات بالذات لأن لها رأيا خاصا ووجهة نظر منفردة فيها، أما تفاسير الآيات الأخرى فليس هناك وجهة نظر خاصة ملموسة لها من بين عامة الصحابة، وسوف يتضح لنا مدى عمق اطلاعها وسعة علمها ومعرفتها العالية في مجال علوم القرآن بآرائها الحديثية والفقهية والكلامية، والتي سوف نتطرق إليها لاحقا إن شاء الله. القراءات الشاذة المروية عن عائشة (١): وقد رويت عن عائشة (ض) بعض القراءات الشاذة ومنها: ١ - (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر)، يقول أبو يونس مولى عائشة: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا، وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني، ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فلما بلغتها آذنتها فأملت علي (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين) قالت عائشة: سمعتها من رسول الله ﷺ (٢)، فقولها: (وصلاة العصر) غير موجود في أصل القرآن. والواقع أن عائشة (ض) لم تقصد زيادة (وصلاة العصر) في أصل القرآن الكريم، وإنما كان غرضها من ذلك هو بيان تفسير الصلاة الوسطى فقط (٣)، إلا أن الراوي أساء فهم قولها.

стр. 233

٢ - روي عنها في باب الرضاعة أنها قالت: ((كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن)) (١) لكن لا توجد آية في القرآن باتفاق العلماء تدل على خمس رضعات، ولو صحت نسبة هذا الحديث إلى عائشة (ض)، فلعله وهم منها، أو أنها قصدت أن خمس رضعات كانت سابقا، أما القول بوجود هذا الحكم في القرآن الكريم فليس بصحيح، ويمكن أن الراوي أساء الفهم (٢). ...

стр. 234

البحث الثاني علمها بالحديث الشريف أم المؤمنين عائشة وبقية أمهات المؤمنين: مما لا شك فيه أن موضوع علم الحديث هو ذات النبي ﷺ ، فمن كان أقرب إلى النبي ﷺ ونال شرف صحبته أكثر فقد تمكن من الحصول على هذا العلم المبارك أكثر، وقد قدر الله لعائشة (ض) أن تنال الحظ الأوفر والنصيب الأكمل من هذا الجوهر الغالي الثمين، وتهيأت لها كل الأسباب التي جعلتها تتبوأ مكانة رفيعة، وتفوز بفرص قيمة سانحة للاستفادة من فم النبي الكريم ﷺ مباشرة دون أي واسطة، فقد نكحها الرسول ﷺ قبل الهجرة بثلاث سنين، وأثناء هذه الفترة لم يمر يوم إلا ويأتيها النبي ﷺ في بيتها. أما بعد الهجرة فلم تتمكن من معايشة حبيبها والتشرف برؤية محياه لست شهور، ثم حان وقت زفافها فزقت إلى الرسول ﷺ في شوال، ثم رافقته منذ ذلك الوقت إلى أن توفاه الله تعالى، وبالرغم أن في ابتداء الإسلام كانت تمر بزمن طفولتها إلا أن ذكاءها المتوقد وفطنتها الجبلية وذاكرتها النادرة قد أكملت ما انتقص من أجل سن الطفولة، فاستدركت ما فاتها في صباها. وأم المؤمنين سودة (ض) هي الوحيدة التي نالت شرف صحبة النبي ﷺ ستة أشهر زائدة من أم المؤمنين عائشة (ض)، إلا أن الوضع مختلف تماما بين سودة وعائشة (ض)، فهناك فرق شاسع وبون كبير واختلاف ملموس واضح في المواهب والقدرات، وقوة الفهم والإدراك، والوعي وحسن الحفظ والتعبير بين عائشة وسودة، زد على ذلك أن سودة كانت كبيرة في السن، ضعفت قواها ووهنت أعصابها، حتى لم تعد قادرة على أداء الحقوق الزوجية قبل وفاته ﷺ بعدة سنوات.

стр. 235

أما عائشة (ض) فكانت شابة، وقد مكنتها هذه المرحلة من العمر من أن تزداد كل يوم نموا في العقل وتطورا في الفهم وعمقا في النظر والتفكير، وبالتالي فقد قدر لها أن تنال شرف صحبة النبي ﷺ حتى اللحظات الأخيرة من حياته، بكل جدارة ولياقة، فكانت النتيجة بطبيعة الحال أن تكون هي أوسع علما وأكثر معرفة واطلاعا على أحوال النبي ﷺ وأخباره من غيرها من أمهات المؤمنين. وقد تزوح الرسول سائر الأزواج المطهرات إلا سودة بعد عائشة (ض) بفترة طويلة، ومع ذلك لم يحصلن إلا يوما واحدا من كل ثمانية أيام لخدمة النبي ﷺ ، لكن عائشة (ض) تحظى يومين يوم لها ويوم لسودة، لأنها وهبت نوبتها لعائشة، كما أن حجرة عائشة (ض) كانت ملاصقة للمسجد النبوي الشريف المدرسة الأولى في الإسلام، حيث تعقد حلقات الدروس والوعظ والإرشاد، وكان المعلم هو سيد المرسلين محمد ﷺ ، فكان المسجد المنبع الأصلي والمصدر الحقيقي للأحاديث الشريفة. فكان من الطبيعي أن لا تدانيها أي واحدة من أمهات المؤمنين في معرفة الأحاديث، والاطلاع على الآثار، وهي تعد من كبار حفاظ السنة من الصحابة، ولم يسبقها أحد من الصحابة ولا وصل إلى مكانتها المتميزة في الحديث سوى خمسة أشخاص من الرجال، فما بالك بالنساء؟! أم المؤمنين عائشة وكبار الصحابة والمكثرون منهم: أما كبار الصحابة أمثال أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي (ض)، فإنهم وإن كانوا على أرفع مكانة وأعلى درجة في نيل شرف صحبة النبي ﷺ ولهم باع في الفهم والإدراك وبعد في النظر والتفكير أكثر من عائشة (ض)، إلا أن الزوجة هي الزوجة، وما تتمكن من معرفته في شهور لا يتمكن من معرفته خاصة الأصحاب في سنين، وهناك جانب آخر وهو أن هؤلاء الكبار من الصحابة قد انشغلوا بأمور الخلافة وقضايا الناس، ورغم ذلك ما رووه من الأحاديث حول موضوع الخلافة وما أصدروا من الأحكام هي التي ينبني عليها

стр. 236

فقهنا الإسلامي ويقوم عليها صرحه، وبالتالي فقام بواجب رواية الأحاديث الصحابة الآخرون الذين لم تثقل كواهلهم بحمل هذه الأعباء من مهمات الخلافة ومسؤوليات رعاية الأمة. وسبب آخر لقلة الروايات من عباقرة الصحابة وكبارهم كما أشار إليه ابن سعد فقال: إنما قلت الرواية عن الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ لأنهم توفوا قبل أن يحتاج إليهم، وإنما كثر الغرماء عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، لأنهما وليا فسئلا وقضيا بين الناس، وكل أصحاب رسول الله ﷺ كانوا أئمة يقتدى بهم ويحفظ عنهم ما كانوا يفعلون ويستفتون فيفتون، وسمعوا أحاديث فأدوها. فكان الأكابر من أصحاب الرسول ﷺ أقل حديثا عنه من غيرهم، مثل أبي بكر، وعثمان، وطلحة، وسعد بن أبي وقاص وغيرهم من نظرائهم، فلم يأت عنهم من كثرة الحديث مثل ما جاء عن الأحداث من أصحاب رسول الله ﷺ مثل جابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص ونظرائهم، وكل هؤلاء كانوا يعدون من فقهاء الصحابة، وكانوا يلزمون رسول الله ﷺ مع غيرهم من نظرائهم، فكان أكثر الرواية والعلم في هؤلاء ونظرائهم من أصحاب رسول الله ﷺ ، لأنهم بقوا وطالت أعمارهم واحتاج الناس إليهم، ومضى كثير من أصحاب رسول الله ﷺ قبلهم وبعدهم بعلمهم لم يؤثر. ((ثم كان التابعون بعد أصحاب رسول الله ﷺ من أبناء المهاجرين والأنصار وغيرهم، فيهم فقهاء وعلماء، وعندهم رواية الحديث والآثار، والفقه، والفتوى ...)) (١). والمكثرون في الرواية من أصحاب رسول الله ﷺ الذين يبلغ عدد مروياتهم إلى الآلاف هم سبعة:

стр. 237

الأسماء .................................................... سنة الوفاة .......... عدد الروايات ١ - . أبو هريرة (ض) ............................. ٥٧هـ .......... ٥٣٦٤ ٢ - . عبد الله بن عمر (ض) ...................... ٧٣هـ .......... ٢٦٣٠ ٣ - . أنس بن مالك (ض) ........................ ٩١هـ .......... ٢٢٨٦ ٤ - . عائشة أم المؤمنين (ض) ................... ٥٨هـ .......... ٢٢١٠ ٥ - . عبد الله بن عباس (ض) ................... ٦٨هـ ........... ١٦٦٠ ٦ - . جابر بن عبد الله (ض) ................... ٧٨هـ ............ ١٥٤٠ ٧ - . أبو سعيد الخدري (ض) ................. ٧٤هـ ............ ١١٧٠ مكانة عائشة (ض) عند المكثرين من الصحابة: تأتي عائشة (ض) في المرتبة الرابعة في حفظ وكثرة الرواية، و [الثلاثة] الذين ذكرت أسماؤهم قبل اسمها كانوا قد عاشوا بعد وفاة أم المؤمنين (ض)، هذا في جانب، وفي جاب آخر إذا قارنا بين عائشة وأقرانها من المكثرين نرى: أ - أن عائشة (ض) كانت من أولئك النساء اللاتي يلزمن بيوتهن، ولم تكن تخرج وتحضر المجالس مثل أقرانها من الرجال، ولا أن طلاب العلم يأتون إليها في كل حين، ولا أنها تيسر لها السفر إلى كبرى مدن البلاد الإسلامية مثل ما تيسر لأقرانها من الرجال، إذا نظرنا إلى ذلك كله يتضح لنا أن كفة أم المؤمنين (ض) هي الأرجح على هؤلاء النجوم السبعة. عدد رواياتها: لقد تبين لنا من الجدول السابق أن عدد رواياتها يبلغ ألفين ومئتين وعشر روايات، فمنها في الصحيحين: مئتان وست وثمانون حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على إخراج مئة وأربع وسبعين حديثا، وانفرد البخاري بأربع وخمسين حديثا، وانفرد مسلم بثمان وخمسين حديثا، وعلى هذا فلها في صحيح البخاري مئتان وثمانية وعشرون حديثا، وفي صحيح مسلم مئتان واثنان وثلاثون حديثا، أما بقية مروياتها فهي موزعة في كتب الأحاديث الأخرى، وتقع مروياتها في المجلد السادس من مسند الإمام أحمد فقط في مئتين وثلاث

стр. 238

وخمسين صفحة من الطبعة المصرية بحيث لو جمعت في صحيفة مستقلة لخرجت في شكل كتاب ضخم. الاهتمام بالدراية مع الرواية عند المكثرين من الصحابة: ومما لا شك فيه أن فضل أم المؤمنين عائشة (ض) ومكانتها العالية ليس في كثرة الرواية فقط، وإنما الشيء الذي يميزها والجوهر الأصلي الذي يفضلها هو الدقة والبراعة في الفهم، والقوة في الاجتهاد والإدراك، والعمق في التفقه والاستنباط، ولذلك نرى أن كبار فقهاء الصحابة وأصحاب الفتيا منهم معظمهم من المقلين في الرواية. بخلاف الذين يحدثون كل ما يسمعونه فهم عادة يقل فيهم الاعتناء بالفهم والدراية وقوة الاستنباط، ولذلك نرى أن الصحابة الخمس الذين ذكرت أسماؤهم في جدول المكثرين يعدهم الأصوليون من رواة الحديث فقط، وهم ليسوا من فقهاء الصحابة، وكل ما لدينا من ذخائر السنة النبوية وخزائن الحديث الشريف لم نطلع فيها لسيدنا أبي هريرة، وعبد الله بن عمر، وأبي سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك (ض)، على أي اجتهاد أو استنباط حكم من كتاب أو سنة لمسألة لم يرد فيها نص صريح من الشارع الحكيم. ولم يشارك عائشة (ض) في هذه الفضيلة العظيمة والميزة المباركة،- ألا وهي العناية بالتفقه والاجتهاد وقوة الاستنباط -إلا عبد الله بن عباس (ض)، وهو الذي قد رزقه الله ملكة في التفقه في الدين وبراعة في الاجتهاد وإدراكا في المعرفة وقوة في الاجتهاد والاستنباط مع كثرة الرواية. اعتناء عائشة (ض) ببيان حكم وأساب الحكم الشرعي: هذا وبالإضافة إلى خصائص عائشة في الرواية من الكثرة والتفقه والدراية وقوة التفكير وطاقة الاسنباط والاستخراج هناك ميزة أخرى لمرويات عائشة. وهي أنها لما تبدأ في بيان الحكم لا تقتصر على بيان حكم من الأحكام الشرعية في مسألة ما، وإنما تقوم بتوضيح علل ذلك الحكم وشرح مصالحها وحكمها، حتى يرسخ ذلك الحكم في ذهن السائل والسامع ويقتنع بمشروعيته، وأوضح دليل على ذلك حديث الاغتسال يوم الجمعة، فقد أخرجه

стр. 239

البخاري في صحيحه عن كل من عبد الله بن عمر، وأبي سعيد الخدري، وعائشة (ض) متتابعا، وفيما يلي نص الروايات الثلاث لكي يتضح الفرق بينها: ١ - حديث ابن عمر (ض): ((سمعت رسول الله ﷺ يقول: من جاء منكم الجمعة فليغتسل)) (١). ٢ - حديث أبي سعيد الخدري: ((أن رسول الله ﷺ قال: غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم)) (٢). ٣ - حديث عائشة (ض) أم المؤمنين: ((كان الناس ينتابون يوم الجمعة من منازلهم والعوالي فيأتون في الغبار، يصيبهم العرق والغبار فيخرج منهم العرق، فأتى رسول الله ﷺ إنسان منهم وهو عندي، فقال النبي ﷺ : لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا)) (٣). وفي رواية أخرى لها: ((كان الناس مهنة أنفسهم، وكانوا إذا راحوا إلى الجمعة راحوا في هيئتهم، فقيل لهم: لو اغتسلتم)) (٤). ٤ - أمر النبي ﷺ في عام فقال: ((لا يأكل أحدكم من لحم أضحيته فوق ثلاثة أيام))، ففهم منه عبد الله بن عمر وأبو سعيد الخدري (ض) أن هذا حكم مؤبد (٥)، فأفتوا بذلك، ولكن عائشة (ض) فهمت أن النهي عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث كان من قبيل المندوب والمستحب فقالت: [لحم] الضحية كنا نملح منه فنقدم به إلى النبي ﷺ بالمدينة، فقال: ((لا تأكلوا إلا

стр. 240

ثلاثة أيام))، وليست بعزيمة، ولكن أراد أن يطعم منه، والله أعلم (١)، ثم وضحت عن علة منع الادخار، لما سألها ابن ربيعة: أكان رسول الله ﷺ ينهى عن لحوم الأضاحي؟ قالت: لا، ولكن قل من كان يضحي من الناس، فأحب أن يطعم من لم يكن يضحي، لقد كنا نرفع الكراع فنأكله بعد عشرة أيام)) (٢). ٥ - أخرج الخمسة (٣) إلا أبا داود (٤) عن أبي هريرة (ض) ((أن الذراع كانت أحب اللحم إلى النبي ﷺ ولكن تروي لنا عائشة (ض) سبب إعجابه ﷺ بلحم الذراع، فتقول: ((ما كان الذراع أحب اللحم إلى رسول الله ﷺ ، ولكن كان لا يجد اللحم إلا غبا، فكان يعجل إليه، لأنه أعجلها نضجا)) (٥). ٦ - ((روي في الأحاديث أن النبي ﷺ كان يبعث عامله إلى خيبر كل سنة، فيذهب العامل وينظر في الثمار ويخرصها)) (٦) هكذا يرويه عامة الصحابة، بينما ترويه عائشة (ض) فتبين لنا سبب الخرص وتقول: ((وإنما كان أمر النبي ﷺ بالخرص لكي تحصى الزكاة قبل أن تؤكل الثمرة وتفرق)) (٧).

стр. 241

٧ - إن من أسباب قلة الأخطاء في مرويات عائشة (ض)، أن عامة الناس كانوا يسمعون حديثا أو يشاهدون قصة مرة واحدة فيحدثون بها ويروونها، بينما عائشة (ض) كان منهجها شديدا جدا في هذا الباب، حيث إنها لا تروي حديثا أو قصة إلا إذا اقتنعت بموردها وتفهمه جيدا، وإذا أشكل عليها أمر فلا يهدأ لها بال ولا يقر لها قرار حتى تراجعح النبي ﷺ في ذلك الأمر حتى يطمئن قلبها (١)، ولا شك أن هذه الفرصة قلما تتوفر لآخرين. ولذا نرى أن هناك عددا كبيرا من الروايات اختلفت فيها رواية عائشة عن رواية الصحابة الآخرين، نظرا إلى المصالح والأسباب والحكم، وسوف نتحدث عن ذلك بشيء من التفصيل في مبحث ((علمها بأسرار الشريعة)). كان من عادتها (ض) أنها إذا لم تلق الحديث من فم النبي ﷺ مباشرة، وإنما حدثها به أحد غيره، تسلك في ذلك طريق التحري والأخذ بالحيطة، وتفحصه فحصا كاملا ثم تعتمد عليه، ذات مرة خدثت بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص. حدثها به عروة، ثم إن عبد الله بن عمرو حج بعد، فقالت: ((يا ابن أختي (تقصد عروة) انطلق إلى عبد الله فاستثبت لي منه الذي حدثتني عنه، يقول عروة: فجئته فحدثني به كنحو ما حدثني فأتيت عائشة فأخبرتها، فعجبت وقالت: والله لقد حفظ عبد الله بن عمرو)) (٢). التحري في رواية الحديث: ولهذا السبب لو جاء أحد يطلب منها أن تحدثه بحديث حدثها به شخص آخر، فلا تسرع في رواية الحديث، وإنما ترسل الطالب إلى الشخص نفسه الذي حدثها به وذلك لكي يتلقى الحديث من مصدره المباشر، كما يكون

стр. 242

غرضها من ذلك تقليل الوسائط، والحصول على السند العالي، فمثلا كان النبي ﷺ يصلي الركعتين بعد العصر في البيت، والأصل أنه لا تطوع ولا نافلة بعد العصر، فأشكل ذلك على صحابة رسول الله ﷺ فأرسلوا كريبا إلى عائشة (ض) فقالوا: ((اقرأ ﵍ منا جميعا، وسلها عن الركعتين بعد صلاة العصر، وقل لها: إنا أخبرنا عنك تصلينها، وقد بلغنا أن النبي ﷺ نهى عنها، قال كريب: فدخلت عليها فبلغتها ما أرسلوني، فقلت: سل أم سلمة ... الحديث)) (١). كذلك في مسألة المسح على الخفين، يقول شريح بن هانيء: أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين، فقالت: ((عليك بابن أبي طالب فسله، فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ ..)) (٢). وقد أشار الإمام الحازمي (ح) في كتاب ((الاعتبار)) إلى منهج عائشة (ض) هذا. ولم يقتصر الأمر عندها أنها جنبت مروياتها من الأخطاء والتسامحات، بل وصلت إلى درجة أنه يصل أحيانا إلى سمعها عن بعض العلماء من الصحابة روايات وأحكام على غير وجهها، فتصحح لهم ما أخطؤوا فيه أو تبين ما خفي عليهم، ولها فضل عظيم يعترف به، وجميل لا ينكر على الإسلام، إنها استدركت على أقرانها ومعاصريها في مسائل شتى، ونبهتهم على أخطائهم. وقد حاول بعض الأئمة في فن الحديث جمع هذه الاستدراكات في رسالة (٣) خاصة، وآخرها رسالة العلامة جلال الدين السيوطي (ح)

стр. 243

(ت سنة ٩١١ هـ)، وقد سماها ((عين الإصابة فيما استدركته السيدة عائشة على الصحابة)) (١) ورتبها المؤلف حسب الأبواب الفقهية، وبالرغم من أن أصول الحديث وقواعده لم يتم تدوينها في عصر الصحابة، إلا أن المراحل الابتدائية لهذا الفن تكون قد بدئت. الأصول التي تنبني عليها استدراكات عائشة: وإذا أمعنا النظر فيما استدركته عائشة (ض) على الصحابة يتبين لنا أن استدراكاتها تنبني على الأسس التالية: أ - لا يحتج بالسنة إذا خالفت الكتاب: ولعل أول أصل أصلته عائشة (ض) في فن الحديث هو أن لا تكون الرواية مخالفة لكتاب الله، ونظرا إلى هذه القاعدة فإنها أنكرت صحة عدة أحاديث، وأولتها حسب وجهة نظرها، واستنادا إلى علمها. ولتوضيح أكثر نضرب الأمثلة الآتية: ١ - مسألة تعذيب الميت ببكاء أهله عليه: روى ابن عمر وابن عباس وآخرون عن النبي ﷺ قوله: ((إن الميت ليعذب

стр. 244

ببكاء أهله)) فذكر عند عائشة (ض) قول ابن عمر، فقالت: ((رحم الله أبا عبد الرحمن سمع شيئا فلم يحفظه، إنما مرت على رسول الله ﷺ جنازة يهودي وهم يبكون عليه، فقال: ((أنتم تبكون وإنه ليعذب)) (١) وكان مقصود عائشة (ض) كما في صحيح البخاري: ((إنه ليعذب بخطيئته وذنبه وإن أهله ليبكون عليه الآن)) (٢) لأن البكاء عمل الآخرين فهم يتحملون عقابه وليس الميت، ثم قالت: وحسبكم القرآن: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ قال ابن عباس (ض) عند ذلك: ((والله هو أضحك وأبكى)) قال ابن أبي مليكة: ((والله ما قال ابن عمر (ض) شيئا)) (٣). يقول الإمام البخاري (ح) وهو يفصل لنا قول عائشة، وابن عمر (ض): ((قول النبي ﷺ يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه، إذا كان النوح من سنته لقول الله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ وقال النبي ﷺ ((كلكم راع ومسؤول عن رعيته))، فإذا لم يكن من سنته فهو كما قالت عائشة (ض) ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وهو كقرله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ ذنوبا ﴿إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ (٤) وهو رأي عبد الله بن المبارك (٥). ولكنني أرى أن استدلال عائشة (ض) صحيح في كل الصور الثلاث، وقد وافقها في هذه المسألة من الأئمة: الشافعي (٦)، ومحمد، والإمام

стр. 245

أبو حنيفة ﵏ (١). ٢ - مسألة سماع الموتى: عن ابن عمر (ض) قال: اطلع النبي ﷺ على أهل القليب فقال: ((وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فقيل له: يا رسول الله تدعو أمواتا! فقال رسول الله ﷺ : ما أنتم بأسمع منهم ولكن لا يجيبون)) (٢) وفي رواية: فقال عمر: ((يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها، فقال رسول الله ﷺ : والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، رواه قتادة قال: ذكر لنا أنس بن مالك عن أبي طلحة)) (٣) فلما ذكر ذلك لعائشة (ض) قالت: ((إنما قال النبي ﷺ إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق، ثم قرأت: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى ..﴾ حتى قرأت الآية)) (٤) وحاول علماء الحديث التطبيق بين الروايتين، فقال قتادة التابعي: ((أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخا وتصغيرا ونقمة وحسرة وندما)) (٥) يعني أن الله أودع فيهم قوة السماع لفترة من الوقت كمعجزة للنبي ﷺ . ٣ - الشؤم في ثلاثة في المرآة والدابة والدار: لما أخبرت عائشة (ض) أن أبا هريرة (ض) يحدث أن نبي الله ﷺ كان يقول: ((الشؤم في ثلاثة: في المرأة والدابة والدار)) فقالت: لم يحفظ أبو هريرة، لأنه دخل رسول الله ﷺ وهو يقول: ((قاتل الله اليهود، يقولون الشؤم في ثلاثة في الدار والمرأة والفرس)) (٦) فسمع آخر الحديث ولم يسمع أوله)). روى الإمام أحمد في مسنده أن أبا بردة جاء إلى عائشة (ض) فقال:

стр. 246

((يا أمتاه حدثيني شيئا سمعته من رسول الله ﷺ ، فقالت: قال رسول الله: الطير تجري بقدر، وكان يعجبه الفأل الحسن)) (١) وفي رواية أنها لما سمعت حديث أبي هريرة (ض) السابق قالت: ((والذي أنزل القرآن على أبي القاسم ما هكذا كان يقول ...)) ثم قرأت: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢] (٢). كما أنه يوجد هناك بعض الروايات يمكن بها التطبيق بين روايتي عائشة، وأبي هريرة (ض) ومنها: قوله ﷺ : ((إن كان الثؤم في شيء ففي الدار والمرأة والفرس)) (٣) وهذا ليس حكاية للواقع وإنما على صورة التعليق (٤). ٤ - رؤية النبي ﷺ الرب تعالى: عن ابن عباس (ض) أنه كان يقول: ((إن محمدا ﷺ رأى ربه مرتين، مرة ببصره، ومرة بفؤاده)) (٥) فسأل مسروق عائشة (ض) فقال: يا أمتاه هل رأى محمد ﷺ ربه؟ فقالت: لقد قف شعري مما قلت، أين أنت من ثلاث، من حدثكهن فقد كذب، من حدثك أن محمدا ﷺ رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]. وقد وردت أحاديث أخرى صحيحة في تأييد قول عائشة (ض) كما في صحيح

стр. 247

الإمام مسلم قال الرسول ﷺ : ((نور أنى أراه)) (١). ٥ - قضية المتعة: كانت المتعة (٢) مباحة في الجاهلية، وفي الإسلام حتى السنة السابعة من الهجرة النبوية، ثم حرمها الإسلام وأعلن تحريمها في غزوة خيبر، وكان ابن عباس (ض) ومعه بعض الصحابة يقولون بإباحتها، ولكن جمهور الصحابة يقولون بتحريمها، ويستدلون عليه بأحاديث مختلفة صحيحة وصريحة، ولما سئلت عائشة (ض) عن المتعة لم تجب مستدلة بالحديث الشريف وإنما قالت: بيني وبينهم كتاب الله (٣)، ثم قرأت: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (*) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنين: ٥ - ٦] فلا يجوز للمؤمن إلا هاتان الصورتان، ومعلوم أن المرأة التي ينكحها الإنسان عن طريق المتعة لا تكون زوجة ولا مما ملكت يمينه، فلا تجوز. ٦ - ولد الزنا شر الثلاثة: بلغ عائشة (ض) أن أبا هريرة يحدث عن النبي ﷺ أنه قال: ((ولد الزنا شر الثلاثة)) فقالت: أما قوله: ((ولد الزنا شر الثلاثة)) فلم يكن الحديث على هذا، إنما كان رجل من المنافقين يؤذي رسول الله ﷺ فقال: من يعذرني من فلان؟ قيل: يا رسول الله، مع ما به ولد زنا، فقال رسول الله ﷺ ((هو شر الثلاثة والله يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] يعني أن التقصير كان من الوالدين فما ذنب الابن فيه)) (٤). ب - الوصول إلى فحوى الكلام ولبه: إن اختلاف بعض الصحابة فى رواية بعض الأحاديث قد يكون ناتجا عن

стр. 248

الاختلاف في فهم لب الكلام وإدراك فحواه الحقيقي، وعائشة (ض) كانت من أولئك اللاتي أكرمهن الله بحظ وافر ونصيب كامل من نعمة الفهم، والذكاء المتوقد، والفطنة النادرة، فاستغلت (ض) هذه الموهبة الربانية في فهم السنة النبوية وإدراك روحها الحقيقي، والأمثلة التالية توضح ما قلناه سابقا: ١ - روى أبو هريرة (ض) عن الرسول (ض) أنه قال: ((دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت هزلا)) (١) ثم دخل أبو هريرة على عائشة (ض) فقالت: يا أبا هريرة أنت الذي تحدث أن امرأة عذبت في هرة لها ربطتها لم تطعمها ولم تسقها، فقال أبو هريرة: سمعته منه، يعني النبي ﷺ ، فقالت عائشة: ((أتدري ما كانت المرأة؟ قال: لا، قالت: إن المرأة مع ما فعلت كانت كافرة، إن المؤمن أكرم على الله من أن يعذبه في هرة، فإذا حدثت عن رسول الله ﷺ فانظر كيف تحدث)) (٢). ٢ - عن أبي سلمة عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه لما حضره الموت دعا بثياب جدد فلبسها ثم قال: ((سمعت رسول الله ﷺ : إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها)) (٣) فلما سمعت عائشة (ض) بحديث أبي سعيد قالت: ((رحم الله أبا سعيد كان قصد النبي ﷺ باللباس أعمال الإنسان)) (٤) وقد

стр. 249

قال النبي ﷺ : ((إنكم محشورون حفاة عراة غرلا)) وفي رواية: ((حفاة عراة مشاة غرلا)) (١). ٣ - الأصل في الإسلام أن المطلقة تعتد في بيت زوجها، لكن فاطمة بنت قيس (ض) تحكي قصتها خلاف ذلك وتقول: إن النبي ﷺ أذن لها بالخروج من بيت زوجها أيام اعتدادها، كما أنها احتجت بقصتها في مختلف الأوقات عند عدد من الصحابة الكرام، فقبل بها البعض ورفضها الأكثرون، ثم حدث أن يحيى بن سعيد بن العاص طلق ابنة عبد الرحمن بن الحكم، فأخرجها عبد الرحمن من بيته، فأرسلت عائشة أم المؤمنين إلى مروان بن الحكم وهو أمير المدينة: اتق الله وارددها إلى بيتها)) قال مروان: أو ما بلغك شأن فاطمة بنت قيس؟ قالت: ((لا يضرك أن لا تذكر حديث فاطمة)) (٢) وفي رواية: ((قالت: أما إنه ليس لها خير في ذكر هذا الحديث)) وزاد ابن أبي الزناد: ((وعابت عائشة أشد العيب، وقالت: إن فاطمة كانت في مكان وحش فخيف على ناحيتها، فلذلك أرخص لها النبي ﷺ )) (٣). ٤ - روى أبو هريرة (ض) أن النبي ﷺ قال: ((لأن أمتع بسوط في سبيل الله أحب إلي أن أعتق ولد زنية)) (٤) دل الحديث على أن ولد الزنا إذا

стр. 250

كان رقيقا فلا ثواب في إعتاقه، فلما سمعت عائشة (ض) بحديث أبي هريرة هذا قالت: ((رحم الله أبا هريرة أساء سمعا فأساء إصابة)) أما قوله: ((لأن أمتع بسوط في سبيل الله أحب إلي من أن أعتق ولد الزنا)) أنها لما نزلت: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (*) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (*) فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١١ - ١٣] قيل: يا رسول الله ما عندنا ما نعتق، إلا أن أحدنا له جارية سوداء تخدمه وتسعى عليه، فلو أمرناهن فزنين فجئن بالأولاد فأعتقناهم، فقال رسول الله ﷺ : ((لأن أمتع بسوط في سبيل الله أحب إلي أن آمر بالزنا ثم أعتق الولد)) (١). ٥ - أخرج أصحاب الصحاح إلا أبا داود عن أبي هريرة (ض) أن الذراع كانت أحب اللحم إلى النبي ﷺ ، فلما سمعت عائشة (ض) ذلك قالت: ((ما كان الذراع أحب اللحم إلى رسول الله ﷺ ، ولكن كان لا يجد اللحم إلا غبا، فكان يعجل إليه، لأنه أعجلها نضجا)) (٢). ٦ - روي عن عمر (ض) وغير واحد من الصحابة أن لا صلاة بعد صلاة الصبح والعصر، فلما سمعت عائشة (ض) قالت: وهم عمر، إنما نهى رسول الله ﷺ عن الصلاة أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها)) (٣). هذا وقد علل الفقهاء المنع بأن هذا وقت عبادة الشمس، فوجب تجنب التشبه بعباد الشمس، وإن صح هذا فما ذهبت إليه عائشة (ض) هو أقرب إلى الصواب، وأصح وأنسب من حيث الدراية، ويعلم من ذلك أن عائشة (ض) كانت قد فهمت علة المنع والغرض منه، وقد ورد في الحديث أن من تفوته الركعتان قبل الفجر يصليهما بعد صلاة الفجر (٤)، وقال قوم من أهل مكة
следующие страницы →