← Тараджим

Тараджим · id 13297

سيرة السيدة عائشة أم المؤمنين

سليمان الندوي

Полный текст (367 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

((يا أمتاه حدثيني شيئا سمعته من رسول الله ﷺ ، فقالت: قال رسول الله: الطير تجري بقدر، وكان يعجبه الفأل الحسن)) (١) وفي رواية أنها لما سمعت حديث أبي هريرة (ض) السابق قالت: ((والذي أنزل القرآن على أبي القاسم ما هكذا كان يقول ...)) ثم قرأت: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢] (٢). كما أنه يوجد هناك بعض الروايات يمكن بها التطبيق بين روايتي عائشة، وأبي هريرة (ض) ومنها: قوله ﷺ : ((إن كان الثؤم في شيء ففي الدار والمرأة والفرس)) (٣) وهذا ليس حكاية للواقع وإنما على صورة التعليق (٤). ٤ - رؤية النبي ﷺ الرب تعالى: عن ابن عباس (ض) أنه كان يقول: ((إن محمدا ﷺ رأى ربه مرتين، مرة ببصره، ومرة بفؤاده)) (٥) فسأل مسروق عائشة (ض) فقال: يا أمتاه هل رأى محمد ﷺ ربه؟ فقالت: لقد قف شعري مما قلت، أين أنت من ثلاث، من حدثكهن فقد كذب، من حدثك أن محمدا ﷺ رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]. وقد وردت أحاديث أخرى صحيحة في تأييد قول عائشة (ض) كما في صحيح

стр. 247

الإمام مسلم قال الرسول ﷺ : ((نور أنى أراه)) (١). ٥ - قضية المتعة: كانت المتعة (٢) مباحة في الجاهلية، وفي الإسلام حتى السنة السابعة من الهجرة النبوية، ثم حرمها الإسلام وأعلن تحريمها في غزوة خيبر، وكان ابن عباس (ض) ومعه بعض الصحابة يقولون بإباحتها، ولكن جمهور الصحابة يقولون بتحريمها، ويستدلون عليه بأحاديث مختلفة صحيحة وصريحة، ولما سئلت عائشة (ض) عن المتعة لم تجب مستدلة بالحديث الشريف وإنما قالت: بيني وبينهم كتاب الله (٣)، ثم قرأت: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (*) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنين: ٥ - ٦] فلا يجوز للمؤمن إلا هاتان الصورتان، ومعلوم أن المرأة التي ينكحها الإنسان عن طريق المتعة لا تكون زوجة ولا مما ملكت يمينه، فلا تجوز. ٦ - ولد الزنا شر الثلاثة: بلغ عائشة (ض) أن أبا هريرة يحدث عن النبي ﷺ أنه قال: ((ولد الزنا شر الثلاثة)) فقالت: أما قوله: ((ولد الزنا شر الثلاثة)) فلم يكن الحديث على هذا، إنما كان رجل من المنافقين يؤذي رسول الله ﷺ فقال: من يعذرني من فلان؟ قيل: يا رسول الله، مع ما به ولد زنا، فقال رسول الله ﷺ ((هو شر الثلاثة والله يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] يعني أن التقصير كان من الوالدين فما ذنب الابن فيه)) (٤). ب - الوصول إلى فحوى الكلام ولبه: إن اختلاف بعض الصحابة فى رواية بعض الأحاديث قد يكون ناتجا عن

стр. 248

الاختلاف في فهم لب الكلام وإدراك فحواه الحقيقي، وعائشة (ض) كانت من أولئك اللاتي أكرمهن الله بحظ وافر ونصيب كامل من نعمة الفهم، والذكاء المتوقد، والفطنة النادرة، فاستغلت (ض) هذه الموهبة الربانية في فهم السنة النبوية وإدراك روحها الحقيقي، والأمثلة التالية توضح ما قلناه سابقا: ١ - روى أبو هريرة (ض) عن الرسول (ض) أنه قال: ((دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت هزلا)) (١) ثم دخل أبو هريرة على عائشة (ض) فقالت: يا أبا هريرة أنت الذي تحدث أن امرأة عذبت في هرة لها ربطتها لم تطعمها ولم تسقها، فقال أبو هريرة: سمعته منه، يعني النبي ﷺ ، فقالت عائشة: ((أتدري ما كانت المرأة؟ قال: لا، قالت: إن المرأة مع ما فعلت كانت كافرة، إن المؤمن أكرم على الله من أن يعذبه في هرة، فإذا حدثت عن رسول الله ﷺ فانظر كيف تحدث)) (٢). ٢ - عن أبي سلمة عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه لما حضره الموت دعا بثياب جدد فلبسها ثم قال: ((سمعت رسول الله ﷺ : إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها)) (٣) فلما سمعت عائشة (ض) بحديث أبي سعيد قالت: ((رحم الله أبا سعيد كان قصد النبي ﷺ باللباس أعمال الإنسان)) (٤) وقد

стр. 249

قال النبي ﷺ : ((إنكم محشورون حفاة عراة غرلا)) وفي رواية: ((حفاة عراة مشاة غرلا)) (١). ٣ - الأصل في الإسلام أن المطلقة تعتد في بيت زوجها، لكن فاطمة بنت قيس (ض) تحكي قصتها خلاف ذلك وتقول: إن النبي ﷺ أذن لها بالخروج من بيت زوجها أيام اعتدادها، كما أنها احتجت بقصتها في مختلف الأوقات عند عدد من الصحابة الكرام، فقبل بها البعض ورفضها الأكثرون، ثم حدث أن يحيى بن سعيد بن العاص طلق ابنة عبد الرحمن بن الحكم، فأخرجها عبد الرحمن من بيته، فأرسلت عائشة أم المؤمنين إلى مروان بن الحكم وهو أمير المدينة: اتق الله وارددها إلى بيتها)) قال مروان: أو ما بلغك شأن فاطمة بنت قيس؟ قالت: ((لا يضرك أن لا تذكر حديث فاطمة)) (٢) وفي رواية: ((قالت: أما إنه ليس لها خير في ذكر هذا الحديث)) وزاد ابن أبي الزناد: ((وعابت عائشة أشد العيب، وقالت: إن فاطمة كانت في مكان وحش فخيف على ناحيتها، فلذلك أرخص لها النبي ﷺ )) (٣). ٤ - روى أبو هريرة (ض) أن النبي ﷺ قال: ((لأن أمتع بسوط في سبيل الله أحب إلي أن أعتق ولد زنية)) (٤) دل الحديث على أن ولد الزنا إذا

стр. 250

كان رقيقا فلا ثواب في إعتاقه، فلما سمعت عائشة (ض) بحديث أبي هريرة هذا قالت: ((رحم الله أبا هريرة أساء سمعا فأساء إصابة)) أما قوله: ((لأن أمتع بسوط في سبيل الله أحب إلي من أن أعتق ولد الزنا)) أنها لما نزلت: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (*) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (*) فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١١ - ١٣] قيل: يا رسول الله ما عندنا ما نعتق، إلا أن أحدنا له جارية سوداء تخدمه وتسعى عليه، فلو أمرناهن فزنين فجئن بالأولاد فأعتقناهم، فقال رسول الله ﷺ : ((لأن أمتع بسوط في سبيل الله أحب إلي أن آمر بالزنا ثم أعتق الولد)) (١). ٥ - أخرج أصحاب الصحاح إلا أبا داود عن أبي هريرة (ض) أن الذراع كانت أحب اللحم إلى النبي ﷺ ، فلما سمعت عائشة (ض) ذلك قالت: ((ما كان الذراع أحب اللحم إلى رسول الله ﷺ ، ولكن كان لا يجد اللحم إلا غبا، فكان يعجل إليه، لأنه أعجلها نضجا)) (٢). ٦ - روي عن عمر (ض) وغير واحد من الصحابة أن لا صلاة بعد صلاة الصبح والعصر، فلما سمعت عائشة (ض) قالت: وهم عمر، إنما نهى رسول الله ﷺ عن الصلاة أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها)) (٣). هذا وقد علل الفقهاء المنع بأن هذا وقت عبادة الشمس، فوجب تجنب التشبه بعباد الشمس، وإن صح هذا فما ذهبت إليه عائشة (ض) هو أقرب إلى الصواب، وأصح وأنسب من حيث الدراية، ويعلم من ذلك أن عائشة (ض) كانت قد فهمت علة المنع والغرض منه، وقد ورد في الحديث أن من تفوته الركعتان قبل الفجر يصليهما بعد صلاة الفجر (٤)، وقال قوم من أهل مكة

стр. 251

بهذا، حيث لم يروا بأسا أن يصلي الرجل الركعتين بعد المكتوبة قبل أن تطلع الشمس، كما ورد في الحديث أن النبي ﷺ كان يصلي بعد العصر ركعتين، وروي عن عائشة (ض): ((أن النبي ﷺ ما دخل عليها بعد العصر إلا صلى ركعتين)) (١) فكان بعض الصحابة يصلونهما، والبعض الآخر يقولون: إنهما مما اختص به النبي ﷺ ، وروي عن أم سلمة أنها سألت النبي ﷺ عن هاتين الركعتتن فقال ﷺ : إنه شغل عن ركعتي الظهر فصلاهما بعد العصر (٢). وعلى كل يبدو أن رواية عائشة (ض) هي الأقوى والأنسب نظرا إلى الروايات السابقة، ولكونها أقرب إلى المصلحة الشرعية والمعقول. لكن شخصية عمر ﵁ أيضا ليست من عامة الناس حتى لا يدرك روح الشريعة ومقصد كلام النبي ﷺ وغرصه من المنع، مثلما فهمت عائشة (ض)، والأصل أن الشريعة إن تمنع من شيء فإنها تمنع من مبادئها كذلك، فالصلاة ممنوعة عند طلوع الشمس وغروبها، ولكن أطلق عليه بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر لكي لا تصلى صلاة بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس ومن بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس. ٧ - روى أبو هريرة ((عن رسول الله ﷺ قال: ((من لم يوتر فلا صلاة له)) فبلغ ذلك عائشة (ض) فقالت: من سمع هذا من أبي القاسم ﷺ ؟ والله ما بعد العهد وما نسيت، إنما قال أبو القاسم ﷺ : ((من جاء بالصلوات الخمس يوم القيامة قد حافظ على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها لم ينقص منها شيئا، فليس له عند الله عهد إن شاء رحمه وإن شاء عذبه)) (٣) والمقصود أن الوتر

стр. 252

تطوع وسنة، ومعاقبة تاركه بعدم قبول صلاته معناه أنه لا يغفر له أبدا، والمعاقبة بعدم الغفران تكون على ترك الفرائض وليست على ترك السنن. ج - المعرفة الشخصية: لقد هيأ الله لأم المؤمنين عائشة (ض) كل الأسباب التي جعلت منها أحد الأعلام حاملي علوم النبوة، ومعروف أن الزوجة أدرى الناس بأقوال زوجها وأفعاله، ولما كان النبي ﷺ أسوة حسنة ونموذجا مثاليا للأمة جمعاء، كانت سنته الفعلية والعملية بمثابة القوانين، وقد توفر للأزواج المطهرات من وسائل وإمكانات المعرفة الشخصية لأقوال النبي ﷺ وأفعاله ما لم يتوفر للآخرين، وتراثنا الفقهي الإسلامي غني بتلك القضايا والمسائل التي قضى فيها: أصحاب النبي ﷺ بحكم لجوءا إلى اجتهادهم الشيخصي أو استنادا إلى حديث يعرفونه، بينما رفضت عائشة (ض) ذلك الحكم نظرا إلى علمها الخاص ومعرفتها الشخصية واطلاعها الذاتي على الحكم الذي قد لا يطلع عليه الآخرون، وظل قولها هو المعول عليه والمعتمد في تلك المسائل إلى يومنا هذا، وفيما يلي بعض الأمثلة: ١ - كان عبد الله بن عمرو بن العاص يفتي أن النساء إذا اغتسلن ينقضن رؤوسهن فبلغ ذلك عائشة (ض) فقالت: ((يا عجبا لابن عمرو، هذا يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينتقضن رؤوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن، لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، ولا أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات)) (١). ٢ - كان ابن عمر (ض) يفتي بانتقاض الوضوء من التقبيل، فلما سمعت عائشة (ض) بذلك قالت: ((إن النبي ﷺ قبل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، قال الراوي: قلت: من هي إلا أنت؟ قال: فضحكت)) (٢).

стр. 253

٣ - سمعت عائشة (ض) حديث أبي هريرة (ض): ((يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة)) فقالت: ((قد شبهتمونا بالحمير والكلاب، والله لقد رأيت رسول الله ﷺ يصلي وأني على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة، فتبدو لي الحاجة فأكره أن أجلس فأوذي النبي ﷺ فأنسل من عند رجليه)) (١) وفي رواية مسلم: ((كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي وإذا قام بسطتهما)) (٢). ٤ - روي عن أبي الدرداء (ض) أنه خطب فقال: ((من أدركه الصبح فلا وتر له)) فذكر ذلك لعائشة (ض) فقالت: ((كذب أبو الدرداء، كان رسول الله ﷺ يصبح فيوتر)) (٣). ٥ - قال بعض الناس: إن النبي ﷺ كفن في خلة يمنية، فلما سمعت عائشة (ض) ذلك قالت: ((أدرج رسول الله ﷺ في حلة يمنية كانت لعبد الله بن أبي بكر، ثم نزعت عنه، وكفن في ثلاثة أثواب سحولية يمانية ليس فيها عمامة ولا قميص)) (٤). ٦ - كان أبو هريرة (ض) يقول: ((من أصبح جنبا فلا يصم، فانطلق أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وأبوه حتى دخلا على أم سلمة وعائشة (ض)، فكلاهما قالت: ((كان رسول الله ﷺ يصبح جنبا ثم يصوم، فانطلق أبو بكر وأبوه إلى أبي هريرة فحدثاه، فقال: هما أعلم)) (٥).

стр. 254

٧ - إن المحرم يحل له كل شيء بعد الرمي والحلق إلا الطيب والنساء (١)، ولكن عائشة (ض) ترى أنه لا حرج في الطيب، وتقول: ((طيبت رسول الله ﷺ بيدي هاتين حين أحرم ولحله حين أحل قبل أن يطوف)) وبسطت يديها (٢). ٨ - كان ابن عباس (ض) يفتي أن من أهدى هديا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر هديه، فلما سمعت بذلك عائشة (ض) قالت: ((ليس كما قال ابن عباس، أنا فتلت قلائد هدي رسول الله ﷺ بيدي، ثم قلدها رسول الله ﷺ بيده، ثم بعث به مع أبي، فلم يحرم على رسول الله ﷺ شيء أحله الله حتى نحر الهدي)) (٣). ٩ - كان ابن عمر (ض) يقول: ((ما أحب أن أصبح محرما أنضخ طيبا، لأن أطلى بقطران أحب إلي من أن أفعل ذلك)) فذكر قول ابن عمر لعائشة (ض) فقالت: ((أنا طيبت رسول الله ﷺ ثم طاف في نسائه ثم أصبح محرما)) (٤) وأحيانا كانت تقول: ((كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله ﷺ وهو محرم)) (٥).

стр. 255

د - الذاكرة القوية والحافظة النادرة: إن قوة الذاكرة والحافظة من منح الله تعالى الغالية والثمينة، وقد رزقت أم المؤمنين عائشة (ض) حظا وافرا من هذه النعمة الجليلة، وقد مر معنا حفظها آيات من القرآن الكريم أثناء لعبها مع صديقاتها في صباها. ومعروف أن الذاكرة تلعب دورا بارزا وأساسيا في مجال رواية الأحاديث الشريفة، فحفظ الوقائع التي كانت تقع في العصر النبوي ليل نهار صباح مساء، ووعيها بمعنى الكلمة ثم القيام بأدائها كما هي وبتعبير وألفاظ النبي ﷺ ، هذا كله من أهم وأعظم مسؤوليات المحدث، ومن أكبر واجباته. ولذا نلاحظ أن ما استدركته عائشة (ض) على أقرانها ومعاصريها وأنكرت عليهم من بعض الأمور، إنما يرجع إلى التفاوت في مراتب قوة الحفظ واختلاف درجات الوعي، وما يأتي من الأمثلة يوضح ما قلناه: ١ - لما مات سعد بن أبي وقاص (ض) أمرت عائشة (ض) أن يمر بجنازة سعد بن أبي وقاص في المسجد فتصلي عليه، فأنكر الناس ذلك عليها، فقالت: ((ما أسرع ما نسي الناس، ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن البيضاء إلا في المسجد)) (١). ٢ - سأل الناس عبد الله بن عمر (ض) كم اعتمر رسول الله ﷺ ؟ قال: ((أربعا، إحداهن في رجب، فقال عروة: يا أماه يا أم المؤمنين ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟ قالت: ما يقول؟ قال: يقول: إن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمرات إحداهن في رجب، قالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن، ما اعتمر عمرة إلا وهو شاهده، وما اعتمر في رجب قط)) (٢). ٣ - عن ابن عمر (ض) عن النبي ﷺ قال: ((الشهر تسع وعشرون، فذكروا

стр. 256

ذلك لعائشة فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن، إنما قال: الشهر يكون تسعا وعشرين)) (١). ٤ - روى غير واحد من أصحاب النبي ﷺ (ومنهم عمر وابن عمر (ض) قوله ﷺ : ((الميت يعذب ببكاء أهله عليه)) فلما بلغ عائشة قول عمر وابن عمر قالت: ((إنكم لتحدثوني عن النبي ﷺ غير كاذبين ولا مكذبين، ولكن السمع يخطىء)) (٢) وفي رواية: ((رحم الله أبا عبد الرحمن سمع شيئا فلم يحفظه)) (٣). وفي رواية قالت: ((يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ)) ثم قالت: ((إنما مر رسول الله ﷺ على يهودية يبكى عليها، فقال: إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها)) (٤). جمع وتدوين مرويات أم المؤمنين عائشة (ض): لقد بدأ علماؤنا ﵏ منذ منتصف القرن الهجري الأول بجمع وتحرير مرويات صحابة رسول الله ﷺ وتدوينها في الكتب والصحف، وفي مستهل القرن الثاني الهجري لما تولى الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز (ح) أمور الخلافة، وولى أبا بكر بن عمرو بن حزم الأنصاري (ض) على المدينة، وكان فضل علمه وكماله يرجع إلى خالته عمرة التي تربت في كنف عائشة (ض)، وكانت أحد الثقات العالمات بعائشة والأثبات فيها، وكانت من أعلم الناس بحديثها، فكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم

стр. 257

((أن انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ أو سنة ماضية أو حديث عمرة فاكتبه، فإني قد خفت دروس العلم وذهاب أهله)) (١). ...

стр. 258

البحث الثالث علمها بالفقه والقياس وأصولها في الاجتهاد إذا تأملنا من وجهة النظر الأصولية يتضح لنا أن الكتاب والسنة بمثابة الأدلة. والفقه هو اسم للاستنباطات والنتائج المستخرجة من تلك الدلائل، وما سبق حول عنوان ((الحديث)) و ((القرآن)) وما سيأتي لاحقا حول عنوان ((الإفتاء والإرشاد)) كل ذلك سوف يجلي لنا مكانة أم المؤمنين عائشة (ض) في علم الفقه، وما هي الأصول التي تستند إليها في استنباط المسائل والاجتهاد والقياس. وكما هو معروف فإن شخصية الرسول ﷺ كانت هي المصدر الوحيد للتعليم والإفتاء والإرشاد في العصر النبوي، ثم خلفه بعد انقراض هذا العصر المبارك كبار الصحابة الأكفاء العدول الذين حملوا هذه الأمانة العلمية والفقهية والقوة الاجتهادية من قائد هذا الركب المبارك ﷺ ، فكان أبو بكر وعمر (ض) إذا عرضت عليهما قضية جديدة يناديان في العلماء فيجتمعون ثم يستشيرانهم فيها، فإن وجدا أحدا عنده حديث سمعه من رسول الله ﷺ يحدث الناس به، وإلا كانا يقيسانه على الحكم المنصوص عليه ثم يحكمان. وظل هذا المجمع الفقهي الإسلامي منوطا بالمركز النبوي حتى مستهل عصر الخلافة الثالثة، ولما اشتعلت نيران الفتن في عهد عثمان (ض)، وعم الاضطراب، وشاعت الغوغاء، وبدأ الناس يغادرون إلى مكة، والطائف، والشام، والبصرة، ثم اتخذ علي (ض) الكوفة مقرا للخلافة، وانتشرت هذه الطائفة المباركة التي تربت في ظلال الحبيب المصطفى ﷺ في شتى البلاد، وهذا الانتشار وإن أدى إلى توسيع نطاق العلم والفقه في مختلف أرجاء البلاد وأطرافها، إلا أنه خلف تأثيرا سلبيا في جانب، ألا وهو القضاء على الوحدة

стр. 259

الاجتماعية التي شاهدها العصر سابقا، وإن بقي هذا الاتحاد والتجمع في مكان، فكان في رحاب بيوت النبي ﷺ . وكان عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وأبو هريرة وأم المؤمنين عائشة (ض) هم الأربعة المشهورون الذين تبوؤا مناصب الفقه، ومنابر الإفتاء والدعوة والإرشاد في المدينة المنورة بعد خلوها من كبار الصحابة، علما أن هؤلاء الأربعة تختلف وجهات نظرهم، وتتباين أصولهم ومناهجهم في استنباط الأحكام للوقائع الجديدة التي لم يرد في حكمها نص صريح، فكان منهج عبد الله بن عمر وأبي هريرة (ض) أنهما إذا عرض عليهما حادث بحثا عن حكمه في الكتاب والسنة والأثر، فإن وجداه أفتيا به، وإن لم يجدا سكتا عنه، أما عبد الله بن عباس (ض) فإنه لا يقتصر على البحث في الكتاب والسنة وإنما يقيس الوقائع الجديدة على الأحكام المنصوص عليها، ثم يفتي بما يراه مناسبا من حيث العقل. القرآن الكريم: أما عائشة (ض) فكان منهجها أنها كانت ترجع أولا إلى كتاب الله العزيز، ثم إلى السنة النبوية ثم إلى القياس وإلحاق النظير بالنظير، وقد سبق أن ذكرنا في مبحث ((مكانتها في الحديث)) استدلالها بالآيات القرآنية بشكل تلقائي، فذات مرة سئلت عن متعة النساء فقالت: بيني وبينكم كتاب الله، وقرأت: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (*) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦] (١) والمرأة المتمتع بها ليست بزوجة ولا أمة، فلا تجوز المتعة. وسألها رجل عما يذبحه العجم لأعيادهم فيهدون منه للمسلمين فقالت: ((ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا منه، وكلوا من أشجارهم)) (٢) وكأنها استنبطت

стр. 260

هذا الحكم من قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]. جاءت أم محبة إلى عائشة (ض) فقالت لها: ((يا أم المؤمنين أكنت تعرفين زيد بن أرقم؟ قالت: نعم، قالت: فإني بعته جارية إلى عطائه بثمانمئة نسيئة، وإنه أراد بيعها فاشتريتها منه بستمئة نقدا، فقالت لها: بئس ما اشتريت وبئس ما اشترى أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إن لم يتب)) (١) ومعنى ذلك أن عائشة (ض) قررت المئتين في هذه الصورة من الربا، وقد اقتصرت بعض الروايات على ذكر هذه القصة دون التطرق إلى مستند عائشة في هذا الحكم، إلا أن هناك روايات أخرى (٢) تصرح أن مستندها في هذا الحكم هو قوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. يقول الباري تعالى في عدة المطلقة: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] واختلف العلماء في تحديد معنى القرء، ولما طلقت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، وانتقلت حين دخلت في الدم من الحيضة الثالثة، فذكر ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن، فقالت: صدق عروة، وقد جادلها في ذلك ناس، فقالوا: إن الله ﵎ يقول في كتابه: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ فقالت عائشة (ض): ((صدقتم، تدرون، إنما الأقراء الأطهار)) (٣). يقول الإمام مالك (ح) وهو يروي عن ابن شهاب قال: سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: ((ما أدركت أحدا من فقهائنا إلا وهو يقول هذا، يريد قول عائشة)) (٤). أما أهل العراق فيفسرون الأقراء بالحيض.

стр. 261

السنة النبوية: إن السنة النبوية تلي الكتاب في المرتبة والمكانة. * وقد عرض على عائشة (ض) موضوع التخيير بحيث إذا خير الزوج امرأته في الطلاق فرفضت هذا الخيار واختارت زوجها فهل يقع عليها طلاق أم لا؟ ذهب علي وزيد (ض) إلى وقوع طلقة واحدة عليها، بينما ترى عائشة (ض) (ض) عدم وقوع الطلاق، واحتجت بمسألة التخيير حيث قالت: ((خيرنا رسول الله ﷺ فاخترناه، فلم يعده طلاقا) (١). وفي رواية: ((خيرنا رسول الله ﷺ أفكان طلاقا)) (٢)؟! * لو أعتق أحد عبده فإنها تحدث قرابة الولاية بين المعتق والعتيق، ويجري التوارث بينهما، ويصبح المولى قريبا للمعتق شرعا، وهكذا دخل غلام على عائشة (ض) وقال: يا أم المؤمنين إني كنت غلاما لعتبة بن أبي لهب، وإن عتبة مات، وورثني بنوه، وإنهم باعوني من عبد الله بن أبي عمرو المخزومي، فأعتقني ابن أبي عمرو، واشترطوا (أي بنو عتبة) ولائي، فمولى من أنا؟ فقالت عائشة (ض): ((دخلت علي بريرة وهي مكاتبة، فقالت: اشتريني يا أم المؤمنين فأعتقيني، فقلت: نعم، فقالت: إن أهلي لا يبيعوني حتى يشترطوا ولائي، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: اشتريها وأعتقيها، الولاء لمن أعتق، وإن اشترطوا مئة شرط)) (٣). وفي رواية أخرى كانت بريرة مكاتبة فدخلت على عائشة (ض) فقالت: اشتريني وأعتقيني، قالت: نعم، قالت: لا يبيعوني حتى يشترطوا ولائي،

стр. 262

فقالت: لا حاجة لي بذلك، فسمع بذلك النبي ﷺ أو بلغه فقال: اشتريها وأعتقيها ودعيهم يشترطون ما شاؤوا، فأعتقتها عائشة (ض)، واشترط أهلها الولاء، فقال النبي ﷺ : ((الولاء لمن أعتق وإن اشترطوا مئة شرط)). تقول عائشة (ض): ((وكان في بريرة ثلاث سنن: خيرت على زوجها حين عتقت، وأهدي لها لحم فدخل علي رسول الله ﷺ والبرمة على النار، فدعا بطعام فأتي بخبز وأدم من أدم البيت، فقال: ألم أر برمة على النار فيها لحم؟ فقالوا: بلى يا رسول الله ذلك لحم تصدق به على بريرة، فكرهنا أن نطعمك منه، فقال: هو عليها صدقة، ولنا هدية)) (١). هذه القصص ولو كانت بسيطة في نظر العامة إلا أن عائشة (ض) استنبطت منها عدة أصول وقواعد فقهية، كما أن قصة بريرة أطلعتنا على ثلاثة من أحكام الإسلام، وهي: ١ - الولاء لمن أعتق. ٢ - الجارية تخير على زوجها حين تعتق. ٣ - لو تصدق بمال على صاحب حاجة وهو أهداه إلى غيره يجوز أخذه، وذلك لوجود التغير في الحقيقة والماهية. وهناك بعض الاستنباطات الأخرى لم تصرح بها أم المؤمنين لكن كلامها يقتضيها، ثم بنى عليها الفقهاء والأصوليون والمجتهدون جزئيات وفروعا فقهية كثيرة. * الكل يعرف أن حوالي مئة ألف صحابي كانوا مع الرسول ﷺ في حجة الوداع، وكان منهم كبار الصحابة، وكل ما حدث في هذا السفر حفظه الصحابة الكرام، وكذلك عائشة (ض) حفظته، وكل تلك الوقائع مسجلة محفوظة في الأحاديث، إلا أن ما حدثت به عائشة (ض) من وقائع هذا السفر

стр. 263

المبارك أصبحت بمثابة الأصول والقواعد لدى المجتهدين يعتمدون عليها في بيان الأحكام وتفريع الفروع. ولما قدمت (ض) مكة حاضت فلم تقدر أن تطوف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكت ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فلما قضوا الحج أرسلها النبي ﷺ مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت، فقال: ((هذه مكان عمرتك)) (١). قال الإمام ابن القيم (٢) (ح) بعد ذكر هذه الرواية: ((وحديث عائشة هذا يؤخذ منه أصول عظيمة من أصول المناسك: أحدها: اكتفاء القارن بطواف واحد وسعي واحد. الثاني: سقوط طواف القدوم عن النساء في حالة العذر. الثالث: أن إدخال الحج على العمرة للحائض جائز، كما يجوز للطاهر، وأولى، لأنها معذورة محتاجة إلى ذلك. الرابع: أن الحائض تفعل أفعال الحج كلها إلا أنها لا تطوف بالبيت. الخامس: أن التنعيم من الحل. السادس: جواز عمرتين في سنة واحدة، بل في شهر واحد. السابع: أن المشروع في حق المتمتع إذا لم يأمن الفوات أن يدخل الحج على العمرة. الثامن: أنه أصل في العمرة المكية)) (٣).

стр. 264

* كانت صفية بنت حيي أم المؤمنين (ض) قد حاضت ليلة النفر فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: ((أحابستنا هي؟ فقيل: إنها أفاضت، فقال: فلا إذا)) (١) فاستنبطت منه عائشة أن طواف الوداع ليس بواجب على أصحاب الأعذار، فكل النساء اللاتي كانت تحج معها تعمل بهذا الحكم. تقول عمرة بنت عبد الرحمن: ((إن عائشة أم المؤمنين (ض) كانت إذا حجت ومعها نساء تخاف أن يحضن قدمتهن يوم النحر فأفضن، فإن حضن بعد ذلك لم تنتظرهن فتفر بهن وهن حيض، إذا كن قد أفضن) ((٢). القياس العقلي: ويأتي دور القياس بعد الكتاب والسنة، وليس معنى القياس العقلي أن يأتي من هب ودب ويقضي بحكم ما في دين الله تعالى بعقله، وإنما المقصود من ذلك أولئك العلماء الجهابذة الذين أكرمهم الله تعالى بالتفقه في الدين، فبرعوا فيه وصارت لهم ملكة في ذلك، ورسخت علومهم في فهم الكتاب والسنة، واستفرغوا كل المجهودات في الوصول إلى أعماق الأحكام الشرعية، ومارسوا الاجتهاد بمعنى الكلمة، فأمثال هؤلاء العباقرة إذا عرضت لهم مسألة فإنهم يدركون مباشرة بما أودع الله فيهم من المواهب والقدرات أن الشارع لو كان موجودا لحكم بكذا في قضية كذا، مثل المحامي البارع الخبير الذي مرت عليه نظائر وأحكام كثيرة لمحكمة خاصة، إذا رأى قضية تشبه السابقة فإنه يستطيع أن يقول بكل ثقة واعتماد: إن هذه القضية لو رفعت في المحكمة الفلانية، لقضت بالحكم الفلاني. ونحن نعلم مدى سعة اطلاع أم المؤمنين عائشة (ض)، وعلمها الراسخ وفهمها العميق لنظام الشريعة وأحكامها، ولذا فنسبة الأخطاء في قياساتها تكون ضئيلة جدا، والأمثلة الآتية تسلط الضوء على قياسها العقلي: ١ - كانت النساء في عهد النبي ﷺ تدخل المساجد وتصلي بالجماعة مع

стр. 265

الرسول ﷺ ، وتكون صفوف الرجال ثم الأطفال ثم النساء، وقد أمر الرسول ﷺ الصحابة بالسماح للمرأة بالذهاب إلى المساجد فقال: ((إذا استأذنت امرأة أحدكم فلا يمنعها)) (١) وكذلك قوله ﷺ : ((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)) (٢). فلما اتسعت رقعة الدولة الإسلامية وفتح المسلمون البلاد ووصلت الغنائم وكثرت الخيرات وازدادت النعم والثروات، ودخل في الإسلام ناس من شتى الحضارات والثقافات، يحملون طابع مختلف العادات والتقاليد، أثر ذلك كله في نساء المسلمين، وفتح لهن أبواب الزينة والتجمل على مصراعيه، وحدث كل ذلك بمرأى ومسمع من أم المؤمنين، فلم تلبث إلا وجهت نداءها إلى أبنائها وبناتها، ترشدهم إلى ما فيه صلاحهم وتقواهم، فقالت فيما روته عمرة (ض): ((لو أدرك رسول الله ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن، كما منعت نساء بني إسرائيل)) (٣) وإن لم يعمل برأي أم المؤمنين عائشة (ض) في ذلك الحين إلا أن مصدر هذا الاستنباط كان هو القياس العقلي. ٢ - كان أبو هريرة (ض) يفتي أن من غسل جنازة يغتسل ومن حمل جنازة يعيد وضوءه، فلما سمعت عائشة (ض) ذلك قالت: ((أونحس موتى المسلمين؟ وما على رجل لو حمل عودا)) (٤).

стр. 266

٣ - هل يلزم خروج المني لوجوب الغسل الشرعي؟ اختلفوا في هذا، فكان جابر (ض) يقول: الماء من الماء، فلما سمعت عائشة (ض) بذلك قدمت في البداية حديثا مخالفا له، ثم قالت: ((لو زنى أحد ولم يخرج الماء هل ترجمونه؟ فلماذا لا يجب الغسل إذن؟)) (١). تقسيم السنة: إن تحديد نوعية السنة الصادرة عن النبي ﷺ في توقيت خاص أو لمصلحة خاصة، وهل هي سنة عادة أو سنة عبادة، من أهم موضعات الفقه وأدقها، فكل ما يصدر عن النبي ﷺ يعبر عنه بالسنة، وقد قسمها العلماء قسمين: ١ - سنة عبادة. ٢ - سنة عادة. سنة عبادة: هي تلك الأفعال التي صدرت من النبي ﷺ تعبدا بنية الثواب. وهي على قسمين: المؤكدة: وهي ما واظب عليها النبي ﷺ دون الترك. المندوبة: ما واظب عليها النبي ﷺ مع الترك أحيانا. سنة عادة: هي تلك الأفعال التي صدرت من النبي ﷺ باعتبار كونه إنسانا وبشرا، أو فعلها ﷺ لحاجة مؤقتة أو ذاتية، ولا يجب على الأمة اتباع الأفعال التي صدرت من النبي ﷺ عادة، إلا أن المحبين والعشاق يعتقدون أن القيام بهذه الأفعال واتباع السنة طلبا للبركة من ثمرات الحب ونتائجه. وذلك لأن ((كل فعل من الحبيب حبيب)) (٢).

стр. 267

يتبين من الأحاديث أن عائشة (ض) قد رسخت في نفسها هذه الأصول فنرى أنها الوحيدة التي روت لنا حديث صلاة التراويح وقد صلاها النبي ﷺ وصلى معه الناس ثلاث ليال، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله، فلم يحضر النبي ﷺ وخرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد ثم قال: ((أما بعد فإنه لم يخف علي مكانكم، ولكني خشيت أن تفترض عليكم فتعجزوا عنها)) (١). فيتضح من هذا أن عائشة (ض) كانت تعرف أن ما واظب عليه النبي ﷺ من دون ترك فإنه يصبح مؤكدا، وما يتركه أحيانا فلا يكون مؤكدا ولا يصل إلى درجة الوجوب. وكان عبد الله بن عمر (ض) لا يرى تقسيم السنة إلى عبادة وعادة، بل إنه كان يقول إن كل ما فعله النبي ﷺ عبادة أو عادة مثل قضاء الحاجات البشرية، والمقتضيات الإنسانية، أو فعل شيء لسبب أو مصلحة مؤقتة، كل ذلك عنده من عداد السنة التي ينبغي اتباعها للمسلم، ولذلك روي أنه كان يتتبع أفعال النبي ﵊ حتى في منازل السفر، فلو عرف أن النبي ﷺ توضأ في المكان الفلاني، كان يتوضأ فيه، ولو لم تكن عنده حاجة إلى الوضوء. لكن أم المؤمنين عائشة (ض) وكذلك ابن عباس (ض) كانا يقولان بذلك التقسيم، ولذلك لم تعتبر عائشة (ض) نزول النبي ﷺ في الأبطح سنة، تقول (ض): ((نزول الأبطح ليس بسنة، إنما نزله رسول الله ﷺ ، لأنه كان أسمح لخروجه إذا خرج)) (٢).

стр. 268

اختلافها مع الأقران والمعاصرين: لقد خالفت عائشة (ض) معاصريها وأقرانها في كثير من الأحكام الفقهية، وكانت موفقة في ذلك، بحيث كان رأيها أقرب إلى الصواب والسداد، وسار عليه العمل عند فقهاء الحجاز، والجدول التالي يلقي الضوء على اختلافها مع الصحابة الآخرين في المسائل الفقهية، وقد انتفيتاه من سنن الترمذي وغيره من كتب الأحاديث. رأي عائشة (ض) ............................................................ رأي الصحابة الآخرين ١ - لا ترى انتقاض الوضوء بتقبيل المرأة ..................................... ابن عمر: ينتقض ٢ - لا ترى انتقاض الوضوء بحمل الجنازة .................................... أبو هريرة: ينتقض ٣ - لا يلزم المرأة نقض شعرها في غسل الجنابة .............................. ابن عمر: يلزمها ذلك ٤ - ترى وجوب الغسل بالتقاء الختانين ولو لم يحدث إنزال ................... جابر: الماء من الماء ٥ - القرء هو الطهر ......................................................... القرء هو الحيض عند الصحابة الآخرين ٦ - لا ترى وجوب الغسل بعد تغسيل الميت ................................. أبو هريرة: يجب الغسل ٧ - لا ترى تمشيط أشعار الميت إذا كانت امرأة ............................... أم عطية: ينبغي تمشيطها ٨ - لا ترى بطلان الصلاة بمرور المرأة ........................................ أبو هريرة: تبطل ٩ - ترى إقامة صلاة الفجر في الغلس ........................................ رافع بن خديج: تصلى في الإسفار ١٠ - ترى التعجيل في صلاة العصر .......................................... أم سلمة: ينبغي أن تؤخر ١١ - ترى التعجيل في صلاة المغرب ......................................... أبو موسى الأشعري: ينبغي أن تؤخر ١٢ - ترى عدم بطلان الصوم إذا أصبح الصائم جنبا ........................... أبو هريرة: يبطل ١٣ - ترى التعجيل في الإفطار ............................................... أبو موسى الأشعري: ينبغي أن يؤخر ١٤ - ترى جواز أكل لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام ........................... علي، وابن عمر: لا يجوز ١٥ - النزول في وادي المحصب في الحج ليس سنة ......................... ابن عمر: هو سنة ١٦ - جواز التطيب بعد الحلق في الحج ..................................... ابن عمر: لا يجوز

стр. 269

١٧ - من أهدى الهدي إلى ببت الله الحرام فلا يحرم عليه ما يحرم على الحاج .......... ابن عباس: يحرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر هديه ١٨ - الحائض لا تنتظر في الحج طواف الوداع ......................................... ابن عمر: تنتظر ١٩ - ترى جواز لبس الثياب المعصفرة للنساء في الحج .................................. عمر: يكره لها ذلك ٢٠ - يكفي للنساء تقصير بعض الرأس في الحج ........................................ ابن الزبير: يلزم تقصير ربع الرأس على الأقل ٢١ - لا ترى وجوب الزكاة في الحلي (في رواية) ......................................... الآخرون: تجب الزكاة ٢٢ - ترى وجوب الزكاة في أموال اليتامى والصغار ....................................... ابن مسعود: لا تجب ٢٣ - عدة الحامل المتوفى عنها زوجها وضع الحمل ..................................... ابن عباس: عدتها بأقصى الأجلين ٢٤ - تخيير الزوج زوجته لا يعد طلاقا .................................................. زيد بن ثابت، وعلي: تقع طلقة واحدة ٢٥ - ترى ثبوت الحرمة برضاعة الكبير ................................................. بقية أمهات المؤمنين: لا تثبت (١) ٢٦ - لا ترى ثبوت الرضاعة بأقل من خمس رضعات .................................... بعض الصحابة: تثبت برضعة واحدة (٢)

стр. 270

٢٧ - أيما عبد كاتب على مبلغ فأداه إلا حبة فهو عبد ..................................... الآخرون: إذا بقي عليه أقل من درهم فليس بعبد ٢٨ - تقطع اليد في سرقة قيمتها ثلاثة دراهم على الأقل ................................... ابن عباس، وابن مسعود: لا قطع في أقل من عشرة دراهم (١) ٢٩ - لا طلاق ولا عتاق في الإغلاق ...................................................... الأحناف: يعتق العبد ويقع الطلاق ٣٠ - المطلقة ثلاثا تعتد في بيت زوجها ولا تخرج .......................................... فاطمة بنت قيس: يجوز خروجها من بيت زوجها. ٣١ - لو خلف الميت بنتين وبنت بنت واحدة وابن ابن واحد، فالثلثان للبنتين والباقي بين بنت البنت وابن الابن .................... ابن مسعود: الباقي لولد الولد فقط (٢) ولا نصيب فيه لبنت البنت. بالإضافة إلى عدد كبير من الآراء الفقهية والمسائل الفرعية التي تزخر بها كتب الأحاديث، ومعظمها موجود في موطأ الإمام مالك (ح)، وينبني عليه فقه أهل المدينة. ...

стр. 271

البحث الرابع علمها بالتوحيد أو العقيدة كما أن الإسلام دين اليسر والسهولة غاية في السماحة، فكذلك عقائده التي ينبني عليها صرح هذا الدين وقاعدته كذلك كانت صافية نقية سمحة منسجمة مع طبيعة البشر بكل معانيها، لكن التعايش مع الديانات الأخرى والاختلاط مع الثقافات والحضارات المختلفة، وكذلك المجادلات الكلامية والمناقشات العقلية التي لا طائل من ورائها - كل ذلك ساعد على ظهور شتى الآراء ومختلف الأفكار والنظريات تجاه هذه العقيدة، وذلك بعد انقراض عصر الصحابة، وإذا أمعنا النظر في العصر النبوي نجد أن قول النبي ﷺ كان هو الحل الوحيد الفصل القاطع والحاسم لكل مشكلة يواجهها أحد في أمر دينه. إذا كان هناك أحد اعتراه شك أو وقع في شبهة نحو قضية ما فإنه سرعان ما يراجع النبي ﷺ ويروي غليله من عنده، ولما انقرض العصر النبوي المبارك السعيد كان الصحابة هم المرجع الأساسي في كل ما يواجهه المسلمون من الوقائع والمستجدات والمستحدثات، فإن وجدوا لها حلا في آية صريحة أو حديث فبها ونعمت، وإلا فكانوا يلجؤون إلى الاجتهاد والقياس في ضوء الكتاب والسنة. وفي الأسطر الآتية نتناول ما ثبت عن أم المؤمنين عائشة (ض) من المرويات في باب العقيدة والتوحيد. إثبات اليد ونحوها لله : لقد كثر الجدل والنقاش والنزاع حول هذه المسألة العقدية في القرن

стр. 272

الثاني الهجري بعد وفاة عائشة (ض) بكثير، وذلك أن الكتاب والسنة أثبتا لله اليد والرجل والعين، فهل المراد بها أعضاء حقيقية كما تقتضيه اللغة، أم تحمل على المعنى المجازي، فاليد هل هي اليد الحقيقية أم يراد بها القوة والقدرة؟ وكذلك العين هل المراد بها الباصرة الحقيقية أم العلم؟ وهلم جرا، ورغم أن الصحابة الكرام (ض) لم يتطرقوا إلى تفاصيل هذه المسألة، إلا أن عقيدة السلف الصالح في هذا الباب هي إثبات هذه الصفات لله وإمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تمثيل، والإيمان بمعانيها الحقيقية، وعدم الخوض في تفاصيلها، ولعل أم المؤمنين عائشة (ض) تميل إلى هذا المذهب، كما تدل عليه مقالتها في صحيح البخاري: ((الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات)) (١). رؤية الباري تعالى: زعمت المعتزلة ومن نحا نحوهم استحالة رؤية الله تعالى في الدنيا والآخرة، وأثبتها جمهور أهل السنة والجماعة سلفا وخلفا، ليس فقط إمكانية الرؤية، وإنما وقوعها كذلك، كما أن مذهب أهل السنة استحالة رؤية الباري تعالى في الدنيا، أما في الآخرة فتتحقق رؤيته تعالى وينظر إليه المسلمون كما ينظرون إلى القمر ليلة البدر، إلا أن عائشة (ض) صرحت في أكثر من رواية وقالت لتلاميذها: ((من حدثك أن محمدا ﷺ رأى ربه فقد كذب)) (٢)، ثم قرأت: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] (٣) ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾

стр. 273

[الشورى: ٤٥١] ولم تحصل المعتزلة إلى يومنا هذا على دليل أقوى من هذه الآية، وكان ابن عباس (ض) يقول: إن النبي ﷺ تشرف برؤية الباري تعالى في المعراج، وكان يستدل بآيتي سورة النجم: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣] ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨] (١) بينما تقول عائشة (ض): إن المقصود في الآية أن الرسول ﷺ رأى جبريل (٢) ولم ير الله تعالى، وهذا ما يتضح لنا بعد التأمل في الآيات التي بعدها وهي: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (*) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ [النجم: ٥، ٦]. ونظرا إلى هذه الروايات عن عائشة (ض) يزعم المعتزلة أنها من منكري رؤية الله تعالى، والواقع أنها أنكرت الرؤية في الدنيا فقط وليس في الآخرة، وهو الواضح جليا إذا أنعمنا النظر في ألفاظ الحديث: ((ومن حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب)) فالمقصود من ذلك إنكار رؤية الله في المعراج لا في الآخرة، وبالتالي فلا علاقة لمقالة عائشة (ض) بعقيدة إنكار رؤية الله تعالى البتة. علم الغيب: معلوم من الدين بالضرورة أن الغيب لا يعلمه إلا الله، فهو يليق بجلالة شأنه ويجدر بعظيم سلطانه أن يكون عنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو، فإنه تعالى عالم الغيب والشهادة قال تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] ويزعم البعض أن الاطلاع على سائر المغيبات من خصائص النبي ﷺ ، وقد أنكرت عائشة (ض) على هذه العقيدة بشدة، فكانت تقول: ((ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب)) ثم قرأت: ﴿مَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ (٣) فنفي علم الغيب عن كل واحد يتضمن النفي عن النبي ﷺ كذلك.

стр. 274

تقول الربيع بنت معوذ بن عفراء: جاء النبي ﷺ فدخل حين بني بي، فجلس على فراشي، فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر، إذ قالت إحداهن: ((وفينا نبي يعلم ما في غدا) فقال: ((دعي هذه وقولي بالذي كنت تقولين)) (١) فقوله ﷺ : ((دعي هذه ..)) ينفي كل أنواع وأصناف علم الغيب عنه ﷺ مطلقا، ويستثنى من هذا ما يطلع الله تعالى أنبياءه عليه من أمور الغيب لحكمة لا يعلمها إلا هو. الرسول ﷺ وكتمان ما أنزل الله: من المستحيل أن يسيء أحد الظن بالرسول ﷺ إلى درجة أن يقول إنه ﷺ كتم شيئا مما أنزل الله تعالى عليه، تقول عائشة (ض): ((من حدثك أن محمدا ﷺ كتم شيئا من الوحي فلا تصدقه، إن الله تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] (٢) كما أنها كانت تستدل على عدم كتمانه، بما أنزل الله تعالى من الآيات في قصة زيد، ومعروف أنه لا أحد يرضى أن يعلن عن شيء من مواضع ضعفه على رؤوس الأشهاد، مع أنه يوجد في القرآن الكريم عدد من الآيات نبه الله تعالى فيها الأنبياء على أخطائهم الاجتهادية، وكان زواج النبي ﷺ بزوجة ابنه المتبنى موضع نقد شديد وكراهة لدى جهلة العرب، وقد فصل القرآن الكريم هذه الواقعة كل تفصيل، فتقول عائشة (ض): ((لو كان رسول الله ﷺ كاتما شيئا مما أنزل الله عليه لكتم هذه الآيات على نفسه: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] ولم يكتمها النبي ﷺ ،

стр. 275

فدل ذلك على أن النبي ﷺ بلغ أمته كل ما أنزل الله عليه من غير شطط أو نقص أو تقصير. عصمة الأنبياء: اختلفت عائشة، وابن عباس (ض) في قراءة آية من سورة يوسف، فقرأها ابن عباس (ض): ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ خفيفة، وأما عائشة (ض) فسألها عروة عن هذه الآية فقالت: ((معاذ الله لم تكن الرسل تظن ذلك بربها)) وكانت تقرأ: ((كذبوا)) وقالت: ((هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم فطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر، حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك)) (١). المعراج الروحي: لقد اختلفت روايات الإسراء والمعراج هل أسري به ﷺ بروحه أم بجسده؟ وهل كان ذلك في النوم أم في اليقظة؟ أما القرآن الكريم فقد عبر عنه بالرؤيا حيث قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] كما عبر عنه في موضع آخر برؤية القلب حيث قال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١] وفي رواية صحيح البخاري صرح النبي ﷺ فقال: ((بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان)) (٢) وفي رواية أخرى قال بعد ذكر تفاصيل المشاهدات والوقائع: ((فاستيقظت)). وذكر ابن إسحاق أن عائشة (ض) كانت تقول بالمعراج الروحي، ونصه: حدثني بعض آل أبي بكر أن عائشة زوج النبي ﷺ تقول: ((ما فقدت جسد رسول الله ﷺ ولكن أسري بروحه)) (٣) وقد اعترض القاضي عياض (ح) في

стр. 276

كتابه: ((الشفا بتعريف حقوق المصطفى)) (١) على هذه الرواية، ونقله عنه القسطلاني حرفيا فقال: وأما قول عائشة: ((ما فقدت جسده)) فعائشة لم تحدث به عن مشاهدة، لأنها لم تكن حينئذ زوجة، ولا في سن من يضبط، ولعلها لم تكن ولدت بعد، على الخلاف في الإسراء متى كان، ... فإذا لم تشاهد ذلك عائشة دل على أنه حدثت بذلك عن غيرها، فلم يرجح خبرها على خبر غيرها، وغيرها يقول خلافها مما وقع نصا في حديث أم هانىء وغيره، وأيضا فليس حديث عائشة (ض) بالثابت، والأحاديث الأخر أثبت، لسنا نعني حديث أم هانىء، وما ذكرت فيه خديجة، وأيضا فقد روي في حديث عائشة: ((ما فقدت)) ولم يدخل بها النبي ﷺ إلا بالمدينة، وكل هذا يوهنه، بل الذي يدل عليه صحيح قولها: ((إنه بجسده الشريف لإنكار رؤيته لربه رؤية عين، ولو كانت عندها مناما لم تنكره، وحديثها هذا ليس بثابت عنها)) (٢). وإن صح ما قاله القاضي عياض فيلزم منه ترك عدد كبير من تلك الأحاديث التي صححها جمهور المحدثين، وصححها القاضي نفسه، وكلها تتعلق بحوادث ما قبل ولادة أم المؤمنين عائشة (ض)، مثلا أحاديث بدء الوحي، فإن معظمها مروية عن طريق عائشة (ض) ولم يروها أحد غيرها بذاك التفصيل الذي روته عائشة (ض)، بل إن مروياتها هي الأساس والمصدر الأصيل للاطلاع على تفاصيل هذه الوقائع، إذن تكون رواية بدء الوحي أكثر تضررا بهذا النقد والاعتراض من رواية الإسراء والمعراج، لأنها لم تكن ولدت عند بدء الوحي قطعا، أما حادث المعراج فقد وقع بعد أعوام من ذلك، والأصل وكما صرح به العلامة الزرفاني، وابن دحية، وابن سريج أن هذه الرواية لم تثبت عن عائشة (ض)، لأن راوي الحديث هو محمد بن إسحاق وقد ضعفه بعض المحدثين، وهو يروي عن مجهول (شخص من آل أبي بكر)

стр. 277

عن عائشة (ض)، فيوجد انقطاع بين شيخ ابن إسحاق، وعائشة (ض)، وعلى هذا فلا يحتج بهذه الرواية. الصحابة عدول: مذهب أهل السنة والجماعة أن الصحابة كلهم عدول مطلقا لظواهر الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به بالشهادة لهم بذلك، إلى أن يثبت عن أحد منهم شيء ينافي العدالة. كان أهل مصر، والعراق، والشام يتلاعنون فيما بينهم، وكل فريق يطعن على الفريق الآخر من الصحابة، كما يسب بعضهم بعضا في الحروب الأهلية التي صارت بعد استشهاد عثمان (ض) وكان فيها علي ومعاوية (ض)، فلما سمعت عائشة (ض) بذلك قالت: إن هذا الأمر - تقصد التلاعن والسب والشتم - مناقض لما أمر الله تعالى به في صحابة رسوله ﷺ واستدلت على ذلك بآية قرآنية وقالت: ((يا ابن أختي أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ فسبوهم)) (١) واستنبطت ذلك بما ذكره الله تعالى في مدح المهاجرين والأنصار: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]. الترتيب في أمر الخلافة: روى الإمام مسلم في صحيحه عن عائشة (ض) قالت: ((قال لي رسول الله ﷺ في مرضه: ادعي لي أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتابا، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر)) (٢) وعن ابن أبي مليكة قال: سمعت عائشة وقد سئلت من كان رسول الله ﷺ مستخلفا لو استخلفه؟ قالت: ((أبو بكر، فقيل لها: ثم من بعد

стр. 278

أبي بكر؟ قالت: عمر، ثم قيل لها من بعد عمر؟ قالت: أبو عبيدة بن الجراح، ثم انتهت إلى هذا)) (١). سماع الموتى: اختلفت أقوال الصحابة (ض) في مسألة سماع الأموات، فذهب عمر، وابن عمر، وابن عباس (ض) أجمعين إلى أن الموتى يسمعون، وذهبت عائشة (ض) إلى أنهم لا يسمعون، واحتجت على ذلك بالآيات القرآنية: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠] وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] فدل على أنهم لا يسمعون بعد الموت إلا أن يسمعوا شيئا في بعض الأحوال الخاصة. ...

стр. 279

البحث الخامس علمها بأسرار الشريعة مما لا شك فيه أن كل ما جاء من الله من الأحكام أنها تنبني على المصالح والحكم، وليس من الضروري أن يطلع العبد على هذه المصالح، إلا أن الله قد بين هذه المصالح رحمة بالعباد وشفقة عليهم، وشرح لهم في الكتاب العزيز مصالح الأحكام التي فرضت عليهم، وكذلك الرسول ﷺ ما سن للمؤمنين من سنن وشرع لهم من الفرائض والواجبات، فأحيانا بيين مصالحها بنفسه، وأحيانا بطلب من أحد واستفسار منه، وكان كبار الصحابة وساداتهم يعرفون هذه الدرر الثمينة والجواهر العلمية الغالية أتم المعرفة. وهذا الإمام العلامة الشاه ولي الله الدهلوي (١) الذي ألف كتابه ((حجة الله البالغة)) في علم أسرار الشريعة، رد فيه على الذين يقولون: إن سلفنا الصالح لما لم يتعرضوا لموضوع علم أسرار الشريعة، ولم يولوه عناية واهتماما فكيف تستطيعون؟ قلنا (القائل هو العلامة الدهلوي): ((لا يضر عدم تدوين السلف إياه بعدما مهد النبي ﷺ أصوله وفروعه، واقتفى أثره فقهاء الصحابة كأميري

стр. 280

المؤمنين عمر وعلي، وزيد وابن عباس وعائشة (ض) وغيرهم ممن بحثوا عنه وأبرزوا وجوها منه)) (١). ولو لم أتهم بتمجيد الأبطال والأعلام والحب المفرط لهم لوضعت اسم أم المؤمنين عائشة (ض) في رأس القائمة التي عملها العلامة الدهلوي لفقهاء الصحابة، وهذا لا يعني أنها كانت أوسع علما وأكثر معرفة واطلاعا ممن سبقها من أكابر الصحابة، بل الغرض من ذلك هو أنها كانت أكثر نشرا وإشاعة فيما بين الناس لهذه الخزائن العلمية المختومة والدرر المكنونة، وذخيرة الأحاديث والآثار خير دليل على هذه الدعوى. سبق أن ذكرنا أن النساء في عهد النبي ﷺ كن يشاركن الرجال في الصلاة في المساجد دون أي تردد، وتكون صفوفهن وراء صفوف الأطفال، وكان النبي ﷺ قد أوصى بعدم منع النساء من المساجد، فلما انقرض عهد النبوة المبارك، وكثرت الأموال والغنائم، ووجد الاختلاط مع غير المسلمين، وشاهدت أم المؤمنين عائشة (ض) هذه الأوضاع قالت: ((لو أدرك رسول الله ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن كما منعت نساء بني إسرائيل)) (٢). هذه واقعة جزئية لكنها تدل على أن أحكام الشريعة الغراء في نظر أم المؤمنين (ض) تنبني على حكم وأسباب، فإذا تغيرت تلك الأسباب والحكم يتغير الحكم، تقول عائشة (ض): ((جاء أفلح أخو أبي القعيس يستأذن عليها بعدما نزل الحجاب. وكان أبو القعيس أبا عائشة من الرضاعة، قالت عائشة: ((فقلت: والله لا آذن لأفلح حتى أستأذن رسول الله ﷺ ، فإن أبا القعيس ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأته، قالت عائشة: ((فلما دخل رسول الله ﷺ

стр. 281

قلت: يا رسول الله إن أفلح أخا أبي القعيس جاءني يستأذن علي، فكرهت أن آذن له حتى أستأذنك، قالت: فقال النبي ﷺ : ائذني له فإنه عمك (١) وقد تبين من هذا الحديث أنها كانت تبحث حتى عن المصالح العقلية في الأحكام. وفيما يأتي نتناول تلك المسائل التي كشفت عائشة (ض) النقاب عن مصالحها وحكمها وأسرارها في الأحاديث، وبالرغم من أننا استوعبنا في ذكر هذه المسائل كل كتب الأحاديث وقمنا باستقصائها وتتبعها، لكن الكمال لله ، ولذا فالتقصير وارد، ويمكن أن تكون هناك مسائل فاتتنا، ولم نطلع عليها. الترتيب في نزول القرآن الكريم: ينقسم القرآن الكريم من حيث أماكن النزول إلى قسمين: ١ - المكي: وهو ما نزل قبل الهجرة. ٢ - والمدني: وهو ما نزل بعد الهجرة. وكلا الصنفين يختلف بعضهما عن بعض في الخصائص المعنوية، وهذه الخصائص وإن لم تظهر لعامة الناس إلا أن الذين لهم براعة في معرفة اللغة العربية، واطلاع على مميزاتها ودقائق معانيها وأساليبها، فإنهم يقدرون على التمييز بين هذين الصنفين بمجرد سماع آيات السور، وأهم مميزات السور المكية، والمدنية كالتالي: السور المكية ................................................................... السور المدنية ١ - تكون غنية بالمشاعر والعواطف ........................................... ١ - تكون في غاية من العمق والقوة والرسوخ. ٢ - تستخدم فيها كلمات فخمة في قمة البلاغة والفصاحة .................... ٢ - تتميز بكلمات أصولية وتعبيرات وأساليب تشريعية.

стр. 282

٣ - تحتوي على آيات المواعظ والنصائح والتوحيد وذكر القيامة وآيات الحشر والنشر، وذكر الأمم والعذاب، في معظم الأحيان .......... ٣ - تحتوي على آيات الحدود والفرائض والأحكام. ٤ - تراعى فيها الفواصل وتكون قصيرة على العموم ............................... ٤ - يقل فيها استخدام الفواصل والسجع، وإن كانت فالفواصل كبيرة وطويلة. ٥ - لا تتناول المناظرات والمباحثات مع اليهود والنصارى ......................... ٥ - تكثر فيها المناظرات مع اليهود والنصارى. ٦ - قلما يطالب فيها بالأعمال والعبادات، وإنما يكون التركيز فيها على مباحث العقائد ....................... ٦ - يطالب فيها بالأعمال والعبادات ٧ - لا تتناول موضوعات الجهاد، وتقتصر على موضوع الدعوة والتبلغ والإرشاد والتلاطف في الكلام .......... ٧ - يكون فيها أمر بالجهاد وبيان لأحكام الجهاد مع الأمر بالدعوة والتبليغ والإرشاد. إن علماء ومحققي أوربة المستشرقين يفتخرون بهذا الاكتشاف العلمي ويعتزون به لكنهم يجهلون أن حرم النبي ﷺ وحاملة أسرار النبوة قد كشفت القناع عن هذا السر، وأفشته بين الناس قبل ألف وأربعمئة سنة، فقد ورد في صحيح البخاري من قولها (ض): ((إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام ثم نزل الحرام والحلال، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنا أبدا، لقد نزل بمكة وأنا جارية ألعب: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦] وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده)) (١). والمقصود أن الإسلام جعل من أصوله أن لا يوسع نطاق أحكامه وتعاليمه جملة واحدة، بل يختار في ذلك منهج التدرج والتمهل، وذلك لأن الله قد بعث هذا الدين في قوم من الأميين، فبدأ بذكر الجنة والنار بطريقة خطابية، وأسلوب رشيق جذاب مؤثر، ولما تأثروا بذلك انتقل بهم بعد

стр. 283

هذه المرحلة إلى إنزال الأحكام والحدود والفرائض، فنزلت آيات الأحكام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولو طولبوا بالامتناع عن الزنا والفواحش وشرب الخمر وغيرها من العادات السيئة من أول يوم لما كان لهذا النداء من ملب؟ ومعروف أن الفرق في اللغة، وطريقة الأداء والأسلوب ناجم عن الفرق في المعاني والمطالب، فلا يدعي أحد أن لغة وأسلوب كتاب المواعظ والإرشاد تكون نفس لغة وأسلوب كتاب قوانين التعزيرات. وسورة البقرة، والنساء التي تقول عائشة (ض) إنهما نزلتا في المدينة تتناولان موضوع المناظرات مع اليهود والنصارى، لأنهم كانوا في المدينة، وبما أن الدعوة الإسلامية تكون قد اكتملت في المدينة المنورة، نزلت فيها الأحكام، وقلت فيهما الفواصل بسبب استخدام أسلوب الأحكام والقوانين فيهما، وتقول (ض): إن سورة القمر نزلت بمكة، وفيها ذكر موضوع القيامة، لأن تلك فترة بداية الإسلام، وفيها الإنكار على المشركين والرد عليهم، لأن المواجهة كانت معهم هناك. واستخدمت فيها الفواصل الصغيرة لأنها تؤدي إلى إيجاد تأثير عميق في الأسلوب والبيان. وخلاصة القول: إن الفوارق الموجودة بين السور المكية، والمدنية هي بالنظر إلى الاختلاف في الأوضاع والظروف، واختلاف الأوضاع هو الذي أدى إلى الفرق في اختيار الأسلوب وطريقة الأداء واختيار اللغة. سر نجاح الدعوة الإسلامية في المدينة المنورة: قد يظن البعض أن هذا السؤال لم يكن متوقعا أن يطرحه أحد قبل القرن العشرين، والتاريخ لم يتطور إلى درجة أن يسعه إنشاء مثل هذه الأسئلة، واليوم إذا جلس كبار المؤلفين وأفاضل الكتاب لكي يحلوا هذه العقدة ويزيحوا الستار عنها فإنهم يحسبون أنهم يصنعون الأعاظم ويفعلون الأفاعيل، ولكن الواقع أن الشخص الذي حدثت أمامه هذه الوقائع وهو يشاهدها بأم عينيه، لم يكن جاهلا بهذا السر الخفي، ولم تخف عليه هذه الحكمة. ومما لا شك فيه أن اتساع نطاق دعوة الإسلام ونموه وتطوره في جو

стр. 284

مكون من التيارات المضادة، والهجمات الشرسة والضربات المعادية إنما هو معجزة ربانية بحتة، ولكن ليس من اللازم ظهور المعجزات من دون الأسباب أو الدوافع المؤدية إلى ظهورها، بل إن إيجاد هذه الأسباب والدوافع وتهيئتها وجمعها في وقت مناسب وملائم بفضل من الله تعالى كذلك يعتبر نوعا من المعجزات التي لا تتيسر ولا يتهيأ لكل عمل يعمله الإنسان، وإلا لما فشلت حركة قط في هذه المعمورة، مع أننا نرى آلافا من الحركات التي تبوء بالفشل ولا تتكلل بالنجاح لعدم توفر الأسباب. كانت قبائل المدينة قد شغلتها الحروب الأهلية فيما بينها قبل بزوع شمس الإسلام، وراح ضحيتها معظم زعماء هذه القبائل، الذين كانوا أكبر عائق وأخطر حاجز في سبيل الدعوة، وذلك خوفا منهم أن تتضرر بها مناصبهم وسيادتهم، وهذه الحروب قد أتعبت الأنصار وأرهقتهم إلى حد أنه لما طلع فجر الإسلام وجدوا فيه ضالتهم، وحصلوا على بغيتهم، وحسبوا أنه رحمة لهم، وبما أن طبقة الزعماء قد قضت عليها الحروب لم يعد أحد يتمكن من إحداث الحواجز في طريقها، وبهذا يكون قد مهد الله كل طرق لنمو شجرة الإسلام وتطوره من جميع الجوانب وسائر النواحي في المدينة المنورة. تقول عائشة (ض): ((كان يوم بعاث يوما قدمه الله لرسوله ﷺ فقدم رسول الله ﷺ وقد افترق ملؤهم، وقتلت سراتهم وجرحوا، فقدمه الله لرسوله ﷺ في دخولهم في الإسلام)) (١). الاغتسال يوم الجمعة: الاغتسال يوم الجمعة واجب، وهذه أم المؤمنين عائشة (ض) توضح لنا سبب هذا الوجوب فتقول: ((كان الناس ينتابون يوم الجمعة من منازلهم والعوالي، فيأتون في الغبار

стр. 285

يصيبهم الغبار والعرق فيخرج منهم العرق، فأتى رسول الله ﷺ إنسان منهم وهو عندي فقال النبي ﷺ ((ولو تطهرتم ليومكم هذا)) (١). تقصير الصلاة في السفر: شرع في الإسلام تقصير الصلاة في السفر، فتصلى ذوات الأربع ركعتين، ويبدو ظاهرا أن سبب هذا التقصير وعلته هو التسهيل والتيسير، إلا أن عائشة (ض) تروي لنا سببا آخر تقول: ((فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي ﷺ ففرضت أربعا وتركت صلاة السفر على الأولى)) (٢). النهي عن الصلاة بعد الفجر وبعد العصر: روي في الأحاديث الصحيحة عن عمر (ض) أن النبي ﷺ ((نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس وبعد العصر حتى تغرب، (٣) وليس هناك سبب ظاهري لهذا المنع، لأن العبادة مأمور بها في كل الأوقات، وها هي عائشة (ض) تكشف الستار عن هذا الإشكال، وتوضح لنا سبب المنع فتقول: ((وهم عمر، إنما نهى رسول الله ﷺ أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها)) (٤) يعني حتى لا يكون هناكاشتباه بعبادة الشمس أو لا يظن التشابه مع المجوس في وقت العبادة. الصلاة جلوسا: روي عن النبي ﷺ أنه كان يصلي النوافل جالسا في بعض الأحيان، فاستحب بعض الناس أن يصلوا النوافل جالسين ولو من دون عذر، علما بأن
следующие страницы →