الجرجاني في تاريخ جرجان (١/ ٤٧٨) من طريق أبي عصام العسقلاني، والبغوي في شرح السنة (١٢٤٢) وابن عساكر (٧٠/ ٥٢) من طريق يحيى بن عبد الله، وابن عساكر (٢٥/ ٢١٢) من طريق عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين كلهم عن الأوزاعي بهذا الإسناد.
وذكره البخاري في صحيحه (١٣/ ٤٩٩) تعليقاً.
هكذا قال الأوزاعي (عن إسماعيل، عن أم الدرداء، عن أبي هريرة).
خالفه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر (١)، ومحمد بن مهاجر (٢)، وربيعة بن يزيد (٣)، وسعيد بن عبد العزيز (٤).
فقالوا: (عن إسماعيل، عن كريمة بنت الحسحاس (٥)، عن أبي هريرة) وقد تابعهم الأوزاعي في رواية أيوب بن سويد عنه (٦).
وروي بإسناد ثالث عن الأوزاعي.
فقد روى بشر بن بكر (٧) وعبد الحميد بن حبيب بن أبي
стр. 1122
العشرين (١) عن الأوزاعي عن إسماعيل، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء.
قال الحافظ: «وروي عن عبد الحميد بن أبي العشرين عن الأوزاعي عن إسماعيل عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء وهو المحفوظ عن الأوزاعي وأنه كان يهم بذكر أبي الدرداء فيه» (٢).
وقال الدارقطني: يرويه إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر واختلف عنه:
فرواه الأوزاعي عن إسماعيل بن عبيد الله قال: حدثتني أم الدرداء عن أبي هريرة. قاله أبو المغيرة عنه ووهم فيه.
وخالفه محمد بن مهاجر وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، روياه عن إسماعيل بن عبيد الله قال: حدثتني كريمة بنت الحسحاس قالت: حدثنا أبو هريرة في بيت أم الدرداء وهو الصواب (٣).
стр. 1123
الحديث الثامن (١):
٢٣٣ - قال الإمام أحمد ﵀ (٥/ ٣٦١): حدثنا وكيع، حدثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي المهاجر، عن بريدة ﵁ قال:
كنا معه في غزاة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بكِّروا بالصلاة في اليوم الغيم، فإنه مَنْ فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله».
التعليق:
هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين.
وأخرجه ابن ماجه (٦٩٤) وابن أبي شيبة (١/ ٣٤٢) و (٢/ ٢٣٧) وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٣٦٦، ٣٨١) وابن حبان (١٤٧٠) والبيهقي (١/ ٤٤٤) والخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق (٢/ ٢٨٦) وابن عدي في الكامل (٣/ ١٧٨) من طريق الوليد بن مسلم، ورواه ابن الجراح، وعيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي.
هكذا رواه الأوزاعي فقال: (عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي
стр. 1124
المهاجر، عن بريدة عن النبي ﷺ أنه قال: «بكروا بالصلاة في اليوم الغيم، فإنه مَنْ فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله».
خالفه هشام بن أبي عبد الله الدستوائي (١)، وشيبان بن عبد الرحمن النحوي (٢)، ومعمر بن راشد الأزدي (٣) فقالوا: (عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي المليح قال: كنا مع بريدة في غزوة في يوم ذي غيم فقال: بكروا بصلاة العصر فإن النبي ﷺ قال: «مَنْ ترك صلاة العصر فقد حبط عمله»).
هذا لفظ هشام ورواية شيبان ومعمر مختصراً بذكر المرفوع.
فوهم الإمام الأوزاعي ﵀ في إسناده ومتنه.
أولاً: في الإسناد، قوله: (عن أبي المهاجر، عن بريدة) والصحيح هو (عن أبي المليح (٤)، عن بريدة).
ثانياً: في المتن، حيث أدرج قول بريدة في حديث الرسول ﷺ فجعله كله مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، فإن قوله: «بكروا بالصلاة في اليوم الغيم» إنما هو من قول بريدة وليس من حديث النبي ﷺ ، بل إن في هذا القول إشكالاً فإنه يستحب تأخير الصلاة حتى يتأكد من دخول الوقت.
стр. 1125
وهناك نكتة أخرى في المتن حيث قال الأوزاعي: «مَنْ فاته صلاة العصر»، وفي رواية الجماعة: «مَنْ ترك صلاة العصر» زاد معمر في روايته: «متعمداً» ولا شك أن هذا هو الأصوب في مقابلة الجزاء وهو قوله: «حبط عمله».
ذكر الحافظ ابن عساكر بسنده في تاريخ دمشق (٣٥/ ١٨١) عن يعقوب بن شيبة قال: قال أحمد بن حنبل: حديث الأوزاعي عن يحيى مضطرب.
وقال الحافظ ابن رجب في شرح علل الترمذي (٢/ ٦٤٥): (تكلم الإمام أحمد في حديث الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير خاصة وقال: لم يكن يحفظه جيداً فيخطاء فيه، وكان يروي عن يحيى عن أبي قلابة عن أبي المهاجر، وإنما هو أبو المهلب.
وقال مهنا: سألت أحمد عن حديث الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير؟
قال أحمد: كان كتاب الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قد ضاع منه فكان يحدّث عن يحيى بن أبي كثير حفظاً) اه.
قال ابن حبان (٤/ ٣٣٣): وهم الأوزاعي في صحيفته عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة فقال: عن أبي المهاجر، وإنما هو أبو المهلب عم أبي قلابة واسمه عمرو بن معاوية بن زيد الجرمي.
قال البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٤٤٩): (وروى الأوزاعي أيضاً أحاديث عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أبي المهاجر، ولا يصح من أبي قلابة عن أبي المهاجر شيء).
قال ابن رجب في فتح الباري (٣/ ١٢٦):
стр. 1126
وقال الإمام أحمد في رواية مهنا: (هو خطأ من الأوزاعي والصحيح حديث هشام الدستوائي، وذكر أيضاً أن أبا المهاجر لا أصل له، إنما هو أبو المهلب عم أبي قلابة، كان الأوزاعي يسميه أبا المهاجر خطأ، وذكره في هذا الإسناد من أصله خطأ، فإنه ليس من روايته إنما هو من رواية أبي المليح. كذا قال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله).
ثم قال ابن رجب: «وقيل: عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أبي المليح كما رواه هشام عن يحيى، وخرجه من هذا الوجه الإسماعيلي في صحيحه.
وقيل: عن الأوزاعي، عن يحيى، عن ابن بريدة.
وقيل: عن الثوري، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي قلابة، بغير واسطة بينهما.
وهذا كله مما يدل على اضطراب الأوزاعي فيه وعدم ضبطه».
ثم قال ابن رجب موضحاً وهم الأوزاعي في المتن:
(وأما متنه فقد قال الأوزاعي فيه: إن بريدة قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة فقال: «بكِّروا بالصلاة في اليوم الغيم، فإنه مَنْ فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله».
فخالف هشاماً في ذلك فإن هشاماً قال في روايته: إن أبا المليح قال: كنا مع بريدة في غزوة في يوم غيم فقال أي: بريدة: بكِّروا بصلاة العصر فإن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ ترك صلاة العصر فقد حبط عمله».
стр. 1127
فلم يرفع منه غير هذا القدر، وجعل الذين كانوا معه في الغزوة في يوم الغيم والذي أمر بالتبكير بصلاة العصر هو بريدة، وهو الصحيح.
واللفظ الذي رواه الأوزاعي لو كان محفوظاً لكان دليلاً على تأخير العصر في غير يوم الغيم، ولكنه وهم) اه.
وقال الحافظ في الفتح (٢/ ٣٢): (وتابع هشاماً على هذا الإسناد عن يحيى بن أبي كثير شيبان ومعمر وحديثهما عند أحمد، وخالفهم الأوزاعي فرواه عن يحيى عن أبي قلابة عن أبي المهاجر عن بريدة، والأول هو المحفوظ).
الدلالة الفقهية:
الصحيح كما سبق وبيّنّا أن قوله: «بكروا بالصلاة في اليوم الغيم» هو من قول بريدة لأصحابه في إحدى الغزوات وليس من قول النبي ﷺ .
وفيه إشكال وهو أنه في يوم الغيم الأصل أنه لا يستحب فيه التبكير بالصلاة لأنه لا يعرف دخول الوقت وإنما الأفضل تأخير الصلاة حتى يتيقن من دخول الوقت.
قال ابن رجب في فتح الباري (٣/ ١٢٨):
والقول بالتبكير لجميع الصلوات في يوم الغيم مما لا يعرف به قائل من العلماء، …
فإن التبكير بالصلوات في يوم الغيم مطلقاً يخشى منه وقوع
стр. 1128
الصلاة قبل الوقت وهو محذور والأفضل أن لا يصلي الصلاة حتى يتيقن دخول وقتها.
فإن غلب على ظنه فهل يجوز له الصلاة حينئذٍ أم لا؟ فيه قولان:
أحدهما: أنه جائز، وهو قول الثوري والشافعي وأكثر أصحابنا.
والثاني: لا يجوز حتى يتيقن، وهو وجه لأصحابنا وأصحاب الشافعي …
وقد اختلف العلماء في الصلاة يوم الغيم:
فقال الشافعي: يحتاط ويتوخى أن يصلي بعد الوقت، أو يحتاط بتأخيرها ما بينه وبين أن يخاف خروج الوقت.
وقال إسحاق نحوه.
ولا يستحب عند الشافعي التأخير في الغيم مع تحقق دخول الوقت، إلا في حال يستحب التأخير في الصحو كشدة الحر ونحوه.
وحكى بعض أصحابنا مثل ذلك عن الخرقي، وحكاه أيضاً رواية عن أحمد.
وعن أبي حنيفة رواية باستحباب تأخير الصلوات كلها مع الغيم.
وقالت طائفة: يؤخر الظهر ويعجل العصر، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء مع الغيم.
وهو قول أبي حنيفة والثوري وأحمد، وحكي أيضاً عن الحسن والأوزاعي ونقله ابن منصور عن إسحاق.
стр. 1129
الحديث التاسع (١):
٢٣٤ - قال أبو عبد الرحمن النسائي في السنن الكبرى (٧١٨٨): أخبرنا إسحاق بن منصور المروزي، قال: أخبرنا محمد بن يوسف، قال: ثنا الأوزاعي، قال: حدثني يحيى، قال: حدثني أبو قلابة، عن أبي المهاجر، عن عمران بن الحصين قال:
اشتكت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إني أصبت حداً فأقمه عليّ، فدعا وليها فقال: «أحسن إلى هذه حتى تضع ما في بطنها، فإذا وضعت ما في بطنها فأتِ بها»، فلما وضعت ما في بطنها أتى بها لرسول الله ﷺ ، فأمر بها رسول الله ﷺ فشكت عليها ثيابها ثم أمر بها فرُجمت ثم صلّى عليها، فقالوا: يا رسول الله أتعفو عنها وقد
стр. 1130
زنت؟ قال: «قد تابت توبة لو قسمت بين سبعين لوسعتهم وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بمهجة نفسها إلى الله».
التعليق:
هذا إسناد صحيح رجاله رجال الشيخين غير أبي المهلب فهو من رجال مسلم.
والحديث أخرجه كذلك ابن ماجه (٢٥٥٥) وابن حبان (٤٤٠٣) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٣٠٠) من طريق الوليد بن مسلم وعمر بن عبد الواحد كلاهما عن الأوزاعي، إلا أن الأوزاعي وهم فيه فقال: عن أبي المهاجر، وإنما هو أبو المهلب لما رواه الثقات من أصحاب يحيى بن أبي كثير، وهم: هشام الدستوائي (١)، ومعمر (٢)، وأبان العطار (٣)، وعلي بن المبارك (٤) فرووه عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن الحصين.
لذا قال النسائي عقب الحديث (٤/ ٢٨٤): (لا نعلم أحداً تابع الأوزاعي على قوله: عن أبي المهاجر وإنما هو أبو المهلب).
ثم أخرج الحديث من طريق هشام وقال: (أبو المهاجر خطأ والصواب أبو المهلب).
стр. 1131
وقال ابن حبان (١٠/ ٢٥٢): (وهم الأوزاعي في كنية عم أبي قلابة، إذ الجواد يعثر، فقال: عن أبي قلابة، عن عمه أبي المهاجر، وإنما هو أبو المهلب، اسمه عمرو بن معاوية بن زيد الجرمي من ثقات التابعين وسادات أهل البصرة).
وقد سبق إلى بيان خطأ الأوزاعي في قوله: أبي المهاجر يحيى بن معين فقال: (الذي يروي الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أبي المهاجر إنما هو أبو المهلب، ولكن الأوزاعي قلب كنيته، والذي يروي عن أبي المهلب أثبت من الأوزاعي) (١).
وقد رواه الأوزاعي مرة ثانية فقال: (أبو المهلب) فوافق الجماعة (٢).
علة الوهم:
الأوزاعي إمام حافظ وقد أكثر الرواية عن يحيى بن أبي كثير إلا أن كتبه تلك احترقت فكان يحدث من حفظه. فلعل ذلك هو سبب وهم الأوزاعي.
قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: زعموا أن كتبه يعني الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير ضاعت (٣).
وقال مهنا: سألت أحمد عن حديث الأوزاعي عن يحيى بن أبي
стр. 1132
كثير، قال أحمد: كان كتاب الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قد ضاع منه فكان يحدّث عن يحيى بن أبي كثير حفظاً (١).
قال الفسوي: سمعت عباس بن الوليد بن مزيد يذكر عن شيوخهم قالوا: قال الأوزاعي: فجالسته أي: يحيى بن أبي كثير وكتبت عنه أربعة عشر كتاباً أو ثلاثة عشر فاحترق كله) (٢).
لذا قدّم أهل الحديث أصحاب يحيى بن أبي كثير ممن هم دون الأوزاعي في حديثهم عن يحيى على الأوزاعي:
قال أبو زرعة الدمشقي: سألت أحمد بن حنبل عن أصحاب يحيى بن أبي كثير فقال: هشام، قلت: ثم مَن؟ قال: ثم أبان، قلت: ثم مَن؟ فذكر آخر، قلت له: فالأوزاعي؟ قال: الأوزاعي إمام (٣).
وذكر الإمام أحمد أصحاب يحيى بن أبي كثير فقال: (هشام يرجع إلى كتاب والأوزاعي حافظ) (٤).
وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة قلت في حديث يحيى بن أبي كثير: مَنْ أحب إليك هشام أو الأوزاعي؟ قال: هشام أحب إليّ لأن الأوزاعي ذهبت كتبه (٥).
стр. 1133
الحديث العاشر (١):
٢٣٥ - قال الإمام أبو داود ﵀ (٣٢٠١):
حدثنا مُوسَى بن مَروان الرَّقِّيُّ، ثنا شُعَيْبٌ يَعْنِي بن إسحاق عن الأَوْزَاعِيِّ، عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ، عن أبي سَلَمَة، عن أبي هُرَيْرَةَ قال:
صلّى رسول الله ﷺ على جَنَازَةٍ فقال: «اللهم اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، اللهم مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ على الإِيمَانِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنّا فَتَوَفَّهُ على الْإِسْلَامِ، اللهم لَا تَحْرِمْنَا أَجْرهُ ولا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ».
التعليق:
هذا إسناد رجاله ثقات رجال الصحيح غير موسى بن مروان وقد توبع في طبقة شيخه شعيب.
وأخرجه الترمذي (١٠٢٤) والنسائي في الكبرى (١٠٩١) وعمل اليوم والليلة (١٠٨٠) والطبراني في الدعاء (١١٧٤) وابن حبان (٣٠٧٠) وابن جرير في تهذيب الآثار الجزء المفقود (٢١٩) والحاكم
стр. 1134
(١/ ٣٥٨) والطحاوي (٩٧١) وأبو يعلى (٦٠٠٩) والبيهقي (٤/ ٤١) كلهم من طرق (هقل بن زياد، وأبو المعتز، والوليد بن مسلم، ومحمد بن كثير، وإسماعيل بن عياش، كلهم عن الأوزاعي بهذا الإسناد).
هكذا قال الأوزاعي: (عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ .
خالفه هشام الدستوائي (١)، وسعيد بن أبي عروبة (٢)، ومعمر (٣)، وعلي بن المبارك (٤)، وأبان بن يزيد العطار (٥)، وهمام بن يحيى (٦) فقالوا: (عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عن النبي ﷺ مرسلاً.
وتابعهم الأوزاعي في رواية رواها عنه الوليد بن مزيد وبشر بن بكر فوافق الجماعة عن يحيى عن أبي سلمة مرسلاً (٧).
وقد صحّح المرسل الأئمة: البخاري والترمذي وأبو حاتم والدارقطني والبيهقي.
وقد اختلف على يحيى بن أبي كثير في هذا الحديث على أوجه صحح أهل العلم منها وجهين:
стр. 1135
الأول: يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن عن النبي ﷺ مرسلاً كما تقدم.
الثاني: يحيى بن أبي كثير، عن أبي إبراهيم الأشهلي عن أبيه. هكذا رواه عنه جماعة من أصحابه الثقات وهم:
هشام بن عبد الله الدستوائي (١)، وأبان بن يزيد العطار (٢)، وحرب بن شداد (٣)، ومحمد بن يعقوب (٤)، ورواه الأوزاعي (٥) نفسه هكذا، رواه عنه: هقل بن زياد، والوليد بن مسلم، وبشر بن بكر، والوليد بن مزيد، والمعافى بن عمران، ويحيى بن عبد الله البابلتي.
وهناك أوجه فيها مقال:
منها: ما رواه همام بن يحيى عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه وانظره في بابه.
стр. 1136
ومنها: ما رواه عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة، فجعله من مسند عائشة والصحيح أنه مرسل كما تقدم. انظره في بابه.
قال الإمام البخاري: أصح الروايات في هذا حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي إبراهيم الأشهلي عن أبيه (١).
وقال الترمذي: «حديث والد أبي إبراهيم حديث حسن صحيح» (٢).
وقال البيهقي: هذا هو الصحيح حديث أبي إبراهيم الأشهلي موصول، وحديث أبي سلمة عن النبي ﷺ مرسلاً (٣).
وقال ابن أبي حاتم (٤): وسألت أبي عن حديث رواه محمد بن ذكوان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي ﷺ صلّى على جنازة … فذكر الحديث.
قال أبي: هذا خطأ، الحفاظ لا يقولون: أبو هريرة، إنما يقولون: أبو سلمة عن النبي ﷺ .
وقال ابن أبي حاتم أيضاً: سألت أبي عن حديث رواه محمد بن سلمة عن ابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه صلّى على جنازة فقال: «اللهم اغفر لحيِّنا وميتنا وذكرنا وأنثانا».
قال أبي: (رواه يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة أن النبي ﷺ مرسل. لا يقول: أبو هريرة ولا يوصله عن أبي هريرة إلا غير متقن والصحيح مرسل (٥).
стр. 1137
وقال الدارقطني: يرويه يحيى بن أبي كثير، واختلف عنه:
فرواه محمد بن يعقوب عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبيه.
ورواه الأوزاعي واختلف عنه:
فقيل: عنه عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة.
وقيل: عنه عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة مرسلاً.
ورواه غير واحد من البصريين عن يحيى بن أبي كثير عن أبي إبراهيم الأنصاري عن أبيه عن النبي ﷺ وهو الصحيح.
وعن أبي سلمة مرسل وهو الصحيح (١).
وقال في موضع آخر: «والصحيح عن يحيى مَنْ قال: عن أبي إبراهيم عن أبيه وعن أبي سلمة مرسلاً» (٢).
الخلاصة:
اختلف على الأوزاعي في هذا الحديث على ثلاثة أوجه:
الأول: رواه الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة روى عنه هكذا جماعة من ثقات أصحابه، منهم: هقل بن زياد، وأبو المغيرة، والوليد بن مسلم، وشعيب بن إسحاق، ومحمد بن كثير، وإسماعيل بن عياش، كما في حديث الباب.
стр. 1138
الثاني: رواه الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن النبي ﷺ مرسلاً.
رواه عنه هكذا الوليد بن مزيد وبشر بن بكر.
الثالث: رواه الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي إبراهيم الأشهلي عن أبيه.
رواه عنه هكذا: هقل بن زياد، والوليد بن مسلم، وبشر بن بكر، والوليد بن مزيد، والمعافى بن عمران، ويحيى البابلتي.
والوجهان الأخيران صحيحان.
والله تعالى أعلم.
стр. 1139
الحديث الحادي عشر (١):
٢٣٦ - قال الإمام الترمذي ﵀ (١٠٨): حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت:
«إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل» فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا.
التعليق:
هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين، وأورده الترمذي أيضاً في العلل (٧٢).
وأخرجه النسائي (١/ ١٨٠) وفي الكبرى (١٩٥)(٩١٢٧) وابن ماجه (٦٠٨) وابن حبان (١١٧٦) وابن الجارود (٩٣) تعليقاً، وأحمد (٦/ ١٦١) والدارقطني (١/ ١١٠) والرامهرمزي في المحدث الفاصل (١/ ٤٧٤) والخطيب في تاريخ بغداد (١٢/ ٣٨٣) كلهم من طرق عن الوليد بن مسلم به.
стр. 1140
وأخرجه الشافعي مرسلاً (١/ ١٥٩) عن الثقة عن الأوزاعي به، والثقة هو الوليد بن مسلم كما في رواية حرملة (البدر المنير ٢/ ٥١٨).
ورواه ابن الجارود (٩٣) من طريق بشر بن بكر، والدارقطني (١/ ١١٠ - ١١١) من طريق الوليد بن مزيد كلاهما عن الأوزاعي به.
هكذا قال الأوزاعي: (عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة عن النبي ﷺ .
خالفه ابن علية (١) فرواه عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة موقوفاً. وعن عبد الرحمن بن القاسم، عن نافع، عن عائشة موقوفاً.
وتابعه أبو الزناد عبد الله بن ذكوان فرواه عن القاسم بن محمد كما سيأتي.
وقد رواه جماعة عن الأوزاعي أيضاً عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه عن عائشة موقوفاً، منهم:
أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج، وعمرو بن أبي سلمة، ومحمد بن كثير المصيصي، ومحمد بن مصعب، وبشر بن بكر.
ذكره الدارقطني فيما نقله عن ابن القطان كما سيأتي.
ونقل الترمذي عن الإمام البخاري أن المرفوع خطأ فقال بعد أن أورد حديث الباب: سألت محمداً عن هذا الحديث فقال: هذا حديث خطأ، إنما يرويه الأوزاعي عن عبد الرحمن بن القاسم مرسلاً (٢).
стр. 1141
وروى الأوزاعي عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة شيئاً من قولها فأخذ الخرقة فمسح بها الأذى، وقال أبو الزناد: سألت القاسم بن محمد: سمعتَ في هذا الباب شيئاً؟ قال: لا.
فجعل البخاري الوهم من الوليد بن مسلم إذ خالفه غيره فرواه موقوفاً وما ذكر أبو الزناد عن القاسم بن محمد أنه لم يسمع في هذا الباب حديثاً مرفوعاً.
وقال الدارقطني: حدثنا أبو بكر النيسابوري، أخبرني العباس بن الوليد بن مزيد أخبرني أبي، قال: سمعت الأوزاعي قال: حدثنا عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن أبيه، عن عائشة ﵂ أنها سئلت عن الرجل يجامع المرأة فلا يُنزل؟ قالت: فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا جميعاً.
قال الدارقطني: رفعه الوليد بن مسلم والوليد بن مزيد، ورواه بشر بن بكر وأبو المغيرة وعمرو بن أبي سلمة ومحمد بن كثير المصيصي ومحمد بن مصعب وغيرهم موقوفاً. اه.
هكذا ذكره الدارقطني ولم يرجح شيئاً، وقد رجح ابن القطان حديث الوليد مرفوعاً فقال بعد أن ذكر قول الدارقطني:
الوليد بن مزيد ثقة، أحد أكابر أصحاب الأوزاعي، وكان الأوزاعي يقول: عليكم به فإن كتبه صحيحة، أو كلاماً هذا معناه. وقال أيضاً: ما عرض عليّ كتاب أصح من كتب الوليد بن مزيد، وقال دحيم: صالح الحديث، وابنه العباس بن الوليد ثقة صدوق، وقد ذكر جميعهم سماع بعضهم من بعض فصحّ الحديث.
فإن كان حديث الترمذي معترضاً من طريق الوليد بن مسلم فقد
стр. 1142
صحّ طريق الوليد بن مزيد وقد صحّ حديث عائشة بهذا المعنى من رواية جابر عنها ذكره مسلم (١).
وقال ابن حجر في التلخيص: «وأعله البخاري بأن الأوزاعي أخطأ فيه، ورواه غيره عن عبد الرحمن بن القاسم مرسلاً واستدل على ذلك بأن أبا الزناد قال: سألت القاسم بن محمد سمعت في هذا الباب شيئاً؟ فقال: لا، وأجاب مَنْ صححه بأنه يحتمل بأن يكون القاسم كان نسيه ثم تذكر فحدّث به ابنه، أو كان حدّث به ابنه ثم نسي، ولا يخلو الجواب من نظر» (٢).
قلت: وفيما نسبه إلى البخاري نظر، فلم يقل البخاري: إن الأوزاعي أخطأ فيه إنما نسب الخطأ إلى الوليد بن مسلم فقال: (إنما يرويه الأوزاعي عن عبد الرحمن بن القاسم مرسلاً) فحمل الخطأ على مَنْ هو دونه.
لكن لا يمنع هذا أن يكون الوهم من الأوزاعي.
فقد رواه عنه الوليد بن مسلم، والوليد بن مزيد، وبشر بن بكر موصولاً، وخالفهم عددٌ أكثر فرووه عن الأوزاعي موقوفاً كما تقدم.
стр. 1143
ملخص لما جاء في حديث الأوزاعي من الأوهام
رقم الحديث شيخ الراوي بلده الوهم الصحيح ١ قتادة البصرة لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ «١»﴾ يستفتحون ب ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ «٢»﴾ ٢ يحيى بن سعيد الأنصاري المدينة فاطمة بنت قيس فاطمة بنت أبي حبيش ٣ الزهري المدينة/ الشام سعيد بن المسيب ابن أكيمة ٤ الزهري المدينة/ الشام مرتين أو ثلاثاً ثلاثاً ٥ الزهري المدينة/ الشام فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي إن هذه ليست بالحيضة ولكن هذا عرق فاغتسلي وصلي ٦ الزهري المدينة/ الشام ليتوشح به ثم ليصلِّ فيه أوَ لكلكم ثوبان ٧ إسماعيل بن عبدالله دمشق أم الدرداء كريمة بنت الحسحاس ٨ يحيى بن أبي كثير اليمامة أبو المهاجر بكِّروا بالصلاة يوم الغيم أبو المليح بكروا لصلاة العصر ٩ يحيى بن أبي كثير اليمامة أبو المهاجر أبو المهلب ١٠ يحيى بن أبي كثير اليمامة عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً عن أبي سلمة عن النبي ﷺ مرسلاً ١١ عبدالرحمن ابن القاسم المدينة إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل، مرفوعاً موقوف على عائشة
стр. 1144
حماد بن سلمة (١)
اسمه ونسبه:
حماد بن سلمة بن دينار، الإمام القدوة شيخ الإسلام البصري النحوي البزاز الخرقي مولى آل ربيعة بن مالك وابن أخت حميد الطويل.
شيوخه:
روى عن ثابت البناني وقتادة وخاله حميد الطويل وأنس بن سيرين وأبي الزبير المكي وعمرو بن دينار وخالد الحذاء وسماك بن حرب وخلق من التابعين.
وعنه: روى ابن جريج وشعبة والثوري وهم أكبر منه، وعبد الله بن المبارك، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان، وأبو داود الطيالسي، وأبو الوليد الطيالسي، وغيرهم كثير.
طلبه للعلم:
قال حماد: كنت أسأل حماد بن أبي سليمان أحاديث مسندة
стр. 1145
والناس يسألونه عن رأيه فكنت إذا جئت قال: لا جاء الله بك.
وقال حماد بن زيد: ما كنا نرى أحداً يتعلم بغير نية غير حماد بن سلمة، وما نرى اليوم أحداً يعلم بنية غيره.
قال الفضل بن زياد: سألت أحمد بن حنبل أين كتب حماد بن سلمة عن سماك بن حرب؟ فقال: بواسط، وكتب عن حماد بن أبي سليمان وعاصم بن بهدلة بالبصرة وقدم عليهم.
قال أبو سلمة موسى بن إسماعيل: ثنا محمد بن سوار قال: ذكرت لشعبة حديث سماك عن سعيد بن جبير عن ابن عمر كنت أبيع الإبل بالبقيع، فقال: مَنْ حدثك به؟ قلت: حماد بن سلمة، فقال: وكيف سمع حماد هذا ولعله إنما جلس إلى سماك مجلسين أو ثلاثة وقد جلست إلى سماك أكثر من مائة مجلس ولم أسمع هذا؟ قال: فذكرت ذلك لحماد بن سلمة فقال: قل له سمعته وأنت تضرب مع أبيك بالجف.
وقال أحمد بن حنبل: حدّث حماد بن سلمة عن سماك عن سعيد بن جبير عن ابن عمر: كنت أبيع الإبل بالبقيع فقال شعبة: أين كنت يعني عن سماك قال له حماد: كنت في الحشر.
قال أحمد: كان حماد يستقل بنفسه وجعل يثبته.
وقال محمد بن سوار: أتيت حماد بن سلمة فكتبت عنه السماكية ثم انصرفت من عنده فمررت بشعبة فقال لي: من أين جئت؟ قلت: من عند حماد حدثني عن سماك فقال: وأيش سمع من مجلس سماك؟ فرجعت إلى حماد فقلت: إني مررت بشعبة فقال لي كذا، فقال: لقد أتيت سماك في حديث خالد بن عرعرة خمس مرات.
стр. 1146
قال أبو عبد الرحمن: سمع حماد من سماك بواسط وكان سماك لا يكتبهم (١).
وقال حماد بن سلمة: أخذ إياس بن معاوية بيدي وأنا غلام فقال: لا تموت حتى تقص، أما إني قد قلت هذا لخالك يعني حميداً الطويل فما مات حتى قصّ.
وقال حماد بن زيد: ما أتينا أيوب حتى فرغ حماد بن سلمة.
وقال حماد بن سلمة: كنت إذا أتيت ثابتاً البناني وضع يده على رأسي ودعا لي.
ثناء أهل العلم:
قال عفان بن مسلم: اختلف أصحابنا في سعيد بن أبي عروبة وحماد بن سلمة فصرنا إلى خالد بن الحارث فسألناه فقال: حماد أحسنهما حديثاً وأثبتهما لزوماً للسنّة، قال: فرجعنا إلى يحيى بن سعيد (القطان) فأخبرناه فقال: قال لكم: وأحفظهما، قال: فقلنا: ما قال إلا ما أخبرناك.
قال إسحاق الحربي: كنا عند عفان فقال له رجل: حدثك حماد، فقال: مَنْ حماد ويلك؟ قال: ابن سلمة، قال: ألا تقول أمير المؤمنين.
قال الأصمعي: أخبرني مَنْ سمع سفيان الثوري قال: ليس بالبصرة غير حماد بن سلمة (٢).
стр. 1147
قال عبد الله بن المبارك: دخلت البصرة فما رأيت أحداً أشبه بمسالك الأول من حماد بن سلمة.
قال شهاب البلخي: كان حماد بن سلمة يعد من الأبدال.
قال عبد الرحمن بن مهدي: لو قيل لحماد بن سلمة إنك تموت غداً ما قدر أن يزيد في العمل شيئاً.
وقال الأصمعي: سمعت عبد الرحمن بن مهدي وذكر حماد بن سلمة فقال: حماد بن سلمة صحيح السماع أدرك الناس ولم يتهم بلون من الألوان ولم يلتبس بشيء أحسن ملكة نفسه ولسانه ولم يطلقه على أحد ولا ذكر خلقاً بسوء فسلم حتى مات.
وقال شهاب بن معتمر البلخي: كان حماد بن سلمة يعد من الأبدال وعلامة الأبدال أن لا يولد لهم، تزوج سبعين امرأة فلم يولد له.
وقال عفان: قد رأيت مَنْ هو أعبد من حماد بن سلمة، ولكن ما رأيت أشد مواظبة على الخير وقراءة القرآن والعمل للّه من حماد بن سلمة.
قلت: ومع هذه العبادة كان ورعاً وكان لا يحب القدوم على السلاطين فيروى عنه قوله: إن دعاك الأمير لتقرأ عليه ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ فلا تأته.
وقال سوار بن عبد الله العنبري عن أبيه: كنت آتي حماد بن سلمة في سوقه فإذا ربح في ثوب حبة أو حبتين شدّ جونته فلم يبع شيئاً فكنت أظن أن ذاك لقوته فإذا وجد قوته لم يزد عليه شيئاً.
стр. 1148
وقال حاتم بن عبد الله: كان حماد بن سلمة يدخل السوق فيربح دانقين في ثوب واحد فيرجع، فإذا ربح لو عرض له ديناران ما عرض لهما.
وقال البخاري: سمعت آدم بن أبي إياس يقول: شهدت حماد بن سلمة ودعوه يعني السلطان فقال: أحمل لحية حمراء إلى هؤلاء، لا والله ما فعلت.
وقال أيضاً: عاد حماد بن سلمة سفيان الثوري فقال سفيان: يا أبا سلمة أترى الله يغفر لمثلي؟ فقال حماد: والله لو خيِّرت بين محاسبة الله إياي ومحاسبة أبوي لاخترت محاسبة الله على محاسبة أبوي وذاك أن الله أرحم بي من أبويّ.
طلبه للعربية:
وقال ياقوت الحموي: حماد بن سلمة بن دينار شيخ أهل البصرة في الحديث والعربية والفقه، أخذ عنه يونس بن حبيب النحوي، وسئل أيما أسن أنت أو حماد؟ فقال: حماد أسن مني ومنه تعلمت العربية.
قال: وكان سيبويه يستملي على حماد، فقال حماد: قال رسول الله ﷺ : «ما من أحد من أصحابي إلا مَنْ شئت لأخذت عنه علماً ليس أبا الدرداء» فقال سيبويه: ليس أبو الدرداء، فقال له حماد: لحنت يا سيبويه، ليس أبا الدرداء .. ، فقال: لا جرم لأطلبن علماً لا تلحنني فيه أبداً، فطلب النحو ولزم الخليل بن أحمد.
وكان حماد يقول: مَنْ لحن في حديثي فقد كذب عليّ.
وكان حماد يمر بالحسن البصري في الجامع فيدعه ويذهب إلى أصحاب العربية يتعلم منهم.
стр. 1149
قال: وكان مع تقدمه في العربية إماماً في الحديث ثقة ثبتاً.
سعة علمه:
قال عمرو بن سلمة: كتبت عند حماد بن سلمة بضعة عشر آلاف حديث.
وقال ابن المديني: كان عند يحيى بن الضرير عن حماد عشرة آلاف حديث.
وقال يحيى بن معين: هو أعلم الناس بثابت.
وقال أحمد بن حنبل: حماد أعلم الناس بحديث خاله حميد الطويل وأثبتهم فيه.
وقال وهيب: كان حماد بن سلمة سيدنا وأعلمنا وكان إماماً في العربية مفوهاً شديداً على المبتدعة، وله تآليف ولم يكن له كتاب غير كتاب قيس بن سعد يعني كان يحفظ علمه.
وقال العجلي: إن عند حماد ألف حديث حسن ليس عند غيره.
وفاته:
مات في ذي الحجة سنة سبع وستين ومائة في خلافة المهدي.
قال الفضل: وحدثنا أبو طالب عن أبي عبد الله يعني أحمد بن حنبل قال: سألته عن حماد بن سلمة فقال: حماد بن سلمة من خيار عباد الله الصالحين ومن جمع من السنّة ما جمع، وقال أيوب: هاتوا مثل فتانا حماد.
стр. 1150
وقال: سمعت أبا عبد الله يقول: قال رجل يوماً: العلم عند شعبة وسفيان وحماد، فأنكرت عليه حماد أن يكون مثل شعبة وسفيان ولم أكن بحديثه عالماً فلما كتبت حديثه علمت أنه قد صدق فإن حماداً عالم (١).
قال يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو ربيعة فهد بن عوف قال: جئنا إلى حماد بن سلمة في يوم حار شديد الحر وصلّينا معه الظهر وكان حماد صاحب ليل وظننا أنه صائم قال: فرحمناه مما به من الجهد وأجمعنا على أن ننصرف عنه لا نسأله عن شيء، فتفرقنا وبقي مَنْ بقي فركع بعد الفريضة وخرج من المسجد وصار في الطريق في الشمس فانبرى له غلام حدث فسأله عن شيء فوقف في الشمس معه يسائله ويحدثه.
قال: فقال له بعض مشيخة المسجد: يا أبا سلمة انصرف أصحابنا عنك لما رأوا بك من الضعف ووقفت مع هذا الغلام في الشمس تحدثه؟ قال: رأيت في هذه الليلة كأني أسقي فسيلة أصب الماء في أصلها فتأولت رؤياي على هذا الغلام حين سألني (٢).
روى له البخاري حديثاً واحداً في صحيحه (٣)، واستشهد به في عدة مواضع، وروى له مسلم والباقون.
стр. 1151
ضعفه في بعض شيوخه:
قال الإمام مسلم في التمييز: حماد بن سلمة عندهم يخطاء في حديث قتادة كثيراً (١).
وقال البردعي: إذا روى حماد بن سلمة وهمام وأبان ونحوهم من الشيوخ عن قتادة وخالف سعيد أو هشام أو شعبة فإن القول قول هشام وسعيد وشعبة على الانفراد.
قال ابن رجب شارحاً قوله: مراده أن الحفاظ من أصحاب قتادة ثلاثة: شعبة وسعيد وهشام، والشيوخ من أصحابه مثل حماد بن سلمة وهمام وأبان ونحوهم.
وأما الشيوخ فإذا روى أحدهم حديثاً وخالفه واحد من الحفاظ الثلاثة فالقول قول ذلك الحافظ (٢).
стр. 1152
قال الشيخ المحدث عبد الله بن عبد الرحمن السعد وفقه الله في أقسام حديث حماد بن سلمة:
لقد ذهب القائلون بالتفصيل في حال حماد بن سلمة إلى تقسيم حديثه باعتبارات متعددة:
الاعتبار الأول: من جهة شيوخه.
الاعتبار الثاني: من جهة الرواة عنه.
الاعتبار الثالث: من جهة حديثه.
الاعتبار الأول: من جهة شيوخه، وهم على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: مَنْ ثُبِّت في الرواية عنهم، وقُدِّم فيهم.
القسم الثاني: مَنْ لم يُقدم فيهم، ولم يتكلم في روايته عنهم خاصة.
القسم الثالث: مَنْ تُكلم في روايته عنهم خاصة.
القسم الأول: مَنْ ثُبِّت في الرواية عنهم، وقُدِّم فيهم:
لقد أُثني على حمادٍ في روايته عن خمسةٍ من شيوخه:
стр. 1153
١ على رأسهم: ثابت البناني؛ فإن حماداً أثبت الناس فيه بالاتفاق.
قال الإمام مسلم: (اجتماع أهل الحديث من علمائهم؛ على أن أثبت الناس في ثابت البناني: حماد بن سلمة، وكذلك قال يحيى القطان، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وغيرهم من أهل المعرفة).
٢ حميد الطويل، وتقدم في كلام ابن حبان أنه خالٌ لحماد.
قال الإمام أحمد في رواية الأثرم: (لا أعلم أحداً أحسن حديثاً عن حميدٍ من حماد بن سلمة، سمع منه قديماً، يروي أشياء مرة يرفعها ومرة يوقفها) قال: (وحميد يختلفون عنه اختلافاً شديداً).
قلت: قوله: مرة يرفعها ومرة يوقفها، دليل على ضبط حديثه.
وقال في رواية أبي الحارث: (ما أحسن ما روى حمادٌ عن حميد).
وقال في رواية أبي طالب: (حماد بن سلمة أعلم الناس بحديث حميد، وأصح حديثاً).
وقال أيضاً في روايته: (حماد بن سلمة أثبت الناس في حميد الطويل، سمع منه قديماً، يخالف الناس في حديثه) يعني في حديث حميد.
قلت: قوله (يخالف الناس في حديثه) يعني: يرويها على الوجه الصحيح، بخلاف غيره.
وقال يحيى بن معين: (حماد بن سلمة أعلم الناس بحديث حميد).
стр. 1154
٣ علي بن زيد بن جدعان.
قال أبو حاتم: (حماد بن سلمة في ثابت وعلي بن زيد أحب إليّ من همام، وهو أضبط الناس وأعلمه بحديثهما بين خطأ الناس، وهو أعلم بحديث علي بن زيد من عبد الوارث).
قال ابن رجب: (حديثه عن علي بن زيد بن جدعان، هو حافظ له).
وقال عن حماد: (مَنْ أثبت الناس في شيوخه الذين لزمهم، كثابت البناني، وعلي بن زيد).
٤، ٥ محمد بن زياد البصري، وعمار بن أبي عمار.
ورواية حماد عنهما قريبة من السواء، ولعل روايته عن محمد بن زياد تقدم؛ قال أحمد في رواية علي بن سعيد: (محمد بن زياد صاحب أبي هريرة ثقة، وأجاد حماد بن سلمة الرواية عنه).
وقال شعبة: (كان حماد بن سلمة يفيدني عن محمد بن زياد).
وقال ابن أبي حاتم: (حدثنا صالح بن أحمد بن محمد بن حنبل، نا علي يعني ابن المديني قال: سمعت يحيى يعني ابن سعيد القطان قال: قال شعبة: كان حماد بن سلمة يفيدني عن عمار بن أبي عمار).
وقال يعقوب بن شيبة: (حماد بن سلمة ثقة في حديثه اضطراب شديد، إلا عن شيوخٍ فإنه حسن الحديث عنهم، متقن لحديثهم، مقدّم على غيره فيهم، منهم ثابت البناني وعمار بن أبي عمار).
стр. 1155
لمَ قُدِّم حماد في هؤلاء الشيوخ؟
لأمور:
أولاً: سماعه من بعضهم في حال الصغر، وهم كبار شيوخه، وهذا أدعى لضبط حديثه:
فقد قال حماد: (كنت إذا أتيت ثابت البناني وضع يده على رأسي ودعا لي).
قلت: وهذا يدل على صغره حال مجيئه إلى ثابت.
وقال أيضاً عن خاله حميد: (ربما أتيت حميداً فقبّل يدي).
قلت: وتقبيله ليد ابن أخته يدل على صغر سنه.
ولعل الباقين كذلك، قال الإمام أحمد في رواية الأثرم: (حماد بن سلمة إذا روى عن الصغار أخطأ).
وأشار إلى روايته عن داود بن أبي هند.
قلت: قوله (الصغار) يعني: شيوخه الصغار.
وتقدم قول يحيى القطان: (إن كان ما حدّث به حماد بن سلمة عن قيس بن سعد؛ فليس قيس بن سعد بشيء، ولكن حديث حماد بن سلمة عن الشيوخ، عن ثابت، وهذا الضرب).
قلت: قوله (عن الشيوخ) يعني: شيوخه الكبار.
ثانياً: قُربه من بعضهم، كحالِ حميدٍ معه، والخؤولة مظنة قوة العلاقة، وكثرة المخالطة، وبالتالي ضبط حديثه والرواية عنه.
ثالثاً: أنهم من بلده، فجميعهم بصريون، وغالباً ما يكون حديث
стр. 1156
الرجل عن أهل بلده أضبط من حديثه عن غيرهم. والله أعلم.
القسم الثاني: مَنْ لم يُقدّم فيهم، ولم يتكلم في روايته عنهم خاصة:
تقدم لنا أن بعض الحفاظ تكلم في حماد إلا مَنْ استثناهم، كثابت وغيره.
فهذا يفيد أن حديث حماد قسمين:
الأول: مَنْ قُدِّم في الرواية عنهم.
والثاني: بقية شيوخه.
ولكن الأوْلى جعلُ قسمٍ بين القسمين؛ لأن هناك من شيوخه مَنْ تُكلم في روايته عنهم خاصة، وهم القسم الآتي.
القسم الثالث: مَنْ تُكلم في روايته عنهم خاصة:
مثل: قيس بن سعد، وزياد الأعلم، وداود بن أبي هند، وسعيد الجريري، وأيوب السختياني وغيرهم.
قال الإمام مسلم: (وحماد يعدّ عندهم إذا حدّث عن غير ثابت؛ كحديثه عن قتادة، وأيوب، ويونس، وداود بن أبي هند، والجريري، ويحيى بن سعيد، وعمرو بن دينار، وأشباههم فإنه يخطاء في حديثهم كثيراً، وغير حماد في هؤلاء أثبت عندهم، كحماد بن زيد، وعبد الوارث، ويزيد بن زريع، وابن علية).
أما قيس بن سعد، فقال أحمد: (ضاع كتابه عنه فكان يحدّث من حفظه فيخطاء).
وتقدم نقل قول يحيى بن سعيد القطان: (حماد بن سلمة عن
стр. 1157
زياد الأعلم وقيس بن سعد ليس بذاك) وقوله: (إن كان ما حدّث به حماد بن سلمة عن قيس بن سعد؛ فليس قيس بن سعد بشيء).
وقال البيهقي: (حماد ساء حفظه في آخر عمره، فالحفاظ لا يحتجون بما يخالف فيه، ويجتنبون ما تفرد به عن قيسٍ خاصة).
وقيس بن سعد ليس من أهل بلده؛ فإنه كان مكياً، ولعل حماداً سمع منه في مجلس أو مجلسين، ولم يُكثر من التردد عليه، وقد دوّن هذه الأحاديث وضاعت عليه، فلم يُتقن حديثه.
وأما زياد الأعلم فإنه كان بصرياً، ولكن قد قال الدارقطني: (هو قليل الحديث).
قلت: ولعلها أحاديث يسيرة، وهذا قد يؤدي إلى أن حماداً لا يتردد عليه، لقلّة حديثه، وبالتالي لا يضبطه.
الاعتبار الثاني: من جهة الرواة عنه:
وهم على قسمين:
القسم الأول: مَنْ كتب عنه من النسخ.
القسم الثاني: مَنْ سمع منه الأصناف.
والأول أقوى.
قال يحيى بن معين: (مَنْ سمع من حماد بن سلمة الأصناف ففيها اختلاف، ومَن سمع من حماد بن سلمة نسخاً فهو صحيح).
والمقصود بالنسخ ما سمعه عن كل شيخٍ على حدة، فنسخة حديثه عن ثابت، ونسخة حديثه عن حماد … وهكذا.
وأما الأصناف، فهي الكتب المصنفة التي تجمع أحاديث الرواة،
стр. 1158
فتكون مختلطة بعضها ببعض، فمرة عن أيوب، ومرة عن حماد، ومرة عن ثابت، ومرة عن علي بن زيد بن جدعان … وهكذا. والأول أسهل في ضبط الرواية.
الاعتبار الثالث: من جهة حديثه:
فمَن سمع منه قديماً أقوى ممن سمع منه أخيراً.
وتقدم قول البيهقي: (حماد ساء حفظه في آخر عمره).
قلت: وهذا وإن لم يسبق إليه البيهقي صراحةً، إلا أن حديث الرجل في قوته ونشاطه أقوى في الجملة من حديثه حال كبر سنه وضعفه، والله أعلم) انتهى.
стр. 1159
الحديث الأول (١):
٢٣٧ - قال الإمام مسلم في صحيحه (١/ ١١٠ ح ١١٩): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال:
لما نزلت هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ … (٢)﴾ [الحجرات: ٢] إلى آخر الآية، جلس ثابت بن قيس في بيته وقال: أنا من أهل النار، واحتبس عن النبي ﷺ فسأل النبي ﷺ سعد بن معاذ فقال: «يا أبا عمرو ما شأن ثابت اشتكى؟» قال سعد: إنه لجاري وما علمت له بشكوى، قال: فأتاه سعد فذكر له قول رسول الله ﷺ ، فقال
стр. 1160
ثابت: أنزلت هذه الآية ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتاً على رسول الله ﷺ فأنا من أهل النار، فذكر ذلك سعد للنبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : «بل هو من أهل الجنة».
التعليق:
هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح.
ورواه أحمد (٣/ ١٤٥) و (٣/ ٢٨٧) من طريق الحسن بن موسى وعفان، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٣١٠) من طريق الحسن بن موسى، وأبو عوانة في مسنده (١٩٧) من طريق عفان بن مسلم كلاهما عن حماد به.
هكذا قال حماد في هذا الحديث أن الذي سأله النبي ﷺ عن شأن ثابت هو (سعد بن معاذ).
خالفه سعيد بن بشير فرواه عن قتادة عن أنس وقال: (سعد بن عبادة) (١).
وقد رجح هذا الحافظ في الفتح لأن سعد بن معاذ مات في غزوة بني قريظة وكان ذلك سنة خمس، وهذه السورة نزلت في سنة تسع في الوفود بسبب الأقرع بن حابس وغيره ولأن سعد بن عبادة من قبيلة ثابت بن قيس فهو أشبه أن يكون جاره.
وقد أشار مسلم في صحيحه عقب الحديث إلى أن حماد بن سلمة تفرد بذكر سعد بن معاذ.