← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 1329

أوهام المحدثين الثقات

سعيد باشنفر

Полный текст (5 923 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

الحديث الثاني (١): ٢٨٢ - قال الإمام البخاري ﵀ باب قوله ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ … (١١)﴾ [النساء: ١١] (٤٥٧٧): حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام أن ابن جريج أخبرهم قال: أخبرني ابن منكدر عن جابر ﵁ قال: عادني النبي ﷺ وأبو بكر في بني سلمة ماشيين فوجدني النبي ﷺ لا أعقل فدعا بماء فتوضأ منه ثم رشّ عليّ فأفقت فقلت: ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول الله؟ فنزلت ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ … (١١)﴾. التعليق: هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين. وأخرجه مسلم في صحيحه (١٦١٦) من طريق حجاج بن محمد عن ابن جريج به. وأخرجه ابن الجارود (٩٥٦) والنسائي في الكبرى (٦٣٢٣) و (١١٠٩١) والبيهقي (٦/ ٢١٢) وأبو عوانة (٥٦٠١) و (٥٦٠٢) والبيهقي في السنن الصغرى (٢٢٤٨) وابن عساكر في تاريخ دمشق (١١/ ٢٣٢) من طريق حجاج وبعضهم من طريق ابن وهب كلاهما عن ابن جريج به.

стр. 1332

هكذا قال ابن جريج عن ابن المنكدر، عن جابر … فنزلت ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ … (١١)﴾. وتابعه عمرو بن أبي قيس (١). خالفه سفيان بن عيينة (٢) فرواه عن ابن المنكدر به فقال: فلم يرد عليّ شيئاً حتى نزلت آية الميراث ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ … (١٧٦)﴾. ورواه شعبة عن ابن المنكدر وفيه: فقلت: يا رسول الله إنما يرثني كلالة، فنزلت آية الميراث، فقلت لمحمد بن المنكدر: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ … (١٧٦)﴾ قال: هكذا أُنزلت. رواه مسلم في صحيحه من طريق بهز عنه (٣). ورواه أبو داود الطيالسي (٤) وحجاج بن محمد (٥) عن شعبة فقالوا: فنزلة آية الفرض ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾. ورواه النضر بن شميل وأبو عامر العقدي ووهب بن جرير عن شعبة فقالوا آية الفرض (٦). قال مسلم: وليس في رواية أحد منهم قول شعبة لابن المنكدر.

стр. 1333

وكذلك رواه البخاري في صحيحه من طريق أبي الوليد، ومحمد بن جعفر، وعبد الله بن المبارك، ثلاثتهم عن شعبة (١). واقتصروا على قول آية الفرائض أو الميراث، ولم يذكروا الآية. ورواه سفيان الثوري عن ابن المنكدر فقال: حتى نزلت آية الميراث (٢). ورواه هشام الدستوائي عن أبي الزبير عن جابر قال: اشتكيت وعندي سبع أخوات فدخل عليّ رسول الله ﷺ فنضح في وجهي فأفقت فقلت: يا رسول الله أوصي لأخواتي بالثلثين؟ قال: «أحسن» قلت: بالشطر؟ قال: «أحسن» قال: ثم خرج وتركني ثم رجع فقال: «يا جابر إني لا أراك ميتاً من وجعك هذا فإن الله قد أنزل فبيّن الذي لأخواتك فجعل لهن الثلثين» فكان جابر يقول: نزلت هذه الآية فيّ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ … (١٧٦)﴾ (٣). لذا حكم ابن الملقن، والدمياطي (٤) وغيرهم على ابن جريج بالوهم في ذكر قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ … (١١)﴾ … ﴾ والصحيح هو ما رواه سفيان بن عيينة وشعبة قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ … (١٧٦)﴾. قال ابن الملقن: («كذا وقع هنا، ووهم ابن جريج فيه، إنما نزل في جابر الآية الأخيرة ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ … (١٧٦)﴾».

стр. 1334

كذلك رواه شعبة والثوري وأبي عيينة عن محمد بن المنكدر (١)، ويؤيده ما ورد بعض الطرق وقول جابر: يا رسول الله إنما يرثني كلالة. والكلالة مَنْ لا ولد له ولا والد، ولم يكن لجابر حينئذ ولد ولا والد، وأما آية الوصية فنزلت في ورثة سعد بن الربيع قتل يوم أحد وخلف ابنتين وأمهما وأخاه، فأخذ أخوه المال ولم يدع لهما شيئاً فجاءت أمهما إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله قتل أبوهما يوم أحد شهيداً وإن عمهما أخذ مالهما والله لا ينكحان إلا ولهما مال، فقال ﷺ : «يقضي الله في ذلك» فنزلت آية الميراث ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ … (١١)﴾ فدعا عمهما فقال: «أعطِ ابنتَيْ سعد الثلثين وأعطِ أمهما الثمن ولك ما بقي» (٢) (٣). وأورد البيهقي في السنن الصغرى الحديث من طريق وهب بن جرير عن شعبة عن محمد بن المنكدر ثم قال: وأراد بآية الفرض ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ … (١٧٦)﴾ وذلك بيِّن في رواية ابن عيينة عن ابن المنكدر عن جابر، وفي رواية هشام الدستوائي عن أبي الزبير عن جابر، وفي حديثهم أنه قال: ولي أخوات، وجابر بن عبد الله قتل أبوه يوم أحد وآية الكلالة نزلت بعده فقد قال البراء بن عازب: آخر آية نزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ … (١٧٦)﴾ فحين مرض جابر لم

стр. 1335

يكن له ولد ولا والد وإنما كانت له أخوات فأنزل الله تعالى في أخواته آية الكلالة التي في آخر سورة النساء (١). وقال عقب حديث ابن جريج مشيراً إلى وهمه: «ورواه ابن عيينة عن ابن المنكدر وقال: نزلت آية الميراث ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ … (١٧٦)﴾ وكذلك رواه أبو الزبير عن جابر، وأما آية الوصية فإنها نزلت في ابنتَيْ سعد بن الربيع» (٢). ونقل ابن أبي حاتم عن أبي الزبير أنه قال: قال جابر: أُنزلت فيّ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ (٣). ونقل الطبري عن ابن المنكدر عن جابر مثل ذلك (٤). وقال السيوطي: أخرج ابن سعد وابن أبي حاتم عن جابر قال: أُنزلت فيّ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ … (١٧٦)﴾ (٥). وقال العيني: هكذا وقع في رواية ابن جريج وقيل: إنه وهم في ذلك والصواب أن الآية التي نزلت في قصة جابر ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ … (١٧٦)﴾. وقال مقاتل بن سليمان المتوفى سنة ١٥٠ في تفسيره: نزلت في جابر بن عبد الله الأنصاري من بني سلمة بن جشم .. وفي أخواته ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ … (١٧٦)﴾ وذلك أن جابر بن عبد الله

стр. 1336

الأنصاري ﵀ مرض بالمدينة فعاده رسول الله ﷺ … الحديث (١). لكن الحافظ ابن حجر ﵀ رجح رواية ابن جريج وأنه إلى ذلك مال البخاري فقال: «وقد اختلف الرواة عن ابن المنكدر فالأكثر أبهموا الآية وكشفها ابن جريج وابن عيينة، فممن أبهمها سفيان الثوري ولفظه: نزلت آية الميراث، وكذا قال شعبة، وقال مرة: آية الفرائض. فأما ابن عيينة فقال: حتى نزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ وكلها في الصحيح، ورواية أحمد بن حنبل عن ابن عيينة تشير إلى أن تعيين الآية من جهة ابن عيينة وأن آخر الحديث عنده كما عند الثوري وشعبة. قال أحمد عن ابن عيينة: حتى نزلت آية الميراث ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ … (١٧٦)﴾ وكان له أخوات ولم يكن له ولد .. والذي يظهر أن من قوله ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ إلى آخره من كلام ابن عيينة أُدرج في الخبر لخلو رواية الباقين عن قوله: وكان له أخوات .. إلى آخره، فرأى البخاري أن تعيين ابن جريج أوْلى بالقبول من تعيين ابن عيينة لقوله: إلى قوله: ﴿ .. عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾ ﴿ .. وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً … (١٢)﴾ وقد فسرت الكلالة عمن لا ولد له ولا والد وهي منطبقة على حال جابر. وقد توبع ابن جريج على هذا التعيين، قال عبد بن حميد: نا عبد الرحمن بن سعد نا عمرو بن أبي قيس عن ابن المنكدر .. إلى آخره، فنزلت ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ … (١١)﴾ إلخ.

стр. 1337

وهذا من المواضع التي تواردوا بها على استغراب ما وقع عند البخاري ولم يقفوا على دقة نظره» (١). وقال في الفتح: هكذا وقع في رواية ابن جريج وقيل: إنه وهم في ذلك، وأن الصواب أن الآية التي نزلت في قصة جابر هي ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ … (١٧٦)﴾ لأن جابراً يومئذ لم يكن له ولد ولا والد، والكلالة مَنْ لا ولد له ولا والد … ثم قال الحافظ: فالحاصل أن المحفوظ عن ابن المنكدر أنه قال: آية الميراث، أو آية الفرائض، والظاهر أنها ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ … (١١)﴾ كما صرّح به في رواية ابن جريج ومَن تابعه، ومَن قال إنها ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ فعمدته أن جابراً لم يكن له حينئذ ولد وإنما كان يورث كلالة، فكان المناسب لقصته نزول الآية الأخيرة لكن ليس ذلك بلازم لأن الكلالة مختلف في تفسيرها فقيل هي اسم المال الموروث وقيل اسم الميت وقيل اسم الإرث وقيل ما تقدم، فلما لم يعين تفسيرها بمَن لا ولد له ولا والد لم يصح الاستدلال لما قدمته أنها نزلت في آخر الأمر وآية المواريث نزلت قبل ذلك بمدة. كما أخرج أحمد وأصحاب السنن وصححه الحاكم من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر: جاءت امرأة سعد بن الربيع .. في آخر الحديث، وهذا ظاهر في تقدم نزولها لهم وبه احتج مَنْ قال إنها لم تنزل في قصة جابر إنما نزلت في قصة ابنَتيْ سعد بن الربيع وليس ذلك بلازم إذ لا مانع أن تنزل في الأمرين معاً، ويحتمل أن يكون نزول أولها في قصة البنتين وآخرها وهي قوله: ﴿ .. وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً … (١٢)﴾ في قصة جابر، ويكون مراد جابر فنزلت ﴿يُوصِيكُمُ

стр. 1338

اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ … (١١)﴾ أي ذكر الكلالة المتصل بهذه الآية، والله أعلم. وإذا تقرر جميع ذلك ظهر أن ابن جريج لم يهم كما جزم الدمياطي ومَن تبعه، وأن مَنْ وهَّمهُ هو الواهم، والله أعلم (١). والذي ظهر لي بعد البحث والتأمل أن ابن جريج وهم في ذلك وأن رواية ابن عيينة أوْلى بالتقديم لما يلي: ١ أن ابن عيينة تابعه في ذلك شعبة كما تقدم عند مسلم، فيكون اختلف على ابن المنكدر على ثلاثة أوجه: أولها: ما رواه ابن عيينة وشعبة من تعيين الآية قوله تعالى: ﴿يستفتونك في الكلالة﴾. ثانيها: ما رواه ابن جريج وعمرو بن أبي قيس عن ابن المنكدر وأنها ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ … (١١)﴾ وعمرو بن أبي قيس، قال الآجري عن أبي داود في حديثه خطأ، وقال عثمان بن أبي شيبة: لا بأس به كان يهم في الحديث قليلاً، لذا قال ابن حجر في التقريب: صدوق له أوهام. ثالثها: ما رواه سفيان الثوري وشعبة في معظم رواياته عدم تحديد الآية وهذا هو الراجح وأن تعيينها مدرج من قبل الرواة، بيّنها ابن عيينة وشعبة وكتمها ابن جريج، فشعبة كما جاء في حديثه: قلت لمحمد بن المنكدر ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ … (١٧٦)﴾ قال: هكذا أُنزلت، وسفيان بن عيينة أكثر أصحابه يدرجونها في الحديث (٢)، ورواه

стр. 1339

البخاري عن ثلاثة من أصحاب ابن عيينة بدون تعيين الآية ولعله هو الذي حذفها عمداً، ورواه إسحاق بن راهويه عنه فقال: حتى نزلت آية الميراث يرونها ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ (١). فإذا علم ذلك وأن ابن المنكدر لم يكن يذكر الآية بحثنا هل نجد مَنْ رواه عن جابر غيره، فوجدنا أبو الزبير وهو من رجال مسلم قد رواه عن جابر فذكر هذه الآية فترجحت رواية ابن عيينة وشعبة، وهذا ظاهر. ٢ إن جابر بن عبد الله ﵁ كان يقول: نزلت هذه الآية فيّ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ … (١٧٦)﴾. ٣ ظاهر قول محمد بن المنكدر لشعبة هكذا أُنزلت أنه موافق له في تعيين هذه الآية. أما صنيع الإمام البخاري ﵀ فيدل على بُعد نظره وفقهه فقد أخرج حديث ابن عيينة وشعبة في كتاب الفرائض، واقتصر في حديث ابن عيينة إلى قوله: حتى نزلت آية المواريث، وحديث شعبة أخرجه في باب ميراث الإخوة والأخوات وانتهى من حديثه إلى قوله: فنزلت آية الفرائض، وأعقبه مباشرة باب ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ … (١٧٦)﴾ ذكر فيه حديث أبي إسحاق عن البراء قال: آخر آية أُنزلت خاتمة سورة النساء ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ … (١٧٦)﴾ (٢).

стр. 1340

وقال الحافظ: المراد بآية الفرائض هنا قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ (١). أما حديث ابن جريج فأخرجه في كتاب التفسير مكان ذكر قول الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ … (١١)﴾ مناسب، ولم يخرجه في كتاب الفرائض ولذلك نظائر عند الإمام البخاري. تنبيه: روى عبد بن حميد عن يحيى بن آدم عن ابن عيينة هذا الحديث فذكر في آخره قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ … (١١)﴾ وهذا وهم من عبد بن حميد كما سيأتي في بابه إذ خالفه جمع من أصحاب سفيان فذكروا قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ … (١٧٦)﴾.

стр. 1341

الحديث الثالث (١): ٢٨٣ - قال الإمام مسلم (٢/ ١٠٨٦ ح رقم ١٤٦٥): حدثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن حاتم قال محمد بن حاتم: حدثنا محمد بن بكر أخبرنا ابن جُريج أخبرني عطاء قال: حضرنا مع ابن عباس جنازة ميمونة زوج النبي ﷺ بسَرِف فقال ابن عباس: هذه زوج النبي ﷺ فإذا رفعتم نعشها فلا تُزَعزِعوا ولا تُزَلزلوا وارفقوا فإنه كان عند رسول الله ﷺ تسع فكان يقسم لثمان ولا يقسم لواحدة. قال عطاء: التي لا يقسم لها صفية بنت حُيَي بن أخطب. حدثنا محمد بن رافع وعبد بن حُمَيْد جميعاً عن عبد الرزاق عن ابن جُرَيج بهذا الإسناد، وزاد: قال عطاء: كانت آخرهن موتاً ماتت بالمدينة. التعليق: هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين.

стр. 1342

وأخرجه البخاري في صحيحه (٥٠٦٧) من طريق هشام بن يوسف، وأحمد (١/ ٢٣١) و (١/ ٣٤٩) من طريق جعفر بن عون، ومحمد بن بكر، وعبد الرزاق في مصنفه (٦٢٥٢) وإسحاق بن راهويه (٢٠٣٣) من طريق محمد بن بكر، وابن سعد (٨/ ١٤٠) من طريق الواقدي، وأبو نعيم في مستخرجه (٣٤٣٣) من طريق محمد بن بكر وأبي عاصم وحجاج، والطبراني في الكبير (١١٤٢٦) من طريق عبد الرزاق، والبيهقي (٧/ ٧٣) من طريق جعفر بن عون، والأزرقي في أخبار مكة (٢/ ٢١٣) من طريق الزنجي ثمانيتهم (محمد بن بكر، وهشام بن يوسف، وجعفر بن عون، وعبد الرزاق، والواقدي، وأبو عاصم، وحجاج، والزنجي) عن ابن جريج به. ورواية الإمام البخاري مختصرة إلى قوله (ولا يقسم لواحدة) ولم يذكر قول عطاء أنها صفية ولا قوله كانت آخرهن موتاً .. ورواية بعضهم إلى قوله أنها صفية ولم يذكروا قول عطاء كانت آخرهن موتاً ماتت بالمدينة. وقد وهم ابن جريج في هذا المتن في موضعين: الأول: قوله أن التي لا يقسم لها النبي ﷺ صفية. خالفه عمرو بن دينار فرواه عن عطاء عن ابن عباس ﵄ قال: توفي رسول الله ﷺ وعنده تسعة نسوة يصيبهن إلا سودة فإنها وهبت يومها وليلتها لعائشة (١) وهذا هو الصحيح. فقد روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أن

стр. 1343

سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة وكان النبي ﷺ يقسم لعائشة يومها ويوم سودة (١). ورد في رواية الزهري عن عروة عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها، وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها غير أن سودة وهبت يومها وليلتها لعائشة زوج النبي ﷺ تبتغي بذلك رضا رسول الله ﷺ (٢). فقول عائشة ﵂ في حديث الزهري (وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها) شامل كل نساء النبي ﷺ ، ثم إنها استثنت فقالت (غير أن سودة وهبت يومها وليلتها لعائشة) فأبانت أن التي لم يقسم لها هي سودة لأنها وهبت يومها لعائشة. وجاء تأكيد ذلك في رواية أبي داود عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في أنه كان يقسم لكل امرأة منهن وبيان سبب هبة سودة لعائشة يومها وليلتها فقال: قالت عائشة: يا ابن أختي كان رسول الله ﷺ لا يفضل بعضنا على بعض في القسم من مكثه عندنا … ، ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنّت وفرقت أن يفارقها رسول الله ﷺ : يا رسول الله يومي لعائشة، فقبل ذلك رسول الله ﷺ منها، قالت: تقول: في ذلك أنزل الله تعالى وفي أشباهها أراه قال: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا … (١٢٨)﴾ (٣). وروى سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس ﵁

стр. 1344

قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله لا تطلقني وأمسكني واجعل يومي لعائشة، ففعل فنزلت هذه الآية ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا … (١٢٨)﴾ … ﴾ (١). قال الحافظ بعد أن ذكر هذه الروايات وغيرها (فتواردت هذه الروايات على أنها خشيت الطلاق فوهبت) (٢). قال الطحاوي: «قد كان أشكل عليّ المعنى الذي به لم يكن يَقسم لصفية حتى سألت عنه غير واحد ممن يُسأل عن مثله فما وجدت عندهم فيه شيئاً حتى وقفت أنا على أن ابن جُريج غلط في المرأة التي كان النبي ﷺ لا يقسم لها من نسائه فإنه ذكر أنها صفية ولم تكن صفية ولكنها سَوْدة كما حدثنا ابن أبي مريم قال: ثني سعيد بن أبي مريم قال: حدثنا سفيان بن عيينة قال: حدثني عمرو بن دينار عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: توفي رسول الله ﷺ وعنده تسعة نسوة يصيبهن إلا سَودة فإنها وهبت يومها وليلتها لعائشة ﵅ جميعاً، فوقفت بذلك على أن المرأة التي كان لا يقسم لها إنما كانت سودة، وأن ذلك إنما كان منه بطيب نفسها» (٣). قال الخطابي: هذا وهم إنما هي سودة لأنها كانت وهبت يومها والغلط فيه من ابن جريج (٤).

стр. 1345

قال النووي: قال العلماء: هو وهم من ابن جريج الراوي عن عطاء وإنما الصواب سودة (١). قال القرطبي: وهم في قوله أن التي لا يقسم لها هي صفية، فإن المشهور التي لا يقسم لها هي سودة وهبت يومها لعائشة (٢). وقال الحافظ: يترجح أن مراد ابن عباس بالتي لا يقسم لها سودة، كما قال الطحاوي لحديث عائشة أن سودة وهبت يومها لعائشة وكان النبي ﷺ يقسم لعائشة يومها ويوم سودة … ، ولعل البخاري حذف هذه الزيادة عمداً (٣). وذكر العيني في شرح البخاري قول الطحاوي والنووي كالموافق له (٤). وقال ابن القيم: وقع في صحيح مسلم من قول عطاء أن التي لم يكن يقسم لها هي صفية وهو غلط من عطاء ﵀ وإنما هي سودة فإنها لما كبرت وهبت يومها لعائشة. ثم ذكر ابن القيم علة الوهم فقال: وسبب هذا الوهم والله أعلم أنه كان قد وجد على صفية في شيء فقالت لعائشة: هل لك أن ترضي رسول الله ﷺ عني وأهب لك يومي؟ قالت: نعم، فقعدت عائشة إلى جنب النبي ﷺ في يوم صفية، فقال: «إليك عني يا عائشة فإنه ليس

стр. 1346

يومك» فقالت: ﴿ .. ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ … (٥٤)﴾ وأخبرته بالخبر فرضي عنها (١). قلت: الصحيح أن الوهم من ابن جريج كما حققه الطحاوي من رواية ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء. وروى أبو عوانة من طريق ابن عيينة عن ابن جريج هذا الحديث فقال: «توفي رسول الله ﷺ عن تسع نسوة وكان يقسم لثمان لأن سودة وهبت يومها وليلتها لعائشة» (٢). فالظاهر أن قوله لأن سودة وهبت يومها في رواية ابن جريج هذه عن عطاء إنما هو من قول سفيان فإنه رواه عن عمرو بن دينار عن عطاء كذلك، والله أعلم. الثاني: قول عطاء: كانت آخرهن موتاً، ماتت بالمدينة. ظاهره إن عطاء يريد ميمونة ﵂، فإن أول الحديث عنها ولا خلاف أن ميمونة كانت من آخر أزواج النبي ﷺ موتاً على الراجح، فقد روى الطبراني من طريق محمد بن إسحاق قال: ماتت ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﷺ عام الحرة سنة ثلاث وستين (٣). وقال الواقدي: توفيت سنة إحدى وستين في خلافة يزيد بن معاوية وهي آخر مَنْ مات من أزواج النبي ﷺ وكان لها يوم توفيت ثمانون أو إحدى وثمانون سنة (٤).

стр. 1347

وكذا قال البلاذري في أنساب الأشراف (١). وذكر ابن عبد البر أنها توفيت سنة ست وستين (٢). أما قوله (ماتت بالمدينة) فلا يستقيم مع قوله في أول الحديث: ماتت بسرف، وسرف من مكة بلا خلاف، وقيل إنها ماتت بمكة ونقلها ابن عباس إلى سرف فدفنت هناك. فهذا وهم ظاهر لمخالفته لأول الحديث. أما إن كان المراد به صفية فصحيح أنها ماتت بالمدينة لكنها لم تكن آخرهن موتاً، فقد ماتت سنة خمسين في رمضان، وقيل سنة اثنتين وخمسين ودفنت بالبقيع (٣). وقال الحافظ: إن الصحيح أنها ماتت سنة خمسين (٤). قال القاضي عياض: قوله (كانت آخرهن موتاً ماتت بالمدينة): إن أراد ميمونة فصحيح في الأول فإنها ماتت سنة ٦٣ وقيل ٦٦ دون قوله ماتت بالمدينة فإنها ماتت بسرف. وإن أراد صفية فصحيح في الثاني فإنها ماتت بالمدينة لا في الأول لأنها ماتت سنة خمسين (٥). قال النووي: «قال القاضي عياض: ظاهر كلام عطاء أنه أراد

стр. 1348

بآخرهن موتاً ميمونة، وقد ذكر في الحديث أنها ماتت بسرف وهي بقرب مكة، فقوله بالمدينة وهم … » (١). قال القرطبي: قول عطاء قول مشكل يلزم عليه وهم، وذلك أنه إن كان أراد ميمونة فقد وهم في قوله أنها ماتت بالمدينة، وقد بيّنا أنها ماتت بسرف إلا أن يريد (المدينة) مكة وفيه بُعد. وإن أراد صفية فقد وهم لأنها لم تكن آخرهن موتاً (٢) .. قال الحافظ ابن حجر: «وقد وقع عند مسلم أيضاً فيه زيادة أخرى من رواية عبد الرزاق عن ابن جريج قال عطاء: وكانت آخرهن موتاً ماتت بالمدينة كذا قال، فأما كونها آخرهن موتاً فقد وافق عليه ابن سعد وغيره، قالوا: وكانت وفاتها سنة إحدى وستين وخالفهم آخرون فقالوا: ماتت سنة ست وخمسين، ويعكر عليه أن أم سلمة عاشت إلى قتل الحسين بن علي وكان قتله يوم عاشوراء سنة إحدى وستين وقيل بل ماتت أم سلمة سنة تسع وخمسين والأول أرجح، ويحتمل أن تكونا ماتتا في سنة واحدة لكن تأخرت ميمونة وقد قيل أيضاً إنها ماتت سنة ثلاث وستين وقيل سنة ست وستين وعلى هذا لا ترديد في آخريتها في ذلك، وأما قوله: وماتت بالمدينة، فقد تكلم عليه عياض فقال: ظاهره أنه أراد ميمونة وكيف يلتئم مع قوله في أول الحديث أنها ماتت بسرف وسرف من مكة بلا خلاف فيكون قوله بالمدينة وهماً. قلت: يحتمل أن يريد بالمدينة البلد وهي مكة، والذي في أول

стр. 1349

الحديث أنهم حضروا جنازتها بسرف ولا يلزم من ذلك أنها ماتت بسرف فيحتمل أن تكون ماتت داخل مكة وأوصت أن تُدفن بالمكان الذي دخل بها رسول الله ﷺ فيه فنفذ ابن عباس وصيتها، ويؤيد ذلك أن ابن سعد لما ذكر حديث ابن جريج هذا قال بعده: وقال غير ابن جريج في هذا الحديث توفيت بمكة فحملها ابن عباس حتى دفنها بسرف» (١).

стр. 1350

الحديث الرابع (١): ٢٨٤ - قال الإمام أحمد ﵀ (٦/ ٤٠٤): حدثنا حجاج قال: حدثنا ابن جريج، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أمه أم كلثوم بنت عقبة، أنها قالت: رخص النبي ﷺ من الكذب في ثلاث: في الحرب وفي الإصلاح بين الناس وقول الرجل لامرأته. التعليق: هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين. وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢٩١٣) من طريق أبي عاصم الضحاك بن مخلد، والخطيب في الفصل للوصل (١/ ٢٦٦) من طريق أبي عامر كلاهما عن ابن جريج قال: حدثت عن ابن شهاب به. هكذا رواه ابن جريج، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أم كلثوم، عن النبي ﷺ أنه رخص الكذب في ثلاث …

стр. 1351

خالفه يونس بن يزيد الأيلي فرواه عن الزهري، عن حميد، عن أم كلثوم أنها سمعت النبي ﷺ يقول: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ويقول خيراً وينمي خيراً». قال الزهري: ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث: الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها. أخرجه مسلم في صحيحه عن حرملة بن يحيى عن ابن وهب عن يونس به (١)، وكذلك رواه معمر (٢). بيَّن يونس ومعمر في روايتهما الزيادة المدرجة من كلام الزهري عن كلام النبي ﷺ . وقد وهم صالح بن كيسان فأدرج قول الزهري في الحديث المرفوع عن النبي ﷺ ولم يقل: قال الزهري … فجعل الحديث كله عن النبي ﷺ ووهم ابن جريج فاقتصر على ذكر هذه الزيادة من قول الزهري فجعله من كلام النبي ﷺ (٣). وقد روى هذا الحديث عن الزهري جماعة من أصحابه فاقتصروا على قول النبي ﷺ : «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ويقول خيراً وينمي خيراً» ولم يذكروا ما بعده، منهم:

стр. 1352

معمر (١)، ومالك (٢)، وابن عيينة (٣)، وشعيب بن أبي حمرة (٤)، وأيوب السختياني (٥)، وعبد الرحمن بن إسحاق (٦)، وعقيل بن خالد (٧)، والأوزاعي (٨) وغيرهم، وسيأتي في باب صالح بن كيسان ح (٤٩٤) فانظره لزاماً. علة الوهم: ابن جُريج لم يسمع هذا الحديث عن ابن شهاب الزهري كما صرّح في رواية أبي عاصم وأبي عامر عنه، وإنما أوقعه في هذا الوهم تدليسه فلم يذكر في رواية حجاج عنه أنه لم يسمعه من الزهري. وقد رجح بعض أهل العلم أن ابن جُريج إنما سمع هذا الحديث من عبد الوهاب بن أبي بكر المدني وكيل الزهري (٩)، والحديث معروف بهذا اللفظ عنه (١٠).

стр. 1353

قال الخطيب: (قال موسى بن هارون: والذي نرى والله أعلم أن ابن جُريج إنما وقع إليه هذا الحديث من رواية عبد الوهاب، إما أن يكون ابن جُريج سمعه من عبد الوهاب أو بلغه عنه، والله أعلم. قال موسى: وقد ذكرنا أنه وقع في هذا الحديث وهم غليظ ولعمري إنه لوهم غليظ جداً، لأن هذا الكلام إنما هو قول الزهري أنه لم يسمع يرخص في الكذب إلا في الثلاث خصال، وإنما روى الزهري عن حميد عن أمه أن النبي ﷺ قال: «ليس بالكاذب مَنْ أصلح بين الناس فقال خيراً أو نمى خيراً» ليس في حديث النبي ﷺ أكثر من هذا، واتفق على هذه الرواية أيوب السختياني، ومالك بن أنس، وصالح بن كيسان، وموسى بن عقبة، ومحمد بن عبد الله بن أبي عتيق، ومعمر بن راشد، والنعمان بن راشد، وعقيل بن خالد، ويونس بن يزيد، وشعيب بن أبي حمزة، وعبد الرحمن بن إسحاق، ومحمد بن الوليد الزبيدي، وسفيان بن حسين) (١). ثم قال موسى: فلو أن عبد الوهاب روى عن الزهري عن حميد عن أمه عن النبي ﷺ الحديث الذي يرويه الناس عن الزهري ثم أدرج كلام الزهري في الحديث كان أيسر لأنه كان يكون وهماً دون وهم، ولكنه لم يروِ كلام النبي ﷺ أصلاً، وروى كلام الزهري بإسناد حديث النبي ﷺ فجاء بوهم غليظ جداً، وهو عندنا غير معتمد لما فعل من ذلك) (٢). وقال الحافظ: (ورويناه في فوائد ابن أبي ميسرة من طريق

стр. 1354

عبد الوهاب بن رفيع عن ابن شهاب فساقه بسنده مقتصراً على الزيادة وهو وهم شديد) (١). وقال الدارقطني: (وروى هذا الحديث عبد الوهاب بن أبي بكر عن الزهري عن حميد عن أمه أنها سمعت النبي ﷺ لا يرخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث كان النبي ﷺ لا يعده كذباً، وذكر الثلاثة. وهذا منكر ولم يأتِ بالحديث المحفوظ الذي عند الناس. ورواه ابن جريج عن الزهري في نحو رواية عبد الوهاب فإنه روى عنه حديثاً غير هذا. وقيل عن ابن جُريج في هذا: حُدثت عن الزهري فدلّ على صحة ما قلناه) (٢). وخالف هؤلاء المحدثين الحفاظ الشيخ الألباني ﵀ في الصحيحة (٥٤٥) فقال بعد أن ذكر رواية ابن جُريج، وهذا إسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه من هذا الوجه. ثم قال متعقباً الحافظ ابن حجر في قوله أن هذه الزيادة مدرجة قال: (وأقول: لا وهم فيه ألبتة فإنه ثقة صحيح الحديث يعني عبد الوهاب وقد تابعه ثقتان ابن جُريج وصالح بن كيسان، واقتصر الأول منهما على الزيادة كما سبق بيانه، فهؤلاء ثلاثة من الثقات الأثبات اتفقوا على رفع هذه الزيادة فصلها اثنان منهما عن أول الحديث

стр. 1355

ووصلها به الآخر وهو صالح فاتفاقهم حجة وذلك يدل على أنها مرفوعة ثابتة) اه. قلت: ما ذكره الألباني فيه نظر من وجوه: ١ رواية ابن جُريج منقطعة فهو لم يسمعه من الزهري وهو مدلس، وقد ذُكر أنه قال: حدثت عن ابن شهاب، وفات الشيخ هذا فصحح روايته على شرط الشيخين. ٢ يونس بن يزيد ومعمر بن راشد أوثق من صالح بن كيسان في الزهري وهما مع الإمام مالك مقدَّمون على غيرهم في الزهري وقد حفظا ما لم يحفظه صالح ففصلوا كلام النبي ﷺ من كلام الزهري، واختلط ذلك على صالح فأدرج قول الزهري في حديث النبي ﷺ ، وقد ذكر البخاري ﵀ في صحيحه رواية صالح بن كيسان واقتصر على ذكر المرفوع دون كلام الزهري. وأما مسلم فقد ذكر رواية صالح وبيَّن مخالفته ليونس ومعمر حيث قال (غير أن في حديث صالح: وقالت لم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث بمثل ما جعله يونس من قول ابن شهاب).

стр. 1356

الحديث الخامس (١): ٢٨٥ - قال عبد الرزاق ﵀ في المصنف (٨/ ٢٢٧ ح رقم ١٤٩٩٠): أخبرنا ابن جُريج قال: أخبرني ابن شهاب، عن عمرو بن سعد بن أبي وقاص كذا قال والصواب عمر بن سعد، أنه قال: سمعت أبا سعيد الخدري ﵁ يقول: نهى رسول الله ﷺ عن الملامسة والمنابذة. التعليق: هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين، وهو في المصنف أيضاً برقم (٧٨٨٤)، وأخرجه أحمد (٣/ ٩٤) عن عبد الرزاق بهذا الإسناد ولم يذكر قول عبد الرزاق الصواب عمر بن سعد. هكذا قال ابن جُريج (عن الزهري، عن عمرو بن سعد، عن أبي سعيد الخدري). خالفه يونس بن يزيد (٢)، وصالح بن كيسان (٣)، وعقيل بن خالد (٤)، فقالوا (عن ابن شهاب، عن عامر بن سعد، عن أبي سعيد). قلب ابن جُريج (عامر) إلى (عمرو) وفي رواية (عمر).

стр. 1357

وقد رواه روح بن عبادة (١) عن ابن جُريج فقال (عامر بن سعد). وسئل الدارقطني عن حديث عامر بن سعد عن أبي سعيد عن النبي ﷺ في النهي عند الملامسة والمنابذة فقال: «يرويه الزهري، واختلف عنه: فرواه صالح بن كيسان، ويونس وعقيل وابن جريج عن ابن شهاب عن عامر بن سعد عن أبي سعيد. وقيل عن ابن جريج عن الزهري، عن عمر بن سعد بن أبي وقاص عن أبي سعيد، ولا يصح، والصحيح حديث عامر بن سعد» (٢). قلت: وقد نبّه عبد الرزاق أن شيخه ابن جُريج كان يقول: عمرو بن سعد، وقال: الصواب عمر بن سعد (٣)، وهو وهم أيضاً والصحيح كما جاء في الصحيحين عامر بن سعد. علة الوهم: أن عامر بن سعد أخ عمر بن سعد وكلاهما اشتركا في الرواية عن أبي سعيد، وروى عنهما الزهري، والله تعالى أعلم (٤).

стр. 1358

الحديث السادس (١): ٢٨٦ - قال الإمام أحمد ﵀ (٦/ ٢٨٥): حدثنا محمد بن بكر قال: أخبرنا ابن جُريج قال: قال ابن شهاب وأخبرني عطاء بن يزيد أن المطلب بن أبي وداعة أخبره، أن حفصة زوج النبي ﷺ أخبرته قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي جالساً حتى كان قبل وفاته بعام أو عامين. التعليق: هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير المطلب وهو صحابي. هكذا قال ابن جُريج: (عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد، عن المطلب بن أبي وداعة، عن حفصة). خالفه مالك (٢)، ومعمر (٣)، ويونس (٤)، وإبراهيم بن أبي عبلة (٥)، ويزيد بن عياض (٦).

стр. 1359

فقالوا: (عن الزهري، عن السائب بن يزيد، عن المطلب بن أبي وداعة، عن حفصة). قلب ابن جُريج (السائب بن يزيد) (١) إلى (عطاء بن يزيد)، والله تعالى أعلم. ومما يدل على وهم ابن جُريج أن عطاء بن يزيد ليس له رواية عن المطلب بن أبي وداعة. أما السائب فروايته عن المطلب بن أبي وداعة عند مسلم والترمذي والنسائي. وفي هذا السند ثلاثة من الصحابة يروي بعضهم عن بعض وهم: السائب بن يزيد، والمطلب بن أبي وداعة، وحفصة أم المؤمنين ﵃ أجمعين. علة الوهم: التشابه في اسميهما فهذا (السائب بن يزيد) وهذا (عطاء بن يزيد) واشتراكهما في التلميذ وهو محمد بن مسلم الزهري وروايته عنهما في الصحيحين وعند أصحاب السنن. والوهم هنا لم يؤثر في الإسناد إذ أنه انتقال من ثقة إلى ثقة، والله تعالى أعلم.

стр. 1360

الحديث السابع (١): ٢٨٧ - قال الإمام أحمد ﵀ (٣/ ١٣٦): حدثنا محمد بن بكر، قال: حدثنا ابن جُريج قال: قال ابن شهاب: أخبرني أنس بن مالك ﵁ قال: قدم النبي ﷺ المدينة وهي مَحَمَّة، فحُمَّ الناس، فدخل النبي ﷺ المسجد والناس قعود يصلُّون، فقال النبي ﷺ : «صلاة القاعد نصف صلاة القائم» فتجشم الناس الصلاة قياماً. التعليق: هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين، إلا أن ابن جُريج لم يصرح بسماعه من ابن شهاب الزهري. وهو مدلس. وأخرجه أبو يعلى (٣٥٨٣) من طريق محمد بن بكر به. وعبد الرزاق في مصنفه (٤١٢١) عن ابن جُريج به. ورواه الضياء في المختارة (٢٦٣١)، (٢٦٣٢) من طريق أحمد وعبد الرزاق. والمروزي في قيام الليل (ص ١٩٨ مختصر) من طريق محمد بن يحيى، وابن عبد البر في التمهيد (١٢/ ٤٨) من طريق عبد الرزاق.

стр. 1361

كلهم (محمد بن بكر، وعبد الرزاق، ومحمد بن يحيى) عن ابن جُريج به. هكذا رواه ابن جُريج فقال: (عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك). خالفه مالك (١)، ومعمر (٢)، وشعيب (٣)، وعبيد الله بن عمر (٤)، وبكر بن وائل بن داود (٥) فقالوا: (عن ابن شهاب، عن عبد الله بن عمرو). قال أبو حاتم: هذا خطأ (٦). قال محمد بن يحيى الذهلي: (والمحفوظ عندنا يعني أحاديث معمر وشعيب، وعبيد الله بن عمر، وبكر بن وائل بن داود كلهم عن الزهري، عن عبد الله بن عمرو حديث هؤلاء، لأن الزهري لو كان سمعه من أنس لانتشر عنه ولقدّموا حديثه، لأن حديث عبد الله يعني ابن عمرو مرسل. وحديث أنس من حديث المخرمي عن إسماعيل بن محمد بن

стр. 1362

سعد عن أنس ﵁ عندنا غير محفوظ، لأن مالكاً رواه عن إسماعيل بن محمد عن مولى لعمرو بن العاص أو لعبد الله بن عمرو عن عبد الله بن عمرو، ومالك أوْلى لحفظه، ولأنه عن عبد الله بن عمرو مستفيض، قال: ولا نعرفه عن أنس من وجه يثبت) (١).

стр. 1363

الحديث الثامن (١): ٢٨٨ - قال الإمام النسائي ﵀ (٥/ ٢٣٥): أخبرنا يعقوب بن إبراهيم عن يحيى، عن ابن جُريج، عن كثير بن كثير عن أبيه، عن المطلب بن أبي وداعة قال: رأيت النبي ﷺ حين فرغ من سبعه جاء حاشية المطاف فصلّى ركعتين وليس بينه وبين الطوافين أحد. التعليق: هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح غير كثير بن المطلب وهو تابعي، وذكره ابن حبان في الثقات. وأخرجه النسائي في الكبرى (٨٣٤) و (٣٩٥٣) وابن خزيمة (٨١٥) ومن طريقه ابن حبان (٢٣٦٣) عن يعقوب بن إبراهيم به.

стр. 1364

وأخرجه أحمد (٦/ ٣٩٩) عن يحيى بن سعيد بهذا الإسناد. وأخرجه الحاكم (١/ ٢٥٤) من طريق مسدد عن يحيى به. ورواه أحمد (٦/ ٣٩٩) من طريق سفيان بن عيينة، والنسائي (٢/ ١٧٢) وفي الكبرى (٨٣٤) من طريق عيسى بن يونس، وأبو يعلى (٦٨٧٥)، وابن أبي شيبة (١٥٠٤٠)، وابن ماجه (٢٩٥٨)، وابن الأثير في أسد الغابة (٥/ ١٨٢) من طريق أبي أسامة حماد بن أسامة، والطبراني (٢٠/ ٦٨٣) من طريق الليث بن سعد، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٣٠٠، ٣٠١) من طريق عيسى بن يونس، ويحيى الأموي، كلهم عن ابن جُريج بهذا الإسناد. هكذا قال ابن جُريج (عن كثير بن كثير، عن أبيه، عن المطلب بن أبي وداعة). وقد تابعه زهير بن محمد العنبري فرواه عن كثير بن كثير بهذا الإسناد (١). خالفه سفيان بن عيينة فقال: (عن كثير بن كثير، عن بعض أهله، عن جده) (٢) وهو جد المطلب بن أبي وداعة.

стр. 1365

قال الدارقطني في العلل (١٤/ ٤٣): وقول ابن عيينة أصح. وكان سفيان قد سمع ابن جُريج يحدّث هذا الحديث عن كثير بن كثير عن أبيه فأراد سفيان أن يستوثق من ذلك فسأل كثير بن كثير فقال كثير: لم أسمعه من أبي ولكن من بعض أهلي عن جدي. قال الإمام أحمد عقب الحديث: (قال سفيان: وكان ابن جُريج أخبرنا عنه قال: حدثنا كثير عن أبيه فسألته فقال: ليس من أبي سمعته ولكن من بعض أهلي) (١). وقال يعقوب بن سفيان: (حدثنا أبو بكر، ثنا سفيان قال: حدثنا كثير عن بعض أهله أنه سمع جده المطلب بن أبي وداعة يقول: رأيت النبي ﷺ يصلي مما يلي باب بني سهم والناس يمرون بين يديه .. قال سفيان: وكان ابن جُريج حدثنا أولاً عن كثير بن كثير عن أبيه، عن المطلب بن أبي وداعة، فلما سألناه عنه قال: ليس هو عن أبي إنما أخبرناه بعض أهلي أنه سمعه من المطلب) (٢). قال ابن القطان تعقيباً على قول سفيان: (وتبين منه أن رواية ابن

стр. 1366

جُريج منقطعة فإنه ذُكر أن سفيان راجع كثيراً وسأله ممن سمعه فأخبر أنه لم يسمعه من أبيه وإنما حدثه به بعض أهله) (١). وقال العلائي: فتبين أن الحديث مرسل (٢). أثر الوهم: الإسناد الذي ساقه ابن جُريج ظاهره الصحة إلا أن الصحيح أنه معلول لجهالة الواسطة بين كثير بن المطلب وجده، والله تعالى أعلم.

стр. 1367

الحديث التاسع (١): ٢٨٩ - قال أبو عبد الرحمن النسائي ﵀ (٧/ ٣١٢ - ٣١٣): أخبرني هارون بن عبد الله قال: حدثنا حماد بن مسعدة عن ابن جُريج عن عكرمة بن خالد قال: حدثني أسيد بن حضير بن سماك ﵁: أن رسول الله ﷺ قضى أنه إذا وجدها في يد الرجل غير المتهم فإن شاء أخذها بما اشتراها وإن شاء اتبع سارقه، وقضى بذلك أبو بكر وعمر. التعليق: هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير هارون من رجال مسلم. وأخرجه أبو داود في المراسيل (١٨٠) عن هارون بن عبد الله بهذا الإسناد. ورواه أحمد (٤/ ٢٢٦) عن روح بن عبادة عن ابن جُريج به.

стр. 1368

ورواه أحمد (٤/ ٢٢٦) والطبراني في الكبير (٥٥٥) والحاكم (٢/ ٣٥ - ٣٦) وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٢/ ٢٦٤) والضياء المقدسي في المختارة (١٤٦١) من طريق هوذة بن خليفة، عن ابن جُريج بهذا الإسناد فقالوا: (عن عكرمة بن خالد أن أسيد بن حضير). هكذا رواه حماد بن مسعدة وروح وهوذة (عن ابن جُريج، عن عكرمة بن خالد، عن أسيد بن حضير بن سماك). وقد وهم ابن جُريج حين حدّثهم بهذا، والصحيح إنما هو (عكرمة بن خالد، عن أسيد بن ظهير) وهكذا .. هكذا رواه عبد الرزاق عن ابن جُريج، عن عكرمة بن خالد، عن أسيد بن ظهير (١). وقال أحمد بن حنبل إنه في كتاب ابن جُريج (أسيد بن ظهير) ولكن لما حدّث بالبصرة قال: (أسيد بن حضير). فقد ذكر أبو داود في مراسيله عند روايته لهذا الحديث قال: قال هارون: قال لي أحمد يعني ابن حنبل هو في كتابه. قال أبو داود: يعني كتاب ابن جُريج أسيد بن ظهير ولكن كذا حدثهم بالبصرة.

стр. 1369

وقد دلّل ابن عساكر في تاريخ دمشق (١) على وهم ابن جُريج في هذا الحديث بأربعة أمور: ١ أن أسيد بن حضير توفي سنة عشرين ودفن بالبقيع (٢). ٢ قوله في هذا الحديث (من بني حارثة) وأسيد بن حضير إنما هو من بني عبد الأشهل، أما أسيد بن ظهير بن رافع بن خديج فهو من بني حارثة. ٣ ما ذكره هارون بن عبد الله الحمال عن أحمد بن حنبل قال: هو في كتاب ابن جُريج أسيد بن ظهير، ولكن هكذا حدثهم بالبصرة. ٤ رواه عبد الرزاق عن ابن جُريج على الوجه الصحيح. علة الوهم: ابن جُريج مكي وقد حدّث بهذا الحديث في البصرة فوهم فيه وربما كان حديثه عند ذاك من حفظه، وقد قال يحيى بن معين: ابن جُريج ثقة في كل ما روى عنه في الكتاب. وقد رواه عنه عبد الرزاق الصنعاني على الصواب، والله تعالى أعلم.

стр. 1370

وقال الضياء المقدسي في المختارة (٤/ ٢٦٣ - ٢٦٤): رجاله ثقات لكن وقع وهم في صاحب هذا الحديث والصحيح أنه أسيد بن ظهير كما بيّنه الإمام أحمد (فذكر قول أحمد السابق). ثم روى بسنده عن يحيى بن بكير قال: توفي أسيد بن حضير سنة عشرين وحمله عمر ﵁ بين عمودَيْ السرير حتى وضعه بالبقيع وصلّى عليه، ومَن مات في زمن عمر فكيف تدركه أيام معاوية، وقد رواه إسحاق بن راهويه عن عبد الرزاق، عن ابن جُريج، عن عكرمة بن خالد أن أسيد بن ظهير أخبره، ورواه أبو مسعود الرازي عن حماد بن مسعدة ولم ينسب أسيداً، ورواه روح بن عبادة (١) عن ابن جُريج فقال: أسيد بن ظهير اه. قلت: روايته عند أحمد قال أسيد بن حضير ولم أجد له رواية أخرى غيرها، والله أعلم.
следующие страницы →