← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 1329

أوهام المحدثين الثقات

سعيد باشنفر

Полный текст (5 923 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

الحديث الثاني عشر (١): ٣٠٦ - قال الإمام أحمد ﵀ (٦/ ٢٦٩): حدثنا يعقوب، قال: حدثنا أبي، عن ابن إسحاق قال: حدثني الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: أتت سهلة بنت سهيل رسول الله ﷺ فقالت له: يا نبي الله، إن سالماً كان منا حيث قد علمت إنا كنا نعده ولداً فكان يدخل عليّ كيف شاء لا نحتشم منه فلما أنزل الله فيه وفي أشباهه ما أنزل أنكرت وجه أبي حذيفة إذا رآه يدخل عليَّ. قال: «فأرضعيه عشر رضعات ثم ليدخل عليك كيف شاء فإنما هو ابنك». فكانت عائشة تراه عاماً للمسلمين، وكان مَنْ سواها من أزواج النبي ﷺ يرى أنها خاصة لسالم مولى أبي حذيفة الذي ذكرت سهلة من شأنه رخصة له. التعليق: هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير محمد بن إسحاق فقد روى له مسلم متابعة واستشهد به البخاري في الصحيح. هكذا رواه محمد بن إسحاق عن الزهري، عن عروة، عن عائشة فقال فيه (عشر رضعات).

стр. 1437

خالفه أصحاب الزهري فرووه عنه بهذا الإسناد قالوا (خمس رضعات) منهم: مالك (١)، ويونس (٢)، وابن جريج (٣)، وابن أخي الزهري (٤)، وصالح بن أبي الأخضر (٥)، وعقيل بن خالد (٦)، وشعيب بن أبي حمزة (٧)، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر (٨)، وجعفر بن ربيعة (٩). وكذلك رواه عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة عن الزهري أن سهلة بنت سهيل (فذكر خمس رضعات) (١٠). قال ابن عبد البر في التمهيد (٨/ ٢٦٦): قال الشافعي وهو مذهبها أي عائشة وبه كانت تفتي وتعمل فيمن أرادت أن يدخل عليها،

стр. 1438

قال: وقد روي عنها عشر وسبع ولا يصح، ورد حديث نافع (١) فإن أصحاب عائشة وهم: عروة والقاسم وعمرة يروون عنها خمس رضعات لا يقولون عشر رضعات. وقد روى ابن عبد البر في التمهيد (٨/ ٢٥٢) بسنده عن يحيى بن سعيد الأنصاري مثل رواية محمد بن إسحاق فلا أدري الوهم منه أو ممن دونه. قال ابن عبد البر: حدثنا محمد بن إسماعيل قال: حدثنا أيوب بن سليمان بن بلال قال: حدثنا أبو بكر بن أبي أويس عن سليمان بن بلال قال يحيى: أخبرني ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير وابن عبد الله بن ربيعة عن عائشة وأم سلمة زوجَيْ النبي ﷺ أن أبا حذيفة بن عتبة بن عبد شمس تبنى سالماً وهو مولى لامرأة من الأنصار .. الحديث، وفيه (فماذا ترى يا رسول الله؟ فقال لها فيما بلغنا: «أرضعيه عشر رضعات … ») (٢).

стр. 1439

علة الوهم: ورود العشر رضعات أنها هي التي تحرم. روى مسلم في صحيحه (١٤٥٢) من طريق مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة أنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما نقرأ من القرآن. وروي عن عائشة ﵂ أنها أرسلت سالم بن عبد الله إلى أختها أم كلثوم ابنة أبي بكر لترضعه عشر رضعات ليدخل عليها (١)، وكذلك أرسلت حفصة ﵂ بغلام نفيس لبعض موالي ابن عمر إلى أختها فاطمة بنت عمر لترضعه عشر مرات (٢).

стр. 1440

الحديث الثالث عشر (١): ٣٠٧ - قال الإمام أحمد (٦/ ٣٣٢): حدثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن نُدبة، قالت: أرسلتني ميمونة بنت الحارث إلى امرأة عبد الله بن عباس وكانت بينهما قرابة، فرأيت فراشها معتزلاً فراشه فظننت أن ذلك لهجران فسألتها فقالت: لا، ولكني حائض فإذا حضت لم يقرب فراشي، فأتيت ميمونة فذكرت ذلك لها فردتني إلى ابن عباس فقالت: أرغبة عن سنّة رسول الله ﷺ لقد كان رسول الله ﷺ ينام مع المرأة من نسائه الحائض وما بينهما إلا ثوب ما يجاوز الركنين. التعليق: هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح غير ندبة مولاة أم المؤمنين ميمونة، وقد سبق الكلام عليه في باب مَعْمَر ﵀. هكذا قال محمد بن إسحاق (عن الزهري، عن عروة، عن ندبة، عن ميمونة).

стр. 1441

خالفه الليث بن سعد (١)، ويونس بن يزيد (٢)، وشعيب بن أبي حمزة (٣)، وصالح بن كيسان (٤)، وخالد بن عبد الرحمن بن إسحاق (٥)، وابن سمعان (٦)، وعباد بن إسحاق (٧) فقالوا: (عن الزهري، عن حبيب مولى عروة (٨)، عن ندبة، عن ميمونة). وهم محمد بن إسحاق فقال: (عروة) والصحيح (حبيب مولى عروة).

стр. 1442

الحديث الرابع عشر (١): ٣٠٨ - قال الإمام أحمد ﵀ (٥/ ٣٣٤): حدثنا ابن إدريس، ثنا ابن إسحاق عن الزهري عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: لما لاعن عويمر أخو بني العجلان امرأته قال: يا رسول الله ظلمتها إن أمسكتها هي الطلاق وهي الطلاق وهي الطلاق. التعليق: هذا إسناد رجاله ثقات رجال الصحيح. وأخرجه الطبراني في الكبير (٥٦٨٨) من طريق جعفر بن الحارث مطولاً، وفي (٥٦٨٩) مختصراً بنحو رواية أحمد ولفظه (يا رسول الله ظلمتها إن أمسكتها فهي طالق ألبتة). هكذا قال محمد بن إسحاق عن الزهري، عن سهل بن سعد (إن أمسكتها فهي الطلاق، فهي الطلاق، فهي الطلاق). خالفه أصحاب الزهري فرووه عنه بهذا الإسناد فقالوا: (فطلقها ثلاثاً) منهم: مالك، وابن جريج، وفليح بن سليمان، وحديثهم في الصحيح، ورواه غيرهم فقالوا: (فطلقها) ولم يقل أحد منهم ما قاله

стр. 1443

محمد بن إسحاق وقد تقدم هذا مطولاً من طريق سفيان بن عيينة. انظر ح (٨٨). قال ابن حجر: «في رواية ابن إسحاق ظلمتها إن أمسكتها فهي الطلاق فهي الطلاق، وقد تفرد بهذه الزيادة ولم يتابع عليها وكأنه رواه بالمعنى لاعتقاده منع جمع الطلقات الثلاث بكلمة واحدة» (١).

стр. 1444

الحديث الخامس عشر (١): ٣٠٩ - قال أبو داود ﵀ (٢٩٢): حدثنا هناد بن السري عن عبدة عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂: أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت في عهد رسول الله ﷺ فأمرها بالغسل لكل صلاة، وساق الحديث. التعليق: هذا إسناد رجاله ثقات رجال الصحيح. وأخرجه الدارمي (٧٧٧) و (٧٨٥) من طريق يزيد بن هارون وأحمد بن خالد، ورواه أحمد (٦/ ٤٣١) من طريق محمد بن سلمة، ومن طريقه ابن حزم في المحلى (٢/ ٢١٢) ورواه البيهقي (١/ ٣٥٠) وابن حزم (٢/ ٢١٢) من طريق عبدة بن سليمان كلهم عن ابن إسحاق به. هكذا قال محمد بن إسحاق (عن الزهري، عن عروة عن عائشة أن أم حبيبة استحاضت فأمرها النبي ﷺ بالغسل لكل صلاة). خالفه ابن أبي ذئب (٢)، والليث بن سعد (٣)، وعمرو بن

стр. 1445

الحارث (١)، وسفيان بن عيينة (٢)، والأوزاعي (٣)، والنعمان بن المنذر (٤)، وحفص بن غيلان (٥)، وإبراهيم بن سعد (٦)، ومعمر (٧)، وصالح بن أبي الأخضر (٨)، وعثمان التيمي (٩) هؤلاء كلهم رووه عن الزهري، عن عروة (وقرن بعضهم عمرة) عن عائشة هذا الحديث فلم يذكروا أن النبي ﷺ أمرها بالغسل عند كل صلاة، بل إن ذلك من فعلها هي لا من أمر النبي ﷺ ، فلفظ البخاري (إن أم حبيبة استحيضت سبع سنين فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فأمرها أن تغتسل فقال: «هذا عرق» فكانت تغتسل لكل صلاة). بل ذكر ذلك صريحاً الليث بن سعد كما عند مسلم وغيره فقال الليث: لم يذكر ابن شهاب أن رسول الله ﷺ أمر أم حبيبة بنت جحش أن تغتسل عند كل صلاة، ولكنه شيء فعلته هي. وقال سفيان بن عيينة: (تقول يعني عائشة: لم يأمرها أن تغتسل لكل صلاة) (١٠).

стр. 1446

وقال الأوزاعي: قالت عائشة: فكانت تغتسل لكل صلاة ثم تصلي (١). وقال إبراهيم بن سعد: قالت عائشة: فكانت أم حبيبة تغتسل لكل صلاة وتصلي (٢). قال الحافظ: أما ما وقع عند أبي داود من رواية سليمان بن كثير وابن إسحاق عن الزهري في هذا الحديث فأمرها بالغسل لكل صلاة فقد طعن الحفاظ في هذه الزيادة لأن الأثبات من أصحاب الزهري لم يذكروها، وقد صرّح الليث كما تقدم عند مسلم بأن الزهري لم يذكرها (٣). وقال ابن الملقن: «غسلها لكل صلاة لم يكن بأمره ﷺ كما قاله الزهري وغيره، وإنما هو شيء فعلته والواجب عليها الغسل مرة واحدة عند انقطاع حيضها، فقولها إذاً: فكانت تغتسل لكل صلاة ليس مرفوعاً. وروى ابن إسحاق عن الزهري فأمرها أن تغتسل لكل صلاة، ولم يتابعه عليه أصحاب الزهري، نعم في أبي داود والبيهقي من طرق أنه أمرها بذلك لكنها ضعيفة) (٤). وقال البيهقي: «ورواية محمد بن إسحاق عن الزهري غلط لمخالفتها سائر الروايات عن الزهري ومخالفتها الرواية الصحيحة عن عراك بن مالك عن عروة عن عائشة» (٥).

стр. 1447

واستدل البيهقي ﵀ على وهم محمد بن إسحاق في هذا الحديث بما روي عن عائشة وعروة بخلاف ما جاء في حديثهما الذي رواه ابن إسحاق من طريقهما ثم ساق بسنده من طريق مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عروة أنه قال: ليس على المستحاضة إلا أن تغتسل غسلاً واحداً ثم تتوضأ بعد ذلك للصلاة. ثم ساق من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة أنها لم تكن ترى على المستحاضة إلا غسلاً وعضدها برواية قمير امرأة مسروق عن عائشة بمثل ذلك. علة الوهم: ١ ورد ذكر الغسل لكل صلاة في الحديث من فعل أم حبيبة فوهم ابن إسحاق فجعله من أمر النبي ﷺ لها، والنبي ﷺ إنما أمرها أن تغتسل مرة واحدة عند انقطاع حيضها، والله تعالى أعلم. ٢ ضعف ابن إسحاق في الزهري. وقد اختلف عليه في هذا الحديث فرواه أحمد من طريق يزيد بن هارون عن ابن إسحاق عن الزهري عن عروة عن عائشة أن زينب بنت جحش، فجعل المستحاضة هي زينب بنت جحش والصحيح أنها أختها أم حبيبة.

стр. 1448

الحديث السادس عشر (١): ٣١٠ - قال الطبراني في المعجم الكبير (٨/ ٨٥ ح رقم ٧٧٤٢): حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة الحوطي وأبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي قالا: ثنا أحمد بن خالد الوهبي ثنا محمد بن إسحاق (ح). وحدثنا الحسين بن إسحاق التستري ثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا

стр. 1449

جرير عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة قال: أهديت لرسول الله ﷺ رجل حمار وحش وهو بودان فردها عليّ، فلما رأى ما بوجهي قال: «إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم». التعليق: هذا إسناد رجاله كلهم ثقات. هكذا قال محمد بن إسحاق عن الزهري في هذا الحديث (رجل حمار وحش). خالفه جل أصحاب الزهري فقالوا (حمار وحش) منهم: مالك بن أنس، والليث بن سعد، ومعمر، وصالح بن كيسان، ويونس بن يزيد، وابن جريج، وشعيب بن أبي حمزة، ومحمد بن الوليد الزبيدي، ومحمد بن عبد الله بن أخي الزهري، وابن أبي ذئب، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، وإسحاق بن راشد، وعبيد الله بن عمر العمري. وقد سبق في باب سفيان بن عيينة ح (٩٠) فانظره لزاماً. قال الحافظ: وأخرجه الطبراني من طريق ابن إسحاق عن الزهري فقال: رجل حمار وحش، وابن إسحاق حسن الحديث إلا أنه لا يحتج به إذا خولف ويدل على وهم مَنْ قال فيه عن الزهري ذلك ابن جريج قال: قلت للزهري: الحمار عقير؟ قال: لا أدري.

стр. 1450

الحديث السابع عشر (١): ٣١١ - قال الطبراني في المعجم الكبير (٧/ ١١٢ ح ٦٥٢٧): حدثنا معاذ بن المثنى، ثنا علي بن المديني، ثنا وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عمر بن عبد العزيز، عن الربيع بن سبرة عن أبيه أن رسول الله ﷺ : نهى عن المتعة يوم الفتح. التعليق: هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح، وهنا رواية الشيخ معاذ بن معاذ عن تلميذه ابن المديني.

стр. 1451

هكذا قال محمد بن إسحاق عن الزهري، عن عمر بن عبد العزيز، عن الربيع بن سبرة، عن أبيه. خالفه معمر (١)، وابن عيينة (٢)، وصالح بن كيسان (٣)، ويونس بن يزيد (٤)، وبحر السقاء (٥)، وإسماعيل بن أمية (٦) فقالوا (عن الزهري، عن الربيع بن سبرة عن أبيه). وهم محمد بن إسحاق فزاد عمر بن عبد العزيز بين الزهري والربيع بن سبرة. وسيأتي الحديث في باب إسماعيل بن أمية ح (٥٤٨) فانظره، وقد ذكر أن ذلك في حجة الوداع. علة الوهم: كان الزهري يقول في هذا الحديث: كنا عند عمر بن عبد العزيز فتذاكرنا متعة النساء فقال له رجل يقال له ربيع بن سبرة: أتشهد على أبي أنه حدّث أن رسول الله ﷺ نهى عنها. فمن هنا دخل الوهم على ابن إسحاق فظن أن الزهري يحدث بهذا الحديث عن عمر بن عبد العزيز وإنما هو يحدث به عن الربيع وكان حدث به في مجلس عمر، والله تعالى أعلم.

стр. 1452

الحديث الثامن عشر (١): ٣١٢ - قال أبو داود ﵀ (١٠٨٨): حدثنا النفيلي، حدثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن السائب بن يزيد ﵁ قال: كان يؤذن بين يدَيْ رسول الله ﷺ إذا جلس على المنبر يوم الجمعة على باب المسجد وأبي بكر وعمر، ثم ساق نحو حديث يونس. التعليق: هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح. وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٦٦٤٢) من طريق أحمد بن خالد الوهبي. وأخرجه أحمد (٣/ ٤٤٩) من طريق إبراهيم بن سعد، وعبد الله بن إدريس، وأبي شهاب، وابن ماجه (١١٣٥) من طريق جرير بن عبد الحميد، وأبي خالد الأحمر، وابن خزيمة (١٨٣٧)، والطبراني في الكبير (٦٦٤٣) (٦٦٤٤) من طريق حماد بن سلمة وسفيان الثوري، وأبو داود (١٠٨٩) من طريق عبدة بن سليمان كلهم عن محمد بن إسحاق به إلا أنهم لم يقولوا (على باب المسجد). هكذا قال محمد بن إسحاق عن الزهري، عن السائب بن يزيد

стр. 1453

أنه كان يؤذن بين يدَيْ رسول الله ﷺ إذا جلس على المنبر يوم الجمعة على باب المسجد. خالفه جمع من أصحاب الزهري فرووه بهذا الإسناد ولم يقولوا على باب المسجد، منهم: ابن أبي ذئب (١)، ويونس بن يزيد (٢)، وعقيل بن خالد (٣)، وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون (٤)، وصالح بن كيسان (٥)، وسليمان التيمي (٦)، وقرة بن خالد (٧). تفرد محمد بن إسحاق بذكر أن الأذان الذي كان في زمن النبي ﷺ يوم الجمعة أنه على باب المسجد. وقد أنكر بعض أهل العلم تفرد ابن إسحاق بهذا. قال الألباني: «منكر بزيادة (على باب المسجد)، ففي ثبوتها عندي وقفة وبخاصة أنه قد تابعه سبعة من الثقات على أصل الحديث لم يذكر أحد منهم هذه الزيادة على باب المسجد كما حققه العلامة العظيم آبادي (٨) في عون المعبود». وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: سنده جيد إلا أن ابن إسحاق

стр. 1454

مدلس وقد رواه هاهنا بالعنعنة، ولم يتابع على قوله (على باب المسجد) فيكون في صحة هذه الزيادة نظر، وقد رواه أحمد في المسند عنه عن الزهري وصرّح بالسماع ولكنه لم يذكر هذه الزيادة كما ذكر ذلك وأجاد البحث فيه صاحب عون المعبود (١). وقال محمد شمس الحق آبادي: «ويدور إسناد حديث السائب ابن يزيد على ابن شهاب الزهري، وروى عن الزهري سبعة أنفس ابن أبي ذئب … لكن هؤلاء السبعة غير محمد بن إسحاق ما ذكروا في روايته موضع الأذان … » (٢). الدلالة الفقهية: استدل بعض أهل العلم بهذا الحديث أن الأذان يوم الجمة الذي يسبق الخطبة وبعد طلوع الخطيب المنبر يكون على باب المسجد. قال ابن عبد البر: وفي حديث ابن إسحاق هذا ما يدل على أن الأذان كان بين يدَيْ رسول الله ﷺ الأذان الأول، والثاني عند باب المسجد، والثالث أحدثه عثمان على الزوراء، والله أعلم لأن الاضطراب في ذلك كثير عن ابن شهاب (٣). وقال العيني: في رواية أبي داود كان يؤذن بين يدَيْ رسول الله ﷺ على باب المسجد وأبي بكر وعمر، وكذا في رواية الطبراني (٤).

стр. 1455

وقال صاحب عون المعبود: فهذا ابن عبد البر قد قيّد الأذان الذي يكون بين يدَيْ الإمام أن يكون عند باب المسجد، وهذا هو الصحيح، ولم يثبت حرف واحد في الأذان مستقبل الإمام محاذياً به عند المنبر كما هو متعارف الآن (١). الخلاصة: حديث السائب بن يزيد حديث صحيح أخرجه البخاري في صحيحه، ويدور إسناده على ابن شهاب الزهري ورواه عن الزهري ثمانية أنفس، ولفظه (كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄، فلما كان عثمان ﵁ وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء) هذا لفظ ابن أبي ذئب عند البخاري وبنحوه حدث الباقون. وزاد محمد بن إسحاق كما في حديث الباب مكان هذا الأذان وأنه على باب المسجد. وزاد في رواية أخرى وقت هذا الأذان وأنه كان بعد الزوال عند خروجه من داره إلى المسجد فقال: (فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على دار في السوق يقال لها الزوراء فإذا خرج أذّن وإذا نزل أقام) (٢). وفي رواية (فلما كان عثمان فشا الناس وكثروا فأمر مؤذناً فأذّن بالزوراء قبل خروجه يعلم الناس أن الجمعة قد حضرت) (٣).

стр. 1456

وقد أطلت البحث فيها في كتابي (نفي البدعة عن الصلاة بين الأذانين يوم الجمعة) والذي اشتمل على ثلاث مباحث منها (وقت الأذان الأول يوم الجمعة) وهل هو بعد الزوال كما هو الحال في الحرمين مكة والمدينة، أو قبل الزوال بساعة أو نحوها كما يعمل به في نجد والحجاز وغيرها. وانتهيت منه إلى أن الأذان الذي أحدثه عثمان إنما كان هو وقت الزوال وذكرت فيه كثيراً من النقول أقتصر منها هنا على ما ذكره ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٥٦) قال: أمر عثمان لما كثر الناس بالنداء الثالث في العدد وهو الأول الذي بدأ به بعد زوال الشمس بين المهاجرين والأنصار فلم ينكره أحد منهم علمناه ثم مضت الأمة عليه إلى زماننا هذا) والله تعالى أعلم.

стр. 1457

الحديث التاسع عشر (١): ٣١٣ - قال الإمام أحمد ﵀ (٤/ ٣٢٣): حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يزيد بن هارون أنا محمد بن إسحاق بن يسار عن الزهري محمد بن مسلم بن شهاب عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا: خرج رسول الله ﷺ عام الحديبية يريد زيارة البيت لا يريد قتالاً وساق معه الهدي سبعين بدنة وكان الناس سبعمائة رجل فكانت كل بدنة عن عشرة … الحديث. التعليق: هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح. وأخرجه ابن خزيمة (٢٩٠٦) والطبري في تفسيره (٢٦/ ١٠١) والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٣/ ٤٥٦) والبيهقي (٥/ ٢٣٥) من طرق عن محمد بن إسحاق به. وقد وهم فيه ابن إسحاق في موضعين: الأول: قوله أن الذي خرج مع رسول الله ﷺ عام الحديبية سبعمائة رجل، وخالفه سفيان بن عيينة (٢)، ومعمر (٣) فروياه عن الزهري بهذا الإسناد فقالا (بضع عشرة مائة).

стр. 1458

وقد جاء تفسير هذا العدد وأنه نحو ألف وأربعمائة في أحاديث أخرى. فقد جاء في رواية سالم بن أبي الجعد عن جابر أن أصحاب الحديبية كانوا ألفاً وخمسمائة (١). ورواه سعيد بن المسيب عن جابر قال: ألف وخمسمائة (٢). وروى سفيان عن عمرو بن دينار عن جابر قال: ألف وأربعمائة (٣). وروى الليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر مثله (٤). وروى شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان أصحاب الشجرة ألفاً وثلاثمائة (٥). وروى معقل بن يسار أن أصحاب الشجرة كانوا ألفاً وأربعمائة (٦)، لذا حكم الطحاوي والبيهقي وابن كثير وابن القيم على ابن إسحاق بالوهم. قال الطحاوي: «لم نجد أحداً ممن روى هذا الحديث عن الزهري تابع محمد بن إسحاق على ما رواه عليه من عدد الناس الذين كانوا حينئذ مع رسول الله ﷺ وأنهم كانوا سبعمائة، فممن خالفه

стр. 1459

في ذلك وذكر أنهم بضع عشرة مئة: معمر بن راشد وسفيان بن عيينة» (١). قال البيهقي: «كذا رواه ابن إسحاق» ثم أخرجه من طريق ابن عيينة بأنهم بضع عشرة مائة ثم قال: «وكذلك رواه معمر بن راشد عن الزهري وأخرجه البخاري في الصحيح من حديث معمر وسفيان عن الزهري، والروايات الثابتة متفقة على أنهم كانوا أكثر من ألف رجل على الحديبية» (٢). وقال ابن القيم: وغلط غلطاً بيِّناً مَنْ قال: كانوا سبعمائة، وعذره أنهم نحروا يومئذ سبعين بدنة والبدنة قد جاء أجزاؤها عن سبعة وعن عشرة، وهذا لا يدل على ما قال هذا القائل، فإنه قد صرّح بأن البدنة كانت في هذه العمرة عن سبعة (٣)، فلو كانت السبعون عن جميعهم لكانوا أربعمائة وتسعين رجلاً، وقد قال في تمام الحديث بعينه أنهم كانوا ألفاً وأربعمائة (٤). وقال ابن كثير: كذا قال ابن إسحاق، وهو معدود من أوهامه، فإن المحفوظ في الصحيحين أنهم كانوا بضع عشرة ومائة (٥). وقال في تاريخه بعد أن ساق الروايات المخالفة لابن إسحاق: هذه الروايات كلها مخالفة لما ذهب إليه ابن إسحاق من أن

стр. 1460

أصحاب الحديبية كانوا سبعمائة وهو والله أعلم قال ذلك تفقهاً من تلقاء نفسه من حيث أن البدن كنّ سبعين بدنة وكل منها عن عشرة على اختياره فيكون المهلون سبعمائة، ولا يلزم أن يهدي كلهم ولا أن يحرم كلهم أيضاً (١). الثاني: قوله أنهم اشتركوا في النحر فكانت البدنة عن عشرة. والصحيح كما في رواية جابر ﵄ أن البدنة كانت عن سبعة، فروى عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر قال: كنا نتمتع مع رسول الله ﷺ بالعمرة فنذبح البقرة عن سبعة نشترك فيها (٢). وروى مالك عن أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: نحرنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة (٣). ورواه زهير عن أبي الزبير عن جابر قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلِّين بالحج فأمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منها في بدنة (٤). وروى يحيى بن سعيد عن ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله قال: «اشتركنا مع النبي ﷺ في الحج والعمرة كل سبعة في بدنة.

стр. 1461

فقال رجل لجابر: أيشترك في البدنة ما يشترك في الجزور؟ قال: ما هي إلا من البدن. وحضر جابر الحديبية قال: نحرنا يومئذ سبعين بدنة، اشتركنا كل سبعة في بدنة» (١). وروى أبو سفيان عن جابر قال: نحرنا مع رسول الله ﷺ يوم الحديبية سبعين بدنة كل بدنة عن سبعة (٢). وقد جاء في حديث ابن عباس ﵁ ما يوافق رواية محمد بن إسحاق في كون البقرة تجزاء عن عشرة إلا أن في إسناده كلاماً. وهو ما رواه الحسين بن واقد عن علباء بن أحمد عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: كنا مع رسول الله ﷺ فحضر النحر فاشتركنا في البقرة سبعة وفي الجزور عشرة (٣). إلا أن في إسناده الحسين بن واقد قال الأثرم: ذكر أبو عبد الله حسين بن واقد فقال: وأحاديث حسين ما أدري أي شيء هي ونفض يده، قال العقيلي: أنكر أحمد بن حنبل حديثه، وقال الساجي: فيه نظر، وقال ابن حبان: ربما أخطأ في الروايات.

стр. 1462

لذا قال البيهقي: فإن محمد بن إسحاق تفرد بذكر البدنة عن عشرة، وحديث عكرمة ينفرد به الحسين بن واقد، وحديث جابر أصح من جميع ذلك. وأخبر باشتراكهم فيها في الحج والعمرة والحديبية فهو أوْلى بالقبول (١). وقال ابن جرير الطبري: اجتمعت الحجة على أن البقرة والبدنة لا تجزاء عن أكثر من سبعة، وفي ذلك دليل على أن حديث ابن عباس وما كان مثله خطأ ووهم أو منسوخ (٢). وقال الطحاوي بعد أن ذكر حديث أبي سفيان عن جابر قال: نحرنا مع رسول الله ﷺ يوم الحديبية سبعين بدنة كل بدنة عن سبعة. فقال: ففي هذا أن السبعين لم تنحر إلا عن خاص من القوم الذي عددهم ألف وأربعمائة. ثم قال: فإن قال قائل قد روي عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنهم ضحوا معه بالبعير عن عشرة … قال: فنظرنا هل روي ما يخالفه ثم أورد السنّة. عن أبان بن يزيد عن قتادة عن أنس عن النبي ﷺ أن الجزور عن سبعة، قال: فكان هذا أوْلى لأن في هذا التوقيف من رسول الله ﷺ على هذا العدد الذي هو سبعة ما يمنع أن يكون عما هو أكثر من ذلك (٣).

стр. 1463

الحديث العشرون (١): ٣١٤ - قال أبو داود ﵀ (٣٣٢١): حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا عبد الله بن إدريس، قال ابن إسحاق، حدثني الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه عن جده في قصته قال: قلت: يا رسول الله إن من توبتي إلى الله أن أُخرج من مالي كله إلى الله وإلى رسوله صدقة؟ قال: «لا» قلت: فنصفه؟ قال: «لا» قلت: فثلثه؟ قال: «نعم» قلت: فإني أمسك سهمي من خيبر. التعليق: هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح. هكذا قال محمد بن إسحاق عن الزهري: إن من توبتي إلى الله أن أخرج من مالي كله إلى الله وإلى رسوله.

стр. 1464

قال له ﷺ : «لا» قلت: فنصفه؟ قال: «لا» قلت: فثلثه؟ قال: «نعم». خالفه جماعة من أصحاب الزهري فقالوا إن النبي ﷺ قال له: «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك» فقال: إني أمسك سهمي الذي بخيبر. ولم يذكروا النصف والثلث وأن النبي ﷺ وافقه في الثلث، منهم: عقيل بن خالد (١)، ويونس بن يزيد (٢)، وعبد الله بن مسلم ابن أخي الزهري (٣)، ومعقل بن عبيد الله (٤)، ومعمر (٥)، وابن جريج (٦)، وغيرهم، وقد تقدم في باب سفيان بن عيينة فإنه تابعه على الثلث فانظره في بابه، ح (١٤٥).

стр. 1465

الحديث الحادي والعشرون (١): ٣١٥ - قال أبو داود ﵀ (٢٧٤٣): حدثنا هنّاد قال: ثنا عبدة يعني ابن سليمان الكلابي عن محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال: بعث رسول الله ﷺ سرية إلى نجد فخرجتُ معها فأصبنا نَعَماً كثيراً فنفَّلَنَا أميرنا بعيراً بعيراً لكل إنسان ثم قدمنا على رسول الله ﷺ فقسم بيننا غنيمتنا فأصاب كل رجل منا اثنا عشر بعيراً بعد الخُمُس وما حاسبنا رسول الله ﷺ بالذي أعطانا صاحبنا ولا عاب عليه بعدما صنع فكان لكل رجل منا ثلاثة عشر بعيراً بنفله. التعليق: هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال مسلم. أخرجه البيهقي (٦/ ٣١٢)، وابن عبد البر في التمهيد (١٤/ ٤٥) من طريق يعلى بن عبيد، وابن أبي شيبة في مصنفه (٣٦٨٦٥) من طريق عبد الرحيم بن سليمان كلاهما عن ابن إسحاق به. هكذا قال محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر: أن أميرهم نفلهم، وأن النفل كان قبل الخمس يعني من رأس الغنيمة. خالفه أكثر أصحاب نافع وفيهم أثبت الناس فيه فقالوا إن النبي ﷺ هو الذي نفلهم بعد قسمة الغنيمة، منهم:

стр. 1466

مالك بن أنس (١)، وأيوب السختياني (٢)، وعبيد الله بن عمر (٣)، وابن عون (٤)، وأسامة بن زيد (٥)، وموسى بن عقبة (٦)، وعبد الله بن زياد بن سمعان (٧)، وعبد العزيز بن عبد الله (٨)، وبرد بن سنان (٩)، ومحمد بن الوليد الزبيدي (١٠)، وإسماعيل بن أمية (١١)، وابن شهاب الزهري (١٢)، وشعيب بن أبي حمزة (١٣). ولفظ مالك: فكانت سهامهم اثني عشر بعيراً أو أحد عشر بعيراً ثم نفلوا بعيراً بعيراً. كذا رواه الشافعي (ثم) ورواه الباقون (ونفلوا).

стр. 1467

ولفظ عبيد الله بن عمر فقال: فبلغت سهامنا اثني عشر بعيراً، ونفلنا رسول الله ﷺ بعيراً بعيراً. وكذلك رواه أيوب وابن عون وموسى بن عقبة والباقون بنحوه. ومما يؤيد رواية الجماعة عن نافع أن النبي ﷺ هو الذي نفّلهم ما رواه يونس بن يزيد عن الزهري عن سالم عن أبيه عبد الله بن عمر ﵄ قال: نفلنا رسول الله ﷺ نفلاً سوى نصيبنا من الخمس فأصابني شارف (والشارف المسن الكبير) (١) لذا ذكر غير واحد من أهل العلم أن هذا النفل إنما هو من الخمس. وقال أبو عبيد: ومنه حديث قوله بعثنا النبي ﷺ في سرية فأصابنا اثنا عشر بعيراً ونفلنا بعيراً بعيراً. فهذا النفل الذي ذكره بعد السهام ليس له وجه إلا أن يكون من الخمس، وقد جاء مفسراً مبيناً في حديث مكحول الذي ذكرناه أن رسول الله ﷺ نفل يوم خيبر من الخمس، وكذلك قول سعيد بن المسيب ما كانوا ينفلون إلا من الخمس (٢). وقد عقد الإمام البخاري في صحيحه باباً ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين ما سأل هوازن النبي ﷺ برضاعه فيهم فتحلل من المسلمين، وما كان النبي ﷺ يعد الناس أن يعطيهم من الفيء والأنفال من الخمس (٣).

стр. 1468

وعقد الدارمي في سننه (باب النفل بعد الخمس). وابن الجارود (باب تنفيل السرية تخرج من العسكر من الخمس). وابن حبان في صحيحه (١١/ ١٦٤): باب الإباحة للإمام أن ينفل السرية إذا خرجت شيئاً معلوماً من خمس الخمس سوى سهامهم. وقال ابن عبد البر: ظاهر هذه الروايات كلها عن نافع عن عبد الله بن عمر أن سهمانهم وقسمتهم ونفلهم كان من أميرهم وأنه نفلهم بعد القسمة وهذا يوجب أن يكون النفل من الخمس على هذا يتفق ظاهر معنى الحديث في رواية مالك والليث وشعيب بن أبي حمزة وإسماعيل بن أمية وعبيد الله بن عمر وأيوب السختياني وخالفهم محمد بن إسحاق فجعل النفل من رأس الغنيمة ثم جعل القسمة بعد وقول هؤلاء أوْلى من قول محمد بن إسحاق لأنهم جماعة حفاظ، واتفق هؤلاء كلهم على أن الذي حصل في السهمان لأهل السرية سوى البعير الذي نفلوا اثنا عشر بعيراً لم يشك في ذلك أحد من الرواة عن نافع غير مالك وحده، وكذلك اتفقوا كلهم عن نافع في هذا الحديث على أن رسول الله ﷺ بعث السرية وأن سهمان أهل السرية هي السهمان المذكورة في هذا الحديث وأنهم نفلوا بعيراً بعيراً بعد ذلك حاشا شعيب بن أبي حمزة وحده فإنه انفرد بأن قال: بعث رسول الله ﷺ جيشاً قبل نجد فانبعثت منه هذه السرية) (١). ثم قال: وفي رواية مالك وغيره ممن تابعه على هذا الحديث ما يدل على أن النفل لم يكن من رأس الغنيمة وإنما كان من الخمس،

стр. 1469

وفي رواية محمد بن إسحاق ما يدل على أن ذلك كان من رأس الغنيمة والله أعلم أي ذلك كان، وهذا موضع اختلف فيه العلماء وتنازعوا قديماً وحديثاً. وقال ابن عبد البر أيضاً: وإنما جاء اختلاف العلماء في هذا الباب على حسبما رووا فيه والله أعلم، وأما حديث ابن عمر المذكور في هذا الباب فلا يحتمل تأويلاً ولا له إلا وجه واحد وذلك أنهم نفلوا بعيراً بعيراً بعد سهمانهم فدلّ على أن ذلك من غير سهمانهم ولا موضع لغير السهمان إلا الخمس على رواية أكثر أصحاب نافع لهذا الحديث لا على رواية ابن إسحاق. ومما احتج به مَنْ رأى النفل من الخمس لا من رأس الغنيمة حديث معاوية مع عبادة بن الصامت وذلك أن معاوية لما غزا عام المضيف فغنم أرسل إلى عبادة بن الصامت يردون من المغنم فرده عبادة فقال له معاوية: ما أنت وذاك؟ قال عبادة: إنك لم تكن معنا في غزوة كذا وكذا إذ جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أعطني عقالاً، فقال له رسول الله ﷺ : «لا طاقة لك بعقال من نار ولكن إذا خمّسنا فتعال أعطك» قالوا: فهذا نص على أن النفل لا يكون من رأس الغنيمة. وقال في الاستذكار: «في رواية مالك أن النفل من الخمس لا من رأس الغنيمة وكذلك رواه عبد الله وأيوب عن نافع، وفي رواية ابن إسحاق عنه أنه من رأس الغنيمة لكنه ليس كهؤلاء في نافع». وقال أبو عبيد: وفي هذا النفل الذي ينفله الإمام سنن أربع لكل واحدة منهن موضع غير موضع الأخرى. فإحداهن في النفل الذي لا خمس فيه.

стр. 1470

والثانية في النفل الذي يكون من الغنيمة بعد إخراج الخمس. والثالثة في النفل الذي يكون من الخمس نفسه. والرابعة في النفل من جملة الغنيمة قبل أن يخمس منهما شيء. فأما الذي لا خمس فيه فإنه السلب وذلك أن ينفرد الرجل بقتل المشرك فيكون له سلبه مسلماً من غير أن يخمس أو يشركه فيه أحد من العسكر. وأما الذي يكون من الغنيمة بعد الخمس فهو أن يوجه الإمام السرايا في أرض الحرب فتأتي بالغنائم فيكون للسرية مما جاءت به الربع أو الثلث بعد الخمس. وأما الثالث فأن تحاز الغنيمة كلها ثم تخمَّس، فإذا صار الخمس في يدَيْ الإمام نفل منه على قدر ما يرى. وأما الذي يكون من جملة الغنيمة فما يعطى الأدلاء على عورة العدو ورعاء الماشية والسواق لها وذلك أن هذا منفعة لأهل العسكر جميعاً، وفي كل ذلك أحاديث واختلاف وستأتي في موضعها إن شاء الله (١).

стр. 1471

الحديث الثاني والعشرون (١): ٣١٦ - قال أبو داود ﵀ (١١١٩): حدثنا هناد بن السري، عن عبدة، عن ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا نعس أحدكم وهو في المسجد فليتحول من مجلسه ذلك إلى غيره». التعليق: هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح. وأخرجه الترمذي (٥٢٦) وأحمد (٢/ ٢٢) وابن خزيمة (١٨١٩) وعبد بن حميد (٧٤٧) وابن حبان (٢٧٩٢) والدارقطني في العلل (٢٧٧٢) والحاكم (١/ ٢٩١) وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ١٨٦) والبيهقي (٣/ ٢٢٧) والبغوي في شرح السنّة (١٠٧٨) والبيهقي في معرفة السنن والآثار (٤/ ٤٠٧) والطوسي في مختصر الأحكام (٤٩٤)، (٤٩٥) كلهم من طرق عن محمد بن إسحاق من طريق عبدة بن سليمان، وأبي خالد الأحمر، ويزيد بن هارون، وسفيان الثوري، ويعلى بن عبيد، ومحمد بن عبيد، وعيسى بن يونس، وإبراهيم بن سعد، وأحمد بن خالد الوهبي كلهم عن ابن إسحاق به.

стр. 1472

هكذا رواه محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر عن النبي ﷺ . وخالفه عمرو بن دينار (١) فرواه عن ابن عمر موقوفاً. وقد أنكر أئمة هذا الفن الحديث على ابن إسحاق، ورجح الوقف الدارقطني والبيهقي والنووي. قال علي بن المديني: «لم أجد لابن إسحاق إلا حديثين منكرين هذا أحدهما» (٢). وقال البيهقي: ولا يثبت رفع هذا الحديث، والمشهور عن ابن عمر من قوله، وقال في المعرفة: والموقوف أصح. وقال النووي: والصواب أنه موقوف كما قال البيهقي، وأما تصحيح الترمذي والحاكم فغير مقبول (٣). وكذلك صححه الألباني (٤) وذكر أن له طريقاً أخرى مستدلاً بما تعقب به ابن التركماني البيهقي فإن البيهقي أخرجه من طريق أحمد بن عمر الوكيعي عن عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن نافع به مرفوعاً. إلا أن هذا الطريق أيضاً معلول، فقد قال الدارقطني: «لم يتابع

стр. 1473

عليه والمحفوظ عن المحاربي، عن محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر». وكذلك رواه الثوري وغيره عن محمد بن إسحاق (١).

стр. 1474

الحديث الثالث والعشرون (١): ٣١٧ - قال أبو داود ﵀ (١٩١٣): حدثنا أحمد بن حنبل ثنا يعقوب ثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني نافع عن ابن عمر قال: غدا رسول الله ﷺ من مِنًى حين صلّى الصبح صبيحة يوم عرفة حتى أتى عرفة فنزل بنَمِرة وهي منزل الإمام الذي ينزل به بعرفة حتى إذا كان عند صلاة الظهر راح رسول الله ﷺ مُهَجِّراً فجمع بين الظهر والعصر ثم خطب الناس ثم راح فوقف على الموقف من عرفة. التعليق: هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح. وأخرجه أحمد (٢/ ١٢٩) عن يعقوب به. وقد وهم محمد بن إسحاق في قوله (أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر ثم خطب الناس). فجعل الصلاة يوم عرفة قبل الخطبة. وقد جاء في حديث جابر ﵁، وفي حديث عبد الله بن الزبير تقديم الخطبة على الصلاة. جاء في حديث جابر: فأتى بطن الوادي فخطب الناس … ثم أذّن ثم أقام فصلّى الظهر، ثم أقام فصلّى العصر ولم يصلِّ بينهما شيئاً ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف (٢).

стр. 1475

وفي حديث عبد الله بن الزبير قال: ثم يغدو إلى عرفة فيقيل حيث قضى له حتى إذا زالت الشمس خطب الناس ثم صلّى الظهر والعصر جميعاً (١) .. وجاء في حديث ابن عمر ﵁ أنه قال للحجاج: إن كنت تريد السنّة فأقصر الخطبة وعجِّل الصلاة (٢) وفي رواية الوقوف. قال عبد الحق الإشبيلي بعد أن ذكر حديث ابن إسحاق قال: تقدم من حديث جابر أنه ﵇ خطب قبل الصلاة وهو المشهور الذي عمل به الأئمة والمسلمون (٣). قال ابن القطان معقباً: فإن يكن هذا تعليلاً للحديث فلم يبين لمَ لا يصح، وذلك أنه من رواية ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر (٤). قال الزيلعي: وأعله هو وابن القطان بعده بابن إسحاق (٥). وقال الحافظ ابن حجر: وهذا بخلاف ما رواه جابر وابن الزبير، وابن إسحاق لا يحتج بما ينفرد به من الأحكام فضلاً عما إذا خالفه مَنْ هو أثبت منه (٦).
следующие страницы →