الحديث الثالث والثلاثون (١):
٣٣ - قال أبو عبد الله المروزي في البر والصلة (٣٤٧): حدثنا ابن المبارك قال: أخبرنا سفيان عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق».
التعليق:
هذا إسناد رجاله كلهم رجال الصحيح، ورواه ابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ٢٢٦) من طريقه.
ورواه أبو عوانة (٦٠٧٦) من طريق عبد الله بن الوليد، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٧/ ٩١) و (٨/ ١٨٠) من طريق عباد بن موسى أبي عقبة الأزرق وعصام بن يزيد وعبد الله بن المبارك جميعهم عن سفيان الثوري بهذا الإسناد.
هكذا رواه سفيان فقال: محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة.
стр. 177
الحديث الرابع والثلاثون (١):
٣٤ - قال أبو عبد الله المروزي في البر والصلة (٣٤٧): حدثنا ابن المبارك قال: أخبرنا سفيان عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق».
التعليق:
هذا إسناد رجاله كلهم رجال الصحيح، ورواه ابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ٢٢٦) من طريقه.
ورواه أبو عوانة (٦٠٧٦) من طريق عبد الله بن الوليد، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٧/ ٩١) و (٨/ ١٨٠) من طريق عباد بن موسى أبي عقبة الأزرق وعصام بن يزيد وعبد الله بن المبارك جميعهم عن سفيان الثوري بهذا الإسناد.
هكذا رواه سفيان فقال: محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة.
стр. 178
خالفه: سفيان بن عيينة (١)، والليث بن سعد (٢)، ووهيب بن خالد (٣)، وسعيد بن أبي أيوب (٤)، وسليمان بن بلال (٥)، وأبو ضمرة (٦)، والفضل بن فضالة (٧)، وطارق بن عبد العزيز (٨)، ومحمد بن عبد الوهاب القناد (٩)، وعبد العزيز الدراوردي (١٠)، فقالوا: محمد بن عجلان عن بكير بن عبد الله الأشج، عن عجلان عن أبي هريرة.
وكذلك رواه عمرو بن الحارث عن بكير عن عجلان عن أبي هريرة (١١).
وقد صوّب أبو داود والدارقطني وابن عبد البر رواية الجماعة عن ابن عجلان.
قال أبو داود: هذا الحديث إنما يرويه عن ابن عجلان عن بكير بن عبد الله الأشج عن عجلان عن أبي هريرة (١٢).
стр. 179
قال ابن عبد البر: هو كما قال أبو داود.
وقال أبو نعيم: كذا رواه سفيان عن ابن عجلان وتفرد به، وخالفه سفيان بن عيينة وسليمان بن بلال وأبو ضمرة فقالوا: عن ابن عجلان عن بكير بن عبد الله الأشج عن عجلان عن أبي هريرة بإدخال بكير بينه وبين أبيه (١).
وقال الدارقطني في العلل عن رواية ابن عيينة ومَن تابعه أنها الصحيح (٢).
علة الوهم:
سلك به الجادة لكثرة رواية محمد بن عجلان عن أبيه حتى ذكر الآجري عن أبي داود أنه قال: لم يروِ عن عجلان غير ابنه محمد (٣).
اختلاف الأمصار: محمد بن عجلان مدني، وسفيان الثوري كوفي، والله تعالى أعلم.
стр. 180
الخاتمة
وهم الإمام الحافظ الثقة أمير المؤمنين في الحديث سفيان الثوري فيما وقفنا عليه في بضع وثلاثين حديثاً، وهي كالتالي:
ستة منها في المتن وهي كالتالي: (١، ٢، ٨، ١٠، ١١، ٢٢)، منها ما يتعلق بها حكم فقهي، أولها قوله في مَنْ مات محرماً: «ولا تخمروا رأسه ولا وجهه» والصحيح: «ولا تخمروا وجهه»، والثاني قوله: «فلم يرفع يديه إلا مرة واحدة»، والثالثة قوله في التي أنكحها أبوها وهي كارهة أنها كانت بكراً، والصحيح أنها ثيب، والبقية في أسماء أعلام أو أماكن وهم في تسميتها.
خالف شعبة سفيان في تسعة أحاديث كان القول فيها قول شعبة، وهي التي بالأرقام التالية: (٨، ١٣، ١٤، ١٦، ٢١، ٢٣، ٢٤، ٢٥، ٣١) منها أربعة أحاديث كوفية بلد سفيان، وهذا خلاف ما ذكره بعض أهل العلم من أنه ما اختلف سفيان وشعبة في سنن إلا كان القول قول سفيان.
قال الدوري: قال يحيى: ليس أحد يخالف سفيان الثوري إلا كان القول قول سفيان. قلت: وشعبة أيضاً إن خالفه؟ قال: نعم. قلت لأبي زكريا: فإن خالف شعبة في حديث البصريين القول قول مَنْ
стр. 181
يكون؟ قال: ليس يكاد يخالف شعبة سفيان في حديث البصريين (١).
قلت: بل خالف شعبة سفيان في حديث البصريين، وكان القول في بعضها قول سفيان مع أن شعبة بصري، وانظره في باب شعبة (٢).
أربعة عشر حديثاً كان علة الوهم فيها اختلاف الأمصار، ١١ حديثاً منها شيوخه من المدينة النبوية.
وذكرنا في باب شعبة أن سفيان وشعبة إمامان حافظان ويحدثان من حفظهما، وكان سفيان ربما حدّث في المجلس الواحد بثلاثمائة حديث من حفظه (٣)، فرجل يحفظ الآلاف لا يضره الوهم في بضعة عشر حديثاً، والله تعالى أعلم.
وهم سفيان على أبي إسحاق السبيعي في ثلاثة أحاديث (١٣، ٢٤، ٢٥)، وخالفه شعبة فيها، وكان القول قول شعبة، فيما وهم شعبة على أبي إسحاق في حديثين (من أصل ٤٥ حديثاً في بابه) كان القول قول سفيان في أحدها.
لذا كان قول عبد الرحمن بن مهدي: «ليس أحد أصح حديثاً عن أبي إسحاق من شعبة» صحيحاً مع أن أبا إسحاق كوفي مثل سفيان وشعبة بصري.
стр. 182
ملخص لما جاء في باب سفيان الثوري من الأوهام
رقم الحديث شيخ سفيان مصره الوهم الصحيح ١ الأعمش كوفي ألف وخمسمائة ستمائة إلى سبعمائة ٢ عمرو بن دينار مكي ولا تخمروا رأسه ولا وجهه ولا تخمروا وجهه ٣ الأعمش كوفي عبدالله بن سنان يعقوب بن بجير عن ضرار ٤ الأعمش كوفي جابر بن عبدالله عن سليك جابر أن سليكاً ٥ عبيدالله بن عمر بن حفص مدني عبيدالله عن نافع عن ابن عمر عبيدالله عن عمر بن نافع عن أبيه عن ابن عمر ٦ عبيدالله بن عمر مدني عبيدالله عن نافع عن ابن عمر عبيدالله عن نافع عن سالم عن أبي الجراح عن أم حبيبة ٧ أبو جهضم مدني عبيدالله بن عبدالله عن ابن عباس عبدالله بن عبيدالله بن عباس ٨ حبيب بن الشهيد بصري خرج معاوية فقام عبدالله بن الزبير وابن صفوان خرج معاوية فقام عبدالله بن عامر وابن صفوان
стр. 183
رقم الحديث شيخ سفيان مصره الوهم الصحيح ٩ زيد بن أسلم مدني عن رجل من قومه عن أبيه ١٠ أبو الزبير مكي بالبقيع بالنقيع ١١ عاصم بن كليب كوفي فلم يرفع يده إلا مرة زيادة شاذة ١٢ هشام بن عروة مدني كوفي حجاج عن النبي ﷺ حجاج عن أبيه عن النبي ﷺ ١٣ أبو إسحاق السبيعي كوفي أبو إسحاق عن البراء أبو إسحاق عن الربيع عن البراء ١٤ أيوب بصري أبو قلابة عن أنس أبو قلابة عن رجل عن أنس ١٥ حبيب بن أبي ثابت كوفي أبو ذر معاذ بن جبل ١٦ منصور بن المعتمر كوفي ربعي عن أبي ذر ربعي عن زيد بن ظبيان ١٧ أبو الزناد مدني عن حنظلة عن أبي حنظلة ١٨ يحيى بن سعيد الأنصاري مدني عباية بن رفاعة معاذ بن رفاعة ١٩ يزيد بن أبي زياد الكوفة المطلب بن أبي وداعة المطلب بن أبي ربيعة ٢٠ عبدالله بن حسن مدني إبراهيم بن محمد بن طلحة عن عبدالله بن الحسن عن عكرمة ٢١ عبدالرحمن مدني وهي بكر وهي ثيب. ٢٢ جعفر بن محمد مدني عن أبي رافع عن عبيدالله بن أبي رافع ٢٣ أبو إسحاق الكوفة مالك بن خالد خالد بن مالك ٢٤ أبو إسحاق الكوفة امرأة أبي إسحاق عن امرأة أبي السفر عن عائشة امرأة أبي إسحاق عن عائشة ٢٥ عبدالكريم الجزري حران زياد بن أبي مريم زياد الجراح
стр. 184
رقم الحديث شيخ سفيان مصره الوهم الصحيح ٢٦ ثور بن يزيد حمص خالد بن معدان عن عائشة خالد بن معدان عن ربيعة عن عائشة ٢٧ عطاء بن السائب الكوفة مهران هرمز أو كيسان ٢٨ إسماعيل بن أبي خالد الكوفة إسماعيل عن أخيه عن أبي بردة إسماعيل عن أخيه عن بشر عن أبي بردة ٢٩ يحيى بن سعيد المدينة يحيى عن نافع عن علي يحيى عن واقد عن نافع ٣٠ محمد بن المنكدر المدينة محمد عن شيخ لهم عن طلحة محمد عن معاذ بن عبدالرحمن عن أبيه عن طلحة ٣١ سماك بن حرب الكوفة عبدالرحمن بن يزيد عن ابن مسعود علقمة والأسود عن ابن مسعود ٣٢ معاوية بن صالح حمص عبدالرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه العلاء بن الحارث عن القاسم مولى معاوية ٣٣ محمد بن عجلان المدينة ابن عجلان عن أبيه ابن عجلان عن بكير بن عبدالله عن عجلان ٣٤ عكرمة المدينة ابن عمر وابن عباس ابن عمر
стр. 185
أوهام شعبة
стр. 186
الإمام شعبة (١)
اسمه ومنشأه:
شعبة بن الحجاج بن الورد الواسطي البصري أبو البسطام مولى للجهضم بن عتيك وعتيك اسم للقبيلة.
أصله من واسط وسكن البصرة من الصغر.
ولد نحو سنة ٨٢ بواسط، وتوفي سنة ١٦٠ بالبصرة وهو ابن ٧٨ سنة.
وهو أكبر من سفيان الثوري بنحو عشر سنين.
ولد ونشأ بواسط، وعلَّمه كوفي كان له ابن يقال له: سعد، وكان له أخوان.
نعته الذهبي في «السير» فقال: الإمام الحافظ أمير المؤمنين في الحديث عالم أهل البصرة وشيخها.
стр. 187
وقال: كان أبو البسطام إماماً ثبتاً حجة ناقداً جهبذاً صالحاً زاهداً قانعاً بالقوت نبراساً في العلم والعمل منقطع القرين، وهو أول مَنْ جرَّح وعدَّل.
شيوخه وتلاميذه:
ذكر أبو عبد الله الحاكم أنَّ شعبة سمع من أربعمائة شيخ من التابعين.
وسمَّى المزي في «التهذيب» لشعبة ثلاثمائة شيخ وامرأة.
فقد حدَّث عن أنس بن سيرين، وإسماعيل بن رجاء، وسلمة بن كهيل، وجامع بن شداد، وسعيد بن أبي سعيد المقبري، والحكم بن عتيبة، وعمرو بن دينار، ويحيى بن أبي كثير، وأيوب السختياني، ومنصور بن المعتمر، وخلق كثير سواهم.
روى عنه الأعمش، وأيوب السختياني، ومحمد بن إسحاق، وسعد بن إبراهيم الزهري وهم من شيوخه، وسفيان الثوري، وجرير بن حازم، والحسن بن صالح بن حي وهم من أقرانه، وعبد الله بن المبارك، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان، وابن علية، وأبو أسامة حماد بن أسامة، وخلق كثير سواهم.
علمه:
كان شعبة كثير الرواية والحديث وبلغ من كثر روايته أن قال عنه الإمام أحمد بن حنبل: إنه روى عن ثلاثين رجلاً من أهل الكوفة لم يروِ عنهم سفيان.
هذا؛ مع أنَّ سفيان الثوري كوفي وشعبة من البصرة، وقد بلغ في هذا الشأن أنَّ شيوخه صاروا يرشدون الناس إلى الأخذ منه.
قال حماد بن زيد: قال لنا أيوب السختياني وهو من شيوخه: الآن يقدم عليكم رجل من أهل واسط هو فارس في الحديث فخذوا عنه.
стр. 188
قال أبو داود الطيالسي: سمعت من شعبة سبعة آلاف حديث وسمع منه غندر سبعة آلاف.
قال الذهبي معقباً: يعني بالآثار والمقاطيع.
وبلغ من علمه أنَّ شيوخه يسألونه عن حديثهم.
قال عبد الله بن المبارك: حدثني معمر أنَّ قتادة كان يسأل شعبة عن حديثه يعني حديث نفسه.
قال ابن أبي حاتم بعد أن ذكر هذا الخبر: وكان قتادة بارع العلم نسيج وحده في الحفظ في زمانه لا يتقدمه كبير أحد، فحلَّ شعبة من نفسه محلًّا يرجع إليه في حديث نفسه.
وقد بلغ من علمه بحديث قتادة أنه يعرف ما سمعه قتادة وما لم يسمعه وذلك أنَّ قتادة كان يدلس.
قال يحيى القطان: قال شعبة: لم يسمع قتادة من أبي العالية إلا ثلاثة أشياء، ثم عدَّها.
وقال أبو داود الطيالسي: قال شعبة: كنت أعرف إذا حدَّث قتادة ما سمع مما لم يسمع.
وقال أبو داود عن شعبة: كان أيوب يعني ابن أبي تميمة السختياني يمشي معي إلى مسجد بني ضبعة يسألني عن الحديث.
قال الإمام أحمد بن حنبل: شعبة أعلم بحديث الحكم ولولا شعبة لذهب حديث الحكم ولم يكن في زمن شعبة مثله في الحديث ولا أحسن حديثاً منه كان قسم له من هذا حظ.
وقال شعبة: نصصت على قتادة سبعين حديثاً كلها يقول: سمعت من أنس، إلا أربعة.
وأنه حدثنا عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ : «سووا صفوفكم، فإنَّ تسوية الصف من تمام الصلاة» فكرهت أن أوقفه عليه فيفسد عليّ فلم أوقفه عليه.
стр. 189
تحرّيه في الحديث:
قال يحيى القطان: قال شعبة: كنت أجالس قتادة فيذكر الشيء فأقول: كيف إسناده؟ فيقول المشيخة الذين حوله: إنَّ قتادة سند؛ فأسكت، فكنت أكثر مجالسته فربما ذكر الشيء فأذكره فعرف مكاني ثم كان بعد يسند لي.
قال الحميدي: قيل لسفيان: إنَّ شعبة استحلف عبد الله بن دينار يعني في حديث ابن عمر: «نهى رسول الله ﷺ عن بيع الولاء وعن هبته». قال سفيان: لكننا لم نستحلفه سمعناه مراراً.
قال بشر بن المفضل: قدم علينا إسرائيل فحدثنا عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عطاء، عن عقبة بن عامر بحديثين، فذهبت إلى شعبة فقلت: ما تصنع شيئاً، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عطاء، عن عقبة بكذا.
فقال: يا مجنون، هذا حدثنا به أبو إسحاق فقلت لأبي إسحاق: مَنْ عبد الله بن عطاء؟ قال: شابٌّ من أهل البصرة قدم علينا، فقدمت البصرة فسألت عنه فإذا هو جليس فلان وإذا هو غائب في موضع فقدم فسألته فحدثني به، فقلت: مَنْ حدَّثك؟ قال: حدثني زياد بن مخراق فأحالني على صاحب حديث فلقيت زياد بن مخراق فسألته فحدثني به قال: حدثني بعض أصحابنا عن شهر بن حوشب (١).
قال أبو داود الطيالسي: رأيت رجلاً يقول لشعبة: قل: حدثني أو أخبرني. فقال له شعبة: فقدتك أو عدمتك، وهل جاء بهذا أحد قبلي.
وكان شعبة جريئاً على شيوخه في مسألة السماع وكانوا إذا حدثوا فقالوا عن فلان يستوقفهم فيسألهم: هل سمعتموه منه؟ فقد كان لا يحب التدليس، ومن أقواله المشهورة: لَأن أزني أحب إليَّ من أن أدلس.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: قال شعبة: كنت أتفقد فم قتادة فإذا قال: سمعت أو حدثنا، تحفظته وإلا تركته.
стр. 190
قال أبو داود الطيالسي: كنا عند شعبة فجاء الحسن بن دينار فقال شعبة: يا أبا سعيد، حدِّثنا. فجلس فقال: حدثنا حميد بن هلال عن مجاهد، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول، قال: فجعل شعبة يقول: مجاهد سمع عمر؟ فقام الحسن فذهب.
وأنكر شعبة على ليث بن أبي سليم لمّا ذكر أنه سأل عطاء وطاووس ومجاهداً، كلهم في مجلس، فغضب ليث فقال: سلْ عن هذا خفّ أبيك.
وقال يحيى بن سعيد القطان: كل شيء يحدث به شعبة عن رجل فلا تحتاج أن تقول ذاك الرجل أنه سمع فلاناً، قد كفاك أمره.
قال وهب بن جرير: كان شعبة يأتي أبي وهو على حمار فيسأله عن أحاديث الأعمش فإذا حدَّثه قال: هكذا والله سمعته عن الأعمش، ثم يضرب حماره ويذهب.
قال حماد بن زيد: إذا خالفني شعبة في شيء تركته لأنه كان يكرر، ما أبالي مَنْ خالفني إذا وافقني شعبة، أن كان لا يرضى أن يسمع الحديث مرة واحدة.
وقال أبو الوليد: سألت شعبة عن حديث فقال: لا أحدِّثك لأني سمعته من أبي عون مرة واحدة.
قال شعيب بن حرب: سمعت شعبة يقول: اختلفت على عمرو بن دينار خمسمائة مرة وما سمعت منه إلا مائة حديث في كل خمس مجالس حديثاً.
ونقل عنه عبد الرحمن بن مهدي قوله: ما سمعت من رجل عدد حديث إلا اختلفت إليه أكثر من عدد ما سمعت منه من الحديث.
وقال سفيان بن عيينة: لقيت شعبة في مطر على حمار أبتر فقلت له: إلى أين؟ قال: أذهب إلى الأسود بن قيس فقد حدَّثنا عام كذا بأحاديث أبصر يحفظها العام.
стр. 191
فانظر إلى حرصه وتحرِّيه حفظ شيوخه للحديث.
وقال شعبة: كنت آتي قتادة فأسأله عن حديثين ثم يقول لي: أزيدك؟ فأقول: لا، حتى أتحفظهما وأتقنهما.
وحدَّث قتادة عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر أنَّ النبي ﷺ نهى عن نبيذ الجر.
قال شعبة: فقلت لقتادة: ممن سمعته؟ قال: حدَّثنيه أيوب السختياني. قال شعبة: فأتيت أيوب فسألته فقال: حدَّثنيه أبو بشر. قال شعبة: فأتيت أبا بشر فقال: أنا سمعت سعيد بن جبير، عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه نهى عن نبيذ الجر.
وقال شعبة: سألت الحكم عن دية اليهودي والنصراني فقال: قال سعيد بن المسيب: إنَّ عمر جعل دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف، ودية المجوس ثمانمائة. فقلت للحكم: أنت سمعته من سعيد بن المسيب؟ فقال: لو شئت سمعت من ثابت بن الحداد. قال شعبة: فأتيت ثابتاً الحداد فحدثني عن سعيد بن المسيب، عن عمر مثله.
قال شعبة: روى الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن علي سبعة أحاديث. قال شعبة: فلقيت الحكم فسألته عنها فقال: ما حدَّثت بشيءٍ منها.
قال جرير: ترك شعبة حديث الحسن بن عمارة وتكلم فيه ثم تكلم الناس فيه بعد.
وإليك هذه القصة الدالة على تحري شعبة وحرصه ورحلته في بحثه عن حديث.
روى أبو نعيم في «الحلية» بسنده عن نضر بن حماد البجلي، قال: سمعني شعبة أحدِّث عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عطاء،
стр. 192
عن عقبة بن عامر، قال: كنا نتناوب رعية الإبل، فتوضأت ثم جئت إلى رسول الله ﷺ وإذا أصحابه حوله فدنوت منه فسمعته يقول: «مَنْ توضأ ثم دخل المسجد فصلَّى ركعتين غفر الله له ما تقدم من ذنبه»، فقلت: بخ بخ، فذكر الحديث. قال: فلطمني شعبة فتنحيت في ناحية أبكي، فقال: ما له يبكي؟ فقال له ابن إدريس: إنك أسأت إليه. فقال شعبة: انظر ما يحدِّث عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، أنا قلت لأبي إسحاق: من حدَّثك بهذا الحديث؟ فقال: حدثني عبد الله بن عطاء عن عقبة. فقلت: سمع عبد الله بن عطاء عن عقبة؟! ومسعر حاضر، فقال مسعر: عبد الله بن عطاء بمكة، فرحلت إليه بمكة ولم أرد الحج، أردت الحديث، فسألت عبد الله بن عطاء عن الحديث، فقال: سعد بن إبراهيم حدثني. فقال مالك بن أنس: سعد بالمدينة لم يحج العام. فرحلت إلى المدينة فسألت عنه سعداً فقال: الحديث من عندكم زياد بن مخراق حدثني. فقلت: أيّ شيء هذا الحديث بينا هو كوفي إذ صار مكياً، إذ صار مدنياً، إذ صار بصرياً، فأتيت البصرة فسألت زياد بن مخراق فقال: ليس الحديث من بابتك. فقلت: لا بد من أن تخبرني به. فقال: حدثني شهر بن حوشب، عن أبي ريحانة، عن عقبة بن عامر. فلمّا ذكر شهراً قلت: دمر على هذا الحديث. قال نصر بن حماد: قال شعبة: والله لو صحَّ لي هذا الحديث عن رسول الله ﷺ كان أحب إليّ من أهلي ومالي ومن الناس أجمعين.
وذلك لأن شهر بن حوشب فيه كلام فهو كثير الأوهام والإرسال.
عبادته وزهده وورعه وسخاؤه:
قال أبو قطن: ما رأيت شعبة ركع قط إلا ظننت أنه نسي ولا قعد بين السجدتين إلا ظننت أنه نسي.
قال عفان: كان شعبة من العبّاد.
وقال أبو بحر البكراوي: ما رأيت أحداً أعبد لله من شعبة، لقد عبد الله حتى جفَّ جلده على عظمه واسودّ.
стр. 193
وكذلك ذكر حمزة الطوسي أنَّ شعبة كان قد يبس جلده من العبادة.
وقال عمر بن هارون: كان شعبة يصوم الدهر كله.
وقال مسلم بن إبراهيم: ما دخلت على شعبة في وقت صلاة قط إلا رأيته قائماً يصلِّي، وكان أبو الفقراء وأمهم وسمعته يقول: لولا الفقراء ما جلست إليكم.
قال عبد الرحمن بن مهدي: ما رأيت أعقل من مالك بن أنس، ولا أشد تقشفاً من شعبة، ولا أنصح للأمّة من عبد الله بن المبارك.
وقال سليمان بن حرب: خرج الليث يوماً فقوَّموا ثيابه ودابته وخاتمه وما كان عليه ثمانية عشر ألف درهم إلى عشرين ألفاً.
وقال: خرج شعبة يوماً فقيَّموا حماره وسرجه ولجامه ثمانية عشر درهماً إلى عشرين درهماً. قال: وكان شيخاً كثير الصدقة.
قال أبو قطن: كانت ثياب شعبة كالتراب وكان كثير الصلاة سخياً.
وقال عبد العزيز بن أبي رواد: كان شعبة إذا حكَّ جسمه انتثر منه التراب وكان سخياً كثير الصلاة.
وقال يحيى القطان: ما رأيت أشكر من شعبة.
وقال محمد بن عمرو: سمعت أصحابنا يقولون: وهب المهدي لشعبة ثلاثين ألف درهم فقسمها وأقطعه ألف جريب (١) بالبصرة فقدم البصرة فلم يجد شيئاً يطيب له فتركها.
وقال أبو داود الطيالسي: كنا عند شعبة فجاء سليمان بن المغيرة يبكي وقال: مات حماري وذهبت مني الجمعة وذهبت حوائجي. قال: بكم أخذته؟ قال: بثلاثة دنانير. قال شعبة: فعندي ثلاثة دنانير، والله ما أملك غيرها. ثم دفعها إليه.
стр. 194
قال النضر بن شميل: ما رأيت أرحم بمسكين من شعبة.
وقال أبو النضر: كان شعبة إذا ركب مع قوم في زورق دفع كرى الزورق عنهم.
وقال أبو نوح: رأى شعبة عليَّ قميصاً فقال: بكم اشتريت هذا؟ فقلت: بثمانية دراهم. قال: ويحك، أما تتقي الله تلبس قميصاً بثمانية دراهم؟ ألا اشتريت قميصاً بأربعة وتصدقت بأربعة كان خيراً لك.
قال يحيى بن سعيد: كان شعبة من أرق الناس كان ربما مرَّ به السائل فيدخل بيته فيعطيه ما أمكنه.
وقال عفان: سمعت شعبة غير مرة كلما جلس يقول: لولا حوائج لي إليكم ما جلست معكم. وكانت حوائجه أن يسأل لجيرانه الفقراء.
وقال النضر بن شميل: ما رأيت أرحم لمسكين من شعبة إذا رأى المسكين لا يزال ينظر إليه حتى يغيب عن وجهه.
وقال مسلم بن إبراهيم: كان شعبة إذا قام في مجلسه سائل لا يحدِّث حتى يُعطى، فقام يوماً سائل ثم جلس فقال: ما شأنه؟ قالوا: ضمن عبد الرحمن بن مهدي أن يعطيه درهماً.
ثناء أهل العلم عليه:
قال سفيان الثوري: شعبة أمير المؤمنين في الحديث.
قال سلم بن قتيبة: أتيت سفيان الثوري فقال: ما فعل أستاذنا شعبة.
قال عبد الرحمن بن مهدي: شعبة إمام في الحديث.
قال الإمام الشافعي: لولا شعبة ما عُرف الحديث بالعراق، كان يجيء إلى الرجل فيقول: لا تحدِّث وإلا استعديت عليك السلطان.
قال الإمام أحمد بن حنبل: إذا رأيت شعبة يحدِّث عن رجل فاعلم أنه ثقة إلا نفراً بأعيانهم.
стр. 195
قيل لأبي: ألم يكن للثوري بصر بالحديث كبصر شعبة؟ قال: كان الثوري قد غلب عليه شهوة الحديث وحفظه، وكان شعبة أبصر بالحديث وبالرجال وكان الثوري أحفظ، وكان شعبة بصيراً بالحديث جداً فاهماً له كأنه خُلق لهذا الشأن.
وقال سفيان أيضاً: كانوا يخالفونني بالكوفة فأقول: ما قال شعبة؟ ما قال مسعر؟ ولا ألتفت إلى خلافهم.
وقال يحيى بن سعيد القطان: ليس أحدٌ أحب إليَّ من شعبة ولا يعدله أحد عندي.
وقال أيضاً: ما لقيت أحداً أحسن حديثاً من شعبة.
وقال علي بن المديني: سألت يحيى بن سعيد: أيهما أحفظ للأحاديث الطوال سفيان أو شعبة؟ قال: كان شعبة أمهر فيها.
وقال يحيى بن معين: شعبة إمام المتقين.
وقال محمد بن سعد: كان ثقة مأموناً ثبتاً حجة صاحب حديث وكان أكبر من الثوري بعشر سنين.
وقال يحيى القطان: شعبة أكبر من الثوري بعشر سنين والثوري أكبر من ابن عيينة بعشر سنين.
قال أبو بكر ابن منجويه: كان من سادات أهل زمانه حفظاً وإتقاناً وورعاً وفضلاً وهو أول مَنْ فتش بالعراق عن أمر المحدِّثين وجانب الضعفاء والمتروكين.
стр. 196
الحديث الأول (١):
٣٥ - قال الإمام البخاري (٦٦٣): «حدثنا عبد العزيز بن عبد الله قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن حفص بن عاصم، عن عبد الله بن مالك ابن بحينة قال: مرَّ النبي ﷺ برجل …
قال: وحدثني عبد الرحمن، قال: حدثنا بهز بن أسد، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني سعد بن إبراهيم قال: سمعت حفص بن عاصم قال: سمعت رجلاً من الأزد يقال له: مالك ابن بحينة: أنَّ رسول الله ﷺ رأى رجلاً وقد أقيمت الصلاة، يصلِّي ركعتين فلمّا انصرف رسول الله ﷺ لاث به الناس، وقال له رسول الله ﷺ : «الصبح أربعاً، الصبح أربعاً».
تابعه غندر ومعاذ عن شعبة، عن مالك، وقال ابن إسحاق: عن سعد، عن حفص، عن عبد الله ابن بحينة، وقال حماد: أخبرنا سعد، عن حفص، عن مالك».
стр. 197
التعليق:
أخرجه أحمد (٥/ ٣٤٥) عن يحيى بن سعيد القطان، ومحمد بن جعفر، وحجاج بن محمد المصيصي، وأبو عوانة (١٣٦١) من طريق حجاج والأسود بن عامر ووهب بن جرير وشبابة والطيالسي وأبي النضر، والبيهقي (٢/ ٤٨١) من طريق بشر بن عمر، كلهم عن شعبة به.
هكذا رواه شعبة فقال: (عن سعد بن إبراهيم، عن حفص بن عاصم، عن مالك ابن بحينة).
خالفه إبراهيم بن سعد (١) فقال: (عن سعد بن إبراهيم، عن حفص بن عاصم، عن عبد الله بن مالك ابن بحينة).
وكذلك رواه جعفر بن محمد بن علي بن الحسين المعروف بالصادق، عن أبيه، عن عبد الله بن مالك ابن بحينة (٢).
وكذلك رواه يحيى بن أبي كثير (٣)، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن عبد الله بن مالك ابن بحينة (٤).
قال البيهقي في «السنن الكبرى» (٢/ ٤٨١): «والصحيح قول مَنْ قال: عبد الله بن مالك ابن بحينة، وهو عبد الله بن مالك بن القشب من أزد شنوءة وأمه بحينة بنت الحارث بن المطلب قاله علي بن المديني.
وقال ابن رجب في «فتح الباري» (٤/ ٧٠): وقد أشار البخاري إلى الاختلاف في اسم (ابن بحينة) فخرَّجه من طريق إبراهيم بن سعد، عن أبيه، وسمَّى الصحابي (عبد الله بن مالك ابن بحينة)، وذكر أنَّ ابن إسحاق قال: عن (سعد عن عبد الله ابن بحينة)، وخرَّجه من طريق شعبة وسمّاه
стр. 198
(مالك ابن بحينة) وذكر أنَّ حماداً رواه عن سعد كذلك، وحماد هو ابن سلمة وكذا رواه أبو عوانة عن سعد أيضاً، وقيل عنه عن (ابن بحينة): غير مسمى، والصحيح من ذلك عبد الله بن مالك ابن بحينة، قاله أبو زرعة والنسائي والترمذي والبيهقي وغيرهم.
وهو عبد الله بن مالك بن القشب من أزد شنوءة حليف لبني عبد المطلب وبحينة أمه، وهي بحينة بنت الحارث بن عبد المطلب، قاله ابن المديني وابن سعد والترمذي والبيهقي وغيرهم».
قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٢/ ١٤٩): (هكذا يقول شعبة في هذا الصحابي، وتابعه على ذلك أبو عوانة وحماد بن سلمة.
وحكم الحفاظ يحيى بن معين وأحمد والبخاري ومسلم والنسائي والإسماعيلي وابن الشرقي والدارقطني وأبو مسعود وآخرون عليه بالوهم فيه في موضعين:
أحدهما: أنَّ بحينة والدة عبد الله لا مالك.
ثانيهما: أنَّ الصحبة والرواية لعبد الله لا لمالك) اه.
علة الوهم:
اختلاف الأمصار: فشعبة من البصرة، وشيخه في هذا الحديث الذي وهم عليه شعبة، من المدينة.
قال ابن حجر في «الفتح»: (قال أبو مسعود: أهل المدينة يقولون: عبد الله ابن بحينة، وأهل العراق يقولون: مالك ابن بحينة، والأول هو الصواب).
الخلاصة:
وهم شعبة في اسم الصحابي فقال: (مالك ابن بحينة) والصحيح هو (عبد الله بن مالك ابن بحينة).
стр. 199
والحديث صحيح حتى وإن لم يذكر اسم الصحابي، لأن الصحابة كلهم عدول، وإنما ذكر الإمام البخاري رواية شعبة عقب رواية إبراهيم بن سعد لأنه مسلسل بالتصريح بالسماع وله عناية خاصة بذلك، والله أعلم، وانظر ح (٢٦١) في باب حماد بن سلمة.
ويحتمل أن يكون الوهم من سعد بن إبراهيم لمّا حدّث به في العراق قاله في «الفتح».
وقد رواه محمد بن الوليد البسري عن محمد بن جعفر (غندر) عن شعبة فقال: عبد الله بن مالك ابن بحينة على الصواب، كذا قال أبو عوانة في مسنده (١/ ٣٧٦). والله تعالى أعلم.
وروى النسائي في «الكبرى» (٥٩٦) من طريق وهب بن جرير، عن شعبة، عن عبد الله بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن مالك ابن بحينة: أنه صلّى مع النبي ﷺ فقام في الشفع الذي يريد أن يجلس فيه فسبحنا فمضى ثم سجد سجدتين.
قال النسائي: هذا خطأ، والصواب: عبد الله بن مالك ابن بحينة.
ثم أورد النسائي من طريق عبد الله بن المبارك، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن عبد الله بن مالك ابن بحينة.
ومن طريق مالك عن الزهري، عن الأعرج، عن عبد الله ابن بحينة.
ومن طريق هشام عن يحيى، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبد الله بن مالك ابن بحينة.
стр. 200
الحديث الثاني (١):
٣٦ - قال الإمام البخاري (٦٩١): حدثنا حجاج بن منهال، ثنا شعبة، عن محمد بن زياد قال: سمعت أبا هريرة عن النبي ﷺ قال:
«أما يخشى أحدكم أو ألا يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار أو: يجعل صورته صورة حمار».
التعليق:
هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين وأخرجه مسلم (٤٢٧) من طريق معاذ بن معاذ العنبري، عن شعبة به، وأخرجه أحمد (٢/ ٤٥٦) و (٢/ ٥٠٤)، وإسحاق بن راهويه (٦٦) و (٦٧)، وأبو داود (٦٢٣)، والدارمي (١٣١٦)، وأبو عوانة (١٧١١)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٩٥٨)، وابن الجارود (٣٢٥)، وابن الجعد (١١٢٩)، والبيهقي (٢/ ٩٣)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٧/ ١٦٤)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (٤/ ٣٩٨) من طرق عن شعبة به.
هكذا قال شعبة عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : «أو: يجعل صورته صورة حمار».
خالفه جمع من أصحاب محمد بن زياد فقالوا: «أن يحول الله رأسه
стр. 201
رأس حمار». ولم يذكروا الصورة ولم يشكوا، منهم: حماد بن زيد (١)، وحماد بن سلمة (٢)، ومعمر (٣)، وأيوب السختياني (٤)، ويونس بن عبيد (٥)، والربيع بن مسلم (٦)، وعباد بن منصور (٧)، وإبراهيم بن طهمان (٨)، والحسن بن أبي جعفر (٩)، وجرير بن حازم (١٠)، وحسين بن واقد (١١)، وعلي بن زيد بن جدعان (١٢)، ويزيد بن إبراهيم (١٣)، وبحر السقاء (١٤)، وشعيب بن الحبحاب (١٥)، وإبراهيم بن أدهم (١٦)، وعثمان بن عبد الرحمن
стр. 202
الجمحي (١)، وعبد الله بن المختار (٢)، وسليمان بن حيان (٣)، وخالد بن عبد الله القسري (٤)، ومحمد بن نجيح (٥)، وعبد العزيز بن أبي رواد (٦)، وبكر الأعتق (٧)، وإسماعيل بن عياش (٨)، وعباد بن راشد التميمي (٩)، ومسعر بن كدام (١٠)، ومحمد بن أدهم (١١)، وخالد العبد (١٢).
وكذلك رواه محمد بن خالد الوهبي (١٣)، والفضل بن فرقد (١٤) عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
وإبراهيم بن طهمان (١٥)، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة.
وحماد بن سلمة (١٦) عن أبي المنهزم، عن أبي هريرة، وكلهم قالوا: «رأس حمار».
стр. 203
مما سبق يتضح أن قول «أو: يجعل صورته صورة حمار» ليس من قول النبي ﷺ إنما هو شكّ من شعبة وليس كما قال الكرماني أنَّ الشك من أبي هريرة (١).
وقد أشار البيهقي إلى أنَّ الشك من شعبة فقال بعد أن أخرج الحديث من طريقه مقروناً مع حماد بن سلمة وحماد بن زيد، فقال: قال شعبة في حديثه: «أو: صورته صورة حمار» (٢).
وبه جزم الحافظ ابن حجر فقال: (الشك من شعبة، فقد رواه الطيالسي عن حماد بن سلمة وابن خزيمة من رواية حماد بن زيد ومسلم من رواية يونس بن عبيد والربيع بن مسلم كلهم عن محمد بن زياد بغير تردد، فأما الحمادان فقالا: «رأس» وأما يونس فقال: «صورة» وأما الربيع فقال: «وجه» والظاهر أنه من تصرف الرواة، قال عياض: هذه الروايات متفقة لأن الوجه من الرأس ومعظم الصورة فيه. قلت: لفظ الصورة يطلق على الوجه أيضاً، وأما الرأس فرواتها أكثر وهي أشمل فهي المعتمدة وخصَّ الوعيد عليها لأن بها وقعت الجناية وهي أشمل (٣).
وتعقبه العيني فقال: وقال بعضهم: الظاهر أنه من تصرف الرواة. قلت: كيف يكون من تصرفهم ولكل واحد من هذه الألفاظ معنى في اللغة يغاير معنى الآخر … ، والظاهر أنَّ هذا الاختلاف من اختلاف تعدد القضية ورواة الرأس أكثر وعليه العمدة.
ثم تعقب القاضي عياض في قوله هذه الروايات متفقة فقال: وفيه نظر لأن الوجه خلاف الرأس لغة وشرعاً) (٤).
وقال أيضاً متعقباً الحافظ في قوله: (الشك من شعبة): لا يلزم من
стр. 204
إخراجهم بغير تردد أن لا يخرج غيرهم بغير تردد وإذا كان الأمر كذلك يحتمل أن يكون التردد من شعبة أو من محمد بن زياد أو من أبي هريرة فمن ادعى تعيين واحد منهم فعليه البيان (١).
قلت: البيان فيما ذكرنا من مخالفة شعبة لتسعة وعشرين ممن وقفنا على حديثهم رووه بدون تردد، ومخرج القصة واحد فيبعد التعدد.
وقال الألباني: (الصواب في الحديث لفظ «رأس» لأنه الذي اتفق عليه جمهور الرواة) (٢).
أما مَنْ قال في هذا الحديث: «في صورة حمار»:
١ يونس بن عبيد من طريق إسماعيل بن إبراهيم (٣) المعروف بابن علية ومن طريق عبد الأعلى (٤).
وخالفهما محبوب بن الحسن (٥) فرواه عن يونس فقال: «رأس حمار».
ولا شك أنَّ روايتهما مقدمة على حديثه، ووهم يونس في حديثه هذا ولم أجد مَنْ تابعه في هذا إلا ما رواه شعبة على الشك.
أما ما جاء في رواية مسلم قال: حدثنا عبد الرحمن بن سلام الجمحي وعبد الرحمن بن الربيع بن مسلم جميعاً عن الربيع بن مسلم ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن حماد بن سلمة كلهم عن محمد بن زياد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بهذا غير أنَّ في حديث الربيع بن مسلم أن يجعل الله وجهه وجه حمار (٦).
стр. 205
وأحال إلى حديث يونس ففيه نظر لأن ظاهره يوحي أنَّ حماد بن سلمة تابع يونس، والصحيح أنَّ حماداً إنما يرويه بلفظ: «رأس حمار» وكذا هو في مصنف ابن أبي شيبة شيخ مسلم في هذا الحديث، وكذلك رواه عبد الرحمن بن مهدي (١) ووكيع (٢) وأبو داود الطيالسي (٣) ثلاثتهم عن حماد بهذا اللفظ.
وقد رواه البيهقي (٤) من طريق عبد الملك بن إبراهيم الجدي عن حماد بن سلمة وحماد بن زيد وشعبة وإبراهيم بن طهمان كلهم عن محمد بن زياد بلفظ «رأس حمار» ثم قال: قال شعبة في حديثه: «أو: صورته صورة حمار» وميز الألفاظ.
أما مَنْ قال في هذا الحديث: «وجه حمار»: فلم أجده إلا من حديث الربيع عن مسلم في رواية عبد الرحمن بن سلام الجمحي وعبد الرحمن بن الربيع بن مسلم كلاهما عن الربيع بن مسلم (٥).
وخالفهما مسلم بن إبراهيم (٦) فرواه عن الربيع بن مسلم بلفظ: «رأس حمار». والله تعالى أعلم.
تنبيه:
بعد أن فرغت من البحث وجدت أنَّ بشر بن عمر الزهراني رواه عن شعبة بلفظ حديث الباب ثم قال: قال شعبة: محمد بن زياد شك (٧). فكأنه
стр. 206
عندما حدَّث شعبة شك وحماد بن سلمة أروى الناس عن محمد بن زياد قاله الإمام أحمد. والله تعالى أعلم.
الخلاصة:
الحديث صحيح متفق عليه، وقال ابن رجب: (قال الحافظ أبو موسى المديني: اتفق الأئمة على ثبوت هذا الحديث من هذا الطريق رواه عن محمد بن زياد قريب من خمسين نفساً وبعضهم يقول: «صورته»، وبعضهم يقول: «وجهه»، ومنهم مَنْ قال: «رأس كلب أو: خنزير»، وتابع محمد بن زياد جماعة عن أبي هريرة) (١).
إلا أنه قد تبين من البحث أنَّ الصحيح هو قول: «رأس حمار» وغير ذلك من تصرف الرواة وشكهم وروايتهم بالمعنى. والله تعالى أعلم.
стр. 207
الحديث الثالث:
٣٧ - قال الإمام مسلم في صحيحه (١٩٣) و (٣٢٥): (حدثنا محمد بن منهال الضرير، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، وهشام الدستوائي، عن قتادة، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ .
وحدثني أبو غسان المسمعي ومحمد بن المثنى قالا: حدثنا معاذ، وهو ابن هشام، قال: حدثني أبي عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: «يخرج من النار مَنْ قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار مَنْ قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن بُرَّة، ثم يخرج من النار مَنْ قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرَّة».
زاد ابن منهال في روايته: قال يزيد: فلقيت شعبة فحدثته بالحديث، فقال شعبة: حدثنا به قتادة عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ بالحديث، إلا أنَّ شعبة جعل مكان الذَّرَّة ذُرَةً.
قال يزيد: صحف فيها أبو بسطام).
التعليق:
وأخرجه أبو يعلى (٢٩٤٨ طبعة دار القبلة) عن محمد بن المنهال الضرير به.
وأخرجه الحاكم في الكنى من طريق أبي بكر أحمد بن إسحاق، عن محمد بن المنهال به (١).
وأخرجه أبو داود الطيالسي (٢٠٧٨) عن شعبة وهشام عن قتادة عن أنس به وقال في آخره: «ويخرج من النار مَنْ قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن … » قال هشام: ذَرَّة، وقال شعبة: ذُرَة.
стр. 208
وأخرجه الترمذي (٢٥٩٣) من طريق الطيالسي به وقال فيه: وقال شعبة: «ما يزن ذرة» مخففة.
وقد وهم شعبة في قوله: (ذُرة) وإنما هي (ذَرَّة) كما رواه هشام الدستوائي (١)، وسعيد بن أبي عروبة (٢)، وأبان (٣)، عن قتادة عن أنس.
هكذا أخرج مسلم الحديث في صحيحه من طريق هشام وسعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس، فقال: (ذَرَّة) بفتح الذال وتشديد الراء.
والذرة بالفتح: صغير النمل، وقيل: معنى الذرة هي أقل الأشياء الموزونة، وقيل: هي الهباء الذي يظهر في شعاع الشمس مثل رؤوس الإبر، ويروى عن ابن عباس أنه قال: إذا وضعت كفك في التراب ثم نفضتها فالساقط هو الذر، ويقال: إنَّ أربع ذرات وزن خردلة، وقد روى البخاري في صحيحه عن طريق حميد عن أنس عن النبي ﷺ : «أدخل الجنة مَنْ كان في قلبه خردلة، ثم مَنْ كان في قلبه أدنى شيء» وهذا معنى الذرة.
وقال يزيد بن زريع وأبو داود الطيالسي عن شعبة أنه صحف الذَّرة إلى ذُرة وسببه مجانسة الذرة لما قبلها من الحبوب وهو الشعير والبر.
قال الحافظ في «الفتح» (١/ ١٠٤): ذَرَّة: بفتح المعجمة وتشديد الراء المفتوحة، وصحفها شعبة، فيما رواه مسلم من طريق يزيد بن زريع عنه فقال: (ذُرة) بالضم وتخفيف الراء، وكأن الحامل له على ذلك كونها من الحبوب فناسبت الشعير والبر.
قال في «إكمال المعلم» (١/ ٥٩٨): وهذا التصحيف مما نُقِم على
стр. 209
شعبة، وذكره الدارقطني في تصحيف المحدِّثين وأوقعه فيه مجانسة الذرة لما قبلها من الحبوب، ووقع عند العذري وغيره (ذُرَّة) بضم الدال المهملة وشد الراء وهو من تصحيف التصحيف.
علة الوهم:
١ التشابه بين كلمتَي (ذَرَّة) و (ذُرة) فصحف شعبة كلمة (ذَرَّة) إلى (ذُرة).
٢ جاء في الحديث ذكر الشعير والبر وهما من الحبوب وكذلك الذُرة من جنسهما فتناسب ذكرها معهما. والله تعالى أعلم.
стр. 210
الحديث الرابع (١):
٣٨ - قال الإمام أحمد (٤/ ٣٤): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم قال: سمعت محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، يحدِّث عن رجل من الأنصار، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أنه قال: «ثلاث حق على كل مسلم: الغسل يوم الجمعة، والسواك، ويمسّ من طيب إن وجد».
التعليق:
هذا إسناد رجاله كلهم رجال الشيخين غير الأنصاري، الراوي عن الصحابي مجهول. هكذا رواه الإمام أحمد موقوفاً، وأخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٩٤) عن محمد بن جعفر عن شعبة بهذا الإسناد مرفوعاً.
وأخرجه أبو يعلى (٧١٦٨) من طريق الجعدي وهو عبد الملك بن إبراهيم عن شعبة به مرفوعاً، وأورده الهيثمي في «المجمع» (٢/ ١٧٢) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
هكذا رواه شعبة فقال: (عن سعد بن إبراهيم، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن رجل من الأنصار، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ .
стр. 211
خالفه سفيان الثوري (١) فقال: (عن سعد بن إبراهيم، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ .
زاد شعبة في الإسناد: (رجل من الأنصار) بين محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان والصحابي، والأظهر ما ذهب إليه سفيان للتالي:
١ سفيان أحفظ من شعبة وكل منهما إمام، وقد قدَّم غير واحد من أهل الحديث سفيان على شعبة إذا اختلفا وهو ظاهر إذا تتبعنا ذلك في ما جمعته هاهنا من أوهام شعبة.
٢ محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان تابعي روى عن غير واحد من الصحابة، فقد روى عن جابر بن عبد الله، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وابن عمر، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة ﵃ أجمعين وغيرهم. والله تعالى أعلم.
علة الوهم:
اختلاف الأمصار، فشيخ شعبة سعد بن إبراهيم مدني، وشعبة كوفي. والله تعالى أعلم.
стр. 212
الحديث الخامس (١):
٣٩ - قال الإمام أحمد (٤/ ٩٨): حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال: حدثني قتادة عن أبي الطفيل، قال: حج ابن عباس ومعاوية فجعل ابن عباس يستلم الأركان كلها، فقال معاوية: إنما استلم رسول الله ﷺ هذين الركنين اليمانيين. فقال ابن عباس: ليس من أركانه مهجور.
التعليق:
هذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين.
وأخرجه عبد الله بن أحمد في «العلل» (٥٤٠٤) عن أبيه به.
ورواه أحمد (٤/ ٩٤ - ٩٥) عن محمد بن جعفر وحجاج عن شعبة به.
وقال حجاج في آخره: قال شعبة: الناس يختلفون في هذا الحديث، يقولون: معاوية هو الذي قال: ليس من البيت شيء مهجور. ولكنه حفظه من قتادة هكذا.
هكذا رواه شعبة عن قتادة أنَّ ابن عباس هو الذي كان يستلم الأركان كلها وأنَّ معاوية هو الذي أنكر.
стр. 213
خالفه سعيد بن أبي عروبة (١) فرواه عن قتادة، عن أبي الطفيل، قال: كان معاوية لا يأتي على ركن من أركان البيت إلا استلمه فقال ابن عباس: إنما كان نبي الله ﷺ يستلم هذين الركنين. فقال معاوية: ليس من أركانه شيء مهجور.
ومما يدل على وهم شعبة:
ما رواه مسلم في صحيحه (١٢٦٩) من طريق عمرو بن الحارث: أنَّ قتادة بن دعامة حدثه أنَّ أبا الطفيل البكري حدثه أنه سمع ابن عباس يقول: لم أرَ رسول الله ﷺ يستلم غير الركنين اليمانيين.
وما كان ابن عباس ﵄ ليخالف ما روى فتأكد بذلك أنَّ الذي كان يستلم الأركان كلها معاوية، وأنَّ المنكر عليه ابن عباس لا كما قال شعبة.
وذكره البخاري في صحيحه (١/ ١٦٠) معلقاً بصيغة الجزم فقال: (وكان معاوية يستلم الأركان كلها فقال له ابن عباس ﵁: إنه لا يستلم هذان الركنان، فقال: ليس من البيت شيء مهجور، وكان ابن الزبير ﵄ يستلمهن كلهن).
وأخرج الإمام أحمد (١/ ٢٤٦)، والحاكم (٣/ ٥٤٢) من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي الطفيل: أنه رأى معاوية يطوف بالكعبة وعن يساره عبد الله بن عباس وأنا أتلوهما في ظهورهما أسمع كلامهما فطفق معاوية يستلم ركني الحجر فيقول له ابن عباس: إن رسول الله ﷺ لم يكن يستلم هذين الركنين، فيقول معاوية: يا ابن عباس، فإنه ليس شيء منها مهجور. فطفق ابن عباس لا يذره (٢)، كلما وضع يده على شيء من الركنين إلا قال له ذلك.
وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد). ووافقه الذهبي.
стр. 214
وما سبق من حديث أبي الطفيل هو ما رآه من حال ابن عباس ومعاوية ﵄، وجاءت هذه القصة من لسان ابن عباس نفسه فقد روى أحمد (١/ ٢١٧) من طريق خصيف عن مجاهد عن ابن عباس: أنه طاف مع معاوية بالبيت فجعل معاوية يستلم الأركان كلها فقال له ابن عباس: لمَ تستلم هذين الركنين ولم يكن رسول الله ﷺ يستلمهما؟ فقال معاوية: ليس شيء من البيت مهجوراً؟ فقال ابن عباس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ … (٢١)﴾. فقال معاوية: صدقت (١). والله تعالى أعلم.
قال الحافظ في «الفتح» (٣/ ٤٧٤): قال عبد الله بن أحمد في «العلل»: سألت أبي عنه فقال: قَلَبَه شعبة (٢).
وقد روى هذا الحديث ابن عبد البر في «الاستذكار» (٤/ ٥٢) قال: حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا بكر بن حماد، قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى عن شعبة عن قتادة عن أبي الطفيل، قال: حج ابن عباس فجعل معاوية يستلم الأركان كلها، قال ابن عباس: إنما استلم رسول الله ﷺ هذين الركنين الأيمنين. قال معاوية: ليس من أركانه شيء مهجور.
فهنا وافق شعبة الجماعة وقد سبق رواية يحيى بن سعيد وجماعة عن شعبة خلافه فلعل هذا هنا ممن دونه في الإسناد. والله تعالى أعلم.
стр. 215
الحديث السادس (١):
٤٠ - قال الإمام أحمد (٦/ ٤٤٦): حدثنا محمد بن جعفر، وحجاج، قالا: حدثنا شعبة عن قتادة، قال حجاج في حديثه: سمعت سالم بن أبي الجعد يحدِّث عن معدان، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ قرأ عشر آيات من آخر سورة الكهف عُصِمَ من فتنة الدجال».
قال حجاج: مَنْ قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف.
التعليق:
هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير معدان من رجال مسلم.
وأخرجه مسلم في صحيحه (٨٠٩) عن محمد بن المثنى ومحمد بن بشار، كلاهما عن محمد بن جعفر، عن شعبة به.
وأخرجه النسائي في «الكبرى» (١٠٧٨٦)، وفي «اليوم والليلة» (٩٥٠) من طريق حجاج عن شعبة به.