سفيان الثوري (١)، وعبيد الله بن إياد بن لقيط (٢)، وعبد الملك بن سعيد بن أبجر (٣)، وعلي بن صالح (٤)، وقيس بن الربيع (٥)، وصدقة بن أبي عمران (٦)، ومسعر (٧).
وتابعهم في ذلك عبد الغفار بن القاسم أبو مريم إلا أنه متروك (٨).
وقد تابع عبد الملك بن عمير أن أبا رمثة أتى النبي ﷺ مع ابنه أبو إسحاق الشيباني وهو ثقة، إلا أنه أيضاً وهم في هذا (٩).
الثاني: قوله: إن المختصمين في الدم من بني ربيعة.
وقد جاء في رواية سفيان الثوري، وشعبة، وأبي عوانة، وأبي الأحوص عن أشعث عن الأسود بن هلال، عن ثعلبة بن زهدم اليربوعي قال: كان رسول الله ﷺ يخطب في أناس من الأنصار فقالوا: يا رسول الله هؤلاء بنو ثعلبة بن يربوع قتلوا فلاناً في
стр. 2102
الجاهلية، فقال النبي ﷺ وهتف بصوته: «ألا لا تجني نفس على الأخرى» (١).
وقد روى حديث الباب المسعودي عن إياد بن لقيط وذكر أنهم بنو يربوع (٢).
стр. 2103
أبو إسحاق السبيعي
اسمه ونسبه:
عمرو بن عبد الله بن ذي يُحمد، وقيل: عمرو بن عبد الله بن علي الهمداني الكوفي الحافظ.
ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان ورأى علياً ﵁ فهو من جلّة التابعين.
روى عن جماعة من الصحابة ﵃، منهم: معاوية بن أبي سفيان، وعدي بن حاتم، وابن عباس، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهم.
وروى أيضاً عن جلّة من التابعين، منهم: علقمة، ومسروق، والضحاك بن قيس، وعبد الله بن عتبة المسعودي، وعمرو بن ميمون، وعاصم بن ضمرة، وعمر بن سعد بن أبي وقاص وغيرهم.
روى عنه: محمد بن سيرين وهو من شيوخه، والزهري وقتادة وهما من أقرانه، ومنصور والأعمش وشعبة والثوري وإسماعيل بن أبي خالد ومسعر ومالك بن مغول وولده يونس وحفيده إسرائيل، وزائدة وجرير بن حازم وخلق كثير.
стр. 2104
ثناء أهل العلم عليه وسعة علمه:
قال أحمد بن حنبل ويحيى بن معين: ثقة، وكذلك قال النسائي.
قال أبو حاتم: هو يشبه الزهري في الكثرة.
قال علي بن المديني: روى أبو إسحاق عن سبعين رجلاً أو ثمانين لم يروِ عنهم غيره، وأحصيت مشيخته نحواً من ثلاثمائة شيخ.
وقال أيضاً: إنه سمع من ثمانية وثلاثين صحابياً.
وقال الأعمش: كان أصحاب ابن مسعود إذا رأوا أبا إسحاق قالوا: هذا عمرو القاراء الذي لا يلتفت.
قال سفيان: اجتمع الشعبي وأبو إسحاق فقال له الشعبي: أنت خير مني يا أبا إسحاق، قال: لا والله بل أنت خير مني وأسَن مني.
وقال الحسن بن ثابت: سمعت الأعمش يعجب من حفظ أبي إسحاق لرجاله الذين يروي عنهم.
وقال جرير بن عبد الحميد: كان يقال: مَنْ جالس أبا إسحاق فقد جالس علياً ﵁.
وقيل لشعبة: أسمع أبو إسحاق من مجاهد؟ قال: وما كان يصنع به هو أحسن حديثاً من مجاهد ومن الحسن وابن سيرين.
قال ابن رجب: قال الميموني: قلت لأبي عبد الله: كان أبو إسحاق قد تغير؟ قال: إي والله هؤلاء الصغار زهير وإسرائيل يزيدون في الإسناد وفي الكلام (١).
стр. 2105
وقال ابن هاني: سألت أحمد: أيما أثبت عندك في حديث أبي إسحاق؟ قال: شعبة ثم سفيان الثوري، قال: زهير وإسرائيل ويونس بن أبي إسحاق بآخره (١).
وقال أبو داود: سمعت أحمد قال: زهير وزكريا وإسرائيل ما أقربهم في أبي إسحاق، في حديثهم عنه لين، لا أراه إلا من أبي إسحاق هو السبيعي.
عبادته:
قال أبو بكر ابن عياش: سمعت أبا إسحاق يقول: ما أقلّت عيني غمضاً منذ أربعين سنة.
قال يونس: كان أبي يقرأ كل ليلة ألف آية.
وقال أبو الأحوص: قال لنا أبو إسحاق: يا معشر الشباب اغتنموا يعني قوتكم وشبابكم قلّما مرّت بي ليلة إلا وأنا أقرأ فيها ألف آية، وإني لأقرأ البقرة في ركعة، وإني لأصوم الأشهر الحرم وثلاثة أيام من كل شهر والاثنين والخميس.
وقال العلاء بن سالم: ضعف أبو إسحاق قبل موته بسنتين، فما كان يقدر أن يقوم حتى يقام، فإذا استتم قائماً قرأ وهو قائم ألف آية.
رواياته:
روى له البخاري نحو مائة وخمسين حديثاً، ومسلم (٥٤)
стр. 2106
حديثاً، انظر روايات المدلسين في صحيح البخاري (ص ٤٥٤) ورواياتهم في صحيح مسلم (ص ٢٦٥).
وفاته:
توفي أبو إسحاق في سنة ١٢٧ يوم دخول الضحاك بن قيس الكوفة وله نحوٌ من ٩٣ سنة، وقيل: سنة ١٢٩، والله تعالى أعلم.
قال ابن حجر: ثقة مكثر عابد، من الثالثة، اختلط بأخرة.
стр. 2107
الحديث الأول (١):
٤٧٩ - قال أبو داود ﵀ (١٩٩٢): حدثنا النُّفَيْليُّ ثنا زُهَيْرٌ ثنا أبو إسحاق عن مُجَاهِدٍ قال: سُئِلَ ابن عُمَرَ كَمْ اعْتَمَرَ رسول الله ﷺ ؟ فقال: مَرَّتَيْنِ فقالت عائِشَةُ: لقد عَلِمَ ابن عُمَرَ أنَّ رسُولَ الله ﷺ قد اعْتَمَرَ ثَلاثاً سِوَى التي قَرَنَها بِحَجَّةِ الْوَدَاعِ.
التعليق:
هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير النفيلي من رجال البخاري.
وأخرجه البيهقي (٥/ ١٠) من طريق أبي داود به، وأخرجه أحمد (٢/ ٧٠) عن حسن بن موسى، وعبد بن حميد (٨٠٩) عن مالك بن إسماعيل كلاهما عن زهير به.
وتابعه شريك بن عبد الله القاضي وذلك ما رواه أحمد (٢/ ١٣٩) عن إسحاق بن يوسف عن شريك عن أبي إسحاق به.
هكذا قال أبو إسحاق عن مجاهد عن ابن عمر قال: (اعتمر رسول الله ﷺ مرتين).
стр. 2108
خالفه منصور بن المعتمر (١) فقال عن مجاهد عن ابن عمر أنه قال: اعتمر رسول الله ﷺ أربعاً إحداهن في رجب … الحديث.
فقالت عائشة: يرحم الله أبا عبد الرحمن يعني ابن عمر ما اعتمر عمرة إلا وهو شاهده وما اعتمر في رجب قط.
فجعل أبو إسحاق الخلاف بين عبد الله بن عمر وعائشة ﵄ في عدد عُمَر النبي ﷺ وأن ابن عمر قال: (عمرتين وخالفته عائشة فقالت: ثلاثاً).
والصحيح هو ما رواه منصور أنهما اتفقا على أنها أربعٌ وواحدة منها التي قرنها في حجة الوداع وأن عائشة إنما أنكرت عليه قوله: (في رجب).
لذا قال البيهقي: «كذا رواه أبو إسحاق عن مجاهد والرواية الثانية عن منصور عن مجاهد ليس فيها هذا (٢).
علة الوهم:
ما رواه البخاري من طريق إبراهيم بن يوسف عن أبيه، عن أبي إسحاق قال: سألت مسروقاً وعطاء ومجاهداً فقالوا: اعتمر رسول الله ﷺ في ذي القعدة قبل أن يحج، وقال: سمعت البراء بن عازب ﵄ يقول: اعتمر رسول الله ﷺ في ذي القعدة قبل أن يحج مرتين» (٣).
стр. 2109
فاشتبه على أبي إسحاق فحمل متن حديث البراء على حديث ابن عمر ﵄، والله تعالى أعلم.
стр. 2110
الحديث الثاني (١):
٤٨٠ - قال أبو داود ﵀ (٢٢٨): حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان عن أبي إسحاق، عن الأسود عن عائشة ﵂ قالت:
كان رسول الله ﷺ ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء.
التعليق:
هذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين.
وأخرجه الترمذي (١١٨)(١١٩) من طريق الأعمش وسفيان الثوري، وابن ماجه (٥٨١)(٥٨٢)(٥٨٣) من طريق أبي بكر ابن عياش وأبي الأحوص والثوري، وعبد الرزاق (١٠٨٢) من طريق الثوري، والنسائي في الكبرى (٩٠٠٣)(٩٠٠٤)(٩٠٠٥) من طريق الأعمش وإسماعيل بن أبي خالد، ومطرف بن طريف، وأحمد (٦/ ٤٣) (٦/ ١٠٢) (٦/ ١٠٦) (٦/ ١٠٩) (٦/ ١٤٦) (٦/ ١٧١) (٦/ ٢١٤) من طريق الأعمش وزهير والثوري وشريك وإسماعيل بن أبي خالد وإسرائيل، وإسحاق بن راهويه (١٥١٢، ١٥١٦، ١٥١٧، ١٥١٨) من طريق
стр. 2111
الثوري وزهير وإسرائيل وأبي بكر ابن عياش، وأبو حنيفة في مسنده (١/ ١٥٧) والدارقطني في أطراف الغرائب (٥٩٠٢) والبيهقي (١/ ٢٠١) من طريق الثوري، وأبو نعيم في المستخرج على مسلم (١٦٨٠) من طريق زهير، وابن أبي شيبة (١/ ٢٢) من طريق الثوري، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١٢٥) من طريق زهير كلهم عن أبي إسحاق به.
هكذا قال أبو إسحاق عن الأسود عن عائشة: إن النبي ﷺ كان ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء.
خالفه إبراهيم النخعي (١) وعبد الرحمن بن الأسود (٢) فروياه عن الأسود عن عائشة أن النبي ﷺ إذا كان جنباً فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة.
وهذا هو المحفوظ في لفظ الحديث وكذا روي من غير وجه عن النبي ﷺ .
منها: ما رواه أبو سلمة ابن عبد الرحمن قال: سألت عائشة: أكان النبي ﷺ يرقد وهو جنب؟ قالت: نعم ويتوضأ (٣).
وما رواه عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب غسل فرجه وتوضأ للصلاة (٤).
وما رواه ابن عمر ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁
стр. 2112
سأل رسول الله ﷺ : أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: «نعم إذا توضأ أحدكم فليرقد وهو جنب» (١).
وما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ أنه كانت تصيبه الجنابة بالليل فيريد أن ينام، فأمره رسول الله ﷺ أن يتوضأ ثم ينام (٢).
وما رواه عبد الله بن أبي قيس قال: سألت عائشة عن وتر رسول الله ﷺ فذكر الحديث قلت: كيف يصنع في الجنابة أكان يغتسل قبل أن ينام أم ينام قبل أن يغتسل؟ قالت: كل ذلك قد كان يفعل، ربما اغتسل فنام وربما توضأ فنام، قلت: الحمد للّه الذي جعل في الأمر سعة (٣).
وحديث أبي إسحاق هذا أخرجه مسلم (٤) من طريق زهير ولم يذكر هذه اللفظة: (ولا يمس ماء) قال الحافظ: كأنه حذفها عمداً.
وكذلك رواه شعبة (٥) عن أبي إسحاق ولم يذكر هذه اللفظة.
وذكر أبو حاتم أن شعبة كان يتقي هذا الحديث (٦).
وقال عبد الرحمن بن مهدي: سألت سفيان يعني الثوري عن هذا الحديث فأبى أن يحدثني وقال: هو وهم (٧).
стр. 2113
وأبى علي بن الجعد أن يحدّث به، وقال: ليس العمل عليه (١).
وقال أحمد بن حنبل: ليس بصحيح (٢).
وقال أيضاً: أبو إسحاق روى عن الأسود حديثاً خالف فيه الناس فلم يقل أحد: عن الأسود مثل ما قد قال، فلو أحال على غير الأسود (٣).
وقال مسلم: «هذه الرواية عن أبي إسحاق خاطئة، وذلك أن النخعي وعبد الرحمن بن الأسود جاءا بخلاف ما روى أبو إسحاق» (٤).
قال أبو داود عقب الحديث: حدثنا الحسن بن علي الواسطي قال: سمعت يزيد بن هارون يقول: هذا الحديث وهم يعني حديث أبي إسحاق.
وقال الترمذي: وقد روى غير واحد عن الأسود عن عائشة عن النبي ﷺ أنه كان يتوضأ قبل أن ينام.
وهذا أصح من حديث أبي إسحاق عن الأسود.
وقد روى عن أبي إسحاق هذا الحديث شعبة والثوري وغير واحد ويرون أن هذا غلط من أبي إسحاق (٥).
стр. 2114
وقال ابن رجب: وهذا الحديث مما اتفق أئمة الحديث من السلف على إنكاره على أبي إسحاق، منهم: إسماعيل بن أبي خالد، وشعبة، ويزيد بن هارون، وأحمد بن حنبل، وأبو بكر ابن أبي شيبة، ومسلم بن الحجاج، وأبو بكر الأثرم، والجوزجاني، والترمذي، والدارقطني.
وحكى ابن عبد البر عن سفيان الثوري أنه قال: هو خطأ.
وقال أحمد بن صالح المصري الحافظ: «لا يحل أن يروى هذا الحديث، يعني أنه خطأ مقطوع به فلا تحل روايته من دون بيان علته» (١).
وقال البيهقي عقب الحديث: (أخرجه مسلم في الصحيح عن يحيى بن يحيى وأحمد بن يونس دون قوله: (قبل أن يمس ماء) وذلك لأن الحفاظ طعنوا في هذه اللفظة وتوهموها مأخوذة من غير الأسود، وأن أبا إسحاق ربما دلّس فرأوها من تدليساته، واحتجوا على ذلك برواية إبراهيم النخعي وعبد الرحمن بن الأسود بخلاف رواية أبي إسحاق) (٢).
وقال الحافظ في الفتح (٣/ ٣٢): إن الحفاظ قد أنكروا هذا الحديث على أبي إسحاق ثم قال: وقال الترمذي: يرون هذا غلطاً من أبي إسحاق، وكذا قال مسلم في التمييز، وقال أبو داود في رواية أبي الحسن ابن العبد عنه: ليس بصحيح (٣) ثم روى عن يزيد بن هارون أنه قال: هو وهم.
стр. 2115
ثم قال الحافظ: وأظن أن أبا إسحاق اختصره.
وكذا قال النووي في شرح مسلم (٣/ ٢١٨).
وقال الحافظ في التلخيص (١/ ١٤١): وأما ما رواه أصحاب السنن من حديث الأسود أيضاً عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان ينام وهو جنب لا يمس ماء، فقال أحمد: إنه ليس بصحيح، وقال أبو داود: هو وهم، وقال يزيد بن هارون: هو خطأ، وأخرج مسلم الحديث دون قوله: ولم يمس ماء، وكأنه حذفها عمداً لأنه علّلها في كتاب التمييز، وفي علل الأثرم: ولو لم يخالف أبا إسحاق في هذا إلا إبراهيم وحده لكفى، فكيف وقد وافقه عبد الرحمن بن الأسود وكذلك روى عروة وأبو سلمة عن عائشة، وقال ابن مفوز: أجمع المحدثون على أنه خطأ من أبي إسحاق. كذا قال وتساهل في نقل الإجماع. اه.
وقد علّل بعض أهل العلم وهم أبي إسحاق في هذا الحديث أنه اختصر الحديث الذي رواه عن الأسود عن عائشة في صفة قيام النبي ﷺ في قيام الليل. كذا قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٣/ ٣٢) والقاضي أبو بكر ابن العربي في شرح الترمذي (١/ ١٨١ - ١٨٢) وتبعه في ذلك المباركفوري في التحفة (١/ ١١٥).
وانظر كلام الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي: (١/ ٢٠٤ - ٢٠٦).
وتأول بعض أهل العلم قوله: (لا يمس ماء) أي: للغسل، وهذا لا ينافي الوضوء قبل النوم، وممن تأوله كذلك إسحاق بن راهويه في مسنده (٣/ ٨٥١) فقال عقب الحديث: أي: لا يغتسل.
ونقل ذلك التأويل البيهقي (١/ ٢٠٢) عن أبي العباس ابن شريح
стр. 2116
واستحسنه حيث قال أبو العباس: أما حديث عائشة فإنما أرادت أن النبي ﷺ كان لا يمس ماء للغسل، وأما حديث عمر فمرّ فيه ذكر الوضوء وبه نأخذ.
وقد جمع ابن قتيبة في (اختلاف الحديث) على أنه ﷺ كان يفعل الأمرين لبيان الجواز كما ذكر الحافظ في التلخيص.
وكذلك قال ابن التركماني في الجوهر النقي فقال: (يحمل الأمر بالوضوء على الاستحباب وفعله ﵇ على الجواز فلا تعارض، ويؤيد ذلك ما في صحيح ابن حبان عن عمر أنه سأل رسول الله ﷺ : أينام أحدنا وهو جنب؟ فقال: «نعم، ويتوضأ إن شاء» (١)، والله تعالى أعلم.
وكذلك قال ابن حزم في المحلى (١/ ٨٧) أن أمره ﷺ بالوضوء فهو ندب، ثم استدل بهذا الحديث إلا أنه وهم فظن. أن أهل الحديث وهموا سفيان الثوري، وإنما وهموا أبا إسحاق.
وقال ابن القيم: أما حديث أبي إسحاق من رواية الثوري وغيره فأجمع مَنْ تقدم من المحدثين ومَن تأخر منهم أنه خطأ منذ زمان أبي إسحاق إلى اليوم، وعلى ذلك تلقوه منه وحملوه عنه، وهو أول حديث أو ثان مما ذكره مسلم في كتاب التمييز له مما حمل من الحديث على الخطأ.
وذلك أن عبد الرحمن بن يزيد وإبراهيم النخعي وأين يقع أبو
стр. 2117
إسحاق من أحدهما، فكيف باجتماعهما على مخالفته رويا الحديث بعينه عن الأسود بن يزيد عن عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا كان جنباً فأراد أن ينام توضأ وضوءه للصلاة.
فحكم الأئمة برواية هذين الفقيهين الجليلين عن الأسود على رواية أبي إسحاق عن الأسود … ، ثم عضدوا ذلك برواية عروة وأبي سلمة ابن عبد الرحمن وعبد الله بن أبي قيس عن عائشة، وبفتوى رسول الله ﷺ عمر بذلك حين استفتاه.
وبعض المناظرين من الفقهاء الذين لا يعتبرون الأسانيد ولا ينظرون الطرف يجمعون بينهما بالتأويل فيقولون: لا يمس ماء للغسل، ولا يصح هذا وفقهاء المحدثين وحفاظهم على ما أعلمتك.
وقد روى مسلم الحديث بكماله في كتاب الصلاة وقال فيه: وإن لم يكن جنباً توضأ للصلاة وأسقط منه وهم أبي إسحاق (١).
стр. 2118
الحديث الثالث (١):
٤٨١ - قال أبو داود الطيالسي في مسنده (٢١٧٥): حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت أبا الوداك يحدّث عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال:
لما أصبنا سبي خيبر سألنا رسول الله ﷺ عن العزل، فقال: «ليس من كل الماء يكون الولد، وإذا أراد الله أن يخلق شيئاً لم يمنعه شيء».
التعليق:
هذا إسناد على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي الوداك فهو من رجال مسلم.
ورواه الطحاوي في شرح المعاني (٣/ ٣٤) وفي المشكل (٣٧٠٥) من طريق الطيالسي به، ورواه ابن حبان (٤١٩١) من طريق محمد بن كثير عن شعبة عن أبي إسحاق به.
هكذا رواه شعبة عن أبي إسحاق وفيه أن هذا كان في غزوة خيبر.
ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ٣٤) من طريق مؤمل، عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق به، وقال فيه: (خيبر) وهذا وهم والظاهر أنه من أبي إسحاق.
стр. 2119
فقد رواه منصور بن المعتمر (١) وسفيان الثوري (٢) في رواية عن أبي إسحاق السبيعي ووقع فيه (يوم حنين).
وكذلك رواه يونس بن عمرو عن أبي الوداك عن أبي سعيد فقال: يوم حنين (٣).
الخلاصة:
اختلف في هذا الحديث على أبي إسحاق السبيعي.
فرواه عنه شعبة وسفيان الثوري وقالا فيه: إن هذا كان في غزوة خيبر.
ورواه عنه منصور بن المعتمر وسفيان الثوري فقالا فيه: إن هذا كان في غزوة حنين.
وكل ذلك وهم والصحيح هو أن ذلك كان في غزوة بني المصطلق وتسمى أيضاً غزوة المريسيع كما أخرجه البخاري ومسلم (٤)
стр. 2120
في صحيحيهما من حديث محمد بن يحيى بن حبان عن ابن محيريز عن أبي سعيد الخدري ﵁.
وقال القاضي فيما نقله عنه النووي في شرح مسلم: قال أهل الحديث: هذا أولى من رواية موسى بن عقبة أنه كان في غزوة أوطاس (١).
стр. 2121
الحديث الرابع (١):
٤٨٢ - قال الإمام أحمد ﵀ (٦/ ٤٠٢): حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن يحيى بن الحصين، عن أمه قالت:
سمعت النبي ﷺ بعرفات يخطب في حجة الوداع يقول: «يا أيها الناس اتقوا الله واسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد حبشي مجدع ما أقام فيكم كتاب الله ».
التعليق:
هذا إسناد على شرط مسلم.
هكذا قال أبو إسحاق: (عن يحيى بن الحصين، عن أمه).
وخالفه زيد بن أبي أنيسة (٢)، وشعبة (٣).
فقالا: (عن يحيى بن الحصين، عن جدته أم الحصين).
علة الوهم:
سلك به الجادة.
стр. 2122
وأن الجدة من الأمهات، والغالب أن رواية الابن عن أمه وليس عن جدته.
стр. 2123
الحديث الخامس (١):
٤٨٣ - قال الإمام أحمد ﵀ (٤/ ٢٩٧): حدثنا هارون بن معروف قال عبد الله وأظن أني سمعته منه قال: حدثنا ابن وهب، حدثني جرير بن حازم قال: سمعت أبا إسحاق الهمداني يقول: حدثني عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء بن عازب قال:
كان رسول الله ﷺ يأتينا فيمسح عواتقنا وصدورنا ويقول: «لا تختلف صفوفكم فتختلف قلوبكم، إن الله وملائكته يُصلُّون على الصف الأول أو الصفوف الأولى».
التعليق:
هذا حديث صحيح، وإسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير عبد الرحمن بن عوسجة وهو ثقة، وثقه النسائي، وقال العجلي: تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات.
والحديث رواه كذلك ابن خزيمة في صحيحه (١٥٥٢) من طريق عيسى بن إبراهيم، وابن أبي حاتم في العلل (٤٠٦) عن حرملة كلاهما عن ابن وهب به.
стр. 2124
وقد تابع جرير بن حازم عمار بن رزيق (١)، وأبو بكر ابن عياش (٢) فرووه عن أبي إسحاق السبيعي بهذا الإسناد.
وقد وهم أبو إسحاق السبيعي في قوله: (حدثني عبد الرحمن بن عوسجة) بينهما طلحة بن مصرف.
وأبو إسحاق السبيعي كان قد اختلط في آخره وسماع عمار بن رزيق وأبي بكر ابن عياش منه بعد الاختلاط (٣).
ورواية جرير بن حازم عنه لا يدرى أقبل الاختلاط أم بعده.
وقد روى هذا الحديث إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق عن أبيه أبي إسحاق السبيعي، عن طلحة بن مصرف عن عبد الرحمن بن عوسجة (٤).
стр. 2125
وتابعه خديج بن معاوية، فرواه عن أبي إسحاق، عن طلحة بن مصرف عن عبد الرحمن بن عوسجة (١).
وقد روى شعبة (٢)، ومحمد بن طلحة (٣)، ومنصور بن المعتمر (٤)، وزبيد بن الحارث (٥)، والحسن بن عبيد الله النخعي (٦)، والأعمش (٧)، وعبد الرحمن بن زبيد اليامي (٨)، وحماد بن أبي سليمان (٩)، ومحمد بن طلحة بن مصرف (١٠)، وزيد بن أبي أنيسة (١١) وغيرهم كلهم رووه عن طلحة بن مصرف، عن عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء بن عازب.
قال ابن أبي حاتم في العلل (٣٤٣): سألت أبي عن حديث رواه ابن وهب، عن جرير بن حازم عن أبي إسحاق الهمداني، قال: حدثني عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء، قال: كان رسول الله ﷺ يأتينا فيمسح عواتقنا وصدورنا ويقول: «لا تختلف صفوفكم فتختلف قلوبكم … » (١٢).
стр. 2126
قال أبي: هذا خطأ إنما يروونه عن أبي إسحاق، عن طلحة عن عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء عن النبي ﷺ .
стр. 2127
الحديث السادس (١):
٤٨٤ - قال الإمام أبو داود (١٧٩٧): حدثنا يحيى بن مَعِينٍ قال: ثنا حَجَّاجٌ ثنا يُونُسَ عن أبي إسحاق عن الْبَرَاء بن عَازِبٍ قال: كنت مع عَلِيٍّ حين أَمَّرَهُ رسول الله ﷺ على الْيَمَنِ قال: فَأَصَبْتُ معه أوَاقِيَ فلما قَدِمَ عَلِيٌّ من الْيَمَنِ على رسول الله ﷺ وجد فَاطِمَةَ ﵂ قد لَبِسَتْ ثِيَاباً صَبِيغاً وقد نَضَحَتْ الْبَيْتَ بِنَضُوحٍ فقالت: ما لك فإن رسول الله ﷺ قد أَمَرَ أصْحَابَهُ فَأَحَلُّوا، قال: قلت لها: إني أَهْلَلْتُ بِإهْلَال النبي ﷺ ، قال: فأَتَيْتُ النبي ﷺ فقال لي: «كَيْفَ صَنَعْتَ؟» فقال: قلت: أَهْلَلْتُ بِإهْلَال النبي ﷺ ، قال: «فإِنِّي قد سُقْتُ الْهَدْيَ وَقَرَنْتُ» قال: فقال لي: «انْحَرْ من الْبُدْنِ سَبْعاً وَسِتِّينَ أو سِتًّا وسِتِّينَ وأمْسِكْ لِنَفْسِكَ ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ أو أرْبَعاً وَثَلاثِينَ وأَمْسِكْ لي من كل بَدَنَةٍ منها بَضْعَةً».
التعليق:
هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح.
وأخرجه النسائي (٥/ ١٤٨) وفي الكبرى (٣٧٠٥)(٣٧٢٦)
стр. 2128
والروياني في مسنده (٣٠٦) والطبراني في الأوسط (٦٣٠٧) والبيهقي (٥/ ١٥) وفي معرفة السنن والآثار (٣/ ٥٢٠) كلهم من طريق حجاج بن محمد به.
هكذا قال يونس عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال: «فإني قد سقت الهدي وقرنت».
وقوله: «وقرنت» لم يأتِ في حديث جابر وأنس اللذين ذكرا خبر النبي ﷺ مع علي ﵁.
ففي حديث جابر قال النبي ﷺ : «بمَ أهللت؟» فقال: أهللت بما أهلّ به رسول الله ﷺ ، فقال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت» (١).
وفي حديثه (٢) الطويل عن مسلم وغيره: (وقدم علي من اليمن ببدن النبي ﷺ فوجد فاطمة ﵂ ممن حلّ ولبست ثياباً صبيغاً واكتحلت فأنكر ذلك عليها .. فذهبت إلى رسول الله ﷺ محرشاً على فاطمة الذي صنعته مستفتياً لرسول الله ﷺ فقال: «صدقت صدقت ماذا قلت حين فرضت الحج؟» قال: قلت: اللهم إني أهل بما أهلّ به رسول الله، قال: «فإن معي الهدي فلا تحل».
وفي حديث أنس ﵁ أن علياً قدم من اليمن فقال له النبي ﷺ : «بمَ أهللت؟» فقال: أهللت بإهلال النبي ﷺ ، قال: «لولا أن معي الهدي لأحللت» (٣).
стр. 2129
قال البيهقي: كذا في هذه الرواية: (وقرنت) وليس ذلك في حديث جابر بن عبد الله حين وصف قدوم علي ﵁ وإهلاله، وحديث جابر أصح سنداً وأحسن سياقة ومع حديث جابر حديث أنس بن مالك … ، وفيه وفي حديث جابر جعل العلة من امتناعه من التحلل كون الهدي معه، والقارن لا يحل من إحرامه حتى يحل منهما جميعاً سواء كان معه هدي أو لم يكن، ودلّ ذلك على خطأ تلك اللفظة، والله تعالى أعلم (١).
وقال الهيثمي: للبراء حديث في الصحيح بغير هذا السياق، وليس فيه ذكر القران (٢).
وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أبي إسحاق إلا يونس تفرد به حجاج بن محمد (٣).
قلت: والحمل في هذه اللفظة على أبي إسحاق وقد روى زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن أبي أسماء الصيقل عن أنس ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ نصرخ بالحج، فلما قدمنا مكة أمرنا رسول الله ﷺ أن نجعلها عمرة ثم قال: «لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتها عمرة ولكني سقت الهدي وقرنت» (٤).
стр. 2130
قال الهيثمي: هو في الصحيح خلا قوله: «وقرنت الحج والعمرة» وفيه أبو أسماء الصيقل لم أجد مَنْ روى عنه غير أبي إسحاق (١).
стр. 2131
مجاهد بن جبر
مجاهد بن جبر المكي، أبو الحجاج القرشي المخزومي مولى السائب بن أبي السائب المخزومي ويقال: مولى ابنه عبد الله بن السائب.
ولد سنة ٢١ في خلافة عمر بن الخطاب.
روى عن علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن الزبير وأبي سعيد الخدري.
روى عنه أيوب وعطاء وعكرمة وابن عون وعمرو بن دينار والأعمش ومنصور وجماعة.
قال سلمة بن كهيل: ما رأيت أحداً أراد بهذا العلم وجه الله تعالى إلا عطاءً وطاوساً ومجاهداً.
وقال مجاهد: قرأت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات أقف عند كل آية أسأله فيمَ نزلت وكيف أُنزلت.
وقال قتادة: أعلم مَنْ بقي بالتفسير مجاهد.
وقال مجاهد: قال لي ابن عمر: وددت أن نافعاً يحفظ حفظك.
стр. 2132
قال يحيى بن بكير: مات سنة ١٠١ وهو ابن ٨٣ سنة، وقال أبو نعيم: مات سنة ١٠٢، وقال جماعة: مات سنة ١٠٣، وقيل: ١٠٤، وقال ابن حبان: مات بمكة سنة ١٠٢ أو ١٠٣ وهو ساجد.
قال ابن حجر: إمام في التفسير وفي العلم، من الثالثة.
стр. 2133
الحديث (١):
٤٨٥ - قال الإمام البخاري ﵀ (٦٢٦٥): حدثنا أبو نعيم حدثنا سيف قال: سمعت مجاهداً يقول: حدثني عبد الله بن سَخْبَرة أبو معمر قال: سمعت ابن مسعود يقول:
علّمني رسول الله ﷺ وكفي بين كفَّيه التشهد كما يعلّمني السورة من القرآن: التحيّات للّه والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
وهو بين ظهرانينا، فلما قبض قلنا: السلام يعني على النبي ﷺ .
التعليق:
وأخرجه مسلم (٤٠٢)(٥٩) عن أبي بكر ابن أبي شيبة عن أبي نعيم به ولم يسق لفظه بل أحال على ما قبله.
ورواه أبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٨٩٤) وأبو عوانة (٢٠٢٦).
стр. 2134
وأخرجه أحمد (١/ ٤١٤) وابن أبي شيبة (١/ ٢٩٢) وأبو يعلى (٥٣٤٧) والبيهقي (٢/ ١٣٨) والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٣٧٩٧) كلهم من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين.
ورواه النسائي (٢/ ٢٤١) من طريق إسحاق بن إبراهيم عن أبي نعيم به غير أنه حذف آخره وهو قوله: (وهو بين ظهرانينا فلما قبض قلنا: السلام على النبي).
هكذا جاء في بقية المصادر من دون لفظة: (يعني) والتي قالها الإمام البخاري.
ورواه البزار (١٧٩٩) من طريق أبي أسامة عن سيف عن مجاهد به وحذف آخره.
ورواه الشاشي (٨٩٥) والطحاوي في شرح المشكل (٣٧٩٨) كلاهما من طريق عثمان بن الأسود عن مجاهد عن عبد الله بن مسعود، ولم يذكر أبا معمر.
ومجاهد لم يدرك ابن مسعود، إنما يرويه عن أبي معمر.
وقال البزار (٥/ ٢٠١): هذا الحديث لا نعلمه يروى من حديث أبي معمر عن عبد الله إلا من هذا الوجه ولا نعلم رواه عن مجاهد إلا سيف بن سلمان.
هكذا قال مجاهد عن أبي معمر عن عبد الله بن مسعود ﵁: إن الصحابة ﵃ كانوا يقولون في حياة النبي ﷺ : (السلام عليك أيها النبي) بلفظ المخاطب، فلما مات قالوا: (السلام على النبي ﷺ .
стр. 2135
وكل مَنْ روى التشهد عن عبد الله بن مسعود لم يذكر أنهم كانوا يقولون بعد موته ﷺ : (السلام على النبي ﷺ .
فقد رواه عن ابن مسعود كلٌّ من:
أبي وائل شقيق بن سلمة (١)، وأبي الأحوص عوف بن مالك (٢)، والأسود بن يزيد (٣)، وأبي عبيدة ابن عبد الله بن مسعود (٤)، وعلقمة بن قيس النخعي (٥).
وكذلك كل مَنْ روى التشهد من أصحاب النبي ﷺ لم يذكر التفريق في السلام على النبي ﷺ في حياته عن بعد مماته، منهم:
ابن عباس (٦)، وأبو موسى الأشعري (٧)، وجابر بن عبد الله (٨)، وابن عمر (٩)، وعائشة (١٠)، وسلمان الفارسي (١١).
стр. 2136
بل إن أبا بكر (١) وعمر (٢) ﵄ كانا بعد وفاة النبي ﷺ يعلِّمان الناس التشهد وهما على المنبر فكان فيه: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) بكاف المخاطب.
وقد أخبر علقمة بن قيس النخعي صاحب ابن مسعود أن عبد الله بن مسعود أخذ بيده فعلّمه التشهد في الصلاة كما علّمه النبي ﷺ لعبد الله ولم يعلمه ابن مسعود أن يقول غير: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) (٣)، وذكر علقمة أن عبد الله كان يعلّم رجلاً التشهد فذكره نحو ذلك (٤) مما يدل على وهم في حديث عبد الله بن سخبرة إما منه أو من مجاهد، وقد رجح الطحاوي أن الوهم فيه من مجاهد لأنه روى هذا الحديث عن عبد الله بن مسعود دون أن يذكر فيه أبا معمر عبد الله بن سخبرة.
قال الطحاوي: «فإن قال قائل: هذا حديث منكر لأنه يوجب أن يتشهد بعد النبي ﷺ بما عامة الناس يتشهدون خلافه لأنهم يتشهدون فيقولون في تشهدهم: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) بعد موته كما كانوا يتشهدون في حياته.
стр. 2137
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أنا قد أنكرنا من ذلك مثل الذي أنكره، فقال: من أين جاء هذا الخلاف لما الناس عليه، أمن قبل أبي معمر فهو رجل جليل المقدار مقبول الرواية، أو ممن دونه من رواة هذا الحديث؟ فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه أنا قد كشفنا عن ذلك فوجدناه ممن دونه من رواة هذا الحديث.
كما حدثنا أبو أمية، قال: حدثنا عبد الله بن موسى العبسي قال: حدثنا عثمان بن الأسود عن مجاهد عن عبد الله بن مسعود … الحديث، ولم يذكر أبا معمر في حديثه، فدلّ ما ذكرنا أن هذه الزيادة المخالفة لما الناس عليه كانت ممن دون أبي معمر. ومما يدفع في هذا الحديث أن يكون مستعملاً ويوجب التمسك بما الناس عليه في صلواتهم من تشهدهم الذي يتشهدون به فيها، ثم أورد أحاديث دالة على ما ذكره.
ثم قال الطحاوي: «فقال قائل: وكيف يجوز أن يكون النبي ﷺ يخاطب بعد وفاته بمثل هذا كما كان يخاطب في حياته؟ فكان جوابنا في ذلك: أن أبا عبيد ذكر عن ابن عيينة أن مما أجلّ الله به رسوله ﷺ أن يُسلّم عليه بعد وفاته كما كان يُسلّم عليه في حياته» (١).
ثم يذكر الطحاوي ﵀ أن النبي ﷺ كان إذا زار البقيع يسلم على أهله بلفظ المخاطب فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين» (٢).
стр. 2138
فائدة:
أما وجه إخراج الإمام البخاري ﵀ لهذا الحديث فإنه إنما أخرجه في كتاب الاستئذان باب (الأخذ باليدين) وذلك لما جاء في الحديث: (وكفي بين كفَّيه)، وأخرج الأحاديث الأخرى في باب التشهد فتدبر ذلك. ولذلك نظائر عند الإمام البخاري.
وأما الإمام مسلم فإنه لم يسق لفظه، والله تعالى أعلم.
واغتر بهذا ابن الملقن فقال: وفي آخر الحديث فائدة جليلة أن الإشارة والخطاب بقوله: السلام عليك، إنما كان في حياته وأنه يقال بعد وفاته ما ذكره، فتنبّه له (١).
علة الوهم:
١ روى مجاهد عن ابن عمر نحو ذلك وهو ما رواه أبو بكر الشافعي من طريق خارجة بن مصعب عن شعبة عن أبي بشر عن مجاهد قال: كنت آخذاً بيد عبد الله بن عمر وهو يطوف بالبيت وهو يعلِّمني التحية فذكر ذلك عن النبي ﷺ قال: التحيّات للّه والصلوات والطيبات، السلام على النبي ورحمة الله. قال: وكنا نقول هذا في حياته فلما قبض النبي ﷺ قلنا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله … ) (٢).
٢ روى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء أن أصحاب
стр. 2139
النبي ﷺ كانوا يسلِّمون والنبي ﷺ حي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. فلما مات قالوا: السلام على النبي ورحمة الله وبركاته (١).
والله تعالى أعلم.
стр. 2140
محمد بن سيرين
محمد بن سيرين الأنصاري، أبو بكر ابن أبي عمرة البصري من سبي عين التمر الذين أسرهم خالد بن الوليد.
روى عن: مولاه أنس بن مالك وأبي قتادة وأبي سعيد وأبي هريرة وابن عمر وابن عباس وعائشة وجماعة من الصحابة وكبار التابعين.
روى عنه: الشعبي وثابت وأيوب وابن عون وعاصم الأحول وقتادة وداود بن أبي هند وطائفة.
قال ابن سعد: كان ثقة مأموناً عالياً رفيعاً فقيهاً إماماً كثير العلم ورعاً وكان به صمم.
وقال ابن حبان: كان من أورع أهل البصرة وكان فقيهاً فاضلاً حافظاً متقناً يعبِّر الرؤيا، رأى ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ .
مات في شوال سنة عشر ومائة بعد الحسن بمائة يوم وهو ابن سبع وسبعين سنة.
قال ابن حجر في التقريب: ثقة ثبت عابد كبير القدر كان لا يرى الرواية بالمعنى، من الثالثة.