خالفه منصور بن المعتمر (١)، وحصين بن عبد الرحمن (٢)، والأعمش (٣)، وسعيد بن مسروق (٤).
فرووه عن شقيق عن حذيفة قال: كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه.
فجعلوه من فعله ﷺ وليس من أمره.
علة الوهم:
١ أبو حصين لم يروِ عن شقيق بن سلمة غير هذا الحديث فليس له اختصاص فيه بخلاف منصور وحصين والأعمش.
قال البزار: ولا نعلم روى أبو حصين عن أبي وائل عن حذيفة إلا هذا الحديث.
٢ قد جاء أمره ﷺ بالسواك في غير حديث، منها: حديث ابن عباس: (كنا نؤمر بالسواك حتى ظننا أنه سينزل فيه) (٥).
وحديث أبي هريرة مرفوعاً: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء» (٦).
وفي رواية مسلم: «عند كل صلاة».
стр. 2207
عمرو بن دينار
عمرو بن دينار أبو محمد الأثرم الجمحي المكي مولى ابن باذان، ويقال: باذان عامل كسرى على اليمن.
أحد أعلام التابعين.
روى عن: ابن عمر وابن عباس وجابر وأبي هريرة وابن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص وخلق من الصحابة والتابعين.
روى عنه: أيوب وقتادة وابن جريج وجعفر الصادق ومالك وشعبة والحمادان والسفيانان وجماعة.
قال شعبة: لم أرَ مثله يعني في التثبت.
وقال ابن نجيح: ما كان عندنا أحد أفقه ولا أعلم من عمرو بن دينار.
وقال ابن عيينة: ثقة ثقة ثقة، كان أعلم أهل مكة، كان قد جزّأ الليل ثلاثة أجزاء: ثلثاً ينام، وثلثاً يدرس حديثه، وثلثاً يصلي.
وقال أيضاً: كان ثقة ثبتاً كثير الحديث صدوقاً عالماً وكان مفتي أهل مكة في زمانه.
стр. 2208
وقال النسائي: ثقة ثبت.
قال ابن عيينة: مرض عمرو بن دينار فعاده الزهري فلما قام الزهري قال: ما رأيت شيخاً أنص للحديث الجيد من هذا الشيخ.
قال ابن حجر: ثقة ثبت، من الرابعة.
стр. 2209
الحديث (١):
٤٩٩ - قال أبو داود ﵀ (٤٥٧٢): حدثنا محمد بن مسعود المصيصي، ثنا أبو عاصم عن ابن جريج قال: أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع طاووساً عن ابن عباس عن عمر ﵄:
أنه سأل عن قضية النبي ﷺ في ذلك (٢) فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال: كنت بين امرأتين فضربت إحداهما الأخرى بمسطح (٣) فقتلتها وجنينها فقضى رسول الله ﷺ في جنينها بغُرة (٤) وأن تُقتل.
التعليق:
هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير محمد بن مسعود وهو ثقة وقد توبع.
стр. 2210
وأخرجه الدارمي (٣٣٨١) وابن ماجه (٢٦٤١) وابن حبان (٦٠٢١) والدارقطني (٣/ ١١٥ - ١١٧) والبيهقي (٨/ ١١٤) من طريق أبي عاصم به، والنسائي (٨/ ٢١ - ٢٢) من طريق حجاج بن محمد، وأحمد (١/ ٣٦٤) من طريق عبد الرزاق ومحمد بن بكر البرساني، والدارقطني (٣/ ١١٦) من طريق محمد بن بكر (وسقط من مطبوع الدارقطني عمر) كلهم عن ابن جريج به.
هكذا قال عمرو بن دينار عن طاووس عن ابن عباس عن عمر ﵁ في قضاء رسول الله ﷺ فقال: قضى رسول الله ﷺ في جنينها بغرة وأن تُقتل.
وخالفه ابن طاووس (١) فرواه عن أبيه بهذا الإسناد قال: إن رسول الله ﷺ قضى بالدية في المرأة وفي الجنين بغرة.
وهم عمرو بن دينار في قوله: (وأن تقتل) والصحيح أن النبي ﷺ أمر بالدية وجعلها على عاقلة القاتلة كما قال ابن طاووس عن أبيه وهو أعلم بحديث أبيه لملازمته له، وعمرو مكي وطاووس من اليمن.
وقد روى قصة هاتين المرأتين الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة ابن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁ قال: اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فاختصموا إلى النبي ﷺ فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة وأن دية المرأة على عاقلتها (٢).
стр. 2211
وروى المغيرة بن شعبة ﵁ قال: إن امرأة قتلت ضرتها بعمود فسطاط فأتي فيه رسول الله ﷺ فقضى على عاقلتها بالدية وكانت حاملاً فقضى في الجنين بغرة (١).
وقد روى حديث الباب سفيان بن عيينة (٢) عن عمرو بن دينار ولم يذكر أن تقتل المرأة.
وروى عكرمة عن ابن عباس ﵁ في قصة حمل بن مالك قال: فأسقطت غلاماً قد نبت شعره ميتاً وماتت المرأة فقضى على العاقلة بالدية.
وقال ابن عباس: كان اسم إحداهما مليكة والأخرى أم عطيف (٣).
لذا قال أبو داود عقب الحديث: حدثنا عبد الله بن محمد الزهري، حدثنا سفيان عن عمرو، عن طاووس قال: قام عمر ﵁ على المنبر فذكر معناه لم يذكر: (وأن تقتل) (٤).
стр. 2212
قال الخطابي في معالم السنن: وفيه دليل على أن القتل إذا وقع بما يقتل مثله غالباً من خشب أو حجر أو نحوهما ففيه القصاص كالحديد، إلا أن قوله: (وأن تقتل) لم يذكر في غير هذه الرواية.
وقد راجع ابن جريج عمرو بن دينار في قوله: (وأن تقتل) وذكر له أن ابن طاووس خالفه، وقد جاء في رواية المسند عند أحمد (١) فقلت لعمرو: أخبرني ابن طاووس عن أبيه كذا وكذا، فقال: لقد شككتني.
وقال المنذري: «وقوله: (وأن تقتل)، لم يذكر في غير هذه الرواية، وقد روي عن عمرو بن دينار أنه شكّ في قتل المرأة بالمرأة» (٢).
قال الشيخ أحمد شاكر: «ويظهر أن هذا التشكيك كان له عند عمرو أثره، فروى الحديث مرة أخرى دون هذا الحرف الذي شكّ فيه» (٣).
قال البيهقي عقب الحديث: كذا قال (وأن تقتل)، يعني المرأة القاتلة، ثم شكّ فيه عمرو بن دينار، والمحفوظ أنه قضى بديتها على العاقلة (٤).
قال ابن القيم: «وفي النسائي فقضى في حملها بغرة وأن تقتل بها وكذلك قال غيره أيضاً، والصحيح أنه لم يقتلها.
стр. 2213
ثم قال: وفي هذا الحكم أن شبه العمد لا يوجب القود وأن العاقلة تحمل الغرة تبعاً للدية وأن العاقلة هم العصبة وأن زوج القاتلة لا يدخل معهم وأن أولادها أيضاً ليسوا من العاقلة» (١).
стр. 2214
قتادة بن دعامة
اسمه ونسبه:
قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز بن عمرو بن ربيعة، أبو الخطاب السدوسي البصري، ولد أكمه، وكان مولده سنة ستين.
روى عن: عبد الله بن سرجس وأنس بن مالك وأبي الطفيل وسعيد بن المسيب وأبي العالية وعكرمة مولى ابن عباس وخلق.
روى عنه: أيوب وشعبة ومعمر وابن أبي عروبة ومسعر بن كدام وعمرو بن الحارث وجماعة من الأئمة.
قال له شيخه سعيد بن المسيب بعد أن اختبر حفظه: ما أظن الله خلق مثلك.
وقال أيضاً: ما أتاني عراقي أحسن من قتادة.
وقال سفيان الثوري: ما كان في الدنيا مثل قتادة.
وقال ابن سيرين: قتادة أحفظ الناس.
قال معمر: قلت للزهري: أقتادة عندك أعلم أم مكحول؟ قال: لا، بل قتادة.
стр. 2215
وقال عبد الرحمن بن مهدي: قتادة أحفظ من خمسين مثل حميد الطويل.
قال أبو حاتم: صدق ابن مهدي.
وقال قتادة: ما قلت لمحدث قط: أعِد عليّ، وما سمعت أذناي شيئاً قط إلا وعاه قلبي.
قال ابن حجر: ثقة ثبت يقال: ولد أكمه، وهو رأس الطبقة الرابعة.
وقال أبو حاتم: سمعت أحمد بن حنبل وذكر قتادة، فأطنب في ذكره فجعل ينشر من علمه وفقهه ومعرفته بالاختلاف والتفسير ووصفه بالحفظ والفقه وقال: قلّ ما تجد مَنْ يتقدمه، أما المثل فلعل.
المآخذ التي عليه:
١ التحديث عن كل أحد.
قال الشعبي: قتادة حاطب ليل.
وقال معتمر بن سليمان عن أبي عمرو ابن العلاء: كان قتادة وعمرو بن شعيب لا يغث عليهما شيء يأخذان عن كل أحد.
٢ التدليس.
قال أبو داود: حدّث قتادة عن ثلاثين رجلاً لم يسمع منهم.
قال إسماعيل القاضي: سمعت علي بن المديني يضعّف أحاديث قتادة عن سعيد بن المسيب تضعيفاً شديداً وقال: أحسب أن أكثرها بين قتادة وسعيد فيها رجال.
وقال ابن حبان: كان من علماء الناس بالقرآن والفقه ومن حفّاظ
стр. 2216
أهل زمانه. مات بواسط سنة ١١٧ كان مدلساً على قدر فيه.
وذكره ابن حجر في طبقات المدلسين في المرتبة الثالثة وقال: كان حافظ عصره، وهو مشهور بالتدليس، وصفه به النسائي وغيره.
روى له البخاري (٢٧٤) حديثاً منها (١١٢) حديثاً صرح فيها بالسماع و (١٦٢) عنعن فيها منها (٧٢) حديثاً من حديث شعبة عنه (١). وروى له مسلم (٣٢٢) حديثاً، منها (٦٢) صرح فيها بالسماع، (١٦٠) بالعنعنة (٢).
стр. 2217
الحديث الأول (١):
٥٠٠ - قال أبو عيسى الترمذي (٣٢٣٤): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن أبي قلابة، عن خالد بن اللجلاج، عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال:
«أتاني ربي في أحسن صورة فقال: يا محمد، قلت: لبّيك ربي وسعديك، قال: فيمَ يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: ربي لا أدري، فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي فعلمت ما بين المشرق والمغرب، قال: يا محمد، فقلت: لبّيك يا رب وسعديك، قال: فيمَ يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الدرجات والكفارات وفي نقل الأقدام إلى الجماعات وإسباغ الوضوء في المكروهات وانتظار الصلاة بعد الصلاة، ومَن يحافظ عليهم عاش بخير ومات بخير وكان من ذنوبه كيوم ولدته أمه».
стр. 2218
التعليق:
هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير خالد بن اللجلاج وهو تابعي فقيه فاضل، ذكره ابن حبان في ثقات التابعين وقال ابن إسحاق عن مكحول: كان ذا سن وصلاح، وقال أبو مسهر: كان يفتي مع مكحول.
والحديث أخرجه كذلك أبو يعلى (٢٦٠٨)، وابن أبي عاصم في السنّة (٤٦٩)، والآجري في الشريعة (ص ٤٩٦)، والقزويني في أخبار قزوين (٢/ ٣٦٣) كلهم من طريق معاذ بن هشام بهذا الإسناد.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
هكذا رواه قتادة فقال: (عن أبي قلابة، عن خالد بن اللجلاج، عن ابن عباس).
خالفه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر (١)، والأوزاعي (٢)، ويزيد بن يزيد بن جابر (٣) فقالوا: (عن أبي قلابة، عن خالد بن اللجلاج، عن عبد الرحمن بن عائش).
стр. 2219
وكذلك رواه مكحول (١)، وابن أبي زكريا (٢) عن عبد الرحمن بن عائش.
وقتادة لم يسمع من أبي قلابة إلا أحرفاً كما قال أبو حاتم، وقال: (إنما وقع إليه كتاب من كتب أبي قلابة فتصحف عليهم ابن عائش إلى ابن عباس).
وقال ابن حجر في التهذيب في ترجمة خالد بن اللجلاج: (روى عن ابن عباس فيما قيل، والمحفوظ: عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي) اه.
وقال ابن أبي حاتم في العلل (٢٦): سألت أبي عن حديث رواه معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن أبي قلابة، عن خالد بن اللجلاج، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ : «رأيت ربي » وذكر الحديث في إسباغ الوضوء ونحوه.
قال أبي: هذا رواه الوليد بن مسلم (٣) وصدقة عن ابن جابر، قال: كنا مع مكحول، فمرّ به خالد بن اللجلاج فقال مكحول: يا أبا إبراهيم حدِّثنا، فقال: حدّثني ابن عائش الحضرمي عن النبي ﷺ .
قال أبي: هذا أشبه، وقتادة يقال: لم يسمع من أبي قلابة إلا أحرفاً فإنه وقع إليه كتاب من كتب أبي قلابة فلم يميزوا بين عبد الرحمن بن عائش وبين ابن عباس.
стр. 2220
قال أبي: وروى هذا الحديث جهضم بن عبد الله اليمامي وموسى بن خلف العمّي عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن جده ممطور، عن أبي عبد الرحمن السكسكي، عن مالك بن يخامر، عن معاذ بن جبل عن النبي ﷺ (١).
قال أبي: وهذا أشبه من حديث ابن جابر.
وقال يعقوب بن أبي يعقوب: حدثنا أبو زرعة قال: قلت لأحمد بن حنبل: إن ابن جابر يحدّث عن خالد بن اللجلاج عن عبد الرحمن بن عائش عن النبي ﷺ : «رأيت ربي في أحسن صورة».
ويحدّث به قتادة عن أبي قلابة عن خالد بن اللجلاج عن ابن عباس فأيهما أحب إليك؟
قال: حديث قتادة هذا ليس بشيء والقول ما قال ابن جابر (٢).
وقال المزي وابن حجر: خالد بن اللجلاج العامري، ويقال: مولى بني زهرة أبو إبراهيم الحمصي، ويقال: الدمشقي روى عن ابن عباس فيما قيل والمحفوظ عن عبد الرحمن بن عباس الحضرمي (٣).
وقال الدارقطني في «العلل» ٦/ ٥٤ - ٥٧ وقد سئل عنه: رواه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن خالد بن اللجلاج، قال: سمعت عبد الرحمن بن عائش قال: سمعت رسول الله ﷺ ، قال ذلك الوليد بن
стр. 2221
مسلم، وحماد بن مالك، وعمارة بن بشير، عن ابن جابر، وكذلك قال الأوزاعي: عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: عن خالد بن اللجلاج، وقال يزيد بن يزيد بن جابر، عن خالد بن اللجلاج، عن عبد الرحمن بن عائش، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ ، قال ذلك زهير بن محمد، عنه.
وقال خارجة بن مصعب: عن يزيد بن يزيد، عن خالد بن اللجلاج، عن عبد الرحمن بن عياش، عن بعض أصحاب النبي ﷺ ، وإنما أراد ابنَ عائش.
ورواه أبو قلابة عن خالد بن اللجلاج واختلف عنه، فرواه قتادة واختلف عليه فيه أيضاً، فقال يوسف بن عطية الصفار: عن قتادة، عن أنس بن مالك، ووهم فيه.
وقال هشام الدستوائي من رواية المقدَّمي، عن معاذ بن هشام، عن أبيه: عن قتادة، عن أبي قلابة، عن خالد بن اللجلاج، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، ووهم في قوله: ابن عباس، وإنما أراد ابن عياش عن النبي ﷺ . وقال القواريري وأبو قدامة وغيرهم: عن معاذ بن هشام، عن أبيه عن قتادة، عن أبي قلابة، عن خالد، عن ابن عباس.
ورواه أيوب عن أبي قلابة، واختلف عن أيوب، فرواه أنيس بن سوار الجرمي، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن خالد بن اللجلاج، عن عبد الله بن عائش، ورواه عدي بن الفضل، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس.
ورواه حميد الطويل، عن بكر، عن أبي قلابة، عن النبي ﷺ
стр. 2222
مرسلاً، وروى هذا الحديث يحيى بن أبي كثير فحفظ إسناده، فرواه جهضم بن عبد الله القيسي، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده أبي سلام واسمه ممطور، عن عبد الرحمن الحضرمي، وهو عبد الرحمن بن عائش، قال: حدثنا مالك بن يخامر، قال: حدثنا معاذ بن جبل، عن النبي ﷺ ، ورواه موسى بن خلف العمي، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده أبي سلام، فقال: عن أبي عبد الرحمن السكسكي، وإنما أراد: عن عبد الرحمن، وهو ابن عائشٍ، وقال: عن مالك بن يخامر، عن معاذ، فعاد الحديث إلى معاذ بن جبل.
وروي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل نحو هذا، ورواه الحجاج بن دينار، عن الحكم بن عتيبة، عن ابن أبي ليلى، ورواه سعيد بن سويد القرشي الكوفي، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن ابن أبي ليلى، عن معاذ.
قال: ليس فيها صحيح، وكلها مضطربة. انتهى كلام الدارقطني.
стр. 2223
الحديث الثاني (١):
٥٠١ - قال أبو داود ﵀ (٧٧٩): حدثنا مُسَدَّدٌ ثنا يَزِيدُ ثنا سَعِيدٌ ثنا قَتَادَةٌ عن الْحَسَنِ أنَّ سَمُرَةَ بن جُنْدُبٍ وَعِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ تَذَاكَرَا فَحَدَّثَ سَمُرَةُ بن جُنْدُبٍ أنَّهُ حَفِظَ عن رسول الله ﷺ سَكْتَتَيْنِ سَكْتَةً إذا كَبَّرَ وسَكْتَةً إذا فَرَغَ من قراءة: ﴿ .. غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ فَحَفِظَ ذلك سَمُرَةُ وَأَنْكرَ عليه عِمْرَانُ بن حُصَيْنٍ فَكَتَبَا في ذلك إلى أُبَيِّ بن كَعْبٍ وكان في كِتَابِهِ إِلَيْهِمَا أو في رَدِّهِ عَلَيْهِمَا أنَّ سَمُرَةَ قد حَفِظَ.
التعليق:
هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير مسدد من رجال البخاري إلا أنه منقطع لأن الحسن البصري مختلف في سماعه من سمرة، وقيل: إنه لم يسمع منه إلا حديث العقيقة.
ورواه الطبراني في الكبير (١٨/ ٣١٠) من طريق مسدد به.
стр. 2224
ورواه الطبراني في الكبير (٦٨٧٥) من طريق محمد بن المنهال عن يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة وفيه: وسكتة إذا كبّر وسكتة إذا فرغ من قراءة السورة).
ورواه أبو داود (٧٨٠) والترمذي (٢٥١) وابن ماجه (٨٤٤) والبيهقي (٢/ ١٩٦) من طريق عبد الأعلى عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به وفيه قال: سعيد، قلنا لقتادة: ما هاتان السكتتان؟ قال: إذا دخل في صلاته، وإذا فرغ من القراءة، ثم قال بعد، وإذا قال: ﴿ .. غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾.
ورواه البيهقي (٢/ ١٩٦) من طريق مكي بن إبراهيم عن سعيد عن قتادة له وفيه: (سكتة حين يكبّر والأخرى حين يفرغ من القراءة عند الركوع ثم قال الأخرى يعني المرة الأخرى سكتة حين يكبّر وسكتة إذا قال: ﴿ .. غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ … (٧)﴾.
هكذا قال قتادة عن الحسن: (وسكتة إذا فرغ من قراءة: ﴿ .. غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾).
خالفه يونس بن عبيد (١)، وأشعث بن عبد الملك الحمداني (٢)، وحميد الطويل (٣) فقالوا: (إن السكتة الثانية كان إذا فرغ من قراءة الفاتحة والسورة التي بعدها).
стр. 2225
قال يونس: (وسكتة إذا فرغ من فاتحة الكتاب وسورة عند الركوع).
وقال أشعث: (وإذا فرغ من القراءة كلها).
وقال حميد: (وسكتة إذا فرغ من القراءة).
وفي رواية: (إذا فرغ من السورة الثانية قبل أن يركع).
ورواه هوذة بن خليفة (١) عن عوف قال: بلغني عن الحسن عن سمرة فذكر الحديث وفيه: (وسكتة إذا فرغ من قراءة السورة).
وهم قتادة في قوله: (إن السكتة الثانية كانت بين قراءة الفاتحة والسورة)، وإنما هي بعد قراءة الفاتحة والسورة.
وقد ذكر سعيد بن أبي عروبة كما تقدم (في رواية عبد الأعلى ومكي بن إبراهيم عنه) أن قتادة كان يقول أولاً: إن السكتة إذا فرغ من القراءة ثم قال بعد ذلك أنها بعد قول: ﴿ .. غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ … (٧)﴾).
ورواه شعبة (٢)، وسعيد بن بشير (٣)، وبحر السقاء (٤). ثلاثتهم عن قتادة مختصراً إلى قوله سكتتين: ولم يفصلوا.
قال الألباني: قوله: إن السكتة الثانية إذا فرغ من قراءة ﴿ .. غَيْرِ الْمَغْضُوبِ … (٧)﴾ شاذ، والصواب: أنها بعد الفراغ من القراءة كلها كما في
стр. 2226
الروايتين السابقتين وكذلك كان قتادة يقول قديماً، ثم خالف فقال: بعد قراءة: ﴿ .. غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ … (٧)﴾ فكأنه نسي (١).
وقد رجح الإمام الترمذي أن السكتة الثانية بعد الفراغ من القراءة كلها بعد أن روى هذا الحديث من طريق عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة وفيه: فقلنا لقتادة: ما هاتان السكتتان؟ قال: إذا دخل في صلاته وإذا فرغ من القراءة، ثم قال بعد ذلك: وإذا قرأ: ﴿ .. وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ قال: وكان يعجبه إذا فرغ من القراءة أن يسكت حتى يتراد إليه نفسه.
قال الترمذي: حديث سمرة حديث حسن وهو قول غير واحد من أهل العلم: يستحبون للإمام أن يسكت بعدما يفتتح الصلاة، وبعد الفراغ من القراءة، وبه يقول أحمد وإسحاق وأصحابنا (٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وللناس في سكتات الصلاة أقوال:
أحدها: أنه لا سكوت فيها كقول مالك، ولا يستحب عنده استفتاح ولا استعاذة ولا سكوت لقراءة الإمام.
والثاني: أنه ليس فيها إلا سكوت واحد للاستفتاح كقول أبي حنيفة.
الثالث: أن فيها سكتتين كما في حديث السنن، لكن روى فيه أنه يسكت إذا فرغ من القراءة وهو الصحيح، وروي إذا فرغ من الفاتحة. فقالت طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد: يستحب ثلاث سكتات، وسكتة الفاتحة جعلها أصحاب الشافعي وطائفة من أصحاب أحمد ليقرأ
стр. 2227
المأموم الفاتحة، والصحيح أنه لا يستحب إلا سكتتان فليس في الحديث إلا ذلك، وإحدى الروايتين غلط وإلا كانت ثلاثاً وهذا هو المنصوص عن أحمد وأنه لا يستحب إلا سكتتان، والثانية بعد الفراغ من القراءة للاستراحة والفصل بينها وبين الركوع (١).
هكذا قال ابن تيمية أن إحدى الروايتين غلط وأن الصحيح هو السكتة بعد الفراغ من القراءة كلها وخالفه تلميذه ابن القيم فقال: «وكان له سكتتان: سكتة بين التكبير والقراءة، واختلف في الثانية فروي أنها بعد الفاتحة، وقيل: إنها بعد القراءة وقبل الركوع، وقيل: هي سكتتان غير الأولى فتكون ثلاثاً. والظاهر إنما هي اثنتان فقط، وأما الثالثة فلطيفة جداً لأجل تراد النفس ولم يكن يصل القراءة بالركوع بخلاف السكتة الأولى فإنه كان يجعلها بقدر الاستفتاح والثانية قد قيل: إنها لأجل قراءة المأموم فعلى هذا ينبغي تطويلها بقدر قراءة الفاتحة، وأما الثالثة فللراحة والنفس فقط وهي سكتة لطيفة فمَن لم يذكرها لقصرها ومَن اعتبرها جعلها سكتة ثالثة فلا اختلاف بين الروايتين وهذا أظهر ما يقال في هذا الحديث …
ثم قال: قال سمرة بن جندب: حفظت من رسول الله ﷺ سكتتين: سكتة إذا كبّر وسكتة إذا فرغ من قراءة: ﴿ .. غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ (٢).
وفي بعض طرق الحديث: فإذا فرغ من القراءة سكت وهذا كالمجمل واللفظ الأول مفسر مبين ولهذا قال أبو سلمة ابن
стр. 2228
عبد الرحمن: للإمام سكتتان فاغتنموا فيهما القراءة بفاتحة الكتاب إذا افتتح الصلاة وإذا قال: ﴿ .. وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ (١).
علة الوهم:
أن الإمام قد يسكت سكتة لطيفة إذا فرغ من قوله: ﴿ .. وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ حتى يفرغ المأمومون من التأمين.
أثر الوهم:
قال الإمام النووي: وهذه الرواية لا تخالف السابقتين بل يحصل من المجموع إثبات السكتات الثلاث، والله تعالى أعلم (٢).
стр. 2229
الحديث الثالث (١):
٥٠٢ - قال أبو عيسى الترمذي ﵀ (٢٢٨٠): حدثنا أحمد بن أبي عبيد الله السليمي البصري، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد عن قتادة، عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«الرؤيا ثلاث: فرؤيا حق، ورؤيا يحدّث بها الرجل نفسه، ورؤيا تحزين من الشيطان، فمَن رأى ما يكره فليقم فليصلِّ وكان يقول: يعجبني القيد (٢) وأكره الغل، القيد ثبات في الدين، وكان يقول: مَنْ رآني فإني أنا هو فإنه ليس للشيطان أن يتمثل بي، وكان يقول: لا تقص الرؤيا إلا على عالمٍ أو ناصح».
التعليق:
هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير أحمد شيخ الترمذي وهو ثقة وهو متابع فقد أخرجه الخطيب في الفصل للوصل (١/ ١٦٥) من طريق عباس بن الوليد النرسي عن يزيد بن زريع به.
стр. 2230
وأخرجه النسائي في الكبرى (١٠٧٤٦) عن أحمد بن أبي عبيد الله مختصراً ولم يذكر قول: (يعجبني القيد وأكره الغل … ).
وأخرجه مسلم في صحيحه (٢٢٦٣) من طريق إسحاق بن إبراهيم عن معاذ بن هشام عن أبيه هشام بن أبي عبد الله الدستوائي عن قتادة به ولم يسق لفظه.
ورواه النسائي في الكبرى (٧٦٥٤) من طريق إسحاق بن إبراهيم وساق لفظه.
هكذا قال قتادة عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة: (الرؤيا ثلاث: فرؤيا حق ورؤيا يحدث بها الرجل نفسه ورؤيا تحزين من الشيطان، وكان يقول: يعجبني القيد وأكره الغل، القيد ثبات في الدين).
خالفه عوف الأعرابي (١) وأيوب السختياني (٢) فروياه عن محمد بن سيرين بهذا الإسناد وجعلا آخر هذا الحديث وهو قوله: (يعجبني القيد، وفي رواية: أحب القيد وأكره الغل، القيد ثبات في الدين) من قول أبي هريرة وكذلك رواه هشام بن حسان عن أيوب في رواية له (٣).
وقد ذكر الإمامان البخاري ومسلم أن هذا القول أدرجه بعض الرواة في الحديث وكذا قال أبو عوانة والخطيب البغدادي وابن حجر.
стр. 2231
قال البخاري: «وروى قتادة ويونس وهشام وأبو هلال عن ابن سيرين عن أبي هريرة وأدرجه بعضهم كله في الحديث، وحديث عوف أبْيَن، وقال يونس: لا أحسبه إلا عن النبي ﷺ ».
وقال مسلم بعد أن أخرج الحديث من طريق قتادة عن ابن سيرين قال: «وأدرج في الحديث قوله: وأكره الغل … إلى تمام الكلام».
وقال الخطيب في الفصل للوصل (١/ ١٧٠): جميع هذا المتن قول رسول الله ﷺ إلا ذكر القيد والغل فإنه من قول أبي هريرة أدرجه هؤلاء الرواة في الحديث وبيّنه معمر بن راشد في روايته عن أيوب عن محمد بن سيرين.
وقال الحافظ في الفتح (١٢/ ٤١٠): وأخرج أبو عوانة في صحيحه من طريق عبد الله بن بكر عن هشام قصة القيد وقال: الأصح أن هذا من قول ابن سيرين، وقد استوفينا البحث في باب هشام بن حسان ح (٦٠٤) فانظره.
стр. 2232
محارب بن دثار
اسمه ونسبه:
محارب بن دثار بن كردوس بن قرواش السدوسي الكوفي الفقيه قاضي الكوفة.
روى عن: ابن عمر وجابر بن عبد الله وعبد الله بن يزيد الخطمي والأسود بن يزيد وجماعة وليس حديثه بالكثير.
روى عنه: زبيد اليامي، وأبو إسحاق الشيباني، والأعمش، وشعبة، والثوري، وخلق.
قال سفيان: ما يخيل إليّ أنني رأيت زاهداً أفضله على محارب بن دثار.
وثقه أحمد وابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي وغيرهم.
مات سنة ١١٦.
قال ابن حجر: ثقة إمام زاهد، من الرابعة.
стр. 2233
الحديث (١):
٥٠٣ - قال الإمام أحمد ﵀ (٣/ ٢٩٩): حدثنا محمدُ بن جعفرٍ وحَجَّاج، قالا: حدثنا شعبةُ، عن مُحارِب بن دِثَارٍ.
سمعتُ جابرَ بن عبد الله الأنصاريَّ قال: أقبَلَ رجلٌ من الأنصار ومعه ناضِحانِ له، وقد جَنَحَتِ الشمسُ، ومعاذٌ يُصلِّي المغربَ، فدخل معه الصَّلاةَ، فاستَفْتَحَ معاذٌ البقرةَ أو النساءَ مُحارِبٌ الذي يشكُّ فلما رَأَى الرجلُ ذلك، صلَّى ثم خرج. قال: فبلغه أنَّ معاذاً نالَ منه قال حجَّاجٌ: يَنالُ منه قال: فَذَكَرَ ذلك للنبيِّ ﷺ فقال: «أفَتَّانٌ أنتَ يا مُعاذُ، أفَتَّانٌ أنتَ يا مُعاذُ» أو: فاتِنٌ فاتِنٌ فاتِنٌ؟ وقال حجاج: أفاتنٌ أفاتنٌ أفاتنٌ؟ «فلَوْلا قَرَأْتَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾ فصلّى وراءك الكبير وذو الحاجة أو الضعيف»، أحسب محارباً الذي يشك في الضعيف.
التعليق:
هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين.
وأخرجه البخاري (٧٠٥) عن آدم بن أبي إياس، وابن الجعد (٧٢٠) وعبد بن حميد (١١٠٢) عن سعيد بن الربيع وأبو داود
стр. 2234
الطيالسي (١٧٢٨) والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢١٣) من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث، وأبو عوانة (١٧٨٠) من طريق أبي داود الطيالسي، وابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ١١) من طريق علي بن الجعد كلهم (آدم وابن الجعد وسعيد بن الربيع والطيالسي وعبد الصمد بن عبد الوارث) عن شعبة به.
وكلهم قال: (المغرب) وحذفها البخاري أظنه عمداً لعلمه بوهمه فيها.
ورواه سفيان الثوري (١)، وسعيد بن مسروق (٢)، ومسعر بن كدام (٣)، والشيباني (٤)، ومحمد بن بشر (٥) كلهم عن محارب بن دثار وفيه: (صلاة المغرب).
وعند ابن الجعد قال شعبة: قلت لمحارب: أي صلاة كانت؟ قال: المغرب.
هكذا قال محارب بن دثار عن جابر: إنها صلاة المغرب.
خالفه عمرو بن دينار (٦)، وأبو الزبير (٧)، وعبيد الله بن مقسم (٨) فرووه عن جابر فقالوا: العشاء، لذا حذف الإمام البخاري ﵀ هذه اللفظة من حديث شعبة عن محارب وهو قوله: (المغرب) مع أن
стр. 2235
أصحاب شعبة أثبتوها في حديثه هذا، منهم: محمد بن جعفر وحجاج وأبو داود الطيالسي وعبد الصمد بن عبد الوارث وسعيد بن الربيع.
وقال عقب الحديث (١): «قال عمرو وعبيد الله بن مقسم وأبو الزبير عن جابر قرأ معاذ في العشاء بالبقرة وتابعه الأعمش عن محارب».
قلت: وقد رواه جرير عن الأعمش عن محارب فقال: العشاء (٢) الآخرة، ورواه ابن فضيل (٣) عن الأعمش عن محارب، ويحيى بن سعيد (٤) عن الأعمش عن محارب ولم يذكرا أي صلاة هي.
فائدة:
روى الإمام أحمد (٣/ ٣٠٠) عن وكيع عن سفيان أنها صلاة الفجر وهذا وهم من وكيع خالفه عبد الرحمن بن مهدي فرواه عن سفيان فقال: المغرب، وهو المحفوظ من حديث محارب بن دثار كما تقدم، والله تعالى أعلم. وانظر ح (٣٥٠)، (١٠٩٨)، (١١١١).
стр. 2236
أبو الزبير المكي
اسمه ونسبه:
محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي مولاهم أبو الزبير المكي مولى حكيم بن حزام.
روى عن جابر وابن عمر وابن عباس وابن الزبير وعبد الله بن عمرو وعائشة وجماعة.
روى عنه عطاء بن أبي رباح وهو من شيوخه، والزهري وأيوب وسلمة بن كهيل والأعمش وهشام بن عروة وعبيد الله بن عمر وشعبة والسفيانان ومالك وابن عجلان وابن جريج وخلق كثير.
قال ابن عيينة عن أبي الزبير: كان عطاء يقدِّمني إلى جابر أحفظ لهم الحديث.
وقال أيضاً: ما تنازع أبو الزبير وعمرو بن دينار قط عن جابر إلا زاد عليه أبو الزبير.
وقال محمد بن عثمان: سألت علي بن المديني عن أبي الزبير فقال: ثقة ثبت.
стр. 2237
وقال عثمان بن سعيد: سألت يحيى يعني القطان أيما أحب إليك أبو الزبير أو ابن المنكدر؟ فقال: كلاهما ثقة.
وقال ابن عون: ما أبو الزبير بدون عطاء بن أبي رباح.
وقال يحيى بن معين: ثقة، وقال مرة: صالح، وقال النسائي: ثقة، وقال العجلي: تابعي ثقة، وقال أحمد: قد احتمله الناس ليس به بأس.
وخالفهم آخرون.
قال أحمد بن حنبل: كان أيوب السختياني يقول: حدثنا أبو الزبير وأبو الزبير أبو الزبير، قلت لأبي: كأنه يضعفه؟ قال: نعم.
وقال نعيم بن حماد: سمعت ابن عيينة يقول: حدثنا أبو الزبير وهو أبو الزبير أي: كأنه يضعفه.
وقال هشيم: سمعت من أبي الزبير، فأخذ شعبة كتابي فمزقه.
وقال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يقول: أبو الزبير يحتاج إلى دعامة.
وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به.
وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عن أبي الزبير؟ فقال: روى عنه الناس، قلت: يحتج بحديثه؟ قال: إنما يحتج بحديث الثقات.
قال ابن عدي: وقد حدّث عنه شعبة أحاديث أفراداً كل حديث ينفرد به رجل عن شعبة، وروى مالك عن أبي الزبير أحاديث، وكفى بأبي الزبير صدقاً أن يحدّث عنه مالك، فإن مالكاً لا يروي إلا عن ثقة، ولا أعلم أحداً من الثقات تخلّف عن أبي الزبير إلا وقد كتب عنه
стр. 2238
وهو في نفسه ثقة إلا أن يروي عنه بعض الضعفاء فيكون ذلك من جهة الضعيف.
قال ابن حجر: صدوق إلا أنه يدلس، من الرابعة.
стр. 2239
الحديث الأول (١):
٥٠٤ - قال أبو داود ﵀ (٢١٨٥): حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عروة يسأل ابن عمر وأبو الزبير يسمع قال: كيف ترى في رجل طلّق امرأته حائضاً (٢)؟
قال: طلّق عبد الله بن عمر امرأته وهي حائض على عهد رسول الله ﷺ فسأل عمر رسول الله ﷺ فقال: إنّ عبد الله بن عمر طلّق امرأته وهي حائض، قال عبد الله: فردّها عليَّ ولم يرها شيئاً، وقال: «إذا طهرت فليطلِّق أو ليمسك».
قال ابن عمر: وقرأ النبي ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ … (١)﴾ [الطلاق: ١] في قبل عدتهن.
التعليق:
هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين.
стр. 2240
وأخرجه ابن عبد البر في التمهيد (١٥/ ٦٥) من طريق أبي داود.
وأخرجه الشافعي (٢/ ٣٣) من طريق عبد المجيد بن عبد العزيز، وأحمد (٢/ ٨٠ - ٨١) من طريق روح بن عبادة، وعبد الرزاق (١٠٩٦٠) ثلاثتهم: (عبد الرزاق، وروح، وعبد المجيد) عن ابن جريج عن أبي الزبير وفيه: (ولم يرها شيئاً).
ورواه مسلم (١٤٧١) والنسائي (٦/ ١٣٩) وفي الكبرى (٥٥٨٥) وابن الجارود (٧٣٣) وأبو عوانة (٤٥٢٦) من طريق حجاج بن محمد، والشافعي (١/ ١٠١) من طريق مسلم بن خالد الزنجي، وسعيد بن سالم، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ٥١) من طريق أبي عاصم، والبغوي في شرح السنّة (٩/ ٢٠٣) من طريق الشافعي عن مسلم وسعيد بن سالم كلهم: (حجاج، ومسلم، وسعيد بن سالم، وأبو عاصم) عن ابن جريج عن أبي الزبير ولم يذكروا هذه اللفظة: (ولم يرها شيئاً).
وقد روى هذا الحديث جماعة من الأئمة الثقات عن ابن عمر ولم يذكروا هذه الزيادة، منهم: نافع مولى ابن عمر (١)، وسالم بن عبد الله بن عمر (٢)، ويونس بن جبير (٣)، وسعيد بن جبير (٤)، وأنس بن سيرين (٥)، وعبد الله بن دينار (٦)، وطاووس (٧) وغيرهم.
стр. 2241
لذا أنكر أئمة أهل الحديث ونقّاده هذه الزيادة على أبي الزبير.
قال أبو داود عقب الحديث (٢/ ٤٤٢): «روى هذا الحديث عن ابن عمر يونس بن جبير، وأنس بن سيرين، وسعيد بن جبير، وزيد بن أسلم، وأبو الزبير، ومنصور، عن أبي وائل معناهم كلهم أن النبي ﷺ أمره أن يراجعها حتى تطهر ثم إن شاء طلّق وإن شاء أمسك.
وكذلك رواه محمد بن عبد الرحمن عن سالم عن ابن عمر …
والأحاديث كلها على خلاف ما قال أبو الزبير» انتهى كلامه ﵀.
وقال الخطابي: (قال أهل الحديث: لم يروِ أبو الزبير حديثاً أنكر من هذا … ) (١).
وقال ابن عبد البر: قوله: (ولم يرها شيئاً) منكر عن ابن عمر، لما ذكرنا عنه أنه اعتدّ بها، ولم يقله أحد غير أبي الزبير.
وقد رواه عنه جماعة جلّة فلم يقل ذلك واحد منهم، وأبو الزبير ليس بحجة فيما خالفه فيه مثله فكيف بخلاف مَنْ هو أثبت منه؟
ولو صحّ لكان معناه عندي والله أعلم: ولم يرها على استقامة، أي: ولم يرها شيئاً مستقيماً لأنه لم يكن طلاقه لها على سنّة الله ورسوله.
هذا أولى المعاني بهذه اللفظة إن صحّت.
стр. 2242
وكل مَنْ روى هذا الخبر من الحفاظ لم يذكروا ذلك، وليس مَنْ خالف الجماعة الحفاظ بشيء فيما جاء به (١).
وقال الإمام الشافعي: نافع أثبت من أبي الزبير، والأثبت من الحديثين أولى أن يؤخذ به إذا تخالفا، وقد وافق نافعاً غيره من أهل الثبت (٢).
قال البيهقي: وبسط الشافعي القول في ذلك وحمل قوله: (لم يرها شيئاً) على أنه لم يعده شيئاً صواباً غير خطأ يؤمر صاحبه أن لا يقيم عليه.
ألا ترى أنه يؤمر بالمراجعة ولا يؤمر بها الذي طلّقها طاهراً، كما يقال للرجل: أخطأ في فعله وأخطأ في جواب أجاب به: لم يصنع شيئاً، يعني لم يصنع شيئاً صواباً (٣).
وقال ابن رجب الحنبلي: وهذا مما تفرد به أبو الزبير عن أصحاب ابن عمر كلهم مثل ابنه سالم ومولاه نافع، وأنس، وابن سيرين، وطاووس، ويونس بن جبير، وعبد الله بن دينار، وسعيد بن جبير، وميمون بن مهران وغيرهم.
وقد أنكر العلماء هذه اللفظة على أبي الزبير من المحدثين والفقهاء وقالوا: إنه تفرد بما خالف الثقات فلا يقبل تفرده، فإن في رواية الجماعة عن ابن عمر ما يدل على أن النبي ﷺ حسب عليه الطلقة من وجوه كثيرة.
стр. 2243
وكان ابن عمر يقول لمَن سأله عن الطلاق في الحيض: إن كنت طلّقت واحدة أو اثنتين فإن رسول الله ﷺ أمرني بذلك يعني بارتجاع المرأة وإن كنت طلّقت ثلاثاً فقد عصيت ربك وبانت منك امرأتك (١).
وفي رواية أبي الزبير زيادة أخرى لم يتابع عليها وهي قوله: ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصَوا الْعِدَّةَ … (١)﴾ [الطلاق: ١] ولم يذكر ذلك أحد من الرواة عن ابن عمر، وإنما روى عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنه كان يتلو هذه الآية رواية للحديث، وهذا هو الصحيح (٢).
الدلالة الفقهية:
استدل أهل الظاهر وبعض أهل العلم بقوله: (ولم يرها شيئاً) إلى أن الطلاق في الحيض لا يقع.
وممن روي عنه هذا القول: داود وابن حزم (٣) ونصره ابن تيمية (٤) وابن القيم (٥) وحكاه الخطابي عن الخوارج والروافض (٦).
стр. 2244
وذهب جمهور أهل العلم إلى أن هذا الطلاق يقع.
قال ابن عبد البر (١): وعلى هذا فقهاء الأمصار وجمهور علماء المسلمين، وإن كان الطلاق عند جميعهم في الحيض مكروهاً، بدعة غير سنّة.
ولا يخالف الجماعة في ذلك إلا أهل البدع والجهل الذين يرون الطلاق لغير السنّة غير واقع ولا لازم، وقد روي ذلك عن بعض التابعين (٢)، وهذا شذوذ لم يعرج عليه أحد من أهل العلم. اه.
قال أبو عبيدة: الوقوع هو الذي عليه العلماء مجمعون في جميع الأمصار حجازهم وتهامهم ويمنهم وشامهم وعراقهم ومصرهم (٣).
وحكى ابن المنذر ذلك عن كل مَنْ يحفظ قوله من أهل العلم إلا ناساً من أهل البدع لا يعتد بهم (٤).
وقال الإمام أحمد في رواية أبي الحارث، وسئل عمّن قال: لا يقع الطلاق المحرم بأنه يخالف ما أمر به؟
فقال: هذا قول سوء رديء، ثم ذكر قصة ابن عمر وأنه احتسب بطلاقه في الحيض (٥).
стр. 2245
قال ابن قدامة: فإن طلّق للبدعة وهو أن يطلقها حائضاً أو في طهر مسها فيه أثم ووقع طلاقه في قول عامة أهل العلم.
قال ابن المنذر وابن عبد البر: لم يخالف في ذلك إلا أهل البدع والضلال.
وحكاه أبو نصر عن ابن علية وهشام بن الحكم والشيعة (١).
وحكى النووي وقوع الطلاق عن العلماء كافة، وقال: شذّ بعض أهل الظاهر فقال: لا يقع طلاقه (٢).
فائدة:
أطال ابن القيم ﵀ الكلام في نصرة عدم وقوع الطلاق، وأقوى ما استدل به هو حديث الباب.
وكان مما ذكر أن هذا الطلاق محرّم منهي عنه، والنهي يقتضي الفساد، وكما أن النكاح المنهي عنه لا يصح فكذلك الطلاق.
وأن الشارع قد حجر على الزوج أن يُطلق في حال الحيض فلو صحّ طلاقه لم يكن للحجر معنى، وأن النبي ﷺ قال: «كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد» وهذا الطلاق الذي ليس عليه أمره ﷺ مردود باطل، ونحو هذا من المعارضات.
ويجاب عن هذا كله بما عقده البخاري في صحيحه (٩/ ٣٥١) باب (إذا طلقت الحائض تعتد بذلك الطلاق).
قال: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا شعبة عن أنس بن سيرين