وكذلك رواه زيد بن أسلم (١)، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة فقال: جميل بن بصرة وقال بعضهم: حميل بن بصرة.
وكذلك رواه عبد الملك بن عمير عن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن أبا بصرة لقي أبا هريرة (٢).
ورواه يزيد بن أبي حبيب عن مرثد بن عبد الله اليزني عن أبي بصرة الغفاري قال: لقيت أبا هريرة … (٣).
قال ابن عبد البر في التمهيد (٢٣/ ٣٧) بعد أن ذكر الحديث:
لا أعلم أحداً ساق هذا الحديث أحسن سياقة من مالك عن يزيد بن الهاد ولا أتم معنى منه فيه، إلا أنه قال فيه: (بصرة بن أبي بصرة) ولم يتابعه أحد عليه، وإنما الحديث معروف لأبي هريرة: (فلقيت أبا بصرة الغفاري).
كذلك رواه يحيى بن أبي كثير عن أبي أسامة عن أبي هريرة، كذلك رواه سعيد بن المسيب وسعيد المقبري عن أبي هريرة كلهم يقول فيه: (فلقيت أبا بصرة الغفاري) ولم يقل واحد منهم: (فلقيت بصرة بن أبي بصرة) كما في حديث مالك عن يزيد بن الهادي، وأظن
стр. 2452
الوهم فيه جاء من قبل مالك أو من قبل يزيد بن الهاد، والله تعالى أعلم (١).
جزم ابن عبد البر في الاستيعاب أن الوهم هو من قبل يزيد بن الهاد فقال: هذا الحديث لا يوجد هكذا إلا في الموطأ (لبصرة من أبي بصرة)، وإنما الحديث لأبي هريرة، فلقيت أبا بصرة … وأظن الوهم جاء فيه من يزيد بن الهاد، والله تعالى أعلم.
وتعقبه ابن الأثير في أسد الغابة فقال: قول أبي عمر: لا يوجد هكذا إلا في الموطأ وهم منه فإنه قد رواه الواقدي عن عبد الله بن جعفر عن ابن الهاد مثل رواية مالك عن بصرة بن أبي بصرة، فبان بهذا أن الوهم من ابن الهاد أو من محمد بن إبراهيم، فإن أبا سلمة قد روى عنه غير محمد فقال: عن أبي بصرة، والله تعالى أعلم.
وقال ابن حجر في تهذيبه (١/ ٤٧٣) في ترجمة بصرة وقد ذكر له هذا الحديث: (لكن تفرد به يزيد بن الهاد عن أبي سلمة عن أبي هريرة بذلك.
ورواه يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن أبي بصرة، وكذلك رواه سعيد بن المسيب وسعيد المقبري وغير واحد عن أبي هريرة وهو المحفوظ).
وقال ابن عبد البر في الاستيعاب (١/ ٤٠٥): بعد أن ذكر الاختلاف في اسم أبي بصرة قال: (ومَن قال فيه: لقيت بصرة من أبي بصرة فليس بشيء).
стр. 2453
الحديث الثاني (١):
٥٤٦ - قال الإمام النسائي ﵀ (١/ ١٨٣): أخبرنا الربيع بن سليمان بن داود بن إبراهيم قال: حدثنا إسحاق وهو ابن بكر بن مضر قال: حدثني أبي عن يزيد بن عبد الله وهو ابن أسامة بن الهاد عن أبي بكر وهو ابن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة ﵂ قالت:
إن أم حبيبة بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف وأنها استحيضت لا تطهر فذكر شأنها لرسول الله ﷺ قال: «ليست بالحيضة ولكنها ركضة من الرحم لتنظر قدر قرئها التي كانت تحيض لها فلتترك الصلاة ثم تنظر ما بعد ذلك فلتغتسل عند كل صلاة».
التعليق:
هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح غير شيخ النسائي وهو ثقة وقد توبع.
стр. 2454
وهو عند النسائي أيضاً في (١/ ١٢٠ - ١٢١) وفي الكبرى (٢١٨) به.
وأخرجه أحمد (٦/ ١٢٨ - ١٢٩) والطحاوي (١/ ٩٨) والبيهقي (١/ ٣٤٩ - ٣٥٠) وفي المعرفة (٢٢٠٨) من طريق عبد العزيز بن أبي حازم.
وأخرجه أبو عوانة (٩٤٠) من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، والبيهقي (١/ ٣٤٩) من طريق ابن أبي حازم كلاهما عن يزيد بن الهاد به.
هكذا قال يزيد عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة في حديث أم حبيبة بنت جحش: (لتنظر قدر قرئها التي كانت تحيض … وتغتسل عند كل صلاة).
خالفه الزهري (١) فرواه عن عمرة عن عائشة ولم يذكر: (فلينظر قدر قرئها وأن تغتسل عند كل صلاة) بل جاء صريحاً عند مسلم أن النبي ﷺ لم يأمر حبيبة بنت جحش أن تغتسل عند كل صلاة ولكنه شيء فعلته هي.
وقد استوفينا البحث فيه في باب محمد بن إسحاق ح (٣٠٩) فانظره لزاماً.
وهم يزيد في روايته هذه في موضعين:
الأول: قوله لتنظر قدر قرئها التي كانت تحيض لها، فذِكر القرء بمعنى المحيض ليس محفوظاً من حديث عائشة ﵂
стр. 2455
لأنها كانت تقول الأقراء: الأطهار، كما أخرجه الطبري عنها بإسناد صحيح ولو كانت روت هذا اللفظ في هذا الحديث لما خالفته وفسرت القرء بالأطهار (١).
قال الإمام الشافعي ﵀: وقد روى غير الزهري هذا الحديث أن النبي ﷺ أمرها أن تغتسل لكل صلاة .. والزهري أحفظ منه، وقد روى فيه شيئاً يدل على أن الحديث غلط قال: تترك الصلاة قدر أقرائها وعائشة تقول: الأقراء: الأطهار (٢).
وأشار الحافظ ابن رجب إلى هذه العلة أيضاً وأن عائشة ما كانت لتخالف ما ترويه (٣).
الثاني: قوله تغتسل عند كل صلاة مرفوعاً والصحيح أنها جعلته من نفسها.
стр. 2456
الطبقة السادسة
стр. 2457
إسماعيل بن أمية
اسمه ونسبه:
إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي المكي.
روى عن: سعيد بن المسيب، ونافع، وعكرمة، وسعيد المقبري، والزهري، وجماعة.
روى عنه: ابن جريج، والثوري، وابن إسحاق، ومعمر، وابن عيينة، وجماعة.
قال ابن عيينة: لم يكن عندنا قرشيان مثل إسماعيل بن أمية، وأيوب بن موسى وقال أيضاً: كان حافظاً للعلم مع ورع وصدق.
وقال أحمد: إسماعيل أكبر من أيوب وأحب إليّ، وفي رواية: أقوى وأثبت.
وقال ابن معين والنسائي وأبو زرعة وأبو حاتم: ثقة.
وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث، مات سنة ١٤٤.
وقال ابن حبان: مات سنة ١٣٩ في حبس داود بن علي، وكذلك قال غير واحد.
قال ابن حجر: ثقة ثبت، من السادسة.
стр. 2458
الحديث الأول (١):
٥٤٧ - قال مسلم في صحيحه (٢٧٨٩): حدثني سريج بن يونس وهارون بن عبد الله قالا: حدثنا حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج: أخبرني إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال:
أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: «خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبثّ فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم ﵇ بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات يوم الجمعة فيما بين العصر إلى الليل».
التعليق:
والحديث أخرجه أحمد في مسنده (٢/ ٣٢٧)، وأبو يعلى
стр. 2459
(٦١٣٢)، وابن خزيمة (١٧٣١)، والنسائي في الكبرى (١١٠١٠) وفي التفسير (٣٠)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٨١٢) وفي السنن الكبرى (٩/ ٣)، وابن جرير الطبري في التفسير (٣٠٤٣٣٢) وفي التاريخ (١/ ٢١)، وابن أبي حاتم في التفسير (١/ ١٠٣)، وابن مندة في التوحيد (٥٨)، وابن حبان في صحيحه (٦١٦١) كلهم من طريق حجاج.
وأخرجه ابن معين في تاريخه برواية الدوري (٣/ ٥٢ رقم ٢١٠) ومن طريقه الدولابي في الكنى (١/ ١٥٧) عن هشام بن يوسف عن ابن جريج به.
والطبراني في الأوسط (٣٢٣٢) من طريق محمد بن ثور عن ابن جريج به.
وأخرجه الحاكم في (معرفة علوم الحديث) رقم (٦٣) من طريق إبراهيم بن أبي يحيى عن صفوان بن سليم عن أيوب بن خالد به.
وذكره البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٤١٣، ٤١٤) من طريق إسماعيل بن أمية به.
وأخرجه النسائي في الكبرى (١١٣٩٢) وفي تفسيره (٤١٢) من طريق الأخضر بن عجلان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن أبي هريرة به.
إلا أن غير واحد من أئمة الحديث ونقاده قد أعلُّوه، منهم: البخاري وعلي بن المديني والبيهقي، وجعلوه من كلام كعب الأحبار كما رجح البخاري، ورأى ابن المديني أن الوهم فيه من إسماعيل بن أمية كما سيأتي.
قال البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٤١٣ - ٤١٤) وقال بعضهم: عن أبي هريرة عن كعب، وهو أصح. اه.
стр. 2460
وقال البيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٢٥١): هذا حديث قد أخرجه مسلم في كتابه وزعم بعض أهل العلم بالحديث أنه غير محفوظ لمخالفته ما عليه أهل التفسير وأهل التواريخ. اه.
وقال أيضاً (٢/ ٢٥٥): قال علي بن المديني: وما أرى إسماعيل بن أمية أخذ هذا إلا من إبراهيم بن أبي يحيى.
قلت: (القائل هو البيهقي): وقد تابعه على ذلك موسى بن عبيدة الرندي عن أيوب بن خالد، إلا أن موسى بن عبيدة ضعيف (١)، وروى عن بكر بن الشرود عن إبراهيم بن أبي يحيى عن صفوان بن سليم عن أيوب بن خالد وإسناده ضعيف. انتهى.
وقال ابن بهادر: وجعلوا من دلائل الوضع أيضاً أن يخالف نص الكتاب كما قال علي بن المديني في حديث إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن أبي رافع عن أبي هريرة يرفعه .. ، قال: لعل إسماعيل سمعه من إبراهيم بن أبي يحيى … (٢).
وقال ابن كثير ﵀ في تفسيره (١/ ٩٩): هذا الحديث من غرائب (صحيح مسلم) وقد تكلم عليه ابن المديني والبخاري وغير واحد من الحفاظ وجعلوه من كلام كعب الأحبار وأن أبا هريرة إنما سمعه من كلام كعب الأحبار، وإنما اشتبه على بعض الرواة فجعله مرفوعاً.
стр. 2461
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (١٧/ ٢٣٦): وأما الحديث الذي رواه مسلم في قوله: (خلق الله التربة يوم السبت) فهو حديث معلول قدح فيه أئمة الحديث كالبخاري وغيره، وقال البخاري: الصحيح أنه موقوف على كعب الأحبار، وقد ذكر تعليله البيهقي أيضاً، وبيّنوا أنه غلط ليس مما رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ وهو مما أنكر الحذّاق على مسلم إخراجه إياه. اه.
وقال أيضاً في الفتاوى (١٨/ ١٨ - ١٩): هذا الحديث طعن فيه مَنْ هو أعلم من مسلم مثل يحيى بن معين ومثل البخاري وغيرهما وذكر البخاري أن هذا من كلام كعب الأحبار … لأنه قد ثبت بالتواتر أن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام. وثبت أن آخر الخلق كان يوم الجمعة، فلزم أن يكون أول الخلق يوم الأحد وهكذا هو عند أهل الكتاب وعلى ذلك تدل أسماء الأيام وهذا المنقول الثابت في أحاديث وآثار أخر، ولو كان أول الخلق يوم السبت وآخره الجمعة لكان قد خلق في الأيام السبعة وهذا خلاف ما أخبر به القرآن، مع أن حذّاق علم الحديث يثبتون علة هذا الحديث من غير هذه الجهة. اه.
قال المناوي في فيض القدير (٣/ ٤٤٨): قال بعضهم: هذا الحديث في متنه غرابة شديدة فمن ذلك أنه ليس فيه ذكر خلق السموات وفيه ذكر خلق الأرض وما فيها في سبعة أيام، وهذا خلاف القرآن لأن الأربعة خلقت في أربعة أيام ثم خلقت السموات في يومين.
وكذلك ضعفه ابن القيم في المنار المنيف (ص ٨٤ - ٨٦).
وقال ابن جرير الطبري في تاريخه (١/ ٣٧ - ٤١) بعد أن ذكر أخباراً عن السلف عن اليوم الذي ابتدأ الله في خلق السموات والأرض وذكر عن عبد الله بن سلام وابن عباس وأبي بكر ﵃
стр. 2462
أنه يوم الأحد، ثم ذكر حديث الباب والذي فيه: أنه ابتدأ الخلق يوم السبت.
ثم قال مرجحاً القول الأول وهو يوم الأحد قال: والقول الأول أصح مخرجاً وأولى بالحق، لأنه قول أكثر السلف.
وقال ابن جرير أيضاً في (١/ ٣٤ - ٣٥): واختلف السلف في اليوم الذي ابتدأ الله في خلق السموات والأرض، فقال بعضهم: ابتدأ في ذلك يوم الأحد.
(ثم ذكر مَنْ قال ذلك فذكر عبد الله بن سلام، وكعباً، والضحاك، ومجاهداً).
وقال آخرون: اليوم الذي ابتدأ الله فيه ذلك يوم السبت.
قال: قال أبو إسحاق: يقول أهل التوراة: ابتدأ الله الخلق يوم الأحد، وقال أهل الإنجيل: ابتدأ الله الخلق يوم الاثنين، ونقول نحن المسلمون فيما انتهى إلينا من رسول الله ﷺ : ابتدأ الله الخلق يوم السبت.
قال: وقد روى عن رسول الله ﷺ الذي قال كل فريق من هذين الفريقين اللذين قال أحدهما: ابتدأ الله الخلق في يوم الأحد، وقال الآخر منهما: ابتدأ في يوم السبت.
وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول مَنْ قال: اليوم الذي ابتدأ الله تعالى ذكره فيه خلق السموات والأرض يوم الأحد، لإجماع السلف من أهل العلم على ذلك اه.
ثم ردّ على قول ابن إسحاق بمخالفته لما أخبر الله أنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام.
стр. 2463
وقد صحّح هذا الحديث العلامة عبد الرحمن المعلمي في الأنوار الكاشفة وأجاب عن علل هذا الحديث وحاول الجمع بين الآيات والأحاديث فانظره: (١٨٨ - ١٩٣).
стр. 2464
الحديث الثاني (١):
٥٤٨ - قال أبو داود ﵀ (٢٠٧٢): حدثنا مسدد بن مسرهد، ثنا عبد الوارث عن إسماعيل بن أمية عن الزهري قال: كنا عند عمر بن عبد العزيز فتذاكرنا متعة النساء فقال له رجل يقال له: ربيع بن سبرة: أشهد على أبي أنه حدّث أن رسول الله ﷺ :
نهى عنها في حجة الوداع.
التعليق:
هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح.
وأخرجه البيهقي (٧/ ٢٠٤) وابن عبد البر في التمهيد (١٠/ ١٠٤) من طريق أبي داود، وأخرجه أحمد (٣/ ٤٠٤) من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه، والطبراني في الكبير (٦٥٣٢) من طريق مسدد كلاهما مسدد وعبد الصمد عن عبد الوارث عن إسماعيل بن أمية به.
هكذا قال إسماعيل عن الزهري، عن ربيع بن سبرة، عن أبيه أن النبي ﷺ نهى عن المتعة في حجة الوداع.
стр. 2465
خالفه معمر (١)، وسفيان بن عيينة (٢)، وصالح بن كيسان (٣)، ويونس بن يزيد (٤)، وبحر السقاء (٥)، ومحمد بن إسحاق (٦) فرووه عن الزهري بهذا الإسناد فقالوا: (عام الفتح)، وفي رواية (يوم الفتح).
ورواه حماد بن زيد عن أيوب (٧)، عن الزهري عن رجل عن أبيه فقال: (في زمن الفتح) قال: وزعم معمر أنه الربيع بن سبرة.
وكذلك رواه عمارة بن غزية (٨)، وعبد العزيز (٩)، وعبد الملك (١٠) ابنا الربيع بن سبرة، وعمرو بن الحارث (١١)، أربعتهم عن الربيع بن سبرة عن أبيه فقالوا: (عام الفتح).
ورواه أبو حنيفة (١٢) عن يونس عن أبيه عن الربيع بن سبرة عن
стр. 2466
أبيه فقال: (في فتح مكة).
قال البيهقي: كذا قال إسماعيل، ورواية الجماعة عن الزهري أولى (١).
ثم استدل بحديث سلمة بن الأكوع عن أبيه ﵁ قال: رخص رسول الله ﷺ في متعة النساء عام أوطاس ثلاثة أيام ثم نهى عنها (٢).
قال البيهقي: وعام أوطاس وعام الفتح واحد، فأوطاس وإن كانت بعد الفتح فكانت في عام الفتح بعده بيسير.
قال ابن حجر: قال السهيلي: وقد اختلف في وقت تحريم نكاح المتعة، والمشهور في تحريمها أن ذلك كان في غزوة الفتح كما أخرجه مسلم من حديث الربيع بن سبرة عن أبيه، وفي رواية عن الربيع أخرجها أبو داود أنه كان في حجة الوداع، قال: ومَن قال من الرواة كان في غزوة أوطاس فهو موافق لمَن قال عام الفتح. اه. قال الحافظ معقباً: فتحصل مما أشار إليه ستة مواطن: خيبر، ثم عمرة القضاء، ثم الفتح، ثم أوطاس، ثم تبوك، ثم حجة الوداع … ثم قال: وإذا تقرر ذلك فلا يصح من الروايات شيء بغير علة إلا غزوة الفتح .. وأما حجة الوداع فهو اختلاف على الربيع بن سبرة، والرواية عنه بأنها في الفتح أصح وأشهر (٣).
стр. 2467
ورجح الألباني أيضاً رواية الجماعة وأن إسماعيل بن أمية وهم في هذا الحديث (١).
علة الوهم:
روى معمر وسفيان وعبدة بن سليمان وغيرهم عن عبد العزيز بن عمر عن ربيع بن سبرة عن أبيه هذا الحديث فقال: (حجة الوداع) إلا أن الزهري كان يقول في حديثه هذا عن ربيع بن سبرة: (عام الفتح) فلعل إسماعيل بن أمية كان عنده أيضاً حديث عبد العزيز بن عمر ومن هنا دخل عليه الوهم، والله تعالى أعلم.
стр. 2468
أيوب بن موسى
اسمه ونسبه:
أيوب بن موسى بن عمرو بن سعيد بن العاص القرشي الأموي، أبو موسى المكي ابن عم إسماعيل بن أمية.
روى عن: نافع والزهري ومكحول وعطاء بن أبي رباح وجماعة.
روى عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري وهو من أقرانه، وهشام بن حسان، ومالك وشعبة والثوري والأوزاعي وابن جريج وابن عيينة وغيرهم من الأكابر.
قال علي بن المديني: له نحو أربعين حديثاً.
وثقه أحمد وابن معين وأبو زرعة والنسائي والعجلي وغيرهم.
وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وأثنى عليه ابن عيينة، مات سنة ١٣٢.
قال ابن حجر: ثقة.
стр. 2469
الحديث (١):
٥٤٩ - قال الإمام أحمد ﵀ (٢/ ١١): ثنا سُفْيَانُ ثنا أيُّوبُ بن مُوسَى عن نَافِعٍ:
خَرَجَ ابن عُمَرَ يُرِيدُ الْعُمْرَةَ فَأَخْبَرُوهُ أنَّ بِمَكَّةَ أمْراً فقال: أُهِلُّ بِالْعُمْرَةِ فَإِنْ حُبِسْتُ صَنَعْتُ كما صَنَعَ رسول الله ﷺ ، فأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ فلما سَارَ قَلِيلاً وهو بِالْبَيْدَاءِ قال: ما سَبِيلُ الْعُمْرَةِ إِلَّا سَبِيلُ الْحَجِّ أُوجِبُ حَجًّا، وقال: أُشْهِدُكُمْ أني قد أوْجَبْتُ حَجًّا فإنّ سَبِيلَ الْحَجِّ سَبِيلُ الْعُمْرَةِ فَقَدِمَ مَكَّةَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعاً وَبَيْنَ الصَّفا وَالْمَرْوَةِ سَبْعاً وقال: هَكَذَا رأيت رَسُولَ الله ﷺ فَعَلَ أتى قُدَيْداً فَاشْتَرَى هَدْياً فَسَاقَهُ معه.
التعليق:
هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين.
وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٠/ ١٢٤) من طريق سفيان به.
هكذا قال أيوب بن موسى عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ اشترى هديه من قديد فساقه معه.
خالفه الليث بن سعد (٢)، وأيوب السختياني (٣)، وعبيد الله بن
стр. 2470
عمر (١)، وعبد العزيز بن أبي رواد (٢)، وموسى بن عقبة (٣) فرووه عن نافع فذكروا أن ابن عمر هو الذي اشترى هديه من قديد وليس النبي ﷺ ، فإن الثابت أن النبي ﷺ ساق هديه من ذي الحليفة قرب المدينة، وقديد موضع قرب مكة.
وقد أخرج البخاري ومسلم من طريق الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر أن ابن عمر ﵄ قال: تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة (٤).
وقد روى يحيى بن اليمان عن الثوري عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ اشترى هديه من قديد (٥).
قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث الثوري إلا من حديث يحيى بن اليمان، وروى عن نافع أن ابن عمر اشترى من قديد وهذا أصح، وكذلك حكم عليه أبو زرعة بالوهم (٦). انظره في باب يحيى بن اليمان، ح (١٣٢٧).
стр. 2471
جرير بن حازم (١)
اسمه ونسبه:
جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله بن شجاع الأزدي ثم العتكي، وقيل: الجهضمي، أبو النضر البصري.
شيوخه:
روى عن: الحسن وابن سيرين وأبي رجاء العطاردي وهو أكبر شيخ له وحديثه عنه في الصحيحين، ونافع مولى ابن عمر، وعطاء بن أبي رباح، وسالم بن عبد الله، وطاوس، وأبي إسحاق، وحميد الطويل، والأعمش، وشعبة وهو أصغر منه، وجماعة.
روى عنه: أيوب والأعمش وهشام بن حسان ويزيد بن أبي
стр. 2472
حبيب وهم من شيوخه، والثوري والليث بن سعد وهما من أقرانه، وابن وهب ويحيى القطان وابنه وهب وخلق كثير.
ثناء أهل العلم:
قال ابن حبان: كان شعبة يقول: ما رأيت بالبصرة أحفظ من رجلين: هشام الدستوائي وجرير بن حازم.
قال قراد: سمعت شعبة يقول: عليك بجرير بن حازم فاسمع منه.
قال الدوري عن يحيى بن معين: كان يحيى بن سعيد القطان يقول: جرير بن حازم ثقة وكان يرضاه.
قال وهب بن جرير: كان شعبة يأتي أبي فيسأله عن أحاديث الأعمش فإذا حدّثه قال: هكذا والله سمعته من الأعمش.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة.
وقال البخاري: هو صحيح الكتاب، إلا أنه ربما وهم في الشيء.
وقال موسى بن إسماعيل: ما رأيت حماد بن سلمة يكاد يعظم أحداً تعظيمه جرير بن حازم.
وقال أبو حاتم: صدوق صالح قدم هو والسري بن يحيى مصر وجرير أحسن حديثاً منه والسري أحلى منه.
وقال أحمد بن عدي: جرير بن حازم من أجلة أهل البصرة ورفعائهم، وزيد بن درهم والد حماد بن زيد اشتراه جرير بن حازم
стр. 2473
فولد له حماد بن زيد وحماد بن زيد مولاه وأبوه، وقد حدّث عن جرير الكبار أيوب السختياني والليث بن سعد نسخة طويلة.
وقال الساجي: ثقة.
وقال العجلي: بصري ثقة.
وقال ابن حبان: كان من الحفاظ المتقنين وأهل الورع في الدين.
المآخذ التي عليه:
سئل يحيى القطان أيما أحب إليك: أبو الأشهب أو جرير بن حازم؟ قال: ما أقربهما لكن جريراً كان أكثر وهماً.
لكن قال عباس الدوري: سألت يحيى بن معين عن جرير بن حازم وأبي الأشهب فقال: جرير أحسن حديثاً منه وأسند.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت يحيى بن معين عن جرير بن حازم فقال: ليس به بأس، فقلت: إنه يحدث عن قتادة عن أنس أحاديث مناكير فقال: ليس بشيء هو عن قتادة ضعيف.
وقال الميموني عن أحمد: كان حديثه عن قتادة غير الناس يوقف أشياء ويسند أشياء.
وقال مهنا بن يحيى: قال أحمد: كان كثير الغلط.
قال الأثرم عن أحمد: كان يحدث بالتوهم، قلت: أكان يحدثهم بالتوهم بمصر خاصة أو غيرها؟ قال: في غيرها وفيها.
وقال أبو عبد الله: أشياء يسندها عن قتادة باطل.
стр. 2474
قال الساجي: صدوق حدّث بمصر أحاديث وهم فيها وهي معلومة.
قال ابن حبان: كان يخطاء لأن أكثر ما كان يحدّث من حفظه.
قال الأزدي: صدوق، خرّج عنه بمصر أحاديث مقلوبة لم يكن بالحافظ، حمل رشدين وغيره عنه مناكير.
قال ابن عدي: هو مستقيم الحديث صالح فيه إلا روايته عن قتادة فإنه يروي أشياء عن قتادة لا يرويها غيره، وجرير عندي من ثقات المسلمين، حدّث عن الأئمة من الناس.
قال ابن حجر: ثقة لكن في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدّث من حفظه، من السادسة.
стр. 2475
الحديث الأول (١):
٥٥٠ - قال أبو داود الطيالسي (٢٠٢٨): حدثنا جرير بن حازم، عن ثابت عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني».
التعليق:
وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين.
وأخرجه أحمد في العلل (١/ ٢٦٥) من طريق إسحاق بن عيسى، والترمذي في العلل (١/ ٨٩) من طريق ابنه وهب بن جرير، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٤٢٠٥) من طريق عبد الرحمن بن غزوان، والطبراني في الأوسط (٩٣٨٧) من طريق داود بن منصور، وعبد بن حميد (١٢٥٩) عن وهب بن جرير، وابن عدي في الكامل (٢/ ١٢٧) من طريق عبد الرحمن بن عمرو الحراني، والعقيلي في الضعفاء (١/ ١٩٨) من طريق عبد الله بن أحمد عن أبيه.
هكذا قال جرير عن ثابت عن أنس أن النبي ﷺ قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني».
وهذا المتن إنما هو محفوظ من رواية يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه أبي قتادة ﵁.
стр. 2476
هكذا رواه هشام بن أبي عبد الله الدستوائي (١)، وحجاج بن أبي عثمان الصواف (٢)، ومعمر (٣)، وشيبان (٤)، ومعاوية بن سلام (٥)، وعلي بن المبارك (٦)، وأبان بن يزيد العطار (٧)، وأيوب (٨)، وهمام بن يحيى (٩).
وكذلك رواه يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي قتادة (١٠).
قال الترمذي في سننه (٢/ ٣٩٥): (قال محمد يعني البخاري وهم جرير بن حازم في حديث ثابت عن أنس عن النبي ﷺ قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني».
قال محمد: ويروى عن حماد بن زيد قال: كنا عند ثابت البناني فحدّث حجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن النبي ﷺ قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني» فوهم جرير فظن أن ثابتاً حدثهم عن أنس (١١).
стр. 2477
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى الطباع قال: حدثت حماد بن زيد بحديث جرير عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني» فأنكره، قال: إنما سمعه من الحجاج الصواف عن يحيى عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه في مجلس ثابت فظن أنه سمعه يعني من ثابت (١).
وقال أبو داود: (حدثنا أحمد بن صالح حدثنا يحيى بن حسان عن حماد بن زيد قال: كنت أنا وجرير بن حازم عند ثابت البناني، فحدّث حجاج بن أبي عثمان عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أن النبي ﷺ قال: «إذا أقيمت الصلاة … » فظن جرير أنه إنما حدث به ثابت عن أنس) (٢).
وذكر هذا الحديث أيضاً صاحب جامع التحصيل (٣) فتعقبه في التحفة فقال: (ليس هذا في المراسيل في شيء وغاية ما فيه أن جريراً وهم في إسناد هذا الحديث وقد ذكره ابن الصلاح مثالاً لما انقلب إسناده على راويه من غير قصد) (٤).
وكذلك ذكره أهل الحديث مثالاً لما انقلب على راويه سهواً من غير قصد (٥).
стр. 2478
الحديث الثاني (١):
٥٥١ - قال أبو داود ﵀ (٢٠٩٦): حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا حسين بن محمد، ثنا جرير بن حازم، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁:
أن جارية بكراً أتت النبي ﷺ فذكرت أن أباها زوَّجها وهي كارهة فخيَّرها النبي ﷺ .
التعليق:
هذا إسناد رجاله رجال الشيخين.
وأخرجه أحمد (١/ ٢٧٣) والنسائي في الكبرى (٥٣٨٧) وابن ماجه (١٨٧٥) وأبو يعلى (٢٥٢٦) والطحاوي (٤/ ٣٦٥) وفي شرح المشكل (٥٧٤٦) والدارقطني (٣/ ٢٣٤) كلهم من طريق حسين بن محمد المروذي عن جرير بن حازم بهذا الإسناد.
стр. 2479
وتابعه سليمان بن حرب فرواه عن جرير كذلك وحديثه عند الخطيب في تاريخ بغداد (٨/ ٨٩) ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥/ ٢٢٢).
وهم جرير بن حازم في هذا الإسناد فوصله فقال: (عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس).
خالفه حماد بن زيد (١)، وابن علية (٢)، وسفيان الثوري (٣) فقالوا: (عن أيوب، عن عكرمة، عن النبي ﷺ مرسلاً.
وقد صحح أهل الحديث روايتهم بدون ذكر ابن عباس أي: مرسلاً.
قال أبو داود (٢٠٩٧): (لم يذكر ابن عباس وكذلك رواه الناس مرسلاً، معروف).
وقال الدارقطني: والصحيح مرسل.
وقال البيهقي (٧/ ١١٧): أخطأ فيه جرير بن حازم على أيوب السختياني، والمحفوظ عن أيوب عن عكرمة، عن النبي ﷺ مرسلاً.
وقال ابن أبي حاتم في العلل (١٢٥٥): سألت أبي وسئل أبو زرعة عن حديث رواه حسين المروذي، عن جرير بن حازم، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رجلاً زوَّج ابنته وهي كارهة ففرق النبي ﷺ بينهما.
стр. 2480
قال أبي: هذا خطأ، إنما هو كما رواه الثقات عن أيوب، عن عكرمة أن النبي ﷺ … مرسل، منهم: ابن علية وحماد بن زيد: أن رجلاً تزوج وهو الصحيح.
قلت: الوهم ممن هو؟
قال: من حسين ينبغي أن يكون، فإنه لم يروه عن جرير غيره (١).
قال أبي: رأيت حسين المروذي ولم أسمع منه.
قال أبو زرعة: حديث أيوب ليس هو بصحيح.
وقال ابن قدامة في المغني: مرسل.
وقال ابن عبد الهادي في التنقيح (٣/ ١٥٣): والصحيح أنه مرسل.
وقال الطحاوي: هكذا روى هذا الحديث جرير بن حازم وهو رجل كثير الغلط، وقد رواه الحفاظ عن أيوب على غير ذلك، منهم: سفيان الثوري، وحماد بن زيد، وإسماعيل بن علية، ثم أورده من طريق الثوري (أن النبي ﷺ فرق بين رجل وبين امرأة زوّجها أبوها وهي كارهة وكانت ثيباً) ثم قال: فثبت بذلك عندهم خطأ جرير في هذا الحديث من وجهين، أما أحدهما: فإدخاله ابن عباس ﵁، وأما الآخر: فذكر فيه أنها كانت بكراً، وإنما كانت ثيباً) اه.
стр. 2481
وقد صحح الحديث الموصول ابن القطان (١) وابن القيم (٢) وابن التركماني (٣) بناءً على أن جرير بن حازم ثقة وقد وصله وتابعه زيد بن حبان (٤) فرواه عن أيوب كذلك. وكذلك تابعه سفيان الثوري في رواية أيوب بن موسى عنه.
إلا أنه عند النظر في دعواهم، فزيد بن حبان ضعيف. قال أحمد: ترك حديثه وليس يروي عنه. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: لا شيء. وقال معمر الرقي: سمعت منه قبل أن يفسد ويتغير. وقال الدارقطني: ضعيف الحديث (٥)، ولذا قال ابن حجر في التقريب: صدوق كثير الخطأ وتغير بآخره.
أما ما رواه أيوب بن موسى عن سفيان فقد خالفه وكيع وهو ثقة حافظ من رجال الشيخين، أما أيوب بن موسى هذا الذي يروي عن سفيان فليس من رجال التهذيب وليس له حديث في الصحيحين ولا في السنن عن سفيان، ولا شك أن رواية وكيع أصح.
وقال الحافظ في الفتح (٩/ ١٩٦): ورجاله ثقات، لكن قال أبو حاتم وأبو زرعة أنه خطأ وأن الصواب إرساله.
وقد أخرجه الطبراني والدارقطني من وجه آخر عن يحيى بن أبي
стр. 2482
كثير عن عكرمة عن ابن عباس بلفظ: أن رسول الله ﷺ رد نكاح بكر وثيب أنكحهما أبوهما وهما كارهتان.
قال الدارقطني: تفرد به عبد الملك الزماري وفيه ضعف، والصواب عن يحيى بن أبي كثير عن المهاجر بن عكرمة مرسل.
وقال البيهقي: إن ثبت الحديث في البكر حمل على أنها زوجت بغير كفء، والله أعلم.
قال الحافظ: وهذا الجواب هو المعتمد، فإنها واقعة عين فلا يثبت الحكم فيها تعميماً، أما الطعن في الحديث فلا معنى له فإن طرقه يقوي بعضها ببعض.
قلت: وما قاله الحافظ صحيح إلا أنه لا يعني أن حديث الباب صحيح موصول بل الصحيح أنه مرسل كما قال مَنْ تقدم من أئمة الحديث ونقاده، والله تعالى أعلم.
الدلالة الفقهية:
استدل بعض أهل العلم بهذا الحديث على أنه ليس للولي أن يزوج ابنته بكراً كانت أم ثيباً بغير رضاها.
قال في بذل المجهود في حل سنن أبي داود (١٠/ ١٠٣): وفي الحديث دليل على أن الولي لا إجبار له على البالغة ولو كانت بكراً. وبه قال أبو حنيفة ﵀.
وخالفه الشافعي وأحمد.
ولأصحابنا هذا الحديث.
قال الخطابي في معالم السنن: ففي هذا الحديث حجة لمَن لم
стр. 2483
يرَ نكاح الأب ابنته البكر جائزاً إلا بإذنها، وفيه حجة لمَن رأى عقد النكاح يثبت مع الخيار، غير أن أبا داود ذكر على أثره في هذا الباب أن المعروف من هذا الحديث أنه مرسل غير متصل.
قال ابن قدامة في المغني (٦/ ٤٨٧) مسألة: وإذا زوج الرجل ابنته البكر فوضعها في كفاية فالنكاح ثابت وإن كرهت كبيرة كانت أو صغيرة.
قال: أما البكر الصغيرة فلا خلاف فيها.
قال ابن المنذر: أجمع كل مَنْ يحفظ عنه من أهل العلم أن نكاح الأب ابنته البكر الصغيرة جائز إذا زوّجها من كفء، ويجوز له تزويجها مع كراهتها وامتناعها.
أما البكر البالغة العاقلة فعن أحمد روايتان:
إحداهما: له إجبارها على النكاح وتزويجها بغير إذنها كالصغيرة. وهذا مذهب مالك وابن أبي ليلى والشافعي وإسحاق.
الثانية: ليس له ذلك.
واختارها أبو بكر وهو مذهب الأوزاعي والثوري وأبي عبيد وأبي ثور وأصحاب الرأي وابن المنذر …
ثم قال: وحديث التي خيّرها رسول الله ﷺ مرسل، ويحتمل أنها التي زوّجها أبوها من ابن أخيه ليرفع بها خسيسته فتخيرها لذلك. انتهى.
قلت: والذي يظهر أن ليس للولي أن يزوج ابنته البكر أو الثيب
стр. 2484
وهي كارهة، ويظهر أن هذا اختيار البخاري ﵀ فقد عقد في صحيحه (باب إذا زوج الرجل ابنته وهي كارهة فنكاحه مردود).
قال الحافظ (٩/ ١٩٤): هكذا أطلق، فتشمل البكر والثيب.
стр. 2485
الحديث الثالث (١):
٥٥٢ - قال الإمام أبو داود ﵀ (١٥٧٣): حدثنا سليمان بن داود المهري، أخبرنا ابن وهب، أخبرني جرير بن حازم وسمّى آخر، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة والحارث الأعور، عن علي ﵁ عن النبي ﷺ :
ببعض أول هذا الحديث قال: «فإذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم وليس عليك شيء يعني في الذهب حتى يكون لك عشرون ديناراً، فإذا كان لك عشرون ديناراً وحال عليها الحول ففيها نصف دينار فما زاد فبحساب ذلك».
قال: فلا أدري أعلي يقول: فبحساب ذلك أو رفعه إلى النبي ﷺ وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول.
إلا أن جريراً قال: ابن وهب يزيد في الحديث عن النبي ﷺ : ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول. اه.
стр. 2486
التعليق:
هذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال الصحيح عدا سليمان بن داود وهو ثقة، وثقه أبو داود وقال: قلَّ من رأيته في فضله. ووثقه النسائي، وذكره ابن حبان في الثقات. قال في التقريب: ثقة من الحادية عشرة.
وعاصم بن ضمرة السلولي ثقة، وثقه ابن المديني والعجلي. وقال النسائي: ليس به بأس. قال في التقريب: صدوق من الثالثة.
وأخرجه الضياء في المختارة (٥٢٨) من طريق أبي داود.
وأخرجه البيهقي (٤/ ٩٥) وفي السنن الصغرى (٣/ ١٨٧) وفي معرفة السنن والآثار (٣/ ٢٩٣) من طريق ابن وهب عن جرير به.
هكذا قال جرير: (عن أبي إسحاق، عن عاصم والحارث، عن علي، عن النبي ﷺ ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول).
خالفه شعبة (١)، وسفيان الثوري (٢)، وزكريا بن أبي زائدة (٣)، ومعمر (٤)، وابن جريج (٥)، وأبو الأحوص (٦)، وشريك (٧)، فقالوا: (عن
стр. 2487
أبي إسحاق، عن عاصم، عن علي موقوفاً).
ولا شك أن روايتهم هي الصحيحة ولا يقوى جريراً على مخالفتهم خاصة أن شعبة وسفيان قد سمعا من أبي إسحاق قبل الاختلاط مع تقدمهما في هذا الفن وبراعتهما فيه.
لذا قال أبو داود: رواه شعبة وسفيان وغيرهما عن أبي إسحاق عن عاصم عن علي ولم يرفعوه.
وقال ابن حزم: هذا رواه ابن وهب عن جرير بن حازم، عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة والحارث الأعور، قرن فيه بين عاصم والحارث، والحارث كذاب، وكثير من الشيوخ يجوز عليهم مثل هذا، وهو أن الحارث أسنده وعاصم لم يسنده فجمعهما جرير وأدخل حديث أحدهما في الآخر.
وقد رواه شعبة وسفيان ومعمر عن أبي إسحاق عن عاصم موقوفاً على علي، وكذلك كل ثقة رواه عن عاصم إنما أوقفه على علي فلو أن جريراً أسند عن عاصم وحده لأخذنا به (١).
ورجح الألباني ﵀ كذلك الوقف وقال: جرير بن حازم وهم في رفع الحديث فقد ذكر الحافظ في التقريب أن له أوهاماً إذا حدّث من حفظه، والوهم إنما يظهر بمثل هذه المخالفة للحفاظ كما هو ظاهر.
стр. 2488
الحديث الرابع (١):
٥٥٣ - قال أبو عبد الرحمن النسائي ﵀ في السنن الكبرى (٣٢٩٩): أنبأنا أحمد بن عيسى عن ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة (٢) عن عائشة ﵂ قالت:
أصبحت صائمة أنا وحفصة فأهدي لنا طعام فأعجبنا فأفطرنا فدخل النبي ﷺ فبادرتني حفصة فقال: «صوما يوماً مكانه».
التعليق:
هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين.
ورواه ابن عبد البر في التمهيد (١٢/ ٧١) من طريق النسائي به.
стр. 2489
ورواه الطحاوي (٢/ ١٠٩) من طريق أحمد بن عيسى وأحمد بن عبد الرحمن عن ابن وهب به.
ورواه ابن حبان (٣٥١٧) من طريق حرملة، والطبراني في الأوسط (٦٤٣٣) من طريق حرملة وأبي مصعب عن ابن وهب عن جرير بن حازم به.
هكذا قال جرير: (عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة) خالفه حماد بن زيد (١)، وعباد بن العوام (٢)، ويحيى بن أيوب (٣) فقالوا: (عن يحيى بن سعيد، عن الزهري، أن عائشة وحفصة … مرسلاً).
وكذلك رواه جماعة من أصحاب الزهري الثقات عنه مرسلاً، منهم:
مالك (٤)، ومعمر (٥)، وعبيد الله بن عمر (٦)، وسفيان بن عيينة (٧)، وابن
стр. 2490
جريج (١)، ويونس بن يزيد الأيلي (٢)، ومحمد بن الوليد الزبيدي (٣)، وزياد بن سعد (٤)، وبكر بن وائل (٥).
قال البيهقي في السنن (٤/ ٢٨١): وجرير بن حازم وإن كان من الثقات فهو واهم فيه وقد خطأه في ذلك أحمد بن حنبل وعلي بن المديني، والمحفوظ عن يحيى بن سعيد عن الزهري عن عائشة مرسلاً.
ثم ساق بإسناده إلى أبي بكر الأثرم قال: قلت لأبي عبد الله يعني أحمد بن حنبل: تحفظه عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت: أصبحت أنا وحفصة صائمتين؟ فأنكره وقال: مَنْ رواه؟ قلت: جرير بن حازم، فقال: جرير كان يحدّث بالتوهم.
وزاد في الخلافيات (٣/ ٩٣) فقلت له: بمصر خاصة أو في غيرها؟ فقال: كان يحدّث بالتوهم في غيرها وفيها.
ثم قال البيهقي: قال أبو عبد الله الحاكم: أشياء عن قتادة أسندها كلها باطل.
وروى البيهقي بسنده أيضاً عن أحمد بن منصور الرمادي قال: قلت لعلي بن المديني: يا أبا الحسن تحفظ عن يحيى بن سعيد عن