وخالفه ابن حبان فقال: (سمع هذا الخبر أبو إسحاق عن مسلم بن نذير والأغر أبي مسلم فالطريقان جميعاً محفوظان، إلا أن خبر الأغر أغرب، وخبر مسلم بن نذير أشهر).
قلت: وما ذهب إليه النسائي أصوب حيث لم يتابع زيد على روايته، وزيد وإن كان ثقة فله أفراد.
قال الدارقطني: والصواب عن أبي إسحاق عن مسلم بن نذير عن حذيفة (١).
стр. 2557
الحديث الرابع (١):
٥٦٩ - قال أبو عبد الرحمن النسائي ﵀ (٦/ ١٩٥): أخبرنا محمد بن وَهْبٍ قال: حدثنا محمد بن سَلَمة قال: حدثني أبو عبد الرَّحيم قال: حدثني زَيْدُ بن أبي أُنَيْسَةَ عن يزيدَ بن أبي حَبيبٍ عن مُحَمَّد بن مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ قال: كتبَ إليه يذْكُرُ أنَّ عُبَيد الله بن عبد الله حدّثه أنَّ زُفَرَ بن أوْس بن الْحَدَثَانِ النَّصْرِيَّ حدّثه أنَّ أبَا السَّنَابِل بن بَعْكك بن السَّبَّاق قال لسُبَيْعَةَ الأسْلَمِيَّة: لَا تَحِلِّينَ حتى يَمُرَّ عليْكِ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وعَشْراً أقْصَى الأَجلَيْنِ. فأتَتْ رسولَ الله ﷺ فسأَلَتْهُ عن ذلك فزَعَمَتْ أنَّ رسولَ الله ﷺ أفْتَاهَا أن تَنْكِحَ إذا وضعَتْ حَمْلَها، وكَانَتْ حُبْلَى في تسْعَةِ أشْهُرٍ حين تُوُفِّيَ زَوْجُهَا وَكَانَتْ تحتَ سَعْد بن خَوْلَة فتُوُفِّيَ في حَجَّةِ الودَاعِ مع رسولِ الله ﷺ فنكَحَتْ فَتًى من قَوْمِهَا حين وضَعَتْ ما في بَطْنِهَا.
التعليق:
هذا إسناد رجاله كلهم ثقات.
стр. 2558
وأخرجه النسائي في الكبرى (٥٧١٣).
هكذا قال زيد بن أبي أنيسة: (عن يزيد بن حبيب، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن زفر بن أوس).
خالفه الليث بن سعد (١) فقال: (عن يزيد بن حبيب، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبيه، عن ابن الأرقم، عن سبيعة).
وكذلك رواه جماعة عن الزهري منهم:
يونس بن يزيد (٢)، ومحمد بن الوليد الزبيدي (٣)، وصالح بن أبي الأخضر (٤)، ومحمد بن إسحاق (٥).
ورواه سفيان عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبيه أن سبيعة وضعت. مرسلاً (٦).
أسقط زيد عبد الله بن عتبة والد عبيد الله من الإسناد، وخالف في راوي الحديث فقال: (زفر بن أوس) وقال الليث والباقون: ابن الأرقم، وهو عمر بن عبد الله بن الأرقم.
تنبيه:
قال ابن الملقن: «وقول الليث: حدثني يزيد، عن ابن شهاب،
стр. 2559
وهو يزيد بن أبي حبيب كما ذكره ابن مسعود في أطرافه وغيره، وصرّح به أبو نعيم والطبراني (١)، ورواه النسائي من حديث زيد بن أبي أنيسة عن يزيد بن أبي حبيب عن محمد بن مسلم به.
وأما الدمياطي فقال: يزيد هذا هو ابن عبد الله بن أسامة بن الهاد فينظر» (٢).
فأشار إلى أن زيد بن أبي أنيسة تابع الليث ولم يشر إلى مخالفته، والله تعالى أعلم.
стр. 2560
الحديث الخامس (١):
٥٧٠ - قال الطبراني في المعجم الأوسط (٦٨٧): حدثنا مخلد بن مالك قال: حدثنا محمد بن مسلمة، عن أبي عبد الرحيم، عن زيد بن أبي أنيسة، عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«لا تسبُّوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أُحد ذهباً ما بلغ مُد أحدهم ولا نصيفه».
التعليق:
هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح غير شيخ الطبراني مخلد بن مالك.
قال أبو حاتم: شيخ. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن حجر في التقريب: لا بأس به.
هكذا رواه زيد فقال: عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.
стр. 2561
خالفه شعبة (١)، وجرير بن عبد الحميد (٢)، وأبو معاوية (٣)، ووكيع (٤)، وأبو بكر ابن عياش (٥)، وإسرائيل (٦)، ومحاضر (٧)، وعبد الله بن داود (٨) وغيرهم فقالوا: (عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد).
لذا قال الطبراني عقب الحديث: لم يروِ هذا الحديث عن أبي صالح عن أبي هريرة إلا زيد، ورواه شعبة وأصحاب الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة.
وسيأتي الحديث في باب مسلم بن الحجاج ح (١٣٤٧) فانظره.
стр. 2562
الحديث السادس (١):
٥٧١ - قال أبو عبد الرحمن النسائي ﵀ (٧/ ١١٠): أخبرنا معاوية بن صالح الأشعري قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا عبيد الله، عن زيد، عن عمرو بن مرة، عن أبي نضرة، عن أبي برزة قال:
غضب أبو بكر على رجل غضباً شديداً حتى تغير لونه، قلت: يا خليفة رسول الله، والله لئن أمرتني لأضربن عنقه، فكأنما صبّ عليه ماء بارد فذهب غضبه عن الرجل، قال: ثكلتك أمك يا أبا برزة، وإنها لم تكن لأحد بعد رسول الله ﷺ .
التعليق:
هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير معاوية بن صالح وهو صدوق.
стр. 2563
وهو عند النسائي أيضاً في الكبرى (٣٥٣٨).
هكذا قال زيد: (عن عمرو بن مرة، عن أبي نضرة، عن أبي برزة).
خالفه شعبة (١) فقال: (عن عمرو بن مرة، عن حميد بن هلال، عن أبي برزة).
ورواه يونس بن عبيد (٢)، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن مطرف، عن أبي برزة).
وتابعه الحسن بن دينار (٣) عن حميد بن هلال.
وهذا الوجه هو الذي صححه أبو حاتم (٤) وأبو زرعة (٥) والنسائي (٦) والدارقطني (٧).
وهم زيد بن أبي أنيسة فقال: عن أبي نضرة، والصحيح هو حميد بن هلال ويكنى أبا نصر.
стр. 2564
لذا قال النسائي عقب الحديث: هذا خطأ، والصواب أبو نصر واسمه حميد بن هلال.
علة الوهم:
التشابه بين كنيتي المنذر بن مالك (أبو نضرة) وحميد بن هلال وكنيته (أبو نصر) وكان عمرو بن مرة يحدّث عنه بكنيته لا باسمه كما رواه شعبة عنه فقال عن عمرو بن مرة قال: سمعت أبا نصر يحدث عن أبي برزة .. فذكره.
стр. 2565
الحديث السابع (١):
٥٧٢ - قال ابن حبان ﵀ (٥٤٣٤): أخبرنا الحُسَيْنُ بن مُحَمَّد بن أبي مَعْشَر قال: حدَّثنا مُحَمَّد بن وَهب بن أبي كريمَةَ قال: حدَّثنا محمَّد بن سلَمَة عن أبي عبدِ الرَّحيم عن زيْدِ بن أبِي أُنَيْسَةَ عن يزِيدَ بن أبِي حَبِيبٍ عن حُمَيْدِ بنِ أَبِي الصَّعْبَةِ عَنْ عَبْدِ الله بن زُرَيْرٍ عن عَلِيِّ بن أبِي طَالِبٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أخَذَ حَرِيراً فجَعَلَهُ في يَمِينِهِ وذَهَباً فجعَلَهُ في شِمَالِهِ ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ وقَالَ:
«هَذَانِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي».
التعليق:
هذا إسناد رجاله كلهم ثقات مع وهم في اسم ابن أبي الصعبة كما سيأتي.
ورواه الطبراني في الأوسط (٥١٦١) من طريق عبيد الله بن عمرو
стр. 2566
عن زيد بن أبي أنيسة عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن زرير عن علي به.
هكذا قال زيد بن أبي أنيسة: (عن يزيد بن أبي حبيب، عن حميد بن أبي الصعبة، عن عبد الله بن زرير، عن علي بن أبي طالب).
وخالفه الليث بن سعد (١)، ومحمد بن إسحاق (٢) فقالوا: عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد العزيز بن أبي الصعبة، عن أبي أفلح الهمداني، عن عبد الله بن زرير، عن علي بن أبي طالب.
وكذلك رواه ابن لهيعة (٣) عن يزيد بن أبي حبيب إلا أنه قال: أبو علي الهمداني، بدلاً من أبي أفلح الهمداني.
أسقط زيد أبا أفلح الهمداني من الإسناد ووهم في اسم ابن أبي الصعبة فقال: (حميد) (٤) والصحيح عبد العزيز.
قال الدارقطني في العلل بعد ذكر الاختلاف: «ورواه زيد بن أبي أنيسة عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن زرير أسقط من الإسناد رجلين ابن أبي الصعبة وأبا أفلح» (٥).
стр. 2567
قلت: كأنه يعني حديثه عند الطبراني.
وانظر الحديث في باب قتيبة بن سعيد ح (١٠٩٩) وعبد الله بن المبارك، ح (٧٩٣).
стр. 2568
الحديث الثامن (١):
٥٧٣ - قال النسائي في السنن الكبرى (٩٧١٨): أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم قال: ثنا علي بن سعيد قال: ثنا عبيد الله بن عمرو عن زيد عن العلاء بن عبد الرحمن عن نعيم المجمر عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ :
«إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقه ليس عليه جناح فيما بينه وبين الكعبين ما أسفل من الكعبين في النار من جر ثيابه خيلة لم ينظر الله إليه».
التعليق:
هذا إسناد رجاله كلهم ثقات.
وأخرجه الطبراني في الأوسط (٤١٢)(١١٦٩) والكبير (١٢/ ١٣٢٩٢) وابن عدي في الكامل (٥/ ٢١٨) في ترجمة العلاء، كلهم من طريق عبيد الله بن عمرو عن زيد بهذا الإسناد.
стр. 2569
هكذا قال زيد: (عن العلاء بن عبد الرحمن، عن نعيم، عن ابن عمر).
خالفه شعبة (١)، وسفيان بن عيينة (٢)، ومحمد بن إسحاق (٣)، ومالك (٤)، وعبيد الله بن عمر (٥)، ويزيد بن أبي حبيب (٦)، وإسماعيل بن جعفر بن أبي كثير (٧).
فقالوا: (عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري.
لذا قال النسائي عقب الحديث: هذا خطأ، والمحفوظ حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، عن أبي سعيد وأبي هريرة (٨).
وقال الدارقطني: يرويه العلاء بن عبد الرحمن واختلف عنه:
فرواه زيد بن أبي أنيسة عن العلاء عن نعيم المجمر.
وخالفه أصحاب العلاء فرووه عن العلاء عن أبيه عن أبي سعيد الخدري (٩).
стр. 2570
وقال الحافظ: اتفق أكثر أصحاب العلاء عنه على هذا، وخالفهم زيد بن أبي أنيسة فقال: عن العلاء عن نعيم المجمر عن ابن عمر.
وخالف العلاء في الوجهين محمد بن إبراهيم فقال: عن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبي هريرة وله أصل من حديث أبي هريرة أخرجه البخاري في رواية سعيد المقبري عنه (١).
стр. 2571
سعيد بن عبيد
اسمه ونسبه:
سعيد بن عبيد الطائي، أبو الهذيل الكوفي.
روى عن: أخيه عقبة، وسعيد بن جبير، والقاسم المسعودي وغيرهم.
روى عنه: الثوري، وابن المبارك، وعبد الله بن نمير، ووكيع ويحيى القطان وغيرهم.
وثقه أحمد وابن معين، وقال يحيى القطان: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وقال الآجري عن أبي داود: كان شعبة يتمنى لقاءه. ووثقه العجلي ويعقوب بن سفيان وابن نمير وغيرهم.
قال ابن حجر: ثقة من السادسة.
стр. 2572
الحديث (١):
٥٧٤ - قال الإمام البخاري ﵀ (١٢/ ٢٢٩ ح ٦٨٩٨): حدثنا أبو نعيم، حدثنا سعيد بن عبيد عن بشير بن يسار:
زعم أن رجلاً من الأنصار يقال له: سهل بن أبي حثمة أخبره أن نفراً من قومه انطلقوا إلى خيبر فتفرقوا فيها ووجدوا أحدهم قتيلاً وقالوا للذي وُجد فيهم: قد قتلتم صاحبنا، قالوا: ما قتلنا ولا علمنا قاتلاً.
فانطلقوا إلى النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله انطلقنا إلى خيبر فوجدنا أحدنا قتيلاً، فقال: «الكبر الكبر» فقال لهم: «تأتون بالبينة على مَنْ قتله؟» قالوا: ما لنا بيِّنة، قال: «فيحلفون» قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فكره رسول الله ﷺ أن يُطَلَّ دمه فوداه بمائة من إبل الصدقة.
التعليق:
هذا حديث رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين، وقد أودعه البخاري في صحيحه وكذلك مسلم إلا أن مسلماً لم يسق لفظه.
стр. 2573
ورواه أبو داود (٤٥٢٣) والنسائي (٨/ ١١ - ١٢) وأبو عوانة (٦٠٤٠) والدارقطني (٣/ ١١٠) والبيهقي (٨/ ١٢٠) والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٤٥٩٠) كلهم من طرق عن سعيد بن عبيد به.
هكذا قال سعيد بن عبيد: عن بشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة، أن النبي ﷺ بدأ بأيمان المدعى عليهم اليهود.
خالفه يحيى بن سعيد الأنصاري (١) فرواه عن بشير بن يسار عن سهل بن أبي حثمة وجاء فيه أن النبي ﷺ بدأ بأيمان المدعين فلما لم يحلفوا طلب اليمين من اليهود المدعى عليهم.
وكذلك رواه مالك عن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل عن سهل بن أبي حثمة (٢).
ومحمد بن إسحاق عن الزهري، وبشير بن كيسان عن سهل بن أبي حثمة (٣).
وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده حديث القسامة هذا بنحوه فبدأ بأيمان المدعين (٤).
وروى عبد الله بن سمعان قال: أخبرني أبو بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم عن رهط من الأنصار أن عبد الله بن سهل الأنصاري قتل
стр. 2574
بخيبر فذكر الحديث، وفيه: أن النبي ﷺ بدأ بأيمان المدعين فطلب منهم اليمين (١).
وهذا الوجه هو الذي صححه الإمام أحمد ومسلم والبيهقي وابن عبد البر وابن رجب وابن القيم وغيرهم كما سيأتي.
ورجح حديث سعيد بن عبيد في أنه بدأ بالإيمان بالمدعى عليهم وأن البينة على مَنْ ادعى: الإمام البخاري (٢) والنسائي والطحاوي وغيرهم.
وقال النسائي: لا نعلم أن أحداً تابع سعيد بن عبيد الطائي على لفظ هذا الحديث عن بشير بن يسار. وسعيد بن عبيد ثقة، وحديثه أولى بالصواب عندنا، والله أعلم (٣).
وقال الطحاوي: إنما جعل الأيمان في هذا المعنى على اليهود الموجود ذلك القتيل فيهم لا على أولياء ذلك القتيل، وقد شد ذلك حديث أبي سلمة وسليمان على ما روينا من قضاء عمر على الحارث بن الأزمع وقومه، وهذا عندنا مما لا يسع خلافه (٤).
قال ابن عبد البر في التمهيد (٢٣/ ٢٠٩): (وقد حكى الأثرم عن أحمد بن حنبل أنه ضعَّف حديث سعيد بن عبيد هذا عن بشير بن يسار
стр. 2575
وقال: الصحيح عن بشير بن يسار ما رواه عنه يحيى بن سعيد قال أحمد: وإليه أذهب).
وقال ابن عبد البر مرجحاً رواية يحيى بن سعيد بعد أن ذكر رواية سعيد بن عبيد الطائي وهو من أهل الكوفة قال: هذه رواية أهل العراق عن بشير بن يسار في هذا الحديث، ورواية أهل المدينة عنه أثبت إن شاء الله وهم به أقعد ونقلهم أصح عند أهل العلم.
وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٣٢): وقد ذكر الأئمة الحفاظ أن رواية يحيى بن سعيد أصح من رواية سعيد بن عبيد الطائي فإنه أجلّ وأحفظ وأعلم وهو من أهل المدينة وهو أعلم بحديثهم من الكوفيين وقد ذُكِر للإمام أحمد مخالفة سعيد بن عبيد ليحيى بن سعيد في هذا الحديث فنفض يده وقال: ذاك ليس بشيء رواه على ما يقول الكوفيون، وقال: أذهب إلى حديث المدنيين يحيى بن سعيد (١).
ولذلك لم يخرج حديثه في مسنده واكتفى بحديث يحيى بن سعيد.
وقال مسلم في التمييز (ص ١٤٤): وغير مشكل على مَنْ عقل التمييز من الحفاظ من نقلة الأخبار ومَن ليس كمثلهم أن يحيى بن سعيد أحفظ من سعيد بن عبيد وأرفع منه شأناً في طريق العلم وأسبابه، فلو لم يكن إلا خلاف يحيى إياه حين اجتمعا في الرواية عن بشير بن يسار لكان الأمر واضحاً في أن أولاهما بالحفظ يحيى بن سعيد ودافع لما خالفه … ).
стр. 2576
ونقله البيهقي في السنن (٨/ ١٢٠).
وقال البيهقي في معرفة السنن والآثار (١٢/ ١٧٥): (عن حديث سعيد بن عبيد الطائي) أخرجه مسلم ولم يسق متنه لمخالفته رواية يحيى.
قال مسلم بن الحجاج: (رواية سعيد غلط، ويحيى بن سعيد أحفظ منه).
وقال أيضاً: (لم يسق مسلم متنه لمخالفته رواية يحيى).
وقال ابن القيم في تهذيب السنن (٦/ ٣٢١): والصواب رواية الجماعة الذين هم أئمة أثبات أنه بدأ بأيمان المدعين فلما لم يحلفوا ثنّى بأيمان اليهود أي: على رواية يحيى بن سعيد وهذا هو المحفوظ في هذه القصة وما سواه وهم.
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى الجمع بين الروايتين والتوفيق بينهما.
قال البيهقي: «وإن صحت رواية سعيد فهي لا تخالف رواية يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار لأنه قد يريد بالبيِّنة الأيمان مع اللوث كما فسره يحيى بن سعيد وقد يطالبهم بالبيِّنة كما في هذه الرواية ثم يعرض عليهم الأيمان مع وجود اللوث كما في رواية يحيى بن سعيد ثم يردها على المدعى عليهم عند نكول المدعين كما في الروايتين» (١).
стр. 2577
قلت: ما ذهب إليه مَنْ حاول التوفيق بين الروايتين هو الأولى، وإن كان لا بد من الترجيح فرواية يحيى بن سعيد الأنصاري أرجح من حديث الباب وذلك للتالي:
١ سعيد بن عبيد تفرد في حديثه عن بشير بدء المدعى عليهم بالأيمان.
وقد روى عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل، والزهري، وبشير بن كيسان، عن سهل بن أبي حثمة بمثل رواية يحيى بن سعيد عن بشير عن سهل بن أبي حثمة.
٢ أن يحيى بن سعيد أحفظ وأجل وأعلم من سعيد بن عبيد الطائي.
٣ يحيى بن سعيد أنصاري من أهل المدينة والقتيل أنصاري ورواة هذا الحديث كلهم من الأنصار فهو أعلم بحديث أهل بلده وشيوخه من سعيد بن عبيد الذي هو من أهل الكوفة. قال الشافعي: القتيل أنصاري والأنصاريون بالعناية أولى بالعلم به من غيرهم.
٤ يحيى بن سعيد قد ذكر في حديثه تفاصيل لم يذكرها سعيد بن عبيد الطائي مما يدل على حفظه له، منها:
ذكره اسم الأنصاري القتيل وهو عبد الله بن سهل وعمه الذي وجده مقتولاً وهو محيصة بن مسعود، والقوم الذين رفعوا الأمر إلى النبي ﷺ وهم أخوه عبد الرحمن بن سهل وعماه محيصة وحويصة ابنا
стр. 2578
مسعود، وأن عبد الرحمن بدأ بالكلام فأرشده النبي ﷺ إلى أن الكبير هو الذي يبدأ بالكلام، وغير ذلك (١).
الدلالة الفقهية:
أولاً: تعريف القسامة:
القسامة: مشتقة من القسم وهو اليمين، سميت قسامة لتكرار الأيمان فيها.
واختلف فيها هل هي اسم للأيمان أو للحالفين بها.
فقال بعض أهل اللغة: هي للحالفين عليها لتعلقها بهم وتعديها إليهم.
وقال الفقهاء: هي اسم للأيمان.
والقسامة مختصة بدعوى الدم دون ما عداها من سائر الدعاوى، وموضع جريانها أن يوجد قتيل لا يوجد قاتله ولا تقوم عليه بينة ويدعي أهل القتيل قتله على واحد أو جماعة مع وجود قرينة تشعر بصدق الولي ويقال لذلك: اللوث، فيكون القول قول المدعي (عند
стр. 2579
الجمهور) فيحلف خمسين يميناً ويحكم له بعد أيمانه بما ادعى من القتل.
فإن نكل المدعي رُدّت الأيمان على المدعى عليه فيحلف خمسين يميناً ويبرأ.
ثانياً: ما دلّ عليه الحديث:
دلّ هذا الحديث على تبرئة المدعى عليهم في القسامة وأن البينة على مَنْ ادعى كسائر الحقوق.
وبذلك قال أبو حنيفة وطائفة من أهل الحديث.
قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (ص ٢٣١):
إن البينة على المدعي أبداً واليمين على المدعى عليه أبداً، وهو قول أبي حنيفة. ووافقه طائفة من الفقهاء والمحدثين كالبخاري، وطردوا ذلك في كل دعوى حتى في القسامة وقالوا: لا يحلف إلا المدَّعى عليه، ورأوا أن لا يقضى بشاهد ويمين لأن اليمين تكون على المدعي، ورأوا أن اليمين لا ترد على المدعي لأنها لا تكون إلا في جانب المُنكر المدعى عليه، واستدلوا في مسألة القسامة بما روى سعيد بن عبيد، حدثنا بشير بن يسار الأنصاري عن سهل بن أبي حثمة (فذكر الحديث).
قال ابن الملقن في الأعلام (٩/ ٦٩):
«اختلف أهل العلم فيمن يحلف في القسامة:
فقال مالك والشافعي والجمهور: يحلف الورثة أي: المدعون
стр. 2580
ويجب الحق بحلفهم خمسين يميناً. واحتجوا بهذا الحديث الصحيح وفيه التصريح بالابتداء بالمدعي وهو ثابت من طرق كثيرة صحاح لا يندفع.
وقال مالك: الذي أجمعت عليه الأمة قديماً وحديثاً أن المدعين يبدؤون في القسامة ولأن جنبة المدعي صارت قوية باللوث.
قال القاضي: وضعّف هؤلاء رواية مَنْ روى الابتداء بيمين المدعى عليهم.
وقال أهل الحديث: هذه الرواية وهم من الراوي لأنه أسقط الابتداء بيمين المدعى عليهم ولم يذكر رد اليمين، ولأن مَنْ روى الابتداء بالمدعين معه زيادة علم ورواياتها صحاح من طرق كثيرة مشهورة توجب العمل بها ولا يعارضها رواية مَنْ نسي».
стр. 2581
سعيد بن أبي عروبة
اسمه ونسبه:
سعيد بن أبي عروبة واسمه مهران العدوي، أبو النضر البصري مولى بني عدي بن يشكر.
روى عن: الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، والنضر بن أنس، وقتادة، والأعمش، وخلق من التابعين.
روى عنه: الأعمش وهو من شيوخه، وشعبة والثوري، وأبو أسامة حماد بن أسامة، وابن علية، ويحيى القطان، وخالد بن عبد الله الواسطي وخلق.
ثناء أهل العلم عليه:
قال أبو عوانة: ما كان عندنا في ذلك الزمان أحد أحفظ من سعيد بن أبي عروبة.
وقال أبو داود الطيالسي: كان سعيد بن أبي عروبة أحفظ أصحاب قتادة.
وقال أبو حاتم: كان أعلم الناس بحديث قتادة.
стр. 2582
وقال يحيى بن معين: أثبت الناس في قتادة: سعيد بن أبي عروبة، وهشام الدستوائي، وشعبة.
وقال أحمد بن حنبل: لم يكن لسعيد كتاب، إنما كان يحفظ ذلك.
تدليسه:
كان سعيد ﵀ يدلس، فقد روى عن جماعة لم يسمع منهم.
قال أحمد بن حنبل: لم يسمع سعيد بن أبي عروبة من الحكم، ولا من الأعمش، ولا من حماد، ولا من عمرو بن دينار، ولا من هشام بن عروة، ولا من إسماعيل بن أبي خالد، ولا من عبيد الله بن عمر، ولا من أبي بشر (جعفر بن وحشية)، ولا من ابن عقيل، ولا من زيد بن أسلم، ولا من عمر بن أبي سلمة، ولا من أبي الزناد، وقد حدّث عنهم ولم يسمع منهم.
اختلاطه:
اختلط سعيد بن أبي عروبة قبل الهزيمة، وكانت الهزيمة سنة ١٤٥ وهي هزيمة إبراهيم بن عبد الله بن حسن الذي خرج على أبي جعفر.
قال العراقي: قد روى لسعيد بن أبي عروبة الشيخان من رواية خالد بن الحارث وروح بن عبادة وعبد الأعلى الشامي وعبد الرحمن بن عثمان البكراوي ومحمد بن سوار السدوسي ومحمد بن أبي عدي ويزيد بن زريع ويحيى بن سعيد القطان عنه.
وروى له البخاري فقط من رواية بشر بن المفضل وسهل بن يوسف وابن المبارك وعبد الوارث بن سعيد ومحمد بن عبد الله الأنصاري وكهمس بن المنهال عنه.
стр. 2583
وروى له مسلم فقط من رواية ابن علية وأبي أسامة وسعيد بن عامر الضبعي وسالم بن نوح وأبي خالد الأحمر وعبد الوهاب بن عطاء وعبدة بن سليمان وعلي بن مسهر وعيسى بن يونس ومحمد بن بكر البرساني وغندر، وغيرهم.
قال ابن حجر: ثقة حافظ له تصانيف لكنه كثير التدليس واختلط وكان من أثبت الناس في قتادة، من السادسة.
توفي سنة ١٥٦، وقيل: ١٥٧.
стр. 2584
الحديث الأول (١):
٥٧٥ - قال الإمام الشافعي كما في المسند (ص ٢٩٠): أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم المعروف بابن علية، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن عقبة بن عامر ﵁:
أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أنكح الوليان فالأول أحق».
التعليق:
وهذا إسناد على شرط الشيخين من حيث عدالة الرواة.
وأخرجه البيهقي (٧/ ١٤٠) من طريق الربيع بن سليمان عن الشافعي به.
والحديث أخرجه كذلك ابن أبي شيبة في مصنفه (١٥٩٨٧) والطبراني في الكبير (١٧/ ٩٥٩) من طريق ابن علية بهذا الإسناد.
ورواه عبد الرزاق (١٠٦٢٩) من طريق عثمان بن مطر، والطبراني في الكبير (١٧/ ٩٦٠) والبيهقي (٧/ ١٤٠) من طريق أبي بحر البكراوي كلاهما عن سعيد بن أبي عروبة بهذا الإسناد.
هكذا قال سعيد: (عن قتادة، عن الحسن، عن عقبة بن عامر).
стр. 2585
خالفه هشام الدستوائي، وحماد بن سلمة، وهمام، وسعيد بن بشير، وسلام بن أبي المطيع فقالوا: (عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب).
وكذلك رواه أشعث بن عبد الملك الحمداني، ويونس بن عبيد عن الحسن، عن سمرة بن جندب. وقد استوفيناه في باب أبان بن يزيد.
وهذا الحديث كان سعيد بن أبي عروبة يشك فيه فتارة يرويه فيجعله من مسند عقبة، وتارة يرويه على الوجه الصحيح فيقول: (قتادة عن الحسن، عن سمرة) (١)، وتارة يشك فيه فيقول: (قتادة، عن الحسن، عن سمرة أو عقبة) (٢).
قال ابن أبي حاتم في العلل (١٢١٠): سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه سعيد بن أبي عروبة وأبان فقالا: عن قتادة عن الحسن عن عقبة بن عامر.
ورواه همام وهشام الدستوائي وحماد بن سلمة وسعيد بن بشير فقالوا: عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة عن النبي ﷺ قال: «إذا زوج الوليان فهو للأول».
فقالا: عن سمرة، عن النبي ﷺ أصح، لأن ابن أبي عروبة حدّث به قديماً فقال: عن سمرة وبأخرةٍ شك فيه.
стр. 2586
وقال البيهقي في المعرفة (١٠/ ٧١): وكان ابن أبي عروبة يشك فيه فتارة يرويه عن عقبة بن عامر، وتارة عن سمرة بن جندب، وتارة عن أحدهما بالشك.
والصحيح رواية همام وهشام وحماد بن سلمة وغيرهم عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ .
وكذلك رواه الأشعث عن الحسن عن سمرة (١)، وسيأتي الحديث في باب أبان بن يزيد (٦٠٨).
стр. 2587
الحديث الثاني (١):
٥٧٦ - قال الإمام ابن خزيمة ﵀ (٢١٥٤): حدثنا محمد بن بشار وأبو موسى قالا: حدثنا ابن أبي عدي عن سعيد عن قتادة عن أبي تميمة عن الأشعري يعني أبا موسى عن النبي ﷺ قال:
«مَنْ صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا» وعقد تسعين.
التعليق:
هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير أبي تميمة وهو تابعي ثقة من رجال البخاري.
وأخرجه أيضاً في (٢١٥٥) من طريق أبي موسى ومحمد بن عبد الله بن بزيع كلاهما عن ابن أبي عدي به.
وأخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٤٨٥) و (٤٨٦) من
стр. 2588
طريق محمد بن بشار، وأبي موسى، وعمرو بن علي الباهلي، والبزار (٣٠٦٢) عن محمد بن المثنى وعمرو بن علي، كلهم عن ابن عدي به.
وتابعه عبد الأعلى فرواه الروياني في مسنده (٥٦١) من طريق محمد بن بشار عن ابن أبي عدي وعبد الأعلى كلاهما عن سعيد.
هكذا قال سعيد: عن قتادة، عن أبي تميمة، عن الأشعري، عن النبي ﷺ .
خالفه شعبة (١)، وهشام الدستوائي (٢)، وهمام بن يحيى (٣) فقالوا: (عن قتادة عن أبي تميمة عن الأشعري موقوفاً).
وكذلك رواه سفيان الثوري (٤)، وعقبة بن عبد الله الأصم (٥) عن أبي تميمة عن الأشعري موقوفاً.
قال الإمام أحمد: رواه قتادة عن أبي تميمة موقوفاً عليه (٦).
قال العقيلي: روى هذا الحديث عن أبي موسى موقوفاً ولا يصح مرفوعاً (٧).
قال ابن خزيمة عقب الحديث: لم يسند هذا الخبر عن قتادة غير ابن أبي عدي عن سعيد.
стр. 2589
قلت: بل أسنده أيضاً عبد الأعلى عن سعيد، فالوهم والحمل منه على سعيد بن أبي عروبة.
وقد روي الحديث أيضاً مرفوعاً من طريقين لا تخلو من كلام فقد رفعه أيضاً عن أبي تميمة أبان بن أبي عياش (١)، والضحاك بن يسار (٢)، والأول متروك (٣)، والضحاك بن يسار ضعيف (٤)، ضعّفه أحمد وغيره.
قال ابن خزيمة: سألت المزني عن معنى هذا الحديث فقال: يشبه أن يكون عليه معناه أي: ضيقت عنه جهنم فلا يدخل جهنم ولا يشبه أن يكون معناه غير هذا لأن مَنْ ازداد للّه عملاً وطاعة ازداد عند الله رفعة وعلية وكرامة وإليه قربة. هذا معنى جواب المزني.
стр. 2590
الحديث الثالث (١):
٥٧٧ - قال أبو يعلى ﵀ في مسنده (٣١٩٩): حدثنا عبيد الله حدثنا خالد حدثنا سعيد عن قتادة عن أنس أو عن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ :
أنهم كانوا يضعون جنوبهم فينامون منهم مَنْ يتوضأ ومنهم مَنْ لا يتوضأ.
التعليق:
هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين.
وأخرجه البزار (٢٨٢ كشف الأستار) وأبو داود في مسائل أحمد (ص ٤٣٩).
هكذا قال سعيد عن قتادة، عن أنس أو عن أناس من أصحاب النبي ﷺ .
خالفه شعبة (٢)، وهشام الدستوائي (٣)، ومعمر بن راشد (٤)، وأبو
стр. 2591
هلال الراسبي (١) فرووا هذا الحديث عن قتادة، عن أنس: (ولم يشكوا) ولم يقل أحد منهم: (يضعون جنوبهم).
ولفظ شعبة: سمعت أنساً يقول: كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون ثم يصلُّون ولا يتوضؤون. قال: قلت: سمعته من أنس؟ قال: إي والله.
ولفظ هشام: (كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلُّون ولا يتوضؤون).
ولفظ معمر: (لقد رأيت أصحاب النبي ﷺ يوقظون للصلاة حتى إني لأسمع لأحدهم غطيطاً ثم يصلُّون ولا يتوضؤون).
ولفظ أبي هلال: (كنا نأتي مسجد النبي ﷺ ننتظر الصلاة فمنا مَنْ ينعس وينام أو ينعس ثم يصلي ولا يتوضأ).
وقد أشار إلى وهم لفظة الاضطجاع في حديث أنس الإمام أحمد وأبو داود.
قال أبو داود عقب أن أخرج رواية هشام الدستوائي قال: «ورواه ابن أبي عروبة عن قتادة بلفظ آخر» (٢).
وفي مسائل الإمام أحمد لابن هانئ: «وسئل فيمَ يجب من النوم
стр. 2592
الوضوء؟ قال: إذا نام ساجداً أو محتبياً أو رأى حلماً، فأما قاعداً أو نوم خفقة فلا يتوضأ.
وقيل له: حديث أنس: أنهم كانوا يضطجعون؟
قال: ما قال هذا شعبة قط.
وقال: حديث شعبة: «كانوا ينامون» وليس فيه يضطجعون، وقال هشام: كانوا ينعسون، وقد اختلفوا في حديث أنس» (١).
وقال الخلال: قلت لأحمد: حديث شعبة: كانوا يضعون جنوبهم؟ فتبسم وقال: هذا بمرة يضعون جنوبهم؟ حديث ابن عباس وجب الوضوء على كل نائم إلا مَنْ خفق برأسه (٢).
وحديث أنس هذا قد روي عنه بلفظ آخر وليس فيه: الاضطجاع أو وضع الجنب.
رواه عنه عبد العزيز بن صهيب، وثابت البناني وحميد.
ولفظ عبد العزيز عن أنس قال: أقيمت الصلاة والنبي ﷺ يناجي رجلاً في جانب المسجد فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم (٣).
ولفظ ثابت عن أنس قال: أقيمت صلاة العشاء فقال رجل: لي
стр. 2593
حاجة، فقام النبي ﷺ يناجيه حتى نام القوم، أو بعض القوم ثم صلُّوا (١).
ولفظ حميد قال: (كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء فينامون، أحسبه قال: قعوداً) (٢).
وروي عن أصحاب النبي ﷺ التفريق بين نوم القاعد ونوم المضطجع، فروى ابن أبي شيبة عن حفص عن يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر أنه كان لا يرى على مَنْ نام قاعداً وضوء (٣).
وعن زيد بن الحباب قال: أخبرني مالك بن أنس قال: أخبرني زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب قال: مَنْ وضع جنبه فليتوضأ (٤).
الخلاصة:
سعيد بن أبي عروبة من أوثق الناس في قتادة، إلا أن هذا الحديث لم يضبطه عنه بدليل أنه رواه عنه على الشك فقال: (عن أنس) أو عن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ . وخالفه شعبة وهشام ومعمر وأبو هلال فلم يذكروا وضع الجنب، فرواية الجماعة وفيهم: شعبة وهشام ومعمر لا شك مقدَّمة على روايته، والله تعالى أعلم.
стр. 2594
تنبيه:
جاء في رواية أبي نعيم في مستخرجه على صحيح مسلم ما يدل على متابعة سعيد بن أبي عروبة للجماعة.
قال أبو نعيم: حدثنا أبو محمد ابن حبان، ثنا محمد بن يحيى، ثنا بندار، ثنا ابن أبي عدي عن سعيد عن قتادة عن أنس قال: (كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون ثم يقومون فيصلُّون ولا يتوضؤون، قلت: سمعته من أنس؟ قال: إي والله).
قال أبو نعيم: رواه مسلم عن يحيى بن حبيب عن خالد بن الحارث (١).
قلت: إنما هذه رواية شعبة وقد تصحفت إلى سعيد، يدل عليه قول أبي نعيم: رواه مسلم عن يحيى بن حبيب عن خالد بن الحارث، يعني حديث شعبة، والله تعالى أعلم.
стр. 2595
الحديث الرابع (١):
٥٧٨ - قال الإمام أحمد ﵀ (٥/ ٧٤): حدثنا عبد الله بن بكر السهمي، ثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي المليح، عن أبيه:
أن رجلاً من قومه أعتق شقيصاً له من مملوك فرفع ذلك إلى النبي ﷺ فجعل خلاصه عليه في ماله وقال: «ليس للّه ﵎ شريك».
التعليق:
هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير الصحابي.
وأخرجه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٧٧٦) والضياء في المختارة (١٤٠٩) من طريق الإمام أحمد بهذا الإسناد.
وأخرجه أبو نعيم (٧٧٥) من طريق الحارث بن أبي أسامة عن عبد الله بن بكر السهمي عن سعيد بهذا الإسناد.
ورواه النسائي في الكبرى (٤٩٧١) والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٥٣٨٣) من طريق إسماعيل بن إبراهيم (ابن علية)، وابن أبي