← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 1329

أوهام المحدثين الثقات

سعيد باشنفر

Полный текст (5 923 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

منهم: عبد الوارث بن سعيد (١)، وحماد بن زيد (٢)، وهشيم (٣)، وعبد الوهاب الثقفي (٤)، وزكريا بن يحيى بن عمارة (٥)، وعلي بن الحسن بن الحر (٦)، وابن بنت مطر الوراق (٧)، وأبو الربيع السمان (٨). وذكر إسماعيل بن علية أنَّ شعبة أخطأ في رواية هذا الحديث عنه. قال أبو يحيى العطار: سمعت إسماعيل بن علية يقول: روى عني شعبة حديثاً واحداً فأوهم فيه، حدثته عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس: أنَّ النبي ﷺ نهى أنَّ يتزعفر الرجل، فقال شعبة: إنَّ النبي ﷺ نهى عن التزعفر (٩). وقال علي بن الجعد عقب أن روى الحديث عن شعبة: ثم لقيت إسماعيل بن إبراهيم فسألته عنه وحدثته أنَّ شعبة حدثنا به عنه فقال: ليس هكذا حدثته، وإنما حدثته أنَّ النبي ﷺ نهى أن يتزعفر الرجل. قال ابن أبي عمران: (وهو الراوي عن علي بن الجعد): وهما مختلفان، أما قوله: أن يتزعفر الرجل فإنما دخل فيه الرجال دون النساء، وأما قوله: نهى عن التزعفر، فأدخل فيه الرجال والنساء. قال الطحاوي: وقد رواه سائر أصحاب عبد العزيز عن عبد العزيز بالنهي أن يتزعفر الرجل (١٠).

стр. 352

وقال السخاوي: ألا ترى إلى أنّ إسماعيل بن علية كيف أنكر على شعبة مع جلالته وإتقانه روايته بالمعنى عنه بحديث النهي أن يتزعفر الرجل بلفظ: نهى عن التزعفر، الدال على العموم حيث لم يفطن لما فطن له إسماعيل الذي رواية شعبة عنه من رواية الأكابر عن الأصاغر من اختصاص النهي بالرجال (١). وقال الحافظ ابن حجر: (رواه شعبة عن ابن علية عند النسائي مطلقاً فقال: نهى عن التزعفر، وكأنه اختصره وإلا فقد رواه عن إسماعيل فوق العشرة من الحفاظ مقيداً بالرجل ويحتمل أن يكون إسماعيل اختصره لما حدَّث به شعبة (٢) والمطلق محمول على المقيد، ورواية شعبة عن إسماعيل من رواية الأكابر عن الأصاغر) (٣). قلت: وقد روى أبو النضر هاشم بن القاسم (٤) ومحمد بن عباد الهتاني (٥) هذا الحديث عن شعبة كرواية الجماعة عن ابن علية فقالا: (نهى أن يتزعفر الرجل) على الوجه الصحيح. والله أعلم. علة الوهم: ١ الرواية بالمعنى دون اعتبار اللفظ. قال الخطيب: كأن شعبة قصد المعنى ولم يفطن لما فطن له إسماعيل فلهذا قلنا: إنَّ رواية الحديث على لفظه أسلم من روايته على المعنى. وقال الرامهرمزي: وأحسب شعبة قصد المعنى ولم يفطن لما فطن له إسماعيل وشعبة شعبة.

стр. 353

٢ اختصار الحديث كما أشار إلى ذلك الحافظ في «الفتح» والعيني في «عمدة القاري» (١). فائدة: قال الرامهرمزي: وروى شعبة عن ابن علية حديثاً آخر مخالفاً في اللفظ والإسناد حدثنا بذلك أبو جعفر ابن زهير، ثنا عبد الله بن أبي بكر الكرماني، ثنا يحيى بن أبي بكر، عن شعبة ح، وحدثنا محمد بن موسى الإصطخري، ثنا إبراهيم بن حماد بن داود البجلي، ثنا يحيى بن أبي بكير، عن شعبة، عن إسماعيل بن إبراهيم وهو ابن علية، عن عبد العزيز بن صهيب، قال: قلت لأنس أيّ دعاء كان يدعو به رسول الله ﷺ ؟ فقال: «اللَّهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» (٢). فلقيت إسماعيل فسألته عن الحديث فقال: أخبرنا عبد العزيز قال: سأل قتادة أنساً أيّ دعوة كان أكثر ما يدعو بها النبي ﷺ فقال: كان أكثر دعوة يدعو بها: «اللَّهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» (٣). قال محرره أبو حمزة: أما وهمه في الإسناد فلم يذكر قتادة، وأما في المتن فإنَّ لفظ الحديث: أيّ دعوة كان أكثر ما يدعو بها؟ وقال شعبة: أيّ دعاء كان يدعو به؟ والله تعالى أعلم.

стр. 354

الحديث السادس والأربعون (١): ٨٠ - قال ابن ماجه (٤١٥٧): حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة، حدثنا غندر، عن شعبة، عن عباس الجريري، قال: سمعت أبا عثمان يحدِّث عن أبي هريرة ﵁: أنهم أصابهم جوع وهم سبعة قال: فأعطاني النبي ﷺ سبع تمرات لكل إنسان تمرة. التعليق: هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين. ورواه الترمذي (٢٤٧٤) من طريق أبي حفص عمرو بن علي، والنسائي في «الكبرى» (٦٧٣١) من طريق خالد بن الحارث، وأحمد (٢/ ٢٩٨) من طريق محمد بن جعفر، وأبو يعلى (٦٦٥٣) من طريق معاذ بن معاذ كلهم عن شعبة به. هكذا قال شعبة: عن عباس، عن أبي عثمان، عن أبي هريرة: أنَّ النبي ﷺ أعطاهم تمرة تمرة، وكانوا سبعة لكل واحد تمرة. خالفه حماد بن زيد (٢) فرواه عن عباس الجريري بهذا الإسناد وقال:

стр. 355

(قسم النبي ﷺ يوماً بين أصحابه تمراً فأعطى كل إنسان سبع تمرات فأعطاني سبع تمرات إحداهن حشفة فلم يكن فيهن تمرة أعجب إلي منها شدت في مضاغي). ورواه عاصم الأحول (١) عن أبي عثمان عن أبي هريرة فقال: قسم النبي ﷺ بيننا تمراً فأصابني منه خمس: أربع تمرات وحشفة (٢)، ثم رأيت الحشفة هي أشدهن لضرسي. وهم شعبة فذكر أنَّ النبي ﷺ أعطى كل واحد منهم تمرة واحدة. وخالفه حماد وأبو عاصم فذكر الأول سبعاً والثاني خمساً. ومما يدل على وهم شعبة أمران: الأول: أنهما اتفقا من حيث الزيادة على الواحدة. الثاني: أنهما اتفقا على كون الواحدة هي حشفة والباقي تمر.

стр. 356

الحديث السابع والأربعون (١): ٨١ - قال ابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ٢٠٣ حديث ٢٠٣٧): حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا شعبة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂: أنَّ النبي ﷺ صلَّى خلف أبي بكر. التعليق: هذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين غير علي بن عبد العزيز وهو ثقة حافظ، وأخرجه يعقوب بن سفيان في «المعرفة» (١/ ٤٥٢) عن مسلم بن إبراهيم به. وأخرجه ابن خزيمة (١٦١٨)، والبيهقي (٣/ ٨٢) من طريق أبي داود الطيالسي عن شعبة به. وذكره البخاري تعليقاً عقب الحديث (٦٦٤) فقال: ورواه أبو داود عن شعبة عن الأعمش بعضه.

стр. 357

هكذا قال شعبة عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: أنَّ النبي ﷺ صلّى خلف أبي بكر. وخالفه جماعة من أصحاب الأعمش فرووه عنه بأتم من هذا وذكروا أنَّ النبي ﷺ كان إماماً وأبو بكر يأتمّ به والناس يأتمّون بأبي بكر. منهم: حفص بن غياث (١)، وعبد الله بن داود (٢)، وأبو معاوية الضرير محمد بن خازم (٣)، ومحاضر بن المورع (٤)، ووكيع (٥)، وعلي بن مسهر (٦)، وعيسى بن يونس (٧)، وأبو عوانة (٨). وسأورد بعض ألفاظهم: فلفظ حفص: (فأراد أبو بكر أن يتأخر فأومأ إليه النبي ﷺ أن مكانك، ثم أتى به حتى جلس إلى جنبه، قيل للأعمش: وكان النبي ﷺ يصلّي وأبو بكر يصلّي بصلاته والناس يصلّون بصلاة أبي بكر؟ فقال برأسه: نعم. ولفظ أبي معاوية: (فجاء رسول الله ﷺ حتى جلس عن يسار أبي بكر فكان أبو بكر يصلّي قائماً يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ﷺ والناس يقتدون بصلاة أبي بكر). ولفظ علي بن مسهر: (فأتى برسول الله ﷺ حتى أجلس إلى جنبه. وكان النبي ﷺ يصلّي بالناس وأبو بكر يُسمعهم التكبير).

стр. 358

ولفظ عبد الله بن داود: فلما رآه أبو بكر ذهب يتأخر، فأشار إليه أن صلّ، فتأخر أبو بكر وقعد النبي ﷺ إلى جنبه، وأبو بكر يسمع الناس التكبير. ولفظ وكيع بمثل لفظ أبي معاوية. وحديث عيسى: (فجلس رسول الله ﷺ يصلّي وأبو بكر إلى جنبه وأبو بكر يُسمع الناس). ولفظ أبي عوانة: (فجاء رسول الله ﷺ حتى جلس عن يسار أبي بكر فكان رسول الله ﷺ يصلّي بالناس جالساً وأبو بكر قائم يقتدي به والناس يقتدون بأبي بكر) (١). علة الوهم: ١ ورد في حديث عن عائشة ﵂ أنَّ النبي ﷺ صلّى خلف أبي بكر. وهو ما رواه نعيم بن أبي هند، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة ﵂ أنَّ أبا بكر صلَّى بالناس ورسول الله ﷺ في الصف خلفه. ورواه عنه شعبة (٢).

стр. 359

٢ الأعمش سيقت رواية أصحابه عنه في مرض رسول الله ﷺ فذكر في حديثه أنَّ النبي ﷺ كان هو الإمام وأبو بكر يقتدي به والناس يقتدون بأبي بكر. خالفهم شعبة فجعل متن حديث نعيم عن أبي هند في خبر الأعمش؛ لذا والله أعلم أعرض البخاري عن حديث شعبة عن الأعمش، وذكره معلقاً فقال: (ورواه أبو داود عن شعبة عن الأعمش بعضه).

стр. 360

الحديث الثامن والأربعون (١): ٨٢ - قال الإمام أحمد (٢/ ٢٥٦): حدثنا يزيد، أنا شعبة، عن الجلاس، عن عثمان بن شماس، قال: سمعت أبا هريرة ومر عليه مروان فقال: بعض حديثك عن رسول الله ﷺ ، أو حديثك عن رسول الله ﷺ ، ثم رجع فقلنا: الآن يقع به. قال: كيف سمعت رسول الله ﷺ يصلّي على الجنائز؟ قال: سمعته يقول: «أنت خلقتها وأنت رزقتها وأنت هديتها للإسلام وأنت قبضت روحها تعلم سرَّها وعلانيتها، جئنا شفعاء فاغفر لها». التعليق: هذا إسناد لا بأس به مع الاختلاف في اسم التابعي الذي رواه عن أبي هريرة. وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٣/ ٢٩٢) و (١٠/ ٤١٠) عن يزيد بن هارون به. وأخرجه أحمد (٢/ ٤٥٨)، والنسائي في «السنن الكبرى» (١٠٩١٦)، وابن جرير الطبري في «تهذيب الآثار» (١/ ١٧٢ الجزء المفقود) من طريق محمد بن جعفر، وإسحاق (٤٦٣)، ويعقوب بن سفيان في «المعرفة والتاريخ» (٣/ ١٢٤) ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» (٤/ ٤٢) من

стр. 361

طريق أبي الوليد الطيالسي هشام بن عبد الملك ثلاثتهم عن شعبة بهذا الإسناد. وذكره البخاري في «التاريخ الكبير» (٦/ ٢٧٩) تعليقاً. هكذا قال شعبة: (عن الجلاس، عن عثمان بن شماس، عن أبي هريرة). وخالفه عبد الوارث بن سعيد (١)، وعباد بن صالح (٢) فقالا: (أبو الجلاس عقبة بن سيار، عن علي بن شماخ). أخطأ شعبة في موضعين في الإسناد: أولاً: قال الجلاس، وإنما هو أبو الجلاس. ثانياً: اسم شيخ أبي الجلاس راوي هذا الحديث عن أبي هريرة فقال: (عثمان بن شماس) وإنما هو (علي بن شماخ). قال أبو داود: أخطأ شعبة في اسم علي بن شماخ، قال: عثمان بن شماس (٣). قال أبو زرعة: أبو الجلاس أصح (٤). وقال يحيى بن معين: كذا يقول شعبة، وقال عبد الوارث: عثمان بن جحاش، والقول قول عبد الوارث (٥).

стр. 362

وقال عباس الدوري: سمعت أحمد بن حنبل ويحيى بن معين يقولان في حديث الجلاس: عن عثمان بن شماس هكذا يقول شعبة، وعبد الوارث يقول: عثمان بن جحاش، والقول قول عبد الوارث (١). وقال أبو القاسم الطبراني: لم يضبط أبو بلج ولا شعبة إسناد هذا الحديث، وأتقنه عبد الوارث بن سعيد (٢). وقال عبد الوارث بن سعيد: ذهبت بشعبة إلى أبي الجلاس وإذا بين يديه نقير فيه نبيذ وله جمة كان من الجند شامي وجعل شعبة أبا الجلاس جلاساً، قال: أنا ذهبت به إليه وقلب إسناده (٣). وقال البيهقي: خالفه شعبة في إسناده ورواية عبد الوارث أصح (٤). وقال ابن مندة: أبو الجلاس عقبة بن سيار البصري، حدَّث عن عثمان بن شماس، روى عنه شعبة بن الحجاج وعبد الوارث بن سعيد. قال شعبة: جلاس بن عثمان، وكذلك قاله أبو بلج يحيى بن أبي سلم، والصواب ما قاله عبد الوارث (٥). وقال البخاري: قال علي: أخبرني عبد الصمد بن عبد الوارث: عقبة السلمي من أهل الشام، قال أبي: ذهبت بشعبة إليه فقلب إسناده (٦). قال المزي: والصواب أبو الجلاس كما قال عبد الوارث ومَن تابعه (٧). وسئل الدارقطني عن حديث عثمان بن شماس وقيل: عن علي بن شماخ عن أبي هريرة في الصلاة على الجنازة وما يدعى فيها.

стр. 363

فقال: يرويه الجلاس السلمي ويقال: أبو الجلاس واختلف عنه. فأما شعبة فرواه عنه فقال: عن الجلاس عن عثمان بن شماس عن أبي هريرة: أنَّ مروان مرَّ به فسأله عن الصلاة على الجنازة، ويقال: إنَّ شعبة وهم إلا سفيان جميعاً (١). وخالفه عبد الوارث فرواه عن أبي الجلاس واسمه عقبة بن سيار وقال علي بن شماخ عن أبي هريرة، وقول عبد الوارث أصح … لأنه ضبط اسمه وكنيته ووصل إسناده (٢).

стр. 364

الحديث التاسع والأربعون (١): ٨٣ - قال الإمام مسلم في صحيحه (٢/ ٩١٢ حديث رقم ١٢٤٤): حدثنا محمد بن المثنَّى وابن بشار جميعاً عن ابن أبي عَدِيّ، قال ابن المثنى: حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن قتادة، عن أبي حسان، عن ابن عباس ﵄، قال: صلَّى رسول الله ﷺ الظهر بذي الحُلَيفة ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن وسلت الدم وقلَّدها نعلين ثم ركب راحلته فلما استوت به على البيداء أهلَّ بالحج. التعليق: هذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي حسان الأعرج من رجال مسلم، وثقه ابن معين والعجلي وابن سعد وابن حبان وغيرهم. وأخرجه أحمد (١/ ٢٥٤، ٢٨٠، ٣٣٩، ٣٤٧)، وأبو داود (١٧٥٢)، والدارمي (١٩٧)، وابن خزيمة (٢٦٠٩)، وابن الجارود (٤٥٤)، وابن حبان (٤٠٠٢)، وأبو عوانة (٣٧٠٢)، وابن الجعد (٩٧٦)، والبيهقي (٥/ ٤)،

стр. 365

وابن عبد البر في «التمهيد» (٢٧/ ٢٣٠)، وأبو نعيم في «المستخرج على صحيح مسلم» (٢٨٨١). هكذا قال شعبة، عن قتادة، عن أبي حسان، عن ابن عباس، أنَّ النبي ﷺ صلَّى الظهر بذي الحليفة. ورواه هشام الدستوائي (١) عن قتادة بهذا الإسناد وقال: لما أتى ذا الحليفة أشعر الهدي ولم يقل صلّى بها الظهر. وقد نبّه مسلم إلى هذه المخالفة فأشار إلى أنَّ هشاماً لم يقل صلى بها الظهر (٢)، وقد صح من حديث أنس ﵁ (٣) أنَّ النبي ﷺ صلّى الظهر بالمدينة أربعاً وصلَّى العصر بذي الحليفة ركعتين. بل جاء في رواية عند مسلم (٤) أنه صلّاها مع النبي ﷺ فقال: صلّيت مع رسول الله ﷺ الظهر بالمدينة أربعاً، وصلّيت معه العصر بذي الحليفة ركعتين؛ لذا والله أعلم نبّه الإمام مسلم إلى الزيادة التي في حديث شعبة عن حديث هشام. وهنا قد اختلفت رواية أنس عن رواية ابن عباس، وإن صح ذلك عن ابن عباس فالأخذ برواية أنس أَولى فإنه ذكر فعله للصلاة مع النبي ﷺ وعدد ركعاتها مما يدل على ضبطه، وابن عباس كان في حجة الوداع صغيراً.

стр. 366

قال ابن حزم: فهذا ابن عباس يذكر أنه صلّى الظهر في ذي الحليفة وأنس يذكر أنه صلّاها في المدينة، وكلا الطريقين في غاية الصحة. وكنا توهمنا أنَّ أحد القولين وهم أو من بعض الرواة فأعملنا النظر في ذلك فتأملنا الروايتين ونظرنا فيهما فوجدنا أنساً أثبت في هذا المكان لأنه ذكر أنه حضر ذلك بقوله: صلّينا مع رسول الله ﷺ الظهر بالمدينة أربعاً وبذي الحليفة العصر ركعتين. فهو أثبت لوجهين: أحدهما: ذكره الحضور لذلك ولم يذكر ابن عباس حضوراً، والحاضر أثبت بلا شك. الوجه الثاني: إخبار أنس أنه ﷺ صلَّى الظهر أربعاً في ذلك اليوم وهذه صفة صلاة الحضر بلا شك، ولو صلّاها بذي الحليفة لصلّاها ركعتين، وإنما دخل الوهم من رواية ابن عباس لصغره ولأنه كان حينئذ ابن ثلاث عشرة سنة أو أقل بشهور (١). ثم حاول الجمع بين الحديثين فإنَّ حديث أنس كان يوم الخميس يوم خروجه من المدينة وحديث ابن عباس كان يوم الجمعة إذ إنه ﷺ بات في ذي الحليفة. واستدل الإمام الشافعي بحديث أنس هذا أنَّ الرجل لا يقصر الصلاة بمجرد نية السفر دون العمل لأن النبي ﷺ صلّى بالمدينة أربعاً ثم قصر في ذي الحليفة (٢).

стр. 367

فائدة: من منهج الإمام مسلم في عرض الحديث المعل أنَّ العلة لو كانت في المتن بدأ به ثم أعقبه بما هو أصح. ولو كانت العلة في الإسناد أخَّر ذكر الحديث المعل.

стр. 368

الخاتمة وهم شعبة في كتابنا في (٤٩) حديثاً، أحد عشرة منها في المتن: الأول: قوله عشر آيات من آخر سورة (الكهف)، والصحيح عشر آيات من أول سورة (الكهف) (١). الثاني: قوله: ذُرَة، والصحيح «ذَرّة» في: «إنَّ الله يُخرج من النار مَنْ كان في قلبه من الخير ما يزن ذرّة» (٢). الثالث: قوله: إنَّ معاوية أنكر على ابن عباس مخالفته للسنّة في استلام الأركان كلها وإنما يستلم الركنان فقط، والصحيح أنَّ ابن عباس هو الذي أنكر على معاوية (٣). الرابع: قوله: لا وضوء إلا من صوت أو ريح، والصحيح أنَّ ذلك مختصر من حديث النهي عن الخروج من المسجد أو الصلاة حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً (٤). الخامس: قوله: إنَّ النبي ﷺ خفض صوته في قوله: «آمين» في الصلاة، والصحيح أنه مدَّ بها صوته (٥).

стр. 369

السادس: قوله: صوم يوم الاثنين والخميس، والذي في الحديث صوم يوم الاثنين فقط (١). السابع: قوله: تحرّي ليلة القدر ليلة سبع وعشرين، والصحيح في هذا الحديث تحرّيها في السبع الأواخر (٢). الثامن: قوله: نهى عن التزعفر، والصحيح نهى أنَّ يتزعفر الرجل (٣). التاسع: قوله: «لكل إنسان تمرة»، والصحيح: «سبع تمرات إحداهن حشفة» (٤). العاشر: قوله: إنَّ النبي ﷺ صلَّى خلف أبي بكر (٥). الحادي عشر: قوله أن النبي ﷺ صلى الظهر بذي الحليفة (٦). وأغلبها في الفضائل ولا يتعلق بها حكم شرعي يستدل به على مخالفة سنّة صحيحة أو صريحة. وأغلب وهم شعبة إنما هو في الأسماء. قال الإمام أحمد: كان غلط شعبة في أسماء الرجال (٧). وقال علي بن المديني: كان شعبة يخطاء في أسماء الرجال (٨). وقال العجلي: كان شعبة يخطاء في أسماء الرجال (٩).

стр. 370

وقال أبو زرعة: كان أكثر وهم شعبة في أسماء الرجال (١). وقال أبو حاتم: وشعبة ربما أخطأ في أسماء الرجال (٢). وقال الدراقطني: كان شعبة يخطاء في أسماء الرجال كثيراً لتشاغله في حفظ المتون (٣). وسببه كذلك أن شعبة كان ألثغ، ففي منتخب العلل (١٦٢). قال أحمد: كان في لسانه لثغة، أراد أن يقول شريط فقال شنيط. قال أبو داود: شعبة يخطاء فيما لا يضره ولا يعاب عليه، يعني في الأسماء. وسببه أنه كان لا يكتب ولا يحدِّث إلا من حفظه، والمرء مهما بلغ من الحفظ فلا بدَّ له من النسيان، فرجل يحفظ بضعة آلاف من الحديث (٤) لا يضره أن ينسى في بضعة عشر حديث، أي: ما يعادل ١?، وأغلبها في الأسماء. جزى الله شعبة عن السنَّة والإسلام والمسلمين خير الجزاء وأسكنه فسيح جناته في الفردوس الأعلى مع المصطفى ﷺ . فوائد: ١ اختلف سفيان وشعبة في ثمانية عشر حديثاً، كان القول فيها لسفيان، هي: (٣، ٧، ٩، ١٠، ١٣، ١٥، ١٦، ١٨، ٢٩، ٣٠، ٣١، ٣٢، ٣٣، ٣٨، ٣٩، ٤١، ٤٢، ٤٣). وتقدم في كتاب سفيان أنَّ شعبة خالفه في سبعة أحاديث كان القول فيها لشعبة (من ضمن ٣٣ حديثاً جمعناها في كتاب وهم سفيان).

стр. 371

٢ ثلاثة وعشرون من هذه الأحاديث التسعة والأربعين علة الوهم فيها كان اختلاف الأمصار بأن يكون شيخه الذي يحدِّث عنه من غير بلده، وهي: (١، ٣، ٧، ٨، ١٠، ١٤، ١٥، ١٦، ٢٣، ٢٥، ٢٦، ٢٧، ٢٨، ٢٩، ٣٠، ٣١، ٣٣، ٣٦، ٣٧، ٣٩، ٤٠، ٤١، ٤٣). ٣ الأحاديث التي في الصحيحين أو أحدها في هذا الجزء خمسة أحاديث (١، ٢، ٣٦، ٣٧، ٤٩).

стр. 372

ملخص لما جاء في باب شعبة بن الحجاج من الأوهام ر/ ح … اسم شيخه فيه … مصره … الوهم … الصحيح 1 … سعد بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف … المدينة … مالك ابن بحينة … عبدالله بن مالك ابن بحينة 2 … محمد بن زياد … أو يجعل صورته حمار … رأسه رأس حمار 3 … قتادة بن دعامة … البصرة … ذُرة … ذرَّة 4 … سعد بن إبراهيم … المدينة … ابن ثوبان عن رجل من الأنصار عن رجل من أصحاب النبي ﷺ … ابن ثوبان عن رجل من أصحاب النبي ﷺ 5 … قتادة … البصرة … أنَّ ابن عباس كان يستلم الأركان كلها في طوافه وأنَّ معاوية أنكر عليه … أنَّ معاوية هو الذي كان يستلم الأركان كلها وأنَّ ابن عباس هو المنكر 6 … قتادة … البصرة … أنَّ مَنْ قرأ عشر آيات من آخر سورة (الكهف) عُصم من الدجال … عشر آيات من أول سورة (الكهف) 7 … منصور بن المعتمر … الكوفة … سالم بن أبي الجعد عن نبيط عن جابان … سالم بن أبي الجعد عن جابان

стр. 373

ر/ ح اسم شيخه فيه مصره الوهم الصحيح ٨ منصور بن المعتمر الكوفة أسقط شعبة من الإسناد عبدالرحمن بن أبي ليلى - ٩ منصور بن المعتمر الكوفة شتير عن أم حبيبة شتير عن حفصة ١٠ أبو إسحاق السبيعي الكوفة أبو إسحاق عن الوليد أبي المغيرة أو المغيرة أبي الوليد أبو إسحاق عن عبيد بن المغيرة ١١ أبو إسحاق السبيعي الكوفة عن فروة بن نوفل عن النبي ﷺ فروة بن نوفل عن أبيه عن النبي ﷺ (جعل شعبة الصحبة لنوفل والصحيح أنها لأبيه) ١٢ سماك بن حرب الكوفة سماك عن أبي ثور عن عكرمة سماك، عن جعفر بن أبي ثور ١٣ سهيل بن أبي صالح المدينة لا وضوء إلا من صوت أو ريح إذا وجد أحدكم من بطنه شيئاً فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتاً أو ريحاً (اختصره شعبة فقيد النواقض وهذا ليس بصحيح إلا لمَن كان داخل الصلاة) ١٤ سهيل بن أبي صالح المدينة سهيل عن صفوان سهيل عن النعمان بن أبي عياش ١٥ مالك بن عرفطة الكوفة مالك بن عرفطة عن علي خالد بن علقمة عن علي ١٦ مالك بن عرفطة الكوفة مالك بن عرفطة عن عائشة خالد بن علقمة عن عائشة

стр. 374

ر/ ح … اسم شيخه فيه … مصره … الوهم … الصحيح 17 … عبدالله بن يزيد … الكوفة … عبدالله بن يزيد عن أبي زرعة … سلم بن عبدالرحمن عن أبي زرعة (قال أحمد بن حنبل ويحيى بن معين بوهم شعبة وخالفهم البخاري فصحح الروايتين) 18 … سلمة بن كهيل … الكوفة … حجر أبي العنبس عن علقمة عن وائل، خفض صوته … حجر بن عنبس عن وائل، مدّ صوته 19 … أنس بن سيرين … البصرة … أنس عن عبدالملك بن المنهال … أنس عن عبدالملك بن قتادة بن ملحان 20 … غالب التمار … البصرة … أوس بن مسروق … مسروق بن أوس، ورواه شعبة مرة أخرى على الصحيح 21 … غيلان بن جرير … البصرة … صوم الاثنين والخميس … صوم الاثنين 22 … عاصم الأحول … البصرة … طلق بن يزيد أو يزيد بن طلق … علي بن طلق 23 … يزيد بن خمير … ... حمص … عبدالله بن أبي موسى … عبدالله بن أبي قيس، ورواه شعبة مرة أخرى على الوجه الصحيح 24 … يزيد بن أبي زياد … الكوفة … ابن لقيط … فائد

стр. 375

ر/ ح اسم شيخه فيه مصره الوهم الصحيح ٢٥ جعفر بن إياس أبو بشر واسطي أصله من البصرة عن أبي المليح عن أم حبيبة عن أبي المليح، عن عبدالله بن عتبة عن أم حبيبة، ورواه شعبة مرة أخرى على الوجه الصحيح ٢٦ عبدالله بن أبي بكر بن حزم المدينة عن عبدالله أو محمد بن أبي بكر بن حزم، وفي رواية عن محمد بن أبي بكر بن حزم عبدالله بن أبي بكر بن حزم ٢٧ مسلم بن أبي مريم المدينة عبدالرحمن بن علي الأموي علي بن عبدالرحمن المعاوي ٢٨ عبدالله بن دينار المدينة تحرّي ليلة القدر ليلة سبع وعشرين تحرّيها في السبع الأواخر ٢٩ علقمة بن مرثد الكوفة سالم بن رزين، عن سالم بن عبدالله عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر رزين بن سالم عن ابن عمر ٣٠ الأعمش الكوفة الأعمش عن خيثمة الأعمش عن عمارة بن عمير ٣١ عمرو بن دينار مكة أبي السوار أبي الثورين ٣٢ أيوب السختياني البصرة سعيد بن جبير عن ابن عباس سعيد بن جبير عن ابن عمر ٣٣ عطاء بن السائب الكوفة أبو البختري عن عبيدة عن عبدالله بن الزبير عن أبي يحيى الأعرج عن ابن عباس

стр. 376

ر/ ح اسم شيخه فيه مصره الوهم الصحيح ٣٤ أبو التياح البصرة أبو التياح، عن ابن الأخرم، عن عبدالله بن مسعود شمر بن عطية عن المغيرة بن سعد بن الأخرم، عن أبيه عن ابن مسعود ٣٥ حبيب بن أبي الشهيد البصرة أنَّ الزبير قال لابن عباس أنَّ ابن الزبير قال لعبدالله بن جعفر ٣٦ عبد ربه بن سعيد المدينة أنس بن أبي أنس عن عبدالله بن نافع عن عبدالله بن الحارث، عن المطلب عمران بن أبي أنس عن عبدالله بن نافع، عن ربيعة بن الحارث، عن الفضل بن عباس ٣٧ علي أبي الأسد الكوفة علي أبي الأسد سهل أبي الأسد ٣٨ عيينة بن عبدالرحمن البصرة جنازة عثمان بن أبي العاص جنازة عبدالرحمن ابن سمرة ٣٩ حبيب بن أبي ثابت الكوفة حبيب، عن القاسم بن عبيدالله عن أبي مسعود حبيب، عن القاسم بن الحارث عن عبيدالله بن عبدالله، عن أبي مسعود ٤٠ محمد بن عثمان بن عبدالله بن موهب المدينة محمد بن عثمان عمرو بن عثمان ٤١ حصين بن عبدالرحمن الكوفة حصين، عن زيد بن وهب عن حذيفة حصين عن زيد بن وهب عن ثابت بن وديعة ٤٢ سماك بن حرب الكوفة سماك، عن مالك بن أبي صفوان سماك، عن سويد بن قيس ٤٣ الأعمش الكوفة الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد، عن علي الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن علي

стр. 377

ر/ ح اسم شيخه فيه مصره الوهم الصحيح ٤٤ أبو عمران الجوني البصرة محمد بن زهير بن أبي جبل زهير بن عبدالله ٤٥ إسماعيل بن إبراهيم البصرة نهى رسول الله ﷺ عن التزعفر نهى أن يتزعفر الرجل ٤٦ عباس الجريري البصرة لكل إنسان تمرة سبع تمرات إحداهن حشفة ٤٧ الأعمش الكوفة صلَّى النبي ﷺ خلف أبي بكر أنَّ أبا بكر يصلّي بصلاة النبي ﷺ ٤٨ الجلاس الشام ١) الجلاس ٢) عثمان بن شماس أبو الجلاس علي بن شماخ ٤٩ قتادة البصرة أن النبي ﷺ صلى الظهر بذي الحليفة صلى الظهر بالمدينة أربعاً

стр. 378

أوهام سفيان بن عيينة نسبه ومولده: هو الإمام المحدِّث المفسِّر حافظ العصر محدِّث الحرم شيخ الإسلام سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي، أبو محمد الكوفي ثم المكِّي (١)، وقيل: إنَّ أباه عيينة هو المكنَّى أبا عمران، والأول أصح. وُلد سفيان بالكوفة عشية السبت في النصف من شعبان سنة سبع ومائة وكان له تسعة أخوة حدَّث منهم أربعة: محمد وآدم وعمران وإبراهيم، وكان أبوه صيرفيًّا بالكوفة فركبه الدَّين فحملهم إلى مكَّة (٢). وقيل: بل كان أبوه من عُمَّال خالد بن عبد الله القسري فلمّا عُزل خالد عن العراق ووُلَّي يوسف بن عمر الثقفي طلب عمَّال خالد فهربوا منه، فلحق أبوه عيينة بمكَّة فنزلها (٣).

стр. 379

طلبه للعلم: طلب سفيان الحديث وهو غلام صغير وحفظ القرآن وهو ابن أربع عشرة سنة، وقال سفيان: أول مَنْ جالستُ من الناس عبد الكريم أبو أُمية، جالسته وأنا ابن خمس عشرة سنة، ومات في سنة ست وعشرين ومائة. (١) وقال سفيان: حججت سنة عشرة ومائة ثم سنة عشرين وجاءنا الزهري مع ابن هشام الخليفة سنة ثلاث وعشرين ومائة، وخرج سنة أربع وعشرين ومائة. قال: وسألته وسعد بن إبراهيم عنده فلم يُجِبني في الحديث، فقال له سعد: أجِب الغلام عما سألك. قال: أما إني أعطيه حقه. قال سفيان: وأنا يومئذ ابن ست عشرة سنة (٢). وقال أبو محمد الرامهرمزي: حدثنا موسى بن زكريا، حدثنا زياد بن عبد الله الخزاعي، قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: كان أبي صيرفيًّا بالكوفة فركبه دَين، فحملنا إلى مكَّة فلمَّا رحنا إلى المسجد لِصلاة الظهر وصرت إلى باب المسجد إذا شيخ على حمار، فقال لي يا غلام: أمسك عليَّ هذا الحمار حتى أدخل المسجد فأركع. فقلت: ما أنا بفاعل أو تحدثني، قال: وما تصنع أنت بالحديث؟ واستصغرني فقلت: حدثني. فقال: حدثني جابر بن عبد الله، وحدثنا ابن عباس. فحدثني ثمانية أحاديث، فأمسكت حماره وجعلت أتحفظ ما حدثني به، فلمّا صلَّى وخرج قال: ما نفعك ما حدثتك حبستني. فقلت: حدثتني بكذا، وحدثتني بكذا. فرددت عليه جميع ما حدثني به، فقال:

стр. 380

بارك الله فيك، تعال غداً إلى المجلس. فإذا هو عمرو بن دينار (١). وقال علي بن المديني عن ابن عيينة: جالست عبدة بن أبي لبابة سنة ١٢٣ (٢)، وقال حماد بن زيد: فرأيت سفيان بن عيينة عند عمرو بن دينار غلاماً له ذؤابة معه ألواح (٣). وقال ابن عيينة: كنت أختلف إلى الزهري وأنا حديث السن، لي ذؤابتان فأملى يوماً حديثاً عن أبي سلمة وسعيد فلمّا فرغنا جلسنا نتقابل فاختلف القوم فقال بعضهم عن أبي سلمة وقال بعضهم عن سعيد، وابن شهاب يسمع فقال: ما تقول أنت يا صبي؟ فقلت: عن كُلاهما. فضممت الكاف، فجعل يتعجب من ضبطي ويضحك من لحني (٤). وقال غياث بن جعفر: سمعت ابن عيينة يقول: أول مَنْ أسندني إلى الأسطوانة مسعر بن كدام؟ فقلت: إني حدث. فقال: إنَّ عندك الزهري وعمرو بن دينار (٥). وقال سفيان: دخلت الكوفة ولم يتمّ لي عشرون سنة فقال أبو حنيفة لأصحابه: جاءكم حافظ علم عمرو بن دينار. قال: فجاء الناس يسألونني عن عمرو بن دينار، فأول مَنْ صيَّرني محدِّثاً أبو حنيفة، فذاكرته فقال لي: يا بني، ما سمعت من عمرو إلا ثلاثة أحاديث

стр. 381

يضطرب في حفظ تلك الأحاديث (١). وقال سفيان: زعموا أنَّ الزهري قال: ما رأيت طالباً لهذا الأمر أصغر سنًّا منه يعني سفيان. وقال سفيان: ما كتبت شيئاً قط إلا شيئاً حفظته قبل أن أكتبه. وقال سفيان: سمعت من عمرو بن دينار ما لبث نوح في قومه. وقال أيضا: جالست عمرو بن دينار ثنتين وعشرين سنة، ومات سنة ست وعشرين، وجالسته وأنا ابن أربع عشرة سنة. وقال سفيان: لمّا بلغت خمس عشرة سنة دعاني أبي فقال لي: يا سفيان، قد انقطعت عنك شرائع الصبا فاحتفظ من الخير تكُن من أهله، ولا يغرنك مَنْ اغتر بالله فمدحك بما يعلم الله خلافه منك فإنه ما من أحد يقول في أحد من الخير إذا رضي إلا وهو يقول فيه من الشر مثل ذلك، إذا سخط فاستأنس بالوحدة من جلساء السوء، ولا تنقل أحسن ظنِّي بك إلى غير ذلك، ولن يسعد بالعلماء إلا مَنْ أطاعهم. قال سفيان: فجعلت وصية أبي قبلة أميل معها ولا أميل عنها (٢). سعة علمه وحفظه: قال عبد الله بن المبارك: سُئل سفيان الثوري عن سفيان بن عيينة فقال: ذاك أحد الأحدَين، يقول: ليس له نظير (٣).

стр. 382

قال الشافعي: ما رأيت أحداً من الناس فيه من آلة العلم ما في سفيان بن عيينة، وما رأيت أحداً أكفّ عن الفُتيا منه، وما رأيت أحداً أحسن لِتفسير الحديث منه. وقال أيضاً: لولا مالك وسفيان لَذهب علم الحجاز (١). وقال أحمد بن حنبل: ما رأيت أحداً كان أعلم بالسُّنن من سفيان (٢). وقال الشافعي: أصول الأحكام نيّف وخمسمائة حديث كلّها عند مالك إلا ثلاثين حديثاً، وكلّها عند ابن عيينة إلا ستة أحاديث (٣). قال الذهبي معقباً: فهذا يوضح لك سعة دائرة سفيان في العلم وذلك لأنه ضمَّ أحاديث الحجازيين (٤). وقال عبد الرحمن بن مهدي: عند ابن عيينة من معرفته بالقرآن وتفسير الحديث ما لم يكُن عند سفيان الثوري (٥). وقال عبد الله بن وهب: لا أعلم أحداً أعلم بتفسير القرآن من سفيان بن عيينة (٦). وقال علي بن المديني: كان أصحاب ابن عباس ستة: عطاء، وطاووس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وجابر بن زيد، وعكرمة، فكان

стр. 383

أعلم الناس بهؤلاء عمرو بن دينار ولقيهم كلَّهم، وأعلم الناس بِعمرو وهؤلاء سفيان بن عيينة وابن جريج (١). وقال أحمد بن حنبل: ليس أحدٌ أثبت من سفيان في عمرو بن دينار (٢). قلت: وقد سمع عمرو بن دينار أيضاً من ابن عباس مباشرة، قال سفيان: قال لي عمرو بن دينار: ما كنت أجلس عند ابن عباس، ما كنت عنده إلا قائماً (٣). وكذلك سمع من ابن عمر وابن الزبير وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة وجابر بن عبد الله وغيرهم. وقال ابن خلكان: كان قد أدرك نيّفاً وثمانين نفساً من التابعين (٤). ثناء أهل العلم عليه: قال يحيى القطان: ما رأيت أحسن حديثاً من سفيان بن عيينة (٥). وقال عبد الرحمن بن مهدي: كان سفيان بن عيينة من أعلم الناس بحديث الحجاز (٦). وقال علي بن المديني: سفيان بن عيينة أحسن حديثاً من سفيان وشعبة (٧).

стр. 384

وقال أيضاً: ما في أصحاب الزهري أتقن من ابن عيينة (١). وقال أحمد بن حنبل: سفيان أثبت الناس في عمرو بن دينار وأحسن حديثاً (٢). وقال البخاري: سفيان بن عيينة أحفظ من حماد بن زيد (٣). وقال عبد الرحمن بن مهدي: كنت أسمع الحديث من ابن عيينة فأقوم فأسمع شعبة يحدِّث به فلا أكتبه (٤). وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتاً كثير الحديث حجة (٥). وقال أبو حاتم: سفيان بن عيينة: إمام ثقة، وأثبت أصحاب الزهري: مالك وابن عيينة، وكان أعلم بحديث عمرو بن دينار من شعبة (٦). وقال العجلي: كوفي ثقة ثبت في الحديث، وكان بعض أهل الحديث يقول: هو أثبت الناس في حديث الزهري وكان حسن الحديث، وكان يُعَدُّ من حكماء أهل الحديث، وكان حديثه نحواً من سبعة آلاف ولم تكُن له كتب (٧). وقال علي بن المديني: قال لي يحيى بن سعيد (القطان): ما بقي من معلِّمي الذين تعلمت منهم غير سفيان بن عيينة. فقلت: يا أبا

стр. 385

سعيد، سفيان إمام في الحديث؟ قال: سفيان إمام القوم منذ أربعين سنة. وقال أيضاً: سمعت بشر بن المفضل يقول، وقال بيده على الأرض: ما بقي على وجه الأرض أحد يشبه سفيان بن عيينة (١). وقال أحمد بن حنبل: ما رأينا مثله (٢). وقال ابن حبان: كان سفيان بن عيينة من الحفّاظ المتقنين وأهل الورع في الدين ممَّن عَنَى بعلم كتاب الله وكثرة تلاوته له وسهره فيه، وعَنَى بعلم السُّنن وواظب على جمعها والتفقه فيها إلى أن مات. عبادته وورعه وزهده: قال ابن سعد: أخبرني الحسن عن عمران بن عيينة ابن أخي سفيان قال: حججت مع عمِّي آخر حجة حجَّها سنة سبع وتسعين ومائة، فلمّا كان بجمع وصلَّى استلقى على فراشه ثم قال: قد وافيت هذا الموضع سبعين عاماً أقول في كل سنة: اللهم لا تجعله آخر العهد من هذا المكان، وإني قد استحييت من الله من كثرة ما أسأله ذلك. فرجع فتوفي في السنة الداخلة يوم السبت أول يوم من رجب سنة ثمان وتسعين ومائة ودُفن بالحجون (٣). وقال رجل: كنت أمشي مع سفيان بن عيينة إذ أتى سائل فلم يكُن معه ما يعطيه فبكى، فقلت: يا أبا محمد، ما الذي أبكاك؟ قال:

стр. 386

أيّ مصيبة أعظم من أن يؤمل فيك رجل خيراً فلا يصيبه (١). وعن أبي السري منصور بن عرار قال: تكلمت في مجلس فيه سفيان بن عيينة وفضيل بن عياض وعبد الله بن المبارك، فأما سفيان فتغرغرت عيونه ثم نشفت الدموع، وأما ابن المبارك فسالت دموعه، وأما الفضيل فانتحب، فلمّا قام الفضيل وابن المبارك قلت لسفيان: يا أبا محمد، ما منعك أن يجيء منك مثل ما جاء من صاحبَيك؟ قال: هكذا أكمد للحزن، إنَّ الدمعة إذا خرجت استراح القلب (٢). وقال أبو يوسف الفسوي: دخلت على سفيان بن عيينة وبين يديه قرصان من شعير، فقال: يا أبا يوسف، أما إنهما طعامي منذ أربعين سنة (٣). فقهه وفطنته: قال الحميدي: حدثنا سفيان، قال: حدثنا الزهري أنه سمع القاسم بن محمد يحدِّث أنه سمع عائشة تقول: دخل عليَّ رسول الله ﷺ وقد استترت بقرام فيه تماثيل، فلمّا رآه رسول الله ﷺ تلوَّن وجهه وهتكه وقال: «إنَّ أشدَّ الناس عذاباً عند الله يوم القيامة الذين يتشبَّهون بِخَلق الله ». قال سفيان: فلمّا جاءنا عبد الرحمن بن القاسم حدثنا بأحسن منه وأرخص وقال: أخبرني أبي أنه سمع عائشة تقول: قدم رسول الله ﷺ وقد سترت على سهوة لي بِقرام فيه تماثيل، فلمّا رآه رسول الله ﷺ

стр. 387

نزعه وقال: «إنَّ أشدّ الناس عذاباً عند الله يوم القيامة الذين يضاهون بِخَلق الله ». قالت عائشة: فقطعت منه وسادة أو وسادتَين (١). روى سفيان عن عمرو بن دينار عن الزهري في أطفال المشركين وفيه: «هم من آبائهم»، قال سفيان: فلمّا جاءنا الزهري تفقدته فلم يقُل إلا: «هم منهم» (٢). قال سفيان: ما سمعت ابن جريج في شيء قال: سمعت مجاهداً إلا في هذا (٣). حُسن وعظه: قال الشافعي: قدِم والٍ على اليمن (مكة) فكلَّمه بعض القرشيين أن أصحبه ولم يكُن عند أمي ما تعطيني ما أتحمَّل به فرهنت داراً بستة عشر ديناراً. وأعطتني فتحمَّلت بها معه، فلمَّا قدِمنا اليمن استعملني على عمل، فحمدت فيه فزاد من عملي، وقدِم العمّال مكة في رجب فأثنوا عليَّ وطار لي بذلك ذكر. فقدمت من اليمن فَلقيت ابن أبي يحيى وقد كنت أجالسه فسلَّمت عليه فوبَّخني وقال: تجالسوننا وتصنعون فإذا شرع لأحدكم شيء دخل فيه، أو نحو هذا الكلام.

стр. 388

قال: فتركته ثم لقيت سفيان بن عيينة فسلَّمت عليه فرحَّب بي وقال: قد بلغني ولايتك فما أحسن ما انتشر عنك وما أدَّيت كل الذي لله تعالى عليك ولا تعُد. قال: فجاءت موعظة سفيان إياي أبلغ مما صنع ابن أبي يحيى (١). عقيدته: كان صاحب سنَّة واتباع، ولم يكُن من أهل الجدل والأهواء (٢). قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الفضل بن موسى، حدثنا محمد بن منصور الجواز قال: رأيت سفيان بن عيينة سأله رجل: ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله، منه خرج وإليه يعود. وقال محمد بن إسحاق الصاغاني: حدثنا لوين قال: قيل لابن عيينة هذه الأحاديث التي تُروى في الرؤية؟ قال: حق على ما سمعناها ممَّن نثق به ونرضاه. وقال أحمد بن إبراهيم الدورقي: حدثني أحمد بن نصر قال: سألت ابن عيينة وجعلت ألحّ عليه فقال: دعني أتنفس. فقلت: كيف حديث عبد الله عن النبي ﷺ : «إنَّ الله يجعل السموات على أصبع» وحديث: «إنَّ قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن»، وحديث:

стр. 389

«إنَّ الله يعجب أو: يضحك ممَّن يذكره في الأسواق». فقال سفيان: هي كما جاءت، نقرُّ بها ونحدِّث بها بلا كيف. وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري: سمعت ابن عيينة يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. وقال الحميدي: قيل لسفيان بن عيينة: إنَّ بشراً المريسي يقول: إنَّ الله لا يُرى يوم القيامة. فقال: قاتل الله الدويبة، أَلَم تسمع إلى قوله تعالى: ﴿() * +، -﴾ [المطففين: ١٥]. فإذا احتجب عن الأولياء والأعداء فأيّ فضل للأولياء على الأعداء؟ من حكمه وأقواله: قال سفيان: أجهل الناس مَنْ ترك ما يُعلم، وأعلم الناس مَنْ عمل بما يعلم، وأفضل الناس أخشعهم لله. وقال: مَنْ زيد في عقله نقص من رزقه. وقال: مَنْ تزيَّن للناس بشيء يعلم الله تعالى منه غير ذلك شانه الله. وقال: إنما أرباب العلم الذين هم أهله الذين يعملون به. وقال: إذا كان نهاري نهار سفيه وليلي ليل جاهل فما أصنع بالعلم الذي كتبت؟ وقال: العلم إن لم ينفعك ضرّك. وقال: ليس العالم الذي يعرف الخير والشر، إنما العالم الذي يعرف الخير فيتبعه ويعرف الشر فيجتنبه. وقال: الزهد في الدنيا: الصبر وارتقاب الموت.

стр. 390

وقال: مَنْ كانت معصيته في الشهوة فارجُ له التوبة، فإنَّ آدم ﵇ عصى مشتهياً فغُفر له، فإذا كانت معصيته في كِبَر فَاخْشَ على صاحبه اللعنة فإنَّ إبليس عصى مستكبراً فلُعن. وقال: الراضي عن الله لا يتمنَّى سوى المنزلة التي هو فيها. وقال: ليس من حب الدنيا طلبك منها ما لا بدَّ منه. وقال: إنَّ العاقل إذا لم ينتفع بقليل الموعظة لم يزِده الكثير منها إلا شرًّا (١). وقال: الغيبة أشد من الدَّين؛ الدَّين يُقضى والغيبة لا تُقضى. وقال المسيب بن واضح: سُئل ابن عيينة عن الزهد، فقال: الزهد فيما حرَّم الله، فأمَّا ما أحل الله فقد أباحَكَه الله، فإنَّ النبيين قد نكحوا وركبوا ولبسوا وأكلوا لكن الله نهاهم عن شيء فانتهوا عنه وكانوا به زهَّاداً. وقال: مَنْ رأى أنه خير من غيره فقد استكبر، وذاك أنَّ إبليس إنما منعه من السجود لآدم ﵇ استكباره. وقال: أشدّ الناس حسرةً يوم القيامة ثلاثة: رجل كان له عبد فجاء يوم القيامة أفضل عملاً منه، ورجل له مال فلم يتصدَّق منه، فمات فورثه غيره فتصدَّق منه، ورجل عالم لم ينتفع بعلمه فعلم غيره فانتفع به.
следующие страницы →