← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 1329

أوهام المحدثين الثقات

سعيد باشنفر

Полный текст (5 923 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

أيّ مصيبة أعظم من أن يؤمل فيك رجل خيراً فلا يصيبه (١). وعن أبي السري منصور بن عرار قال: تكلمت في مجلس فيه سفيان بن عيينة وفضيل بن عياض وعبد الله بن المبارك، فأما سفيان فتغرغرت عيونه ثم نشفت الدموع، وأما ابن المبارك فسالت دموعه، وأما الفضيل فانتحب، فلمّا قام الفضيل وابن المبارك قلت لسفيان: يا أبا محمد، ما منعك أن يجيء منك مثل ما جاء من صاحبَيك؟ قال: هكذا أكمد للحزن، إنَّ الدمعة إذا خرجت استراح القلب (٢). وقال أبو يوسف الفسوي: دخلت على سفيان بن عيينة وبين يديه قرصان من شعير، فقال: يا أبا يوسف، أما إنهما طعامي منذ أربعين سنة (٣). فقهه وفطنته: قال الحميدي: حدثنا سفيان، قال: حدثنا الزهري أنه سمع القاسم بن محمد يحدِّث أنه سمع عائشة تقول: دخل عليَّ رسول الله ﷺ وقد استترت بقرام فيه تماثيل، فلمّا رآه رسول الله ﷺ تلوَّن وجهه وهتكه وقال: «إنَّ أشدَّ الناس عذاباً عند الله يوم القيامة الذين يتشبَّهون بِخَلق الله ». قال سفيان: فلمّا جاءنا عبد الرحمن بن القاسم حدثنا بأحسن منه وأرخص وقال: أخبرني أبي أنه سمع عائشة تقول: قدم رسول الله ﷺ وقد سترت على سهوة لي بِقرام فيه تماثيل، فلمّا رآه رسول الله ﷺ

стр. 387

نزعه وقال: «إنَّ أشدّ الناس عذاباً عند الله يوم القيامة الذين يضاهون بِخَلق الله ». قالت عائشة: فقطعت منه وسادة أو وسادتَين (١). روى سفيان عن عمرو بن دينار عن الزهري في أطفال المشركين وفيه: «هم من آبائهم»، قال سفيان: فلمّا جاءنا الزهري تفقدته فلم يقُل إلا: «هم منهم» (٢). قال سفيان: ما سمعت ابن جريج في شيء قال: سمعت مجاهداً إلا في هذا (٣). حُسن وعظه: قال الشافعي: قدِم والٍ على اليمن (مكة) فكلَّمه بعض القرشيين أن أصحبه ولم يكُن عند أمي ما تعطيني ما أتحمَّل به فرهنت داراً بستة عشر ديناراً. وأعطتني فتحمَّلت بها معه، فلمَّا قدِمنا اليمن استعملني على عمل، فحمدت فيه فزاد من عملي، وقدِم العمّال مكة في رجب فأثنوا عليَّ وطار لي بذلك ذكر. فقدمت من اليمن فَلقيت ابن أبي يحيى وقد كنت أجالسه فسلَّمت عليه فوبَّخني وقال: تجالسوننا وتصنعون فإذا شرع لأحدكم شيء دخل فيه، أو نحو هذا الكلام.

стр. 388

قال: فتركته ثم لقيت سفيان بن عيينة فسلَّمت عليه فرحَّب بي وقال: قد بلغني ولايتك فما أحسن ما انتشر عنك وما أدَّيت كل الذي لله تعالى عليك ولا تعُد. قال: فجاءت موعظة سفيان إياي أبلغ مما صنع ابن أبي يحيى (١). عقيدته: كان صاحب سنَّة واتباع، ولم يكُن من أهل الجدل والأهواء (٢). قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الفضل بن موسى، حدثنا محمد بن منصور الجواز قال: رأيت سفيان بن عيينة سأله رجل: ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله، منه خرج وإليه يعود. وقال محمد بن إسحاق الصاغاني: حدثنا لوين قال: قيل لابن عيينة هذه الأحاديث التي تُروى في الرؤية؟ قال: حق على ما سمعناها ممَّن نثق به ونرضاه. وقال أحمد بن إبراهيم الدورقي: حدثني أحمد بن نصر قال: سألت ابن عيينة وجعلت ألحّ عليه فقال: دعني أتنفس. فقلت: كيف حديث عبد الله عن النبي ﷺ : «إنَّ الله يجعل السموات على أصبع» وحديث: «إنَّ قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن»، وحديث:

стр. 389

«إنَّ الله يعجب أو: يضحك ممَّن يذكره في الأسواق». فقال سفيان: هي كما جاءت، نقرُّ بها ونحدِّث بها بلا كيف. وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري: سمعت ابن عيينة يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. وقال الحميدي: قيل لسفيان بن عيينة: إنَّ بشراً المريسي يقول: إنَّ الله لا يُرى يوم القيامة. فقال: قاتل الله الدويبة، أَلَم تسمع إلى قوله تعالى: ﴿() * +، -﴾ [المطففين: ١٥]. فإذا احتجب عن الأولياء والأعداء فأيّ فضل للأولياء على الأعداء؟ من حكمه وأقواله: قال سفيان: أجهل الناس مَنْ ترك ما يُعلم، وأعلم الناس مَنْ عمل بما يعلم، وأفضل الناس أخشعهم لله. وقال: مَنْ زيد في عقله نقص من رزقه. وقال: مَنْ تزيَّن للناس بشيء يعلم الله تعالى منه غير ذلك شانه الله. وقال: إنما أرباب العلم الذين هم أهله الذين يعملون به. وقال: إذا كان نهاري نهار سفيه وليلي ليل جاهل فما أصنع بالعلم الذي كتبت؟ وقال: العلم إن لم ينفعك ضرّك. وقال: ليس العالم الذي يعرف الخير والشر، إنما العالم الذي يعرف الخير فيتبعه ويعرف الشر فيجتنبه. وقال: الزهد في الدنيا: الصبر وارتقاب الموت.

стр. 390

وقال: مَنْ كانت معصيته في الشهوة فارجُ له التوبة، فإنَّ آدم ﵇ عصى مشتهياً فغُفر له، فإذا كانت معصيته في كِبَر فَاخْشَ على صاحبه اللعنة فإنَّ إبليس عصى مستكبراً فلُعن. وقال: الراضي عن الله لا يتمنَّى سوى المنزلة التي هو فيها. وقال: ليس من حب الدنيا طلبك منها ما لا بدَّ منه. وقال: إنَّ العاقل إذا لم ينتفع بقليل الموعظة لم يزِده الكثير منها إلا شرًّا (١). وقال: الغيبة أشد من الدَّين؛ الدَّين يُقضى والغيبة لا تُقضى. وقال المسيب بن واضح: سُئل ابن عيينة عن الزهد، فقال: الزهد فيما حرَّم الله، فأمَّا ما أحل الله فقد أباحَكَه الله، فإنَّ النبيين قد نكحوا وركبوا ولبسوا وأكلوا لكن الله نهاهم عن شيء فانتهوا عنه وكانوا به زهَّاداً. وقال: مَنْ رأى أنه خير من غيره فقد استكبر، وذاك أنَّ إبليس إنما منعه من السجود لآدم ﵇ استكباره. وقال: أشدّ الناس حسرةً يوم القيامة ثلاثة: رجل كان له عبد فجاء يوم القيامة أفضل عملاً منه، ورجل له مال فلم يتصدَّق منه، فمات فورثه غيره فتصدَّق منه، ورجل عالم لم ينتفع بعلمه فعلم غيره فانتفع به.

стр. 391

وقال: الورع طلب العلم الذي يعرف به الورع، وهو عند قوم طول الصمت وقلة الكلام وما هو كذلك، إنَّ المتكلم العالم أفضل عندنا وأورع من الجاهل الصامت. وقال يحيى بن عثمان: أتى رجل خراساني سفيان بن عيينة في مجلسه فرمى إليه بدرهمين فقال: حدِّثني بهما. فهمَّ به أصحاب الحديث، فقال: دعوه. ثم نكص وبكى ثم قال: اعمل بِقولي وإن قصرت في عملي ينفعك قولي ولا يضرّك تقصيري وذكر ابن خلكان أنَّ سفيان بن عيينة لما بلغه خبر جعفر وقتله وما نزل بالبرامكة حول وجهه إلى القِبلة وقال: اللهم إنه كان قد كفاني مؤنة الدنيا فاكفِه مؤنة الآخرة. تدليسه: قال ابن حبان في مقدمة صحيحه: وأمّا المدلِّسون الذين هم ثقات وعدول فإنّا لا نحتجّ بأخبارهم إلا ما بيَّنوا السماع فيما رووا مثل الثوري والأعمش وأبي إسحاق وأضرابهم من الأئمة المتقنين وأهل الورع في الدين لأنه متى قبلنا خبر مدلس لم يبيّن السماع فيه وإن كان ثقة لزمنا قبول المقاطيع والمراسيل كلها لأنه لا يدرى لعل هذا المدلس دلس هذا الخبر عن صغير يهي الخبر بذكره إذا عُرف اللهم إلا أن يكون المدلس يُعلم أنه ما دلس قط إلا عن ثقة فإن كان كذلك قُبلت روايته وإن لم يبيّن السماع. وهذا ليس في الدنيا إلا سفيان بن عيينة وحده فإنه كان يدلس ولا يدلس إلا عن ثقة متقن، ولا يكاد يوجد لسفيان بن عيينة خبر دلس فيه إلا وجد ذلك الخبر بعينه قد بيّن سماعه عن ثقة مثل نفسه والحكم

стр. 392

في قبول روايته لهذه العلة وإن لم يبيّن السماع فيها كالحكم في رواية ابن عباس (١) إذا روى عن النبي ﷺ ما لم يسمع منه (٢). قلت: سفيان قليل التدليس يدل على ذلك أنه حدَّث حديثاً عن معمر عن الزهري ثم قال: قد سمعته من الزهري بطوله فحفظت منه أشياء وهذا مما لم أحفظ منها يومئذ. وهو ما رواه الحميدي قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا معمر عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، قال: سمعت عمر بن الخطاب على المنبر يقول: إنَّ الله بعث محمداً بالحقِّ وأنزل عليه الكتاب، وكان ممّا أنزل عليه آية الرجم، فرجم رسول الله ﷺ ، ورجمنا بعده. قال سفيان: قد سمعته من الزهري بطوله فحفظت منه أشياء، وهذا ممّا لم أحفظ منها يومئذ (٣). هكذا بيَّن سفيان من حديثه هذا أنه لم يسمعه من الزهري إلا أنه دلسه ومما رواه البخاري في صحيحه عن علي بن عبد الله المديني، عن سفيان، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس قال: قال عمر: لقد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل لا نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله. ألا وإن الرجم حق على مَنْ زنَى وقد أحصن إذا قامت البيِّنة أو كان الحبل أو الاعتراف. قال سفيان: كذا حفظت، ألا وقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده (٤).

стр. 393

قال الحافظ: قوله (عن الزهري) صرَّح الحميدي فيه بالتحديث عن سفيان قال: أتينا للزهري فقال: إن شئتم حدثتكم بعشرين حديثاً أو حدثتكم بحديث السقيفة. فقالوا: حدِّثنا بحديث السقيفة. فحدثهم به بطوله، فحفظت منه شيئاً ثم حدثني ببقيته كذلك معمر (١). وروى البخاري قال: حدثنا الحسن بن الصباح البزار، حدثنا سفيان عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أنَّ النبيّ ﷺ كان يحدِّث حديثاً لو عدَّه العادّ لأحصاه (٢). ورواه الحميدي عن سفيان ثم قال: ولم يسمعه سفيان من الزهري (٣)، والحميدي أوثق وألزم أصحاب سفيان فكأنه صرَّح له بأنه لم يسمعه من الزهري ومع ذلك لم يؤثر هذا في حديثه، فأخرجه الإمام البخاري في صحيحه من طريقه. والله تعالى أعلم. علة وهمه: كان الشيخ يحدِّث ولا يسمح لتلاميذه بالكتابة ويحثّهم على الحفظ كما كانوا هم يحفظون، ثم إنَّ بعضهم كان يكتب إذا رجع إلى بيته من حفظه كل ما سمعه من شيخه في ذلك المجلس، ثم كان التلاميذ يتقابلون مع بعضهم للضبط.

стр. 394

قال الحميدي: ثنا سفيان، قال: وسمعت عمراً قال له رجل من أهل مكة: إنَّ سفيان بن عيينة إذا ذهب البيت يكتب عنك. فاستلقى عمرو على فراشه في المسجد فبكى فقال: أحرّج بالله على كل مسلم يكتب عني شيئاً. وقال لي عمرو: يا غلام، أنا حين كنت مثلك لا أنسى شيئاً سمعته (١). وتقدَّم اختلاف أصحاب الزهري في حديث أملاه عليهم في مجلسه من ضمن أحاديث عديدة وهل كان عن أبي سلمة أو سعيد بن المسيب فكان أضبطهم له سفيان، وسفيان كان يكتب وهذا بخلاف ما ذكره العجلي أنه لم تكُن له كتب (٢). ومما يدل أنه يكتب ما رواه الحميدي، قال: ثنا سفيان، ثنا عمرو عن أبي الشعثاء، قال: الرجل أحق أن يغسل المرأة من أخيها. قال سفيان: كنت قد نسيت هذا حتى وجدته مكتوباً عندي بخطي (٣).

стр. 395

الحديث الأول (١): ٨٤ - قال الإمام البخاري (٢٥٣): حدثنا أبو نُعيم قال: حدثنا ابن عيينة عن عمرو، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ وميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد. قال أبو عبد الله: كان ابن عيينة يقول أخيراً: عن ابن عباس عن ميمونة، والصحيح ما روى أبو نعيم. التعليق: هذا إسناد رجال كلهم ثقات رجال الشيخين.

стр. 396

وقد اختلف فيه على سفيان بن عيينة: فرواه أبو نعيم الفضل بن دكين عن ابن عيينة، عن عمرو، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس. فجعله من حديث ابن عباس ﵁ وخالفه أصحاب سفيان بن عيينة فقالوا: (عن سفيان، عن عمرو، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، عن ميمونة ﵂) فجعلوه من حديث أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث ﵂، منهم: الشافعي (١)، والحميدي (٢)، وأحمد بن حنبل (٣)، وعبد الرزاق (٤)، وأبو بكر بن أبي شيبة (٥)، وقتيبة بن سعيد (٦)، وابن أبي عمر محمد بن يحيى (٧)، ويحيى بن موسى (٨)، وإسحاق بن إسماعيل الطالقاني (٩)، وأبو خيثمة زهير بن حرب (١٠)، ومحمد بن إسماعيل الأحمسي (١١)، وعبد الرحمن بن بشر (١٢)، وسعيد بن منصور (١٣)، والقعنبي (١٤)،

стр. 397

وإبراهيم بن بشار الرمادي (١)، وذكر الإسماعيلي (٢) أيضاً ممن تابع الجماعة: المقدمي، وعثمان بن أبي شيبة، وعباس الترسي، وسريج بن يونس، وابن منيع، وعبد الجبار بن المخزومي، وابن البزار، وأبو همام، وأبو موسى الأنصاري، وابن وكيع، وعبد الرحمن بن مهدي. وهذا الاختلاف في السند إنما هو من ابن عيينة نفسه لا من قِبل الرواة، فقد قال البخاري عقب الحديث: (كان ابن عيينة يقول أخيراً: عن ابن عباس عن ميمونة، والصحيح ما روى أبو نعيم). اه. فرجح البخاري رواية سفيان الأُولى على روايته الثانية مع كثرة مَنْ روى عنه آخر قولَيه، ولم أجد مَنْ تابع أبا نعيم على روايته هذه عن سفيان. وخرَّج مسلم وغيره رواية الجماعة عن سفيان. قال الحافظ في «الفتح» (١/ ٣٦٦): (كذا رواه عن ابن عيينة أكثر الرواة، وإنما رواه عنه كما قال أبو نعيم مَنْ سمع منه قديماً، وإنما رجَّح البخاري رواية أبي نعيم جرياً على قاعدة المحدِّثين، لأن من جملة المرجحات عندهم قِدم السماع لأنه مظنّة قوة حفظ الشيخ ولرواية الآخرين جهة أخرى من وجوه الترجيح وهي كونهم أكثر عهداً وملازمة لسفيان، ورجحها الإسماعيلي من جهة أخرى من حيث المعنى، وهي كون ابن عباس لا يطَّلع على النبيِّ ﷺ في حالة اغتساله مع ميمونة، فيدل على أنه أخذه منها).

стр. 398

وقال ابن رجب في «فتح الباري» (١/ ٢٥٣): (هذا الذي ذكره البخاري أنَّ الصحيح ما رواه أبو نعيم عن ابن عيينة بإسقاط ميمونة من الإسناد فيه نظر، وقد خالفه أكثر الحفّاظ في ذلك. وخرَّجه مسلم عن قتيبة وأبي بكر بن أبي شيبة جميعاً عن ابن عيينة … وكذلك رواه الإمامان الشافعي وأحمد عن ابن عيينة. وذكر الإسماعيلي في صحيحه ممَّن رواه عن ابن عيينة كذلك: المقدمي، وابنا أبي شيبة، وعباس الترسي، وإسحاق الطالقاني، وأبو خيثمة، وسريج بن يونس، وابن منيع، والمخزومي عبد الجبار، وابن البزار، وأبو همام، وأبو موسى الأنصاري، وابن وكيع، والأحمسي. قال: وهكذا يقول ابن مهدي أيضاً عن ابن عيينة. قال: وهذا أَولى لأن ابن عباس لا يطَّلع على النبيِّ ﷺ وأهله يغتسلان، فالحديث راجع إلى ميمونة. وذكر الدارقطني في «العلل» أنَّ ابن عيينة رواه عن عمرو، وقال فيه: عن ميمونة. ولم يذكر أنَّ ابن عيينة اختلف عليه في ذلك. وهذا كله مما يبيِّن أنَّ رواية أبي نعيم التي صححها البخاري وهم). اه. قلت: ما ذكره الحافظان ابن رجب وابن حجر رحمهما الله من حيث ترجيح الرواية برواية الأكثر إنما يكون لو كان الخلاف هو منهم، لكن في هذه الحالة الوهم هو من شيخهم سفيان فيُنظر هل تابع سفيان في روايته هذه عن عمرو أحد على وجه من وجوه الاختلاف فيحكم لهذا الوجه.

стр. 399

إلا أننا لم نجد مَنْ تابع سفيان في روايته هذه على هذين الوجهين بهذا اللفظ. لكن روى مسلم (٣٢٣) من طريق ابن جريج قال: أخبرني عمرو بن دينار، قال: أكبر علمي والذي يخطر على بالي أنَّ أبا الشعثاء أخبرني أنَّ ابن عباس أخبره أنَّ رسول الله ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة. فهذا يرجح رواية أبي نعيم عن سفيان أنَّ الحديث من رواية ابن عباس لا ميمونة. لكن قال ابن رجب: إنَّ هذا لا يرجح رواية ابن عيينة لأن ذكر أبي الشعثاء جابر بن زيد في إسناده مشكوك فيه، ولو قدّر أنه محفوظ، فلفظ الحديث مخالف للفظ حديث ابن عيينة، فإنَّ حديث ابن عيينة فيه اغتسالهما من إناء واحد، وحديث ابن جريج فيه اغتساله ﷺ بفضل ميمونة، وهما حديثان مختلفان (١). قلت: صنيع الدارقطني يدل على أنهما حديث واحد. جاء في «العلل» (١٥/ ٢٥٩): (وسئل عن حديث ابن عباس عن ميمونة قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد. فقال: يرويه عمرو بن دينار واختلف عنه: فرواه ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، عن ميمونة. وخالفه ابن جريج فرواه عن عمرو، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس: أنَّ النبيَّ ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة.

стр. 400

وقول ابن جريج أشبه). اه. وكذلك قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي (١/ ٩١): رواه البخاري ومسلم وأبو داود (١) والنسائي وابن ماجه بألفاظ مختلفة. والله تعالى أعلم. وقد قال ابن رجب: وقد ذكر الإسماعيلي في صحيحه أنَّ المتقدمين كانوا لا يفرِّقون بين هاتين العبارتين، يعني (عن) و (أن)، وكذلك ذكر أحمد أيضاً أنهم كانوا يتساهلون في ذلك مع قوله أنهما ليسا سواء وأنَّ حكمهما مختلف لكن كان يقع ذلك منهم أحياناً على وجه التسامح وعدم التحرير (٢).

стр. 401

الحديث الثاني (١): ٨٥ - قال الإمام البخاري في صحيحه (٤٥٦): حدثنا علي بن عبد الله قال: حدثنا سفيان، عن يحيى، عن عمرة، عن عائشة ﵂ قالت: أتتها بريرة تسألها في كتابتها فقالت: إن شئت أعطيت أهلك ويكون الولاء لي. وقال أهلها: إن شئت أعطيتها ما بقي. وقال سفيان مرة: إن شئت أعتقتها ويكون الولاء لنا. فلما جاء رسول الله ﷺ ذكَّرَتْهُ ذلك فقال: «ابتاعيها فأعتقيها، فإنَّ الولاء لمَن أعتق». ثم قام رسول الله ﷺ على المنبر وقال سفيان مرة: فصعد رسول الله ﷺ على المنبر فقال: «ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، مَنْ اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فليس له، وإن اشترط مائة مرة». ورواه مالك عن يحيى عن عمرة (أنَّ بريرة) ولم يذكر (صعد المنبر). قال علي: قال يحيى وعبد الوهاب: عن يحيى عن عمرة نحوه. وقال جعفر عن عون، عن يحيى: سمعت عمرة: سمِعتْ عائشة. اه.

стр. 402

التعليق: تفرَّد سفيان في قوله: (وقال أهلها: إن شئت أعطيتها ما بقي) وهذه اللفظة وهم منه. فقد روى الليث بن سعد هذا الحديث عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂: أنَّ بريرة جاءت تستعينها في كتابتها (ولم تكن قضت في كتابتها شيئاً). أخرجه البخاري (١) ومسلم عن قتيبة بن سعيد عن الليث. وتابعه يونس بن يزيد (٢). قال ابن رجب في «فتح الباري» (٢/ ٥٢١): وفي حديث ابن عيينة شكَّ منه في لفظتين: إحداهما: هل قال في الحديث: (ثم قام رسول الله ﷺ على المنبر)؟ أو قال: (فصعد على المنبر)؟ وهذا اختلاف قريب لأن المعنى متقارب غير أنَّ رواية (قام على المنبر) تقتضي أنه خطب بذلك قائماً، وليس في مجرد صعوده ما يقتضي قيامه. الثانية: شكَّ سفيان هل في الحديث أنَّ أهل بريرة قالوا لعائشة: (إن شئت أعتقتها ويكون الولاء لنا؟) أو قالوا: (إن شئت أعطيتها ما بقي) بدل (أعتقتها).

стр. 403

وقد خرَّج ابن خزيمة في مصنَّف له مفرد في الكلام على حديث بريرة هذا الحديث عن عبد الجبار بن العلاء، عن سفيان وقال فيه: إنهم قالوا لعائشة: (إن شئت فأعطي ما بقي ويكون لنا الولاء). وقال: هذه اللفظة (فأعطي ما بقي) وهم … قلت (أي: ابن رجب): قد تبيَّن برواية البخاري عن ابن المديني عن سفيان أنه كان يتردد في هذه اللفظة ولا يجزم بها، وقد رواه الحميدي (٢٤١) وغيره عن سفيان ولم يذكروها إنما ذكروا لفظة (العتق).

стр. 404

الحديث الثالث (١): ٨٦ - قال الإمام البخاري (٥٣٦، ٥٣٧): حدثنا علي بن عبد الله المديني، ثنا سفيان، قال: حفظناه من الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيِّ ﷺ ، قال: «إذا اشتدَّ الحر فأبردوا بالصلاة فإنَّ شدة الحر من فيح جهنم. واشتكت النار إلى ربِّها فقالت: ربِّي، أكل بعضي بعضاً. فأذِنَ لها بِنفَسَين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فهو أشدّ ما تجدون من الحر، وأشدّ ما تجدون من الزمهرير». التعليق: هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين. وأخرجه الشافعي (١/ ٥٢)، والحميدي (٩٤٢)، وأحمد (٢/ ٢٣٨)، وأبو عوانة (١٠١٥) من طريق الحميدي، والبيهقي (١/ ٤٣٧) من طريق علي المديني والشافعي، وأبو يعلى (٥٨٧١) من طريق عمرو الناقد، كلهم عن سفيان به. وأخرجه أبو عوانة (١٠١٦) من طريق أحمد بن شيبان، وابن

стр. 405

حبان (٧٤٦٦) من طريق إسحاق بن إبراهيم، كلاهما عن سفيان مقتصراً على الشطر الثاني وهو قول: «اشتكت النار». وأخرجه النسائي في «الكبرى» (١٤٨٨)، وابن خزيمة (٣٢٩)، وابن الجارود (١٥٦)، وأبو عوانة (١٠١٤) من طرق عن سفيان مقتصراً على الشطر الأول. هكذا قال سفيان عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، قال: «إذا اشتدَّ الحر فأبردوا بالصلاة … ». «واشتكت النار إلى ربِّها … ». وخالفه أصحاب الزهري فرووا الشطر الأول فقط بهذا الإسناد وقرنوا أبا سلمة مع سعيد. وممَّن رواه كذلك الليث بن سعد (١)، ويونس (٢)، وعمرو بن الحارث (٣)، وابن جريج (٤)، ومعمر (٥)، وزمعة بن صالح (٦)، ويحيى بن سعيد الأنصاري (٧)، وإسماعيل بن أمية (٧)، وابن أبي ذئب، وابن أخي الزهري (٧)، وأسامة بن زيد (٧).

стр. 406

ورواه شعيب بن أبي حمزة (١)، وصالح بن أبي الأخضر (٢) عن الزهري عن أبي سلمة وحده، قال الدارقطني: الطريقان محفوظان كما سيأتي. أمَّا الشطر الثاني وهو قول «اشتكت النار» فإنه ليس من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، إنما هو من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة. هكذا رواه شعيب بن أبي حمزة (٣)، ويونس بن يزيد (٤)، ومعمر (٥)، فقالوا: (عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة). وكذلك رواه عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان (٦)، ومحمد بن إبراهيم بن الحارث (٧)، ومحمد بن عمرو بن علقمة (٨)، ثلاثتهم عن أبي سلمة عن أبي هريرة؛ لذا جزم الإمام أحمد بخطأ سفيان في هذه الرواية (٩). قال الخلال: أخبرنا زكريا بن يحيى، ثنا أبو طالب، أنَّ أبا عبد الله (يعني الإمام أحمد) قال: سفيان بن عيينة في قلة ما روى نحو

стр. 407

من خمسة عشر حديثاً أخطأ فيها في أحاديث الزهري، فذكر منها حديث «اشتكت النار إلى ربِّها» إنما هو عن أبي سلمة (١). قال الدارقطني: (وسئل عن حديث سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : «أبردوا بالظهر فإنَّ شدة الحر من فيح جهنم». فقال: يرويه الزهري، واختلف عنه: فرواه يحيى بن سعيد الأنصاري وإسماعيل بن أمية وعمرو بن الحارث ويونس بن يزيد والليث بن سعد وابن أخي الزهري، وابن أبي ذئب وأسامة بن زيد وابن جريج ومعمر عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة. وخالفهم شعيب بن أبي حمزة وصالح بن أبي الأخضر روياه عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة. ورواه ابن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة وجمع معه حديثاً آخر وهو قوله: «اشتكت النار إلى ربِّها … ». والقولان محفوظان عن الزهري) (٢). قلت: وقد جوَّد هذا الحديث يونس بن يزيد (٣) ومعمر (٤) فحدثا عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بالشطر الأول، وعن

стр. 408

الزهري عن أبي سلمة وحده بالشطر الثاني. أما وجه إخراج الإمام البخاري حديث سفيان هذا مع ما فيه من علة، فإنه إنما أخرجه في باب الإبراد بالظهر في شدة الحر من كتاب «مواقيت الصلاة»، وهذا المناسب للشطر الأول من حديث سفيان. وأخرج حديث شعيب في (باب صفة النار وأنها مخلوقة) من كتاب «بدء الخلق».

стр. 409

الحديث الرابع (١): ٨٧ - قال الإمام البخاري (٥٥٤٨): حدثنا مسدد، حدثنا سفيان عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂: أنَّ النبيَّ ﷺ دخل عليها وحاضت بسرف قبل أن تدخل مكة وهي تبكي، فقال: «ما لك، أَنَفِست؟» قالت: نعم. قال: «إنَّ هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاقضي ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت». فلمّا كنا بِمنَى أتيت بلحم بقر فقلت: ما هذا؟ قالوا: ضحَّى رسول الله ﷺ عن أزواجه بالبقر. التعليق: هذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين غير مسدد من رجال البخاري وأخرجه البخاري (٢٩٤) من طريق علي بن المديني وفي (٥٥٥٩) من طريق قتيبة بن سعيد، ومسلم (١٢١١) (١١٩) من طريق

стр. 410

ابن أبي شيبة وعمرو الناقد وزهير بن حرب، كلهم عن سفيان بن عيينة به. وأخرجه الشافعي في «السنن» (٤٥٩)، والحميدي (٢٠٦)، وأحمد (٦/ ٣٩)، وإسحاق بن راهويه (٩١٧) عن سفيان به، والنسائي (١/ ١٥٣ - ١٥٤) و (٥/ ١٦٥)، وابن ماجه (٢٩٦٣)، وأبو يعلى (٤٧١٩)، وابن الجارود (٤٦٦)، وابن خزيمة (٢٩٠٥)، وابن حبان (٣٨٣٤)، والبيهقي (١/ ٣٠٨) و (٥/ ٨٦)، كلهم من طرق عن سفيان بن عيينة به. هكذا قال سفيان عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أنَّ النبيَّ ﷺ (ضحَّى عن أزواجه بالبقر). خالفه عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون (١) فرواه عن عبد الرحمن بن القاسم بهذا الإسناد فقال: (أهدى رسول الله ﷺ عن نسائه البقر). ورواه حماد بن سلمة عن عبد الرحمن بن القاسم به فقال: (وذبح رسول الله ﷺ عن نسائه البقر يوم النحر) (٢). ورواه عمار الدهني عن عبد الرحمن بن القاسم به فقال: (ذبح عنّا رسول الله ﷺ يوم حججنا بقرة) (٣).

стр. 411

ورواه عمرو بن الحارث عن عبد الرحمن بن القاسم فقال: (فلمّا كان يوم النحر ذبح النبيُّ ﷺ عن نسائه البقر) (١). وروى يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرة عن عائشة ﵂ هذا الحديث وفيه: (فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟ فقيل: ذبح النبيُّ ﷺ عن أزواجه). قال يحيى: فذكرت هذا الحديث للقاسم بن محمد، فقال: أتتك بالحديث على وجهه (٢). وروى يونس بن يزيد عن الزهري، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ (نحر عن آل محمَّد في حجة الوداع بقرة واحدة) (٣). ورواه معمر عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة، ولفظه: (ما ذبح عن آل محمَّد في حجة الوداع إلا بقرة) (٤). وروى الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: (ذبح رسول الله ﷺ عمَّن اعتمر معه من نسائه في حجة الوداع بقرة بينهن) (٥). وهذا نص واضح في كون البقر المذبوح هو هدي لمن تمتع من

стр. 412

نسائه يؤيد رواية عبد العزيز الماجشون (١). قال الحافظ: أخرجه مسلم أيضاً من طريق عبد العزيز الماجشون عن عبد الرحمن بن القاسم لكن بلفظ (أهدى) بدل (ضحى) والظاهر أنَّ التصرف من الرواة لأنه ثبت في الحديث ذكر النحر فحمله بعضهم على الأضحية، فإنَّ رواية أبي هريرة صريحة في أنَّ ذلك كان عمَّن اعتمر من نسائه فقويت برواية من رواه بلفظ (أهدى) وتبيَّن منه أنه هدي التمتع فليس فيه حجة على مالك في قوله: لا ضحايا على أهل منَى. والله أعلم. الدلالة الفقهية: دلَّ الحديث على أنَّ الحاج وهو في منَى يضحِّي يوم النحر، وقد علمت أنَّ لفظ (ضحَّى) ليس به المراد الأضحية لأن الحاج الأفضل في حقِّه الهدي؛ لذا أخرج ابن خزيمة هذا الحديث في كتاب «الحج» وعقد عليه باب ذكر الدليل على أنَّ اسم الضحية قد يقع على الهدي الواجب إذ نساء النبيِّ ﷺ كنَّ متمتعات خلا عائشة التي صارت قارنة لإدخالها الحج على العمرة لما لم يتمكنها الطواف والسعي لعلة الحيضة (٢). وقال ابن حزم: (كلا اللفظين صحيح، لا نردّ أحدهما بالآخر، وكل أضحية هدي فمَن ضحَّى فقد أهدى الله -هدياً وليس كل هدي أضحية، والنسك اسم جامع لكلِّ ذلك) (٣).

стр. 413

إلا أنه قال بعد ذلك: وأيضاً فإنَّ سفيان ذكر التضحية زائدة معنى ليس في رواية الماجشون عن عبد الرحمن إذ قال: (أهدى) ولا رواية عمرة إذا قالت: (نحر رسول الله ﷺ والزائد في المعنى زائد علماً وسنَّة يلزم الأخذ بها. ثم ذكر الأحاديث التي وردت أنَّ النبيَّ ﷺ ذبح عمَّن اعتمر من نسائه بقرة عنهن وأنَّ هذا غير البقر الذي ضحَّى به … إلى آخر ما قاله، وهو تكلف واضح. قال ابن بطال: اختلف العلماء في المسافر: هل تجب عليه أضحية؟ فقال الشافعي: الضحية سنة على جميع الناس وعلى الحاج بِمنَى. وبه قال أبو ثور، وقال مالك: الأضحية على المسافر ولا يؤمر بتركها إلا الحاج بِمنَى. ومذهب ابن عمر أن: الضحية تلزم المسافر. وهو قول الأوزاعي والليث، وقال أبو حنيفة: لا تجب الضحية على المسافر. وروى عن النخعي أنه قال: رخص للحاج والمسافر أن لا يضحِّي، وحجة الشافعي هذا الحديث وهو قول: (ضحَّى رسول الله ﷺ عن أزواجه) وكانوا في الحج وفي حال سفر (١). الخلاصة: تفرَّد سفيان بن عيينة في قوله: (ضحَّى عن نسائه بالبقر)، وخالفه عبد العزيز الماجشون وهو مدني، وكذلك شيخهما عبد الرحمن بن القاسم مدني بخلاف سفيان فإنه مكي، فروايته أدق

стр. 414

ويحمل قول سفيان: (ضحَّى) كما قال ابن خزيمة أنه أراد به الهدي الواجب، وعبد العزيز الماجشون. قال أشهب: هو أعلم من مالك، وقال ابن حبان كان فقيهاً ورعاً متابعاً لأهل الحرمين، قاله ابن حجر عقب أن أورد ذلك: وكذلك قال البخاري.

стр. 415

الحديث الخامس (١): ٨٨ - قال الإمام البخاري (٧١٦٥): حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، قال الزهري، عن سهل بن سعد ﵁ قال: شهدت المتلاعنين وأنا ابن خمس عشرة فرق بينهما. التعليق: هذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين، وأخرجه البخاري أيضاً (٦٨٥٤) في كتاب «الحدود» باب مَنْ أظهر الفاحشة واللطخ والتهمة بغير بيِّنة وزاد فيه بعد قوله بينهما: (فقال زوجها: كذبت عليها إن أمسكتها. قال: فحفظت ذلك من الزهري: إن جاءت به كذا وكذا فهو … وإن جاءت به كذا وكذا كأنه وحرة فهو … وسمعت الزهري يقول: جاءت به الذي يكره). وأخرجه الشافعي في «السنن» (١/ ٢٦٥)، وفي «الأُمّ» (٥/ ١٢٦)، وفي مسنده (٢/ ٤٦) عن سفيان به، وأبو داود (٢٢٥١)، وأبو عوانة (٤٦٨٢)، والروياني في مسنده (١٠٧٧)، والبيهقي في «المعرفة» (١١/ ١٥١)، والطبراني في «الكبير» (٥٦٨٧) (٥٦٩٠)، وابن عبد البر في «التمهيد» (١٥/ ١٦)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢٥/ ٣٠٢)،

стр. 416

والبيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٤٠١)، كلهم من طرق عن سفيان به. هكذا قال سفيان عن الزهري عن سهل بن سعد أنَّ النبيَّ ﷺ فرق بين المتلاعنين. خالفه أصحاب الزهري فذكروا أنه (أي: الملاعن) طلَّق زوجته ثلاثاً قبل أن يأمره النبيُّ ﷺ بذلك منهم: مالك بن أنس (١) إمام دار الهجرة ولفظه: (فلمّا فرغا من تلاعنهما قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها. فطلَّقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله ﷺ . قال ابن شهاب: فكانت سنة المتلاعنين. والأوزاعي (٢) ولفظه: (قال: يا رسول الله، إن حبستها فقد ظلمتها. فطلَّقها، فكانت سنَّة لمَن كان بعدهما من المتلاعنين). وابن أبي ذئب (٣) ولفظه: (ثم قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها. ففارقها، ولم يأمره النبيُّ ﷺ بفراقها، فجرت السنَّة بين المتلاعنين). وابن جريج (٤) ولفظه: (فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد، فلمّا فرغا قال: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها. فطلَّقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله ﷺ حين فرغا من التلاعن ففارقها عند النبيِّ ﷺ .

стр. 417

فقال: ذاك تفريق بين كل متلاعنَين. قال ابن جريج: قال ابن شهاب: فكانت السنَّة بعدهما أن يفرق بين المتلاعنين). وفليح بن سليمان (١) ولفظه: (فتلاعنا وأنا شاهد عند رسول الله ﷺ ففارقها، فكانت سنَّة أن يفرق بين المتلاعنين). ويونس بن يزيد (٢) ولفظه: (حضرت لعانهما عند رسول الله ﷺ وأنا ابن خمس عشرة سنة، فلمّا فرغا من تلاعنهما قال: يا رسول الله، كذبت عليها إن أمسكتها. قال: فطلَّقها ثلاثاً). وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون (٣) ولفظه: (فطلَّقها قبل أن يأمره النبيُّ ﷺ . قال: فكان فراقه إياها سنَّة في المتلاعنين). وإبراهيم بن سعد (٤) ولفظه: (ففارقها قبل أن يأمره النبيُّ ﷺ بفراقها فصارت سنَّة بين المتلاعنين). وعقيل بن خالد (٥) ولفظه: (ثمَّ فارقها عند رسول الله ﷺ فكانت السنَّة بعد فيهما أن يفرق بين المتلاعنين).

стр. 418

ومحمد بن إسحاق (١) ولفظه: (يا رسول الله، ظلمتها إن أمسكتها، هي الطلاق، هي الطلاق، هي الطلاق). وفي رواية: (هي طالق البتة). وعياض بن عبد الله الفهري (٢) ولفظه: (فطلَّقها ثلاث تطليقات عند رسول الله ﷺ ، فأنفذه رسول الله ﷺ ، وكان ما صنع عند النبيِّ ﷺ سنَّة). وقرة بن عبد الرحمن (٣). لذا قال الإمام الشافعي بعد أن ساق حديث مالك وابن جريج وإبراهيم بن سعد، قال: (أخبرنا سفيان، عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد، قال: شهدت المتلاعنين عند النبيِّ ﷺ وأنا ابن خمس عشرة سنة. ثمَّ ساق الحديث فلم يتقنه إتقان هؤلاء) (٤). قال البيهقي: يريد ما مضى من رواية مالك وغيره (٥). ولذا قال أبو داود: (لم يتابع ابن عيينة أحد على أنه فرق بين المتلاعنين) (٦). وقال البيهقي: وقد رواه جماعة عن الزهري منهم الأوزاعي ثم

стр. 419

ساق حديثه، ومنهم يونس بن يزيد الأيلي ثم ساق حديثه قال: ومنهم سفيان بن عيينة إلا أنه لم يتقنه إتقان هؤلاء وزاد فيه ففرق بينهما (١). وقال ابن عبد البر: «وقال ابن عيينة عن ابن شهاب عن سهل أنَّ رسول الله ﷺ فرق بين المتلاعنين، وأنكروه على ابن عيينة. وقد كان ابن معين يقول في ذلك: ما حدثنا به عبد الوارث عن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا أحمد بن زهير، قال: سُئل يحيى بن معين عن حديث ابن عيينة وأنَّ النبيَّ ﷺ فرق بينهما فقال: أخطأ، ليس النبيّ ﷺ فرق بينهما. هكذا ذكره ابن أبي خيثمة في «التاريخ» عن ابن معين، فإن صحَّ هذا ولم يكُن فيه وهم فالوجه فيه أن يحمل كلام ابن معين على أن ليس النبيّ ﷺ فرق بينهما من حديث ابن شهاب عن سهل بن سعد» (٢). قال الدارقطني: (وأخرج البخاري حديث ابن عيينة عن الزهري عن سهل بن سعد وفرق بين المتلاعنين، وهذا ممّا وهم فيه ابن عيينة لأن أصحاب الزهري قالوا: فطلقها قبل أن يأمره النبيُّ ﷺ وكان فراقه إياها سنَّة، لم يقُل أحد منهم إنَّ النبيَّ ﷺ فرق بينهما. قال الحافظ معقباً: لم أره عند البخاري بتمامه، وإنما ذكر بهذا الإسناد طرفاً منه وكأنه اختصره لهذه العلة قبل الاعتراض عليه) (٣).

стр. 420

علة الوهم: دخل على سفيان حديث في حديث. فسفيان روى عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ فرق بين المتلاعنين. فهذا ثابت من حديث ابن عمر وهو في الصحيحين وغيرهما من طرق أخرى أيضاً عن ابن عمر (١). إلا أنَّ في حديث الزهري ليس فيه أنَّ النبيَّ ﷺ هو الذي فرق بينهما بل جاء صريحاً من حديث مالك وابن أبي ذئب وإبراهيم بن سعد أنه فارقها ولم يأمره النبيُّ ﷺ بفراقها. قال ابن عبد البر: (معنى قول أبي داود هذا عندي أنه لم يتابعه أحد على ذلك في حديث ابن شهاب عن سهل بن سعد لأن ذلك محفوظ في حديث ابن عمر من وجوه ثابتة، وأظن ابن عيينة اختلط عليه لفظ حديثه عن ابن شهاب عن سهل بن سعد بلفظ حديثه عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن ابن عمر) (٢). والله تعالى أعلم.

стр. 421

الحديث السادس (١): ٨٩ - قال الإمام مسلم في صحيحه (٣٦٣): حدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وابن أبي عمر جميعاً عن ابن عيينة، قال يحيى: أخبرنا سفيان بن عيينة عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس ﵁ قال: تُصُدِّقَ على مولاة لِميمونة بِشاة فماتت، فمرَّ بها رسول الله ﷺ فقال: «هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به». فقالوا: إنها ميتة. فقال: إنما حرم أكلها». قال أبو بكر وابن أبي عمر في حديثهما: عن ميمونة. التعليق: هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح. وقد اختلف على سفيان في هذا الإسناد.

стр. 422

فرواه أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد بزيادة ميمونة في الإسناد. وأخرجه كذلك الحميدي في مسنده (٣١٥)، وأحمد (٦/ ٣٢٩)، وأبو داود (٤١٢٠) من طريق مسدد ووهب بن بيان، والنسائي (٧/ ١٧١) من طريق قتيبة بن سعيد، وأبو يعلى (٧٠٧٩)، وابن حبان (١٢٨٩) من طريق أبي خيثمة زهير بن حرب، وأبو يعلى (٧١٠٠) من طريق إسحاق بن إسماعيل الطالقاني، وأبو عوانة (٥٤٨) و (٥٤٩) من طريق شعيب بن عمرو الدمشقي وعلي بن المديني، وأبو نعيم في «المستخرج على مسلم» (٧٩٨) من طريق الحميدي وابن أبي شيبة والقعنبي، والطبراني في «المعجم الكبير» (٢٣/ ١٠٣٧) من طريق القعنبي، والبيهقي (١/ ١٦) من طريق سعدان بن نصر، كلهم عن سفيان، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة. هكذا قال سفيان (عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة). خالفه مالك (١)، ومعمر (٢)، وصالح بن كيسان (٣)، ويونس بن يزيد (٤)، وعقيل بن خالد (٥)، والأوزاعي (٦)، ومحمد بن الوليد

стр. 423

الزبيدي (١)، وحفص بن الوليد (٢)، وصالح بن أبي الأخضر (٣)، وإسحاق بن راشد (٤)، وسليمان بن كثير (٥). فقالوا: (عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس)، لم يذكروا ميمونة في الإسناد. وقد رواه سفيان بمثل روايتهم، رواه عنه كذلك من أصحابه: الشافعي (٦)، ويحيى بن يحيى (٧)، وعمرو الناقد (٨)، وعلي بن المديني (٩)، وعثمان بن أبي شيبة (١٠)، ومحمد بن أحمد بن أبي خلف (١١)، ويحيى بن حسان (١٢)، وإبراهيم بن بشار الرمادي (١٣)، ومحمد بن أبي بكر المقدمي (١٤)، والحسن بن محمد الزعفراني (١٥)،

стр. 424

ويحيى بن آدم (١)، وسفيان بن وكيع (٢)، ومحمد بن عيسى الدامغاني (٣)، وعبد الجبار بن العلاء (٤)، ومحمد بن أبي عبد الرحمن المقرئ (٥). وهذا الاختلاف من ابن عيينة فرواه عنه جمع من أصحابه وهم: ابن أبي شيبة، وعمرو الناقد، والحميدي، وأحمد، ومسدد، ووهب، وقتيبة بن سعيد، وأبو خيثمة، والطالقاني، وشعيب بن عمرو، وابن المديني، والقعنبي، والرمادي، وسعدان بن نصر، هؤلاء كلهم رووه عن سفيان بذكر ميمونة في الإسناد. ورواه عنه قوم آخرون فجعلوه في مسند ابن عباس لم يذكروا فيه ميمونة. قال الحميدي عقب الحديث: وكان سفيان ربما لم يذكر فيه ميمونة فإذا وقف عليه قال فيه: ميمونة. وقال علي بن المديني وقد أخرجه عن سفيان بدون ذكر ميمونة قال: وقال سفيان غير مرة: عن ابن عباس عن ميمونة (٦). وقال أبو داود: حدثنا مسدد، حدثنا يزيد، حدثنا معمر، عن الزهري بهذا الحديث لم يذكر ميمونة (٧).

стр. 425

وقال ابن حجر: والراجح عند الحفَّاظ في حديث الزهري ليس فيه ميمونة (١). وقال محمد بن يحيى الذهلي: لست أعتمد في هذا الحديث على ابن عيينة لاضطرابه فيه (٢). وقال ابن عبد البر بعد أن ذكر رواية الإمام مالك: وكذلك رواه معمر ويونس والزبيدي وعقيل، كلهم عن ابن شهاب، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن النبيِّ ﷺ ، وكان ابن عيينة يقول مراراً كذلك ومراراً يقول فيه: عن ابن عباس عن ميمونة (٣). هذا ما يخص الإسناد. أمّا في المتن فقد ذكر بعض أهل العلم أنَّ ذكر الدباغ في حديث الزهري وهم لأن الثقات المقدمين في الزهري لم يذكروه، مثل: الإمام مالك، ومعمر، ويونس بن يزيد، وصالح بن كيسان، ومَن تابعهم كالأوزاعي، وصالح بن أبي الأخضر، وإسحاق بن راشد. لذا قال الإمام أحمد فيما نقله ابنه عبد الله قال: سمعت أبي يقول: (اذهب إلى حديث ابن عكيم جاءنا كتاب رسول الله ﷺ قبل موته بشهر أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب). وحديث ابن عباس قد اختلف فيه، قال الزهري: عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة، ولم يذكر فيه الدباغ، وذكر ابن عيينة الدباغ ولم يذكره معمر ولا مالك وأراه وهم، قال معمر وقال الزهري:
следующие страницы →